مساقط الضوء - جاسم عاصي

قصص - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:27 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية القصة 1998 القصة 1997
 

3895610

بالتأكيد سيثيركم مثل هذا العنوان للقصة، التي اتخذت لغة الأرقام، بدلاً من الكلمات، وربما تقولون؛ إن القاص هذا سيجري معنا حساباً، أو قد يشح في يده المال، مما يضطره إلى طلب الاستدانة، أو إلى مايشبه ذلك، مما يدفعكم إلى رمي قصاصة الورق هذه، وإبعاد كل ماقد تسببه هذه القصة من احتمالات، والانصراف إلى غيرها، لاتجعلنا طرفاً في قضية لا نرغبها، سواء كان مادياً أو حسياً أو عاطفياً. لكني أتعجل مثل هذه المشاعر والمفاجآت كي أضمن قراءة قصتي هذه إلى آخرها. إذ لابد من القول، إن هذا الرقم الذي اتخذته عنواناً لقصتي، هو رقم المبلغ من المال الذي حصلت عليه كمكافأة على خدمتي بالوظيفة بعد أن أحلت على التقاعد، بخدمة ثلاثين عاماً، وهو ليس مشروعاً للشكوى ومن ثم الاستدانة. فهو قد أرقني كثيراُ منذ استلمته من المصرف، عبر مذكرة، تحولت من اللون الأبيض إلى المانشيت الذي تقاطعت عليه التعليقات والبيانات والحسابات، طولاً وعرضاً، بأخبار مختلفة، آخرها ما أجراه المدقق من وضع علامات الصح على أطراف بعض الأرقام، فاستحقت المصادقة على ضوئها. أدرج المحاسب توقيعه عليها مما سهل للموظفة المختصة أمر تنظيم شيك بالمبلغ، نحو مصرف يقع في طرف المدينة، ولأني لا أستطيع الوصول إليه عبر تأجير باص لوحدي، ولا الانتظار والتحول من واحد إلى آخر، لذا فقد استخدمت قدمي الكليلتين، اللتين أتعبهما العمل في المدارس النائية في شتى أصقاع المياه والأرض، وحين أدركت المصرف، قصدت الموظفة التي تجري وتسهل أمر صرف الشيك، دققت فيها، ثم رفعت رأسها، ولأول مرة أحسست بالإنسانية تتجمع في وجه تلك المرأة التي دفعت بتهانيها وتمنياتها لي بطول العمر والسعادة، لكنها استدركت قائلة:‏

- ألم تتعجل في الأمر، فسنك يبدو دون ذلك..‏

ابتسمت، وحمدت الله على نعمته، ثم قلت:‏

- لا أعتقد، فأنا قد تجاوزت الخمسين، ثم إني استوفيت الخدمة وأكثر، وإني متعب جداً..‏

- عندها ابتسمت وذكرت..‏

- ماشاء الله، أطال الله في عمرك، وتبدأ عملاً آخر يعينك على أمور الحياة الصعبة.‏

لذا فأعتقد أن رفضكم قراءة القصة بات غير مبرر، خصوصاً وأني قبضت المبلغ، ولابد من مشاركتي همومي تجاهه أو معه، فمنذ تسلمي المبلغ هذا وأنا في حيرة من أمري، ففي الصباحات أضعه في جيب سترتي، متجولاً في المدينة، وفي المساءات أضعه في جيب (دشداشتي) جالساً مع أفراد عائلتي لمشاهدة برامج التلفزيون، ولحظة تحين ساعة النوم أضعه تحت وسادتي، إذ يساورني القلق والأرق، حيث تبدأ الأفكار بالدوران، ولم يسأل أحد من أفراد أسرتي عن مبلغ المكافأة، فهم يعتقدون أنه مبلغ كبير جداً، وأنا قلق بين أن أبوح بمقداره أو أُبقيه سراً إلى أن أشيد مايتداخل في ذهني من مشاريع.. وصدقوا أنه بقدر ماتشغلكم، وكادت أن تكون سبباً لنفوركم من قراءة القصة، تجنباً من الدخول في حرج ومداخلة مادية، في وقت يصعب فيه العيش. فقد أرقني وشاركني في كل لحظة من الزمن تمر، سواء كان في الليل أم في النهار، خاصة عندما أخلد إلى النوم، فالكل ينعم بنوم عميق إلاّ أنا، فأبقى مستيقظاً، لا أبرح جنبني الأيسر، حتى الخدر، خوفاً من إقلاق زوجتي، مما يسبب لها الأرق مثلي، وهي التي تعاني من المشهد اليومي للسوق، مطلقة الآهة تلو الأخرى، حامدة الله، وشاكرة له، لكن ما أدركه، أنها تعاني كثيراً، تكبت حزناً كثيفاً.‏

في قيلولتي، بعد أن يغادرني الجميع إلى الفراش، يبدو عليّ التحديق في شاشة التلفزيون، غير أنه من الممكن اكتشاف عكس ذلك، ما إن يوجه أحدهم لي سؤالاً عما عرض أمامي، فإني أعجز عن الإجابة، كان المبلغ أعلاه يدور في رأسي، إذ لابد، وبأقصر زمن تنميته، وتكوين وتطوير إمكانياته قبل أن تتراكم الأيام. ويسأل أحدهم عن المكافأة التي منحتني إياها دائرتي بعد خدمة هذه السنين الثلاثين، خصوصاً يأسهم من الحصول على الراتب الشهري قبل ستة أشهر، أو قد يتعطل أكثر. كما يشكو البعض ممن سبقني الدخول إلى هذه المقبرة. قلت في نفسي؛ لأبحث عن صديق أشاركه بما لدي من رأسمال. حيث نستطيع سوية الإنتاج والمنفعة، لكني أجبتُ، من يقبل مشاركتي بهذا المبلغ الذي كان قبلاً يشكل رقماً مهماً، صعب الحصول عليه، لمن يمثلون ذوي الدخل المحدود، وفعلاً أعرضت عن هذه الفكرة، وقلت، ربما أعطيه لبعض الأصدقاء، وديعة يعمل هو به ويمنحني بعض الفوائد التي بالإمكان جمعها، كما يفعل البعض أيضاً. لكن إذا سألني عن المبلغ، فماذا سأقول له..؟! ثم أي أرباح سوف يعطيني هذا الإنسان إزاء مبلغ ضئيل كهذا.. فابتسمت في سري، ورددت؛ أني أحلم بأشياء كبيرة، أكبر من حجم ما أملك، لذا تركت مثل هذه الفكرة، وحصرت ذهني في أمر البحث عن أسلوب يعتمد عليّ وحدي دون مشاركة أحد. وأخذني هذا ليال وصباحات، ثم مساءات، أحاول أن أسرق الوقت الذي أحصل عليه، حيث أكون لوحدي للتفكير بجدية في هذا الأمر، إلى أن توصلت إلى حل شخصي، هو العمل في بيع السجائر بالمفرد، كما يفعل البعض، وراقت لي الفكرة كثيراً، إذ أنها تخلصني من إشكالات المشاركة والمتاجرة مع الآخرين، مما قد يسبب لي حالة من التصادم والتقاطع، وعدم التفاهم بجدية، ومرونة بالأرباح التي تدرها مبالغنا.. وحين راقت لي هذه الفكرة، استرحت كثيراً من الوقت، حيث استنفذ القلق تأثيره عليّ، وسكنت روحي من لغطها وتوجسها، وبأني عثرت على ضالتي في اختيار الطريق السليم، والموفق الذي يحل كل إشكالاتي حيث سينمو المبلغ بين يدي، ثم ينمو وتتسع دائرة عملي وسيطرتي على ظروفي، إذ من الممكن يومها تحويل العمل إلى أوسع، في فتح كشك بيع السجائر وغيرها. إذ يكون بالإمكان التوسع، عندها سأقوم بسد احتياجات البيت وأفراد الأسرة، واحداً، واحداً، خاصة من يواصلون دراستهم وعلى كل المستويات من التعليم، كذلك بالإمكان تطوير مانحتاجه من أثاث المنزل، إلى غير ذلك من احتياجاتنا في الحياة، خاصة بالإمكان الإلتفات إلى زوجي ونفسي، لتغيير مالم نستطع تغييره أثناء العمل الوظيفي، وبهذا يتحقق لنا أكبر قدر من الاحتياجات، وبأقصر زمن ممكن، لحظتها نتذكر الوظيفة، وماكانت تضيفه علينا من متاعب وعوز، وتحديد من مد سيقاننا على راحتها، حابسة أنفاسنا، غير أني استدركت بلمحة سريعة، ما أفسد عليّ نشوة الانتصار هذه، لحظة بزغ في رأسي نجم يشير إلى أن سعر السجائر لهو أكبر من أن يسده هذا المبلغ، فهي في ارتفاع دائم، ومضاربات تجارية، يصعب الوقوف عليها.. فأنا أجهل أسعارها، بسبب من عدم التدخين، غير أني أسمع الأصدقاء الذين تحولوا من شراء العلبة إلى المفرد، ومن المفرد إلى اللّف بالورق والتبغ، مما يسبب لهم مدخنة واحتراقاً غير مرغوبين، يذكرني منظرهم وهم يعالجونها بوالدي، وهو يخرج علبته كي يعمل له سيجارة بمهارة، فأعرضت عن المشروع.‏

أحسست أن كل الأبواب قد سُدّت بوجه هذا المبلغ اليتيم الذي يرقد معي في كل لحظة، والأيام تتوالى، ومن الصعب إخفائه عن أفراد الأسرة، خصوصاً أمام حاجاتهم. فحين ذكرت زوجي؛ أن الأولاد بحاجة إلى لوازم مدرسية، تذكرت أسعارها المرتفعة، كذلك بعض الملابس، خصوصاً أن ولدها يريد أن يظهر بالشكل اللائق أمام أقرانه في الجامعة، وهذا يتطلب توفير مستلزمات ذلك له، أما الصغار فقد تعودوا لبس مايتركه بعضهم لبعض، صاغرين، لحظتها لم أدقق، إلاّ في المبلغ الذي حررته عنواناً لقصتي هذه، وماذا سيقولون عني؟! ربما يعلقون، وربما ستسقط ورقتي أمامهم، ورحت أدور أفكاري المتداخلة أمام مبلغ لا يوفر كماً واحدة من قميص لأحدهم، فكيف بي شراء الكم الثاني وبقية أجزاء القميص؟! وإذا قدر لي وأكملت قطع غياره تلك، فكيف يتسنى لي إكمال ماتبقى من حاجات له. لذا قررت أن أجمعهم وأبوح بسري أمامهم.. ولا أدري لمَ سبب هذا القرار لي الهدوء. وبحاجتي للضحك. وتمنيت لو كنت لوحدي لفعلت ذلك. كلهم كانوا يحيطون بي كالسوار الجميل، محدقين بما يعرضه التلفزيون، وأنا أتحين الفرصة المليئة بالشجاعة ، لأبوح بسري لهم.‏

شباط 1996‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244