الصوت و الصدى - د. مســعود بوبو

كتابات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:29 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية القصة 1998 القصة 1997
 

كلماتٌ لـ "مسعود جوني"

تفيق عيون "مشقيتا" لقمرٍ يبدأ في ليلها نومه الوديع في سلام..‏

تفيق آذان "مشقيتا" على نواح حمائمها ترتّل بهديلها القرآن الكريم..‏

وتتهاوى السواقي أوتارَ ربابٍ على ضلوع الأرض.. ويغتسل الريحان ليصلّي. تحبس الطرقات أنفاسها وتنتظر، وتنكفئ النوافذ على حزنها البيتيّ. تتكئ "مشقيتا" على كبريائها.. وعلى رمحٍ في خاصرتها تنام الأغاني الشجيّة..‏

طوبى لقريةٍ أحبّتك تتلّفع بالصبر الجميل وتعيد قراءة الفاتحة.. والصوت يرحل.. طوبى لقريةٍ تسمو على مايحيط بها من السفوح والأودية والمنحدرات.. تسمو على مابصدرها من الهموم وتنسى.. تسمو على اليمين واليسار والمدار.. وتتزمّل بغيمةٍ خضراء.. بخلعةٍ خضراء كغابةٍ من السنديان والتقوى.. طوبى لك يامحطّ الطيور التي تأنف المنخفضات.. طوبى لأعلامك وأكفانك البيض راجعةً بالأصوات والشهداء.‏

عليّةٌ أنتِ ولا تصل إليك الحشرجات.. قريبةٌ أنتِ ولا تصل إليك التنهدات.. وأنا عنك، وعمّن أحبّ بعيد..‏

حين شهقت "دمشق" بالخبر طوت الغيوم مناديلها المبلّلة.. ومن حول "مشقيتا" لملمت الأشجار ظلالها، وكفّت الرياح عن اللهو، والرعاة رجعوا من البراري، ونشبت غصّةٌ في حلوق الينابيع القريبة..‏

كنت بعيداً عنك "يامسعود"..‏

أكان في وجهك الرضيّ المسامح بعض عتاب؟!‏

لِمَ لم تتمهّل قليلاً؟ لِمَ سحبت يدك من أيدينا؟ عجلان على غير عادتك.. واتفاقنا الأخير لم يُنجز.. لن أنسى كلماتك الأخيرة ماحييت:‏

"مشقيتا" لا تتخلّى عن محبيها.. الدعوة والقلب مفتوحان، فتعال جدّد حزنك الأبيّ"..‏

كان حبّك أعلى من الملامة والعتاب.. وكانت بسمتك الودودة المرحبّة أبداً تفيض بما في قلبك الكبير من الصفح والغفران.. والصوت يرحل..‏

يخيّم الوجوم ثقيلاً خانقاً فوق المدى المغتّم.. ويصير زيتون "مشقيتا" عقوداً من الصحبة الحميمة. ويصير زيتاً من الدمع الحائر في المآقي.. من رأى أنين المعاصر يحمل حزنه ويجري به في الطرقات؟!‏

والصوت يرحل...‏

كنّا اتفقنا على أن نستعيد أشعارك القديمة الأولى في أماكن نظمها "بمنازل الوحي" حيث كنّا نحلم بصياغةٍ جديدةٍ لهذا العالم المعطوب من خلال الحرب، والشعر ومداومة القراءة والحوار.. كنت وحدك الذي لم أختلف معه مرّةً واحدةً... وكان فضل "نديم" و"حكيمة" و"إبراهيم" علينا كبيراً. كانوا يمدّوننا بالكتب آملين أن يكون لنا في المستقبل صوتٌ مسموعٌ.. وها أنت ذا ترحل بصوتك الأسيان... ونُبقي نحن على حصّتنا منه ملء القلب والسمع والذاكرة: كتّاباً وأصدقاء.. ووطناً.. وبما يليق بك، وبمشقيتا من الإجلال والإعزاز...‏

رحلت وأنا بعيدٌ عنك ياصديقي.. وصار الطريق إلى الطمأنينة صعباً.. وفي كلّ يومٍ يزداد صعوبةً ومرارة... وكلّما أطفأت "مشقيتا" واحداً من قناديلها يصير الاقتراب همّاً يتناهبه العذاب والهلع.. يصير الصعود إلى ذلك المطلّ المنيف ذوبَ روحٍ ورجْعَ شجنٍ معتّق قديم.. وكلّما طوت "مشقيتا" واحداً من أعلامها تأرّق ليلها وطال.. فمن بعد يهزّ سريرها لتغفو على الجراح الدواني؟‏

من سيغنّي فيها الحصاد والقطاف وجني الزيتون وزفاف الصبايا والشهداء؟! من سيحكي البدايات.. من سيقصّ إباءها ويرسم النهر الذي يكبر في الوادي الجنوبيّ القرير؟!‏

ها هو ذا صوتٌ دافئٌ يغلق نافذة السهر ويرحل.. يطلق فرسه في حقول قمحٍ تخضّبت بألوان الفجر والشفق.. وحيدةً كقمرٍ مجفلٍ خلف السحب.. يتيح للبخور أن يتّقد ويتغلغل في شرفات البيوت وأصداغ الأمهات.. يترك في "مشقيتا" رفوف القبّرات تعلو وتعلو وهي تصلّي.. ثمّ تهوي نيازك في القميص الجويّ الرقيق.. يترك زغردةً من عصافير ذبيحة على سكاكين الأسيجة.. وتغمض التنانير عيونها على الرماد.. ومن جديد يصير الطريق صعباً إليك يا صديقي.. يصير غمامةً من الأسى والاختناق. فأيّة مسافةً هذه التي كموج البحر وأنت لم تنتقل إلاّ من العين إلى القلب..‏

سلاماً ياصديقي.. سلاماً لمن ترَكنا نتأمّل كيف ترحل الأصوات، وتبقى حقول القصب...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244