الصوت و الصدى - د. مســعود بوبو

كتابات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:29 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية القصة 1998 القصة 1997
 

تــجليــّات الســـيّدة "ن"

لا ياصاحبي، لاتكابر ولا تتسرّع.. فحتى أنت لن تكون محايداً أو بمعزلٍ عمّا يجري إذا ماتحرّينا دخيلة نفس السيّدة "ن".. دعك من خصوصيّة الأشياء، وتجاوز عن التفصيلات صوناً للأسرار الجليلة الخاصّة.. ثم، من يدري فقد يكون الحديث العام أقدر على تعرّف جوهر النفس الخبيء؟!.. أيتّما حال، فقد تكون السيدة "ن" امرأةً كحلم العمر، يترقرق في البال بديلاً عمّا فاتك من النعمى والمسرّات.. قد تكون حلّماً أنت الذي تعيد صياغته وتفيء إليه في زمن الوعي.. وقد تكون حالةً كالمرآة الصقيلة تلتمس فيها هواجسك، وحقائقك، وصبواتك، وقد تكون قضيّة، أو خلاصاً أو وطناً!.‏

في مبنى ما، عندما عبرت أمامك أوّل مرةٍ قالت الشهقة: هذه امرأةٌ يتجدّد فيها الخلق.. سيّدةٌ تطلق في الذاكرة إفاقة عذوبة الغابات.. آه، من يعي كيف يتسابق الضباب الفجري عابقاً بالندى، متطيّباً بالسكينة والاخضرار، متحلّقاً حول أشجار الساسم والدلب والأبنوس، في غلالةٍ من الضياء الشفيف؟!.. ومثلما يسمق هذا الشجر النضير يهوي القلب هناك في وادٍ بعيد القرار.. ثمّ يستحيل نَبَضَانُه طبولاً إفريقيّة.. ومع التبدّل القاريّ يقترب القطبان من خط الاستواء..وتفيق الذاكرة:‏

تتعاقب فيها تشابيه العيون والأعناق والظباء.. وتتلاحق المَشْيَات نَعَاماً.. وتتوالد الجباه والوجنات من ألق مصفّى، وفي كلّ ثانيةٍ يتدفّق في الوجه شفتان أكثر نضارة وتوردّاً. يصير بعداً لا يوصل إليه، ومُضِيّاً لا يُلْحق به.. ثمّ يدنو فيكون مدّ الكلام.. مدّ اليد والمصافحة.. وربّما مد الأنفاس.. يدرك العقل والحسّ أن اجتياز هذه المسافة إقرارٌ بالحمق والانتحار، ويدرك العقل في المقابل أنّ أقصر المسافات كلّها ما امتدّ بين الإنسان والإنسان.. ومامن أحدٍ يتحكّم بالخطوة التالية عندما يصير بيد القلب قياد الروح..‏

يقول من معي: نتابع القضيّة غداً، قم وتعال معي نشرب القهوة عند السيّدة "ن" ونقوم. ترحّب بنا وهي تبتسم، فتخالها توشك أن تذوب رقّةً وألفة.. وإذ يرتعش بين أصابعها الرقيقة فنجان القهوة وتفيض قطراتٌ منه تقول: طيّب.. أيّ إنسانٍ يمكن أن يرتبك أحياناً.. ويدور بنا الحديث، فتبدو السيدة "ن" غنيّة بألوان المعرفة الاطّلاع، مهتمّة بالفن والثقافة والإنسان.. لا تتقصّد تخيّر الموضوعات والأحاديث ولكنها تتخيّر الكلمات بعنايةٍ كأنّها تعدّها للتتزّيّن بها، أو تحسب قبل الأوان أنّها قد تحاسب عليها! كان هدوؤها عفويّاً وحركتها بغير تكلّف.. في اختصار:‏

كان حضورها جميلاً يتأبّى على الوصف، وفي اللقاءات بعد ذاك كان الحديث ينمو، ويتنوّع، وربّما يطول أو ينعطف باتجاه الخصوصيّات، حتى يتوقّف على حافّة الأسرار.. وهكذا مع الزمن كانت السيّدة "ن" تتجلّى أُمّاً مثقلةً بكلّ هموم الأمهات والأولاد، بهموم التطبيب والتدريس والتربية وبقيّة المتطلّبات التي لا تنتهي والإنفاق الذي صار ضرباً من الحصار العصري لا مخرج منه.. وكانت تتجلّى حيرةً موزّعة بين الطموح إلى العمل أو السفر، أو الإبداع.. وبين الانتظار والقبول بالمقسوم.. كان حديثها في السياسة أيضاً موزّعاً بين استحسان السياسية الخارجيّة وانتقاد مايجري في الداخل، أو التحفّظ مكتفيّةً بطرح التساؤلات.. وأحياناً كانت تعيد قصّ معاناتها النفسيّة بصيغة المجموع: من نحن في هذا المدار المرحليّ؟! حناجر استمرأت اليباس والجفاف، نغصّ حتى بالتنهّد.. ننتظر الزمن الحي ونحن نبتعد في الزمن المقتول كسفينةٍ تفرّ من ضجيج المدينة ويتشرّبها في البحر أفقٌ مغتّم.. نبتعد من أنفسنا وماضينا وأمننا الذي كان.. ومن ذواكر من أحببناهم، وخلْنا أنّهم أحبونا.. أتعرف "السانيّة"؟ لابدّ أنّك رأيتها في مصر؟؟ نحن كتلك الجاموسة المعصوبة العينين تمتح الماء ليُسقى ماحولها.. نحن، كأننا ندور بعينين مغمضتين حول أنفسنا، الساعات ذاتها.. والفلاّح الذي يضرب الجاموسة لتبدأ الدوران حول البئر يأتي في آخر النهار ليفكّ إسارها وتحلبها امرأته، ربّما قبل إطعامها، وإذا ما غررت بأصحابها وماتت في صمت، وفي غفلةٍ عنهم سلخوها وأفادوا من جلدها بطريقةٍ ما... وفي كلّ وقتٍ: مع النور، والظلمة، والقيلولة يستحيل وقت النفس إلى مدافعةٍ مضنية ضدّ الغثيان.. تحسّ أنّ كلّ ما ازدهى فيك، كلّ ما أمّلته يفرّ منك دفعةً واحدةً كخيام قبيلةٍ اقتلعها الإعصار.. ثمّة "مَلْنخوليا" تحثُّ تدّفقها في شرايين الوقت... ملْنخوليا" حقنت بها غدد الروح والساعات التي كانت خليّة!..‏

بغير إرادتك تصير السيّدة "ن" الفائقة الجمال مواطنة تزحمها المعاناة وتصير مثلها أنت: حالة إنسانيّة لها نفس المسار.. تصير "ن" طرفاً في الهمِّ اليوميّ، تصير أختاً وصديقة، تصير هذا الوجع الإنساني الذي يقترب حتى التوحّد.. وفي الفضاء العليّ يبتعد العشق الذي فرد جناحية كطائرٍ غريبٍ يحار أين يتّجه!!...‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244