الصوت و الصدى - د. مســعود بوبو

كتابات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:32 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية القصة 1998 القصة 1997
 

أصـوات خفيضــة

لمجموعة متعددة ومتنوعة من الأسباب والمورثات الأخلاقية يكره الناس السرقة والسارقين، ونحن في غنى عن سرد تلك الأسباب تفصيلاً، لأن الإنسان يدركها ويقدر فسادها غريزياً من غير تحليل أو تفنيد أو طويل محاكمة، وهي ليست صعبة الإدراك على وجه العموم، إنما يحتاج إدراك خطرها إلى فضل تأمل وجرأة..

من حيث المبدأ أو العرف الاجتماعي يقر الناس أن السرقة آفة أو جريمة اجتماعية بالمعايير الدينية أو القضائية أو الأخلاقية، تعلو الأصوات محتدة بالحديث عنها داخل البيوت النظيفة، ويهمس بها في محاذرة وخفوت خارجها.. وفي المجالس الخاصة حيث التوافق التربوي والعقلي ترتفع الأصوات أيضاً في غيظ وحدة عند الحديث عن هذا الوباء الاجتماعي، ويحجم عن الخوض فيه أمام الغرباء، أو في الأماكن العامة، والمتحدثون في هذا-بداهة- لا يخافون السرقة بمفهومها المطلق أو المجرد، كما لا يخافون من ذكر العدالة، والحرية، والصداقة، والحب وأمثالها من المفهومات الذهنية المجردة.. وليس سبب رهبتهم هذه الحرص على ما يملكون، فربما كانوا لا يملكون سوى الضمير الذي تصعب سرقته، ولا الحرص على موقف الحياد، أو الزهد في الدعوة إلى الإصلاح أو التطهير.. إنما هو خوف آخر.. قد يكون خوفاً من السارقين أنفسهم.. فأنت لا تدري متى وكيف يسرقون الرقاب والألسنة..

نحن لسنا سجلاً إحصائياً لحوادث، ووقائع وأسماء بأعيانها.. ونحن لا نريد أن نقدم الأدلة والشهود، أو أن نسمي الأشياء بأسمائها، إنما نحن نتحدث عن ظاهرة مطلقة.. عن ظاهرة قد تكون تاريخية، أو قديمة، أو محلية، أو عالمية، أو مستقبلية.. ولو كان هناك أي قرار أو قانون أو توصية أو توجيه بحظر التحدث عن الظواهر العامة لسكتنا.. ولكن الحديث عن الظواهر يدل على رقي الاهتمام وإشغال الفكر والمحاكمة العقلية، وإلا فكيف أثبت العلم مجموعة كبيرة منها، كالجاذبية، ودوران الأرض، والمد والجزر، والكسوف والخسوف، والجريمة، والطلاق؟!..

فَلِم نتحاشى أحياناً الحديث عن السرقة، أو نتمنى أن يثيره ذوو العلاقة المباشرة في الأمن أو القضاء؟! ولم نمنع أحياناً أنفسنا من الخوض فيه؟!

في تاريخنا وتاريخ غيرنا من الأمم كان ثمة سارقون وسرقات، ولم يلغ الحديث عن السرقة، أو يسن مبدأ التكتم عليها أو على مرتكبيها.

بل إن النبي الكريم عندما تشفع به أقرب الناس إليه في أمر رجل سرق قال: "كنتم إذا سرق فيكم الضعيف أقمتم عليه الحد، وإذا سرق الغني سكتم عليه، واللّه لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها"..

وفي خلافة عمر بن الخطاب كان شيء من مثل ذلك، فقد بلغه أن أحد عماله أثرى، وحين استدعاه وساءله أنكر ذلك، أو قلل من شأن ما يملك، ولكن الخليفة وقف على الحقيقة عرضاً أو مصادفة، وحينها قال قولته المشهورة: "أبت الدراهم إلا أن تمد أعناقها" وخاطبه يزيد بن الصعق الكلابي في أمر عماله المسؤولين عن أموال المسلمين، وطلب الانتصاف له منهم حين قال:

نؤوب إذا آبوا ونغزو إذا غزوا

 
 

فأنى لهم وفر ولسنا بذي وفر

إذا التاجر الهندي جاء بفأرة

 
 

من المسك راحت في مفارقهم تجري

منذ ذلك التاريخ البعيد أدرك أجدادنا أن السرقة ظاهرة يمكن أن يتحدث عنها وأن تثار وأن تعالج وليس هذا وعظاً، وإنما هو نوع من البوح والتسار، أو محاولة للاقتناع بأنه لا ضير في فتح نوافذ البيوت والحديث بصوت مسموع عن قضية ليست فردية، لعلّنا نبلور موقفاً عاماً يجمعنا على استهجان الغلط الصريح.. والمسألة شبيهة بالتطعيم ضد الأوبئة، أو بالحديث عن التلوث البيئي.. والسكوت هنا تستّرُ على الباطل، وقبول بالجريمة، بل قد يكون مشاركة غير مباشرة فيها.. ومظاهر السرقة لا تقف عند السطو على المنازل ليلاً، أو أخذ أموال الناس خفية، كما يعرفها القدماء أو المعجم اللغوي المتخصص، فهذه النماذج أو الشواهد يعرض لها التلفاز أحياناً، وتتناول بشيء من التحليل العلمي الوجيه الذي لا يخلو من بؤس خبيء، والدائرة كلما ضاقت قل شأنها في مثل هذه الأمور، وعولجت محلياً، وبأدوات قد تكون محدودة.. أما الذي يمكن أن يكون إجراء منهجياً في المجتمع كله فدائرته أوسع، ومن يمكن أن يكونوا أدواته ورموزه بارعون في الاحتيال والتنكر والاجتهاد لتفادي التهمة، أو هكذا يتوهمون، ولكن حاسة الشم عند عامة الناس دقيقة وعادلة كما يقول فكتور هيجو.

دعك من الحقائق والوثائق، ودعك من التحليل والتنظير، واعلم أن مفهوم السرقة كمفهوم الخيانة لا يتعدد في العرف أو المبدأ... إن سرقة الشيء الزهيد كسرقة الكنوز والأوطان والآثار، والترخص في الجزئيات يفضي إلى الترخص في الكليات، وقد يبدأ الورم صغيراً، ثم يصير مقتلاً، وإلا فكيف نقنع صغارنا بأن سرقة دفاتر زملائهم حرام، والتوقيع على ورقة رسمية مخالفة للحقيقة، أو قبول هدية ثمينة جداً، أمر لا ضير فيه، ولا شبهات؟! وكيف نقنعهم، وهم يشاهدون التلفاز، أن سرقة النيل، أو الآثار الوطنية هو مجرد تمثيل، لا غبار عليه؟! ألسنا بذلك نتعمد سرقة المبادئ والقناعات من عقول الناس، وقلوبهم؟! ونزعزع اليقين بالثوابت التي ناضل الشرفاء، وضحى الشهداء من أجلها؟!

 

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244