الصوت و الصدى - د. مســعود بوبو

كتابات - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:33 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية القصة 1998 القصة 1997
 

اللاذقية.. الصوت والصدى

مدينة من زبد وغيم..‏

والأجراس من قديم كالمصابيح ترتعش في مهب الريح.. والموج.. والزمن.. وها هو ذا البحر يمد أصابعه المالحة، ويتلمس طريقه صاعدا من القدمين إلى الخاصرة.. فينزع "الأوغاريتيون" ثيابهم ويترامون في عبقه..‏

كان الوقت يطيب..‏

كان الوقت يطيب ويرتجل الأعياد، والذكريات، والمواسم.. تحت غمرة الضياء.. وكان السابحون -حين على راح البحر تمضي السفن- ينشغلون بعدّ أجنحة النوارس البليلة وهي ترسم فرحها الجوي..‏

أجل.. الأجراس من قديم تصدي.. وإلى اليوم تستجيب لصداح البحر الأبدي..‏

والمدينة تحيك معزوفة من صوته العميق..‏

تحيك من جحافل الأمواج غيوماً تمتطي رحلة الريح إلى الشرق..‏

وفي الشرق.. غير بعيد، تتلفع بها الجبال، وتزخرفها بخضرة الصنوبر البري.. تتشربها مع "الأووف" و"الليا" و"العتابا"..‏

من رأى الجبال ترتدي معطفاً من الغيوم الشاطئية؟!.. تعيدها أنهرا وسواقي من الحنين.. وتنحدر مسرعة إلى حيث يبتدئ الغناء.. ولا ينتهي؟!‏

-أصوات من الماضي المبتعد.. أصوات "الأوغاريتيين" و"المتنبي" و"المعري".. أصوات النوارس، ورعود الشتاء..‏

ووقع المطر الساحلي..‏

-أصوات البواخر القادمة، وجأرات البواخر المغادرة، والقطار القادم من الشرق.. أصوات المآذن والأجراس.. ودفء صوت الحب والسهر..‏

ووقع المطر الساحلي..‏

من يقيم موازنة بين الصوت والصدى؟!‏

***‏

واللاذقية في البال صبية تحيل الذاكرة طائرة من ورق ملون..‏

تطلق الذاكرة في فضاء الزرقة العميقة..‏

ويبقى خيط من شباك الصيد البحري في يدها..‏

خيط تشد به القلب والذاكرة.. فأين تمضي بعيداً عنها؟!‏

أين في غير حضنها تستريح؟!‏

وكيف بعيداً عنها تطيب لك أغاني الشجن.. والسلوان؟!‏

هل جلست على مطل "الطابيات" مرة، وسرحت النظر في رحاب البحر؟!‏

حين تخرج الريح الغربية من عباءة البحر، وتبدأ هياجها الشتوي يصير الشاطئ ملحمة من صخب وضوء..‏

تُعوِل الريح العاصفة وتزمزم بين الخلجان الصغيرة ساحبة حشود الموج من غدائرها، صافقة بها وجنات الصخور المنكمشة في وجوم وفزع.. وفي الأعالي تتزاحم السحب المعتكرة، وتتدافع كأسراب من النوق الأسطورية المجفلة، تزداد ارتعاداً وتراكما، وتمضي غير عابئة بزجر صوت الرعد القاصف.. والشمس تولول بين أودية الغيوم.. صاعدة هابطة في شبه جنون، كغزالة تفر من صياديها..‏

تصير اللاذقية "مظلة" بحرية منصوبة على وجنة الرمل الغريق..‏

والأرض من حولها ترتجف وتترقب مكتومة الأنفاس..‏

تقول الأرض في حالة طلق؟!‏

بين الماء والسماء.. في المدى البحري الشاهق تنتصب شباك من خيوط المطر الموصول.. تنقاد في طواعية لألاعيب الريح.. تتقدم في أنساق وتروح تمشط شعر المدينة المغسول..‏

لا يتعب البحر، ولا يستريح..‏

ها هو ذا يتقدم نحو المدينة كراع مهيب يسوق قطعانه بجلجلة الأجراس والصفير.. يتقدم مظاهرةً من الضوضاء والأصوات.. وأمام جبروته يختنق الموج متدافعاً..‏

ثم يشهق في قامات تتسامق وترتمي.. فيختلط أمام العين نثار الزبد بنثار أشعة الشمس الآفلة.. والريح حيرى تلوذ بأكناف البيوت.. أو عجلى تخترق رقاد الزيتون نحو المصايف.. تحس أن الريح تبحث عنك، والصوت يستبيح فيك مملكة الروح والجسد.. وعلى مر السنين يظل يسكنك الصدى!!‏

***‏

وحين يعتل البحر ويوعك من حمّى الصيف، يمد هجعته بساطا من الزرقة المشربة بالاخضرار، وفي فتور ووهن يتنهد بالموج.. والنسيم الكليل يستطيب قيلولته.. حول سرير البحر يتحلق الناس.. وبطيئة ترتحل الغيوم والسفن، وتلوذ أسراب الحمائم بالظلال، والأصوات تَقْصُر أو تهاجر.. تصير المدينة استلقاءة من عرق وملح!‏

تصير أرجوحة موزعة بين السهاد والسهر الحميم.. وشيئاً فشيئاً ترحل القلوب إلى المرايا.. وتغفو..‏

***‏

هل رأيت اللاذقية صبحا تفك ياقات النوافذ، وتخرج متهادية على الشاطئ المنّدى؟!‏

هل رأيتها ترتشف قهوة الموج الرخيم، وفوقها نوارس الصباح تستحم في زرقة الطمأنينة والدّعة؟! وعبر المدى البحري المغتسل بالنور تموت زوارق الصيادين وتحيا.. والماء يختطف القصص المحترقة، وفي الليل يعيد قصها للعشاق والسمّار.. والريح مؤاتية..‏

يا للأصباح الهانئة تتقطر بالرعشة وتفتح باب القلب، مضرجةً برذاذ الموج، والصمتُ شجيّ ومطبق كقبلة حب طويلة..‏

***‏

أحياناً، تبدو بعض أماسي المدينة كأنها خارجة من تنهد البحر!‏

تحبو متثاقلة بالحيرة والرطوبة والاغتراب..‏

كُدرة البخار تنهض من جسد الماء.. ومعها تنسحب أنفاس الميناء، وتثاؤب البواخر الراسية كحقائب من خيبة يتسلل إلى وحدتها الخوف.. ونحو الغرب، يحمل الأفق لجين اللون على كتفيه ويرحل..‏

رويدا رويدا تتماحى ظلال المآذن.. وفي خفوت تلتحف المدينة بغمامة من الشهبة الغامقة.. تصير كتابا غبشاً.. وتطوى.. إلا من الذاكرة. وعلى مهل يبتلع الليل غصتها.. وضوءها.. وصوتها..‏

ويبقى الصدى.. "يدق في الشطآن أجراسا حزينة"..‏

تنكفئ النفس على أوجاعها المعتقة.. وتحلم بمنفى..‏

ويخفق طائر القلب بموسيقى شجية..‏

موسيقى تنداح من غفوة البحر إلى تعاقب الفصول.. وتتغلغل في أعماق الروح كنظرة امرأة عاشقة.. ولا شيء ينسى!‏

***‏

من سنين كانت غدائر المدينة تمتد حتى شفة البحر..‏

مسافة "الكورنيش" كانت قصيرة ضيقة.. لكنها كانت تغتني بالناس: وجوه بهيجة مرحبة، أيد تتشفع بالرمز وتلوّح، عيون لهيفة تستعير مناقير السنونو، وترسم عشقها تحت مقلة الشمس، ضحكات تفر من أعشاشها الصغيرة كقبرات مجفلة، موجات بحرية تمد أعناقها في ذهول وتدنو، ويغمغم النسيم بأغنية مالحة وهو يواكب الخطا الرشيقة.. لكأن المدينة كلها على موعد.. موعد غير معلن.. ولكنّ أحداً لا يتخلف عنه.. كيف كان صدر الطريق يتسع لكل أولئك البشر..ويحتفي بهم؟!‏

هنالك كانت تتفتح وردة المدينة..‏

تستحيل اللاذقية إنشاداً حميماً يشترك في أدائه الجميع..‏

وفي الليل يجيء الصدى عذبا، رقيقا، يحمل إليهم شفافية الحلم، ويقاسمهم الوسائد الدافئة..‏

***‏

من سنين كانت حناجر المدينة حين يخنقها القيظ، أو تستبيحها العواصف البحرية ترفع أشرعة الغناء وترحل في عبابه.. تاركة شواطئ الضيق خريفاً من المناديل البيض المبللة بالدمع والمطر..‏

كانت حين تجوع تمشي حافية على الصخور المسننة، وتخرج بأقدامها المجرحة وبالسمك المدمى، وتأكله نيئا..‏

كانت لا تعلن جراحها لأحد.. تداوي جراحها بالملح، أو تنام على جراحها.. كانت حين تقترب الحرائق تتعمد برمل الشاطئ المتقد.. وتكتفي.. وكانت حين تُهدّد تصير على حافة الرقص..‏

وحين يأتونها بجثث الشهداء تصير على حافة السفر..‏

وكان الغائب عنها -حين يستعيد صداها- يصير على حافة البكاء..‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244