(إيحاءات جديدة) قصص قصيرة جداً - ضياء قصبجي

من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:36 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية القصة 1998 القصة 1997
 

القصة رقم 8

من الهاتف، تناهى إلى سمعي صوت شقّ صفوف حياتي، وأزاح اعتباراتي، وهمس همساً حانياً... صوتٌ كأنَّه انبعث من مقبرة ليحملني من الآن، ويضعني أمام ما كان.. وتحت وطأة شعور مفاجئ.. دفعني لأن أستجيب للنداء العائد من ملفّات الزمن الراحل، ثم أهيِّئ نفسي وأنطلق من بيتي.. أطوي الطريق بفكر متّقد، أوقظ به ذكريات دُفنت، وحب طواه الزمن.‏

..............‏

من بعيد رأيت إنساناً لم أتبينّه أوّل الأمر.. حتى وضعتُ نظارتي.. كان يخطو باتَّجاهي.. وكنتُ أخطو باتِّجاهه..‏

كان هو.. وكنتُ أنا...‏

التقت نظراتنا، وأيدينا.. فذاب الجليد المتراكم فوق سفوح النفس، قلت له مداعبة:‏

-لم أعرفك من بعيد.. قلتُ من هذا الرجل البدين الأصلع الذي يتّجه نحوي..؟!‏

قال:‏

-أمّا أنتِ فمازلت كالقمر المنير.‏

تبادلنا ضحكة جوفاء.‏

وفي الحديقة جلسنا على مقعد ساكن تحت ظلِّ شجرة عظيمة.. تنحني أغصانها المورقة فوقنا، فتبدو وكأنّها تسترق السمع.. راح يبثّني شوقه وحبه، وأسفه لفراقنا.. طلب مني أن نعاود اللقاء في أماكن هادئة.. رفضت بشدّة.. كرّر توسُّلاته، كرَّرت رفضي.. ظلَّ يلحُّ محاولاً إقناعي، حتى أفسد اللقاء الشاعري الذي كنت أرغب.. وظلَّ يلحُّ، حتى نسيت ذلك الذي أحببته فيما مضى.. وبقي أمامي إنسان لا أعرفه البتّة.‏

حينئذٍ، وقفت وقلت له بعصبيّة:‏

-لتعلم... أنّ الماضي كالميت.. لايعودُ إلاّ من خلالِ الذاكرة.‏

ذهب هو... بقيتُ أنا، أرقبُ ذلك الرجل...‏

وهو يمشي باتّجاه المقبرة.‏

والغريب أنه لم يكن هناك غير الشجرة، وأغصانها المنحنية فوقنا تسمع وتعجب من ذلك الحب الذي خلال دقائق تحوَّل إلى كراهية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244