|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:46 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
التمهــــيد
من المناسب، قبل
البدء بدراسة المقالات النقدية المنشورة في الصحافة اليومية العراقية التوقف عند
ثلاث قضايا مهمة، نرى أن من اللازم تناولها قبل الدخول في صميم الموضوع
الأساس لهذا الكتاب. هذه القضايا
هي: البداءات النقدية وحال النقد قبل عام 1958، والنقد في الصحافة، والمناهج
النقدية، إذ لا بد لنا، ونحن ندرس النقد بعد عام 1958، من أن نلم المامة، وإن كانت
سريعة بالحالة التي كان عليها نقد الشعر العربي الحديث قبل تلك المرحلة. ولا بد لنا، ونحن
نتحدث عن النقد المنشور في الصحافة، من أن نطلّ، ولو من نافذة ضيقة، على حال
الصحافة وعلاقتها بالأدب لكي نكوّن صورة واضحة عن الميدان الذي ندخل إليه، فضلاً
عن ذلك نرى أن من الضروري التوقف عند موضوع المناهج النقدية وكيف وردت إلينا، عبر
الترجمة، من الغرب، لكي نتبين علاقة الاتجاهات النقدية الموجودة في العراق بتلك
المناهج النقدية. 1
لا شك في أن
النقد الأدبي العربي، عامة، بدأ على نحو لا يمكن أن يقال عنه أنه نقد يقوم على أسس
معرفية وعلمية على ما هو الحال في النقد الأوربي، ففي أواخر القرن التاسع عشر
وأوائل القرن العشرين، وعندما بدأت بوادر النهضة الأدبية العربية، عرف الأدباء
العرب النقد ومارسوه نظرياً وتطبيقياً، غير أننا يمكن أن نعدّ كتابات حسين المرصفي
وخليل مطران وجماعة الديوان وجماعة ابولو إرهاصاً بالنقد القائم على أسس فهم جديد
يختلف عن الأسس النقدية التي كانت شائعة فيما مضى، ولا سيما فيما يتعلّق بالنظر
إلى القصيدة بوصفها كلاً قائماً على أساس وحدة عضوية. بيد أن النقد
الذي كتب في العراق إبّان تلك الحقبة الزمنية ما كان له أن يستشرف التطورات
الجديدة التي طرأت على النقد العربي، فظل نقداً لغوياً تقليدياً قائماً على أساس
التصويبات اللغوية والعروضية، شأنه في ذلك شأن نقد أواخر القرن التاسع عشر الذي
كان على ما يرى أحمد مطلوب: "تقريظاً ليس فيه نظرات شاملة ولا التفاتات نقدية
بارعة، وكان جلّه مديحاً وخلع ألقاب على الكتّاب والشعراء"(1). وإذا كان قسم من
الباحثين(2) يرون في كتابات أبي الثناء الآلوسي وحيدر الحلي علامات دالة على أحياء
التراث النقدي اللغوي العربي القديم فمنهم من يعترف بأن الآلوسي: “كان مفسراً أكثر
منه ناقداً، ولغوياً أكثر منه منظّراً لفن الشعر(3). إن نقد الشعر
العربي الحديث في بداءاته التي كانت لغوية تقليدية يرينا كم كان النقاد بعيدين عن
استشراف الأبعاد الفنية والفكرية للقصائد التي نقدوها، فلم يحاولوا تبيّن جماليات
تلك القصائد، كما أنهم لم يسعوا إلى دراستها على وفق رؤية تحليلية وصفية، وهذا ما
دعا أحد الباحثين إلى القول إن مفهوم النقد لدى كثير من أدباء العراق في عشرينات
هذا القرن كان: "مفهوماً قلقاً وسلبياً، إذ لم يكونوا قد تبينوه باتزان، ولم
يدركوا أبعاد العملية النقدية ومهماتها ومستلزماتها(4). هذا القلق وتلك
السلبية يمكن تعرّفها من الكتابات النقدية التي نشرت في المجلات والصحف والكتب،
فقد أخذ حسين الظريفي على الزهاوي استخدامه كلمات لا توائم موضوعه، إذ قال عن مطلع
قصيدة للزهاوي هو:
"كان ينبغي على الأستاذ أن يبدل لفظة الحريق بـ (الغرام) لأن
الموضوع وصف وتغزّل فتناسبه ألفاظ كالغرام والعشق والحسن والمحبة، وكذلك لو اعتاض
عن عجز هذا البيت بـ (تأجج في سوداء مهجته جمر) لكان أليق(5)". وقد تجد أمثلةً
نقدية يتحول فيها النقاد إلى (متعاركين) يستهزئ الواحد منهم بالآخر ويسفّه آراءه
على نحو يفتقد اللياقة والاحترام المتبادل الذي يُفترض توافره بين المتحاورين كوصف
أحدهم لكلام غيره بأنه سفسطات وترّهات عريضة ووصفه له بالمتهور الذي يسير في
المنام.(6). إن الاهتمام
النقدي بالجوانب اللغوية على نحو تقليدي نجده سمة عامة للنقد الذي كتب في العراق
أوائل هذا القرن، فهو لا يولي عناية للقصيدة من حيث كونها إبداعاً فنياً يستحق
التحليل واكتشاف المزايا الجمالية والفكرية فيها، وقد اتفق أغلب الباحثين على
النظر إلى ذلك النقد اللغوي بهذا المنظار، حتى أن عباس توفيق رضا أطلق صفة
(التقليدي) على المنهج النقدي الذي درس الشعر في العراق خلال عشرينات وثلاثينات
هذا القرن(7)، وكان ماهر حسن فهمي قد أطلق صفة (المذهب الكلاسيكي) على النقد الذي
يُعنى بالأحكام الجزئية في بيت الشعر، تلك الأحكام المتعلقة بلفظة أو معلومات حسية
بعيدة عن القيم الشعرية(8). وما كان للنقد
الأدبي أن يستمر على هذا النحو بوجود التطورات الثقافية والسياسية التي حدثت بعد
تلك الحقبة الزمنية، فقد اغتنت الحركة الأدبية والنقدية وافرزت أدباً جديداً كان من
نتائجه ظهور شعر التفعيلة في العراق وظهور حركة نقدية رافقت هذا الشعر، سواء التزم
النقاد المسهمون بتلك الحركة جانب شعر التفعيلة أم خالفوه، وقد أفلحت تلك الحركة
في إيجاد ملامح اتجاهات نقدية أسهمت في تطور النقد في تلك المرحلة. رأى باحث أن
الحركة النقدية التي كان شعر التفعيلة قد ولّدها بعد الحرب العالمية الثانية يمكن
وضعها تحت ثلاث مسميات هي: الآراء النقدية المعارضة لشعر التفعيلة والآراء النقدية
المؤيدة له والآراء التوفيقية، وقد حلل ذلك الباحث تلك الآراء متوصلاً إلى أن ما
كان معارضاً منها لشعر التفعيلة جاء مقتضباً، صفته إطلاق الأحكام العامة من غير
لجوء إلى التعليل وأنه لا يخلو من التحامل المسرف في إطلاق النعوت التي تحاول
السخرية من تلك التجربة وشعرائها، في حين اتسم أسلوب مؤيدي شعر التفعيلة بالمناقشة
الدقيقة الهادفة إلى إبراز الجوانب الفنية في القصيدة الحديثة، كما أن ألفاظ الشتم
والسباب أقل وروداً في معرض آراء هذا التيار، كما تتسم مناقشاتهم بالهدوء وتمتزج
في آرائهم الثقافة العربية الموروثة مع الثقافة الغربية المكتسبة(9). غير أن ذلك
الباحث لم يضع الكتابات النقدية التي حللها تحت تسمية منهج معين أو اتجاه ما، خلاف
ثابت الآلوسي الذي حلل الأمثلة النقدية السابقة لشعر التفعيلة والمواكبة له ووضعها
تحت تسمية (اتجاهات نقدية). وينبغي لنا، هنا،
أن نكون حذرين من إطلاق صفة (مناهج) على الطرائق النقدية التي بوساطتها نظر النقاد
إلى الشعر، مما رافق شعر التفعيلة أو مما سبقه، ذلك أن النقاد آنذاك افتقروا إلى
الفهم الدقيق الشامل لأسس تلك المناهج النقدية في غمرة الظروف التي أحاطت
باستقبالهم لها، فالتيار الواقعي الاجتماعي مثلاً، وهو تيار نشط: "خلال
الثلاثينات من هذا القرن وهو.. الذي جاء بتأثير المناهج الاجتماعية والواقعية التي
بدأت تصل إلى القطر تباعاً عبر حركة الترجمة وعن طريق الدارسين في مدارس
أوربا(10)" لم يكن معنياً بالجوانب الجمالية والفنية بسبب سوء فهم نظري لأصول
تلك المناهج الاجتماعية والواقعية. ولم يكن سوء
الفهم مقتصراً على الكتابات النقدية التي ذاعت في الثلاثينات وإنما ظل مستمراً حتى
منتصف هذا القرن، إذ كان النقاد كما قرر باحث: "يلهثون وراء المعاني ذات
الارتباط بهموم الطبقات المسحوقة والكادحين من منظور ماركسي وقلما تشغلهم القيم
الجمالية والتعبيرية(11). ذلك لأن الفكر الماركسي كما قرر باحث آخر، كان حتى بداية
الخمسينيات: "يعاني فقراً إلى نظرة متكاملة في الأدب(12).. على الرغم من أن:
"المفكرين الماركسيين الذين كتبوا عن الواقعية الحديثة.. أكدوا أن الفن ليس
تصويراً فوتوغرافياً للواقع، وأن وعي الفنان لا يعني أن عليه أن يتكلف حاشراً
نتاجه بالوعظ والإرشاد(13). الكتابات النقدية
التي حاولت الاهتداء بالمنهج الواقعي، إذن، ظلت تعاني من سوء الفهم النظري لعلاقة
الأدب بالواقع، وربما كان تعبير يوسف الصائغ أقرب إلى الدقة وهو يحاول تشخيص أسباب
ذلك بقوله: "لقد مارس العمل السياسي تأثيراً سلبياً في هذا المجال وأصبح نجاح
القصيدة وانتماؤها إلى الواقعية الحديثة يتحقق غالباً، عبر تضمينها للحاجة
السياسية اليومية، سواء عن طريق التبسيط أم السطحية والنثرية والشعارات(14). هذا الفهم غير
الدقيق للمنهج الواقعي يمكن تعميمه على بقية المناهج، إذ كان الواقعيون أقدر من
غيرهم على تمثّل الاتجاهات النقدية بحكم اتصالهم الوثيق بالتطورات الثقافية خارج
العراق، سواء عن طريق إطلاعهم على الأدبيات الماركسية المترجمة أم عن طريق اتصالهم
بالنتاج النقدي الأجنبي المحتمل من سفر الكثيرين منهم إلى خارج العراق، فكيف حال غيرهم
ممن لم تتوافر لهم مثل هذه الظروف؟ لقد توصل ثابت الآلوسي إلى أن الاتجاه الفني
أيضاً "ظل ضعيفاً على مستوى الكم والكيف ولم يستطع أن يقدم لنا حتى نهاية
الخمسينات دراسة جادة إلاّ فيما ندر(15). يمكن القول، إذن،
إن الملامح الأولى للاتجاهات النقدية قد بدأت بالظهور منذ وقت مبكر، على ما أشار
إلى ذلك عباس توفيق، ففي استقرائه النصوص النقدية توصل إلى وجود مناهج لنقد الشعر
هي: اللغوي التقليدي، والتاريخي المهتم بدراسة البيئة والزمان والمجتمع، ودراسة
شخصية الأديب نفسياً، والمنهج الوصفي أو التفسيري ومنهج الموازنة والمنهج الفني
فضلاً عن أسس ومعايير نقدية فردية كمعيار الذوق والتأثر ومعيار الجودة وجعل الشعر
القصصي معياراً(16)، غير أننا لا يمكن أن نعدها مناهج نقدية ذات مقومات نظرية
واضحة كما لم تدعمها أمثلة تطبيقية كافية تسمح لنا أن نطلق عليها صفة (مناهج) إلاّ
من باب التجاوّز. وهذا ما أشار
إليه ثابت الالوسي بقوله: "قد لا تنطبق تسمية اتجاهات على تنوع الحركة
النقدية قبل سنة 1958، فليس لدينا على كثرة ما كتب في حقول نقد الشعر اتجاهات
نقدية واضحة استطاعت أن تحفر دروباً وتشق طرقاً بينّة المعالم في خارطة النقد
الأدبي، لم تكن لدينا اتجاهات كتلك التي نشأت في أوربا، فأغلب ما لدينا لا يعدو أن
يكون محاولات نقدية(17). ما كان النقد
الذي كتب في العراق قبل سنة 1958، إذن، نقداً منهجياً ذا أسس واضحة تجعل منه نقداً
ينضوي تحت أحد المناهج النقدية المعروفة، وإنما كان يتشبث بما هو (متيسر) من المعرفة
المرتبطة بتلك المناهج، ولذلك كثيراً ما يستعصي الأمر على الباحث وهو يحاول أن
يدرج هذا المثال النقدي أو ذاك تحت لواء منهج محدد، بسبب سوء الفهم لأصول تلك
المناهج وبسبب تداخلها الناشئ من سوء الفهم هذا. ترى كيف أصبح حال
النقد بعد عام 1958؟ وهل استطاع التخلص من هذا التداخل وسوء الفهم المشار إليه؟
هذا ما سيحاول هذا الكتاب الإجابة عنه في فصوله القادمة. 2
منذ أن ظهرت
الصحافة في الوطن العربي، كان لها دورها في ذيوع وانتشار الأعمال الأدبية، وتعريف
القراء في كل مكان بما ينتجه المبدعون، ويكفينا أن نعرف: "أن معظم الكتب
الأدبية التي صدرت في فترة ما بين الحربين كانت فصولاً نشرت في الصحافة الأدبية
ومنها: الأيام ودعاء الكروان وحديث الأربعاء لطه حسين،.. ومطالعات ومراجعات وساعات
بين الكتب للعقاد، وقبض الريح وصندوق الدنيا وحصاد الهشيم للمازني، وفيض الخاطر لأحمد
أمين.. والنظرات للمنفلوطي وجميع كتب سلامة موسى بلا استثناء(18). هذا الدور الذي
أدته الصحافة في نشر الأدب لا يمكن لأحد أن ينكره، فالصحافة العربية، ولا سيما
الأدبية منها كانت ميداناً صال الأدباء فيه وجالوا، وعرضوا من خلاله آراءهم ووجهات
نظرهم في مختلف القضايا الأدبية، ونحن حتى هذا الوقت، نشعر بأننا مدينون لجهود
يعقوب صروف في إصداره المقتطف عام 1876 وجهود جرجي زيدان الذي أصدر الهلال عام
1898، كما نشعر بالفوائد العظيمة التي جناها الأدباء ودارسوا الأدب من مجلة
الرسالة التي أصدرها الزيات ومن مجلة أبولو التي أصدرها أبو شادي عام 1932 فضلاً
عن الفوائد التي جنوها من مجلتي: الأديب لألبير أديب الصادرة عام 1943، والآداب
التي أصدرها سهيل إدريس عام 1953. وفي العراق ظهر
اهتمام الصحافة بالأدب مبكراً، حتى إن جريدة الوزراء التي أصدرها الوالي مدحت باشا
عام 1869 كانت تنشر: "قصائد قيلت في مدح الوالي أو إزجاء التهاني في مناسبة
من المناسبات"(19) على الرغم من أنها كانت جريدة أخبارية، غير أن الصفة
الرسمية للوزراء فضلاً عن الصحيفتين الأخريين اللتين كانتا تصدران في الموصل
والبصرة، لم تسمح بأن يكون الأدب فيها وكدا وغاية، وإنما كان اهتمام تلك الصحف
بالأدب عرضياً. وقد أصدر الأب
انستاس ماري الكرملي عام 1911 مجلة (لغة العرب) وأسهم فيها الكثيرون من الأدباء،
ثم تلتها صحف اهتمت بالأدب منها: مجلة دار المعلمين عام 1921 ومجلة ليلى عام 1923
لصاحبتها بولينا حسون، ومجلة الثقافة التي صدرت عام 1927 وقد خصصت زاوية للقصة
وباباً للنقد والتقريظ وكتب فيها الزهاوي والرصافي(20)، وهناك جرائد عنيت بالأدب
أيضاً منها جريدة المنبر عام 1926 وجريدة المعارف عام 1926 وجريدة البلاد لصاحبها
روفائيل بطي عام 1929 التي كانت فيها صفحات أدبية متخصصة. وصدرت قبل عام 1958
مجلات أدبية متخصصة ومجلات أخرى فكرية ثقافية خصصت جزءا من اهتمامها للأدب منها:
مجلة الاعتدال عام 1933 ومجلة الهاتف لجعفر الخليلي عام 1934، ومجلة الغري عام
1939، والبيان عام 1946، ومجلة الرسالة الجديدة عام 1953 وهي متخصصة بالشعر والقصة
والأدب وقد أصدرها محمد منير آل ياسين(21). ومما له دلالة في
هذا الصدد أن أبرز المصادر التي اعتمد عليها أحمد مطلوب في تأليف كتابه: (النقد
الأدبي الحديث في العراق) هي الصحف التي كانت تنشر المقالات النقدية منذ عشرينات
هذا القرن(22)، إذ اعتمد في فصول كثيرة من كتابه على الصحف الصادرة آنذاك. للصحافة، إذن،
دورها المؤثر في نشر الأدب والتعريف به وإطلاع الجمهور على جهود الأدباء والمفكرين
في العالم، من خلال ترجمة النصوص ونشرها، ومن خلال نشر النتاجات الأدبية والنقدية،
غير أن للأدب في الوقت نفسه فضلاً عن الصحافة التي قامت في مراحلها الأولى وبداية
حياتها على أكتاف الأدباء، على ما يرى ذلك معظم الباحثين، وقد قرر بعضهم أن:
"الباحث الذي يريد أن يكتب تاريخ الصحافة.. يكتب تاريخ الأدب في تلك الحقبة
من الزمن(23)"، ويمكن لنا أن نضيف أن الصحافة ما تزال تقوم على جهود الأدباء
جزءاً أو كلاً، وأن واقع الحال يرينا أن أبرز من يدير شؤون الصحافة في العراق
ويعمل فيها حتى يومنا هذا هم من الأدباء. هذا الاهتمام
الصحافي بالأدب جعل عدداً من الباحثين يتصدّون لدراسة الأدب في الصحافة، فظهرت
دراسات جامعية وغير جامعية تعنى بالأدب في الصحافة(24)، تاريخه وفنونه وأعلامه،
ودراسة العلاقة المتبادلة بين الأدب والصحافة، غير أنها لم تبحث، على نحو متخصص،
موضوع نقد الشعر في الصحافة، باستثناء دراسة واحدة(25) عني صاحبها بموضوع الشعر
العراقي الحديث وقضية التجديد فيه عارضاً الآراء النقدية المعارضة للشعر الجديد
والآراء النقدية المؤيدة له فضلاً عن الآراء التوفيقية، وخصص الفصل الثاني منها
لموضوع نقد الشعر في الصحافة العراقية، غير أنه لم يول عناية كافية لاتجاهات نقد
الشعر لأن هدف بحثه كان إثبات أثر الصحافة في تطور الشعر كما أن مدة بحثه هي
السنوات الممتدة بين عامي 1941-1958، وباستثناء إشارات عابرة ومباحث صغيرة وردت في
دراسة جمال حافظ واعي الذي خصص مبحثاً صغيراً للنقد الأدبي بوصفه فناً من الفنون
التي احتضنتها صحافة العراق، كما خصص أقل من صفحتين للإشارة إلى عرض الكتب بوصفه
واحداً من الفنون الأدبية التي ضمتها صفحات الصحف العراقية. يتبين لنا من
خلال الجرد الذي قمنا به للصحف اليومية وللمقالات النقدية المنشورة فيها صدور أكثر
من سبع وستين صحيفة يومية عراقية خلال المدة 1958-1990، وكان عمر قسم من تلك الصحف
قصيراً جداً لم يتجاوز الأسبوعين أو الثلاثة على ما هو حال صحيفة: الوطن العربي
التي كان صاحبها ورئيس تحريرها محمد بسيم الذريب، وصحيفة لواء العروبة التي رأس
تحريرها المحامي زكي جميل حافظ، وصحيفة الوحدة التي رأس تحريرها باسل رؤوف
الكبيسي(26)، في حين استمرت صحف أخرى بالصدور على نحو متواصل لأكثر من ربع قرن مثل
صحيفة الثورة(27). كان قسم من تلك
الصحف قد صدر إبان العهد الملكي واستمر في الصدور بعد العهد الجمهوري، مثل صحف:
(الأخبار) و(البلاد) و(الحرية) و(الرأي العام) و(الزمان) و(صوت الأحرار)، و(صوت
الأمة) و(الرقيب) وغيرها، في حين صدرت صحف أخرى بعد العهد الجمهوري ومنها: (اتحاد
الشعب) و(العهد الجديد) و(صوت الطليعة) و(الفجر الجديد) و(المستقبل) و(المواطن)
وغيرها. ومن الغريب،
حقاً، أن لا تجد أي مقال في نقد الشعر العربي الحديث وأنت تقلّب الكثير من تلك
الصحف، ونخّص منها الكثير مما صدر قبل عام 1968(28)، في حين وجدت مقالات قليلة لا
تكاد تذكر في صحف أخرى(29) على الرغم من أن قسماً كبيراً من تلك الصحف كان طويل
العمر نسبياً، ويكفي أن نقول إن جميع ما نشر من مقالات نقدية في السنوات العشر
السابقة لعام 1968، على ما هو موجود في الثبت الذي قام به الباحث، لا يكاد يعادل
ما صدر من مقالات في سنة 1986. بيد أن أبرز
الصحف اليومية التي نشرت موضوعات في نقد الشعر العربي الحديث قبل عام 1968 هي صحف:
المواطن والرأي العام والبلد والبيان والثورة العربية وصوت العرب في حين اهتمت
الصحف جميعها بعد عام 1968 بهذا الموضوع. وقد نجد تفسير
ذلك في كون تلك الصحف جميعها صحفاً سياسية في الأعّم الأغلب إذ لم نجد من بينها
صحيفة أدبية يومية، غير أن الكثير منها خصص صفحات معينة للأدب والثقافة والفنون،
حتى ليمكن القول إن قسماً من تلك الصفحات الأدبية يصلح أن يكون موضوعاً لدراسة
متخصصة تكشف عن سمات تلك الصفحات، كما تبين الاتجاهات الأدبية السائدة فيها. امتازت الصفحات
الأدبية والثقافية التي ظهرت في صحافة العراق اليومية بُعيد عام 1958 بأنها صفحات
قلقة، غير مستقرة، لا تصدر بانتظام، فمرة تصدر بصفحة كاملة من صفحات الجريدة،
وتصدر مرات بمساحات صغيرة لا تتجاوز ربع الصفحة أو أقل من ذلك، فضلاً عن عدم وجود
موعد ثابت لصدورها، إذ تظهر مرة في يوم الأربعاء من كل إسبوع ثم يتغيّر موعد
ظهورها بعد ذلك إلى يوم آخر: الخميس أو السبت مثلاً، ولعلّ ذلك يعود إلى طغيان
الجانب السياسي والأخباري في العمل الصحفي، فإذا ما اضطرت الصحيفة إلى التجاوز على
إحدى الصفحات الثابتة، تكون صفحة الأدب والثقافة هي المهيأة للإلغاء أو التأجيل،
بحكم كون المادة الثقافية غير خاضعة للتغيّرات السياسية والإخبارية الآنية. هذا القلق في
مواعيد ظهور الصفحات الأدبية رافقه قلق آخر في التسمية، إذ كانت الصفحة الأدبية
تسمى صفحة (الحرف الأخضر) مثلاً ثم تتحول إلى تسمية: (أدب، فن، علوم، مرأة) في مرة
أخرى، وقد تحمل عنوان (أدب) مرة ثالثة، وذلك كله في صحيفة واحدة(30). وقد تكون في
الصحيفة الواحدة أكثر من صفحة أدبية على ما هو الحال في صحيفة (فتى العرب) التي
كانت فيها صفحة عنوانها: (نحو أدب جديد) وصفحة أخرى عنوانها: (الندوة الأدبية)
وصفحة ثالثة للقصة القصيرة. ولعل طغيان
الجانب السياسي على المادة الأدبية المنشورة في تلك الصفحات الأدبية خفّف من جدية
ما يمكن أن نجده من مقالات ودراسات، ويظهر ذلك على نحو جليّ في الصحف السياسية ذات
الاتجاه اليساري، فصحيفة صوت الطليعة كانت صفحاتها الأدبية مسيسة تماماً، ولم تكن
لها عناية بنقد الشعر العربي الحديث، بل كانت تنشر مقالات سياسية مترجمة لكتّاب
سوفييت واشتراكيين من دول شرقية أخرى(31). ومن يتصفح أعداد
صحيفة اتحاد الشعب التي كان يصدرها الحزب الشيوعي العراقي بُعيد ثورة 8 تموز مدة
أربع سنوات يجد مصداقية هذا الحكم، فقد ضمت الصفحة الثقافية في واحد من أعدادها
مقالاً طويلاً عن شاعر بلغارياً الشهيد فابتساروف وكلمة طويلة ألقاها الأديب
الكسندر جايكوفسكي في مؤتمر الكتاب السوفييت الثالث، ومقالة قصيرة كتبها الأصمعي
عنوانها: سوانح الشعراء يستشهد فيها بأبيات شعرية عربية قديمة(32). هذا الاهتمام
بالآداب الأجنبية ذات الطابع السياسي الخاص كان سمة لعدد من الصحف التي صدرت بُعيد
عام 1958، وربما يعود ذلك إلى جدة التجربة العلنية للأحزاب وإعجابها بكل ما هو
قريب من هذه التجربة، فقد يجد الباحث مقالات طويلة مترجمة تنشر بعدة حلقات في صفحة
أدبية واحدة، ولن يجد مقالة واحدة بهذه المساحة مخصصة لنقد الشعر العربي الحديث،
وأوضح مثال على ذلك الدراسة الطويلة التي نشرها اتحاد الشعب عن (الواقعية
والمودرنزم في الأدب الافريقي المعاصر) في ثلاثة أعداد من الصحيفة(33). إن قلة العناية
بنقد الشعر العربي الحديث في صحافة العراق اليومية آنذاك، ربما تعود في واحد من
أسبابها إلى الجوّ السياسي العام الذي كان سائداً، إذ كانت الخلافات بين الأحزاب
تصل إلى حدّ النزاع الدموي، ولعلّ عدم الاستقرار الناشيء عن مثل هذه الأجواء لا
يتيح للنقد الأدبي النمو والاتساع. ولقد عبّرت الصحف
الصادرة آنذاك عن تلك الخلافات على نحو جلّي، فكانت الصحف الشيوعية أو القريبة
منها تحارب الصحف القومية وتستعدي السلطة على كتّابها، وكانت الصحف القومية تفعل
الشيء نفسه، ومن يتصفّح أعداد صوت الطليعة لصاحبها نصيف الحجاج المحامي، واتحاد
الشعب التي رأس تحريرها عبد القادر اسماعيل البستاني والاستقلال لصاحبها طه لطفي
البدري وهي صحف شيوعية أو قريبة من الشيوعيين يجد فيها أمثلة كثيرة من المقالات
التي تهاجم القوميين وتستعدي السلطة عليهم، كما أن من يتصفح أعداد صحيفة الحرية
لصاحبها قاسم حمودي المحامي وبغداد لصاحبها خضر العباسي والثورة لصاحبها يونس
الطائي وهي من الصحف القومية يجد فيها المقالات التي تهاجم الشيوعيين وتستعدي
السلطة عليهم، حتى لتتحول تلك المعارك السياسية إلى شتائم تفتقر إلى أصول اللياقة.
في مثل هذه
الأجواء يمكن أن تتجه الأنظار إلى الصحف التي يديرها الأدباء لكي تجد ضالتها نقداً
أدبياً يعنى بالشعر العربي الحديث، ولعلّ صحيفة الرأي العام كانت أدعى لأن تهتم
بذلك، لأن صاحبها شاعر كبير هو الجواهري، فما الذي نجده في تلك الصحيفة؟ نشرت الرأي العام
خلال سنتي 1959-1960 نحو (22) مقالة نقدية تتناول الشعر العربي الحديث وهو رقم
كبير يؤلف نسبة 44% من مجموع المقالات النقدية المنشورة في جميع الصحف اليومية
خلال السنتين المذكورتين، غير أن (11) مقالة من تلك المقالات كانت مخصصة لتناول
شعر الجواهري نفسه، كما يمكننا أن نلاحظ أن تلك الصحيفة بدأت منذ تموز 1960 بتخصيص
كثير من صفحاتها للشتائم مع الصحف القومية، فلو خصصت جزءاً من تلك الصفحات لنقد
الشعر العربي الحديث لوجدنا أمامنا كماً من المقالات النقدية الصالحة للدراسة. لم تكن السنوات
القليلة التي أعقبت عام 1958، إذن، غنية بنقد الشعر العربي الحديث، وإذا صلح عدد
المقالات النقدية المنشورة في الصحافة اليومية معياراً يتيح لنا أن نحكم بـ (عدم
الغنى) هذا على النتاجات النقدية فإن الأرقام الموجودة في الجدول الآتي، المستخلصة
من الجرد الإحصائي الذي توصلنا إليه، تقدم لنا صورة جلية من تلك الحال، فلم تتجاوز
المقالات التي وجدناها عام 1958 ست مقالات، في حين بلغ عددها عام 1959 (28) مقالة،
أما في عام 1960 فقد بلغ عددها (23) مقالة، ولم يتجاوز عددها (27) مقالة عام 1961،
ويصل العدد إلى (34) مقالة في عام 1962، ولم تتجاوز المقالات هذا العدد في أي من
الأعوام التي سبقت عام 1968.
هذه الضآلة
الكمية للمقالات النقدية ترسخها أيضاً وتؤكد قيمتها النوعية الأحكام التي أصدرها
عدد من النقاد خلال تلك الحقبة الزمنية، إذ قرر بعضهم أن الشعر الحر تافه وسخيف
وأنه سمّ موضوع لاغتيال التراث والتقاليد الأدبية وأن الاستعمار سيدخل عن طريقه
إلى عقول أبناء الشعب وعواطفهم(34)، كما قرر بعضهم أن قصيدة ما لا تساوي فلساً
أحمر(35)، ولعلّ تلك الأحكام تذكرنا بالأمثلة التي شاعت في عشرينات هذا القرن حين كان
النقد يتحول إلى عراك وشتائم فيصف الناقد خصومه بأنهم متهورون وأن كلامهم هو:
"سفسطات وترهات عريضة". وقد ظلت الصحافة
اليومية بعد ذلك على الحال نفسه من حيث كونها صحافة سياسية على نحو عام، وفيها
صفحات أدبية تعنى بالأخبار والمتابعات ونشر القصائد والقصص والمقالات النقدية،
وكان عدد المقالات النقدية التي تتخذ من الشعر العربي الحديث موضوعاً لها، في مد
وجزر، ينخفض مرة ليصل إلى ثماني مقالات سنوياً، على ما هو الحال في عام 1966
ويتصاعد حتى يصل إلى (281) مقالة في عام 1986. ولم تشهد الصحافة
اليومية قفزة كبيرة في نشر النتاجات المتعلقة بنقد الشعر العربي الحديث إلا بعد
عام 1981، والجدول السابق يوضحّ ذلك على نحو لا لبس فيه، ومن الواضح أن للاستقرار
السياسي الذي شهده العراق بعد عام 1968 دوراً في ذلك حتى إن الحرب العراقية
الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات لم تزعزع هذا الاستقرار، فوجد النقاد والأدباء
وقتاً للتأمل والكتابة، فظهرت صفحات أدبية متوازنة تنشر القصص والقصائد والمتابعات
والمقالات على نحو متوازن، كما تنشر المقالات والقصائد والقصص المترجمة. وكان لظهور أجيال
شعرية جديدة دوره في إيجاد حوارات نقدية تكون جادة أحياناً وشخصية عابرة في أحيان
أخرى، وظهر بعد عام 1980 اهتمام نقدي خاص بشعر المعركة بوصفه شعراً اكتسب مقومات
موضوعية وفنية تباين ما كان سائداً من شعر. وقد غدت الصفحات
الأدبية في صحافة العراق اليومية صفحات أكثر جدية وغدا لكل صفحة موعد ثابت للظهور
كما غدا لها كتابها المعروفون، حتى بتنا نجد مقالات أسبوعية ثابتة لنقاد معروفين
في بعض الصفحات الأدبية، وتمتاز تلك المقالات بكونها ليست أعمدة صحفية وإنما هي
أقرب إلى الدراسة النقدية الجادة منها إلى روح العمود الصحفي. وتنوعت موضوعات
نقد الشعر العربي المنشور في صحافة العراق اليومية وتعددت، ففي حين استأثرت قضية
(الشعر الحر) بالمناقشات النقدية التي دارت قبل عام 1958 وبعده بقليل، نرى هذه
القضية قد اختفت إلى حدّ كبير بعد ذلك بسبب ترسخ ذلك الشعر مفهوماً وتقاليد
ونصوصاً إبداعية واكتسابه الصفة الشرعية لدى معظم الأوساط الأدبية، وبرزت موضوعات جديدة
دارت حولها النقاشات وتباينت الآراء مثل موضوعات: الأجيال الشعرية
وقصيدة النثر والشعر والمعركة والأجناس الأدبية وغيرها من الموضوعات. إن دراسة موضوع
اتجاهات نقد الشعر العربي الحديث في الصحافة اليومية العراقية هي دراسة للاتجاهات
النقدية السائدة في حقبة مهمة من تاريخ العراق المعاصر، ولعلّ التطور الكمي الكبير
الحاصل خلال السنوات الأخيرة وما تبعه من تطور في المناهج النقدية كان شفيعاً لنا
في جعل مدة البحث تنتهي عند عام 1990، إذ يمكن أن تسجل لنا المقالات النقدية
المنشورة خلال هذه الحقبة الزمنية فكرة واضحة عن الاتجاهات النقدية السائدة في
العراق وهذا ما سنحاول جاهدين تحقيقه خلال فصول هذا الكتاب. 3
تتأتى أهمية
المناهج النقدية من كونها الوسيلة القادرة على تنظيم البحث النقدي من خلال إجراءات
محددة، وعلى وفق طرائق خاصة، ولا يسع الناقد الاستغناء عن هذه المناهج، فبه حاجة
ماسة إلى منهج أو أكثر ليستهدي به، إذا ما أراد أن يكون عمله جاداً تؤطره نظرية
واضحة المعالم لتحدد له المسالك التي ينبغي له أن يسلكها وتجنبّه المزالق
والعثرات. وهذا ما دعا أحد
الباحثين إلى القول أن الناقد: "يحتاج دائماً إلى منهج يرسم له خطوط المهمة
حتى لا يضلّ، أو يفلت من يده شيء"(36) على أساس كون المنهج هو الوسيلة
القادرة على تحديد المنطلقات وتأطير الأفكار على نحو جليّ واضح. وقد أصبحت
المناهج النقدية علامة بارزة من علامات العصر الحاضر، فقد رأى ستانلي هايمن أن
النقاد المعاصرين يتفوقون على النقاد القدامى بمناهجهم، وهذا ما عناه بقوله: "لا نستطيع
أن نتملق أنفسنا فندّعي أن تفوقنا في سعة باع نقادنا إذا قايسناهم بأسلافهم، كلا،
بل من الواضح أن هذا التفوق في الأساليب والمناهج"(37). ولعلّ رينيه
ويلليك قصد إلى هذا المعنى وهو يصف القرن العشرين بأنه يستحق صفة عصر النقد، دون
ريب، بسبب ما حصل من ثورة في المناهج.(38). وأوضح أحد
الباحثين العرب أنّ غياب: "النظريات والمناهج كثيراً ما أدى إلى مماحكات
لفظية واهية الأسس عديمة الجدوى(39)، وهو قول صحيح، لأن النظر النقدي المنهجي يؤدي
إلى الاهتمام بالأمور الجوهرية واطّراح كل ما من شأنه أن يكون عرضياً عديم
الفائدة. والمنهج، لغة، هو
الطريق الواضح، أما اصطلاحاً، فيعني كما حدده مجمع اللغة العربية في القاهرة:
"خطوات منظمة يتخذها الباحث لمعالجة مسألة أو أكثر ويتتبعها للوصول إلى
نتيجة"(40). غير أن تداخلاً
قد يظهر أمامنا بين مفهومين: مفهوم المنهج النقدي ومفهوم خطة البحث، وهو ما تنبه
عليه أحد الباحثين عندما أشار إلى أن المنهج النقدي هو "رؤية واجراءات، وهو
يختلف بشكل واضح عن خطة البحث، المنهج زاوية يدرس في ضوئها ومن خلالها النص
الأدبي، أما خطة البحث فهي ترتيب وتنسيق ما يدرس من خلال تلك الزاوية(41). من الواضح، إذن،
أن المنهج النقدي يُعنى بدراسة النصوص الأدبية من زاوية نظر خاصة: نفسية أو
تأريخية أو اجتماعية أو فنية أو غيرها، ومن فهم محدد للعملية النقدية، ولذلك
تتباين المناهج النقدية في زوايا نظرها تبعاً للفلسفة التي يؤمن بها ممثلو كل
منهج، وتبعاً للمنطلقات التي ينطلقون منها. وطالما كانت
زاوية النظر محددة فلربما غابت عن الناظر من تلك الزاوية حقائق معينة، صغيرة أو
كبيرة، لأن النظر من تلك الزاوية يقتضي غياب أجزاء من الصورة يظهر ذلك أحياناً في
أجهزة التصوير. هذا النظر من
الزوايا المختلفة جعل المناهج النقدية تتعدد وتكثر أسماؤها كثرة أصبح يصعب الإلمام
بها لغير المتخصصين، بل نرى أحد
الباحثين يقول: "إن المناهج النقدية في الأوساط الأكاديمية الغربية كثيرة إلى
الحدّ الذي تستعصي فيه حتى على المختصين(42). وقد ذكر علي جواد
الطاهر عدداً من التسميات التي ترد على أنها مناهج ومنها: "القاعدي، النحوي
(اللغوي)، البلاغي، الأخلاقي، الجامعي، السيري، الديني، الصحفي، النفسي، النفساني،
الشكلي، الشكلاني، الجمالي (الفني)، الإبداعي، نقد المبدعين، الانطباعي (التأثري)،
الاجتماعي، الفلسفي، الماركسي، الوجودي، التحليلي، البنيوي.. النصي(43). في حين استعرض باحث آخر أسماء كثيرة للمناهج النقدية يتجاوز عددها الـ (65)
تسمية محاولاً مناقشتها للتخلص من كثرة التسميات اعتقاداً منه أنها تسميات كثيرة
لمسميات أقل، وهو محقّ في اعتراضه على كثرة التسميات وأن كنا نخالفه في اختيار عدد
المناهج التي يقترحها للتخلص من تلك الكثرة كما سنرى.(44). 4
تاريخياً، ارتبط
ظهور قسم من المناهج النقدية بعدد من المدارس الأدبية، فعندما سادت الكلاسية
الجديدة في أوربا رافقها نقد اعتمد على القواعد المستمدة من أرسطو، وقد أطلقت
تسميات على هذا النقد منها: القاعدي أو الكلاسي أو المعياري أو النقد بوساطة
القواعد. تلك القواعد التي
جمعها بوالو (1636-1711) معتمداً على فهمه لقواعد أرسطو في الأنواع الأدبية وقانون
الوحدات الثلاث، ونجد كتابه فن الشعر يوضح فيه الكثير من هذا النقد القاعدي.(45). ومن الواضح أن
ذلك النقد الذي شاع في القرون: السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر للميلاد، كان
متمسكاً بالتقاليد والشكليات، وهو يتخذ من العصر اليوناني الروماني القديم
أنموذجاً لكل فن، وكان أقطاب النقد القاعدي يظنون أن هذه القواعد تصدق على نحو
شامل، لأنها كانت ترتكز على سلطة الفيلسوف أرسطو والشاعر هوراس وعلى هذا الأساس لم
تكن الكلاسية الجديدة في النقد تشجع التجديد والتجريب في الفن(46). ولا يعنينا،
الآن، ما وجه إلى هذا المنهج النقدي من ملاحظات سواء من أقطاب هذا المنهج نفسه أو
من المناهج النقدية الأخرى، غير أننا نريد التذكير بأن هذا المنهج ساد زمناً
طويلاً، وارتبطت سيادته بسيادة المذهب الكلاسي الجديد نفسه، ولم تتزحزح هذه
السيادة إلا بظهور الحركة الرومانسية وانتعاشها. ولقد اتسم قسم من
الكتابات النقدية العربية في مطالع القرن العشرين بنزعة تقديرية هي أقرب إلى قسم
من الكتابات النقدية العربية القديمة، وهذا ما دعا واحداً من الباحثين إلى إطلاق
صفة كلاسي على النقد العربي الذي كتبه أدباء من أمثال حسين المرصفي مؤلف الوسيلة
الأدبية وقسطاكي الحمصي مؤلف: منهل الورّاد في أدب الانتقاد ومصطفى صادق الرافعي
مؤلف: على السفود وغيرهم(47). وأطلق باحث آخر
صفة الاتجاه التقليدي على النقد الذي كتبه أدباء عراقيون من أمثال أبي الثناء
الآلوسي وحيدر الحلي وجميل صدقي الزهاوي وغيرهم ممن عاشوا في القرن التاسع عشر
ومطلع القرن العشرين، ويتسم ذلك النقد بأنه ذو أحكام غير معللة، وأن أولئك النقاد
كانوا يقيمون النصوص بمقياس قواعدي مقنن(48). ومن أمثلة تلك
النصوص النقدية قول أبي الثناء
الآلوسي في إطراء شاعر مدحه: "ولله تعالى دره من شعر لا مزية الايجاز أخطأته
ولا فضيلة الاعجاز تخطته، تأتلف القلوب على درره ائتلافاً وتصير الآذان له
أصدافاً، قد أخذ بحبل الجودة من طرفيه وجمع رداء الحسن من حاشيتيه(49)، وقول
المرصفي: "وإنما قصد أن يكون الشعر متخير اللفظ محكم التركيب متحرر السلاسة
لا يتوقف اللسان في إنشاده مع صحة معانيه(50)". إن تلك الأحكام
النقدية التقليدية ظلت سائدة زمناً ما، ولا سيما في مطالع القرن العشرين، وأورد
عباس توفيق رضا أمثلة كثيرة من ذلك النقد التقليدي الذي شاع في العراق إبان تلك
الحقبة الزمنية، مشيراً إلى أنه تقلّص في ثلاثينات هذا القرن وما تلاها(51). وإذا صح لبعض
الباحثين وصف تلك الأحكام بـ (الكلاسية) على أساس أنها تعنى بالجوانب اللغوية
والتصحيحات، فلا نرى ضرورة لقبول هذا الوصف، لأن الكلاسية في النقد صفة لمنهج نقدي
ذي ملامح محددة، في حين أن الأحكام الجاهزة المشار إليها لا تعتمد إلاّ على
الصياغات الجاهزة المأخوذة من أحكام نقدية أطلقت على نصوص قديمة، وتم تطبيقها على
نصوص معاصرة، فضلاً عن أن الكثير من تلك الأحكام لا يعدو أن يكون انطباعات عفوية،
ومثال ذلك ما يقوله أحمد أحمد بدوي عن مطلع إحدى القصائد: "إن الشاعر قد خانه
التوفيق في التعبير عن بعض معانيه في مواضع من قصيدته فمطلعها لا يهزّ النفس لأن
الشاعر لم يوفق في عرض معناه في عبارة واضحة بينه(52). ويكاد مثل هذا
النقد يختفي تماماً في الصحافة العراقية من عام 1958-1990 باستثناء كتابات قليلة
لا تكاد تذكر. 5
وحين بدأت
المدرسة الرومانسية في الأدب الأوربي بالظهور كانت تبدو ملامح مناهج نقدية متعددة
هدفها الثورة على القواعد الكلاسية، إذ شهد القرن التاسع عشر في أوربا حركة نقدية
كبيرة، فظهرت تيارات فكرية كثيرة أدت إلى ظهور المناهج العلمية: التاريخية
والنفسية والاجتماعية، والتأثرية وغيرها. لقد أشارت باحثة
أوربية إلى أن الرومانسية كانت تعني: "أكثر من مجرد مفهوم أو اصطلاح نقدي،..
فإطلاق الخيال الخلاّق والشعور الفردي مهد السبيل أمام اندفاعه عظيمة من الكتابة
الجديدة على امتداد أوربا بين حدود 1798-1832(53). هذه الاندفاعة
العظيمة لا تتجلى في الكتابات الرومانسية وحدها وإنما تتعداها إلى الكتابات الأخرى
التي اتخذت لها منحى مغايراً، فالنقد الانطباعي أو التأثري الذي نما في أحضان
المدرسة الرومانسية كان جزءاً مما ظهر في المشهد النقدي، ورافقه نقد آخر علمي
مغاير للروح الانطباعية التأثرية. كان النقد
التأثري يستوحي في جزء من مبادئه تلك الثورة الرومانسية التي حاربت النزعة
الكلاسية، فضلاً عن كونه كان ردّ فعل على النقد العلمي الذي أشاعه نقاد من أمثال:
سانت بيف وتين وبرونتيير في حمى ما سمّته ليليان فرست: (الاندفاعية العظيمة)، إذ
ذهب تين، على ما يقول الطاهر، بعيداً: "في النظرية العلمية وادعاء التطبيق
وأراد النقد علماً كأيّ علم(54)، في حين كانت الرومانسية تمعن في الخيال وتهجر
الزخرف اللفظي وتتبع الفطرة والطبع الصادق، على عكس الكلاسية التي نادت بتغليب
العقل والمنطق وتمسكت بالزخرف وابتعدت عن الخيال.(55). ولعلّ مقولة
أناتول فرانس وهو من أعلام النقد التأثري توضّح لنا جانباً من مبادئ هذا النقد،
يقول فرانس عن كتاباته، إنها تتحدث: "بجزم أقل.. واستعمال للعقل أقل.. ويحتفظ
في النقد بالنبرة الأليفة.. وتتبع ذوقها وتخيلاتها ونزواتها".(56). لقد راج النقد
التأثري في أوربا أواخر القرن التاسع عشر، وظل سائداً حتى منتصف القرن العشرين،
ومن كبار النقاد التأثريين: وليم هازلت ولامب وأناتول فرانس وجول ليميتر وآندريه
جيد وأوسكار وايلد وساينتسبري.(57). وحسب باحث أن:
"المنهج التأثري كان أقدم المناهج حيث صاحب ظهور هذه الفنون في صورة تأثرات
نقدية عفوية"(58). وواضح عدم دقة
هذا الحكم، إذ لم تظهر التأثرية منهجاً نقدياً إلا بعد ظهور الرومانسية في القرن
التاسع عشر، ولم يفرق ذلك الباحث بين الانطباعية العفوية الأولى التي رافقت
الإنسان في بداءاته، والانطباعية التي عرفت منهجاً نقدياً له أعلامه ونصوصه
النقدية، وقد فرّق علي جواد الطاهر بين هاتين الانطباعيتين((59). عرف الأدب العربي
المعاصر الاتجاه الانطباعي في النقد، وكما ارتبط ظهور التأثرية بالمدرسة
الرومانسية في الأدب الغربي، ارتبط ظهور هذه التأثرية العربية بالرومانسية في
الأدب العربي، وفي حين تمردت الانطباعية الغربية على الكلاسيين والعلميين معاً،
اكتفت الانطباعية العربية بالتمرد على مفاهيم التقليديين. لقد كان العقاد
وعبد الرحمن شكري وعبد القادر المازني رومانسيين(60)، وطالبوا بالتحرر: "من
القيود الصناعية"(61) وحاولوا أن يبينوا اختلال بنية الشعر التقليدي، ومن
يراجع كتاب الديوان في الأدب والنقد الذي ألفه العقاد والمازني يجد أمثلة كثيرة
لنقد الشعر التقليدي وبيان اختلالاته البنائية انطلاقاً من فقدان ذلك الشعر للوحدة
العضوية إذ أن: "القصيدة ينبغي أن تكون عملاً فنياً تاماً، يكمل فيه تصوير
خاطر أو خواطر متجانسة كما يكمل التمثال بأعضائه والصورة بأجزائها واللحن الموسيقي
بأنغامه(63). وباين التأثريون
العرب أسلافهم التقليديين، فالتقليديون عامة ينظرون إلى وحدة البيت في حين اهتم
التأثريون العرب بوحدة القصيدة، كما اهتموا بالخيال وتحرير لغة الشعر من القوالب
الجاهزة واعتمدوا الذوق في تفسير النصوص الشعرية، إذ رأى محمد مندور أن:
"ليست هناك معرفة تغني عن الذوق التأثري"(63). ولقد كان مندور
في نقده التطبيقي من أولئك التأثريين إذ يمثل نقده قطعة أدبية يتمثل فيها النص
المنقود أولاً ثم يسجل انطباعاته عنه كما لو أنه يقوم بنثر ذلك النص نثراً ولعلّ
تحليله لقصيدة ميخائيل نعيمة: (أخي)(64) من أوضح ما يمثل تلك التأثرية. وإذا كان الناقد
التأثري في الغرب مفسراً للنص الأدبي من خلال تسجيل إحساساته الشخصية المنبثقة عن
معايشته ذلك النصّ، فإن قسماً من النقاد التأثريين العرب لم يكونوا كذلك دائماً،
فهم يفسرون النصوص ويحكمون عليها في الوقت نفسه. ولعل مقولة أحمد
الشايب توضح لنا ذلك، يقول الشايب عن أبيات للمتنبي: "فقد تحكم له بوضوح
الأسلوب وقوته وجماله أو بطرافة الأفكار وصحتها وبحسن التصوير الخيالي وملاءمته
وبصدق العاطفة وقوتها(65). إن الشايب في نصه
النقدي السابق لا يبين لنا المعايير التي يعتمدها لقياس قوة الأسلوب وجماله كما لا
يوضح مقياس حسن التصوير وصدق العاطفة، بل استحالت تلك العبارات لديه أحكاماً جاهزة
تذكرنا بنصوص النقاد التقليديين الذين كانوا يحكمون بمقاييس سلاسة اللفظ وأحكام
التركيب وغيرها من العبارات الجاهزة المكررة. إذا كانت: "النشوة
الذاتية هي وحدها مقياس الحكم الجمالي الجوهري(66)، على ما يرى سانتيانا، وهو ما
آمن به النقاد التأثريون العرب، فإن هذا المقياس مقياس فردي يختلف من شخص إلى آخر،
ولذلك لا يمكن أن يكون مقياساً مقبولاً من الناحية العلمية، إذ أنه غير خاضع
للتحديد، ولذا جاء أغلب الكتابات النقدية العربية المنطلقة من المنهج التأثري
كتابات ذاتية تطغى عليها صفة الأنا كقول طه حسين يصف قافية من قوافي إيليا أبي
ماضي: "هذه الدال
المدغمة التي لا تطاق"(67). لقد كان النقد
الأدبي العربي في بداءات القرن العشرين، إذن، صراعاً بين اتجاهين: الاتجاه
التقليدي والاتجاه التأثري، وإذا كان هذان الاتجاهان قد خفّ تأثيرهما في الوقت
الحاضر، فإنهما لم يتلاشيا تماماً، فما نزال نجد أحكاماً تأخذ بالمقياس التقليدي،
وإن كان ذلك على نحو نادر، كما أن التأثرية ما تزال تطغى على معظم الكتابات
النقدية العربية، وسنجد أمثلة ذلك في النقد المنشور في الصحافة اليومية العراقية. 6
لم تكن الاندفاعة
العظيمة من الكتابة التي أشارت إليها ليليان فرست تقتصر على النقد التأثري وحده،
فقد ظهرت في أوربا آنذاك مناهج نقدية أخرى تباين الاتجاه الكلاسي الذي كان سائداً
حينذاك، ومن هذه المناهج: المنهج التاريخي، الذي أصبح النقد الذي يستهدي به يوجّه
عنايته إلى السياقات الزمنية للنصوص الأدبية بعيداً عن الأحكام والمعايير التي
ارتضاها النقاد الكلاسيون، وقد أصبح معروفاً أن (تين) الفرنسي هو رائد الدراسات
الأدبية التي نحت هذا المنحى التاريخي. وقد سعى (تين)
إلى دراسة المؤثرات الثلاثة التي تتعاون على تكوين الأدب، وهي الجنس والبيئة
والعصر، وكان يريد للنقد أن لا تتحكم به الأهواء ولا توجهه النزعات الذاتية
المبنية علىالذوق الفردي. ويعني المنهج
التاريخي: "دراسة الأديب بمعرفة العصر الذي عاش فيه والأحداث العامة والخاصة
التي مرت به، ودراسة النصّ بادراك حياة ذلك الأديب وسيرته والظروف التي أثرت
فيه(68)"، أي أن الأحداث التاريخية وشخصية الأديب يمكن أن تكون عاملاً
مساعداً لتفسير النصّ الأدبي، والتاريخ بهذا المعنى يكون خادماً للنصّ الأدبي،
ودراسته لاتكون هدفاً قائماً بذاته وإنما تتعلّق بخدمة النصّ. بيد أن سوء فهم
قد يظهر لدى قسم من الباحثين هنا، إذ يتحول النصّ الأدبي لديهم إلى: "وثيقة
تكشف عن أحداث التاريخ ليس إلا"(69). وفي هذا القول لا
يخفى من قلب للمعادلة إذ يتحول النصّ إلى خادم للتاريخ، في حين أن العكس هو الصحيح،
وهذا ما حذّر منه جيروم ستولنيتز عندما أشار إلى أن استخدام العمل الفني وثيقة
تاريخية كأنه دستور أو مذكرة سياسية ليس خطأ إذ كان اهتمامنا منصباً على علم
الاجتماع، غير أنه يكون خطأ فادحاً إذا حاولنا أن نفهم العمل جمالياً(70). القضية، إذن،
تتعلّق بما نكتبه أهو نقد للعمل الأدبي أم أنه بيان تاريخ الموضوعات الأدبية، ومن
هنا ينشأ التداخل بين النقد والتاريخ، وقد حذّر علي جواد الطاهر من هذا التداخل
عندما قال عن المنهج التاريخي بأنه: "منهج حساس إذا فقد فيه صاحبه توازنه
زلّت به قدمه.. وصار مؤرخاً أو جمّاعة(71). إن التفريق بين
التاريخ الأدبي والنقد الأدبي تفريق مطلوب، صحيح أن ما يفصل بين هذين الحقلين خيط
رفيع، بيد أن القضية تتعلق بإدراك ذلك الخيط، ولذا أصبح من الضروري أن يتنبه مؤرخو
الأدب على أنهم ليسوا نقاداً حينما يقومون بدور المؤرخين. ويتعلّق بالتاريخ
أو يقترب منه النقد السيري الذي يدرس شخصية الأديب، وكان سانت بيف معاصرتين
وأستاذه هو الذي اهتم بالتاريخ الشخصي للأدباء، إذ انتقد تين لأنه اهتم بالجنس
والعصر والبيئة ولم يركز على الفروقات بين الأدباء ولم يهتم بعبقرية الأفراد، فقال
عن تين: "ظلت العبقرية بعيدة عن قبضة يده لأن سيرة الفرد هي المؤشر
الأول(72). ورأى سانت بيف أن
الكتاب تعبير عن مزاج فردي، وحاول إثبات هذه الحقيقة بدراسة معاصريه من الكتّاب
فأخذ يستقصي مظاهر حياتهم المادية والعقلية والأخلاقية ويتتبع حياة الكتّاب
الشخصية والعائلية وتلاميذهم وأصدقاءهم وأعداءهم محاولاً الكشف عن أذواقهم
وعاداتهم وآرائهم الشخصية وهكذا جاء نقده تصويراً لشخصيات الكتاب(73). إن خير من يمثل
المنهج التاريخي في النقد العربي المعاصر طه حسين، ومن يقرأ (حديث الأربعاء) و(مع
المتنبي) يجده ناقداً تاريخياً يدرس بيئة الشعراء وحياتهم السياسية والاجتماعية
وأسرهم كما يدرس شخصياتهم. وتوهم ماهر حسن
فهمي، اعتماداً على سيد قطب، أن طه حسين ثار على المذهب التاريخي في كتابه (في
الأدب الجاهلي)(74)، والحقيقة ليست كذلك، إذ رفض طه حسين النزعة العلمية الصرف
الموجودة في المنهج التاريخي، كما جاءت عند تين وسانت بيف وبرونتيير، وطالب بنزعة
وسط تقع بين العلم والفن(75)، لقد كان طه حسين، فيما نرى تاريخياً في هذا الكتاب
شأنه في كتابيه الآخرين: حديث الأربعاء ومع المتنبي، لأنه درس فيه قضية انتحال شعر
ماقبل الإسلام من الجوانب السياسية والدينية فضلاً عن الجوانب الفنية. أما في العراق فكانت محاولة عبد المسيح
وزير، على ما أشار إلى ذلك أحد الباحثين من أولى المحاولات النقدية التي اهتمت
بالجانب التاريخي والسيري(76)، ثم كانت هناك دراسات اتخذت من الاتجاه التاريخي
منحى لها من أمثال قسم من دراسات علي جواد الطاهر ويوسف عز الدين وداود سلّوم
وغيرهم(77). وقد رافق الاتجاه التاريخي في النقد
وارتبط معه اتجاهان آخران هما: الاتجاه الاجتماعي والاتجاه الفلسفي، ويكاد
الباحثون الذين درسوا المناهج النقدية يجمعون على دراسة تلك الاتجاهات الثلاثة
مشتركة ولذلك أسباب سنتوقف عندها. يمكن أن ترد
بداءات الاتجاه الاجتماعي إلى تين وسانت بيف اللذين مرّ ذكرهما. فقد اهتم تين
بالمجتمع لأنّه درس الجنس والبيئة والعصر، كما عُني سانت بيف بسيرة الفرد والظروف
التي تحيط به، كما يمكن أن تكون فلسفة هيجل معبّرة على نحو أو آخر عن هذا النهج
الاجتماعي إذ:"ربط بين الأنواع الادبية والمجتمعات"(78). وترد تسمية:
(الواقعية) لتطلق على واحدة من مدارس الأدب كما تطلق على منهج نقدي من أبرز
المناهج الاجتماعية، وأشار باحثون إلى أن أفكار الواقعية تبلورت لدى كاتب اسمه
شامغلوري عام 1857، إذ نشر مقالات أدبية تحت عنوان الواقعية، كما أصدر مجلة بهذا
الاسم، ومن المبادئ الواقعية التي استنتجها شامفلوري: إن الفن ينبغي أن يقدم
تمثيلاً دقيقاً للعالم الواقعي، وعليه أن يؤدي هذه الوظيفة بطريقة موضوعية خالية
من العواطف والنزعات الشخصية كما أن عليه أن يضع حدا لتدخل خياله(79). ولما كانت
الكلاسية معنية بالمجتمع الراقي فمن الطبيعي أن يهتم الواقعيون بالطبقات الشعبية
في المجتمع، ومن هنا نفهم قول فان تيجام بأن الواقعية لم تطبّق إلاّ على الحقيقة
المبتذلة والعقلية الشعبية(80)، ولهذا أيضاً تلقف الواقعية مفكرون وساسة وأدباء
ثوريون ليجعلوا منها النهج الذي يسيرون على هديه. ومن أبرز من يذكر
عندما يتعلّق الأمر بالنقد الاجتماعي كارل ماركس الذي أثّر بفكره وبفلسفته في عدد
كبير من النقاد حتى نشأ ما يمكن أن يسمى النقد الماركسي. سعى ماركس إلى
دراسة الفن على وفق رؤية ترى أن العمل الفني يحيا في عالم اجتماعي وأن الصراعات
الاجتماعية بين الطبقات تؤدي إلى خلق الفن كما أن الأعمال الفنية تتألف دائماً من
موضوعات لها دلالة اجتماعية(81). إن المبدأ الأساس
في النقد الماركسي هو الانعكاس الموضوعي وتمثل الأدب للواقع، غير أن المشكلة التي
تجابهنا في هذا النقد على ما يرى أحد الباحثين العرب تتمثل في أن هذا النقد ينقل:
"مركز الثقل من السياق الأدبي البحت ووضعه في الإطار العام للسياق
الاجتماعي(82)، بيد أن المنظرين الماركسيين يردون على مثل هذه التهمة بقول بعضهم:
"إن علاقة الحقيقة الفنية بحقيقة الواقع الحقيقي المنعكس، لن تكون أبداً
معادلة لوحدة، أي لا تكون مجرد تطابق.. إن الفن لا يكتفي بمحاكاة بوساطة هذا
المنهج أو ذاك من مناهج الانعكاس الفني، وإنما يدركها من خلال انعكاس مجازي
شرطي(83). إن المشكلة
الأساسية التي تجابهنا في النقد الماركسي ليست هي في صحة التهمة التي توجه إلى هذا
النقد أو عدم صحتها، بل هي في حقيقة الناقد الذي يمارس العملية النقدية، فإذا كان
ذلك الناقد مكتفياً بعدّته العقائدية فإنه قد يتحول إلى ناقد معني بما هو خارج
العمل الأدبي، أما إذا كان ناقداً حقيقياً يمكنه تحليل النصوص الأدبية، فسنقف أمام
عمله النقدي كأي ناقد آخر له ما للآخرين وعليه ما عليهم. بما أن الواقعية
في النقد فرع من فروع المنهج الاجتماعي، على ما رأينا ذلك، فقد أصبح التداخل بينها
والنقد التاريخي بيّنا واضحاً، وهذا يفسر لنا لماذا يوضع تين مثلاً تحت عنوان
النقد الاجتماعي وفي الوقت نفسه يوضع تحت عنوان النقد التاريخي. إن دراسة المجتمعات
تقتضي الاهتمام بماضيها وحاضرها ومستقبلها، أي بالسياقات الزمنية لهذا المجتمعات،
وعلى هذا يكون التداخل بين المنهجين الاجتماعي والتاريخي جلياً، ولذلك نرى بعض
الماركسيين يعتز بهذا التداخل إذ قال بوريس بورسوف أن: "أعظم مكاسب الماركسية
هو توحيد علمي التاريخ والاجتماع(84). لقد عرف الأدب
العربي الحديث المنهج الاجتماعي في النقد وطبّقه في قسم من الدراسات والبحوث،
وأشار باحث إلى أن الاتجاه الواقعي في النقد: "نشط نشاطاً ملحوظاً في أكثر من
قطر عربي وكتب فيه حنا مينا وشوقي بغدادي ومحمد دكروب وحسين مروة، كما ظهرت مجلات
لهذا الاتجاه في مصر والعراق ولبنان"(85). واستلهم قسم من
الواقعيين العرب مبادئ الواقعية الاشتراكية التي أعلنت رسمياً في الاتحاد
السوفييتي عام 1934، ويمكن أن يعدّ قسم من كتابات محمود أمين العالم وعبد العظيم
أنيس وحسين مروة ورجاء النقاش وغالي شكري وغيرهم معبرة عن هذا المنهج في النقد. أما في العراق
فقد حاول أن يلم بأبعاد هذا المنهج النقدي نقاد من أمثال فاضل ثامر وطراد الكبيسي
ومحمد الجزائري ومحمد مبارك في قسم من كتاباتهم، وقد اختاروا فيما بعد مناهج أخرى
على ما سنرى في فصول هذا الكتاب. وكما أفاد نقاد
الأدب من علمي التاريخ والاجتماع فقد أفادوا أيضاً من علم النفس، فاهتموا بشخصيات
الأدباء ودرسوها محللين دوافع الإبداع وبواعثه ودارسين علاقة المبدع بآثاره
الأدبية كما حاولوا تبيّن بواعث التلقي عند متذوقي الآثار الفنية. ولا شك في أن
النقاد عندما اتجهوا إلى علم النفس كانوا يستلهمون روح العلوم التي تمتاز بالدقة
والمقاييس الواضحة، فضلاً عن أنها تبعدهم عن تحكيم الذوق الشخصي الذي ثبت أنه
يتباين بين شخص وآخر ومكان وآخر وزمان وآخر. يرد اسم سانت بيف
علىأنه الممهد الأول للدراسات النفسية في النقد و: "لقد غدت إحدى مهمات الناقد
عند سانت بيف البحث عن حقيقة الإنسان المبدع كما تكشفه لنا أو تخفيه آثاره
الفنية(86). وقد أشرنا إلى أن
سانت بيف استقصى في دراساته مظاهر حياة الأدباء المادية والعقلية والأخلاقية وتتبع
حيواتهم الشخصية، وهكذا جاء نقده تصويراً لشخصيات الكتّاب، حتى صح لبعض الباحثين
الفرنسيين أن يصف عمله بأنه: "نوع من السيرة النفسية للأدباء"(87). وإذا كان سانت
بيف في أصل اهتماماته ناقداً أدبياً، فإن فرويد قد دخل مجال النقد الأدبي قادماً
من حقل معرفي آخر هو حقل التحليل النفسي. وقد عدّ ستانلي
هايمن، وهو يتحدث عن أعظم العلماء والمفكرين في القرن التاسع عشر والقرن العشرين،
عدّ فرويد واحداً من العلماء الأربعة العظام في هذين القرنين(88). يرى فرويد:
"إن الأدب تعبير مقنع وإنه تحقيق لرغبات مكبوتة قياساً على الأحلام، وأن هذه
المقنعات تعمل حسب مبادئ معروفة،.. وهناك فكرته عن أن هناك مستويات ومدارج عقلية
تقع وراء الوعي، وأن بين الرقيب والرغبة في التعبير صراعاً مستمراً(89). إن المنهج النفسي
كما ظهر عند فرويد يعنى بتفسير الأعمال الأدبية لا الحكم عليها وهو بهذا يقترب من
المنهجين التاريخي والاجتماعي اللذين يباينان المنهج المعماري في النقد الذي يهتم
بالحكم والتقدير، ولذلك يهتم المنهج النفسي بمضامين الأعمال الأدبية من دون أن
يولي أهمية كبيرة للعناصر الأخرى في العمل الأدبي. ولهذا كان ينظر
إلى العمل الأدبي بوصفه: "عرضاً مرضياً مستتراً وراء ظاهر المعنى الصريح الذي
يشير إليه النص الأدبي(90). لم يكن فرويد هو
عالم النفس الوحيد الذي اهتم بالآثار الأدبية إذ تلاه علماء آخرون منهم ارنست جونز
ويونج وادلر، ويعد بونج من بين هؤلاء أشدهم تأثيراً في النقد الأدبي. لقد أفاد يونج من
فكرة سبق لأستاذه فرويد أن أشار إليها إشارة مقتضبة وهي: المضامين التي يكون
مصدرها التراث القديم الذي آل إلى الطفل من خبرة الأسلاف، وقدم نظرية تقوم على
أساس أن الإنسان يحتفظ وراثة بمعارف تعود إلى ما قبل التاريخ، ويطلق على القسم
الذي يحتوي هذه الخبرات من الدماغ مصطلح: اللاوعي الجماعي، وأن الحياة العقلية
للفرد تتكون من اللاوعي الجماعي واللاوعي الفردي والوعي، وأن مضمون اللاوعي
الجماعي متطابق في كل أفراد العرق الواحد، أدرجوه على نحو غير مباشر في الأساطير
التي هي صورة جماعية مكافئة لأحلام الفرد(91). وتوصل يونج فيما
توصل إليه إلى فكرة النماذج العليا(92) التي تؤلف واحداً من المصادر التي يمتح
منها الفنانون والأدباء، ولقد أدت كشوفات يونج إلى ما يمكن أن يسمى النقد
الأنموذجي أو الطوطمي أو الأسطوري أو الشعائري، وهو: "أقرب إلى علم النفس
لتحليله استهواء العمل الأدبي للجمهور(93). ما من شك في أن
النقد الأدبي قد أفاد من هذه الكشوفات في علم النفس والتحليل النفسي، غير أن ثمة
أمراً مهماً ينبغي التوقف عنده، وهو: هل يستطيع هذا النقد أن يوصلنا إلى حقيقة
الإبداع الفني وإلى جوهره الأصيل؟ إن مشكلة هذا
النقد، شأنها في ذلك شأن المناهج التاريخية والاجتماعية إنها لا تهتم بالأدب لذاته
وإنما تتخذه وسيلة لهدف آخر هو خدمة ميدانها المعرفي الأساسي، فعلماء النفس
والمحللون النفسيون عندما دخلوا ميدان الأدب حاولوا دراسة الأعراض المرضية للأدباء
فأصبح أدبهم وثيقة تثبت هذه الحالة المرضية أو تلك. ولذلك وجهت إليهم
اتهامات هي في مجملها تتلخص بأنهم في عملهم هذا ظلوا أطباء وعلماء ولم يكونوا
نقاداً، وقد اعترف قسم من علماء النفس بهذه التهمة، إذ أقر فرويد بأن التحليل
النفسي: "لا يستطيع أن يدرس الإنسان من حيث هو فنان وليس في قدرته أن يطلعنا
على طبيعة الانتاج الفني(94)، كما اعترف
بأن: "التقدير الجمالي للعمل الفني وتفسير الموهبة الفردية ليسا من
مهمات التحليل النفسي(95)"، وقدّم يونج اعترافاً مماثلاً إذ رأى أن المنهج
الذي: "يمكن الوصول عن طريقه إلى حقيقة الفن لا بد أن يكون منهجاً فنياً(96).
لم يكن الأدب
العربي بمنأى عن هذا الاتجاه في النقد، فمنذ مطالع هذا القرن ونتيجة لاطلاع أدباء
العربية على التطورات الجارية في مناهج النقد الأدبي الغربية، بدأ شعراء وكتاب
ونقاد بالتماس توجهات جديدة لدراسة الأدب العربي، فكان علم النفس العام والتحليل
النفسي قد أثرا في عدد من أدباء العربية. وقد رأى أحد
الباحثين أن هناك نظرات نفسية سادت في أواخر القرن التاسع عشر والعقد الأول من
القرن العشرين مثلها قسم من كتابات ابراهيم اليازجي ومصطفى صادق الرافعي والمويلحي
وقسطاكي الحمصي، وحاول دراسة خصائصها(97). غير أن تلك
النظرات فيما نرى لا ترقى إلى الرؤية المنهجية التي تفيد من علم النفس ومن كشوفه
التي توصل إليها كما تجلت عند قسم من أعلامه، وهي، حين يشار إليها، إنما يشار إلى
الممهدات التي تسبق وجود الظاهرة وشبيه بها الإشارة إلى أن أرسطو هو الممهد لعلم
النفس في حديثه عن تطهر المتلقين من العواطف الضارة بعد مشاهدة المأساة. ولعل أصحاب
الديوان قد ألفوا البداية الحقيقية لظهور الاتجاه النفسي في الأدب العربي كما تجلى
ذلك لدى المازني وشكري والعقاد، وقد أفاد العقاد: "من بحوث علم النفس في
دراساته النفسية لشخصيات الشعراء.. واتجه نحو مدرسة التحليل النفسي(98). لم تكن كتابات
العقاد ودراسته لشخصيات عدد من شعراء العربية ومنهم: أبو نواس وابن الرومي وبشار
هي الكتابات الوحيدة التي أفادت من المنهج النفسي في النقد، وإنما تلتها كتابات
أخرى لعدد من الباحثين منهم: مصطفى سويف في كتابه: الأسس النفسية
للإبداع الفني في الشعر خاصة، وكتاب محمد أحمد خلف الله: من الوجهة النفسية في
تفسير الأدب، ومحمد النويهي في كتبه: ثقافة الناقد الأدبي ونفسية أبي نواس وشخصية
بشار، وحامد عبد القادر في كتابه: دراسات في علم النفس الأدبي، وعز الدين اسماعيل:
التفسير النفسي للأدب، وسامي الدروبي في كتابه علم النفس والأدب وإيليا سليم
الحاوي في كتابه: ابن الرومي فنه ونفسيته من خلال شعره وغيرها. أما في العراق
فلم تظهر ملامح منهج نفسي في النقد على ما يشير إلى ذلك ثابت الآلوسي(99)، وقد
اكتفى بالإشارة إلى ثلاث مقالات لجبرا ابراهيم جبرا وداود سلوم ومحمود البستاني،
ولم يشر إلى دراسة عبد المسيح وزير التي أوضح عباس توفيق رضا أنّ صاحبها:
"أول من طبق هذه النظرية في العراق وذلك في نقده لديوان الرصافي(100)، وكان
لا بد من الإشارة إلى هذه المقالة التي نشرت في جريدة الاستقلال عام 1933. غير أننا سنجد
عدداً من المقالات التي تستهدي بهدي المنهج النفسي في الصحافة اليومية العراقية
وإن كان عدد هذه المقالات مما لا يسمح لنا بالإشارة إلى نقد نفسي ذي ملامح واضحة
في الصحافة اليومية العراقية. 7
إذا كانت المناهج
الاجتماعية والتاريخية والنفسية قد اهتمت بالوسط الاجتماعي الذي عاش فيه الأديب
وبالسياقات الزمنية للنصوص الأدبية، كما اهتمت بالنصوص الأدبية من جانب كونها تمثل
الدليل الهادي لدراسة الأديب وواقعه وظروفه، فقد كانت هذه المناهج في الوقت نفسه
رداً على المنهج المعياري الذي كانت له السيادة المطلقة في ميدان النقد لزمن طويل
سبق ظهور هذه المناهج. فلا نعدم أن نرى،
والحال هذه، من يثور على هذه المناهج لأنها لا تجعل النصوص هدفها وغايتها وإنما
تحولها إلى وسيلة لخدمة حقلها المعرفي الذي تشتغل فيه، ومن هنا ظهرت مناهج نقدية
أخرى تجعل النصوص هدفاً لها ولا تتوسل من أجل تحقيق هذا الهدف بوسائل من خارج
النصوص، أي أنها ترفض السياقات الاجتماعية والتاريخية والنفسية وتهتم بالنصوص
الفنية فقط جاعلة إياها محور اهتمامها. ومن هذه المناهج
الجديدة: منهج الشكلانيين الروس ومنهج مدرسة النقد الجديد في أمريكا والمنهج
البنائي والمنهج التفكيكي. فقد قامت في عام
1915: "مجموعة من طلبة الدراسات العليا بجامعة موسكو بتشكيل حلقة موسكو
اللغوية.. وبعد ذلك بعام واحد انضم إلى صفوفهم كوكبة أخرى من نقاد الأدب وعلماء
اللغة وألفوا جمعية دراسة اللغة الشعرية التي تعرف باسم أوبوياز opojaz
وبذلك ولدت المدرسة الشكلية في هذين المركزين معاً(101). وكان رومان
ياكوبسن أنشط أعضاء هذه الحلقة غير أنه من المناسب القول أن صفة الشكلانيين لم
يطلقها أعضاء هذا التجمع على أنفسهم، بل أطلقها: "خصوم الـ Opojaz
على هذه الجماعة(102). وقد تحدد منهجهم
على لسان ياكوبسن فيما يلي: "إن هدف علم الأدب ليس هو الأدب في عمومه وإنما
أدبيته، أي تلك العناصر المحددة التي تجعل منه عملاً أدبياً"(103). ومن الطبيعي
القول إن هذا السياق من التفكير لم يكن يتلاءم والمد الأيديولوجي الذي شاع في
روسيا السوفياتية بعد ذلك، ولذلك اضطر أعضاء هذا التجمع إما إلى الصمت والإ نزواء
أو الهجرة وانتقد بعضهم نفسه كما فعل شكلوفسكي. وما فعله
الشكلانيون الروس في اهتمامهم بأدبية الأدب فعله كذلك أصحاب مدرسة النقد الجديد في
أمريكا الذين اهتموا بالشعر متجنبين الخوض فيما حوله من سياقات خارجية وأبرز نقاد
هذه الحركة في مطالع هذا القرن اليوت ورتشاردز وكلنث بروكس ورانسوم وليفيس والن
تيت. ولعل أبرز نقاد
هذه المدرسة في اهتمامه بالنص الأدبي وحده دون الاستعانة بموجهاته الخارجية كان
كلينت بروكس الذي كان يسعى إلى اكتشاف ما في العمل الأدبي من تعقيد وغنى وهذا لا
يتحقق إلاّ عن طريق: "دراسة القصيدة واستيعاب شكلها الفني(104)" ذلك أن
اللون الخاص من المعرفة التي يهبنا الشعر إياها "لا يصل إلينا إلاّ عن طريق
الشكل(105) فيما يرى. لم تكن حلقة
موسكو ومدرسة النقد الجديد في أمريكا الحركتين الوحيدتين اللتين انتقدتا المناهج
الاجتماعية والنفسية والتاريخية، واتخذتا لهما منهجاً جديداً في دراسة الآثار
الأدبية فإلى جانبهما كانت حركة براغ التي كان محركها الأول هو ياكوبسن زعيم
المدرسة الشكلانية الروسية نفسه، غير أن المنهج البنائي كان المنهج الأساس الذي
سعى إلى الهيمنة على ساحة النقد الأدبي بعد ذلك. قامت البنيوية
لتسترد: "المنظور الذي تطلق عليه الرؤية المنبثقة والذي يقوم على دراسة
الأشياء في ذاتها قبل التطرق إلى أحداثها وتاريخها(106). ويرد اسم كلود ليفي
شتراوس على أنه أبو هذا المنهج النقدي، وذلك في دراساته في علم الانثربولوجيا، غير
أنه في الوقت نفسه يرد اسم فرديناند دى سوسير على أنه الملهم الأول للبنائيين وذلك
في دراساته اللغوية. يؤكد شتراوس:
"أن محاولات البنائية لاكتشاف النظام في الظواهر لا ينبغي أن تصبح ادخالاً
للواقع في نظام جاهز مسبق، وإنما يقتضي إعادة انتاج هذا الواقع وبنائه وصياغة
نماذجه هولا بأشكال تفرض عليه(107). إن فكرة إعادة
انتاج الواقع هي التي تلّح على البنائيين من خلال إقامة الأنموذج الذي يحدده
المحلل نفسه، وهذا الانموذج سيكون قابلاً للمقارنة مع الشيء الخاضع للدراسة، وإذا
مضينا أكثر لتفهم البنائية فعلينا أن نلجأ إلى واحدة من الآليات التي تستخدمها وهي
المقابلات الضدية. يقرر صلاح فضل أن
التعريف الأول للبنائية: "يعتمد على مقابلتها بالجزئية الذرية التي تعزل
العناصر وتعتبر تجمّعها مجرد تراكب وتراكم، فالبنائية تتمثل في البحث عن العلاقات
التي تعطي للعناصر المتحدة قيمة وضعها في مجموع منتظم(108). هذا يعني أن
تجميع العناصر لا يؤلف بنية، وإنما ما يؤلّف البنية طريقة وضع العناصر وتشكيلها في
الانموذج الذي سبق ذكره. إن فكرة بناء
الأنموذج وإعادة إنتاج الواقع تؤدي بالضرورة إلى فكرة تعدد المعاني لدى المحللين
ولذلك يكون: "هدف التحليل البنائي للأدب إنما هو اكتشاف تعدد معاني الآثار
الأدبية(109) على ما يقرر ذلك صلاح فضل. ولا يفوتنا
القول: إن النقد البنائي بوصفه يهدف إلى بناء أنموذج جديد يعدّ نقداً مبدعاً
قادراً على الإضافة، فهو على الرغم من تمسكه بالآليات التي تجعل منه أقرب إلى روح
العلم، يبقى في أمثلته الجيدة إبداعاً فكرياً يعمّق الوعي ويغيّر من طريقة تلقي
النصوص الأدبية ولا شك في أن الدراسات النظرية غير قادرة وحدها على إيضاح المفاهيم
البنائية ولا سيما أنها ارتبطت بتباين المصطلحات بين ناقد وآخر، ولذلك من الضروري
اللجوء إلى الدراسات التطبيقية الجادة التي تمكننا من تعرّف المنجزات المتحققة على
أيدي نقاد هذا المنهج. ولما كانت
البنائية منهجاً فكرياً وفلسفياً فإن المنضوين تحت لوائها يعملون في حقول تخصصية
متعددة: شتراوس في علم الانثربولوجيا وفوكو ودريدا في الفلسفة وجريماس في علم
اللغة ورولان بارت في الدراسات الأدبية والنقدية، ولا كان في التحليل النفسي(110).
وخلال العقدين
الأخيرين من هذا القرن تلقف عدد من الأدباء العرب هذا المنهج النقدي وما تفرع منه
من مناهج أخرى، وبدأوا بتقديم دراسات نقدية نظرية وتطبيقية منهم: كمال أبو ديب
وعبد السلام المسدي وعبد الله الغذامي وآخرون في مغرب الوطن العربي ومشرقه. وعلى حداثة وصول
هذا المنهج إلى العراق يمكن للباحث أن يتلمس آثاره في كتابات عدد من الأدباء
العراقيين من أمثال مالك المطلبي وسعيد الغانمي وعبد الله إبراهيم ومحمد صابر
عبيد، وسنتوقف عند كتابات قسم من هؤلاء ممن نشروا مقالات تستهدي بهذا المنهج في
الصحافة اليومية العراقية. 8
عرفنا، إذن، أن
المناهج النقدية كثيرة جداً، وقد يستعصي على الباحثين الإلمام بتسمياتها كلها،
فكيف يمكننا، والحالة هذه، أن ندرس اتجاهات نقد الشعر العربي الحديث في الصحافة
اليومية العراقية؟ وهل ينبغي استقصاء تلك التسميات جميعها ونحن ندرس تلك الاتجاهات
النقدية؟ قد توحي تلك
التسميات الكثيرة، وقد توحي مفردة: منهج بأن هناك صرامة قاسية في التفريق بين منهج
وآخر، كما قد توحي بأن لكل منهج مقاييس دقيقة واضحة كمقاييس الأكيال والأطوال، غير
أن الحقيقة ليست كذلك، فكثيراً ما تتداخل المناهج في التطبيق كما تداخلت أسماؤها. في التسمية، تبرز
لدينا، في الأغلب الأعمّ ثنائيات ضدية، قد يمكن لنا من خلال الإشارة إليها تبيّن
التداخل فيما بين تلك المناهج: النقد العلمي بإزاء النقد التأثري، والنقد الجامعي
بإزاء النقد الصحافي، والنقد المعياري بإزاء النقد الوصفي، والنقد التقديري بإزاء
النقد التفسيري، والنقد الخارجي بإزاء النقد الداخلي، وهكذا الأمر مع ثنائيات ضدية
أخرى. لقد أطلقت صفة
النقد العلمي، مثلاً، على النقد الذي كتبه نقاد من أمثال تين وبرونتيير لأن ذلك
النقد استوحى منجزات العلوم، وتطلق الآن صفة الدراسات الأسلوبية على نقد آخر يهتم
بالإحصاء بروح موضوعية ينأى فيها الناقد عن الهوى الشخصي ويبتعد عن تحكيم ذاته في
إطلاق التفسيرات للنصوص الأدبية. ترى، لماذا لا
نضع النقد الأسلوبي تحت تسمية النقد العلمي وهو يفيد من علم الاحصاء ويتصرّف بروح
علمية صارمة مبالغ بها أحياناً؟ هذا مثال واحد يبين لنا كيف نستطيع اختزال عدد من
التسميات تحت تسمية واحدة محددة. وإذا ما التفتنا
إلىتسميتي النقد الجامعي والنقد الصحافي وجدنا أنفسنا أمام مثال أوضح على عدم جدوى
كثير من التسميات، فقد أطلقت تسمية النقد الجامعي على النقد الذي يكتبه جامعيون،
يهتمون فيه بالحواشي والمرجعيات ويبتعدون عن إصدار الأحكام إلاّ بعد أن يتبينوا
حيثياتها، في حين يقف النقد الصحافي على النقيض من ذلك، إذ يتسم بأنه يخضع في أغلب
الأحيان إلى متطلبات العمل الصحافي وما تقضيه من مواكبة الأحداث، فيتميز بأنه نقد
سريع -مهتم- بالصراعات الأدبية. ألا يحق لنا وضع
كل الدراسات والبحوث والمقالات النقدية التي يكتبها جامعيون وصحفيون تحت تسميات
أخرى؟ إن النقاد الجامعيين ينضوون في كتاباتهم النقدية تحت ألوية المناهج
التاريخية والاجتماعية والنفسية والبنائية وغيرها، وهم أنفسهم يكتبون مقالاتهم
وينشرونها في الصحافة، نزولاً عند إن استخدام صفة
جامعي وصحافي للتفريق بين منهجين نقديين أمر لا مسوغ له، فيما نرى، ولعلّ من أسباب
رواجهما ميل قسم من الدارسين إلى استخدام الثنائيات الضدية ورغبتهم في التفريعات،
وربما انطبق هذا الأمر على ثنائيات ضدية أخرى: الحكم بإزاء التفسير، والمعياري
بإزاء الوصفي إلى غير ذلك من ثنائيات. نخلص من ذلك إلى
أن كثرة التسميات التي تطلق على المناهج النقدية هي من باب التفريع، إذن. ويمكن
والحالة هذه الاستغناء عن كثير من التسميات، ويمكن وضع مناهج معينة تحت تسميات
أخرى من غير أن يفقد من يميل إلى هذا الاختزال الدقة العلمية والحكم الموضوعي. أما في التطبيق
فيصعب أن تجد ناقداً يلتزم التزاماً دقيقاً بالمفاهيم التي ينطلق منها المنهج الذي
يسير على هديه، يقول الطاهر: "كان تين وبرونتيير أكبر علمين يذكران في النقد
العلمي.. وكانا يسمحان بحظ ملحوظ من الذاتية(111)، وحين أراد ثابت الآلوسي دراسة
اتجاهات نقد الشعر في العراق وقع في حيرة وهو يحاول أن يضع كتابات هذا الناقد أو
ذاك تحت تسمية منهج معين، حتى اضطر أن يعترف بأن التفرقة بين: "تلك الاتجاهات
تستند في الأساس على مجرد التغليب(112)، وهذا ما لاحظناه أيضاً حينما تتبعنا
المقالات النقدية التي أخضعناها للدراسة في هذا الكتاب. لذلك كله
وانطلاقاً من كثرة التفريعات التي تلازم تسميات المناهج النقدية، يرى الباحث أنه
يمكن أن يميّز بين اتجاهين كبيرين ينضوي تحتهما الكثير من المناهج النقدية، هذان
الاتجاهان هما: الاتجاه السياقي والاتجاه النصّي، ويمكن أن يندرج تحت كلّ منهما
عدد من المناهج النقدية(113). الاتجاه السياقي
هو الذي يدرس النصوص الأدبية في ظروف نشأتها والسياقات الخارجية لها والتأثيرات
التي يتوقع للنّص أن يؤثر بها فيما يحيط به، ويمكن أن يشمل هذا الاتجاه كل
الدراسات النقدية التي لا تجعل النّص الأدبي وحده مدار اهتمامها، أي أنها تتوسل
بوسائل خارجية ليست من داخل النّص نفسه. وقد أطلق جيروم
ستولنيتز صفة السياقية على المناهج النقدية التي تدرس الظروف والسياقات الخارجية
للنّص، ورأى أن العمل الفني: "إذا ما نظر إليه بطريقة غير جمالية كان يوجد في
سياق، فقد ابتدعه إنسان كانت له سمات نفسية معينة، وكان هذا الإنسان يعيش في مجتمع
لا بد أن نظمه وقيمه أثّرت في تفكيره وكيانه(114). ومن هذه المناهج
السياقية: المنهج التاريخي والمنهج الاجتماعي والمنهج النفسي وما يتفرع عنها من
تسميات أخرى مثل: السيري، الأيديولوجي، الواقعي، الماركسي، الوجودي، الفلسفي،
الديني، الأخلاقي، الأسطوري وغيرها من التسميات. أما الاتجاه
النّصي فهو يشمل المناهج النقدية التي تدرس النصوص الأدبية بذاتها وتسعى إلى الكشف
عن العلاقات التي تتحكم بها، من غير أن تعير أهمية كبيرة لسياقاتها الخارجية، ومن
أبرز المناهج النصية: المنهج الشكلاني الذي قام في روسيا، ومدرسة النقد الجديد
التي نشأت في الولايات المتحدة الأمريكية، والمنهج البنائي والمنهج التفكيكي وما
يتفرع عن هذه المناهج من تسميات أو ما يقترب منها مثل: الفني، اللغوي، البلاغي،
الألسني، الأسلوبي وغيرها من التسميات. هذان الاتجاهان
الكبيران اللذان ارتضيناهما يمكن أن يوفرا علينا عناء البحث عن التسميات المتعددة
التي تزخر بها الكتب والدراسات المعنية بالنقد، وعلى أساس هذه الرؤية ستكون
معالجتنا لنقد الشعر العربي الحديث في الصحافة اليومية العراقية. n هوامش التمهيد
1-أحمد مطلوب: النقد الأدبي الحديث في العراق،
القاهرة 1968- ص19 2-ينظر: المصدر نفسه. وينظر ثابت الألوسي،
اتجاهات نقد الشعر في العراق من 1958-1980، رسالة ماجستير مطبوعة على الآلة
الكاتبة مقدمة إلى كلية اللغة العربية جامعة الأزهر، القاهرة 1982- ص2 3-ثابت الألوسي، ص2 4-عباس توفيق رضا: نقد الشعر العربي الحديث في
العراق من 1920-1958، رسالة ماجستير مطبوعة على الآلة الكاتبة، مقدمة إلى كلية
الآداب جامعة بغداد، بغداد 1976 ص30 5-عباس توفيق: ص55 6-ينظر: عباس توفيق ص57. وقد جمع عباس توفيق
أمثلة كثيرة من ذلك النقد 7-ينظر: المصدر نفسه، ص31 وما بعدها، ومحمد
زغلول سلام: النقد العربي الحديث أصوله، قضاياه، مناهجه، القاهرة 1964 ص103 وما
بعدها. وأنطوان غطاس كرم: الأدب العربي الحديث، بيروت 1980 ص68. ومصطفى عبد اللطيف
السحرتي: الشعر المعاصر على ضوء النقد الحديث، القاهرة 1948 ص3. وعبد الجبار كريم
حمادي: (الصحافة العراقية وأثرها في تطور الشعر العراقي الحديث للفترة من
(1941-1958) رسالة ماجستير مطبوعة على الآلة الكاتبة، مقدمة إلى كلية الآداب جامغة
بغداد عام 1983- ص84، وثابت الألوسي: ص3 وما بعدها. 8-ينظر: ماهر حسن فهمي: المذاهب النقدية،
القاهرة 1962- ص25 وما بعدها. 9-ينظر: عبد الجبار كريم حمادي، ص61 وما بعدها 10-ثابت الألوسي ص6 11-ثابت الألوسي: ص9 12-يوسف الصائغ: الشعر الحر في العراق منذ نشأته
حتى 1958- بغداد 1978- ص58 13-المصدر نفسه: ص59 14-المصدر نفسه 15-ثابت الآلوسي: ص16 16-ينظر: عباس توفيق، الفصل الثاني من الباب
الأول من رسالته. 17-ثابت الآلوسي ص18 18-فوزي البشتي: (تأثير وسائل الإعلام في طبيعة
الإنتاج الثقافي العربي)، مجلة الآداب، بيروت، العدد 1-3- سنة 1984- ص83 19-عناد الكبيسي: (الأدب في صحافة العراق منذ
بداية القرن العشرين)، النجف الاشرف 1972- ص56 20-ينظر: جمال حافظ واعي، (الصحافة الأدبية في
العراق 968-1986) رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الآداب، جامعة بغداد، 1988- ص60
وما بعدها 21-ينظر المصدر نفسه 22-ينظر: أحمد مطلوب (النقد الأدبي الحديث في
العراق)، ص27 وما بعدها. 23-عبد الله حسين: الصحافة والصحف، القاهرة
1948-ص55 24-منها: بحث منير بكر التكريتي: (أساليب
المقالة وتطورها في الأدب العراقي الحديث) الذي نال به درجة الدكتوراه من جامعة
القاهرة 1970 وأصدره بعد ذلك كتاباً عام 1976- وبحث عناد اسماعيل الكبيسي: (الأدب
في صحافة العراق منذ بداية القرن العشرين) الذي صدر كتاباً عام 1972. وكتابان
لمنير بكر التكريتي هما: (نظرات في الأدب والإعلام قديماً وحديثاً) عام 1978.
و(أدباء صحفيون) عام 1979. وبحث عبد الجبار كريم حمادي: (الصحافة العراقية وأثرها
في تطور الشعر العراقي الحديث 1941-1958) وهو رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الآداب
جامعة بغداد عام 1983. وبحث حسين جاسم النداوي: (الصحافة والأدب في العراق
1968-1982) وهو رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الآداب جامعة بغداد عام 1983- وبحث:
جمال حافظ واعي: (الصحافة الأدبية في العراق 1968-1986. 25-هي دراسة عبد الجبار كريم حمادي. 26-صدرت الصحف الثلاث في بداية آذار ومنتصفه عام
1963 واحتجبت في بداية شهر نيسان من العام نفسه. 27-صدر عددها الأول يوم 17 آب 1968 وما تزال
تصدر حتى الوقت الحاضر. 28-لم يعثر الباحث على مقالات نقدية في صحف:
المستقبل، صوت الأحرار، الشبيبة، الحقيقة، اليقظة، النصر، التقدم، الوطن العربي،
الوحدة العربية، العهد الجديد. 29-من الصحف التي وجد الباحث فيها مقالة أو
مقالتين أو خمساً، صحف: الشرق، الفجر الجديد، الزمان، صوت الطليعة، المبدأ،
الحضارة، اتحاد الشعب، الاستقلال، الاهالي، الأنوار، البلاد، الرافدان، الثورة
(لصاحبها يونس الطائي)، العرب، المنار، الجمهور، الجماهير، الجمهورية (التي رأس
تحريرها فيصل حسون عام 1963). 30-تنظر: صحيفة العرب للأيام: 24/3/1963-
22/10/1967 وجميع أعداد سنة 1965 حملت عنوان (الأدب). 31-تنظر: صحيفة صوت الطليعة، بغداد 18/8/1959
مثلاً. 32-تنظر: صحيفة اتحاد الشعب، بغداد 4/12/1959. 33-ينظر: المصدر نفسه للأيام: 26/8/1960-
2/9/1960- 16/9/1960- وهذه العناية بالأدب الأجنبي نلاحظها في صحف أخرى، إذ خصصت
صحيفة الأهالي في يوم 10/6/1959 صفحة كاملة ضمت مقالتين طويلتين عن المؤتمر الثالث
للكتّاب السوفييت. 34-ينظر: فتى الإسلام (الشعر الحر تافه وسخيف)
فتى العراق، الموصل 14/8/1961. وينظر: عيسى (نحن والشعر الحر) الشرق، بغداد
27/8/1961 35-زهير أحمد القيسي: (جميلة بطلة الجزائر
وتفاهات شاعر) الأخبار، بغداد 16/11/1960 36-عز الدين اسماعيل: الأدب وفنونه، القاهرة
1978- ص72 37-ستانلي هايمن: النقد الأدبي ومدارسه الحديثة،
ترجمة إحسان عباس ومحمد يوسف نجم، ج1- بيروت 1958- ص12 38-ينظر: رينيه ويلليك، مفاهيم نقدية، ترجمة
محمد عصفور، الكويت 1987- ص466 39-محمد مفتاح: دينامية النص، بيروت والدار
البيضاء 1987- ص5 40-الجوهري: الصحاح في اللغة والعلوم، إعداد
وتصنيف نديم مرعشلي وأسامة مرعشلي، بيروت 1974- مفردة نهج. 41-حسين عبود حميد: المناهج النقدية في نقد
الشعر العراقي الحديث، رسالة دكتوراه مطبوعة على الآلة الكاتبة مقدمة إلى كلية
الآداب جامعة بغداد، بغداد 1991- ص16 42-عبد الكريم حسن: الموضوعية البنيوية، بيروت
1983- ص31 43-علي جواد الطاهر: مقدمة في النقد الأدبي،
بغداد 1983- ص396 44-ينظر: علي حسين عبود، ص19- وما بعدها 45-ينظر: الطاهر، مقدمة في النقد الادبي، ص393-
وينظر: جيروم ستولنيتز، النقد الفني، القاهرة 1974 ص671 وما بعدها، وينظر أيضاً:
ماهر حسن فهمي: المذاهب النقدية، ص5- وما بعدها. 46-ينظر: ستولنيتز ص671 47-ينظر: ماهر حسن فهمي، المذاهب النقدية، ص58-
وما بعدها 48-ينظر: عباس توفيق رضا، ص11 وما بعدها 49-أبو الثناء الآلوسي: غرائب الاغتراب ونزهة
الألباب، بغداد 1327هـ ص248 50-ينقل هذا النص: ماهر حسن فهمي في المذاهب
النقدية ص59 51-ينظر: عباس توفيق رضا، ص50 وما بعدها 52-ينقل هذا النص ماهر حسن فهمي في: المذاهب
النقدية ص63 53-ليليان فرست: الرومانسية، ترجمة عبد الواحد لؤلؤة،
بغداد 1978- ص60 54-الطاهر: مقدمة في النقد الأدبي، ص411 55-ينظر: ماهر حسن فهمي، المذاهب النقدية، ص67
وما بعدها وينظر مصدره 56-الطاهر: مقدمة في النقد الأدبي، ص420 وينظر
مصدره 57-ينظر: محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث،
بيروت 1973- ص325 58-حسين عبود حميد: ص17. وينظر أيضاً: محمد
مندور، الأدب وفنونه، القاهرة 1974، ص138 59-ينظر: الطاهر، مقدمة في النقد الأدبي، ص415 60-ينظر: ماهر حسن فهمي، المذاهب النقدية، ص87
وما بعدها 61-العقاد: مقدمته لديوان المازني جـ 1 القاهرة
1913 ص ك 62-العقاد والمازني: الديوان في الأدب والنقد،
القاهرة د ت ص130 63-محمد مندور: في الميزان الجديد، القاهرة د.
ت، ص.و 64-ينظر: ذلك التحليل في، المصدر نفسه ص50 وما
بعدها 65-احمد الشايب: الأسلوب، القاهرة 1976- ص13 66-جورج سانتيا: الاحساس بالجمال، ترجمة محمد
مصطفى بدوي، القاهرة، د ت، ص8 67-طه حسين: حديث الأربعاء، القاهرة 1981- ص199 68-داود سلوم وعناد غزوان وجلال الخياط: تاريخ
النقد الأدبي، بغداد 1988- ص216 69-داود سلوم: المنهج التاريخي في دراسة الموضوع
الشعري، دراسة ضمن كتاب: اتجاهات النقد الأدبي الحديث في العراق، مطبوع على الآلة
الكاتبة، الموصل 1989- ص26 70-ينظر: ستولنيتز، ص697 71-الطاهر: مقدمة في النقد الأدبي، ص398 72-ماهر حسن فهمي: المذاهب النقدية، ص177 73-ينظر: محمد مندور: المذاهب النقدية، ص177 74-ينظر: ماهر حسن فهمي، المذاهب النقدية
ص199وينظر مصدره 75-ينظر: طه حسين، في الأدب الجاهلي، القاهرة
1927- ص48 وما بعدها 76-ينظر: عباس توفيق رضا: ص73 وما بعدها 77-أشار باحث إلى أثر كتاب طه حسين (في الأدب
الجاهلي) في دراسات أولئك النقاد. ينظر
ثابت الآلوسي، ص36 78-ينظر: الطاهر، مقدمة في النقد الأدبي، ص404 79-ينظر: ويلليك، مفاهيم نقدية ص186. وينظر
أيضاً: صلاح فضل، منهج الواقعية في الإبداع الأدبي، بيروت 1986- ص12 وما بعدها 80-فان تيجام: الاتجاهات الأدبية الكبرى في
فرنسا، ترجمة فريد انطونيوس، بيروت 1967 ص241 81-ينظر: ستولنيتز، ص684 وما بعدها. 82-صلاح فضل: منهج الواقعية، ص215 83-سكفوزينكوف: (المنهج الإبداعي والصورة) من
كتاب موسوعة نظرية الأدب، (المجلد الثاني) القسم الثاني، ترجمة، جميل نصيف
التكريتي، بغداد 1993- ص335- وما بعدها 84-بوريس بورسوف: الواقعية اليوم وأبدا، د.
مترجم، بغداد 1974- ص58 85-ثابت الآلوسي: ص154 86-حيدوش أحمد: الاتجاه النفسي في النقد العربي
الحديث، رسالة ماجستير مطبوعة على الآلة الكاتبة مقدمة إلى كلية الآداب جامعة
بغداد 1983 ص13 87-المصدر نفسه. 88-ينظر هايمن، ج1- ص15 89-المصدر نفسه 90-حيدوش أحمد ص19 91-ينظر: حيدوش أحمد ص38 وما بعدها 92-النماذج العليا حسب تعريف يونج هي: "صور
ابتدائية لا شعورية أو رواسب نفسية لتجارب ابتدائية لا شعورية لا تحصى، شارك فيها
الأسلاف في عصور بدائية وقد ورثت في أنسجة الدماغ بطريقة ما". هايمن ص245 وما
بعدها 93-ويلبرس سكوت: خمسة مداخل إلى النقد الأدبي،
ترجمة وتقديم وتعليق عناد غزوان اسماعيل وجعفر صادق الخليلي، بغداد 1986- ص265 94-مصطفى سويف: الأسس النفسية للإبداع الفني في
الشعر خاصة، القاهرة 1981 ص20 95-حيدوش أحمد: ص16 96-مصطفى سويف: ص88 97-ينظر: حيدوش أحمد ص46 وما بعدها 98-المصدر نفسه: ص64 99-ينظر: ثابت الآلوسي، ص236 وما بعدها 100-عباس توفيق: ص72. 101-صلاح فضل: نظرية البنائية في النقد الأدبي،
بغداد 1987- ص45 102-ياكوبسن وآخرون، نظرية المنهج الشكلي، ترجمة
إبراهيم الخطيب، بيروت د. ت ص9 103-فضل: نظرية البنائية ص60 104-محمد محمد عناني: النقد التحليلي، القاهرة
د. ت ص6 105-المصدر نفسه 106-فضل: نظرية البنائية ص23 107-فضل: نظرية البنائية ص180 108-المصدر نفسه: ص195 109-المصدر نفسه: ص298 110-ينظر: فضل، نظرية البنائية ص208 وما بعدها 111-الطاهر، مقدمة في النقد الأدبي ص414 112-ثابت الآلوسي: المقدمة، وينظر أيضاً: محمد
مندور، في الأدب والنقد ص13 113-سبق للباحث أن ارتضى هذا التقسيم في دراسة
سابقة له. ينظر: مرشد الزبيدي، البناء الفني للقصيدة في النقد العربي الحديث،
رسالة ماجستير مقدمة إلى كلية الآداب، جامعة بغداد، بغداد 1989- ص11 114-ستولنيتز: ص680 | |||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||