|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:46 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الأول التنظير للمناهج النقدية يحسن بالباحث بدءاً، أن يفرّق بين حقلين من حقول الدراسات الأدبية وهما: نظرية الأدب والنقد الأدبي، ذلك أن تحديد المفاهيم وبيان دلالاتها يمكن أن يجنبنا المزالق المحتملة، ولاسيما أننا قد حددنا فيما سبق، أن واحداً من أسباب اختيار مصطلح: (اتجاهات) الوارد في عنوان هذا الكتاب، هو لشموليته، ولكي نتمكن من وضع الاتجاه التنظيري تحت الخيمة الشمولية لمصطلح: (اتجاهات)، على الرغم من قناعتنا بأن مصطلح (منهج) هو المصطلح الأكثر دقة في تحديد الشعب النقدية التي تدرس النصوص الأدبية من زواياها المختلفة. يفرق عدد من الباحثين بين نظرية الأدب والنقد الأدبي والتاريخ الأدبي محاولين وضع الحدود بين هذه الفروع من الدراسات الأدبية فيرى ويلليك أن: "النظرية الأدبية تدرس مبادئ الأدب وأصنافه ومعاييره، وما إلى ذلك، بينما تنتمي الدراسات التي تركز اهتمامها على الأعمال الأدبية نفسها إما إلى النقد الأدبي.. وإما إلى التاريخ الأدبي"(1). غير أننا لانظفر عند ويلليك بإجابة شاملة شافية توضح لنا الحدود القائمة بين تلك الفروع من الدراسة الأدبية، وربما وجدنا تلك الإجابة عند جميل نصيف الذي يفرق بين النقد الأدبي ونظرية الأدب بقوله: "النقد الأدبي يتناول التحليل عملاً أدبياً محدداً محاولاً خلال ذلك الكشف عن قيمته الفنية وعن أصالته وعن مواطن الجمال والقبح فيه، فهو، إذن، جهد تقويمي، وبصورة عامة فإن أي جهد نقدي أدبي خالص يجب أن يتوصل في النهاية إلى جواب عن السؤال الآتي: هل هذا العمل جيد؟. أما نظرية الأدب فهي ذلك العلم الذي يعنى بالإجابة عن السؤال العام التالي: ما الأدب؟ وهو بذلك يأخذ على عاتقه واجب دراسة قوانين تطور الأدب وإبداعه... وتياراته الفنية وأصنافه وأنواعه وأشكاله والخصائص البنائية لتكوين الأعمال الأدبية، واللغة، وغير ذلك من المسائل التعبيرية"(2). وعلى هذا لاتعنى النظرية الأدبية بما: "امتازت به قطع أدبية خاصة من الأدب إلا عرضاً أو على سبيل الاستشهاد(3)" على مايرى لاسل آبروكرومبي، أي أنها، كما يعبّر عن ذلك تودوروف: "لاتعنى بالأدب الحقيقي، بل بالأدب الممكن(4). إن هذا الفصل بين النقد الأدبي والنظرية الأدبية ضرورة للباحث لكي يتبين الفروق الدقيقة بين العلوم التي تبحث في الظاهرة الأدبية، غير أنه لايعني بالضرورة وجود علاقة انفصام وتقاطع بينهما، على العكس من ذلك نجد هذين الحقلين متلازمين تماماً، فنظرية الأدب توفر للناقد ودارس الأدب أرضية فلسفية تفيده كثيراً في إضاءة عمله، كما أن النقد الأدبي يفيد النظرية الأدبية بما يتوصل إليه من النتائج في تحليله الأعمال الأدبية. تعني نظرية الأدب، إذن، بدراسة مبادئ الأدب ومايتعلّق بها من مفاهيم نقدية وموضوعات تتعلّق بكيفية النظر إلى الأعمال الأدبية محاولة الإجابة عن السؤال العام الآتي: ما الأدب؟ ومايتفرع عن هذا السؤال: مم يتكون؟ ما أنواعه؟ وما أصناف كل نوع؟ وما أشكال كل صنف؟ وعلى هذا يمكننا القول: إن المقالات والدراسات النقدية المنشورة في الصحافة اليومية العراقية اهتمت بالشعر العربي الحديث وتناولته من مختلف الجوانب، وكانت تلك المقالات والدراسات إما معالجات نظرية أو دراسات تطبيقية، وسيعنى هذا الفصل بدراسة المعالجات النظرية المتعلقة بالمناهج النقدية، كما جاءت عند النقاد. تعرضنا، فيما سبق، إلى المناهج النقدية كما وصلت إلينا من الغرب، وناقشنا تسمياتها على ماجاءت عند الباحثين والنقاد من غربيين وعرب، وقررنا اختيار تسميتين: الاتجاهات السياقية والاتجاهات النصية، لأنها تسمية عامة شاملة يمكن أن تتضمن في إطارها العام المناهج النقدية كلها، وأشرنا إلى أننا نعني بالسياقية: تلك المناهج التي تدرس الأدب بالاستعانة بالعلوم الاجتماعية والتاريخية والنفسية وغيرها من السياقات، كما نعني بالنصية: تلك المناهج التي تدرس النصوص بذاتها من غير استعانة بالظروف والسياقات الاجتماعية والنفسية والزمنية. 1 إن الاتجاهات السياقية في النقد ظهرت في العراق قبل الاتجاهات النصية، وذلك بسبب نشوء الاتجاهات السياقية في موطنها الأصلي: الغرب قبل غيرها، حتى إنه بات من المعروف أن الاتجاهات النصية والبنائية منها على وجه خاص جاءت رد فعل على تلك المناهج التي تستعين بالعلوم الأخرى. وقد أشار أحد الباحثين إلى أن عشرينات هذا القرن شهدت محاولات عددٍ من النقاد للإفادة من المناهج الاجتماعية والنفسية وربط النتاج الأدبي ببيئته وزمانه، وتوصل ذلك الباحث إلى أن كتّاباً عرفوا (تين) و (فرويد) وأشاروا إليهما، ومن أولئك النقاد عبد المسيح وزير الذي حاول ربط الأدب ببيئته وزمانه كما حاول تطبيق المنهج النفسي لدراسة الشعر وذلك في نقده ديوان الرصافي(5). ولابد للباحث في نقد الشعر العربي الحديث المنشور في الصحافة العراقية اليومية أن يتبين أن ذلك النقد اهتم خلال عام 1958 والأعوام التي تلته بعرض مضامين الشعر ولم يتجاوز ذلك إلى القضايا الفنية الأخرى إلاَّ فيما ندر، ولعلَّ مقالات حارث طه الراوي ومهدي شاكر العبيدي ومحمد شرارة(6) خير ماتمثل هذا الاتجاه المضموني في النقد الذي يمكن أن يندرج ضمن الاتجاهات السياقية. وبالرغم من اهتمام أولئك النقاد بمضامين القصائد التي تحدثوا عنها وعنايتهم بحيوات الشعراء، لم نجد لهم إشارات إلى مناهج نقدية محددة يسيرون على هديها، على الرغم من أننا نستشف من عنايتهم بالأحداث التي يشيرون إليها، ميلهم إلى ربط الأدب بالزمان والمكان أي ميلهم إلى الجوانب الاجتماعية والتاريخية للأدب. لقد أتيحت بعد عام 1958 الفرصة للأدباء والمفكرين أن يعبروا عن آرائهم وانتماءاتهم الفكرية، ولاسيما الماركسيون منهم، غير أننا لم نظفر بدراسة جادة تستوحي المنهج الماركسي في النقد، واكتفى النقاد بالحديث عن الهموم السياسية، حتى تحول النقد إلى مطالبة الشعراء بالالتصاق بهموم الجماهير والتعبير عنها، من غير أن يغور النقاد إلى أعماق النصوص وأعماق الشعراء محللين جوهر إبداعهم. ولذا كان حكم ثابت الآلوسي دقيقاً في قوله أن نقاد الشعر حتى منتصف هذا القرن كانوا: "يلهثون وراء المعاني ذات الارتباط بهموم الطبقات المسحوقة والكادحين من منظور ماركسي، وقلما تشغلهم القيم الجمالية والتعبيرية(7)". لقد انجر النقاد إلى هذا المأزق بسبب سوء فهم للواقعية أو الماركسية في الأدب والفن، إذ تم ربط السلوك السياسي المعبّر عنه بعواطف ساذجة بقضية فكرية لها خصائصها المحددة ولذلك انتقد يوسف الصائغ مثل هذا التبسيط الساذج بقوله إن العمل السياسي مارس تأثيراً: "سلبياً في هذا المجال، وأصبح نجاح القصيدة وانتماؤها إلى الواقعية الحديثة يتحقق غالباً، عبر تطويعها للحاجة السياسية اليومية، سواء عن طريق التبسيط أم السطحية والنثرية والشعارات(8)". وهذا الحكم لاينطبق على القصائد وحدها وإنما ينطبق أيضاً على المقالات النقدية المنشورة بعيد 1958 في العراق، إذ لانجد فيها إلاّ تنازلاً تاريخياً يمجد الشعراء الذين تغنوا بالنضال الوطني والانتفاضات الوطنية، ولا يكلف النقاد أنفسهم عناء البحث في الجوانب الفنيّة للشعر الذي يتحدثون عنه. في الوقت نفسه الذي تناول النقاد موضوعات الشعراء على النحو الذي أشرنا إليه، لم نجد مقالات تنظّر لهذا الاتجاه النقدي الذي يُفترض فيها أنها تسير على هديه، وإنما ظهر هذا التنظير في زمن لاحق، أي أن الحديث عن المناهج النقدية لم يظهر على نحو جدي إلاّ من منتصف الثمانينات من هذا القرن، أما قبل هذا الوقت فلم نجد إلا إشارات عرضية تومئ إلى المنهج ولا تحدده أو تبين خصائصه. لقد كان لدينا نقاد سياقيون، إذن، ولكنهم لم يبينوا الملامح السياقية منهجاً محدداً له خصائصه وحدوده المعروفة، وإنما اكتفوا بالإشارات العابرة إلى هذا المنهج أو ذاك، ومن هؤلاء النقاد: فاضل ثامر(9) الذي عرف في بداءاته ناقداً سياسياً، وكان يرى أن العمل الأدبي: "نتاج اجتماعي وشكل من أشكال التعبير عن الوعي الاجتماعي، ولهذا فهو يجب أن يتوجه إلى الآخرين ليحقق تأثيراً فاعلاً في البيئة الاجتماعية عبر التأثير في الوعي الاجتماعي للناس(10)". إن مثل هذا الرأي، يؤكد مايذهب إليه النقاد السياقيون، ولاسيما الماركسيون منهم، فهو ترداد لنظرية الانعكاس الماركسية التي ترى في الأدب مرآة ينعكس فيها الواقع الاجتماعي غير أن فاضل ثامر يخشى من أن يفهم رأيه على أنه غير معني بالجوانب الفنية، لذا يستدرك بأنه لايقبل الفصل بين: "الشكل والمضمون اللهمّ إلاّ على المستوى المجازي ولأغراض الدراسة فقط(11)، كما يشير إلى أن الناقد: "التقدميّ الملتزم يعي بشكل واضح ضرورة تقويم أيّ نصّ بشكل موضوعي شامل وعدم الاكتفاء بالنظر الأحادي الجانب إلى النصّ عبر الاهتمام بالمحتوى الفكري أو بالشكل فقط(12)". إن خشية فاضل ثامر من الاتهام بالفصل بين الشكل والمضمون متأتية من فهم غير صحيح رافق النقد في العراق بعيد عام 1958، وهو أن النقد الماركسي نقد يُعنى بالمضامين ويهمل الجوانب الفنية الأخرى، ولذا يدافع عن نفسه بأنه لايغلّب جانباً على آخر، لا الشكل على المضمون ولا المضمون على الشكل. ولكن هذا الفهم يبدو سطحياً اليوم إذا ماقارناه بنصوص النظرية النقدية الماركسية، إذ يشرح أحد المنظرين الماركسيين المهتمين بنظرية الأدب قضية الانعكاس بقوله: "إن العلاقة التي تكمن دائماً في أساس مفهوم المنهج الإبداعي، علاقة الحقيقة الفنية بحقيقة الواقع الحقيقي المنعكس، لن تكون أبداً معادلة لوحدة، أي لاتكون مجرد تطابق، الفن يعكس الواقع ويعيد خلقه إبداعياً.. إن الفن لايكتفي بمحاكاة بوساطة هذا المنهج أو ذاك من مناهج الانعكاس الفني، وإنما يدركها من خلال انعكاس مجازي شرطي(13)". لقد تشكّلت هذه الرؤية السياقية لدى فاضل ثامر في بداءاته النقدية، ويمكن أن نلمحها على نحو جليّ في كتابه النقدي الأول: معالم جديدة في أدبنا المعاصر، ولاسيما في دراساته المتعلقة بشعر الستينات، حيث نلمح تأثيرات المناهج السياقية عليه، فهو حين يحاول تفسير تطور القصيدة الجديدة التي نشأت في العراق بعد جيل رواد شعر التفعيلة، يربط هذا التطور بما حصل من تغيّرات في الواقع الاجتماعي والسياسي في العراق ولذا يقرر: "إن تقاليد القصيدة التشكيلية الحسية الدنيوية قد تبلورت وتجذّرت عبر نشاط الحركة الثورية التي خاضها المجتمع ضد التخلف والاستعمار والرجعية، ومن أجل الانطلاق، فإن القصيدة الرؤيوية قد تبلورت عبر جزر وسحق الحركة الثورية وتطبيقها(14)". إن ربط التطور الفني للقصيدة بظرفها الاجتماعي والسياسي مما لايرقى إليه الشك، غير أننا لايمكن أن نجعل من هذين العاملين عاملين وحيدين، فالدافع الذاتي عند الشعراء من الأمور التي لايمكن إهمالها، فضلاً عن اطلاع الشعراء على التجارب العالمية المماثلة، هذا الاطلاع الذي يدفعهم إلى محاكاة تلك التجارب أو النسج على منوالها، ومن المعروف أن ممثلي القصيدة الرؤيوية، وهي تسمية ابتكرها فاضل ثامر للدلالة على الجيل الثاني من شعراء قصيدة التفعيلة، كانوا قد أطلعوا على التجارب الدادائية والسريالية، بل أن البيان الشعري الذي نشروه في عام 1969 كان يستمد قسماً من صياغاته من البيان السريالي الذي كتبه أندريه بريتون. غير أن فاضل ثامر في دفاعه العرضي عن الاتجاهات السياقية لم يضع جهده التنظيري في دراسة مخصصة لذلك، وإنما جاءت أفكاره السياقية في مقالات مبعثرة، أما لمناسبة حديثه عن تطور الشعر في العراق أو لمناسبة حديثه عن القصيدة التي يريدها، ولكنه في مرحلة لاحقة، حين أعلن عن (تطعيم) أفكاره السياقية بأفكار أخرى من الاتجاهات النقدية الحديثة ولاسيما الاتجاهات البنائية والتفكيكية واتجاهات القراءة، بدأ يكتب دراسات مخصصة عن المناهج النقدية، وأصبحت قضية المنهج قضية مهمة لديه. وقد اعترف في شهادته الخطية التي قدمها إلى الباحث فيما يتصل بمرحلة الستينات التي أصدر فيها كتابه معالم جديدة في أدبنا المعاصر قائلاً: "لم أكن أمتلك إلاّ فهماً أولياً لمعنى المنهج في النقد على الرغم من أني كنت أزعم لنفسي وللآخرين بأني كنت أمتلك فهماً واضحاً وعريضاً لمعنى المنهج، وكنت آخذ على النقاد أوبعضهم مسألة غياب المنهج النقدي الواضح، لكني أشعر الآن وأنا أضع نفسي على كرسي الاعتراف الذاتي، بأني شخصياً، وهذا بالتأكيد ينطبق على زملائي الآخرين، لم أكن أدرك إلاّ فهماً محدوداً لمعنى المنهج(15)". إن هذا الاعتراف الجريء الذي قدمه لنا الناقد يوضح لنا أسباب التخبط المنهجي لدى كثيرين من النقاد، كما سنرى لاحقاً. وقد شغلت قضية المنهج النقدي فاضل ثامر في مرحلة تطويره اللاحقة فخصص لها سلسلة من المقالات نشرها في صحيفة الثورة عام 1987 لخص فيها الأفكار الأساسية للمناهج النقدية الحديثة: البنيوية والتفكيكية ومابعد البنيوية، وقد استعرض في تلك المقالات المتسلسلة السلطات المتواترة من خلال المناهج النقدية الحديثة: سلطة المؤلف وسلطة النص وسلطة القارئ، واتخذ من البنائية ومما بعدها ميداناً يجول فيه للكشف عن دور القارئ ودور النص لدى عدد من ممثلي تلك المناهج. ورأى ذلك الناقد أن دور القارئ في المنهج البنائي: "خاضع كلياً لسلطة النص ذاته، فنيات القارئ وأفكاره وخبرته وكذلك نيات مبدع النص ذاته لاقيمة لها، والقراءة الإبداعية هي القراءة التي تسعى للكشف عن المكونات البنيوية والأنساق الداخلية للنص، إلاّ أن سلطة النص المطلقة هذه لم تستمر طويلاً... فالنقد التفكيكي قد أنهى سلطة النص ونقلها إلى القارئ الذي أصبح يعد، في نظر التفكيكية لامجرد متلق سلبي خاضع لسلطة النص، بل بوصفه خالقاً للنص"(16). إن الجزء الأول من تلك الدراسة لايعدو عن كونه استعراضاً تاريخياً لتطور المناهج النقدية في الغرب واستعراضاً لأسماء أبرز ممثلي هذه الاتجاهات في الوطن العربي، وكذلك الجزء الثاني منها الذي يستعرض المنطلقات التفكيكية كما وردت عند (دريدا)، وتتخلص في أن التفكيكية استطاعت أن تحول القارئ: "من تابع لشفرات النص إلى منتج حقيقي للنص... حتى نشأ اتجاه جديد يدور حول التأويل أطلق عليه مصطلح (الهرومونتيك) Hermentique"(17). وفي الجزء الثالث من تلك الدراسة يكتفي الناقد أيضاً باستعراض مستويات القراءة النقدية وشروطها كما حددها النقاد البنائيون والتفكيكيون كالقراءة الإسقاطية والتعليقية والشعرية على ماجاءت عند تودوروف، والقراءة الكشفية كما هي عند الدوسير، والقراءة السيميوتيكية كما هي عند ريفاتير، والقراءة الارتكاسية أو الاسترجاعية التي: "تجري فيها عملية التفسير الثانية لتحقيق القراءة التأويلية الهرمونتيكية الحقة"(18)، والقراءة المحكمة، كما أشاعها سابقاً ممثلو النقد الجديد في أمريكا وأنجلترا. ويستعرض في الجزء الرابع من دراسته جهود النقاد العرب الذين اهتموا بفعل القراءة ومنهم: عبد السلام المسدي وسعيد يقطين ومبارك ربيع ثم يحكم على هذه الجهود بأنها: "ذات طبيعة سيميولوجية وبنيوية... وهي قلما تعنى ببقية العناصر والعوامل التي تسبق النص أو تليه ولذا فهي تعكس هيمنة سلطة النص"(19) ولكنه يشير إلى جهود محمد عابد الجابري على أنها ذات ملامح تفكيكية فضلاً عن جهود عبد الله الغذامي لاسيما في كتابه (الخطيئة والتكفير) غير أنه يلاحظ بأن الغذامي على الرغم من كونه يفضل القراءة التفكيكية: "لايتجاهل النص وقدرته على إضفاء الدلالة.. بل يبدو لنا أقرب إلى روح القراءة النصية التي تحاول أن تحقق توازناً بين سلطتي النص والقراءة"(20). إن الأجزاء الأربعة من دراسة فاضل ثامر المشار إليها لاتتجاوز أن تكون استعراضاً نقدياً لجهود قسم من ممثلي المناهج النقدية الحديثة في العالم وفي الوطن العربي، غير أن هذا الاستعراض مما يحمد للناقد، لأنه تضمن معلومات منظمة ومنسقة يمكن أن تفيد القارئ المتخصص فضلاً عن القارئ العادي، غير أنه في الجزء الخامس من الدراسة قد شرع بتلمس المنهجية الخاصة التي يدعو إليها. يسأل الناقد في الجزء الأخير من دراسته: "ما الذي يتعين على الناقد العربي الحديث أن يفعله للخروج من هذه الدوامة للاحتفاظ بشخصيته النقدية المتميزة؟... هل يكفي هذا الناقد أن ينساق كلياً وراء سلطة النص أم يقف إلى جانب سلطة القراءة؟"(21). ويجيب عن هذا السؤال بقوله: "إن الظاهرة الأدبية هي التعقيد والتشابك بحيث لايمكن أن تحسم بالولاء لسلطة النص أو لسلطة القراءة فقط، فالظاهرة الأدبية محكومة بمجموعة كبيرة من السلطات والقوى التي تتحكم في إنتاجها وانتشارها.. على الناقد أن يعترف مقدماً بسلطتي التاريخ والواقع الاجتماعي.. ولايمكن إسقاط دور الكاتب المبدع بحجة الاحتكام إلى النص بمعزل عن المؤلف.... وأن يعترف بسلطة الموروث.. وهناك سلطات مابعد إنتاج النص وتتمثل في الدور الذي تمارسه وسائل الاتصال المختلفة"(22). ولهذا يقرر الناقد أنه يدعو إلى: "قراءة إبداعية شاملة للنص بمعنى أنها ينبغي أن لاتكون قراءة أحادية الجانب.. القراءة التي ندعو إليها لابد أن تفيد من ثراء مختلف الاتجاهات القرائية وحتى البنيوية والتفكيكية منها، ومثل هذه القراءة يتعين عليها أن تعترف بحقيقة أن النص الأدبي مشروط بتاريخيته وبجوهره الاجتماعي وبانتمائه للمبدع وفي الوقت ذاته بتوجهه نحو الآخر: القارئ"(23). لعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن الجزء الأخير من دراسة فاضل ثامر يمكن أن يوضح لنا خلاصة رؤيته لقضية المنهج، صحيح أنه عاد إلى هذا الموضوع وبتفصيلات أكثر في دراسات أخرى نشرها في عدد من الصحف(24) ولاسيما في دراسته (نحو رؤية سوسيو-شعرية جديدة)، التي فصّل فيه موقفه الشخصي من هذه المناهج، وطموحه في الخروج بمنهج جديد سماه المنهج السوسيو- شعري، غير أن الجزء الأخير من الدراسة المشار إليها مع التفصيلات التي أوردها فيما بعد في دراسته الأخرى (نحو رؤية سوسيو- شعرية جديدة) تؤلف نظرته الكاملة إلى قضية المنهج التي يمكن مناقشته عليها. وإذا كان ذلك الناقد يعترف بأن: "صوت الرؤيا السوسيولوجية والأيديولوجية كان يعلو أحياناً على الرؤيا الجمالية في كتاباتي المبكرة... وعلى الرغم من ذلك لا أعد نفسي ناقداً أيديولوجياً(25)"، فإن هذا الاعتراف يتضمن وجود ضدية واضحة بين الرؤية السوسيولوجية والأيديولوجية من جهة والرؤية الجمالية من ناحية أخرى، والجمع بين هاتين الرؤيتين الضديتين مما يمكن أن نسميه (التوفيقية). وعلى هذا يكون فاضل ثامر في مجمل رؤيته لقضية المنهج ناقداً توفيقياً، لاهو بالناقد السياقي ولا هو بالناقد النصيّ، وهذه التوفيقية ليست وليدة اطلاعه المتأخر على المناهج النقدية الحديثة وإنما وجدت منذ كتاباته الأولى، وقد مر بنا حديثه عن تقويم النص الأدبي: "بشكل موضوعي وشامل وعدم الاكتفاء بالنظر الأحادي الجانب إلى النص عبر الاهتمام بالمحتوى الفكري أو بالشكل فقط"(26). إن مشكلة غياب المنهج أو عدم تبلوره في النقد العربي ربما تعود في واحد من أسبابها إلى هذه التوفيقية التي تحكم عمل عدد من النقاد العرب ومنهم فاضل ثامر، فإذا كان المنهج في واحد من معانيه النظر إلى العمل الأدبي من زاوية نظر خاصة، فإن دعوة فاضل ثامر التوفيقية تلك تقودنا إلى تعرف الزوايا التي يريد ذلك الناقد النظر منها. إن الاعتراف بسلطة المؤلف وسلطة القارئ وسلطة النصّ معاً تضاف إليها سلطات: التراث والتاريخ والواقع الاجتماعي يتضمن القول بنظرة شمولية قد لايستطيع نقادنا التوفر عليها، والاعتراف بهذه السلطات جميعها يعني الأخذ بأغلب المناهج النقدية المعروفة: التاريخية منها والاجتماعية والنصية، والدقة العلمية تتطلب منا أن نسمي مثل هذه الرؤية (الرؤية التكاملية) لأنها تفيد من منجزات المناهج النقدية جميعها. فما الداعي، إذن، لإطلاق تسمية المنهج السوسيو- شعري على خليط من المناهج غير المتجانسة؟ إن تميز أي ناقد ينبغي له أن يتمّ في الحدود التي تسمح له بإبداع منهج خاص به، أو التطبيق المبدع لمنهج مرسوم له سلفاً، وإن إبدال التسميات والتوفيق بين المتضادات على هذا النحو لايمكن أن يقود إلى الشخصية المتميزة للناقد. لقد كان فاضل ثامر، إذن، ناقداً سياقياً في بداءاته، وعندما حدث الانفجار النقدي الحديث وما تمخض عنه من اتجاهات بنائية وتفكيكية وغيرها وارتفعت أصوات نقدية شابة تدعو إلى ثورة نقدية جديدة قرر ذلك الناقد أن يكون واحداً ممن (تُسمع) أصواتهم. فحاول بهذه المزاوجة بين ماهو سياقي وماهو نصيّ أن لايوجد تقاطعاً بين منطلقاته النقدية القديمة، ومايطمح إليه من معرفة جديدة، أي أنه قرر الاحتفاظ بتاريخه النقدي واكتساب تاريخ جديد وهكذا ولدت دعوته السوسيو- شعرية، هذا في التنظير، أما كيف ستكون دعوته في التطبيق؟ فهذا ماسنحاول تعرفه لاحقاً. إن التنظير للمناهج النقدية كان سمة لكتابات عدد من النقاد، وإذا كان فاضل ثامر، كما رأينا، قد أوحى بالتحول من اتجاه سياقي محدد إلى اتجاه جديد هو ماسماه المنهج السوسيو- شعري، فإن حاتم الصكر(27) هو أيضاً، قد تحول في رؤاه وأفكاره النقدية، ولكن من غير أن يشير إلى ذلك أو يعترف به، كما فعل فاضل ثامر من قبله. ينّظر حاتم الصكر للقصيدة، في إحدى مقالاته، على أساس سياقي ويؤكد: "أن انعطاف القصيدة الحديثة نحو الأخذ بمنهج واقعي ملتزم بالإنسان وقضاياه المصيرية قد جعل هذه القصيدة، وبشكل عملي قريبة من الحياة مكتسبة حرارة الواقع"(28). ويربط مضامين القصيدة المعاصرة بالهموم الثورية متحدثاً عن الشعراء الذين: "استلهموا الرموز المضيئة في التاريخ القومي للشعب وتقديمها ضمن القصائد مما يفجّر فيها المعاني الثورية الكامنة فتعمق النص من جهة وتزيد احترام الشعب لماضيه واعتزازه به من جهة أخرى". ثم يتحدث في تلك المقالة عن علاقة الشعر بالعصر قائلاً: "إن وجود هوة مؤقتة بين الشعر الحديث وجمهوره لاتعني بحال أنه ليس شعر العصر". نلاحظ هنا، أنه ليس في هذه المقالة، التي تعبّر عن وجهات نظر سياقية، حديث مباشر عن المناهج النقدية، إلاّ أننا يمكن تلمس تلك النزعة السياقية من خلال حديث الناقد عن (المنهج الواقعي الملتزم بالإنسان وقضاياه المصيرية)، و(تفجير المعاني الثورية الكامنة). وأغلب الظن، أن تلك التعبيرات التي اقتبسناها، ليست أكثر من تعبيرات شائعة في أوساط الشباب المرتبطين بقسم من الحركات السياسية أو القريبين منها، وهي لاتدل على وعي بأهمية المناهج النقدية وأهمية تدارسها والإفادة منها، غير أن الاهتمام الجاد بقضية المنهج ظهر لدى حاتم الصكر في زمن لاحق فخصص عدداً من المقالات لموضوعات تصب في هذا الباب. لقد رأى هذا الناقد وهو يتحدث عن المنهج البنائي في النقد أن الباحث الغربي توافرت له: "وسائط مناسبة تعينه في تفحص الأسس النظرية... وراح يشتغل على نصوص محددة لاختبار تلك الأسس، باعتبار أن التطبيق نشاط نقدي هدفه إثبات صحة المفاهيم.. وعندما جاء البنيويون العرب إلى صفحة التطبيق وجدوا أنفسهم مفتقرين إلى الأدوات التي توفرت لزملائهم الغربيين بحكم العامل الحضاري المضاف... وهكذا وجدناهم يصطنعون فضاء للنص سرعان مايتضح بعد التحليل أنه من صنعهم هم، أي أنه فضاء الناقد وهو يتعامل مع النص قبل أن يكون فضاء النص نفسه، بهذا الإحساس تخرج من دراسات جمال بن الشيخ وكمال أديب ويمنى العيد ومحمد بنيس وسواهم من المبشرين بالبنيوية في النقد العربي المعاصر"(29). نلاحظ في النص السابق عدم وجود موقف واضح للناقد من المنهج البنائي، فهو لايعترض على أي من النظرية كما جاءت عند النقاد البنائيين الغربيين ولايعترض على تلك المنطلقات لدى النقاد البنائيين العرب، ولكنه يعترض على تطبيقاتهم واصفاً إياها بأنها تصنع فضاءات متخيلة وليست فضاءات منطلقة من النصوص ذاتها. ونراه يعترض في مقالة أخرى على الهيام بمستجدات المناهج وأشكالها ويقرر أن هذا الهيام: "يصادر ملكة الناقد في عرض أفكاره أو استجلاء أفكار النص وأبنيته وربما قادنا ذلك إلى تحجير النقد بالعلم"(30). من غير أن يحدد لنا منهجه الخاص الذي يسير بهديه بل يكتفي بالمطالبة بمراعاة: "قوانين النص ذاته فضلاً عن بيئة منشئه وعصره وظرفه العام". إذا كان حاتم الصكر في المقالة الأولى التي أشرنا إليها معترضاً على التطبيقات النقدية لدى النقاد العرب البنائيين من غير أن يوجه أي اعتراض إلى منطلقاتها النظرية، فإنه في المقالة الثانية (يوحي) بالاعتراض على مبادئ النقد البنائي، إذ لايكتفي بمطالبة النقاد بمراعاة قوانين النص، وإنما يطالبهم بمراعاة بيئة منشئه وعصره وظرفه العام، أي أنه يطالب النقاد بأن يكونوا نصيين وسياقيين معاً. وهو في هذه المحصلة التي قررناها مثل فاضل ثامر، الذي أشرنا إلى أن تنظيره لقضية المنهج يدخل في باب الانتقائية، وأنه يريد للنقد أن يكون سياقياً ونصياً في آن واحد على مابين الاتجاهين من تنافر وتباعد. غير أن حاتم الصكر لايكتفي بهذه الإِشارات العامة، وإنما يعلن عن موقفه من قضية المنهج في مقالته: (المنهج تحدياً، المنهج اختياراً) وفي هذه المقالة يأخذ على النقد العربي القديم عدة مآخذ منها أنه شعري في المقام الأول وأنه غلب عليه الأسلوب بما لايتيح لمهمة التحليل أن تبرز بشكل كاف وهو نقد تجزيئي لأنه يتعامل مع نصوص مجزأة ويتوصل من ذلك إلى أن التراث النقدي العربي: "غير قادر على إسعافنا ونحن نتصدى لمهمة التحليل والتقويم من خلال نص معاصر، إنه قد يعيننا لكنه غير كاف لوحده"(31). ثم يأخذ على النقاد العرب أخذهم المناهج الغربية لأن تلك المناهج فيما يرى: "تطابق حال أهلها لأكثر من سبب فهي تتصل بآدابهم مباشرة، منظرة مطبقة". وبعد أن يسأل عن جدوى العودة إلى التراث النقدي أو الأخذ بالمناهج الغربية أو التوفيق والانتقاء، يقول: "دعونا، إذن، نرسي منهجنا النقدي الخاص بأنفسنا أرضية صالحة من وحدة المصطلح والمفهوم والقاموس، وسنرى أن المنهج بأيدينا كلما ازددنا اقتراباً من الحياة التي يقدمها لنا النص الأدبي المجافى والمهجور، وذلك هو اختيارنا وخلاصنا إزاء تحد خطير لعقلنا النقدي وفكرنا الثقافي المعاصر". لاشك في أن هذه الدعوة التي يوجهها الناقد لاكتشاف المنهج الخاص الذي يباين مناهج النقد الغربية ويباين النقد العربي القديم في الوقت نفسه، دعوة تعبّر عن قلق الناقد العربي المعاصر إزاء كل مايواجهه يومياً من تطورات في ميادين النقد الأدبي، وربما يكون هذا القلق ناجماً عن شعور بالضياع إزاء المناهج الوافدة، ونرى أن هذا القلق ربما كان الخطوة الأولى التي تقود إلى البحث عن الشخصية المتفردة للناقد، غير أننا ينبغي أن نمحص الآراء النظرية التفصيلية لنكتشف حقيقة هذه الدعوة، أهي تسير في الطريق القويم الذي يقود إلى تفرد الشخصية أم أنها مجرد أمنية وأن الناقد الصكر مايزال يدور في فلك المناهج التي يوجه إليها نقده؟ ربما تتضح صورة هذا المنهج النقدي على نحو أكثر وضوحاً في مقالة أخرى عنوانها (تحديث النقد الشعري) وفيها يدعو حاتم الصكر إلى القراءة النقدية: "التي تسقط هيمنة النصّ المطلقة التي نعلم أن القول بها جاء رد فعل متحمساً ومتطرفاً لهيمنة المؤلف في القراءة النقدية التي أنتجتها المذاهب التاريخية والنفسية(32)، وخصائص هذه القراءة النقدية لدى الصكر أنها: "فعل ذاتي ونشاط فردي ولذا فهي تختلف من ناقد إلى آخر... وقولنا بأهمية القراءة يجب ألا يحطّ من شأن المنهج بل يحد من جاهزيته وعموميته لصالح الكتابة النقدية الناتجة عن قراءة خاصة". ويحاول أن يرفض المناهج النقدية جميعها بوصفها مناهج سابقة للقراءة، لأن المنهج السابق للقراءة: "لن يعطينا في النهاية إلاّ نصاً واحداً وشاعراً واحداً وقارئاً واحداً وقراءة واحدة، أما القراءة التي تحتكم إلى النص وثيقة أولى وإلى إطاره المرجعي وموجهاته وندائه وماحوله وما تحته، وثائق تالية، فسوف تقترح مفاتيح خاصة ليست هي مفاتيح الآخرين". ويقوده هذا إلى مطالبة الشاعر الحديث بأن: "يرضى قبل سواه بمقترحات النقد القائلة بتعدد القراءات وتنوع الإجراءات والأساليب باعتبار النصّ مشروعاً مفتوحاً للقراءات، بل بكونه أيضاً لايكتمل إلاّ بتلك القراءات". ويحاول تأصيل دعوته (القرائية) بالعودة إلى مقولات عبد القاهر الجرجاني ثم يبين مزايا الدعوة التي: "لاتحيل النقد علماً بل تكرسه كتابة من نمط جديد يلامس نواة النص.. لكي تصل إلينا قراءة الناقد أخيراً وهي نص جديد له أسلوبه الأدبي الذي لم تستلبه التحليلات ولم يفقد أدبيته بإغراء العلم". نستطيع القول، إذن، أن ملامح المنهج النقدي الذي يدعو إليه حاتم الصكر ويؤمن به اكتملت في تلك المقالة التي كان عنوانها: (تحديث النقد الشعري) وعلى هذا الأساس يمكننا أن نتوقف معه لنناقشه في (خصوصية) مايدعو إليه ونتبين مدى التفرد الذي يميزه من النقاد الآخرين، ومدى تفرد هذا المنهج (القرائي) من المناهج المعروفة الأخرى. إن الناقد كان يؤمن في بداءاته النقدية، بوجهات نظر سياقية أشرنا إلى قسم منها، ثم يعترض بعد ذلك بسنوات على الجداول والإحصائيات المملة التي قد ترد في بعض الدراسات النقدية ويعلن خشيته من المناهج النقدية الحديثة التي قد تقود إلى تحجير النقد بالعلم ويقصد بها الدراسات الأسلوبية والبنائية، وقد يتصور القارئ العادي أن الاعتراضات على المناهج البنائية والأسلوبية تتسق مع وجهات النظر السياقية القديمة التي كانت لدى الناقد. ولكن الحقيقة ليست كذلك، فحاتم الصكر في مقالاته المتأخرة لايكتفي بإثبات اعتراضاته على المناهج النصية وإنما يعترض على المناهج السياقية أيضاً، لأنه يرى أن المناهج النقدية وقد ظهرت كلها في الغرب: "تطابق حال أهلها لأكثر من سبب، فهي تتصل بآدابهم مباشرة، منظرة مطبقة"(33). وهنا يحق لنا أن نسأل: هل الدعوة (القرائية)، كما قدمها لنا الناقد في مقالاته التي أشرنا إليها، هي دعوة خاصة بالناقد، إنها مستمدة من تلك المناهج النقدية التي يعلن عدم خضوعه لمعطياتها؟ إن الإجابة على هذا السؤال كفيلة بإيصالنا إلى ماسبق أن عرضناه، وهو: إلى أي مدى تتميز الدعوة التنظيرية التي قدمها لنا حاتم الصكر؟ وأين يكمن تفرده وخصوصيته في هذا الباب؟ يمكن تلخيص الدعوة التنظيرية التي يقدمها لنا حاتم الصكر على ما استقرت في آخر مقالاته النقدية فيما يأتي: إنه يدعو إلى منهجية محددة تتمثل في: القراءة النقدية التي تسقط هيمنة النص، وهذه القراءة فعل ذاتي ونشاط فردي تختلف من ناقد إلى آخر، ولأن المناهج النقدية جميعها (جاهزة) سلفاً فهو يرفضها لأنها لن تعطيه في النهاية إلاّ نصاً واحداً وشاعراً واحداً... الخ، في حين أن القراءة النقدية تقود إلى تعدد التأويلات بوصف النص مشروعاً مفتوحاً لايكتمل إلاّ بتلك القراءات، وتتميز هذه الدعوة، فيما يرى الصكر، بأنها لاتحيل النقد علماً بل تكرسه كتابة إبداعية ذات أسلوب لم يفقد أدبيته بإغراء العلم. نحن لانرى في هذه الأفكار التي قدمها حاتم الصكر لتمييز دعوته المنهجية إلاّ ترديداً لأفكار انتقيت من منهجيات نقدية غربية كان ذلك الناقد يرفضها من قبل، وإذا كان لنا أن نرد هذه الأفكار إلى أصولها المعروفة فلابد لنا من التوقف قليلاً عند مفهوم القراءة المرتبط بمفهوم التأويل أو التفسير. يرى تيري أيغلتن: "إن أحدث تطوير لعلم التفسير في ألمانيا هو مايسمى بنظرية الاستقبال (الاستيعاب) بالتأثير.. وتكشف نظرية الاستقبال Reception Theory عن دور القارئ في الأدب.. علماً بأنه بدون القارئ لايكون هناك نص أدبي بتاتاً، لا أهمية للنصوص الأدبية على الرفوف، لأنها عمليات تتجسد في فعاليات القراءة فقط، وأن أهمية القارئ بالنسبة للأدب كأهمية المؤلف"(34). ينبغي التذكير هنا أن العناصر الثلاثة التي تدرس في نظريات الاستقبال هي: المرسل والرسالة والمرسل إليه، ومن المعلوم في نظرية الأدب أن المناهج السياقية ركزت جل اهتمامها على المؤلف أي (المرسل) في حين أولت المناهج النصية العنصر الآخر: النص أي (الرسالة) أهمية مطلقة حتى إنها أهملت السياقات المحيطة به، حتى جاءت نظرية الاستقبال الحديثة فأولت القارئ الذي يمثل (المرسل إليه) أهمية خاصة. ومن المعروف أيضاً أن الثورة التفكيكية على النقد البنائي التي قادها دريدا جاءت بأفكار ومفاهيم متسقة إذ حاول دريدا: "نقض الفكر الغربي واتهم ذلك الفكر الفلسفي بما سماه التمركز المنطقي Legocentrec وهو الارتكاز على المدلول وتغليبه في البحث الفلسفي واللغوي"(35). ولأن هذا التمركز المنطقي الذي يتسم به الفكر الغربي يقوم على الدلالة الواحدة فإن دعوة دريدا تقوم على تنوع الدلالات المتأتية من تعدد القراءات لأن: "القارئ حينما يستقبل النص فإنه يتلقاه حسب معجمه، وقد يمده هذا المعجم بتواريخ للكلمات مختلفة عن تلك التي وعاها الكاتب حينما أبدع نصه، ومن هنا تتنوع الدلالة وتتضاعف ويتمكن النص من اكتساب قيم جديدة على يد القارئ"(36). لقد قامت التفكيكية، إذن، على أساس مبدأ القراءات المتعددة وكان دريدا يرفع علم النقد التفكيكي في مجلة تل كيل Telquel، على مايشير إلى ذلك الغذامي، ومن كُتّاب هذه المجلة رولان بارت وجولياكرستيفا(37). إن فكرة تقبل الشعراء للقراءات المتعددة والتأويلات المختلفة ليست من أفكار حاتم الصكر الخاصة وإنما هي مأخوذة من منهجيات نقدية أخرى، وإذا كان الصكر يؤكد أن القراءة النقدية فعل ذاتي ونشاط فردي وأنها كتابة إبداعية لم تفقد أدبيتها بإغراء العلم فإن نقاد مابعد البنيوية عبروا عن هذا المعنى على ماينقل الغذامي ذلك بقولهم: "لاسبيل إلى قراءة موضوعية لأي نص، وستظل القراءة تجربة شخصية، كما أنه لاسبيل إلى إيجاد تفسير واحد لأي نصّ"(38). إن القراءة النصية لمقالات حاتم الصكر هي التي قادتنا إلى هذه الملاحظات وهي التي استدعت هذه المناقشة، غير أن هذا الناقد في شهادته الشخصية المقدمة إلى الباحث يرى أن المنهج ليس واحداً في مقالاته ودراساته النقدية فهو يتراوح بين العناية بالأطر والعوامل الخارجية الحافلة بالعمل الأدبي، والتحليل والتحليل النصي وكان ذلك كما يقول: "إيذاناً بدخولي مطلع الثمانينات حرمة النقد النصي.. وبعد عشرات المحاولات النصية وبتأثير النقد الجديد والبنيوية خاصة ترسخ في نفسي مبدأ عزل النص عن الخارج ولكن بشيء من المرونة ميزتني عن زملائي من النقاد الجدد، ومؤدى هذه المرونة: أنني لا أرفض المعطى الخارجي (كالسيرة والتاريخ والأثر النفسي والاجتماعي) إذا ما فاض بها وعاء النص أو انعكس منه"(39). من الطبيعي القول أننا سنؤجل الحديث عن منهج الناقد في دراساته التطبيقية إلى الوقت الذي نتناول فيه بالدراسة النصوص النقدية التطبيقية التي درست قصائد محددة، غير أننا نرى في حديثه عن المرونة التي تميزه من النقاد النصيين الآخرين، نوعاً من الانتقائية كما وصفناها فيما سبق، لأن التباين بين ماهو نصّي وماهو سياقي تباين جوهري لاتحسمه رغبة (المرونة) من ناقد، ذلك أن هذه المرونة تقتضي جهازاً متكاملاً من المفاهيم والإجراءات التي ينبغي أن تتحقق لتعطي لهذه المرونة مسوغاتها الفكرية والنقدية. غير أنه في تلك الشهادة يتحدث عن المرحلة الأخيرة من رؤيته المنهجية بقوله: "وبتعديل لاحق وجدت نفسي أرى مايراه نقاد مابعد البنيوية من تأويل النص وتفكيكه وعرضه على ذخيرة القارئ لإظهار شعريته، ترتب على ذلك القول بانفتاح النص من الجهة الأخرى على القارئ وقراءته ورفض إغلاق النصّ وعده بنية مغلقة"(40). إن التعبير الوارد في هذه الشهادة يعترف بأن الناقد (يرى مايراه نقاد مابعد البنيوية) وهذا يباين النصوص التي أوردناها وهي تتحدث عن (إرساء المنهج النقدي الخاص بأنفسنا) كما يباين دعوى أن مناهج النقد الغربية (تطابق حال أهلها)، لذا نرى أن الشهادة المقدمة إلى الباحث هي أقرب إلى الدقة من الآراء النقدية التي تضمنتها مقالاته المشار إليها. من بين نقاد الشعر الذين نظّروا للمناهج النقدية، يبدو مالك ولاسيما في كتاباته النقدية المتأخرة، فهو لايدخر جهداً في الدفاع عن المنهج البنائي، من خلال أفكاره التي يبثها في كل دراسة يكتبها، ومن خلال مناقشاته وردوده، ومحاوراته الأدبية مع غيره من النقاد والباحثين، مما نشره في الصحافة العراقية. لقد بدأ مالك المطّلبي محاولاته النقدية، ناقداً سياقياً ومن يقرأ دراسته المطولة التي نشرها عام 1970 في أربع حلقات بعنوان (نقاط في الشعر) يمكن أن يتثبت من هذه الرؤية السياقية، إذا كان في تلك الدراسة يؤكد أهمية مفهوم الالتزام ومفهوم اجتماعية الأدب وأنه انعكاس للواقع الموضوعي، ونراه يؤكد في تلك الدراسة: "أن كل دعوة تلزم الشاعر أن يكون خصوصياً أو أن يكون فناناً للفن باطلة أساساً، لأننا لانستطيع أن نفصل الإنسان عن واقعه.. ذلك يتيح لنا أن نحدد بأن الشاعر ملتزم أساساً وكل مايقوله صادر عن التدافع الاجتماعي"(42). ولكن هذه الرؤية السياقية تبدلت تماماً فيما بعد، إذ تحول المطلبي إلى ناقد نصيّ يدافع عن المناهج النصية، ويلتزم بأطرها ولايتحرج من الإعلان الصريح عن انتمائه إليها، على عكس زملاء آخرين له يحاولون بيان تفردهم وخصوصيتهم في الوقت الذي يفتقدون هذا التفرد وتلك الخصوصية. يتخذ هذا الناقد سبيلين لإثبات صحة منهجه النقدي، الأول بيان مالاحظة على المناهج السياقية، وتأكيد كونها بعيدة عن حقول الدراسة الأدبية نتيجة لاهتمامها بالعوامل الخارجية المحيطة بالنصوص، كظروفها الاجتماعية والتاريخية، واعتمادها على رؤية ماهو خارج النص، والثاني دفاعه عن المفاهيم النصية: البنائية منها على نحو خاص، ووقوفه بوجه من يحاول التقليل من شأنها أو يحاول إثبات قلة جدواها. فهو يرى أن المناهج اللاأدبية، ويعني بها المناهج السياقية، حاولت: "مصادرة نسخة الأدب دائماً بجعلها ملحقاً من ملاحقها(43)، ثم يستعرض بإيجاز تنظيرات الاجتماعيين وأصحاب منهج التحليل النفسي والمناهج الجمالية ليقرر بعدها: "أن المناهج الجمالية في الأدب، وإن كانت أقرب المناهج إلى روح الأدب، قد اهتمت بعزل العناصر في النص، أو قامت بتقطيعها على شكل مكونات فنية تستمد قيمتها من الإحساس أكثر مما تستمد من الموضوع". إنه يقف أمام المناهج النقدية السياقية ناقداً لها ومتحرياً الأسباب التي تجعلها غير جديرة بالكشف عن خفايا النصوص ولذلك يصف تلك المناهج بأنها قد تراجعت: "إلى الوراء بفعل ضغط الأدب ذاته وبفعل مايقوم به المنهج التركيبي من حفريات داخل الخطاب الأدبي لإعادة تركيب الإنساق نقدياً وتبيان جملها البنيوية". ولهذا، أيضاً يقف ضد المعيارية في النقد الأدبي لأنها على مايرى: "منهج ذو حدين، حدّ وصفي وآخر عقلي، يصدر الأول عن غيره في استنباط مقدراته وأحكامه، ويصدر الثاني عن ذات مستخدميه، على وفق ما أوتي من خبرة وثقافة، ولما كان الأدب نصاً كان المعيار العقلي خارج النص"(44). وهكذا يكون (الوصف) سمة من سمات المنهج الذي ينتهجه هذا الناقد، ولذا يدافع عن الوصفية عند علماء العربية القدامى، وهو يحاجج أهل القواعد المعياريين في الوقت الحاضر، يقول في إحدى مقالاته: "كان اللغويون الاستقرائيون يضربون في الأمكنة العربية بحثاً عن لغة المتكلم، أما أهل القواعد المعياريون فأولعوا بصناعة هذه اللغة"(45). إن وقوفه ضد النقد السياقي يقوده إلى المجاهرة بالمنهج النقدي الذي يؤمن به، ويقول في شهادته الشخصية المقدمة إلى الباحث "أي منهج يساعد على فهم، وصف أو تفسير النص، على أسس إنتاجه لاشرحه هو الهدي الذي أسير عليه. سمّه منهجياً بنائياً أو نصياً أو تركيبياً، فإن ذلك لايهم، المهم هو أن نحيط بالنص الذي هو مخلوق ضمن بنية كبرى"(46). والحقيقة أنه لايلتزم بـ (أي) منهج يساعد على فهم النص أو تفسيره كما يوضح ذلك ظاهر كلامه المثبت في شهادته الشخصية، وإنما يلتزم المنهج البنائي تحديداً، وهذا مايمكن لنا أن نلاحظه في كل مقالة أو دراسة نقدية. وفي الوقت الذي يعلن غيره من النقاد عن خصوصية مناهجهم من غير أن تكون لديهم مثل هذه الخصوصية، نرى مالك المطلبي يجاهر بالدفاع عن المناهج النصية ويسوغ قبوله بها رداً على من يرى أن هذه المناهج نشأت في بيئات أخر بقوله: "لوبقينا في التوجس والاحترام لأُكرهنا على قطع الصلة المعرفية وصرنا خارج حلقة الإنتاج المعرفي"(47). لم يخصص ذلك الناقد دراسة محددة للمناهج النقدية: تاريخها وأفكارها، ومبادئها، كما فعل نقاد آخرون، ولكنه لم يترك فرصة إلاّ استثمرها لعرض مفاهيم تلك المناهج ومناقشتها والدفاع عنها، وفي مقالاته ناقش أموراً نظرية متعددة مثل مفهوم موت المؤلف وتراجع البنائية، ومفهوم الشعرية وقضية الشكل والمضمون(48)، وكان في تلك المناقشات لايحيد عن المبادئ البنائية، بل يتخذ منها أدوات لبيان آرائه والدفاع عنها. فضلاً عن أولئك النقاد الذين أشرنا إلى جهودهم التنظيرية للقصيدة الحديثة، نهض جيل جديد من النقاد بالسير في طريق التنظير للمناهج النقدية ومن بين ممثلي هذا الجيل عبد الله إبراهيم(45) الذي لم نعرف عنه اهتماماً بنقد الشعر، إذ أنه متخصص بنقد الفن القصصي والروائي، غير أنه قدم سلسلة من المقالات المتعلقة بدراسة المناهج النقدية الحديثة، مكتفياً ببيان تاريخ السيميولوجيا والتفكيك وعرض الأفكار الأساسية لنقاد مابعد البنائية. وقد مهد لذلك بالحديث عن النقد الموجه إلى المنهج البنائي الذي قدمه المفكر الفرنسي روجيه غارودي، وتحولات رولان بارت من الوصفية البنائية المجردة إلى السيميولوجيا والبحث عن معنى، وظهور عدد من الباحثين والنقاد الذين مثلوا اتجاهات مابعد البنائية من أمثال: فيليب سولير وجوليا كرستيفا وبول ريكور وجاك دريدا(50). واستعرض في الجزء الثاني من تلك الدراسة أمثلة من نقد دريدا وسولير وجوليا كرستيفا للمنهج البنائي موضحاً اختلاف السيميولوجيا عن البنائية، فالسيميولوجيا على مايشير ذلك الناقد: "تهدف إلى تطوير طرائق منفتحة للقراءة، على نقيض البنيوية التي تهدف إلى قراءات منغلقة"(51). يوضح لنا عبد الله إبراهيم أنه: "إذا كانت المنهجيات التقليدية والمنهج البنيوي تطمح إلى تقديم براهين متماسكة لحل الاشكال، إن في عملية وصف الخطاب أو الاقتراب إلى معناه، فإن التفكيكية تبذر الشك في مثل هذه البراهين وتقوّض أركانها، وترسي على النقيض من ذلك دعائم تصديع بنية الخطاب مهما كان جنسه ونوعه"(52). ذلك أن مفهوم التفكيكية للخطاب أنه نظام: "غير منجز إلاّ في مستواه الملفوظ، الكتابة بدل الكلام لانطوائها على صيرورة البقاء بغياب المنتج الأول". ثم يستعرض بعد ذلك أبرز المقولات المركزية لدريدا ومنها مقولة الاختلاف الذي يقوم على تعارض الدلالات، وتحطيم فكرة التمركز المنطقي ويهدف هذا التحطيم إلى تذويب الدلالة المركزية أو الأصلية المفترضة لكي ينفتح النص على أفق المستقبل، ومن تلك المقولات مقولة الغراموثولوجيا ويقصد بها علم الكتابة معطياً الكتابة دوراً لايدانيه دور(53). إن حسنة عبد الله إبراهيم في تلك الدراسة الممتعة هي تقديمه المعلومات الكافية لتعريف القارئ العادي بمنطلقات وأفكار مابعد البنائية، غير أننا لانرى لذلك الناقد أكثر من تلك المزية، فهو لايقدم لنا رأياً خاصاً به، وبذا تمثل تلك الدراسة نقلاً حيادياً عن المصادر، وهذا مايجعل الوصف السلبي الذي أطلقه عبد الله إبراهيم نفسه على بعض النقاد حين وصف أعمالهم بأنها أسيرة تلخيص المناهج النقدية المعروفة في العالم، ينطبق عليه أيضاً. وربما انقاد عبد الله إبراهيم في غمرة افتتانه بالمناهج النقدية النصية إلى إطلاق أحكام غير دقيقة على المناهج الأخر التي تقف إزاءها، إذ يصف المناهج السياقية بكونها: "قد ظلت أسيرة الانطباع غير المنظم في رؤيتها للعملية الأدبية مما جعلها تُعنى بالمؤلف وعصره على حساب أدبية النص"(54). وهو فهم غير دقيق، لأن المناهج النقدية التي سبقت المنهج البنائي لم تكن كلها أسيرة الانطباع غير المنظم، وإنما ينطبق هذا الوصف على (النقد التأثري) حسب، أما المناهج السياقية من تاريخية ونفسية واجتماعية فلم تكن تتسم بالانطباع غير المنظم، وإنما كانت تتحكم بها ضوابط الحقل المعرفي الذي تشتغل فيه، ولو قال عنها بأنها تدور حول النصّ ولاتدرسه لذاته لكان قوله مقبولاً. لقد غدت المناهج النقدية في السنوات الأخيرة قضية مهمة توقف عندها النقاد كثيراً، وكان الاهتمام بالمناهج النصية منها يأخذ حيّزاً من الاهتمام متفرداً، حتى إن عدداً من النقاد الشباب شعروا أن بإمكانهم التبشير بهذه المناهج على نحو جديد، لايكتفي بالدفاع عنها، وإنما يستلزم ذلك منهم تقديم (بيان نقدي) أومايشبه البيان النقدي، على غرار البيان الشعري الذي قدمه عدد من شعراء الستينات في العراق، وعلى غرار (الدعوة إلى كتابة القصيدة اليومية) التي قدمها عدد من شعراء السبعينات (55). وقد مهد محمد صابر عبيد لذلك البيان النقدي بمقالة قرر فيها تقريراً حاسماً أن النص الشعري الحديث يعاني من: "أزمة انعدام الكيان وفقدان الحرية"(57)، ومن الواضح أن هذا الناقد ماكان معيناً، في تلك المقالة بتناول قضية الشعر وإنما كان بالنقد وحده، إذ رأى أن يتخلى النقاد: "عن دورهم البائس كشراح ومخمنين، على الرغم من أنني مؤمن إيماناً مطلقاً، بأن قسماً منهم لايمكنهم التخلي عن هذا الدور، لأن إمكاناتهم الإبداعية لا تؤهلهم لمغادرة هذا الموقع المتخلف". ونحن، وإن كانت لدينا ملاحظات على نقد الشعر في العراق، لن نستطيع تقبل الأحكام العامة غير المقيدة التي يعرضها هذا الناقد هنا، ولاسيما أنه ناقد نصيّ يفترض به أن يناقش نصوصاً محددة، كما يفترض به أن ينأى عن تقويم دور النقاد بأنه (دور بائس) وينأى عن وصف مواقعهم بالتخلف لأن هذه الأوصاف، فضلاً عن عدم لياقتها، لاتناسب السمة الوصفية التي يرتضيها ناقد وهو يطالب الآخرين بالابتعاد عن المعيارية والأحكام القطعية. وقدم عبد الله إبراهيم مقالاً آخر يشبه (البيان) استعرض فيه تاريخ الإبداع في العراق وازدهار النثر والشعر فيه قديماً وحديثاً وبوادر النهضة الأدبية الشاملة التي تمخضت عن ولادة القصيدة العربية الحديثة، ثم توصل إلى جوهر القضية التي يريد عرضها هي أنه: "بدأ منذ بضع سنوات اهتمام يدعي الجدية بالمناهج النقدية الجديدة... أفلح بعضه... وظل جزء منه أسير تلخيص المناهج النقدية المعروفة في العالم أو التطبيق الآلي لبعض تلك المناهج(58)، ثم يقدم عدداً من المقترحات التي من شأنها أن تطور هذا المشروع النقدي الجديد، وهذه المقترحات ليست جوهرية تتعلق بالرؤية المنهجية، وإنما هي مقترحات عامة كالمطالبة بتضافر جهود النقاد الجدد وانضوائهم تحت خيمة المناهج النصية. مايلاحظ على هذه المقالة التي عُدت (بياناً) أوشبه بيان، أنها دعوة محلية، لأن الناقد مهد لها بالحديث عن التطورات الثقافية الحاصلة في العراق من بداءات الحضارة الأولى حتى يومنا هذا، وأنه كان يتحدث عن النقد في العراق ولايشير إلى واقع النقد في الوطن العربي، ثم إنها ليست دعوة لاستحداث مشروع نقدي جديد، على مانعرف من مشاريع نقدية، ومنهجيات معروفة في العالم، وإنما هي دعوة لتطبيق المناهج النصية من بنائية وتفكيكية ومنهجيات قرائية، بطريقة ليست آلية، فليس في هذا المشروع النقدي الجديد من الجدة إلاّ الدعوة إلى التباين مع النصوص النقدية المحلية فليس في ذلك المشروع، إذن، دعوة إلى منهجية جديدة بقدر مافيه من تطبيق لمنهجيات معروفة سلفاً. غير أن مقالة عبد الله إبراهيم هذه تمثل اعتداداً بتجربة النقاد الشباب ولا تسيء مباشرة إلى النقاد الآخرين، على مافعلت ذلك مقالة محمد صابر عبيد، بيد أن ذلك الناقد في وصفه قسماً من الكتابات النقدية الجديدة بأنها ظلت أسيرة تلخيص المناهج النقدية المعروفة في العالم، ينسى أن يصف أبرز ماكتبه هو نفسه في التنظير لهذه المناهج بالوصف ذاته، إذ لم تكن هي أيضاً إلاّ تلخيصاً لتلك المناهج، على ماأشرنا إلى ذلك من قبل. وعلى أية حال، لم يكتب لدعوة أصحاب المشروع النقدي الجديد أن تلاقي استقبالاً جدياً لها فلم يناقشها ولم يتصدّ لها إلاّ سعيد الغانمي (59) ومحمد صابر عبيد اللذين نشرا مقالين تعقيبيين على مقالة عبد الله إبراهيم بعد نحو عام كامل من نشرها. رأى سعيد الغانمي: "أن المشروع النقدي الجديد في العراق حقيقة واقعة... وإن مايؤلف بين قلوب نقاد المشروع ليس وحدة المنهج، ففي الساحة النقدية مناهج متعددة .... إن نقاد المشروع الجديد مختلفون ومتفقون في وقت واحد، مختلفون في المنهج والرؤية ومتفقون في الإشكالية"(60). ويفرق الغانمي في ذلك التعقيب بين مفهومي المشكلة والإشكالية: "المشكلة هي منظومة علاقات تقبل حلاً منفرداً، والإشكالية هي منظومة المشكلات التي لايمكن حلّها على انفراد، فالمنهج مشكلة من مشاكل النقد الأدبي العراقي والعربي معاً، إذا كان مجرد وسيلة للتعامل مع نصّ، لكنه ما أن يثار كليّة ارتباطه بالرؤية والمصطلح والنصّ والناقد والغير، حتى يتحول إلى إشكالية يتطلّب حلها حلّ هذه الجزئيات". إن سعيد الغانمي يعلن وقوفه إلى جانب تعدد المناهج، إذن، هذا مايوحي به ظاهر كلامه، ولكن الحقيقة ليست كذلك، فتباين المناهج تلازمه وحدة الإشكالية، ووحدة الإشكالية تقتضي حداً من الفهم المشترك، وهذا لايمكن توافره إلا في المناهج النصية، والمناهج النصية هي وكد كتابات أصحاب المشروع النقدي الجديد. وانبرى محمد صابر عبيد للتعقيب على آراء الغانمي وعبد الله إبراهيم معاً، ليعلن اتفاقه مع الغانمي في مايتعلق بوحدة الإشكالية واختلاف المناهج ولم ينس أن يجدد تمرده على النقاد السابقين له: "إن نقاد المشروع الجديد يمتلكون موروثاً نقدياً بشكل ما، ولكن بلا شيوخ أو أساتذة أو أدباء"(61). ويحدد عبيد الإطار العام الذي ينبغي أن تلتقي فيه المناهج المنضوية تحت لواء المشروع النقدي الجديد بأنه إطار الحداثة، ولذا تتحتم على نقاد المشروع الجديد الدعوة: "لإلغاء المناهج التي يتعكّز عليها ممارسو مهنة النقد، لأن تجاربهم المتواضعة على الرغم من سعتها، لم تتمخض عن شيء وبقيت أسيرة الشروح والتقريرات الجاهزة التي تحكمها السذاجة والعادية والإنشاء". إن الحماسة لدعوة جديدة، إذا كانت دعوة أصحاب المشروع النقدي الجديد جديدة حقاً، لاينبغي، فيما نرى، أن تقود إلى تجريح الآخرين، مهما كانت حدة الخلافات، ولاسيما أن هذا الناقد المتحمس للدعوة الجديدة رجل جامعي، ومن غير المعقول أن ننظر بجدية إلى دعوة تطالب بإلغاء المناهج الأخرى، فتلك المناهج موجودة سواء آمن بعضهم بها أو لم يؤمن. 2 إن أغلب الدراسات والمقالات النقدية التي عرضنا لها، في هذا الفصل، حتى الآن، يستوحي الاتجاهات النقدية النصية، سواء أعبر أصحابها عن انتمائهم الصريح لهذا المنهج أو ذاك أم لم يعبروا، وكان يمكن للباحث أن يتوقف عند النصوص النقدية التي تدافع عن الاتجاهات السياقية أو تلتزم بمبادئها، ولكنه لم يجد في هذا الكم الكبير من المقالات النقدية المنشورة في الصحافة اليومية العراقية، مايحقق هذا المسعى عبر دراسة مخصصة لهذا الغرض، باستثناء إشارات قليلة مبعثرة، أشرنا إلى قسم منها حينما تحدثنا عن بداءات قسم من النقاد، وسنشير إلى القسم الآخر منها في أدناه: نحت الدراسات والمقالات النقدية ذات الاتجاه السياقي منحيين في التعبير عن نفسها، المنحى الأول: التعرض للمناهج النصية وإبداء ملاحظات عليها وبيان مايمكن أن يوجه إليها من نقد، والثاني بيان فائدة المناهج السياقية وأهميتها في الكشف عن جوهر العلاقات الاجتماعية والتاريخية والنفسية للمبدعين ولنصوصهم الإبداعية. يحاول ياسين النصير (62) في مقالة له أن ينحو المنحيين كليهما في التعبير عن وجهات نظره انطلاقاً من كونه ناقداً سياقياً، إذ يرى أن البنائية: "في أحد فروعها المسمى السيميائية، تسعى أن تجرد كل اللغة وكل الأفكار من معانيها الاجتماعية والإنسانية، فهي لاتعالج إلا بنية الجملة وتراكيبها النحوية، وإن التحليل السيميائي يكتفي ببحث مواقع الكلمات النحوية، في حين أن التحليل الاجتماعي للجملة ذاتها يذهب إلى التفسير والشرح"(63). وبناء على هذا يهاجم المنهج البنائي، لأن البنائية على مايرى: "قد تدفع بالعديد من المثقفين إلى تصديق دعواها بعدم فائدة المناهج الاجتماعية والإنسانية وماتنطوي عليه من خبرات بشرية في هذه المرحلة الحرجة". والحقيقة أن الأحكام الواردة في نص النصير أحكام تحتاج إلى التروي لكي تكون أكثر دقة، فالتحليل السيميائي(64)، على مانعلم، لايكتفي ببحث المواقع النحوية للكلمات كما يزعم الناقد، وإنما يدرس العلاقة الداخلية التي توجد بين الدال والمدلول، والعلاقة التي تربط بين الإشارة برصيد معين من الإشارات الأخرى وتفصلها عنها بإدماجها في السياق القولي، والعلاقة التي تربط الإشارة بغيرها من الإشارات السابقة عليها أو اللاحقة لها في هذا السياق نفسه (65). وفضلاً عن ذلك يتوهم النصير أن المنهج البنائي يقول بعدم فائدة المناهج الاجتماعية والإنسانية وماتنطوي عليه من خبرات بشرية، ومن الواضح أن هذا الحكم غير دقيق هو أيضاً، فالبنائية بوصفها منهجاً أدبياً ترى أن المناهج الاجتماعية والتاريخية والنفسية وغيرها من الاتجاهات السياقية، مناهج خارجية على الأدب، وهي لاتصلح لأن تتناول الأدب بالتحليل، لأن تحليلاتها ستركز على الجوانب الأساسية في تلك العلوم وتترك الجوانب الفنية فيها، ولم نطلع على حكم بنائي بهذا الإطلاق الذي يقرره النصير في أن البنائية تقول بعدم وجود فائدة للمناهج السياقية. وكان طلال سالم الحديثي (66) واحداً ممن نحو المنحى الثاني الذي أشرنا إليه، في بحثه عن منهج سياقي محدد، إذ دعا إلى الاهتمام بالنقد الأسطوري، من حيث كونه نقداً يكشف عن ارتباط الشاعر بالحضارة، وأنه يعمق الصلة بالتراث فضلاً عن إثرائه مضامين الشاعر المعاصر، يقول الحديثي: "إن النقد الأسطوري جاء رداً على مايدعى بمذهب النقد الجديد الذي ركز دعاته اهتمامهم على تحليل النص الأدبي من حيث هو وحدة مستقلة بذاتها، فسلخوا العمل الأدبي من جذوره الاجتماعية والحضارية، وكان هدف النقد الأسطوري أن يعيد ربط الشعر بالحضارة، فدرس القصيدة باعتبارها جزءاً من التراث الشعري، ودرس الشعر باعتباره جزءاً من الحضارة الإنسانية، فأصبح العمل الأدبي الواحد نغماً منفرداً لا معنى له بذاته، بل بما يؤديه مع الأنغام الأخرى"(67). تكاد هذه الدعوة التي أطلقها طلال سالم الحديثي تكون متفردة إذ إنها الوحيدة من بين ماتحت أيدينا من مقالات ودراسات نقدية، تُعنى بالمدخل الأسطوري أو الطوطمي أو الشعائري أو الأنموذجي، ولكن ليس في هذه الدعوة مايجعلها تأخذ مدى من الجدية إذ لم يشفعها صاحبها بدراسات تطبيقية كما أنها لم تكن مؤكده، وإنما جاءت إشارة عابرة. وهاجم علي جواد الطاهر (68) المنهج البنائي، وقال أن إصله يكمن في دعوة الفن للفن، وأن الدعوة إلى الشكلانية المطلقة التي سادت قبل ثورة اكتوبر الاشتراكية وبعدها بقليل كانت دعوة فحواها أن: "لاعلاقة لكاتب بمجتمع أو فكر، ولااهتمام لناقد بظرف وعوامل خاصة، إنه لايعرف إلاّ هذه الكلمات بإزائه، وهي مجموعة من الحروف تكون جملاً وسطوراً وفقراً وهي همه الأول والأخير، بل إن الفكر عيب والأخلاق عار والنضال نقيصة"(69). ثم رأى أن مبادئ البنائية في الوقفة عند النص وفي تحليله والاستمتاع به معروف صحيح لاخلاف فيه، ولكنه أخذ على البنائيين التطرف في دعوتهم وخلص إلى القول إن البنائية: "لعبة تشغل الناس عن جدهم.. وهي حركة استعمارية تخدم الاستعمار خدمة جليلة، إذ تصرف في أقل مافيها الأديب عن الفكر والاجتماع والنضال"(69). والحقيقة إننا لم نعرف عن الشكلانيين الروس الدعوة إلى رفض علاقة الكاتب بالمجتمع أو قولهم أن الفكر عيب والأخلاق عار والنضال نقيصة، وإن كنا نعرف عنهم الاهتمام بالجوانب الشكلية وقلة عنايتهم بمضامين النصوص، على العكس من ذلك نجد نصاً صريحاً لياكوبسن وهو أحد أبرز الشكلانيين الروس يصرّح فيه: "أننا لاننادي، لاتينيانوف ولا مكاروفسكي ولا شكلوفسكي ولا أنا، بأن الفن يكتفي بنفسه، إننا على العكس من ذلك، نبين أن الفن لبنة في البناء الاجتماعي.. إن ما نؤكد عليه ليس انعزالية الفن، وإنما نؤكد على استقلالية الوظيفة الجمالية"(70). ولا ينبغي لنا قبول هذا التحامل المسرف الذي يصف منهجاً نقدياً بأنه يمثل حركة استعمارية، ذلك أن المنهج البنائي، حتى إن اختلفنا معه، يبقى منهجاً يقوم على أساس اللسانيات الحديثة المستمدة من دراسات سوسير، وهذه تعبّر عن منحى علمي وصفي لدراسة اللغة، وربما جانبنا الصواب كثيراً إذا ما ربطناها بالعقائد والمذاهب السياسية، على هذا النحو المباشر. فضلاً عن أننا لم نعرف هذه الحدية عند الطاهر، وهو الذي خصص فصلاً من كتابه (مقدمة في النقد الأدبي) لدراسة المناهج النقدية، وخصص عدداً من صفحات ذلك الفصل للتعريف بالشكلية، كان فيها مثال الباحث المحايد الذي يعرض الأفكار والآراء ولا يتطرف في الدفاع عن منهج ما كما لايتطرف في الهجوم على منهج آخر. ونشر عزمي محمد شفيق(71) سلسلة مقالات عنوانها: (الحركة الشعرية والحاجة إلى منهج نقدي بعثي)، وكان الباحث يتوقع أن يجد معالجة نقدية تصب في مجرى الاتجاهات السياقية، ولكنه لم يجد في الحلقات الثلاث الأولى من هذه الدراسة إلا هجوماً على شعراء: "يتعاطون الشعر الحرّ أو الشعر الجديد بأشكاله جاهلين أوزان الشعر العربي، فيتجاوزون أصول الشعر الحر وقواعده دون وعي منهم أو بوعي"(72)، وهو لايسمي أولئك الشعراء بأسمائهم أو أجيالهم التي ينتمون إليها. ولايبدو كاتب تلك المقالات ناقداً بقدر كونه معبراً عن رؤية سياسية يمثلها قوله: "يحتم علينا تصدينا لمخططات الاستعمار والصهيونية والرجعية... أن يسهم الأديب والشاعر في هذا التصدي"(73). ولم يتناول قضية المنهج إلا في الحلقة الأخيرة من مقالاته عندما أشار إلى أن اضطراب الرؤية الشعرية عند الشعراء يتأتى من: "غياب النظرية النقدية الهادية"(74)، ولذا يأمل من الحركة الثورية أن تحاول: "استشراف آفاق منهج نقدي أدبي أو ترسم خطوطاً عريضة لنظرية في مجال الفن والثقافة"(75). إن الكاتب، هنا، لايحدد أية ملامح للمنهج الذي يدعو إليه، على العكس من ذلك، يطالب الحركة الثورية أن ترسم له تلك الملامح فهو يعبّر عن رؤية غيرية ولايطرح وجهة نظر محددة، ومن ثم يصعب علينا إدراج دعوته تحت خيمة منهج نقدي محدد. ولم يعلن طراد الكبيسي(76) عن سياقيته، وإن استطاع الباحث تلمسها في مجمل كتاباته النقدية، فهو يرى أن النقد الأدبي العربي موزع بين اتجاهين رئيسين: "اتجاه أو منهج أكاديمي بمعناه الذميم الميت، واتجاه يستعير القدرة على التحليل أو الكشف والتفسير من مناهج غربية غريبة على طبيعة تجربتنا الأدبية"(77). يستشف من هذا النص النقدي أن طراد الكبيسي لايحبذ الاتجاهين معاً لأنه يريد البحث عن: "رؤية نقدية عربية تعكس القيم الجوهرية للحياة العربية المادية والثقافية المعاصرة" غير أنه في تلك الدراسة نفسها يطالب الناقد بالانصراف: "إلى أن يبين كيف يؤثر الجو الحضاري الثقافي الذي يسود فترة ما في إنتاج الأدب واستساغته، وكيف يؤثر الأدب في الجو نفسه فيبرز ويبلور الكثير من حقائقه ومظاهره. هذا ويبدو أن النقد الأدبي يتجه اليوم إلى العمل الأدبي نفسه والابتعاد عن المنهج البيوغرافي والأكاديمي البحت، لاتثق بالقاص وثق بالقصة". يمكن أن نلاحظ على المقتبسات السابقة من نصوص طراد الكبيسي مايأتي: إن الناقد يسمى النقد الجامعي (منهجاً) ومن المعلوم، إن ذلك النقد لايتمثل منهجاً نقدياً واحداً، وإنما يمكن أن ينضوي تحت مسميات كثيرة، فكل ناقد جامعي ينضوي تحت لواء منهج محدد، كما نجد أن طراد الكبيسي يبحث في تلك الدراسة عن رؤية نقدية عربية خاصة، فما الخصوصية التي يحددها لهذا النقد الأدبي العربي الذي يريد؟ يريد الناقد لهذا النقد: "أن ينصرف إلى أن يبين كيف يؤثر الجو الحضاري الثقافي الذي يسود فترة ما في إنتاج الأدب واستساغته، وكيف يؤثر الأدب في الجو نفسه فيبرز ويبلور الكثير من حقائقه ومظاهره"، ولكنه يستدرك على هذا القول: "يبدو أن النقد الأدبي اليوم يتجه إلى العمل الأدبي نفسه... يعني أن نجعل العمل الأدبي هو المادة الأساسية لنظرية الأدب، وليست هذه المادة حياة المؤلف الشخصية والنفسية". من الواضح، لدينا، أن النصوص المشار إليها تمثل اضطراباً بين المناهج، فالناقد يعبّر عن رؤية سياقية مرة: تأثير الجو الحضاري الثقافي في الأدب، ويعبّر عن رؤية نصية مرة أخرى: إن النقد الأدبي اليوم يتجه إلى العمل الأدبي نفسه، ولا نرى تمثيلاً لرؤية نقدية عربية خاصة، وإنما هي انتقائية أخرى، توضح جوانب من الأزمة التي يعيشها النقد الأدبي الحديث في العراق. وفي شهادته الشخصية المقدمة إلى الباحث نجد ملامح مما سميناه الاضطراب المنهجي فهو يعترف بأنه كان يتمثل المنهج الواقعي في بداءاته النقدية، ولكنه يقول عن المرحلة اللاحقة التي تلت مرحلته الواقعية: "بدأت أميل إلى عدم التقيد بمنهج بذاته، وأرى أن مجموعة من الاستبصارات التي يقدمها أكثر من منهج، أكثر جدوى في إضاءة النص من جوانبه المتعددة، وإن رجح منهج على آخر حسب نوعية وطبيعة العمل موضوع النقد"(78). ويوضح معنى الاستبصارات التي يقدمها أكثر من منهج بقوله: "يعني يمكن لك أن تستخدم المنهج الاجتماعي والنفسي والجمالي والبنيوي، بهذا القدر أو ذاك لفهم نص وتحليله وتقييمه، كما يمكن أن تستخدم منهجاً واحداً من هذه عندما يفرض النص عليك ذلك". إن الناقد هنا غير معني بمنهج محدد، فهو يختار من المناهج كلها أو من بعضها، حسب الحاجة وحسب الظرف الذي يحدده النص، أي أنه يفتقد المنهج الخاص الذي ينبغي له أن يسير على هديه، وهذا التنقل بين المناهج النصية والسياقية يمثل الانتقائية والاضطراب المنهجي، ويناقض مادعا إليه في مقالة سابقة إلى البحث عن رؤية نقدية عربية خاصة. 3 وقد شعر نقاد وأدباء بجوانب من الأزمة التي يمر بها النقد الأدبي في العراق، وربما تكون قضية المنهج في صميم هذه الأزمة، ولذا كتبت مقالات ودراسات صبت في هذا الاتجاه. يعترف خليل خوري(79) بوجود أزمة رؤية النقاد إلى قضية المنهج، ويرى أن المنهجية العربية الخاصة لايمكن أن تتم لأسباب: "لها علاقة مباشرة بتوقف المغامرة الفلسفية العربية بعد الفلاسفة الكبار"(80)، ذلك أن أصحاب المناهج في العالم: "ممن صاغوا نظريات في النقد وعلم الجمال كان لهم منهج فلسفي عام متكامل". ويستنتج من ذلك أن الناقد العربي أصبح: "يعيش عالة على المناهج الفكرية غير العربية، وبالتالي يعيش على موازين النقد المنبثقة من هذه المناهج على تنوعاتها، وإن من نقادنا من يعيش عالة على أكثر من منهج، وإنه يزاوج أحياناً بين أكثر من منهجين، حتى لوكان مايزاوج بينهما متناقضاً... لقد غرق الناقد في تفاصيل المناهج كلها فأضحى دون منهج". وهو استنتاج صحيح يؤيده ماكشفه تحليلنا للنصوص النقدية التي درسناها في هذا الفصل من الكتاب. ويتناول عبد الستار جواد(81) وجهاً آخر من وجوه تلك الأزمة، فهو يتهم المقالات النقدية المنشورة في الصحافة العراقية بأنها تتسم بحالة التخبط وغياب المنهج والتخلف عن متابعة النتاج الثقافي العالمي، لذلك يدعو إلى منهج خاص في النقد الأدبي، غير أنه لايحدد لنا تلك الخصوصية، ولكنه يرى أن بمقدور النقد العربي القديم أن يسهم في بلورة هذا المنهج النقدي الجديد(82). إن مقالتي خليل خوري وعبد الستار جواد تعبران عن أزمة النقد ولكنهما لاتقترحان إجراءات محددة للخروج من هذه الأزمة، ونرى أن التنظيرات العامة حول وجود الأزمة وأهمية الخروج منها، لايمكن أن تنفع بشيء، لأن المطلوب في هذا الشأن القيام بإجراءات نظرية واضحة. 4 تبين لنا مما سبق أن المقالات والدراسات النقدية المنشورة في الصحافة اليومية العراقية عالجت، تنظيرياً، قضية المنهج النقدي، وكان النقاد يتوزعون الاتجاهين النقديين العامين اللذين ارتضينا كونهما يمثلان المناهج النقدية جميعها، فقسم من النقاد كان ناقداً نصياً دافع عن المناهج النصية وأعلن انتماءه إليها، وقسم آخر كان ناقداً سياقياً هاجم النقد النصي وانتقص من قيمته. ووجدنا قسماً آخر من النقاد يتعامل مع المناهج النقدية بانتقائية، بزعم أنه يبحث عن التفرّد والخصوصية في اختيار المناهج، وأشرنا إلى أن هذه الانتقائية لاتعبّر عن أصالة في النظر النقدي بقدر تعبيرها عن الخضوع لهيمنة المناهج، ولكن من غير اعتراف بهذا الخضوع. ومما لاشك فيه أن البحث عن صفاء المنهج، ربما يكون مستحيلاً، ولكننا في بحثنا عن تلك القضية كنا ننظر إلى الصفة الغالبة على النصوص النقدية، ولهذا نرى، أن من الطبيعي أن يتحول الناقد من رؤية منهجية إلى أخرى، فذلك يدل على حيوية الناقد وقدرته على التعامل مع المستجدات النقدية الموجودة في العالم المعاصر، وهذا مالاحظناه على النصوص النقدية لدى فاضل ثامر وحاتم الصكر ومالك المطلبي. ومن الضروري الإشارة إلى أمر مهم، وهو أن الاهتمام بقضية المنهج قد لقيت من النقاد عناية خاصة خلال الثمانينات (العقد التاسع من هذا القرن) إذ وجدنا أغلب المقالات النقدية التي تعنى بهذه المناهج قد نشرت في الأعوام 1984-1985-1986-1987-1988-1989-1990، ولم نجد مقالة واحدة مخصصة لدراسة المناهج النقدية قبل تلك الأعوام، باستثناء الإشارات إلى المناهج السياقية التي وجدناها عند قسم من النقاد خلال الأعوام 1970-1975-1977-1978. إن الاهتمام بقضية المنهج في الأعوام المشار إليها ربما يُعزى إلى تعرّف النقاد في العراق التطورات الحاصلة في نظرية الأدب الموجودة في العالم، وربما كان وصول النظريات النصيّة هو المحفز لهذا الاهتمام، إذ بدأت الثقافة العربية، عامة بتسلّم رسالة نظريات الأدب الحديثة خلال تلك الحقبة الزمنية. ما من شك في أن حديث قسم من النقاد والأدباء عن أزمة النقد، وبحث النقاد أو محاولة بحثهم عن السبل الخاصة لتكوين رؤى نقدية متفردة، يُعد خطوة جيدة للوصول إلى غايتهم المنشودة، لأن مجرد عرض فكرة الحوار مع المناهج النقدية، أو الاعتراف بسلطة تلك المناهج وقبولها أو رفضها يؤدي إلى إثراء رؤيتنا النقدية. وإن فكرة تقديم بيان المشروع النقدي الجديد، على الرغم من ملاحظاتنا التي أسلفناها، تعد فكرة حيوية تنمّ عن هيمنة قضية المنهج النقدي على عدد من الكتابات النقدية وتثبت أن النقد الأدبي في العراق قد بدأ يأخذ مساره الصحيح بين الأجناس الأدبية الأخرى. n هوامش الفصل الأول: 1-رينيه ويلليك: مفاهيم نقدية، ص7. 2-جميل نصيف، داود سلوم: الأدب المقارن، بغداد 1989، ص10، وأشارت المقدمة إلى أن ما اقتبسناه هنا من تأليف جميل نصيف. 3-لاسل آبركرومبي: قواعد النقد الأدبي، ترجمة محمد عوض محمد، بغداد، 1986، ص9. 4-تزفيتان تودوروف: (الشعرية) ترجمة: شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، الدار البيضاء، 1987، ص23. 5-ينظر: عباس توفيق رضا، ص66، ومابعدها. 6-تنظر تلك المقالات في: الزمان، بغداد، 17/3/1958، والرأي العام 31/3/1959، والحضارة 18/4/1959، ونكتفي الآن بهذه الإشارة العابرة إلى تلك المقالات لأننا سنتوقف عندها تفصيلياً في الفصل الثالث من هذه الرسالة. 7-ثابت الآلوسي: ص9. 8-يوسف الصائغ: ص59. 9-فاضل ثامر، ناقد ولد عام 1938 في بغداد، وتخرّج 1961-1962 من قسم اللغة الإنجليزية، كلية الآداب جامعة بغداد، وأصدر كتابه النقدي الأول: (معالم جديدة في أدبنا المعاصر) بغداد، 1975، وكتابه الثاني: (مدارات نقدية) بغداد 1987، وكتابه (الصوت الآخر) بغداد 1992، كما أصدر آخر كتبه النقدية: (في إشكالية الخطاب النقدي العربي) بيروت 1993، وترجم عن الإنجليزية رواية ماركريت دورا: (الحديقة) بغداد 1986، ومايزال يواصل الكتابة في الصحف والمجلات العراقية والعربية. 10-فاضل ثامر: (أية قصيدة نريد؟) طريق الشعب، بغداد 8/1/1978. 11-فاضل ثامر: (أية قصيدة نريد؟) طريق الشعب، بغداد 8/1/1978. 12-المصدر نفسه. 13-سكفوزنيكوف: ص335، ومابعدها. 14-فاضل ثامر: واقع الشعر الستيني في العراق، مجلة الكلمة، بغداد 1970، وأعيد نشر هذه الدراسة في كتاب معالم جديدة في أدبنا المعاصر، ص183 ومابعدها. ويحدد تسمية (القصيدة التشكيلية الحسية الدنيوية) للتعبير عن قصيدة الخمسينات وتسمية القصيدة الرؤيوية للتعبير عن قصيدة الستينات. 15-فاضل ثامر: شهادة شخصية مقدمة إلى الباحث بتاريخ 25/12/1993، وقد أذن بنشرها. 16-فاضل ثامر: (من سلطة المؤلف إلى سلطة القراءة)، الثورة بغداد، 10/5/1987. 17-فاضل ثامر: (سلطة القراءة) الثورة بغداد، 16/5/1987. 18-المصدر نفسه 23/5/1987. 19-المصدر نفسه 31/5/1987. 20-المصدر نفسه. 21-فاضل ثامر: (تفاعل السلطات)، الثورة بغداد، 6/6/1987. 22-المصدر نفسه. 23-المصدر نفسه. 24-أبرز ماكتبه في هذا الموضوع: نحو رؤية سوسيو-شعرية جديدة، الثورة 19/3/1989، وموضوع: (المناهج الجديدة في الوطن العربي)، القادسية بغداد، 25/11/1987، وهذا الموضوع إعادة شبه استنساخية لموضوعه السابق (نحو رؤية...) وموضوع (نزوح المناهج) القادسية، بغداد 24/5/1990. 25-فاضل ثامر: (نحو رؤية سوسيو- شعرية جديدة)، الثورة، بغداد 19/3/1989. 26-فاضل ثامر: (أية قصيدة نريد؟)، طريق الشعب، بغداد 8/1/1978. 27-حاتم الصكر: ناقد عراقي ولد في بغداد عام 1945 وتخرج في كلية الشريعة سنة 1966، وحصل على شهادة الماجستير برسالته: (تحليل النص الشعري الحديث في النقد العربي المعاصر) من كلية الآداب- جامعة بغداد عام 1995، بدأ حياته الأدبية شاعراً فأصدر مجموعته الشعرية الأولى (مرافئ المدن البعيدة) عام 1975، كما أصدر مجموعته الشعرية الثانية: (طرقات بين الطفولة والبحر) عام 1980، ثم أصدر كتابه النقدي الأول: (الأصابع في موقد الشعر) عن دار الشؤون الثقافية، بغداد 1986، ضمنه الكثير من دراساته النقدية التي نشر القسم الكبير منها في الصحافة اليومية العراقية، وأصدر كتابه النقدي الثاني: (مواجهات الصوت القادم) عن دار الشؤون الثقافية، بغداد 1986، ضمن سلسلة (كتاب الطليعة الأدبية). ويعد حاتم الصكر من أغزر النقاد العراقيين ممن نشروا مقالاتهم في الصحافة العراقية إنتاجاً، إذ بلغ عدد مقالاته التي خضعت للدراسة في هذه الرسالة (199) مقالة من مجموع (2612) مقالة لمجموع النقاد في العراق. 28-حاتم الصكر: (الشعر الحديث وعنق الزجاجة)، طريق الشعب، بغداد 17/6/1975. 29-حاتم الصكر:(البنيويون)، الجمهورية، بغداد 26/1/1984. 30-حاتم الصكر: (في لغة الناقد الأدبي)، الجمهورية، بغداد 25/4/1985. 31-حاتم الصكر:(المنهج تحدياً، والمنهج اختياراً) الجمهورية، بغداد 23/3/1986. 32-حاتم الصكر:(تحديث النقد الشعري)، الجمهورية، بغداد 23/11/1988. 33-حاتم الصكر: (المنهج تحدياً، المنهج اختياراً)، الجمهورية، بغداد 23/3/1986. 34-تيري إيغلتن: مقدمة النظرية الأدبية، ترجمة إبراهيم جاسم العلي، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1992، ص82. 35-عبد الله الغذامي: (الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية)، منشورات النادي الأدبي الثقافي، جدة، 1985، ص52. 36-عبد الله الغذامي: (الخطيئة والتكفير)، ص89. 37-ينظر المصدر نفسه، ص52، وينظر مصدره. 38-المصدر نفسه: ص83. 39-حاتم الصكر: شهادة شخصية مقدمة إلى الباحث بتاريخ 1/1/1994، وقد أذن بنشرها. 40-المصدر نفسه. 41-مالك المطّلبي: شاعر وناقد ولد في مدينة (المشرح) التابعة لمحافظة ميسان عام 1942، تخرج من قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة بغداد، في العام الدراسي 1964-1965، حاصل على شهادة الدكتوراه في اللغة العربية عام 1984، نشر ثلاث مجموعات شعرية: الأولى سواحل الليل، بغداد 1967، والثانية (الذي يأتي بعد الموت)، مطابع الجمهورية د.ت، والثالثة: (جمال الثلاثاء) وزارة الثقافة والفنون، بغداد عام 1978. وأصدر كتابه النقدي الأول: (الزمن واللغة) الذي نشرته الهيئة المصرية للترجمة والتأليف والنشر، القاهرة، 1985، كما أصدر كتابه الآخر: (التركيب اللغوي للشعر العراقي المعاصر)، دار الرشيد للنشر بغداد، 1981. 42-مالك المطلبي: (نقاط في الشعر)، الثورة، بغداد30/3/1970. 43-مالك المطلبي: (وعي الزمن)، الجمهورية، بغداد 22/4/1987. 44-مالك المطلبي: (معيار الأدب)، الجمهورية، بغداد 27/5/1987. 45-مالك المطلبي: (ضبط المفاهيم)، الجمهورية، بغداد 3/3/1988. 46-مالك المطلبي: شهادة شخصية مقدمة إلى الباحث بتاريخ 26/1/1994. وقد أذن بنشرها. 47-مالك المطلبي: (البنية تتراجع)، الجمهورية، بغداد 18/11/1987. 48-تنظر: تلك المناقشات في الجمهورية، أعداد الأيام: 2/12/1987، 16/12/1987، 23/12/1987، 31/12/1987، 10/2/1990. وسنعاود الحديث عن المفاهيم النقدية في الفصل الثاني من هذه الرسالة. 49-عبد الله إبراهيم: قاص وناقد، ولد عام 1957، في إحدى قرى محافظة التأميم وأنهى دراسته الجامعية الأولية من قسم اللغة العربية، كلية التربية جامعة بغداد، عام 1980-1981، نال شهادة الماجستير عام 1987 عن أطروحته البناء الفني لرواية الحرب في العراق وصدرت كتاباً عن دار الشؤون الثقافية، بغداد 1988، ثم نال درجة الدكتوراه عن أطروحته (السردية العربية، بحث عن البنية السردية للموروث الحكائي العربي) جامعة بغداد 1991 وله مجموعة قصصية عنوانها (رمال الليل) صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة، وكتاب نقدي هو (معرفة الآخر) بالاشتراك مع سعيد الغانمي وعواد علي، بيروت 1990، و(المتخيل السردي، مقاربات نقدية في التناص والسرد والدلالة، بيروت 1990). 50-ينظر: عبد الله إبراهيم (التفكيكية، الأصول والمقولات المركزية) الثورة، بغداد 25/9/1988. 51-عبد الله إبراهيم: (التفكيكية)، الثورة، بغداد 6/10/1988. 52-المصدر نفسه، 13/10/1988. 53-ينظر: المصدر نفسه، يوم 30/10/1988، ويوم 17/11/1988. 54-عبد الله إبراهيم: (النظريات النقدية المعاصرة)، القادسية، بغداد 12/11/1988. 55-البيان الشعري: محاولة في التنظير للقصيدة الحديثة، وقع عليه الشعراء: فاضل العزاوي سامي مهدي، خالد علي مصطفى وفوزي كريم. ينظر نصه في مجلة شعر 69، العدد الأول بغداد 1969. أما (الدعوة إلى كتابة القصيدة اليومية) فهي بيان آخر وقع عليه الشعراء: غزاي درع الطائي، خزعل الماجدي وعبد الحسين صنكور، ونشرته مجلة الكلمة، العدد الخامس، بغداد 1974. 56-محمد صابر عبيد: ناقد ولد عام 1955، في ناحية زمار الواقعة غرب الموصل، حصل على بكلوريوس في اللغة العربية وآدابها من كلية التربية جامعة الموصل عام 1979، ونال شهادة الماجستير عن أطروحته (المدينة في شعر أحمد عبد المعطي حجازي) من كلية الآداب جامعة الموصل 1986، كما نال شهادة الدكتوراه في الأدب العربي الحديث لم يعرف شاعراً ولكنه في استمارة القبول التي قدمها إلى اتحاد الأدباء والكتّاب في العراق إلى أنه شاعر، وأن جامعة الموصل وافقت على طبع مجموعته الشعرية (صلاة إضافية بملابس الكاكي). 57-محمد صابر عبيد: (أفكار حول النص الشعري)، الجمهورية، بغداد 4/1/1988. 58-عبد الله إبراهيم: (المشروع النقدي الجديد)، الثورة، بغداد 3/4/1988. 59-سعيد الغانمي: ناقد ومترجم، ولد عام 1958، في الديوانية، وتخرج من قسم الترجمة، كلية الآداب جامعة الموصل، من إصداراته: (اللغة علماً)، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1986. و(معرفة الآخر)، بالاشتراك مع عبد الله إبراهيم وعواد علي، بيروت، 1990، وترجمة كتاب بورخس (كتاب الرمل)، عمان 1990، وترجم كتاب رتشاردز: (فلسفة البلاغة) بالاشتراك مع ناصر حلاوي، باريس 1991، وآخر مؤلفاته: (أقنعة النص): بغداد 1991. 60-سعيد الغانمي: (المشروع النقدي الجديد)، الثورة، بغداد 28/1/1989. 61-محمد صابر عبيد: (المشروع النقدي الجديد)، الثورة، بغداد 24/2/1989. 62-ياسين النصير: ناقد يهتم بشؤون القصة والمسرح على نحو خاص، ولد في البصرة عام 1941، تخرج من دار المعلمين الابتدائية، عام 1960. من مؤلفاته (القاص والواقع، مقالات في القصة والرواية العراقية) بغداد 1975. (وجهاً لوجه) وهي دراسات في المسرحية العربية بغداد 1976. (دلالة المكان في قصص الأطفال) بغداد 1985. (الرواية والمكان)، سلسلة الموسوعة الصغيرة، بغداد 1986. (إشكالية المكان في النص الأدبي)، دار الشؤون الثقافية، بغداد 1986 (بقعة ضوء، بقعة ظل)، مقالات في المسرح العراقي، بغداد 1989. (فن البدايات في النص الأدبي) بغداد 1993. 63-ياسين النصير: (حمى البنيوية)، الجمهورية، بغداد 4/8/1982. 64-السيميولوجيا: تطلق على العلم الذي يدرس الأنظمة الرمزية في الإشارات الدالة وكيفية هذه الدلالة، وسماها بعضهم: علم العلامات أو علم الإشارات، كما سماها المسدي: (الأصولية) وسماها آخرون السيميائية وعربت أيضاً بمصطلح السيميولوجيا. ينظر صلاح فضل: البنائية ص445. والمسدي: الأسلوبية والأسلوب، ص133. وينظر أيضاً: رولان بارت: (نظرية النص) ترجمة محمد خير البقاعي، مجلة العرب والفكر العالمي، العدد الثالث، بيروت. 65-ينظر: فضل، البنائية، ص450، ومابعدها. 66-طلال سالم الحديثي: لم يعرف ناقداً للشعر، وإنما هو باحث في شؤون التراث الشعبي. 67-طلال سالم الحديثي: (المنهج الأسطوري في النقد)، الثورة، بغداد 3/7/1979. 68-علي جواد الطاهر: ناقد وباحث، ولد في الحلة عام 1919، وحصل على درجتي الماجستير والدكتوراه من السوربون عام 1954 عن رسالته: (الشعر العربي في العراق وبلاد العجم في العصر السلجوقي) التي نشرها كتاباً عام 1958، وتحقيق كتاب درة التاج من شعر ابن الحجاج. ومن أبرز كتبه: (محمود أحمد السيد رائد القصة القصيرة في العراق) بيروت، 1969. (منهج البحث الأدبي)، بغداد 1970. (مقدمة في النقد الأدبي)، بيروت 1979. (من حديث القصة والمسرحية) بغداد 1987. (من يفرك الصدأ)، دراسة في شعر حسين مردان، بغداد 1988. ومؤلفات أخرى كثيرة فضلاً عن دراسات ومقالات كثيرة. 69-علي جواد الطاهر: (البنيوية أعلى مراحل السوء)، الجمهورية، بغداد 8/12/1985. 70-رومان ياكوبسن: (قضايا الشعرية)، ترجمة محمد الولي ومبارك حنون، الدار البيضاء 1988. والملاحظ أن عبد الجبار البصري رد على مقالة الطاهر مشيراً إلى أن البنيوية ليست وليد نظام من الأنظمة السياسية وأن دور النشر التي تبنت البنائية والجامعات والصحف والمجلات التي تبنت أعمالاً بنائية لاصلة لها بالاستعمار. تنظر مقالة البصري في الجمهورية عدد يوم 14/12/1985. كما رد مالك المطلبي على مقالة الطاهر مؤكداً أن البنائية منهج وإدارة وليست عقيدة وفرق المطلبي بين تطبيق المنهج واستثماره ورأى أن لاعيب في الرواية بوصفها جنساً أدبياً ولكن لايمنع أحد أن تستغل مؤسسة كمؤسسة فرنكلين سلسلة من الروايات لخلق الرواية الرأسمالية. تنظر مقالة المطلبي في الجمهورية يوم 17/12/1985. 71-عزمي محمد شفيق (الصالحي): ولد في الرمادي عام 1934، ونال شهادة البكلوريوس من قسم اللغة العربية، كلية الآداب جامعة بغداد عام 1958. والماجستير عن أطروحته (الشاعر الخارجي طرماح بن الحكيم، دراسة في شعره) جامعة بغداد، كلية الآداب، قسم اللغة العربية عام 1966، والدكتوراه من جامعة لندن عام 1975 عن أطروحته: (المجتمع والعقائد والنظريات السياسية للخوارج كما يكشف عنها شعرهم) ولم نجد له أية دراسة نقدية عن الشعر العربي الحديث باستثناء تلك المقالات. 72-عزمي محمد شفيق: (الحركة الشعرية والحاجة إلى منهج نقدي بعثي)، الثورة، بغداد 20/9/1977. 73-المصدر نفسه، 11/9/1977. 74-المصدر نفسه، 13/10/1977. 75-المصدر نفسه. 76-طراد الكبيسي: شاعر وناقد ولد عام 1937، في قرية قرب مدينة هيت. تخرج عام 1962 من كلية الآداب. جامعة بغداد، قسم اللغة العربية وعمل في تحرير عدد من المجلات الأدبية. أصدر مجموعة شعرية عنوانها (أوراق التوت) النجف 1968 ومن أبرز مؤلفاته النقدية: (شجر الغابة الحجري) بغداد 1975. (الغابة والفصول) بغداد 1979. (قصيدة الحرب الحديثة في العراق- جزءان) بغداد 1986. كتاب المنزلات (منزلة الحداثة)، بغداد 1992 فضلاً عن كتب ودراسات أخرى كثيرة. 77-طراد الكبيسي: (النقد إزاء التجربة الأدبية العربية)، صحيفة الجمهورية، بغداد 16/2/1978. 78-طراد الكبيسي: شهادة شخصية مقدمة إلى الباحث بتاريخ 15/1/1994، وقد أذن بنشرها. 79-خيل خوري: شاعر ومترجم، ولد في دمشق، عام 1934، حاصل على دبلوم تربية عام 1953-1954. وبكلوريوس حقوق عام 1957 من الجامعة السورية، دمشق. له عدد من المجموعات الشعرية هي: (حبات قلب) بيروت 1961. (صلوات للريح) بيروت 1963. (لادر في الصدف) بيروت 1963. (المجزرة) بيروت 1970. (رسائل إلى أبي الطيب المتنبي) بغداد 1971. (أغاني النار) باريس 1977.(اعتراف في حضرة البحر) بغداد 1983. (تقاسيم على وتر البطولة) بغداد 1986. ومن أبرز كتبه المترجمة: (تشيخوف) بغداد 1987. (رامبو) بغداد 1987. (بودلير) بغداد 1989. (أندريه جيد) بغداد 1989.(تولستوي) بغداد 1992. 80-خليل خوري: (نظرية عربية للنقد)، الثورة، بغداد 14/8/1986. 81-عبد الستار جواد: كاتب وناقد ومترجم ولد عام 1942 في بغداد، حصل على بكلوريوس آداب في اللغة الإنجليزية من جامعة بغداد، كلية الآداب 1965-1966، ونال شهادة الدكتوراه في الصحافة الأدبية من جامعة (ستي) في المملكة المتحدة عام 1985، من مؤلفاته (في المسرح الشعري، بغداد 1979). شرح المراح في التصريف للعيني بغداد 1975، ومن كتبه المترجمة: اتجاهات جديدة في الشعر الإنجليزي، بغداد 1977. صنعة الرواية تأليف بيرسي لوبوك، بيروت، 1981. فن كتابة الرواية، تأليف دايان بابيت فادزر، بغداد 1989. 82-ينظر: عبد الستار جواد (البحث عن منهج)، الثورة، بغداد 31/7/1986 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |