|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:46 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الثاني التنظير للمفاهيم النقدية ليس مجال نظرية الأدب البحث في المناهج النقدية وخصائصها وتباين الواحد منها عن الآخر حسب، وإنما يمتد هذا المجال إلى مدى أرحب، فهو يشمل المبادئ العامة التي تحكم الظواهر الأدبية، ويهتم أيضاً بدراسة الأنواع الأدبية وسمات كل منها، فضلاً عن مفاهيم النقد وإجراءاته والمصطلحات المستخدمة فيه، وكل ماله علاقة بالطرائق الموصلة إلى الكشف عن السمات والخصائص العامة للأدب. وإذا كان النقد الأدبي المعاصر يسعى إلى التوسل بمختلف الوسائل التي تجعل منه علماً أو قريباً من العلم، فالنظرية الأدبية تحاول السير في هذا الطريق أيضاً، لأنها في محاولتها تحديد السمات العامة للأدب تسعى إلى تبني وسائل جديدة تساعدها على تحقيق هذا المسعى. والنظرية الأدبية، اسم شامل، ويمكن لها أن تتجلى عبر مفاهيم ومصطلحات كثيرة، ولذلك ليس في وسع الباحث وهو يحاول تبين هذه النظرية إلا التوغل في مجاهيل المصطلحات التي تتجلى فيها تلك النظرية، وعلى هذا، تكون المفاهيم جزءاً من الإطار الشامل لأية نظرية أدبية، ومن هنا تتأتى أهمية تعرّفها. ناقش النقاد في مقالاتهم ودراساتهم المنشورة في الصحافة اليومية العراقية عدداً من المفاهيم والمصطلحات التي تدخل ضمن إطار التنظير الذي قدّموه، واتفقوا أحياناً في قضايا محددة تتضمنها تلك المفاهيم، واختلفوا في أحيان أخرى، وهم في اتفاقهم واختلافهم، يمكن أن يسهموا في بلورة تلك المفاهيم وتحديد مدلولاتها. ومن بين تلك المفاهيم والقضايا التي ناقشتها تلك المقالات اخترنا عدداً منها استناداً إلى كثرة ترددها في المقالات موضوع البحث وتبعاً لأهميتها في ترسيخ متن نظري ونقدي يساعد على جلاء صورة النقد الأدبي الحديث في العراق، وتلك المفاهيم هي: الأجيال الشعرية، الحداثة، قصيدة النثر، الشعرية، اللغة الشعرية. "1" الأجيال الشعرية ظهرت قضية الأجيال الشعرية في ساحة النقد الأدبي الحديث في العراق، أواخر العقد السابع من هذا القرن، مع ظهور ماسمي (جيل الستينات)، الذي أصدر عدد من ممثليه مجلة للشعر هي مجلة: (شعر 69) ضمنوها بياناً يُنظّر للشعر العربي، وركّز ذلك البيان اهتمامه على عالم الشاعر المصوغ داخل حلم، وإن طريقة الوصول إلى الحلم هي دحر سيطرة العقل الواعي وتخديره، وهذا لايمنع الشاعر من أن يكون صوت عصره، ولكن مهمته ليست فوتوغرافية(1). وكان ممثلو شعر الستينات، في مجمل دعوتهم التنظيرية، يسعون إلى التميز من رواد شعر التفعيلة، إحساساً منهم بأن الرواد قد فتحوا طريقاً للتجديد فنالوا قصب السبق بذلك، وما على شعراء الستينات إذا ماأرادوا إثبات أهليتهم وجدارتهم إلاّ أن يكشفوا عن التباين بين شعرهم وشعر الرواد، وكان (البيان الشعري) الذي أصدروه إيذاناً بالإعلان عن رؤاهم الشعرية المباينة لرؤى غيرهم من شعراء التجديد. ومالبثت قضية الأجيال الشعرية أن أخذت حيّزاً من الاهتمام لدى النقاد والشعراء على السواء، حتى بدأنا نقرأ الكثير من المقالات النقدية التي تتحدث عن جيل الخمسينات وجيل الستينات وجيل السبعينات، وانقسم النقاد والشعراء فريقين: فريق يؤيد تلك التسميات وفريق يناهضها، وأسفر هذا الانقسام عن آراء ووجهات نظر متباينة بين الفريقين. تحدّث خالد علي مصطفى(2) في واحدة من مقالاته عن خصائص عامة تبرز في شعر الستينات تعطي لحركة الشعر العربي الحديث مدى غنياً يضاف إلى ما أبدعه جيل الرواد، ومن هذه الخصائص: مراجعة الشاعر نفسه ونتاجه لتكون لديه القدرة على مواصلة خط تطوره، ومحاولة إلغاء البعد الواحد في القصيدة لتكون قابلة للانفتاح على بصيرة القارئ، وإن تركيب القصيدة الستينية ماعاد بسيطاً واضحاً، وإنما أصبح مجالاً واسعاً لاكتشاف الدلالات داخل القصيدة لمعرفة خصائصها من خلال تطورها الداخلي، وأصبحت لغة شعر الستينات غير خاضعة لمنطق البلاغة العربية القديمة، بل أصبحت اللغة فعلاً إبداعياً لاينفصل في نشاطه عن تجربة الشاعر، وأخيراً: ظلت حركة الشعر في الستينات خاضعة لمنطق التجريبية، وهذا يدل على أن الشاعر لايخضع لقاعدة واضحة محددة سلفاً في ذهنه(3). وهذه المقالة تحاول إثبات تميّز الشاعر الستيني، غير أننا لانتبين أدلّة من شأنها أن تقنعنا بهذا التميّز، فمراجعة الشاعر نفسه ونتاجه لمواصلة خط تطوره خصيصة عامة للشعراء كلهم ولا يمكن لتلك المراجعة أن تميّز شاعراً من آخر ولا جيلاً من جيل وحديثه عن إلغاء البعد الواحد في القصيدة لتكون قابلة للانفتاح على بصيرة القارئ، يحتاج منه أن يقدم نصوصاً شعرية تتضمن أبعاداً متعددة، ويوضّح لنا تلك الأبعاد، لكي يكون حكمه مقبولاً، ولكنَّ الناقد لم يفعل ذلك وإنما بقي أسير الأحكام الشمولية التي استنتجها من غير شواهد أو إثباتات. وهذا هو شأن حكمه على لغة شعر الستينات الذي يحتاج هو أيضاً إلى دراسة نقدية توضّح اختلاف لغة الشاعر الستيني عن غيره من الشعراء، إلاّ أننا نتفق مع الناقد في قوله أن قصيدة الستينات تخضع لمنطق التجريب، لما عرفنا عن قسم من شعراء ذلك الجيل من ميل تجريب أشكال شعرية جديدة: قصيدة النثر، مثلاً، واستخدام الملصقات في الشعر واستخدام مفردات مرسومة بالحرف اللاتيني... الخ من أساليب تجريبية. لم تقتصر تسمية (جيل) على شعراء الستينات وحدهم، بل أطلقت على آخرين من أجيال مختلفة، فكأنّ العرف قد أشاع استخدام هذا المصطلح كل عقد من الزمان، غير أن حاتم الصكر يزعم أن النقد لايستخدم الجيل: "مصطلحاً مطّرداً لكل عقد من السنين، فعشر السنوات التي ألّفت العقد الخامس (الأربعينات) لم تفرز رؤية مشتركة لجيل شعري.. كما أن الحديث عن جيل الستينات في العراق وجيل مابعد الستينات له من الحيثيات مايجعله مقبولاً"(4). ونقول إن قضية الأجيال الشعرية قضية حديثة جداً، بالمعنى الزمني لمفردة (حديث)، لم يعرفها الوسط الثقافي إلاّ في ستينات هذا القرن، واستمر استخدام مصطلح جيل ثلاثة عقود متتالية، لذا تبقى هذه القضية تدور في فلك حقل تاريخ الأدب، وإن أغلب ماكتب عن قضية الأجيال الأدبية لم يخرج من هذا النطاق. ولهذا لانتفق مع مايراه حاتم الصكر من أن: "الحديث عن جيل الستينات ليس حديثاً عن مجريات العقد الذي عاشوا فيه... الحديث هنا زمن تمثلوه وتلقوه فجاء ردهم المتحقق في نصوص شعرية مدعاة للحديث عنهم جماعة متجايلة في الرؤية، لافي العيش تحت سقف الزمن الواحد حسب"، لأن أحداً من النقاد، فيما نعلم، لم يحاول في دراسة محددة أو دراسات متفرقة، الكشف عن خصائص هذه الرؤية في قصائدهم نفسها. وربما أصاب خيري منصور (15) كبد الحقيقة عندما قال: "إن النقاد الذين يتحدثون عن أجيال وعقود لا عن شعراء، عن شعر لا عن قصائد، إنما يفعلون ذلك هروباً من مواجهة واقع شعري"(6). لقد رفض نقاد وشعراء فكرة تقسيم الشعراء إلى أجيال، ورفضوا تحديداً فكرة التقسيم العشري (ظهور جيل شعري في كل عشر سنوات) لأسباب شتى، فتحدث كمال نشأت عن: "خطورة المفاهيم التي يحملها تقسيم الشعراء إلى أجيال يفصل بينها حدّ زمني هو عشر سنوات، ذلك أن التطور الشعري الذي يفترض المصطلح... إنه حادث في الواقع الفعلي، وهمٌ من الأوهام، فالفوارق الدقيقة التي تتم كمرحلة تطور في شعر أية أمة لايمكن أن تستوفي نموها الطبيعي في مثل هذا الزمن القصير"(8). والحقيقة أن المنافحين عن قضية الأجيال الشعرية لاينظرون إلى المسألة من هذه الزاوية، فهم لايفترضون وجود جيل شعري في كل عقد من الزمان، ولكنهم، انطلاقاً من عدّهم رواد قصيدة التفعيلة جيلاً أدبياً له من السمات مايجعله يستحق صفة الريادة، أرادوا أن يميزوا الشعراء الذين جاؤوا بعد الرواد، وهذا قاد فيما بعد إلى تقليد جديد مبتدع، وهو أن كل مجموعة من الشعراء الجدد تظهر في زمن متقارب نسبياً تسعى إلى أن تطلق على نفسها تسمية جديدة تميزها من الشعراء الآخرين. وهذا ما دعا مالك المطلبي، وهو واحد من شعراء الستينات أيضاً، إلى عدم قبول مصطلح جيل عندما تحدث عن شعر الستينات لأن هذا المصطلح، على مايرى، يقود الناقد إلى أن يرى: "النص الفني الشعري، خاصة، لايتخلله زمن بل يؤطره زمن... وهكذا جعلنا الزمن الإطاري معياراً للأدب وليس العكس، حتى بات الجيل يعني عشر سنوات وليس غير"(9). لم تخفت الضجّة المثارة حول جيل الستينات حتى بشّرت الصحافة الأدبية بظهور جيل جديد هو جيل السبعينات أو (جيل مابعد الستينات) وخصصت مجلة الكلمة واحداً من أعدادها لهؤلاء الشعراء، وتصدرت ذلك العدد من المجلة دعوة لكتابة القصيدة اليومية، وقّع عليها ثلاثة شعراء، وتماثل تلك الدعوة (البيان الشعري) الذي سبق لعدد من شعراء الستينات أن قدموه من حيث كونها بياناً جديداً وتخالفه في أنها ترى في القصيدة انتقالة نوعية في مسار الحركة الشعرية تضع القصيدة بمستوى التعليم السياسي والأسلحة المقاتلة، وأن الشاعر يعيش، حتى في أحلامه، شكلاً جماعياً، لأنه يلغي اعتبارات الحلم الفردي أو المطلق(10). من الواضح، أن تلك الدعوة كانت رداً غير مباشر على (البيان الشعري)، ففي حين اهتم ذلك البيان بالتركيز على الحلم الفردي للشاعر وأنه ضد النقل الفوتوغرافي للواقع، دعا ممثلو القصيدة اليومية إلى التعبير عن الحلم الجماعي، وأن تكون قصيدتهم وسيلة للدفاع عن الهمّ الاجتماعي، لقد كان المنحى السياسي في تلك الدعوة طاغياً على المنحى الأدبي، على عكس البيان الشعري الذي كان تعبيراً عن رؤية أدبية خالصة. ورأى يوسف نمر ذياب(11) أن شعراء السبعينات ليسوا في تاريخ الشعر الماكث من شيء، وهو يتذكرهم أصدقاء ومعارف لا شعراء، وليس لهم خصوصية، ومنهم من افتقد الإخلاص للكلمة، ومنهم من ينصبُ ماحكمه الرفع، بل قد يرد في جملتهم المبتدأ ولا خبر، والشرط ولا جواب. إذا كان النقد يسعى إلى أن يكون علماً أو شبيهاً بالعلم، فإن إشارات يوسف نمر ذياب أقرب إلى روح الانفعال منها إلى روح العلم فهو يقرر أحكاماً كثيرة عن شعراء السبعينات، مجتمعين، من غير أن يستثني منهم أحداً، ومن غير أن يقدم لنا حيثيات الحكم، وإن أشار إلى أن تلك الحيثيات: "على هذا الذي نقرأ لمن سمّوا شعراء السبعينات أو شعراء الشباب ماثلة". ولم يورد لنا ذلك الناقد جملة واحدة لأي من الشعراء الذين تحدث عنهم، تحتوي مبتدأ ولا خبر، كما لم يورد جملة فيها شرط بلا جواب. ولعل مثل هذه الأحكام المطلقة غير المسببة، من جملة مايجعل الأدباء، والشعراء منهم على نحو خاص، لايركنون كثيراً إلى قسم من الأحكام النقدية، ولهم الحق في ذلك. وعلى العكس من حماسة يوسف نمر ذياب وانفعاله الواضح سعى فاضل ثامر إلى أن يكون عقلانياً، حتى وهو يتوصّل إلى حكم مماثل لحكم يوسف نمر ذياب، ففي مقالة له، شرح التباينات في الظروف والمواقف بين أبناء ثلاثة أجيال شعرية، فجيل الخمسينات يمتاز بأن له: "علاقة تفاعل وتواصل إيجابية مع الواقع والآخرين... وإن للأديب وظيفة أخلاقية واجتماعية كبيرة إضافة إلى وظيفته الجمالية"(13). أما الجيل الستيني، على ما رأى فاضل ثامر: "فقد اهتزت شبكة القيم والقناعات أمامه ووجد نفسه وحيداً ومعزولاً ومحبطاً لذا فقد الإيمان لبعض الوقت بالآخرين وبالواقع الخارجي، ولم يعد همُّه تحقيق تواصل وتوافق مع الآخرين والمجتمع كما كان يفعل الجيل السابق، كما لم يعد يحفل بالقيمة الاجتماعية والأخلاقية للأدب". وعندما يأتي ذلك الناقد في حديثه إلى جيل السبعينات يقرر أنه على الرغم من: "حماسة أدباء العقد السبعيني(!!) لم نشعر بأن مبررات قيام جيل أدبي جديد (سبعيني) له تجربته الفنية والإبداعية متوفرة تماماً". ويأخذ خزعل الماجدي(14) دور مؤرخ الأدب وهو يتحدث عن شعر السبعينات، وهو واحد من أبناء ذلك الجيل، ليقرر أن مصطلح: "جيل السبعينات مصطلح فني لاعقدي المقصود منه أولئك الشعراء الذين ظهروا مع مطلع السبعينات قاصدين تأسيس رؤية فنية جديدة ومغايرة لجيل الستينات الذي سبقهم وقد تحقق ذلك على أيدي شعراء الموجة الأولى بشكل خاص"(15). من الواضح أن المقتبسات السابقة المأخوذة من مقالتي: فاضل ثامر وخزعل الماجدي، لاتتحدث لنا عن خصائص شعر أيٍ من الأجيال التي تناقشها، وإنما تتناول خصائص مرحلة تاريخية من مراحل تاريخ الأدب الحديث، كما هو شأن حديث فاضل ثامر عن علاقة شعر تلك الأجيال بالواقع والمجتمع، والتواصل والتوافق مع الآخرين، أو عدم التواصل وعدم التوافق، كما تمتاز أحكامه بافتقارها إلى الأدلة والإثباتات، كحكمة ثامر على عدم وجود مسوّغات قيام جيل أدبي سبعيني جديد، وتقرير الماجدي وجود رؤية فنية مغايرة تحققت على أيدي قسم من شعراء السبعينات. فنحن هنا أمام حكمين متناقضين تماماً، كلاهما يفتقر إلى الأدلة والبراهين، فأيهما نعتمد عليه ليكون دليلنا إلى الحقيقة، نكرر القول إن مثل هذه الأحكام غير المعللة تمثل واحدة من السمات السلبية التي تسجل ضد النقد الأدبي في قسم من أمثلته، ولايمكن أن تحدث نهضة نقدية مادام النقّاد يواصلون إطلاق الأحكام جزافاً من غير أن يبينوا أسبابها. وفي حين تباينت آراء النقاد وهم يتناولون قضية الأجيال، بين منافح عنها ومتصد لها، مقتصرين في إطلاق صفة (جيل) على قسم من شعراء الخمسينات والستينات والسبعينات تفرد عبد الجبار البصري(16) في إطلاق صفة جيل على شعراء أربعينات هذا القرن، الذين سبق لحاتم الصكر أن ضرب بهم المثل في عدم توافر الرؤية المشتركة لديهم، إذ رأى البصري أن أربعينات هذا القرن شهدت جيلاً أدبياً له خصائص مشتركة، ومن شعراء هذا الجيل: أكرم الوتري ونعمان ماهر الكنعاني وأنور خليل وحافظ جميل وإبراهيم الوائلي ومحمد صالح بحر العلوم وعبد القادر رشيد الناصري وغيرهم، وقرر البصري بأن لأولئك الشعراء رؤية تميزهم ممن سبقهم ومن تلاهم(17). ولا نريد لهذه المسألة أن تبقى في هذا السياق من المحاججة، فناقد يرى عدم وجود رؤية مشتركة لدى هؤلاء الشعراء وآخر يقرر وجود مثل هذه الرؤية والحكم الفيصل في ذلك هو الدراسة النصّية التي تكشف عن وجود هذه الرؤية أو عدم وجودها، ونحن نرى أن هذه الأحكام التي لاتعتمد على الحيثيات أحكام غير مقبولة ينبغي على النقد الأدبي أن يتخلى عنها. أما علي الحلي(18) فيخالف النقاد جميعاً في نظره إلى قضية الأجيال الأدبية فيتوصل إلى مايشبه التعريف: "الجيل يمثل حركة نوعية جمعية للأفراد ضمن زمن ما، وتأسيساً جديداً، ومخاصاً متفجراً لمجموعة من المفكرين أو الفنانين أو الأدباء أو الفلاسفة أو السياسيين تجمعهم رابطة ذهنية مشتركة بحدودها النسبية"(19). ومن أجل إيجاد شواهد وإثباتات لهذا التعريف أشار إلى المدرسة السريالية الفرنسية أو مايسمى جيل بريتون وذكر أسماء مجايلي بريتون وتحدث عن خصائص ذلك الجيل، ثم استعرض أسماء أخرى: جيل أودن في الأدب الإنجليزي الذي كان يقف بإزاء مدرسة اليوت، ويشير عربياً، إلى جيل مدرسة أبولو متوصلاً في تلك الدراسة إلى أن صفة جيل تنطبق على الخمسينات دون سواها من العقود اللاحقة على نحو خاص، بعد أن شرح ظروف العراق السياسية بعد الحرب العالمية الثانية وقبلها أكّد وجود جيل ليس على المستوى الشعري حسب وإنما في الموسيقى والغناء والفن التشكيلي والأدب والسياسة والفكر وقرر في آخر تلك الدراسة: ان العقود التي تلت تلك الحقبة ماتزال بعيدة عن الالتصاق بمصطلح الجيل إلاّ إذا توافرت لها الإمكانات التأسيسة. وعلى الرغم من الاستقصاء الشامل للظروف العامة في العراق واستقصاء أسماء الأدباء والفنانين والمفكرين، والتعريف الوافي لمصطلح (جيل) الذي حدده علي الحلي، تظل القضية الإثباتية الأساسية غائبة عن تلك الدراسة الممتعة، ونعني بها قضية دراسة شعر أولئك الشعراء، التي يمكن أن تكون هي الشاهد الأول على مايميّز شعراء جيل مامن غيرهم. إن التنظير لقضية الأجيال الشعرية بدأ تاريخياً بظهور شعراء الستينات الذين أرادوا إعلان تميّزهم من رواد قصيدة التفعيلة، ثم تحول ذلك إلى قضية يتابعها شعراء لاحقون لشعراء الستينات، حتى انتقلت في قسم من الكتابات النقدية إلى تنظير لأجيال أخرى سبقت جيل الستينات. ونرى أن تلك القضية ماكان لها أن تولى تلك الأهمية التي أوليت لها لأنها لم تستخدم في مجال نظرية الأدب للكشف عن سمات فنية عند شعراء محددين، وإنما ظلت تدور في مساحة من مساحات تاريخ الأدب، وإن زعم نقاد وأدباء أنهم يدورون في مجال آخر غير مجال ذلك التاريخ. ولأن تلك القضية ارتبطت بتاريخ معاصر قريب، فقد حملت معها أسوأ ما يمكن أن ينتجه بحث تاريخي قريب من زمن الأحداث المبحوثة، ونعني به فقدان الموضوعية والتعامل مع الحدث بانفعال وبقلة رويّة. وكان يمكن للنقد أن يفيد من وجود ظاهرة الأجيال الشعرية على نحو آخر، فيقوم بدراسة قصائد الشعراء عند كل جيل، دراسة فنية يستخلص منها السمات المشتركة، ولربما قام نقاد آخرون بدراسات مقارنة لقصائد أجيال متباينة، ولو أفاد النقد من تلك الظاهرة على النحو الذي أشرنا إليه لكان قد وفّر للباحثين دراسات لا غنى عنها، تجنبنا المزالق التي أنجرّ إليها النقاد ومنها: فقدان الموضوعية واطلاق الأحكام بلا أدلة ولا براهين. "2" الحداثــــــة كان يؤمل لقضية الأجيال الشعرية أن تثير، على المستوى النظري، عدداً من الأفكار المتعلقة بتطور المفاهيم النقدية بين جيل وآخر، ومن هذه المفاهيم مفهوم الحداثة، لأن الأجيال الشعرية، على افتراض تباين الواحد منها عن الآخر في التفاصيل تشترك مع غيرها في أنها تنضوي تحت لواء حركة التجديد التي ظهرت في العراق على يد السياب ونازك الملائكة على نحو خاص. ولكنّ أياً من الجيلين اللذين ظهرا لم يعرض في بداءات ظهوره مثل هذا المفهوم، صحيح أن البيان الشعري حاول تلمس طريقة جديدة للنظر إلى الأشياء تقوم على أساس النظر إلى ذات الشاعر عبر الاستبطان الحلمي وعلى أساس عدم تصوير الواقع تصويراً فوتوغرافياً، ولكننا لم نجد أية ملامح محددة للحداثة، باستثناء ذينك الملمحين المستخلصين من البيان الشعري. بيد أن الحداثة، أثيرت بعد ذلك، على نحو آخر، ربما بسبب إحساس النقاد والشعراء معاً بالأزمات النظرية التي أثارتها قضية التجديد الشعري نفسها، أو بسبب أن مفهوم الحداثة أخذ قدراً من الاهتمام في نظريات الأدب الموجودة في العالم، التي وصلت إلينا مترجمة من خلال عدد من الدراسات. بدءاً، قبل أن نعرض لمفهوم الحداثة كما جاء في الكتابات التنظيرية المنشورة في صحافة العراق، لا بد من تعرّف هذا المفهوم على ما جاء في نظرية الأدب في نسختها الغربية، لأن العالم المعاصر، بفضل وسائل الاتصال الحديثة، أصبح قرية صغيرة، لا بد من أن تؤثر الأفكار الموجودة في هذا الجانب في الأفكار الموجودة في ذلك الجانب، أو أنها تتلاقح وتتثاقف. أشار محرر كتاب: (الحداثة) إلى أن مفهوم (Moderaism) يتطور بتطور الزمن، فما كان حديثاً في السنة الماضية لا يكون حديثاً في هذه السنة، وأن الحداثة هي حالة (طازجة) من حالات الفكر الإنساني، وعلى الرغم من أنها قد استعملت من حين إلى آخر مرادفاً للرومانسية، فإن مبادئها الأساسية يمكن تلخيصها بالاقتحام والنفور من كل ما هو متواصل، ولذلك ترمي الحداثة إلى التجديد ودراسة النفس الإنسانية من الداخل معتمدة في ذلك على وسائل فنية حديثة(20)، وينتهيان إلى أن سبب عدّ الحداثة سمة بارزة من سمات الفنّ المعاصر في كونها خير ما يمثل الفوضى الحضارية والفكرية التي تعم حياتنا المعاصرة التي جاءت بعد الحرب العالمية الأولى، وأن الحداثة بعدئذ أدب التكنولوجيا، إنها الفن المتأتي من عدم الاعتراف بالأمور التقليدية ومن تحطيم تكامل الشخصية الفردية، الحداثة، إذن، فن التحديث، فن الابتعاد الصارم عن المجتمع.(21) وفي استقراء هنري لوفيغر مفهوم الحداثة في الفكر الغربي يتوصل إلى أن من المتفق عليه اليوم، أن (الموضة) و (الحديث) يختلطان على نحو لا يقبل الفصل تقريباً، وأنهما يتضمنان ما هو دائم وما هو مؤقت، ولذا يهاجم مفهوم (الحداثية) الذي يقوم على نوع من الإثارة والتضخيم الذاتيين، وينتج عن هذا إرهاب فكري وثقافي هو جزء من إرهاب أكثر شمولاً وعمومية.(22) نفهم من ذلك أن الحداثة مفهوم اصطلاحي لا يعني بالزمن، فهو لا يعني المعاصرة وأنه أطلق في الفكر الغربي على الحركات التحديثية التي أرادت مباينة ما هو سائد من مفاهيم تقليدية طبعت الفكر الغربي منذ عصر اليونان حتى العصر الحاضر، وإن هذا المفهوم شهد عصره الذهبي بعد التحولات الكبيرة التي شهدها العالم المعاصر نتيجة للحرب العالمية الأولى، أي بعد انهيار القيم والأفكار التي كانت سائدة آنذاك. كما نفهم أن الحداثة أخذت تُعنى بالجديد الذي يغاير القديم ولأن الجديد لا يمكن أن يكون ثابتاً إذ سيكف عند ذاك أن يكون جديداً، فقد اهتمت الحداثة بالتجدد الدائم، أي أنها تبحث عن المغايرة والتباين عما هو سائد. وقد أثيرت قضية الحداثة، في المقالات والدراسات النقدية المنشورة في الصحافة العراقية على نحو واسع خلال النصف الثاني من الثمانينات (العقد التاسع من هذا القرن) وتضمنت تلك المقالات والدراسات أسئلة تتعلق بهذا المفهوم، كما تضمنت مشاريع إجابات، وصرنا نقرأ ملاحظات عن الحداثة العربية والحداثة الغربية، كما صرنا نستمع إلى وجهات نظر متباينة إزاء هذا المفهوم. ومن تلك الأسئلة: هل ترتبط الحداثة بزمن معين؟ أي هل تعني المعاصرة أو أنها تعني التقويم النقدي للنصوص الشعرية؟ وهل يستمد هذا المفهوم دلالاته مما طرح في الغرب أم ينبغي أن تكون له دلالاته الخاصة المستمدة من واقعنا العربي؟ وكيف ننظر، على وفق هذا المفهوم، إلى محاولات الزهاوي والرصافي الدخول إلى العالم المعاصر وتقنياته الجديدة شعرياً؟ إلى غير ذلك من أسئلة وجهها الكتاب إلى أنفسهم وحاولوا الإجابة عنها. وقد عرض النقاد لمفهوم الحداثة من زاويتين، فمنهم من نظر إليها مفهوماً مستقلاً، فهي تتعلق بالتجديد الشعري وحده من غير أن تتعداه إلى مسارات فكرية وحياتية أخرى، ومنهم من نظر إليها على نحو شمولي، وأراد أن يتم تناول هذا المفهوم في إطار شمولي يُعنى بجوانب الحياة المعاصرة كلها: الفكر والاقتصاد والسياسة والفلسفة والعلوم والتقنيات الجديدة وما إلى ذلك من جوانب مختلفة. فقد ميّز مالك المطلبي بين الحداثة والتحديث، لأن الحداثة فيما يرى ذلك الناقد، ذاتية، وهي قديمة قدم أول نصّ شعري ومستمرة لا تنضب في حين أن التحديث لا يتكون إلاّ بشروط موضوعية، الحداثة شعر والتحديث علم، وعلى هذا يعترض المطلبي على من اشترط على الحداثة الشعرية أن تكون في إطار التحديث الشامل، بأن هذا الشرط غير علمي، ورأى المطلبي أن أهم ما يميّز الشعر أنه لا زمني، إذ إن كثيراً من نصوص الماضي تتفوق على نصوص المستقبل، وقد يحصل العكس، وهذا كله يؤكد لا زمنية الشعر، وعلى هذا يكون الأنموذج الشعري حداثوياً إذا عبّر عن تماسك نظامه الداخلي، وعلى هذا أيضاً نعثر على عدد من الحداثات الشعرية التي تبدو متغيرة في الصفات لكن جوهرها واحد وهذا الجوهر هو: خلق أبنية متفوقة، تخترق الحاجز الذي تحاول العادة الشعرية أن تبنيه.(23) إن المطلبي ينظر إلى الحداثة بوصفها مفهوماً مستقلاً ولذا يراها ذاتية تنبع من جوهر واحد هو البناء المتماسك الذي يخترق التقاليد، فهو لا يقصر الحداثة على الزمن الحاضر وإنما يمكن أن تمثل نصوص قديمة هذا المفهوم، وهو، إذن، لا يشترط المعاصرة الزمنية، لأن الحداثة لديه قديمة قدم أي نص اخترق الأعراف الشعرية القائمة في الماضي وفي الحاضر وفي المستقبل أيضاً. وفي تفريقه بين التحديث والحداثة يضع المطلبي أمامنا حلاً لمشكلة من المشاكل المعاصرة في أدبنا الحديث وهو كيف نفرّق بين نصّ شعري يحشر فيه مؤلفه أسماء الآلات الحديثة والتقنيات المعاصرة والأسماء الدالة على زمنها، ونص آخر نتبين جدته من غير إعلان عن زمن هذا النصّ وعصره، أي أنه يقترح لنا سبيلاً لدراسة الحداثة الشعرية بمعزل عن العوامل الموضوعية والظروف الخارجية المحيطة بالنصوص، والناقد هنا متسق مع أساسه المنهجي الذي يسير على هديه: الاتجاه إلى داخل النّص والابتعاد عن سياقاته الخارجية. وعلى هذا الأساس حكم على الزهاوي بأنه كان: "واقعاً بين الحداثة والتحديث... لقد كان وعي الزهاوي حاداً... غير أن خطأه يكمن في عدم إحالة التحديث إلى الحداثة... وهكذا يطفئ كثير من الشعراء نار الشعر بارتكاب خطأ رئيس: وهو عدم الانتماء للشعر، والانتماء إلى الموضوع حسب". إذا كان مالك المطلبي قد نظر إلى الحداثة بوصفها ذاتية بعيدة عن محدداتها الخارجية، يبدو علي جعفر العلاق(24) على النقيض من هذه الرؤية، فهو يعتقد أن الحداثة موقف لا يمكن تجزئته فهي رؤية شاملة للحياة، وأن الحداثة العربية، على نحو عام، لم تكن، كما أنها لم تصبح، بعد، جزءاً من تيار شامل للحداثة، ولذا يقرر أن القصيدة العربية بسبب هذه النظرة الأحادية تفتقد الجذر الأرضي العميق، وظلت نتيجة لتخلف بعض مستويات الحياة قاصرة عن أداء دورها وزيادة فاعليتها.(25) ونرى أن تطور جانب معين من جوانب الحياة: التقدم التقني مثلاً قد يصدق عليه حكم العلاق بأننا ينبغي أن ننظر إليه في إطاره الشمولي، غير أننا في حكمنا على الشعر الذي هو نتاج إبداع فردي، قد يجانبنا الصواب، إن ربطنا حداثته بتطور جوانب الحياة المختلفة، لأن القفزات التي عرفناها في تاريخ الشعر العربي لم ترتبط بتلك الرؤية الشمولية لجوانب الحياة المختلفة كما يراها العلاق، وأقرب قفزة شعرية في تاريخ الشعر العربي الحديث هي ثورة رواد قصيدة التفعيلة على الموروث الشعري التي لم تكن جزءاً من عملية حداثة شاملة شهدها المجتمع في العراق والوطن العربي، على العكس من ذلك فإن تلك الثورة قد ترافقت مع حقبة نكوص في الحياة: استمرار التبعية السياسية للاستعمار واغتصاب فلسطين. لم يكتف النقاد والشعراء الذين ناقشوا قضية الحداثة بالنظر إليها من الزاويتين المشار إليهما: نعني النظر إلى الحداثة مفهوماً مستقلاً عن كل ما عداه، والنظر إليها في إطارها الشمولي الذي لا يقبل تجزئتها عن جوانب الحياة الأخرى، وإنما ناقشوها من جوانب أخرى، ومن تلك الجوانب: هل ينبغي تقييد مفهوم الحداثة أو الاعتراف بتجدده المستمر؟ وبمعنى آخر: هل يقف مفهوم الحداثة على نمط شعري جديد أو أنه مفهوم منفتح يتجاوز التحديد والتأطير؟ فرّق فاضل ثامر بين أنموذجين للحداثة: الأنموذج الذي أشاعه رواد قصيدة التفعلية في العراق وأنموذج مجلة شعر اللبنانية الصادرة عام 1957 ورأى أن قضية الحداثة تعرضت إلى الهجوم من جهتين متباينتين في الأهداف، الأولى: "من مواقع بعض السلفيين التقليديين الذين يحاولون تجميد حركة التجديد الشعري... والثانية من بعض أنصار الحداثة المتطرفين الذين يحاولون وضع حدود مفتوحة للحداثة بحيث تتحول الحداثة إلى قرين للمغايرة والتمرد والانفلات"(26). وقد حاول هذا الناقد تفنيد مزاعم النقاد الذين يرون أن حركة الحداثة الشعرية العربية قد دشنتها مجلة شعر اللبنانية، مدافعاً عن حركة التجديد التي بدأ بها رواد قصيدة التفعيلة، لأن حركة الرواد، فيما يرى فاضل ثامر، كانت منعطفاً ثورياً حاسماً وجسوراً في مسيرة الشعر العربي، وكانت محاولات الرواد العراقيين ذات طبيعة شمولية شملت البناء الموسيقي والإيقاعي للقصيدة العربية، كما شملت المستويات المعنوية والفنية الأخرى كافة، معترضاً على حداثة مجلة شعر اللبنانية التي تختزل المشروع الحداثي الشعري إلى همّ شكلاني معزول عن المستويات الوظيفية والدلالية، وهذا يؤدي، فيما يرى الناقد، إلى موقف رؤيوي وفلسفي سلبي يرفض التفاعل مع الواقع الاجتماعي والإنساني وإن مثل هذا الموقف مستعار كلياً من تجربة بعض اتجاهات حركة الحداثة الأوربية. يلاحظ أن موقف فاضل ثامر، هنا، يحدد الحداثة ليس بإطارها الزمني، ولكنه يؤطرها في تجربة حداثية محددة هي تجربة رواد قصيدة التفعيلة، وعلى هذا يعترض على دعوات الحداثة التي تقع خارج ذلك الإطار، وهو بذلك يقف بحركة التطور والتجدد عند حدّ معيّن لا يسمح بتجاوزه، فكأنه يصنع نفسه مع من وصفهم بأنهم تقليديون وسلفيون يحاولون تجميد حركة التجديد الشعري، وهو في ذلك ينطلق من روح منهجه السياقي الذي اختاره في بداءاته النقدية، لأنه ربط فكرة الحداثة بفكرة التفاعل مع الواقع الاجتماعي والإنساني. ولا يبتعد خيري منصور كثيراً عن موقف فاضل ثامر إذ يرى أن: "الحداثة لا تتأسس على فراغ... وإنها ليست انبثاقاً جمالياً خالصاً... لقد اطفأت شموع قصيدة النثر هذا الشكل الشعري الذي كان الأكثر حماسة في التبشير بالحداثة".(27) إن خيري منصور، هنا، لا يتبنى حداثة مجلة الشعر التي كانت الدعوة إلى قصيدة النثر من بعض مهماتها، وموقفه ذلك يوضحه نص آخر يرى فيه أن ما لايسوّغ تاريخياً هو التسليم بأن: "الحداثة الراهنة كما يقدمها النموذج العربي المكرس والمتبني من قبل مجلات الحداثة ودعاتها هي حداثة عربية بالمعنى الدقيق"(28). وإذا ما التزمنا بفهم الحداثة على أنها التجدد الدائم المستمر ومحاولة ارتياد آفاق جديدة، فلن يمكننا أن نرى في مواقف النقاد الذين يقصرون الحداثة على مجموعة من الشعراء أو جيل أدبي محدد، موقفاً منسجماً مع المنطق النقدي السليم، لأن ذلك قد يقود إلى (قاعدية) جديدة و (ثبات) لمعنى الحداثة عند حدود ضيقة، وهذا ما لاترتضيه الحداثة لنفسها. على عكس فاضل ثامر وخيري منصور اللذين استنتجنا من نصوصهما أنهما يقفان بالحداثة عند نمط شعري محدد هو النمط الذي أشاعه رواد قصيدة التفعيلة في العراق، يقف علي جعفر العلاق موقفاً آخر، فهو يقرر أن الإنجاز الرئيس لرواد قصيدة التفعيلة كان، في الغالب إنجازاً عروضياً في بدايته، ولم ينعكس ذلك على مستوى المضمون والموقف الشعري إلاّ لاحقاً، أما مجلة شعر اللبنانية فكان لها دور بارز في تأكيد حداثة القصيدة مفهوماً وممارسة والانتقال بحركة الحداثة إلى أفق جديدة مختلف.(29) إنه هنا يرجح كفة دور مجلة شعر التحديثي دون أن يغض من قيمة ما أنجزه رواد قصيدة التفعيلة، ولكنه حين يتحدث عن واقع الشعر العربي اليوم يرى: "إن حداثة القصيدة العربية تكاد تكون حداثة مغشوشة.... وإن الكثير مما يكتب اليوم محسوباً على حداثة الشعر يكاد يكون مبعث ضجر واحساس بالخيبة... هذا الكثير المحسوب على الحداثة يمكن أن يندرج تحت وهم الحداثة لا الحداثة نفسها". بيد أن العلاق يكتفي بإطلاق الأحكام من غير أن يحدد لنا تحديداً دقيقاً هذا الكثير الذي يندرج تحت وهم الحداثة، وسبب هذه الأحكام غير المسببة يعود، فيما نرى، إلى أن الناقد يخلط في تناوله هذا بين حقلين من حقول الدراسة الأدبية: نظرية الأدب والنقد الأدبي، فإذا كان النقد الأدبي معنياً في أحد جوانبه بالتقويم، تعنى بنظرية الأدب بمبادئ الأدب وأصنافه ومعاييره، والعلاق في تناوله موضوع الحداثة كان منظراً، أما في إطلاقه الحكم على نصوص غير معينة فكان ناقداً معيارياً. يتضح لدينا فيما سبق، أن المقالات النقدية التي ناقشت موضوع الحداثة اتسمت بأنها عالجت ذلك الموضوع من زاويتين متباينتين: زاوية كون الحداثة مفهوماً ذاتياً يتعلق بالنص الشعري، وزاوية كونها مفهوماً لا يمكن تناوله إلا في إطار عام وشامل، وأن عدداً من تلك المقالات اعترضت على أمثلة معينة من الحداثة بزعم أن هذه الأمثلة تستمد معطياتها من مفهوم الحداثة الغربية، ولكنها في الوقت نفسه لم تتمكن من تقديم مفهوم عربي خاص بالحداثة، على وفق ما تطمح إلى ذلك. "3" قصيدة النثر في مناقشات النقاد قضية الحداثة، لاحظنا تمييز قسم من المقالات بين أنموذجين للحداثة: أنموذج قصيدة التفعيلة كما استقرت عند الرواد ومن شايعهم من بعدهم، وأنموذج مجلة شعر اللبنانية، ولاحظنا تباين قسم من النقاد في النظر إلى ذينك الأنموذجين، فمنهم من يميل إلى الحداثة كما عبّر عنها الأنموذج الأول، ومنهم من يتوسع من تطوير المفهوم ليجعله يتضمن الأنموذج الثاني الذي كان من أبرز سماته تشجيع قصيدة النثر. وقصيدة النثر مصطلح ظهر أول ما ظهر فيما يبدو في مقالة لأدونيس نشرها عام 1960 في مجلة شعر اللبنانية، على مايشير إلى ذلك سامي مهدي(30)، وهذا المصطلح مستقى من كتاب صدر بالفرنسية لمؤلفته الكاتبة الفرنسية سوزان برنار عنوانه (قصيدة النثر من بودلير حتى أيامنا) وصدرت طبعته الأولى عام 1959، واعترف أدونيس نفسه باعتماده في إطلاق هذا المصطلح على كتاب سوزان برنار.(31) تقوم قصيدة النثر كما قررت ذلك سوزان برنار على اتحاد المتناقضات، ليس في شكلها، حسب، بل في جوهرها أيضاً: نثر وشعر، حرية وصرامة، فوضوية مدمرة وفن منظم، وأنها تهرب من التراكيب البلاغية والسمات المنطقية المفخمة والأسلوب المتواتر، فضلاً عن اعتمادها الدعابة، ولا سيما ذلك النوع المسمى الدعابة السوداء، ومن صفاتها الرئيسة: الوحدة والتركيز.(32) وعلى هذا، تتضمن قصيدة النثر حدين متباينين: قوة فوضوية مدمرة تميل إلى رفض الأشكال الموجودة، وقوة منظمة تميل إلى بناء وحدة شاعرية، ومن سمات تلك الفوضوية أنها لا تخضع لعادات الفكر المنطقي ولا تخضع لعادات اللغة.(33) وقرر سامي مهدي أن التنظير لقصيدة النثر في اللغة العربية لم يخرج عن إطار ما كتبه ادونيس عام 1960 في مقالة عنوانها (في قصيدة النثر) نشرتها له مجلة شعر، وما كتبه أنسي الحاج في مقدمة مجموعته الشعرية (لن) الصادرة في عام 1960 أيضاً، وأن تينك المقالتين: "قد اعتمدتا في أهم ما جاءتا به حول قصيدة النثر، إن لم يكن جميعه، على كتاب: قصيدة النثر من بودلير إلى أيامنا لسوزان برنار".(34) ولا يعنينا الخوض في تفصيلات هذا الأمر الذي قرره سامي مهدي، لأن ذلك ليس من أهداف هذا الكتاب، غير أنه يعنينا أن نشير إلى أنّ تعرّف قصيدة النثر في العراق، بدأ جدياً، إبان الحقبة التي نشط فيها شعراء الستينات، ربما تأثرا بالمحاولات المماثلة التي أشاعتها مجلة (شعر) اللبنانية، ومن شعراء الستينات الذين كتبوا هذا النمط الأدبي: سركون بولص، وحميد المطبعي، ومؤيد الراوي، وصلاح فايق، وكان لمجلة (الكلمة) التي صدرت في العراق عام 1968 دور في التبشير بقصيدة النثر، لأن صاحبها ومدير تحريرها: (حميد المطبعي) كان يكتب في هذا النمط. ووصف سامي مهدي تلك المحاولات التي شهدها العراق آنذاك: "بأنها محاولات محدودة... وقد تأثرت هذه المحاولات بالأفكار والنماذج التي طرحتها مجلة شعر تأثراً مباشراً، فكانت تابعاً من توابعها"(35). تتضح في المقالات النقدية المنشورة في الصحافة العراقية رؤيتان متباينتان إلى هذه القضية النقدية، تتلخص الرؤية الأولى في تحبيذ قصيدة النثر والنظر إليها على أنها نمط شعري وإن خلت من الوزن الذي هو عنصر خارجي عن القصيدة، وتتلخص الرؤية الثانية في عدم تحبيذ هذا النمط وتوجيه ملاحظات نقدية إليه. ويعد حاتم الصكر واحداً ممن ينتمون إلى الرؤية الأولى المحبذة لقصيدة النثر، وفي الوقت الذي يرى أن واحداً من أخطاء كتّاب قصيدة النثر: "أنهم لا يترددون في نعتها بأنها قصيدة المستقبل مما يوحي بأنها تنفي الأشكال الشعرية السائدة"(36) لا يتردد هو نفسه في إطلاق هذا النعت عليها إذ يقرر أن قصيدة النثر: "وعاء يصبّ فيه الشاعر أفكاره... وهو إذ يختار هذا الشكل فليعلم أنه اختار شكلاً مستقبلياً، بمعنى أنه قد لا يكون مفهوماً من معاصريه بالدرجة التي كان عليها السياب، لكنه سيكون مفهوماً وربما مقبولاً في المستقبل حين يتم نضج المتلقي". ونلاحظ أن الصكر لا يناقش قصيدة النثر في ذاتها مفهوماً ورؤية تنظيرية، بل يربط فهمها وتقبلها بنضج المتلقي في المستقبل، في حين أن المعروف: أن قصيدة النثر كما نعرف ذلك من أمثلتها المقبولة عربياً، قصيدة تضجّ بالمباشرة وأنها تقترب من اللغة المحكية فهي مفهومة واضحة وإن صدمت ذوق المتلقي أحياناً. بيد أنه لا ينسى في مناسبة أخرى أن يؤكد: "أن أبرز شروط قصيدة النثر هي الإيجاز والتوهج والمجانية وصولاً إلى إنتاج نوع مستقل لا هو بالنثر ولا هو بالشعر". ولم نجد في ملاحظات حاتم الصكر عن قصيدة النثر ما يضيف شيئاً جديداً في توضيح هذا المفهوم أو يغني نظرية الأدب في هذا الجانب وإنما اتسم تناوله هذه القضية بالسرعة، وهي السمة التي تفرضها الصحافة إجمالياً على الكتابات النقدية. وحاول محمد مبارك(37) أن يجد جذوراً لإيقاع قصيدة النثر في التراث العربي وليقرر بعدها: "ليس لأحد أن ينكر على المبدع البنية الإيقاعية التي يراها لآثاره الشعرية... من هنا اجرؤ على دعوة المعنيين بعروض فن القول الشعري إلى دراسة قصيدة النثر للوقوف على إيقاعاتها المتنوعة التي ربما أغنت اللغة بما لم تغنها الإيقاعات الرسمية حتى اليوم(38). ونرى أن إيجاد جذور تراثية لقصيدة النثر ليس بالأمر العسير إذا نظرنا إلى قصيدة النثر على أنها تمثل مغايرة إيقاعية حسب، وهذا ما نحسب أن الناقد قد توهمه، لأن خلو تلك القصيدة من الأوزان التقليدية ليس سمتها الوحيدة في مجالها الاصطلاحي المحدد لها، سواء في الأدب الفرنسي أو على ما جاء على يد منظريها في لبنان، وإنما لقصيدة النثر سمات أخرى تكمل شرط خلوها من الوزن التقليدي، وهذا مالم يتنبه إليه الناقد الذي دعا إلى الوقوف على إيقاعاتها المتنوعة، ولم نر ضرورة لاطلاق صفة (الرسمية) على الإيقاعات العربية التقليدية، لأن تلك الإيقاعات لم ترتبط بما هو رسمي. حاول علي العلاق أن يدافع عن قصيدة النثر أيضاً مؤكداً أن الوزن ليس شرطاً للشعر إذ الشعر ليس صياغة وزنية للتجربة بل رؤية للحياة والكون تختزل تجربة الشاعر الكيانية، ثم حاول أن يتحدث عن الإيقاع الذي هو بديل للوزن وهو إيقاع يتولد عن أرضية ومناخ جديدين ما عاد فيهما الوزن محكاً لشعرية القصيدة بل لتحديد النظم، ثم تحدث عن شعراء قصيدة النثر على نحو عام وقرر أن أدونيس شاعر من نمط خاص ذو تجربة بالغة الحيوية والتعقيد أما محمد الماغوط فقد كان أكثر شعراء قصيدة النثر جاذبية وصفاء ونبرة عميقة ومناخاً شعرياً مترابطاً.(39) بيد أنه في دفاعه عن هذا النمط الأدبي كان يقدم تنظيرات عامة وآراء تحتاج إلى أدلة وإثباتات، وإذا كنا نتفق معه في أن الوزن لا يؤلف شرط الشعر الوحيد لأن المنظومات العلمية وأفضل ما يمثلها الفية ابن مالك ليست شعراً، فإننا لا نرى في وصفه الشعر بأنه رؤية للحياة وصفاً يميزه من فنون القول، فهذه الرؤية موجودة في النصوص الفلسفية ونصوص شعر التفعيلة أيضاً، فهل تتميز قصيدة النثر وحدها بتلك الرؤية؟ ونحن، لا يمكن لنا أن نركن إلى أية أحكام مطلقة غير معللة كأحكام العلاق السابقة، لأنها غير مبنية على حيثيات توضح لنا أسس تلك الأحكام، وقد تجوز تلك الأحكام في مقابلة صحفية يتحدث فيها شاعر أو ناقد، ولكنها ليست مقبولة من ناقد يكتب دراسة نقدية، ولا سيما إذا كان ناقداً متخصصاً ملماً بأصول البحث العلمي. ويعلن مالك المطلبي انحيازه إلى قصيدة النثر بوصفها آخر أجنة الشعر حسب قوله ويفرق بين مصطلحين في هذا الصدد: مصطلح قصيدة النثر ومصطلح القصيدة النثرية: "من حيث أننا نتحدث في قصيدة النثر عن آخر أجنة الشعر، في حين نتحدث في القصيدة النثرية من قصيدة هبطت فيها درجة اتقاد الشعر"(40). ويورد مقارنة بين مفهومي القدامى والمحدثين في النظر إلى هذه القضية، لأن القدامى ينظرون إلى الوزن بوصفه العنصر الأساس للشعر فالقصيدة تبقى: "قصيدة وإن كانت ذات طابع نثري ولهذا أطلق عليها المنهج التقليدي: "الشعر المنظوم"، في حين أن النظر الحديث يفرّق بين الشعر والنثر على أساس آخر، ويتلخص هذا الأساس في أن: "الشعر الكامل هو الذي يعتمد على العناصر الصوتية والدلالية في آن واحد، أما النثر الكامل فهو الذي خلا من العنصرين الصوتي والدلالي، وتسأل سريعاً كيف يخلو النثر الكامل من عنصري اللغة وهو لغة، فيكون الجواب أن النثر ليس سوى الأفكار، إن اللغة النثرية هي التي تزول بوصول فكرتها وأحسن مثال لذلك اللغة العلمية". لقد أشار المطلبي في تلك المقالة أنه اعتمد على مقياس جان كوهين للتفريق بين الشعر والنثر، والحقيقة أن فضل المطلبي يقتصر على تطبيق هذا المقياس، ولم يتجاوزه إلى سواه، فمقالته بنيت على هذا الأساس أي التفريق بين الشعر والنثر وهو من المباحث التي سنناقشها في موضع آخر من هذا الكتاب، ولم يتعرض لقصيدة النثر مفهوماً اصطلاحياً ولم يبين لنا مزايا تلك القصيدة وإنما اكتفى بوصفها أنها آخر أجنة الشعر. وإذا كانت قصيدة النثر قد وجدت من يدافع عنها من النقاد، والشعراء فإنها لم تسلم ممن يزري بها وينظر إليها على أنها نوع من الأدب يقترب من الشعر ولكنه ليس نوعاً شعرياً، ومن هؤلاء النقاد عبد الجبار داود البصري الذي رأى أن الحديث عن: "شرعية قصيدة النثر حديث سابق لأوانه لأن الأنواع الشعرية والأجناس الأدبية بشكل عام لا تعتبر شرعية بقرار رسمي ولا بنظرية نقدية... وإذا كان الشعر المنثور قد وجد قبل أكثر من ستين عاماً فما زال يسير من سيء إلى أسوأ. من الواضح هنا أن البصري لا يفرق بين قصيدة النثر والشعر المنثور، فالشعر المنثور مصطلح أشاعه أمين الريحاني وبدأ يكتبه منذ عام 1907 وعرّفه الريحاني على أنه: "يدعى بالإفرنسية verse Libres وبالانجليزية Free verse - أي الشعر الحر الطليق- وهو آخر ما وصل إليه الإرتقاء الشعري عند الإفرنج"(42)". في حين أن مصطلح قصيدة النثر الذي أشاعه ممثلو مجلة شعر اللبنانية عام 1960 ترجمة للمصطلح الفرنسي poeme en prose . وإذا كان البصري قد رفض في تلك المقالة أن يمنح صفة الشرعية لقصيدة النثر فقد قبل أن يمنحها تلك الصفة في مقالة لاحقة ولكن بشروط إذ رأى: "إن قصيدة النثر مكسب من مكاسب النثر وأعلى مرحلة من مراحله... وإن المضاف ملك المضاف إليه مثل: قلم الأديب وقصة الحضارة ونخيل العراق الخ، وقياساً على هذا فإن القصيدة في هذه الصيغة ملك للنثر وليس العكس... وفي الختام أؤكد شرعية قصيدة النثر وشعرية قصيدة النثر وحداثة قصيدة النثر بشرط أن تفهم على أنها آخر صيحة من صيحات النثر وليس مرحلة من مراحل تطور الشعر"(43). يصرّ البصري، إذن، على أن قصيدة النثر ليست جنساً شعرياً أو جنساً مستقلاً عن النثر، بل أنها جنس نثري، ولا يقدم أية تسويغات لرأيه، ولا يفند مزاعم الآخرين ممن يخالفونه الرأي في ذلك وفي رأيه من الانطباعية ما لا يخفى، لأنه يبتعد عن التعليل وبيان الأسباب مكتفياً بالأحكام التي يقررها. بيد أن خليل خوري في مهاجمته قصيدة النثر يبدو موقفه أكثر تماسكاً من موقف البصري، إذ يقرر أن قصيدة النثر ليست حديثة الظهور في الأدب العربي وآداب الأمم الأخرى ويورد أمثلة كثيرة، منها ما يعود إلى سنة (192) ميلادية ويقرر أن أياً من تاريخ الآداب القديمة لم يحفل بقصيدة النثر لأنها كانت نشاطاً ضحل الأهمية قياساً إلى الشعر ويرجح أنها انحسرت في مرحلة ما من التاريخ لتكون مكرسة للتسابيح الدينية(44). ثم يهاجم قصيدة النثر بقوله: "إن الكلمات الطنانة والحجج التي تريد أن تمنح قصيدة النثر شرعية وجود ناجمة عن عقدة نقص نابعة من الإحساس، بل من اليقين، بدونيتها إزاء الشعر، وهي كلها في لغة علم النفس ضرب من التعويض، ويكفي أن نشير إلى أن الصفات والخواص التي تسبغ عليها مستعارة كلها من خواص الشعر والقصيدة الشعرية وصفاتها بدءاً باسمها: قصيدة وانتهاء بعبارات مثل: الموسيقى الداخلية واللغة والأخيلة والصور وما شابه". ويسأل عن تطور الأنواع الأدبية في تاريخ الأدب العربي بقوله: "ألا يجوز أن تكون المراحل التي سبق تجلي الشعر في ذراه الجاهلية قد عرفت قصيدة النثر من بين ما عرفته من أشكال ومحاولات أهملتها لاحقاً نظراً لبلوغ التطور الشكل الأكثر كمالاً في الشعر، وإن سجع الكهان بالذات هو أثر متقدم من آثارها؟ وهذا يكون الشعر لا قصيدة النثر ممثل المراحل المتقدمة من التطور، وأن العودة إلى قصيدة النثر دلالة تخلف، وأن الشعر هو عنوان التجاوز والابتكار لا العكس". ويحاول في حلقة ثانية من مقالته تقوية حججه في رفض قصيدة النثر بقوله: "ولنفرض على سبيل الجدل أن في قصيدة النثر موسيقا داخلية، أفليس من باب أولى أن يكون للقصيدة الشعرية موسيقا داخلية كذلك؟ وإن عامل الوزن يساعد على إبرازها... إذا كان الوزن على الرغم من ذلك كله مما ذكرنا من وظائف حيوية لا يصنع شعراً فمن باب أولى الاّ يتمكن اللاوزن في ما يسمى قصيدة النثر من أن يصنع شعراً". إن موقف خليل خوري المتماسك يبدو لنا في تلك الإحالات على تاريخ الأدب العربي والاستعانة بالنصوص النثرية الرفيعة التي اقتربت من الشعر ومحاولة محاججة المنافحين عن قصيدة النثر بحجج منطقية مبنية على منطقهم هم في الدفاع عن ذلك النمط الأدبي، وتهديم تلك الحجج، غير أنه، أيضاً، شأنه في ذلك شأن البصري لم يلتفت إلى مصطلح قصيدة النثر كما استقرّ عند مبتدعيه أو ناقليه أو مترجميه العرب، وإنما قصر مناقشته على فكرة مؤداها أن قصيدة النثر نصّ خال من الوزن، عازلاً إياها عما أحاط مفهومها الاصطلاحي من رؤى ومفاهيم مقترنة بها. وكان الأجدر به أن يناقشها ضمن ذلك الإطار المرجعي الأشمل ولا سيما في نطاق ظهورها الفرنسي، وهو الأقدر من غيره على ذلك، بحكم تمكنه من اللغة الفرنسية، ولو فعل ذلك لقدّم لنا رؤية أعم وأشمل يمكن أن تثرى نظرية الأدب العربية في هذا الجانب المحدد. يتبين لنا، مما سبق، أن النقاد الذين ناقشوا موضوع قصيدة النثر في مقالاتهم المنشورة في الصحافة العراقية، ظلوا في الأغلب الأعم بعيدين عن قضيتين جوهريتين: الأولى التفسير الموضوعي السليم لهذه الظاهرة التي شاعت في الأدب العربي المعاصر، والثانية اكتفاؤهم بتحديد إطار عام تنظيري يناقشون به تلك القضية من غير أن يعنوا بنصوص قصيدة النثر أو ينطلقوا منها في تلك المناقشات. وينطبق هذا الحكم الذي توصلنا إليه على النقاد في الفئتين المتباينتين: فئة النقاد الذين يدافعون عن قصيدة النثر، وفئة النقاد الذين يزرون بها ويخاصمونها. وقد نتج عن ذلك كله، أن تلك النصوص النقدية التي أشرنا إليها ظلت تلتزم، في الأعم الأغلب، بتقرير أحكام قاطعة، مع قصيدة النثر أو عليها، من غير أن تسعى إلى توثيق أسباب تلك الأحكام وبيان حيثياتها، وربما نجد من يسوغ ذلك بقوله أن طبيعة النشر في الصحافة اليومية تحدّ من إمكان الإحالة على المراجع والنصوص، ونقول لمن يقدم مثل تلك الذريعة، إن النشر لا يقف حائلاً دون تعليل الأحكام، ولا سيما أننا لاحظنا وجود مقالات نقدية طويلة نسبياً قد تأخذ حيّزاً كبيراً من حجم الصفحات الأدبية، كما لاحظنا وجود حلقات متسلسلة من دراسة واحدة في أكثر من صحيفة يومية. "4" الشــــعرية لعل واحداً من أسباب خلاف النقاد في نظرهم إلى قصيدة النثر متأت من تباين النظر إلى مفهوم (الشعرية) التي تعني من ضمن ما تعنيه الكشف عما يجعل الشعر شعراً، وهي قضية قديمة جديدة في نظرية الأدب، قديمة لأنها تمتد في عمقها التاريخي إلى أرسطو وكتابه: (فن الشعر) أو البويطيقا Poetics الذي كتب في القرن الرابع قبل الميلاد، وجديدة لأنها حظيت من النقاد المعاصرين باهتمام كبير، ولا سيما نقاد الاتجاهات النصية. وإذا كان واحداً من أهداف أرسطو التمييز بين: "أنواع الأدب المختلفة، ليبين الخصائص المشتركة بينها والمسائل التي يختص بها كل منها من دون الآخر(45)" فإن الشعرية هي الاسم الذي يعبّر عن الدراسة النظرية الكاشفة عن خصائص الفن الشعري، وموضوعها، على ما يرى ياكوبسن، يتلخص في الإجابة عن هذا السؤال: ما الذي يجعل من رسالة لفظية أثراً فنياً؟(46) لقد غدا موضوع الشعرية الموضوع الأثير لدى النقاد المعاصرين، فاهتموا به عارضين رؤاهم في هذا الموضوع، وألفوا الكتب التي تشرحه وتوضحه، وكان ياكوبسن الروسي من السباقين في هذا المجال، وينطلق في رؤيته للشعرية من نظرية الاتصال وعناصرها الستة: المرسل والمرسل إليه والرسالة والسياق والشفرة وقناة الاتصال، إذ يوجه المرسل رسالة إلى المرسل إليه، ولكي تكون الرسالة فاعلة فإنها تقتضي سياقاً تحيل عليه، كما تقتصي شفرة مشتركة بين المرسل والمرسل إليه، وتقتضي أيضاً قناة اتصال، ويولّد كل عنصر من العناصر الستة وظيفة لسانية مختلفة، وتعنى الشعرية بالوظيفة الأدبية التي تولدها الرسالة(47). ويخلص ياكوبسن إلى أن الشعرية هي: "ذلك الفرع من اللسانيات الذي يعالج الوظيفة الشعرية في علاقاتها مع الوظائف الأخرى للغة، وتهتم الشعرية بالمعنى الواسع للكلمة بالوظيفة الشعرية لا في الشعر فحسب، حيث تهيمن هذه الوظيفة على الوظائف الأخرى للغة، وإنما تهتم بها خارج الشعر، حيث تعطي الأولوية لهذه الوظيفة أو تلك على حساب الوظيفة الشعرية"(48). الشعرية، إذن، على وفق هذا المعنى، هي نظرية دراسة خصائص الأشكال الأدبية وهي بمعنى من المعاني نظرية الأدب نفسها، مما يعيدها تاريخياً إلى أرسطو، ولهذا يقدم لنا تودوروف وهو واحد من دعاة الشعرية الحديثة اعترافاً صريحاً بأن كتب الشعرية ابتداء من عصر النهضة ليست إلاّ "تعليقات على كتاب أرسطو في الشعرية"(49) لقد اهتم ياكوبسن، إذن، بالوظيفة المهيمنة وكان معياره اللساني الذي يتعرّف الوظيفة الشعرية من خلاله إسقاط مبدأ التماثل لمحور الاختيار على محور التأليف(50)، كما قرر تودوروف أن الشعرية علم يسعى إلى "معرفة القوانين التي تنظم ولادة كل عمل... وهي تبحث عن هذه القوانين داخل الأدب ذاته، وهذا العلم لا يُعنى بالأدب الحقيقي بل بالأدب الممكن(51)". وبما أن الشعرية تتعلق بدراسة خصائص الأعمال الأدبية، لم يقتصر الاهتمام بها على الشعر وحده، وإنما تعدى هذا الاهتمام إلى الفنون الأدبية الأخرى، ومن أبرز الدراسات التي عنيت بالأدب الروائي انطلاقاً من هذا الفهم دراسة باختين لشعرية دستويفسكي(52) التي عني فيها بالوظيفة الفنية لأفكار دستويفسكي وليس بأفكاره نفسها، من خلال كشفه عن تعددية الأصوات عند ذلك الروائي، إذ إن البناء الروائي لديه يقوم على تلك التعددية(53). أما جان كوهن فإن الشعرية لديه لا تختلف عما لدى سابقيه في كونها علماً يحتاج إلى البرهنة، ولكن يُعنى بصفة خاصة بـ (الانزياح) ويشرح هذا المفهوم عند تفريقه بين النثر والشعر بقوله: "المنهج المتبع في مسألة تمييزية لا يمكن إلا أن يكون منهجاً مقارناً، ويعني الأمر هنا مواجهة الشعر بالنثر، ولكون النثر هو اللغة الشائعة، يمكن أن نتحدث عن معيار يعتبر القصيدة انزياحاً عنه(54)". الانزياح يعني وجود تقليد شعري يحدده العرف العام، ويقتضي الشعر أن يكون انحرافاً وانزياحاً عن هذا التقليد الشعري، لذلك تبحث الشعرية عند جان كوهن في تميّز الأساليب، وهو يرى أن من الممكن تشخيص الأسلوب: "بخط مستقيم يمثل طرفاه قطبين، القطب النثري الخالي من الانزياح، والقطب الشعري الذي يصل فيه الانزياح إلى أقصى درجة، ويتوزع بينهما مختلف أنماط اللغة المستعملة فعلياً، وتقع القصيدة قرب الطرف الأقصى، كما تقع لغة العلماء، بدون شك قرب القطب الأخر، وليس الانزياح فيها منعدماً ولكنه يدنو من الصفر(55)". يتضحّ مما تقدم أنَّ الشعرية تعنى بدراسة الأدب من حيث خصائصه والكشف عن قوانينه، وهي بذلك اسم آخر لنظرية الأدب، غير أنها عند النقاد النصيين تمتاز بكونها تركّز على الرسالة اللغوية ولا توجّه اهتمامها إلى مؤلف الرسالة أو باثها، وأنها تتوسل لتحقيق أهدافها بوسائل العلم من حيث كونها تريد الابتعاد عن الأحكام الجاهزة والآراء الانطباعية. وأثيرت الشعرية في النقد العربي الحديث تسمية ومفهوماً تأثرا بنظريات الشعرية التي عرضها نقاد نصيّون في العالم، وحاول أدونيس التنظير لهذا الموضوع في كتابه: (الشعرية العربية) وكذلك فعل كمال أبوديب في كتابه: (في الشعرية)(56) بعد أن لخّص عبد الله الغذامي في كتابه: الخطيئة والتكفير آراء معظم النقاد الغربيين المتعلقة بهذا الموضوع، واختار (مصطلح) الشاعرية ليقوم: "في نفس العربي مقام Poeties في نفس الغربي"(57) ولم نجد مسوّغا لاختيار مصطلح (الشاعرية) الذي ارتضاه الغذامي لأن الذهن ينصرف حتماً إلى مدلول صفة الشعر عند الشاعر وحده، وهذا يقود إلى لبس كبير يحول دون الاتفاق على تسمية واحدة لمدلول اصطلاحي محدد. لم تخرج المقالات النقدية لمنشورة في الصحافة العراقية في تناولها مفهوم الشعرية عن هذا المنحى الذي أشرنا إليه عند النقاد المعاصرين في العالم، وربما كانت في بعض جوانبها تلخيصاً سريعاً لآراء النقاد المشار إليهم، وإذا كان بعض الموضوعات السابقة التي ناقشها النقاد، يحمل مزاعم التفرد والبحث عن الخصوصية، فإننا لم نلاحظ مثل هذا الزعم في تناول النقاد موضوع الشعرية. إذا كانت الشعرية في واحد من جوانبها تسعى إلى الكشف عن شعرية الشعر بوسائلها الخاصة، فإن مالك المطلبي لا يبين لنا ذلك في مقالته المعنونة: (الشعرية) وإنما يدور حول الموضوع مكتفياً بالقول: "تطور الشعر إلى الشعرية ليحصل الافتراق النهائي بين الإبداع والمتشبهات به... وإن الشعرية مزقت العباءة الخيمة وتركت الأبناء يقررون مصيرهم بدون مساعدة(58)". ثم يبين لنا خصيصة من خصائص الشعرية وهي أنها: "تقترح دائماً قراءة أخرى للنص... أي أنها تعيد إنتاج النص بوساطة القراءة وليس بوساطة القارئ... وفي هذه القراءة لا يقترح القارئ فهما للنّص بل يقترح نصاً للنص". والحقيقة أن الشعرية ليس من مهماتها إعادة إنتاج النص بوساطة القراءة لأن التأويل ليس من مهماتها، ويبدو أن المطلبي خلط بين مفهومين، مفهوم القراءة كما هو عند نقاد ما بعد البنائية ومفهوم الشعرية كما حدده دعاتها بأنه علم الأدب أو نظرية الأدب، على العكس من ذلك يمكن أن نلاحظ أن أقطاب الشعرية كانوا يرون أن الشعرية لا تعنى بالنصوص وإنما تعنى بالأدب كله، إذ يقرر تودوروف: "إن الخطاب النظري حول الأدب لا ينصبّ على الأعمال الأدبية ولكن بالضبط على الأدب(59)" ويؤكد في موضع آخر "أن هذا العلم (يعني الشعرية) لا يعنى بالأدب الحقيقي بل بالأدب الممكن".(60) وحاول حاتم الصكر أن يصوغ أسئلة ومقترحات تتعلق بمفهوم الشعرية من خلال حديثه عن الأجناس الأدبية إذ يرى: "أن الأجناس الأدبية ظلت سداً أمام نشوء تشخيص جمالي جديد للشعرية بفعل روح التقليد وهيمنة الأنواع الكبرى على المنجزات النصية تبعاً لهيمنة الموضوعات الكبرى وما قصيده الأدب الكلاسيكي من مآثر خالدة، كان امتحان براعة الأجيال التالية متلخصة في القدرة على محاكاتها أو إحيائها أي أن الشعرية لم تكن إلاّ شعرية النموذج ذي السطوة الخرافية"(61). وتوصل إلى أنه مع الاتجاه إلى الحداثة دبت الحياة في النصوص ذاتها لتخلق حياتها هي ولا تكتفي بالأمانة للماضي، وتبع ذلك ما دعي في نظرية الأدب لوحدة الفنون وزوال الحدود بين الأجناس الأدبية، فصار السؤال عن شعرية النص قائماً ويستعرض الصكر في هذا السياق الفهم الرومانسي لربط الأدب بذات المبدع، ثم الثورة النصية التي أقصت ذات المؤلف ليكون النص محور الشعرية، وعرض بعد ذلك للعصر الثالث الذي فسر الظاهرة الأدبية بأنها جدل بين النص والقارئ حيث تكشف القراءة الوظيفة الجمالية للنصوص. لم نجد في مقالة حاتم الصكر إلا عرضاً تاريخياً لتطور السلطات التي تواترت للهيمنة على الأدب: سلطة الأنموذج الكلاسي وسلطة المؤلف عند الرومانسيين وسلطة النص عند البنائيين وسلطة القراءة عند نقاد ما بعد البنائية، وهو في تلك المقالة لم يتجاوز مهمة العرض التاريخي السريع، غير أنه في الجزء الثاني من تلك المقالة حاول أن يصوغ أسئلة في التنظير لمفهوم الشعرية: "هل تنبع شعرية من داخله فقط، داخل بنيته؟ أو من تجسداته في وعي قارئه المتسلل إلى وعي كاتبه أيضاً؟ "غير أن هذه الأسئلة لا تتعلق بفهم محدد للشعرية بل هي تتعلق بمناقشة كتاب أبي ديب (في الشعرية). ويعود حاتم الصكر مرة أخرى إلى موضوع الشعرية عارضاً فكرة شعرية القراءة، مقرراً أن القراءة تعني إنتاج البنى والاستجابة لها: "من هنا نشأ القول بعدم وجود نصّ نهائي أو قراءة نهائية للنص، أن هناك عدة قراءات للنص الواحد تبعاً للقول بعدم وجود معنى واحد له وهذا هو سر دوام الشعر وفعاليته، مما يفترض إعادة خلقه مجدداً من طرف القارئ... يقوم القارئ بإحالة شفرة النصّ إلى شفرة القراءة وتبدو الشعرية في المسافة الحاصلة بينهما(62)". في المرات الأخرى التي ناقش فيها حاتم الصكر مفهوم شعرية القراءة لا يخرج كثيراً من دلالات هذا النص السابق ويبدو الناقد مسوقاً برغبة لا تقاوم للتنظير لـ (فعل القراءة) الذي لاحظنا من قبل أنه يسم كتابات نقاد ما بعد البنائية من أمثال: جوليا كرستيفا ودريدا ورولان بارت في حقبة اعتراضاته على المنهج البنائي وغيرهم. وحاتم الصكر في تأكيده شعرية القراءة لا يتوصل إلى فهم نظري محدد للشعرية باستثناء تقريره أن الشعرية تبدو في المسافة الحاصلة بين شفرة النص وشفرة القراءة، وسؤاله عن الزعم: "بوجود شعرية ما للقراءة كما قلنا بوجودها للكتابة؟ "غير أننا ندرك أن ذلك التعريف وهذا الزعم لا يوصلان إلى موقف متفرد في النظر إلى مفهوم الشعرية، لأن المقدمات التي ساقها الصكر نفسه تقود إلى الاعتراف بمصدر التسمية الذي يقترحه: وهو نظريات القراءة من نقاد ما بعد البنائية، فضلاً عن أن تلك القراءة يمكن أن تدخل في (المتن النقدي) وليس في متن (نظرية الأدب) التي رأينا أن الشعرية، على ما حدده ذلك أقطابها تقع ضمنها بوصفها علماً للأدب. أما طراد الكبيسي فقد نشر ست مقالات(63) موضوعها (الشعرية) عرض فيها مفهوم الشعرية لدى عدد من المؤلفين الأجانب والعرب منهم: كمال أبو ديب وتودوروف وياكوبسن وأدونيس وجان كوهن، وأشار في الحلقة الأولى من المقالات الست إلى أنه سيحاول: "استبصار مفهوم الشعرية حسب مؤلفي الكتب المذكورة... على أن نتبعه بقسم ثان، نقترحه كمفهوم للشعرية العربية مؤسس في ضوء نظرية الشعر العربية، وذلك بالعودة إلى الجذور الأقدم، التي لا نشك أنها ستوضح لنا الكثير من مفهوم الشعرية"(64). بيد أنه اكتفى في تلك المقالات بعرض آراء مؤلفي تلك الكتب مع توجيه ملاحظات جزئية إلى قسم من أفكار اثنين من المؤلفين العرب هما: أدونيس وشربل داغر، ولم يشفع ذلك العرض بالقسم الذي وعدنا به، ليتسنى لنا تقديم صورة عن مفهومه للشعرية. ونشر عبد الجبار البصري، هو أيضاً مقالتين، في موضوع الشعرية الأولى عنوانها: (شعرية الانزياح)(65) استعرض فيها آراء جان كوهن في نظرية الانزياح وأنواع الانزياحات التي تحدث في اللغة، وهو لا يتجاوز في هذه المقالة كونه عارض كتب وليس ناقداً أو منظّراً لأنه اكتفى فيها ببيان أفكار كوهن التي ضمنها كتابه (بنية اللغة الشعرية) أما في مقالته الثانية فقد حاول أن يكون منظراً للشعرية العربية. يرى البصري أن: "الشعرية ليست تاريخ الشعر ولا تاريخ الشعراء... والشعرية ليست فن الشعر لأن فن الشعر يقبل القسمة على أجناس وأغراض... والشعرية ليست مفهوم الشعر ولا نظرية الشعر... إن الشعرية في ذاتها هي ما يجعل الشعر شعراً وما يسبغ على غير الشعر صفة الشعر ولعلها جوهره المطلق"(66). ثم يعمد بعد ذلك إلى استعراض تاريخ الشعر العربي كله بدءاً من المعلقات ومروراً بثورة أبي تمام وظهور الموشحات إلى ظهور ماسماه (الشعر الحر)، ليقرر أن كل نص من هذه النصوص يتميز عن غيره من ناحية وأنها جميعاً تشترك في ثوابت ترسبت من المرحلة الأولى في المراحل اللاحقة وصولاً إلى قصيدة الشعر الحر، من ناحية أخرى ويقرر أن تلك النصوص مجتمعة تؤكد وجود شعرية عربية تقوم على أربعة ثوابت هي: 1- الجرس الموسيقي أو الوزن، 2- اعتماد الخيال في بناء الصورة الشعرية، 3- وجود عاطفة غير اعتيادية، 4- وجود أسلوب خاص في بناء البيت الشعري. ويقول أخيراً أن وجود عنصر من هذه العناصر لا يجعل النص شعرياً وأن نقص عنصر من هذه العناصر اخلال بشعرية النص(67). والحقيقة أن البصري هنا يسعى إلى البحث عن مفهوم محدد للشعرية العربية يتميز به من الشعريات الأخرى الموجودة في العالم، ولكنه ينطلق من مسلمات معهودة في الدراسات الأدبية، والثوابت التي يتحدث عنها فيما لو صحت يمكن لها أن تفضي إلى تحديد تلك الشعرية التي يبحث عنها الناقد، ولكن أنى لذلك أن يتحقق في مقالة سريعة تستعرض تاريخ الشعر العربي كله بتلك العجالة وتتوصل إلى مفاهيم محددة ثابتة؟ إن الشعرية، كما رأينا، تدور في فلك البحث عن علم للشعر وهذا العلم لا يمكن أن يتحقق بغير أساليب علمية تقود إلى ذلك، فما الأسلوب العلمي الذي يحدد العاطفة ودرجة العاطفة مثلاً؟ ثم ألا تتوافر تلك العاطفة في شعر الأمم الأخرى غير العربية؟ وهذه الملاحظة نفسها تصدق على الخيال في بناء الصورة الشعرية وعلى الأسلوب الخاص فما الخيال المتفرد في الشعر العربي وكيف السبيل إلى كشف علمي عن الأسلوب العربي الخاص؟ هذه الأسئلة وغيرها يمكن أن تثار في وجه أية دعوة لكي تختبر مصداقيتها، وعلى هذا لا نرى في دعوة البصري إلى الشعرية العربية غير دعوة تمليها الحماسة ولا يحف بها العلم. بناء على ذلك، نرى أن المقالات النقدية التي ناقشت مفهوم الشعرية في الصحافة العراقية، كانت أما مقالات استعرضت مفاهيم وكتباً ألفت هنا وهناك، أو أنها أساءت فهم جوانب محددة من ذلك المفهوم الذي وصل إلينا في نظرية الأدب الغربية، أو أنها زعمت لنفسها أنها تبحث عن الفرادة والتميز في حين أنها تكرر أقوالاً وتنظيرات لنقاد عالميين دون أن تشير إليها. والمحاولة الوحيدة التي سعت إلى التفرد كانت محاولة حماسية تغلب عليها العاطفة ولا تتحكم بها روح العلم، ولهذا نرى أن البحث في نظرية نقدية عربية في الصحافة العراقية، بحث سابق لأوانه، لأن مجمل الآراء النظرية الموجودة في هذا السياق يتسم إما بالنقل الحرفي لما هو موجود من نظريات في العالم، وإما بالنظر البعيد عن الروح العلمية. "5" اللغــــــة إذا كانت الشعرية في بعض وجوهها تُعنى بتبيّن جوهر الشعر من خلال رصد الوقائع التي تفضي إلى تحقيق هذا المسعى، فقد وجدنا أن واحداً من الوقائع المرصودة في هذا الصدد هو التفريق بين لغة الشعر ولغة النثر، على أساس أن لغة الشعر يمكن أن تعرف بمقايستها بقسيمها الآخر: لغة النثر. وكان النقاد قد التفتوا إلى ثنائيتين ترددتا من خلال الإجابة عن هذا السؤال: هل اللغة في الشعر غاية أو وسيلة؟ فوجدنا تفريقاً بين المغزى الدلالي والمغزى التعبيري، ولغة النثر ولغة الشعر، واللغة التقريرية واللغة الإيحائية، واللغة العقلية واللغة الإنفعالية... الخ. وتلك التقسيمات الثنائية وإن اختلفت في المسميات تظل تدور حول ثنائية واحدة هي الناتجة عن النظر إلى الدلالة المعجمية للغة القصيدة في مقابل تطور الدلالات الناتجة عن الاستخدامات البلاغية، وقد اختزل جان كوهن تلك التسميات إلى تسميتين هما: "دلالة المطابقة ودلالة الإيحاء، إن وظيفة النثر هي المطابقة ووظيفة الشعر هي الإيحاء(68)". إن دلالة المطابقة تعني اللغة التقريرية كما وضعت في المعاجم اللغوية وتقترن بالعقل والمنطق كما تقترن بالنماذج الشعرية القديمة التي كانت وسيلة إلى الفهم والإفهام أكثر من ميلها إلى الإيحاء، في حين تقترن دلالة الإيحاء بكون اللغة في الشعر غاية قائمة بنفسها تعبّر عن الانفعال وتبحث عن المعاني المتجددة من خلال العلاقة بين الألفاظ. ناقش نقاد في مقالاتهم المنشورة في الصحافة اليومية العراقية قضية اللغة من هاتين الزاويتين، ولم نجد في المقالات موضوع البحث ما يحاول تغليب دلالة المطابقة أو يدعو إليها، لأن هناك رأياً نقدياً عاماً يميل إلى التجديد وإلى كل ماله علاقة بتطور الدلالات، ولا سيما إذا علمنا أن أغلب نقاد الشعر هم أنفسهم من الشعراء المجددين أو من النقاد الذين يميلون إلى الحداثة. نظر محمد صابر عبيد إلى اللغة في الشعر بوصفها غاية لا وسيلة، لأن أبرز ما تتسم به اللغة هو صدمة التلقي أو صدمة التوقّع القائمة على انتهاك عرين المدلولات العهدية وفك ارتباطاتها المعنوية الجاهزة، ويترتب على ذلك، فيما يرى عبيد أن: "المفردة في الشعر يجب أن لا تكون حاسمة في منحاها الدلالي لأن حسمها يعني رضوخها يعني استقرارها وثبوتها، وبالتالي انسحابها إلى قواعدها المعجمية وعزوفها عن المغامرة".(69) والحقيقة أن هذا النظر إلى المفردة لا يتسم بالدقة، فالمفردة وحدها تخضع للدلالة المعجمية، وعندما تدخل إلى النص الشعري تبقى محتفظة بوجودها وكينونتها ودلالتها الاصطلاحية، بيد أن وضعها في علاقة جديدة قد يغيّر من دلالة الجملة أو الصورة الشعرية، فلو نظرنا إلى بيت المتنبي: وكم من جبالٍ جبتُ تشهدُ أنني الجبالُ، وبحرٍ، شاهدٍ أنني البحرُ(70) للاحظنا أن مفردة (جبال) ومفردة (بحر) هما مفردتان تحملان دلالة المطابقة ولا تتجاوزان ذلك إلى غيرهما من معنى، في حين أن مفردتي (الجبال) و (البحر) لا تحملان تلك الدلالة المعجمية فهما تحملان دلالات إيحائية بفضل الإستعارة المتحققة، إذ استعار الشاعر من الجبال ما يفيد الرسوخ والثبات والصلابة، واستعار من البحر ما يفيد السعة والعمق والامتداد وما إلى ذلك من معان، وما كان لهاتين المفردتين أن تحملا تلك الدلالة الجديدة لولا ارتباطهما بمفردة (أنني) التي نقلتهما إلى دلالة مباينة لدلالة المطابقة الأولى. المفردة وحدها في المثال المذكور، هنا، حاسمة في معناها لو أخذت على نحو مستقل، ولكنها حينما اشتركت بعلاقة مع مفردة أخرى غامرت في تحويل دلالتها الأصلية، ونلاحظ أن مفردتي (الجبال) و (البحر) اللتين حققتا انزياحاً عن مدلولهما الاصطلاحي لم تحققا ذلك إلا بعد أن كونتا علاقة مع مفردتي (إنني) الموجودتين في ذلك البيت، وإلا بعد مقارنتهما بمفردتي (جبال) و (بحر) المتطابقتين مع الدلالة المعجمية. من هنا نرى عدم دقة التعبير الذي أطلقه محمد صابر عبيد في حكمه على المفردات داخل النص الشعري، ونلاحظ أيضاً أن ذلك الناقد ينطلق من معرفة ليست دقيقة للمناهج النصية التي يسير على هديها في فهمه للدلالة الإيحائية للمفردة، فهو يرى في نص آخر أن اللغة: "رفض لكل أشكال التحديد والمعقول والمنطق، أنها في حدود الفعل الشعري تشكيل لا منطقي لا معقول(71)". ونحن نعلم أن اللغة الشعرية ينبغي لها أن تكون لغة بعيدة عن روح التقليد، وإذا كان المعقول والمنطق من سمات اللغة التقريرية أي لغة المطابقة مع ما هو معجمي، فإن الابتعاد عن تلك المطابقة لا يعني اللجوء إلى اللامنطق واللامعقول، ولا يعني أيضاً رفض كل أشكال التحديد، لأن ذلك يقود إلى فوضى شاملة، لا نظن أن محمد صابر عبيد نفسه يرتضيها، ولا سيما أن نقاداً نصيين لهم وزنهم كانوا حذرين من الوقوع في مثل هذه الأحكام المطلقة. فقد سبق لجان كوهن أن حذر من هذا الخرق اللامنطقي لقواعد اللغة وذلك في شرحه قضية الأسلوب، إذ رأى أن الأسلوب انحراف عن المألوف، أي أنه خطأ ولكنه قرر أنه: "لا يكفي، فعلاً، خرق القواعد لكتابة القصيدة، أن الأسلوب خطأ، ولكن ليس كل خطأ أسلوباً، فقد كان شططاً من السريالية أنها كانت تراه أحياناً كذلك،.... إن جملة مثل: محارة السنغال ستأكل الخبز الثلاثي اللون، ليست شعرية إلا بقدر ما يقرر سلفاً خلطها بغير المعقول"(72). إن الحماسة للمناهج النقدية الحديثة لا ينبغي أن تقودنا إلى رؤى متمردة لا تتسق ووجهات تظر تلك المناهج نفسها، والحماسة تقود أحياناً إلى الفهم المعكوس لقضية من القضايا، وهذا ما نلاحظه على نص للناقد نفسه يحكم فيه على الشعر العربي القديم بقوله أن اللغة: "في النص الحديث يجب أن تؤدي المعنى بطريقة مختلفة مغايرة، لا تعتمد الرسالة الواحدة ذات الموجة الواحدة، كما في شعرنا القديم، بل مجموعة رسائل متلاحقة بأطوال موجية متباينة، ويجري الإرسال والإستلام حسب قوة وفاعلية وثقافة آليات المرسل والمستقبل"(73) ويمكن عدم الدقة في هذا النص، النظر إلى الشعر العربي القديم على أنه يعتمد الرسالة الواحدة ذات الموجة الواحدة، ولا ندري أي شعر عربي قديم يقصده أهو شعر ما قبل الإسلام؟ أم أنه الشعر الإسلامي أم العباسي أم غيره؟ وعلى افتراض أنه يقصد ذلك كله أو شعر عصر واحد منه فقط، نسأل هل الحكم على ذلك الشعر متأت من استقراء شامل له؟ نحن واثقون أنه لم يتأت عن استقراء شامل، ولكنه حكم إطلاقي ساقته الحماسة للحداثة فرفض كل قديم. ومع ذلك فلنتوقف عند رؤية المناهج النصية لتلك القضية، فكمال أبو ديب الذي درس (150) قصيدة جاهلية دراسة متقصية اعتماداً على المنهج البنائي قرر: أن الصورة في الشعر الجاهلي: "تبدو في كثير من تجلياتها مشحونة بطاقة انفعالية حادة(74). وإن تلك الصور تمتلك: "وظيفة تعبيرية، أولاً، وإيصالية، ثانياً، لكنها تمتلك فوق ذلك كله وظيفة رمزية"(75). ونحن نثق في النتائج التي توصل إليها أبو ديب لأنها مبنية على الاستقراء التحليلي لشعر ما قبل الإسلام. ثم علينا أن نناقش قضية منهجية فهمها محمد صابر عبيد فهماً معكوساً وهي: من الذي يكشف تعدد موجات الإرسال في النص الأدبي؟ أليس هو المتلقي الذي يقوم بتأويل الخطاب الأدبي؟ إن النص الأدبي، فيما يرى النقاد البنائيون بنية مغلقة، وعلى الناقد القائم بالتحليل أن يكشف تعدد الدلالات وليس للنص نفسه أن يقوم بذلك. ونظر علي جعفر العلاق إلى اللغة الشعرية من الزاوية نفسها التي نظر محمد صابر عبيد منها إلى اللغة: زاوية الحداثة فرأى: "إن جماليات اللغة الحديثة قد تقع في الطرف الآخر من جماليات الأداء الكلاسيكي... فالقصيدة الحديثة لا تشتق جمالها وفتوتها من الفخامة أو النعومة، بل تستمدها من حقل آخر حيث يكون التنافر واللاتناسق واللاتكامل واللانمو والقبح والانقطاع عناصر حية في جماليات جديدة لا عهد للشعر بها"(76). واستعرض العلاق في تلك المقالة ثلاثة اتجاهات لغوية في القصيدة الحديثة الأول: سعي القصيدة العربية إلى الاقتراب من اللغة اليومية والابتعاد عن الجهد الزخرفي الفخم الموروث من حقب الخمول الشعري الماضية، والثاني: الإمتثال للقوالب الجديدة التي أشاعها الشعر الحديث ويمتاز هذا الاتجاه بضعف المغامرة اللغوية، وشعراء هذا الاتجاه في أفضل مستوياتهم يشيدون قصائدهم من حجارة ينتزعون معظمها من أبنية شعرية أشد متانة وأكثر جمالاً، أما الاتجاه الثالث: فهو يقسو على لغة القصيدة ويمعن في إفراغها من شحنة الحياة الحسية الريانة، واتسم هذا الاتجاه بطغيان الصور المجردة والذهنية(77). إن العلاق في تلك المقالة يراوح بين التنظير للشعر، والرؤية التاريخية له، وإذا كان التنظر يُعنى بالأدب الممكن فإن العلاق في حديثه عن الاتجاهات الثلاثة عني بالأدب الحقيقي، ولكنه أدب حقيقي غير مسمى، أي أن رؤية العلاق كانت تحتاج إلى أن يسمي قصائد وشعراء لكي يكون استنتاجه مقبولاً، أما وقد اختار أن يبقى في الإطار العام غير المحدد، فمن الإجحاف أن نقره على أحكامه التي استخلصها. بيد أنه في حديثه عن جماليات اللغة الحديثة بقي في إطار التنظير للقصيدة حيث أراد أن يبين وجهة نظره الشخصية في ما يتعلق بلغة القصيدة، ووجهة النظر هذه مستمدة من منطلقات الحداثة التي شاعت في الغرب، إذ إن إشارته السابقة إلى: التنافر واللاتناسق واللاتكامل واللانمو والقبح والانقطاع من المقولات التي نادى بها شعراء الحداثة الغربيون ابتداء من بودلير ورامبو وفاليري وأراكون وثمة كثير من الإشارات إلى أساليب أولئك الشعراء التي تمتاز بالتنافر والتضاد والاغراب والقلق والتقطع وتحطيم النسق اللغوي وتكسير قواعده وإحلال التنافر والتعارض والغرابة محل التجانس والتناسق واللانظام(78). وواضح لنا، أن المسعى التنظيري الوحيد للعلاق استمد من مسعى نظري وتطبيقي دعا إليه شعراء الحداثة في الغرب، فوجهة نظره تلك لم تكن وجهة نظر شخصية، بل منقولة عن آخرين، وهي مشكلة مايزال النقد في العراق يعاني منها، على ما نرى. اهتمت المقالات النقدية المنشورة في الصحافة العراقية، إذن، باللغة الشعرية من زاوية نظر حداثية، تنظر إلى اللغة بوصفها لغة متجددة ثائرة على الأساليب القديمة، وعني قسم من المقالات بالصفة الإيحائية للغة، القائمة على الإبتعاد عن الدلالات المعجمية والبحث عن دلالات مبتكرة تقوم على قوة الإيحاء. بيد، أننا نرى، أن بحث هذا الموضوع كان سريعاً غير كاف، وهو يعبّر إما عن نقل آلي لآراء نقدية شائعة عند دعاة الحداثة في الغرب، وإما عن فهم غير دقيق لمعطيات المناهج النقدية المعاصرة الموجودة في العالم. هوامش الفصل الثاني (1) ينظر: فاضل العزاوي، سامي مهدي، فوزي كريم، خالد علي مصطفى: (البيان الشعري) مجلة شعر 69، العدد الأول، بغداد 1969. (2) خالد علي مصطفى: شاعر وناقد، ولد عام 1939 في قرية عين غزال، مدينة حيفا بفلسطين، جاء إلى العراق عام 1948. أصدر عدداً من المجموعات الشعرية هي: (موتى على لائحة الانتظار) النجف 1969. (سفر بين الينابيع) بغداد 1972. (البصرة- حيفا) بغداد 1975. (سورة الحب) بغداد 1980. (المعلقة الفلسطينية) بغداد 1989. (غزل في الجحيم) بغداد 1993. وأصدر كتابه النقدي (الشعر الفلسطيني الحديث) بغداد 1986، وهو في أصله أطروحة نال بها درجة الماجستير من قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة بغداد عام 1975، وله مقالات نقدية كثيرة منشورة في الصحف والمجلات العراقية. (3) ينظر: خالد علي مصطفى: (سبع ملاحظات في شعر الستينات)، الثورة، بغداد 6/2/1970. (4) حاتم الصكر: (أحكام المنهج وأوثان المصطلح)، الجمهورية بغداد 9/4/1987. المصدر نفسه. (5) خيري منصور: شاعر وناقد فلسطيني. له مجموعات شعرية هي: (غزلان الدم) بغداد 1981. ( لا مراثي للنائم الجميل) الكويت 1983. (ظلال) بغداد 1986. وله كتابان نقديان هما: (الكف والمخرز) بغداد 1984. (أبواب ومرايا، مقالات في حداثة الشعر) بغداد 1987. (6) خيري منصور: (غموض الفحم، غموض الماس)، الجمهورية، بغداد 2/3/1985. (7) كمال نشأت: شاعر وناقد، ولد في الإسكندرية (مصر) عام 1923، حصل على درجة الدكتوراه في الأدب الحديث، أقام في العراق مدة من الزمن، من مجموعاته الشعرية: (رياح وشموع)، (أنشودة الطريق)، (ماذا يقول الربيع؟)، ينظر في ذلك مصطفى بدوي: (مختارات من الشعر العربي الحديث)، بيروت 1969 ص258 ومن دراساته النقدية: (في النقد الأدبي، دراسة وتطبيق)، النجف 1970. (أبو شادي وحركة التجديد في الشعر العربي الحديث) القاهرة 1972. (النقد الأدبي الحديث في مصر، نشأته واتجاهاته) القاهرة د. ت. (8) كمال نشأت: (الشعر والأجيال)، الثورة، بغداد 27/12/1983. (9) مالك المطلبي: (المصطلح الوثني)، صحيفة الجمهورية، بغداد 3/3/1987. (10) ينظر: غزاي درع الطائي، خزعل الماجدي، عبد الحسين صنكور: (دعوة لكتابة القصيدة اليومية) مجلة الكلمة، العدد الخامس، بغداد 1974. (11) يوسف نمر ذياب: شاعر وناقد، ولد في هيت عام 1931، حصل على بكلوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب والعلوم، بغداد 1955-1956. أصدر مجموعته الشعرية (أباطيل) بغداد 1955. ومن كتبه النقدية (مسائل أدبية) النجف 1969. (كتب لم تصدر حديثاً) بغداد 1982. (في دائرة النقد الأدبي) بغداد 1987 وله الكثير من المقالات النقدية المنشورة في الصحف والمجلات العراقية. (12) يوسف نمر ذياب: (البيان الختامي لشعر السبعينات)، الجمهورية، بغداد 1/6/1981. (13) فاضل ثامر: (حوار الأجيال)، الجمهورية، بغداد 31/8/1983. (14) خزعل الماجدي: شاعر ولد عام 1951 في مدينة كركوك وأنهى دراسة الطب البيطري في جامعة بغداد عام 1974-1975، ونال درجة الماجستير في الطب البيطري ويقوم حالياً بالتحضير لنيل درجة الدكتوراه في تاريخ العلوم عند العرب. أصدر مجموعته الشعرية (يقظة دلمون). بغداد 1980. (أناشيد أسرافيل) بغداد 1984. (خزائيل) بغداد 1988. (عكازة رامبو) بغداد 1993. (أطلس شرقي) القاهرة 1994. (سفر سومر، إعادة كتابة الأساطير السومرية) بغداد 1990 وله عدد من الدراسات النقدية المنشورة في الصحافة. (15) خزعل الماجدي: (متحف السبعينيين)، القادسية، بغداد 13/2/1988. (16) عبد الجبار داود البصري: ناقد ولد في أبي الخصيب عام 1930. بدأ حياته الأدبية شاعراً وكاتب قصة، حاصل على البكلوريوس في القانون. من مؤلفاته النقدية: (بدر شاكر السياب رائد الشعر الحر) بغداد 1966. (القمح والعوسج) بغداد 1967. (شيء من التراث) بغداد 1968. (مقال في الشعر العراقي الحديث) بغداد 1968. (الأدب التكاملي) بغداد 1970 (نازك الملائكة، الشعر والنظرية) بغداد 1971. (رواد المقالة الأدبية في الأدب العراقي الحديث) بغداد 1975. (ساعات بين التراث والمعاصرة بغداد 1978. (17) ينظر: عبد الجبار البصري: (الأربعينات والأربعينيون)، الجمهورية بغداد 15/4/1987. (18) علي الحلي: شاعر ومترجم، ولد عام 1930 في النجف، ومن مجموعاته الشعرية: (إنسان الجزائر) 1958. (طعام المقصلة) 1962. (ثورة البعث) بيروت 1963. (غريب على الشاطئ) 1970. (أناشيد البعث) بغداد 1977. (مواسم العشق والرصاص) بغداد 1979. (المجموعة الشعرية الكاملة) بغداد 1987. ومن كتبه المترجمة: (أزاهير من الشعر العالمي) بغداد 1977. (جيمس جويس، مدخل تحليلي مقارن إلى عوالمه الداخلية، تأليف هارين ليفين) بغداد 1985. (دراسات نقدية معاصرة) بغداد 1986 وله مقالات نقدية منشورة في الصحف والمجلات. (19) علي الحلي: (مصطلح جيل الخمسينات)، القادسية، بغداد 5/11/1988. (20) ينظر: مالكم برادبيري وجيمس ماكفارلن، (الحداثة) ترجمة مؤيد حسن فوزي، دار المأمون للترجمة والنشر، بغداد 1987. ص21 وما بعدها. (21) ينظر: المصدر نفسه، ص 276 وما بعدها. (22) ينظر: هنري لوفيفر، (ما الحداثة) ترجمة كاظم جهاد، بيروت 1980، ص 37 وما بعدها. (23) ينظر: مالك المطلبي: (قدم الحداثة) الجمهورية بغداد 17/3/1987. (24) علي العلاق: شاعر وناقد، ولد في الكويت عام 1945. حاصل على درجة الدكتوراه في الأدب الحديث. أصدر عدداً من المجموعات الشعرية منها: (لا شيء يحدث لا أحد يجيء) بيروت 1973. (وطن لطيور الماء) بغداد 1975. (شجرة العائلة) بغداد 1979. (فاكهة الماضي) بغداد 1987. (أيام آدم) بغداد 1994. ومن دراساته النقدية: (مملكة الغجر) بغداد 1981. (دماء القصيدة الحديثة) بغداد 1989. (في حداثة النص الشعري) بغداد 1990. (25) ينظر: علي العلاق (حداثة الشعر حداثة الحياة)، الجمهورية بغداد 17/6/1987. (26) فاضل ثامر: (جوهر الحداثة)، الجمهورية، بغداد 11/10/1986. (27) خيري منصور: (تأملات في الحداثة)، الجمهورية، بغداد 9/11/1985. (28) المصدر نفسه. ويلاحظ الباحث أن نقد مفهوم الحداثة الذي نادت به مجلة شعر اللبنانية يأخذ حيزاً مهماً من اهتمام واحد من شعراء الستينات هو سامي مهدي الذي خصص كتاباً مستقلاً لمناقشة حداثة مجلة شعر: ينظر: سامي مهدي: (أفق الحداثة وحداثة النمط) بغداد 1988. (29) علي العلاق: (أسئلة الحداثة)، الجمهورية، بغداد 1/6/1987. (30) سامي مهدي: شاعر وناقد ومترجم، ولد عام 1940 في بغداد. له عدة مجموعات شعرية منها: (رماد الفجيعة) بغداد 1966، (أسفار الملك العاشق) بيروت 1971. (أسفار جديدة) بغداد 1976. (الأسئلة) بغداد 1979. (الزوال) بغداد 1981. (أوراق الزوال) 1985. وصدرت (أعماله الشعرية الكاملة من 1965-1985) بغداد 1985. (سعادة عوليس) بغداد 1987. (حنجرة طرية) بغداد 1993. ومن أبرز دراساته النقدية (أفق الحداثة وحداثة النمط) بغداد 1988. (الموجة الصاخبة) بغداد 1994. (31) ينظر سامي مهدي: أفق الحداثة وحداثة النمط، بغداد 1988 ص 85. وقد ترجم زهير مجيد مغامس فصلاً عن كتاب سوزان برنار بعنوان جمالية قصيدة النثر في كراسة طبعت في مطبعة الفنون بغداد .د.ت. ومصطلح قصيدة النثر مترجم عن المصطلح الفرنسي (Poeme en Prose ) تنظر: سوزان برنار ص3. (32) تنظر: سوزان برنار، ص6، وما بعدها. (33) ينظر: المصدر نفسه ص23-38. (34) سامي مهدي: (أفق الحداثة) ص86. (35) سامي مهدي: أفق الحداثة ص 123. (36) حاتم الصكر: (قصيدة النثر والشعر السائد)، الثورة، بغداد 9/6/1982. (37) محمد مبارك: ناقد ولد في الحلة عام 1939، حاصل على بكلوريوس اللغة الانكليزية جامعة بغداد من مؤلفاته: (الكندي فيلسوف العقل) بغداد 1971. (مواقف في والأدب والفكر) بيروت 1974. (دراسات نقدية في النظرية والتطبيق) بغداد (نظرات في التراث) بغداد 1986. (الوعي الشعري ومسار حركة المجتمع العربي بغداد 1993. (البياتي: وعي العصر والبنية الشعرية الحديثة) بغداد. (38) محمد مبارك: (قصيدة النثر)، القادسية، بغداد 19/6/1986. (39) علي العلاق: (إيقاع الشعر، إيقاع النثر)، الجمهورية، بغداد 13/9/1989. (40) مالك المطلبي: (قصيدة النثر)، الجمهورية، بغداد 12/4/1989. (41) عبد الجبار البصري: (ملف قصيدة النثر)، القادسية، بغداد 24/7/1986. (42) حسن أحمد الكبير (تطور القصيدة الغنائية في الشعر العربي الحديث) الكويت د.ت، ص 456. (43) عبد الجبار البصري: (قصيدة النثر)، الجمهورية، بغداد 11/11/1989. (44) ينظر: خليل خوري، (تأملات في قصيدة النثر)، صحيفة الجمهورية، بغداد 30/6/1990. (45) ديفيد ديتش: (مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق) ترجمة محمد يوسف نجم وإحسان عباس، بيروت 1967، ص 45. (46) ينظر: رومان ياكوبسن: قضايا الشعرية، ترجمة محمد الولي ومبارك حنون، الدار البيضاء 1988، ص24. (47) ينظر: المصدر نفسه، ص27، وما بعدها. (48) ياكوبسن: قضايا الشعرية، ص35. (49) تودوروف: الشعرية ص 23. (50) ينظر: ياكوبسن، قضايا الشعرية، ص33. ومحور التأليف يعني وجود علاقات بين الكلمات في تسلسلها يعتمد على خاصية اللغة الزمنية كخط مستقيم يستبعد فيه إمكان النطق بعنصرين في وقت واحد، أما محور الإختيار فيعني أننا لو أخذنا أية كلمة من محور التأليف لرأيناها تشير إلى كلمات أخرى بالإيحاء والتداعي خارج القول اللفظي، أي أن مكان كلمات الاختيار هو الذاكرة. ينظر في ذلك: فضل: (نظرية الخطيئة)، ص35 وما بعدها. (51) تودوروف: الشعرية ص23. (52) ترجمها: جميل نصيف التكريتي بمصطلح آخر هو: (قضايا الفن الإبداعي)، ينظر: م. ب باختين (قضايا الفن الإبداعي عند دستويفسكي) ترجمة جميل نصيف التكريتي بغداد 1986. وأعيد طبع هذه الترجمة في الدار البيضاء عام 1986 تحت عنوان جديد هو (شعرية دستويفسكي) ومهما اختلفت تسمية المصطلح تبقى دلالته واحدة. (53) ينظر: المصدر نفسه، ص111، ص387. (54) جان كوهن: بنية اللغة الشعرية، ترجمة محمد الولي ومحمد العمري، الدار البيضاء 1986، ص15. (55) جان كوهن: بنية اللغة الشعرية ص24. (56) صدر الأول منهما في بيروت عام 1985. وصدر الثاني في بيروت أيضاً عام 1987. (57) الغذامي: الخطيئة والتكفير، ص19. (58) مالك المطلبي: (الشعرية)، الجمهورية، بغداد 31/12/1987. (59) تودوروف: الشعرية ص11. (60) تودوروف: الشعرية ص23. (61) حاتم الصكر: (المتحقق والممكن، بحثاً عن عناصر الشعرية)، الجمهورية بغداد 1/9/1988. (62) حاتم الصكر: (حول شعرية القراءة، توقعات السؤال واحتمال الممكن): صحيفة الجمهورية بغداد 17/5/1990. (63) ينظر: طراد الكبيسي: (الشعرية)، الثورة، بغداد للأيام: 19/4/1989، 17/5/1989، 24/5/1989، 5/6/1989، 18/6/1989، 2/7/1989. (64) طراد الكبيسي: (الشعرية)، الثورة، بغداد 19/4/1989. (65) ينظر: البصري، (شعرية الانزياح)، الجمهورية، بغداد 26/12/1989. (66) البصري: (الشعرية العربية)، الجمهورية، بغداد 5/6/1990. (67) ينظر عبد الجبار البصري: (الشعرية العربية)، الجمهورية، بغداد 5/6/1990. (68) كوهن: بنية اللغة الشعرية، ص 196. (69) محمد صابر عبيد: (نص المعركة) القادسية، بغداد 21/4/1986. (70) عبد الرحمن البرقوقي: شرح ديوان المتنبي، ج2، بيروت د. ت، ص 256. (71) محمد صابر عبيد: (المفردة الشعرية)، الجمهورية، بغداد 5/2/1990.(72) كوهن: بنية اللغة الشعرية، ص 193. (73) محمد صابر عبيد: (المفردة الشعرية)، صحيفة الجمهورية، بغداد 5/2/1990. (74) كمال أبو ديب: (الرؤى المقنعة): نحو منهج بنيوي في دراسة الشعر الجاهلي)، القاهرة 1986 ص 646. (75) المصدر نفسه ص 658. (76) علي العلاق: (لغة القصيدة الحديثة)، الجمهورية، بغداد 18/1/1988. (77) ينظر علي العلاق: (لغة القصيدة الحديثة)، الجمهورية، بغداد 18/1/1988. (78) ينظر في تفصيلات ذلك: عبد الغفار مكاوي: (ثورة الشعر الحديث من بودلير إلى العصر الحديث) القاهرة 1972، ص 241 وما بعدها. - 22 - |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |