اتجاهات نقد الشعر العربي في العراق - الدكتور مرشد الزبَيدي

(دراسة الجهود النقدية المنشورة في الصحافة العراقية بين 1958-1990) - من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الفصل الرابع

الاتجاهات النَصّية في النَقد‏

إذا كانت المناهج السياقية قد جاءت، في موطنها الأصلي: الغرب، ردّ فعل على النقد الكلاسي المعتمد على قواعد محددة سلفاً، فقد استهدت تلك المناهج السياقية بفكرة السياق، محاولة دراسة الأدباء مستعينة بالظروف البيئية والزمانية والنفسية التي تحيط بهم، غير أنها في حومة هذه الاستعانة أغرقت نفسها في تلك السياقات حتى تحوّل الأدب لديها، وفي قسم كبير من تطبيقاتها، إلى أمر ثانوي، الأمر الذي دعا إلى ظهور مناهج نقدية تسعى إلى إعادة الاعتبار إلى الأدب نفسه ليكون وكدا وغاية.‏

وهكذا ظهرت مناهج نقدية جديدة في بقاع مختلفة من العالم، أطّرحت السياقات الخارجية للنصوص: النفسية منها والتاريخية والاجتماعية، واعتمدت على النصوص نفسها لتتبيّن خصائصها الفنيّة عبر تحليل عناصرها ودراسة العلاقة بين تلك العناصر، من غير الاعتماد على سياقاتها الخارجية، انطلاقاً من كون النصوص عوالم كاملة يمكن، عبر التحليل، أن تنجلي وتكشف عن نفسها، ومن هذه المناهج النقدية: منهج الشكلانيين الروس ومنهم مدرسة النقد الجديد في أمريكا والمنهج البنائي والمنهج التفكيكي ومناهج القراءة وغيرها من المناهج النقدية التي سبق أن تناولناها.‏

ولم يكن النقدالأدبي العربي بمنأى عن التطورات الحاصلة في العالم، بحكم عوامل الاتصال الحضارية، وبحكم الحاجة إلى مواكبة التطورات الحاصلة في النقد الأدبي العالمي، وهكذا وصلت إلينا، عبر الترجمة، النظريات الأدبية الحديثة، وما رافقها من نقد تطبيقي، فأخذ قسم من الأدباء العرب يبشرون بالمناهج النصّية الحديثة واتخذوها وسائل لدراسة النصوص الأدبية.‏

وشهدت ثمانينات هذا القرن شيوع هذا النقد النصّي في الوطن العربي، من خلال كتابات عدد من النقاد والباحثين من أمثال: كمال أبو ديب وعبد السلام المسدّي ومحمد مفتاح ويمنى العيد وجمال بن الشيخ وعبد الله الغذامي وغيرهم، كما شهد العراق ظهور كتابات تنظيرية ونقدية تستوحي مبادئ تلك الاتجاهات النصّية، على ما نلاحظ ذلك في كتابات: مالك المطلبي وحاتم الصكر وسعيد الغانمي ومحمد صابر عبيد وعبد الله إبراهيم وغيرهم.‏

وعبّرت المقالات النقدية المنشورة في الصحافة اليومية العراقية، في قسم من أمثلتها، من هذا المنحى النصّي في النقد، وإذا كنا قد تناولنا في الفصل الثالث من هذا الكتاب الاتجاهات السياقية في النقد كما عبّرت عنها المقالات النقدية المنشورة في الصحافة اليومية العراقية، فسنفرد هذا الفصل لمناقشة النقد الأدبي المنشور في الصحافة وكيف استوحى تلك المناهج النصّية بمختلف اتجاهاتها.‏

1‏

يمكن أن تعد كتابات عبد الجبار داود البصري من الكتابات الأولى المنشورة في الصحافة اليومية العراقية التي اعتدّت بالنصوص الشعرية وانطلقت منها بعيداً عما يحيط بها من ظروف وسياقات خارجية، فقد يجد الباحث في كتاباته المنشورة قبل شيوع المناهج النصّية في الوطن العربي، وصفاً موضوعياً للقصائد التي يدرسها، وهذا المنحى الوصفي الذي اتخذه البصري كان يهدف إلى الكشف عن شخوص القصائد وصورها وموسيقاها.‏

في مقالة للبصري عن شعر شاذل طاقة يقول: "من حيث الشخوص الشعرية في (المساء الأخير) تنقسم إلى شخوص مذكرة وشخوص مؤنثة... وفي المرحلة الثانية: (قصائد غير صالحة للنشر)، أصبحت الشخوص أحياء وفي متناول اليد، وتكاد تكون نماذج، في قصيدة: (كان ماكان)، يبدو هارون الرشيد ملك الجواري حياً في ليل السكارى، وفي قصيدة: (ثغاء الجرجر) تبدو سعدى أكثر حيوية وإغراءً من: (عروس النخيل، عروس الجيل) في: (المساء الأخير)، والقصائد المتأخرة في المرحلة الثالثة ترسم شخوصاً مماثلة جداً لشخوص المساء مع فارق بسيط: "إنّ الأب الميت أصبح قومياً شهيداً... والمرأة التي كانت هاجرة أو راحلة أصبحت بطلة سجينة"(1).‏

وتحدث البصري في تلك المقالة من صور شاذل طاقة مقارناً بين استخدام هذه الصور في عدد من المجموعات الشعرية، وهو يرى أن: "قصائد المساء الأخير تجهل التعبير بالصور، أما (قصائد غير صالحة للنشر)، فهي تعابير بوساطة الصور ومن هنا تنجم أهميتها وروعتها.... وفي القصائد المتأخرة تزدحم الصور حول فكرة واحدة.... نراه يكّوم الصور بحيث تتراكم وينجم عن هذا الركام تناقض، وتناقض الصور يدل على كذب التجربة في رأي كثير من النقِّاد لأنها تمسخ وحدة الأثر العضوية".‏

وأشار في تلك المقالة، أيضاً، إلى موسيقا القصيدة، وقد قال عن شاذل طاقة أنّه: "ابتدأ شاعراً محافظاً تتميّز أشعاره بالخطابية والتعبير المباشر، ورغم ظهور قصائد حرة في المساء الأخير إلا أنها لم تتخل عن صفات القصيدة المحافظة إلاّ من الناحية العروضية، كانت قصائد حرّة ولكنّها من قماش قديم، أما قصائد المرحلة الثانية والثالثة فقد تخطّت في موسيقاها عيوب الخطابية والتعابير العادية والتراكيب الجاهزة".‏

لا يمكن للباحث إلاّ أن يرى في تلك المقالة جهداً نقدياً متميّزاً بالمقارنة مع الكتابات النقدية السائدة في تلك المرحلة من تاريخنا المعاصر، ففي الوقت الذي كان نقّاد من أمثال: محمد شرارة ومهدي شاكر العبيدي وغيرهما يكتفون حين يتناولون شعر شاعرٍ ما بالحديث عن الأحداث التي رافقت حياة ذلك الشاعر، نرى في مقالة البصري حديثاً عن الشعر نفسه وخصائصه الفنيّة من غير أن يستعين بالسياقات الخارجية لفهم ذلك الشعر، ومن غير أن تتدخل عواطف الناقد الشخصية في ذلك التناول، أي أنّه يكتفي بالوصف الموضوعي لظواهر محددة في شعر الشاعر ويتناولها من مختلف الجوانب الفنية.‏

غير أن الناقد، في الوقت نفسه لا يتصدى لتحليل قصائد معينة من شعر ذلك الشاعر، وإنما يكتفي بالتقاط تلك الخصائص الفنية من مجمل شعره، وربما نبع هذا الاهتمام (الشمولي) بالشعر من فهم محدد لقضية المنهج، فهو يسمي منهجه: المنهج التكاملي(2)، ويفهم هذا المنهج على أساس أن: "الفن ثنائية أو تكامل بين طرفين في أبسط صوره، وراح كل ناقد يتعصب لثنائية أو تكامل معيّن... ووجدتني أميل إلى تصديق الجميع... ووجدتُ أن الثنائيات أو التكامليات هي السر الكامن وراء الظواهر الجميلة أو جماليات النصوص...‏

وكلما نظرتُ إلى الحياة وجدتها تؤكد التكامل في الحياةوليس الجدلية أو التناقض، فالليل يكمل النهار، والضوء يكمل الظلام، والرجل يكمل المرأة،.... وحاولت أن يكون التكامل المشتق من التكميل وليس من الكمال والاكتمال مبدأي في الحياة والأدب والفن... والنقد مهمته الأساسية البحث في تكاملات النصّ البنيوية والجمالية"(3). بيد أنّه وهو يتحدث عن هذا المنهج يرى أن:"الفن داخل النصّ الأدبي وليس خارجه".‏

ونحن نرى أن البصري يفهم قضية التكامل في المنهج النقدي فهماً خاصاً يختلف به عن الفهم الاصطلاحي السائد لهذا المفهوم، فالمنهج التكاملي جمع مبدع لكل المناهج النقدية النصّية منها والسياقية، وهذا الجمع المبدع نزعة مثالية نظرية يصعب تحققها لأنها تحتاج إلى قدرات معرفية فذّة وإلى جهد دؤوب يكرس له الناقد حياته.‏

وقد اعترف ستانلي هايمن بالمثالية التي تحيط هذا الفهم عندما قال: "لوكان في مقدورنا أن نصنع ناقداً حديثاً مثالياً لما كانت طريقته إلاّ تركيباً لكل الطرق والأساليب العمليةالتي استغلها رفاقه الأحياء، وإذن، لاستعار من جميع تلك الوسائل المتضاربة المتنافسة وركّب منها خلقاً سوياً لا تشويه فيه"(4).‏

ثم يحدد هايمن تلك الأساليب والوسائل التي اتخذها النقّاد مستعرضاً أسماء عشرات النقّاد السياقيين والنصّيين معاً ليقرر بعدها: أن هذا التكامل المثالي الذي نريد أن ننشئ منه طريقة نقدية سامية لا يتم بطرح كل العناصر الجيدة في قدرٍ واحدةٍ وخلطها معاً، كيفما اتفق، ولكنه يشبه عمل البناء على أن يتم حسب خطة منظمة ذات أساس أو هيكل مرسوم".‏

ونعتقد أن هذا المنهج كما لخّصه هايمن، وكما أراد البصري التعبير عنه، على الرغم من التباين بين الرؤيتين، إن هو إلا خليط من المناهج المتباينة، ولا يعدو أن يكون محاولة للجمع بين المناهج أو التوفيق بينها، هذا من حيث الأساس النظري، أما من حيث التطبيق، فيصعب أن نجد ناقداً تتوافر له مثل هذه القدرات الجبّارة التي سماها هايمن: (مثالية) ليفيد من إنجازات المناهج كلها للوصول إلى نقد يتعلّق بشعر شاعرٍ ما، ولهذا يصعب القول بوجود مثل هذا المنحى النقدي في المقالات المنشورة في الصحافة اليومية العراقية، وإن كانت دعوات فاضل ثامر وحاتم الصكر تصبّ أحياناً، تنظيرياً على الأقل، في هذا المصبّ النقدي.‏

2‏

ينزع النقاد النصّيون، بعامة، إلى تحليل مفردات القصائد وبيان علاقاتها التركيبية مستفيدين أحياناً من العمليات الإحصائية التي يجرونها ثم يستثمرون تلك العمليات الإحصائية للوصول إلى النتائج التي يريدون التوصل إليها، وفي مقالة لمالك المطلبي حاول الإفادة من الجهد الإحصائي لاستخدام مفردتين عند شاعرين معاصرين، إذ تناول في تلك المقالة استخدام السيّاب والبياتي مفردتي (لولا) و(عندما)، وسعى المطلبي في تلك المقالة إلى فحص:"العلاقة بين أسلوب الشاعر والمكوّنات اللغوية لهذا الأسلوب"(5).‏

وجد المطلبي من خلال الإحصاء أن السياب استعمل لفظة (لولا) في شعره كله(46) مرة، في حين لم يستعملها البياتي في شعره كله إلاّ مرة واحدة، أما لفظة (عندما) فلم يستعملها السياب مطلقاً، في حين استعملها البياتي (40) مرة، وتوصل المطلبي إلى أن: "انزلاق السياب نحو: (لولا) في إنتاجه الشعري كله، ونفوره من عندما) نفوراً تاماً، نسمّي ذلك بـ: (اللاقصد اللغوي)... لأن الشاعر لا يقصد خلال عقدين أو أكثر من الكتابة الشعرية إلى أن ينحو منحىً انتقائياً في اختيار مفرداته اللغوية، لكن ذلك اللاقصد اللغوي يتحول خلال التراكم إلى قصد لغوي، بمعنى أنه يرتبط بنزوع الشاعر، ذلك النزوع الذي تمثل كليتُه أسلوبَ الشاعر".‏

ثم يشرح لنا المطلبي، اعتماداً على آراء قدامى اللغويين استعمال تينك الأداتين بقوله:"ذهب شارح الفصل إلى أن (لولا) إذا دخلت علىجملتين، ربطت أحداهما بالأخرى، وصيّرت الأولى شرطاً والثانية جزاءً، وكان سيبويه قد جعلها لابتداء وجواب، فالأول سبب ماوقع ومالم يقع، وقد بُني على قول سيبويه العبارة الشهيرة: لولا حرف امتناع لوجود، أما: (عندما) فلم ترد هذه الأداة في المباحث اللغوية قديماً وحديثاً، وأرى أنها إحدى الأدوات التي تكشف عن التطور الذي سلكته لتتحول إلى وظيفتها الجديدة، كل الظروف المبهمة في اللغة العربية مهيأة لأن تربط بين حدثين مع اختلاف في المعنى الوظيفي لهذا الربط".‏

وبعد هذا الشرح لاستعمال الأداتين عندالقدامى والمعاصرين، يقدم لنا ثلاث نتائج توصل إليها اعتماداً على التحليل الإحصائي، هي: 1 - إن السياب ينزع إلى استثمار قوى النسق اللغوي العربي الفصيح ليؤسس فيه لغته الشعرية في حين ينزع البياتي إلى الأنماط اللغوية الشائعة ليؤسس فيها لغته الشعرية، 2 - تمد (لولا) التركيب الذي تعمل فيه بمايمكن تسميته تضادّاً جدلياً بين أشياء حاصلة وأشياء لم تحصل، ويتطابق ذلك مع جوهر الحزن السيابي الذي يمثله قوله: ولولا الحزن مافارقت داري. 3 - تمد أدوات التعليق في اللغة العربية ومنها (لولا) و(عندما) الشاعر بقدرة على المناورة اللغوية، داخل الجملتين اللتين تربط بينهما، ويستغل السياب هذا البعد استغلالاً تاماً.‏

ثم يورد المطلبي مقاطع من شعر السياب تبيّن هذا الاستغلال التام كما يورد لنا قصيدة للبياتي مكوّنة من جمل متتابعة ليقرر أن منظومة البياتي المكوّنة من 21 فعلاً تخلو من السباحة في ذلك الفضاء الفسيح، وإنما هي نوع من تنظيم العلب وتتابع الأفعال تنتج: "سلسلة من المعاني القصيرة ربطت بأداة حجرّية صماء هي: (عندما)، وهذه السلسلة على طولها عاقر لا تنجب".‏

إن هذا النقد اللغوي الذي قدمه لنا مالك المطلبي يمثل واحداً من الاتجاهات النصّية الموجودة في الصحافة اليومية العراقية، ويمكن لنا أن نستشف من ذلك النقد اعتماد الناقد على الوصف الموضوعي للمفردات والجمل، واطّراحه أي حديث عن ظروف الشاعر البيئية والزمانية والنفسية، أي أن الناقد لا يتحدث عن شعراء بل يتحدث عن استخدام لغوي لدى هذين الشاعرين.‏

إن هدف النقد النصّي هو الوصف المجرد للمكونات اللغوية بهدف الكشف عن جماليات القصيدة، وقد كشف لنا مالك المطلبي جانباً جمالياً واحداً يتعلّق باستخدام لفظة (لولا) عند السياب، كما كشف لنا سمة أسلوبية سلبية عند البياتي، تتعلّق باستخدامه لفظة (عندما)، غير أن المطلبي خرج من رؤيته المنهجية في آخر المقال عندما وصف سلسلة الصور عند البياتي بأنها عاقر لاتنجب، ذلك أن الاتجاهات النصّية في النقد لا تميل إلى الحكم والتقدير حتى إن كان ذلك الحكم مسبباً.‏

ويعدّ محمد صابر عبيد واحداً من النقّاد النصّيين الذين عنوا بتحليل قصائد محددة تحليلاً نصّياً يكتفي بما تقدمه له مفردات القصيدة ويكشف من خلال تحليل تلك المفردات المعاني العميقة الكامنة في النصّ الذي ينقده، كما فعل ذلك مع قصيدة (الدخان)، لحسب الشيخ جعفر إذ درس في مقالة له حركات الأفعال في القصيدة وما تحمله من موروث معنوي مختزن كما درس المستويات الزمنية التي بنيت عليها القصيدة.‏

بنيت تلك القصيدة على مايرى عبيد على: "مستويين زمنيين، المستوى الأول: الزمن الحاضر...وقد قسّم على أربعة أقسام يفصل بينها المونولوج الداخلي المتكرر الذي يجسد في القصيدة المستوى الثاني المحلّق في أجواء الماضي عبر السفر الداخلي من خلال خيوط الدخان الضبابية الباعثة على التأمل والاستغراق في عالم الماضي بلوعة وحسرة وحرقة:‏

دخّنْ ودخّنْ ليس غير الدخانْ‏

واسأل بقايا الكأسِ في كلّ حانْ‏

كيف مضى الماضي وفات الأوان"(6).‏

ويحلل ذلك الناقد صور القصيدة ليتوصل في نهاية التحليل إلى جوهر الفكرة التي تحكم القصيدة وتترشح عنها، وهي: "إن الحياة... في أفضل أحوالها ليست غير دخان يتصاعد ثم لا يلبث أن ينتهي هذه النهاية المؤلمة".‏

إن ما توصل إليه ذلك الناقد يمكن أن يكون بديهية يتوصل إليها أي قارئ لقصيدة حسب الشيخ جعفر: (الدخان) ولكن مزّية الناقد أنه توصل إلى ما توصل إليه بعد استقراء القصيدة كلها بأفعالها وصورها وموسيقاها فكان التوصل إلى الفكرة العامة في نهاية المقال ينبني على التحليل المتأني لعناصر القصيدة، وهو ماينبغي أن يتوافر عليه النّقاد عندما يقومون بتقرير الحقائق عن القصائد التي ينقدونها.‏

إن محمد صابر عبيد في هذه المقالة يستوحي النص وحده ويحلله على أساس رؤية منهجية واضحة متسقة مع دعوة الناقد إلى نقد جديد قائم على الرؤية المنهجية الحديثة، من غير أن يعتمد على أية وجهات نظر قَبْلية عن الشاعر وعن بيئته وزمانه وظروفه النفسية والاجتماعية ومن غير أن يقدّم أحكاماً بالجودة والرداءة على شعر الشاعر الذي يتناول قصيدته بالتحليل، ويتكرر لديه هذا التحليل النصي في مقالات أخرى منها مقالته عن قصيدة: (جيكور وأشجار المدينة) للسياب.(7).‏

وعلى هذا الأساس اللغوي قام عبد الرحمن طهمازي(8) بتحليل عدد من القصائد تحليلاً نصياً اعتماداً على النظر إلى النص من خلال مكوّناته اللغوية، غير أنه يسلك في التحليل طريقة تشبه طريقة قدامى اللغويين في تفسيرهم أبيات الشعر، ومن مقالاته النقدية التي تصبّ في هذا الاتجاه مقالته عن قصيدة هي:‏

أقدام...‏

أقدامْ...‏

لا أبصر إلاّ الأقدامْ‏

تتقاطع في كل مكانْ‏

تتقاطع في كل الأيامْ‏

أقدام شتّى‏

أقدام عجلى‏

تتراكض خلف الأوهامْ.‏

يقرر طهمازي في مقالته: "إن الأوهام أشبه بالهدف المتحرك الذي يغري الأقدام بالطمع به، وكلما ازدادت الأوهام ازدادت الأقدام وازداد تنوّع الحركة التي لا جدوى منها"(9).‏

وبعد هذا الشرح الأولي للقصيدة على طريقة الشرّاح القدامى يحلل قسماً من مفردات القصيدة بقوله:"الأقدام كما الأوهام جمع تكسير وهو دال على الكثرة بالقياس إلى جمع التصحيح في أقدام كثيرة...والجملة التي تقول: لا أبصر إلا الأقدام، تفيد أنه لا شيء من أشياء الجسد موجودة إلا القدم، إن الحذف الذي أوقعه الشاعر على الجسد، عدا القدم محاط بالحذوف التي احتملتها القصيدة برمتها، ولنذكر احتمالاً واحداً لكل حذف، وكل تقدير نختاره: (هي) أقدام، (هي) أقدام، لا أبصر (أنا) إلاّ الأقدام، تتقاطع (هي) في كل مكان.‏

تتقاطع (هي) في كل الأيام، (هي) أقدام شتى، (هي) أقدام عجلى، تتراكض (هي) خلف الأوهام".‏

ومن خلال الحذف الذي اقترحه طهمازي يتوصل إلى أن: "اختصار الجسد بالقدم هو إحدى القرائن التي نعتمد عليها في الحذف، فالجسد تحوّل إلى قدم وابتذل بالحركة التافهة، وحَذفُ المبتدأ هنا يتم على طريقة العناوين، حيث تذكر الأقدام عارية من أي ترابط".‏

أن قراءة طهمازي لتلك القصيدة محاولة لتأويل مدلول معيّن فيها، والتأويل يختلف عن الشرح، فالناقد هنا وإن سلك أساليب القدامى من شراح الشعر، إلاّ أنه باينهم في محاولة الكشف عن معنى جديد لا يبوح به سطح القصيدة التي حاول تأويلها، ونعني به المعنى الذي افترضه الناقد من أن الشاعر ألغى الجسد الذي يتحدث عنه واكتفى بواحد من أعضائه:‏

الأقدام، واستدل على هذا الإلغاء بوجود الحذوف الكثيرة التي بينها لنا.‏

إن التأويل، على ماتنادي به المناهج النصّية الحديثة، واحد من أساليب القراءة الجديدة للنصوص الشعرية، وقد مرّت بنا دعوة (دريدا) التي تقوم على تنوع الدلالات المتأتية من تعدد القراءات، كما مر بنا عرض آراء النقاد التفكيكيين من أمثال رولان بارت وجوليا كريستيفا، ويبدوأن عبد الرحمن طهمازي يسير في اتجاه القراءات المتعددة للنصوص إذ يشير في مقالة أخرى إلى أن:" وضع الشعر في قالب المعنى الواحد... يعكس عدم احترام لاختلاف الشعر عن غيره من التعبيرات.... وهذا يبطل قوة الشعر في أن يكون نصاً ذا قابلية على أن يكون نصوصاً"(10).‏

ومما لاشك فيه أن القراءات المتعددة للنصّ الواحد تعني إثراء النصوص الأدبية والكشف عن تعدد دلالاتها كما تكشف عن غنى النصوص الأدبية وقابليتها للتأويل إلى معان متعددة، وهي تختلف عن القراءة التأثرية اختلافاً بيّناً، لأن القراءة التأثرية تستهدي بذوق الناقد أو القارئ وحده، وهذا الذوق ينطلق من قضية حدسية غير قادرة على أن تستجيب لمقتضيات القياس العلمي، في حين أن القراءة التأويلية تعتمد على أسس أخرى غير الأساس التذوقي للناقد، وقد لاحظنا اعتماد طهمازي في قصيدة تأويل المعنى الذي عبّر عنه على الإفادة من مقايسة الحذف المفترض للجسد مع الحذوف اللغوية التي أجراها الشاعر في قصيدته.‏

وقد كانت لطهمازي مقالات أخرى استخدم فيها هنا التحليل اللغوي للمفردات في محاولة منه للكشف عن ثراء الدلالات في قصائد معيّنة، ومنها مقالة له عن إحدى قصائد رشيد ياسين. (11).‏

3‏

لجأ النقّاد النصيّون، إذن، إلى تحليل مفردات القصائد تحليلاً لغوياً للكشف عن دلالات القصائد والكشف عن أساليب الشعراء، والكشف عن علاقة تلك الأساليب بالمكوّنات اللغوية، معتمدين في ذلك الوصف الموضوعي للقصائد نفسها بعيداً عن ظروف الشعراء الشخصية وعلاقة شعرهم بالسياقات الاجتماعية والنفسية والتاريخية المحيطة بهم.‏

واتخذوا زوايا نظر متباينة للوصول إلى هذا الوصف الموضوعي، ومن تلك الزوايا المتباينة الزاوية الموسيقية، التي حظيت بعناية خاصة من النقّاد لارتباط الشعر في جانب أساسي منه بالمقومات الإيقاعية التي تؤثر على القارئ والناقد معاً.‏

تحدث عبد الجبار داود البصري في واحدة من مقالاته عن التدوير في قصائد حسب الشيخ جعفر، ورأى أن شعراء الستينات في العراق لم يلتزموا بتقنين التدوير الذي نادت به نازك الملائكة، وإنما حاولوا تطوير ظاهرة القصيدة المدوّرة للخروج بها عن نطاق الشكلية اللفظية وضرب لهذه القصيدة مثلاً من قصائد حسب الشيخ جعفر، الذي: "يخرج من ضوابط التدوير اللفظي ويضيف إليها تدويراً زمانياً وتدويراً مكانياً، بحيث تتحول الاستدارة إلى دوار يشتت انتباه القارئ ويهرب مضمون القصيدة من بين أصابعه".(12)‏

ويتخذ البصري من قصيدة: (قارة سابعة) لحسب الشيخ جعفر مثالاً يوضح فيه التدوير الزماني والمكاني، ففي تلك القصيدة يُدخل الشاعر نصّ رسالة امرأة كان يعرفها خارج العراق: "ويربط مكانها بمكانه بحيث تذوب المسافات ويشعر القارئ كأنّ غرفة الشاعر ومقهاه في العراق وحديقة الأطفال والغابات والبحر هناك كلها على مستوى واحد، شأنه في ذلك شأن الرسّام الحديث الذي يلغي المسافات بين موضوعاته وهو يراكمها على قماش لوحته:‏

في غرفتي وحدي أعبّ الشاي والسجائرَ‏

الرخيصةَ، الكتابُ مفتوحٌ وفي المقهى الدخانُ‏

امرأةٌ تؤنسني، الرحيلُ في قرارةِ الكوبِ،‏

وفي الجرائدِ المكرورةِ، النزهةُ كالجذعِ قديم‏

يابسٌ كالجذع، في طريقها الآنَ إلى حديقةِ‏

الأطفالِ في معطفها المنفتحِ الخفيفِ، فوق‏

الركبتين الثوبُ، والصدرُ كما تنفخُ في طيارةِ‏

الطفولةِ الريحُ وفوقَ الكتفِ يلهو الشعرُ".‏

ويرى ذلك الناقد أنه بعد التدوير المكاني الذي لا حظه يوجد تدوير زماني أيضاً فالشاعر: "في (حاضره) متوحّد في غرفته ببغداد، وإذا خرج منها فإلى المقهى المكتظة بالدخان، وهو في (ماضيه) كان سعيداً إلى جانبها متمتعاً بجمالها يغريه المعطف المنفتح والثوب القصير الملموم فوق الركبتين... وتتحول الذكرى مع زمن الوحدة والدخان وتزول الرقابة بين الشعور واللاشعور".‏

ويخلص البصري من ذلك كله إلى أن ظاهرة القصيدة المدورة: "إذا فقدت هذا التدوير الداخلي في بنائها الفني تفقد مبررها، لأن التدوير اللفظي لا قيمة له ولعلّه يسيء إلى موسيقا القصيدة أكثر مما يخدمها".‏

ونلاحظ على تلك المقالة أن الناقد وإن أوحى بأن موضوعه يتعلق بالجانب الموسيقي إلاّ أنه لم يتناول أية قضية إيقاعية، وإنما تناول القصيدة المدوّرة من زاوية بناء صورها وعلاقة الأزمنة ببعضها وعلاقة التداخل بين الأمكنة في القصيدة الواحدة، وفضلاً عن ذلك لم يشر الناقد إلى قضية أساسية يمكن للباحث أن يلمحها في قصيدة حسب الشيخ جعفر المشار إليها وفي قصائد أخرى له، وهي قضية الإفادة من الأجناس الأدبية الأخرى في القصيدة الحديثة.‏

إذ يفيد الشاعر في هذه القصيدة وفي قصائد أخرى له من أساليب بناء القصة ولا سيما أسلوب التداعي أو ما سمي تيار الوعي في الرواية الحديثة على ما جاء عند كُتاب عالميين من أمثال جيمس جويس وفرجينيا وولف، وفكرة تداخل الأزمنة والأمكنة جزء من هذا الأسلوب الشائع فن القصة والرواية الحديثة.‏

كما لم يشر الناقد إلى الإشكالات الموسيقية الناجمة من ظاهرة التدوير في القصيدة الحديثة، وما يفرزه التدفّق الناجم عن التدوير من رتابة موسيقية وملل يعاني منه القارئ، وكيف استطاع حسب الشيخ جعفر أن يتخلص من تلك الإشكالات التي تثيرها القصيدة المدوّرة، إذ أصبح واضحاً أن الشعراء اتخذوا سبلاً كفيلة للتخلص من هذا المأزق الموسيقي، ومن هذه السبل الالتجاء إلى الانتقالات المفاجئة في الحوار وما يسميه طراد الكبيسي: "الالتفات في الزمان والمكان والتردد بين الحلم والواقع(13) "لكسر حاجز الرتابة، كما اتخذوا سبلاً أخرى منها الانتقال المفاجئ من الجمل الفعلية إلى الجمل الإسمية ووجود الحوار الداخلي.‏

ولا يتخذ البصري سبيلاً واحدة لدراسة موسيقا الشعر، وإنما يتخذ سبلاً متعددة، فهو أحياناً لا يتحدث عن موسيقا قصيدة معينة، وإنما يتحدث عنها موضوعاً عاماً لا علاقة له بشعر محدد كحديثه عن الزحافات التي لم ينظر إليها عيباً في الشعر بل عدّ: "خلو البيت الشعري أحياناً من الزحاف هو العيب الإيقاعي وليس العكس"(14)، وغني عن القول أن تناول موضوع الزحاف على النحو التنظيري الذي تناوله به البصري لا يدخل في مجال النقد، إذ لم يجد لها عرضه تسويغاً تطبيقياً.‏

وكان داود سلّوم قد أشار في إحدى مقالاته إلى قضية الزحافات والعلل وكونها تساعد: "الشاعر على الانحراف عن الصيغة الجامدة للتفعيلة النظرية من البحر"(15).‏

ومن السبل التي اتخذها البصري لدراسة موسيقا القصيدة دراسة مستوياتها المتعددة فهو يرى أن للموسيقا في القصيدة مستويات: "في مقدمتها المستوى العروضي الذي يشمل الوزن والقافية، ثم المستوى الصوتي الذي يدرس تناغم الحروف وجرس الكلمات، وهناك المستوى البنيوي الداخلي الذي يتمثل بالانسجام والاتساق وإقامة نوعٍ من الهارموني بين عناصر البنية الشعرية"(16).‏

ويكتفي بنقد القصائد نقداً عروضياً، فبعد حديثه النظري عن مستويات القصيدة قام باستقراء(106) قصائد من شعر المعركة وخلص إلى أن شعراء تلك القصائد: "لم يستوفوا البحور الستة عشر التي أُثرت عن الأجداد، فهنالك بحور لم تستعمل إطلاقاً وتحاشتها جميع الأجيال الشعرية هي: المقتضب والمضارع والمديد والسريع، ووقع التركيز كثيراً على البحور السداسية التفاعيل وفي مقدمتها الكامل والرجز".‏

ونحن نرى أن حديث البصري عن مستويات القصيدة لا يخرج كثيراً عما هو معروف، إذ تحدث نقّاد وباحثون عن المستويات النغمية والتنظيمية والتعبيرية والإيحائية كما تحدثوا عن إيقاع الكلمات والاتساق والانسجام(17)، كما أنه لم يفسر لنا أسباب عزوف الشعراء عن استخدام عدد من البحور الشعرية وأسباب اكتفائهم ببحور أخرى.‏

إذا كان البصري في مقالته التي تناول فيها استخدام الشعراء لعدد من البحور قد اكتفى بالوصف المعتمد على الإحصاء من غير أن يفسّر لنا أسباب شيوع استخدام بحور معينة على حساب بحور أخرى، فإن محسن اطيمش(18) كان أكثر جدية في تناول هذا الموضوع ففي دراسة له نشرها متسلسلة في أربعة أقسام رأى وهو يتحدث عن الشعر العراقي الحديث أوزاناً شعرية معينة: "اكتسبت إيثاراً وأهمية لدى الشعراء فتكررت في قصائدهم بشكل يلفت النظر، بينما انحسرت أوزان أخرى، ولم تحظ من الشعراء بتلك العناية التي حظيت بها أبحر كالكامل والرجز والرمل(19)".‏

واستعان اطيمش بالنتائج التي توصل إليها باحثون آخرون منهم: إبراهيم أنيس وسيد البحراوي اللذان قدما إحصاءات عن شيوع أبحر معينة عند شعراء العربية القدامى والمعاصرين مستنتجاً أن: "للكامل والرمل حظاً عظيماً من الشيوع في نتائج شعراء العربية عبر العصور... وهذا يقود إلى القول بأن موسيقا الشعر الحديث في جانب مهمٍ من جوانبها، إنما هي حصيلة تاريخية أكثر مما هي أي شيء آخر"(20).‏

وبعد هذا الاستنتاج العام الذي توصل إليه بدأ يفسر أسباب عزوف الشعراء عن بحور كانت شائعة في الماضي مثل بحور: "الطويل والبسيط وهنا لا يسعف الناقد السبب (التاريخي الذي أورده فيبحث عن سبب آخر: "إن الأهمية الكبيرة التي حظي بها بحرا الطويل والبسيط في الماضي الشعري لن تعني الشاعر الحديث كثيراً لأنه يلجأ في الغالب إلى الأبحر التي جوهرها تفعيلة واحدة متكررة، وهذا يعني أن ذاكرة الشاعر الموسيقية لن تفيده كثيراً من أبحر نسقها أكثر من تفعيلة واحدة كالطويل والبسيط والخفيف... غير أن الأهمية التي اكتسبها بحرا البسيط والطويل في ذاكرة الشاعر المعاصر سوف تبرز إلى الظهور عندما يرغب بتجريب كتابة شعر حرّ يعتمد على الأبحر التي نسقها أكثر من تفعيلة واحدة... كما أن تلك الأهمية التي كانت لموسيقا بحري الطويل والبسيط ستعود إلى الظهور عندما يرغب الشاعر الجديد بكتابة قصيدة ذات نمط موسيقي تقليدي(21)".‏

واعتماداً على الإحصاءات التي قام بها اطيمش لأوزان الشعر الحر استنتج أن: "أبحراً كالكامل والرمل التي ظلّت الأكثر هيمنة وشيوعاً في النتاج الشعري منذ بدء الشعر الحر وحتى منتصف الستينات، سوف تنحسر بعد هذا التاريخ، ولم يحتفظ بشيوعه الكبير سوى بحر الرجز، فبينما كان الكامل يحتل المرتبة الأولى في نتاج الحقبة المبكرة عن عمر الشعر العراقي الحديث... نجد الكامل في الحقبة الثانية يحتل المرتبة الثانية، إذ بلغت نسبته في شعر المرحلة 1959- 1968 ما يساوي 16.43%، وظل الرمل على حاله... وحين نصل إلى شعر الحقبة الثالثة وهي السنوات 1968- 1978 نجد أن نسبة الشيوع... إن المكانة التي كانت لهذين البحرين قد انسحبت لبحرين آخرين لم يكن لهما حظ كبير من الشيوع في الحقبتين المتقدمتين، وهما المتدارك والمتقارب(22)".‏

ثم فسر لنا ذلك الناقد سبب شيوع بحري المتدارك والمتقارب في هذه المرحلة بقوله: "إن التوجه إليهما محاولة لتوسيع الدائرة الموسيقية للشعر الحديث، فإذا أضفنا إلى هذا بأن الشاعر الجديد... لم يعد يعني بفخامة الأوزان وإيقاعها... وصار يؤمن بأن الشعر ليس هو الموسيقا الطاغية، وربما ليس الوزن إطلاقاً... وللمتدارك والمتقارب سمة يشتركان فيها دون غيرهما من الأبحر، تلك هي اقترابهما الشديد من الإيقاع النثري... لذا رأينا أن ظاهرة قصيدة النثر بدأت منذ الستينات في نتاج الشعر العراقي الحديث، وأخذ ينمو إلى جنبها شيوع بحري المتقارب والمتدارك شيوعاً كبيراً"(23).‏

ولم يكتف اطيمش بهذه النتائج التي توصل إليها وإنما راج يفسّر لنا أموراً موسيقية أخرى مثل ظاهرة الرتابة الموسيقية لدى شعراء التفعيلة وظاهرة التنّوع الإيقاعي الذي يكسر حاجز تلك الرتابة وهو يرى أن أغلب قصائد السياب تجيء أنموذجاً: "للمزاوجة بين التشكيلتين الذائعتي الاستعمال في الشعر الذي يجري على موسيقا بحر الكامل وهما: متفاعلان ومتفاعلاتن بتحريك ثاني التفعيلة أو تسكينه، ويندر أن نجد قصيدة للسياب تنمو كلها على تشكيلة واحدة من تشكيلات التفعيلة: (متفاعلن) ... ولعل قصيدته هرم المغني تبدو أنموذجاً طيباً لتقديم الشاعر موسيقا شعرية أكثر ثراءً وتنوعاً وإفادةً من التشكيلات المتعددة لتفعيلة الكامل، فلقد استخدم فيها الصيغ: متفاعلن، متفاعلان بتسكين التاء وتحريكها ومتفاعلاتن:‏

بالأمس كنت إذا كتبتَ قصيدةً فرح الدمُ‏

فأغمغمُ‏

فأهيمُ ما بين الجداول والأزاهر والنخيل‏

أشدو بها أترنمُ‏

زادٌ لروحي منذ سقسقة الصباح إلى الأصيل‏

زادٌ ولكن عنه قد صدفتْ، تجوع ولا تريدْ‏

ما ينعش الآمال فيها‏

هي حشرجات الروح اكتبها قصائد لا أفيدْ‏

منها سوى الهزءِ المريرِ على ملامح قارئيها"‏

ولا يتجاوز في الجزء الرابع من دراسته مهمة ضرب الأمثلة على التنّوع الإيقاعي لدى شعراء التفعيلة، وبخاصة استخدام التشكيلات المتنوعة لصيغة (مستفعلن) في بحر الرجز، مثل: تشكيلات: فعولن، مفتعلن، مفاعلن، فعول، مفعول(24).‏

لاحظنا في هذا العرض السريع للأقسام الأربعة من دراسة محسن اطيمش أن الناقد اعتمد على الإحصاءات التي قام بها لاستخدام الشعراء أوزاناً معينة في قصائدهم، وكان ذلك الإحصاء مما توفر لذلك الناقد في كتابه (دير الملاك)، وقد أشار في ذلك الكتاب إلى أن: "الإحصاءات تقدم نتائج ذات أهمية بالغة، لكن جزءاً من هذه النتائج لم يدخل مادة الكتاب(25)". فكانت هذه الدراسة التي عرضنا لها استكمالاً للكتاب لذا جاءت غنية في مادتها تحمل معها كل الخصائص الإيجابية للدراسة المتأنية الجادة.‏

وقد اعتمد اطيمش في دراسته تلك على الوصف الموضوعي المحايد للقصائد واستثمر الإحصاء الذي قام به استثماراً طيباً حاول من خلاله تحليل أسباب ذيوع أبحر معينة عن شعراء التفعيلة وأسباب عزوف الشعراء عن أبحر أخرى، غير أنه لم يتّبع منهجاً واحداً في تقديمه أسباب ذيوع الأبحر وانحسارها، فمرة أرجع سبب شيوع بحري الكامل والرمل إلى تعلّق الشعراء بذاكرتهم التاريخية، ومرة أخرى حين لم يسعفه هذا السبب عاد إلى قضية فنّية محض هي قضية الأبحر التي نسقها أكثر من تفعيلة واحدة، ومرة ثالثة لجأ، حين خذله التعليل (التاريخي) إلى قضية اقتراب بحري: المتدارك والمتقارب من الإيقاع النثري، وكان يمكن أن يكون أكثر اتساقاً مع نفسه لو استخدم منهجاً واحداً في تفسير الظاهرات التي يدرسها.‏

وعلى الرغم من تلك الملاحظة، تبقى دراسة اطيمش واحدة من الدراسات الثرية الغنية التي لا يمكن للباحث أن يتجاوزها وهو يتناول موضوع العناية النصّية بالقصائد من الزاوية الموسيقية أو الإيقاعية.‏

وتناول علي العلاّق في عدد من مقالاته النقدية قضايا الإيقاع في الشعر العربي الحديث افتراضاً منه أن جهود شعراء الحداثة العربية بدأت تنصبُّ للخروج من مأزق الوزن الشعري الذي وجدت القصيدة العربية نفسها فيه بعد ظهور شعر التفعيلة، فالقصيدة العربية الحديثة، على ما يرى العلاّق، استبدلت: "رتابة البحور السابقة، بمعضلة أخرى هي ضيق النهر الموسيقي الذي أثّر إلى حدّ كبير على حركتها الإيقاعية"(26).‏

ورأى في محاولة السياب وأدونيس اللجوء إلى البحور المركبة نوعاً من المسعى إلى الخروج من تلك المعضلة، ومن المحاولات الإيقاعية الأخرى التي جرت للخروج من مأزق الوزن الشعري التدوير، والتدوير على ما يرى العلاق: من المحاولات الواضحة لتلوين البناء الموسيقي للقصيدة العربية الحديثة ويضرب بقصيدة: (هذا هو اسمي) لأدونيس مثالاً على البناء الإيقاعي ذي النقلة المتميزة في الشعر العربي الحديث، مستعرضاً المزايا الإيقاعية للتدوير في تلك القصيدة، لأن أدونيس لم يستخدم في تلك القصيدة بحراً من البحور المفردة، أي تلك التي تقوم على تكرار تفعيلة معينّة، بل اعتمد بحر الخفيف لهذا الغرض، وهو من البحور المركبة، وقد دفع أدونيس هذا البحر إلى أقصى إمكاناته الإيقاعية الممكنة باستخدامه الكثير من الزحافات والعلل وذلك للسيطرة على رتابة هذا البحر(27).‏

غير أن العلاّق أبدى خشيته من أن يتحول التدوير إلى قصيدة مدوّرة وهذا ما يجعل القصيدة شكلاً منتهياً جاهزاً صلباً، فيتحول التدوير إلى إطار مغلق يحتوي النص الشعري، من مفتتحه حتى نهايته، وكما استعان ذلك الناقد بقصيدة أدونيس لبيان الملامح البارزة للتدوير والمزايا التي يكتسبها في الأمثلة الشعرية، استعان أيضاً بقصائد حسب الشيخ جعفر، وبخاصة قصائد مجموعة: (الطائر الخشبي) للكشف عن السمات الإيجابية والسلبية للتدوير.‏

ورأى العلاق أن التدوير، لدى هذا الشاعر: "طاقة إيقاعية شديدة التنوّع واندفاعة جيّاشة صافية، لم يصبح، بعد، عادة أو طقساً كتابياً ولم يتحول إلى قالب خارجي جاهز".‏

ثم قدم أبياتاً غير مدوّرة من قصيدة: (قارة سابعة) لحسب الشيخ جعفر ليستنتج منها أن الشاعر جعل من تلك الأبيات القصيرة فسحة يسترخي فيها القارئ ويتخفف من المقطع المدوّر ومن ترافعه العروضي وتشابك الجمل المتتالية وتداخل الإضافات والنعوت والظروف، كما تحدّث عن المهارات الأخرى التي تزيد من ثراء الإيقاع الشعري وتمنع التدوير من أن يتحول إلى قالب ثابت، ومن هذه المهارات: استخدام القوافي الداخلية ووجود مقاطع من الشعر القديم واستخدام أسلوب الحوار والمناجاة والحلم والذكرى.‏

وكما ناقش العلاّق قضية التدوير بوصفها محاولة للتخلّص من المأزق الإيقاعي للقصيدة العربية الحديثة، ناقش أيضاً موضوع قصيدة النثر التي: "تسعى إلى التعويض عن جمالية الوزن الشعري... بخصائص صوتية وجمالية تنتمي إلى حقل آخر: النثر(28)"، غير أنه في مناقشة قصيدة النثر ظل في إطار التنظير العام من غير أن ينطلق من نصوص محددة، أرى من غير أن يدخل إلى أفق التطبيق.‏

والملاحظ أن العلاق، فيما وقفنا عليه من نصوص نقدية تتناول قضية موسيقا الشعر، يضع يده على قضايا نقدية دقيقة تتعلّق بخروج القصيدة العربية الحديثة من المأزق الذي وجدت نفسها فيه بعد ظهور شعر التفعيلة، وقد ناقش تلك القضايا انطلاقاً من النصوص نفسها، فهو لم يتحدث عن الشعراء وحيواتهم أو عن السياقات المحيطة بهم، إنما تحدث عن القصائد نفسها، غير أنه يلجأ أحياناً إلى الأحكام الذوقية التي تنطلق من حماسته لشعراء يعتزّ بتجاربهم، كقوله عن محمد الماغوط أنه: "كان أكثر شعراء قصيدة النثر... جاذبيةً وصفاءً ونبرةً عميقةً ومناخاً شعرياً مترابطاً".‏

4‏

ثمة زاوية أخرى نظر من خلالها النقّاد النصيّون إلى القصائد وهي زاوية التناول القصصي والمسرحي في الشعر، وكانت تلك الزاوية قد وجدت لها أرضية في النقد العراقي، ولعل دعوة جلال الخياط المتمثلة بتساؤله: "لم لا تكون لدينا قصيدة غنائية، وقصة شعرية، وقصيدة مسرحية، وأخرى حوارية، ومسرح شعري، وشعر مسرحي، فيتخذ أدبنا مواقع جديدة(29)؟"، من أكثر الدعوات إلحاحاً للبحث عن تنّوع الأشكال الأدبية، وكان كتابه: (الأصول الدرامية في الشعر العربي) تمهيداً لهذه الدعوة إلى التنّوع التي كررها في حوارات صحفية ومناسبات مختلفة.‏

ولم يكن الشعر العربي قبل ظهور شعر التفعيلة يخلو من أسلوب التناول القصصي، فقد كانت هناك محاولات للإفادة من هذا التناول ولكنها على ما قرر يوسف الصائغ محاولات اتسمت: "بالسذاجة أو النمطية أو التقليد أو بنقص الاعتماد على المستلزمات الفنية للقصّة".‏

بيد أن شعر التفعيلة منح هذا الأسلوب من التناول أبعاداً جديدةً كانت تفتقر إليها المحاولات السابقة التي شهدتها ثلاثينات وأربعينات هذا القرن، ولذا قرر باحث أن الشاعر الحديث عرف: "الإفادة الجادة في معطيات فنّ المسرح والقصة لإغناء الشعر، فاتجه لتوظيف عنصر الحوار والحوار الداخلي وتعدد الأصوات وتقديم الصورة العامة للأجواء والمشاهد التي يدور فيها الموضوع الشعري، والاهتمام بتصوير ملامح الأشخاص وتقديمهم ضمن حدث أو موقف... ونمت عناصر الحكاية الصغيرة العابرة، واتخذت شكل قصيدة تنهل من فنّ القصة حيناً، وتطمح لأن تكون قصةً حيناً آخر، لها ما يميزها من أجواء وحدث نام وأشخاص نعرفهم ونحيا مشكلاتهم(31)".‏

وعلى هذا يمكن للباحث أن يجد في قسم من المقالات النقدية المنشورة في الصحافة اليومية العراقية اهتماماً بالجوانب القصصية والدرامية في الشعر، إذ عني نقَّاد بهذه الزاوية الخاصة للنظر إلى الشعر وكتبوا مقالات نقدية تناولوا فيها هذا الجانب من جوانب بناء القصيدة الحديثة.‏

ويُعد محمد الجزائري واحداً من هؤلاء النقاد فهو يتحدث في إحدى مقالاته عن الشخصيات الموجودة في قصائد عدد من شعراء قصيدة الحرب فيقول عن تلك الشخصيات بأنها: "أليفة، معاشة، مسماة، ولا مسماة: عباس بن شلب، الشهيد... المعلم، عند حميد سعيد ويوسف الصائغ، إهداء الفراشة الخضراء أو حامل الخبز، عند كاظم الحجاج، وبعض القصائد استعار القناع من شخصية تاريخية: هاني بن سعيد الشيباني، مثالاً عن كاظم الحجاج ومعد الجبوري معاً"(32).‏

ولم نجد في مقالة الجزائري تلك تحليلاً لقصيدة ما، بل وجدنا استعراضاً شاملاً للأداء القصصي في قصائد الحرب، فالناقد يقدّم خلاصات عامة لهذا الأداء، وقصيدة الحرب، على ما يرى الجزائري، تستفيد: "من بلورة المتوازيات: قصف، تدمير مقابل بناء وإرادة إنسان صامد، موت في مقابل حياة، وداخل هذا التوازي ينبجس التضاد".‏

وحين يتوقف الجزائري عند ما يسميه (زهد اللغة) ويضرب على ذلك مثالاً بقصيدة يوسف الصائغ الآتية:‏

حين جاء المقاتل عند حدود الوطن‏

تحوّل جسمهُ في شجرهْ‏

راسخٌ جذرها في التراب‏

ومرتفع جذعها في السماء‏

وأغصانها مثمرة‏

يقرر أن: "المجاز الاستعاري يدفع بالصور إلى ذروة هرم، لا إلى تراكم طبقات... الشاعر قدم بوعي محتدم راهن مدروس قصيدة موجزة، قصة في قصيدة".‏

ولم نطّلع، في المباحث البلاغية العربية القديمة والحديثة، على مصطلح (المجاز الاستعاري) وإنما المعروف أن المجاز ضربان: مرسل واستعارة، كما لم نر في ما اقتبسناه من تلك القصيدة استعارةً، وعلى هذا لم نجد صوراً استعارية تتدافع إلى ذروة هرم، بل على العكس من ذلك وجدنا صوراً متراكمة في تكملة المقطع:‏

هبِ الريحَ لم تنحنِ‏

شبّتِ النارُ، جاء العدو، تبدلتِ الشجرهْ‏

مدفعاً‏

والفواكهُ صارت قنابلَ والأرضُ من دونها مقبرهْ‏

فالصور المتكوّنة من تدافع الجمل الفعلية: شبت النار، جاء العدو، تبدلت الشجرة مدفعاً فضلاً عن الجملتين الإسميتين: الفواكه صارت قنابل، والأرض من دونها مقبره، كلها تدل على لحظة اشتداد القتال، وكانت جملةٌ موحيةٌ واحدةٌ تكفي للتعويض عن تلك الجمل الخمس، وعلى هذا لا نرى في كلام الجزائري إلا اجتراراً لمفردات لم يعرف مدلولاتها وإنما ساقته إليها رغبته في توليد الجمل، كما أن قصيدة الصائغ المشار إليها ليست مثالاً، واضحاً كونها (قصة في قصيدة) كما عبّر عن ذلك الجزائري، وإنما يمكن أن نجد أمثلة أخرى كثيرة من شعر الصائغ نفسه على هذا الأداء القصصي.‏

ومن تلك الأمثلة قصيدة يوسف الصائغ: (إجازة):‏

"شهداءٌ عشرهْ‏

نزلوا يوم إجازتهم‏

للبصرهْ‏

أربعةٌ منهم‏

كانوا مدعوينَ لعرس صديقٍ في العشّارْ‏

وأربعةٌ‏

ذهبوا ليزوروا أحد الجرحى من معركةِ الأهوار‏

لم يبقَ سوى اثنينِ‏

الأولُ راح يفتش في البصرة عن دارْ‏

في يده باقةُ أزهارْ‏

والثاني ظلّ وحيداً‏

فأدار عن البصرةِ وجههْ‏

ومضى ثانيةً‏

للجبههْ" (33)‏

وإذا كان محمد الجزائري في مقالاته السابقة قدّم خلاصات للبناء القصصي في القصائد، كما رأى ذلك، فقد كرر تلك الخلاصات في مقالة أخرى له(34)، غير أنه حلل في مقالة ثالثة له قصيدة (تعتيم) لكاظم الحجاج ونصّ القصيدة هو:‏

في غرف المستشفيات‏

يغلقُ المريضُ بابَ جرحِه‏

ويُطفئ الآلام‏

كي‏

ينام‏

وقد بدأ الجزائري بتحليل تلك القصيدة مبتدئاً بعنوانها، لأن العنوان، فيما يرى،: "جزء مهم من المتن القصصي... ولو جوّدنا القصيدة من الحالة العامة الطارئة: الحرب، لاحتملت تأويلاً آخر، لكنّ شيوع مفردة تعتيم واحدةً من مفردات الحرب سحبت التأويل إلى ما تحتها... القصيدة تشكلت عبر منحى حكائي موجز جداً، يحتل أصغر مساحة من الديوان ومن حجم الورقة، خمسة أسطر فقط هي كل جسم النصّ: القصيدة، القصة، الواقعة، الحالة"(35).‏

وبعد تحليل مدلولات القصيدة يقرر الجزائري أن المريض في قصيدة الحجاج: "لا يغلق باب داره أو مستشفاه، أو غرفته بالمستشفى، بل يغلق باب جرحه، وهو لا يطفئ الضوء بل يطفئ الآلام، هل بالإمكان إغلاق باب الجرح مادياً بتلك البساطة؟ أو إطفاء الآلام، مادياً أيضاً، ومن المريض نفسه؟ نعم في حالة إرادة استثنائية، يمكن أن تتحقق تلك المفارقة وهذا الإمكان هو إمكان استثنائي خلقته قوة إرادة مقاتل جريح وليس مريضاً عادياً، ودون أن يقول لنا الشاعر ذلك بالكلمات، قاله بالإيجاز بزهد اللغة بالحكي الشعري الموجز جداً".‏

والحقيقة أن الجزائري في مقالته التحليلية هذه لم يتجاوز مهمة تفسير مدلولها، فهو لم يحلل أسلوب بنائها القصصي بل أشار إليه فقط بعبارة: الحكي الشعري الموجز جداً، ومع أن الناقد أبدى إعجابه بتلك القصيدة، وهو محق في ذلك، إلا أن إعجابه بها منعه من الكشف عن غناها وثرائها عبر تحليل أسلوبها القصصي، بل اكتفى بالشرح والتفسير الذي سماه: تأويلاً، والتأويل كما رأينا يباين الشرح والتفسير لأنه يعني القراءة الجديدة القائمة على أساس تحليلي.‏

وتناول باسم عبد الحميد حمودي جانباً آخر من جوانب إفادة الشعر من الفنون المجاورة له، وهو الجانب الدرامي، فقرر في إحدى مقالاته أن شاذل طاقة يُعد: "واحداً من أكثر الشعراء العرب المعاصرين اهتماماً بدراما القصيدة وبتعدد الأصوات فيها... إن قصيدة شاذل طاقة الدرامية تكشف عن حدث وتصوّره مرة بطريقة الأصوات المتوازية، وأخرى بطريقة الأصوات المتضادّة(36)".‏

والناقد هنا يقدم النتائج العامة ابتداءً ثم يحاول إيجاد شواهدها بعد ذلك، بيد أنه حين يتناول قصائد الشاعر بعد إيراده تلك النتائج سلفاً يكتفي بالإشارة إلى أن: "أول دواوين شاذل طاقة: المساء الأخير يحمل الكثير من أجنّة اهتماماته بالمشهد الدرامي، وتجد ذلك في استلهامه أسطورة شهرزاد في قصيدته المشهورة بهذا الاسم".‏

ويكتفي حمودي بعد ذلك باستعراض مخاطبة الشاعر شهرزاد ولا يضع لنا تلك القصيدة تحت أية تسمية من التسميات التي قررها سلفاً في مقدمة مقالته.‏

وهذه الطريقة في إعلان النتائج قبل استقراء القصائد نجدها في مقالة أخرى له عن بناء قصيدة علي الحلي الدرامي، إذ قرر في مقدمة تلك المقالة أن علي الحلي يصوّر الصراع بأردية شتى: "تارة أحادية الصوت تعلو فيها تجربة الصوت الواحد... ومرة يرسم الشاعر مشهده الشعري الدرامي عبر صوتين قد يختلفان وقد يتفقان... أو يحتوي المشهد الدرامي أكثر من صوت"(37).‏

وهو حين يعود بعد ذلك إلى القصائد نفسها لا يكشف لنا تلك الأبنية الدرامية المختلفة وإنما يكتفي بإيراد شواهد عامة مبهمة، رغم جهده الكبير في الرجوع إلى قصائد الشاعر كلها لتحقيق هذا الغرض، غير أنه جهد غير منظم.‏

وينحو قيس كاظم الجنابي(38) المنحى نفسه الذي نحاه من قبلُ محمد الجزائري وباسم عبد الحميد حمودي، في بحثهم جميعاً عن جوانب من إفادة الشعر من الفنون المجاورة، ولكنه يركّز جلّ اهتمامه لدراسة البنية القصصية في الشعر.‏

وفي مقالة له عن: (البنية القصصية في قصيدة الحرب) يتناول أساليب القصة في الشعر وهو يرى أن: "السرد أسلوب ينبع من القصّ بوصفه أهم العناصر التي يعتمد عليها القصّ... والسرد بضمير المتكلم في الشعر هو الأكثر تداولاً وشيوعاً، ولكنّه يعبّر عن صوت الشاعر وأناه الذاتية... في حين تبدو قصيدة: (أسير) لياسين طه حافظ أكثر موضوعية حتى يمكن وصفها ضمن ما يعرف في القصة بالسرد الموضوعي أو بنية الإطار... ويجنح سامي مهدي إلى أساليب القصّ حينما يستخدم السرد معززاً بالمونولوج الداخلي... ومن أكثر أساليب البناء القصصي حضوراً في قصيدة الحرب هو الوصف... ويجنح بعض الشعراء إلى استخدام التداعي إلى أن يترك لشخصياته أو لشخصية ما لتعبّر عن صوت الشاعر على سجيتها حينما تحلم أو تناجي(39)".‏

ولم يلجأ ذلك الناقد إلى تحليل أية قصيدة وإنما اكتفى بذلك العرض العام لأساليب القصة في الشعر مورداً الشواهد على تلك الأساليب سواء بأسماء القصائد التي تدل على أسلوب معيّن أو بإيراد أسماء شعراء تتضح لديهم تلك الأساليب القصصية، ونرى أن تلك الطريقة في العرض يمكن أن يقوم بها مؤرخ أدب مطّلع على أساليب بناء القصة وليس ناقداً يُعنى بالشعر وتحليله والكشف عن أبنيته.‏

وينطبق حكمنا هذا على مقالات أخرى لذلك الناقد استخدم بها تلك الطريقة نفسها في العرض.(40)‏

5‏

إذا كانت القضية الجوهرية لدى النقاد السياقين، كما رأينا ذلك من قبل، هي مضامين القصائد وما يتبع تلك المضامين من اهتمام بسياقاتها الاجتماعية والتاريخية والنفسية، فلا يعني ذلك بالضرورة أن النقد النصّي يهمل المضامين، لأن القصيدة تتكون من مجموعة عناصر متآلفة هي: اللغة وما يؤلف بين مفرداتها من علاقات، والموسيقا والصور والأفكار المتضمنة فيها، ولا بد من أن يقود استقراء لغة القصيدة وعلاقاتها التركيبية، وتعرّف أنماط بنائها إلى الدلالة.‏

ويدرس النقاد النصّيون، عادة، العناصر الصوتية والعناصر الدلالية في الوقت نفسه، وتتكون العناصر الصوتية من الحروف والألفاظ والموسيقا وكيفية تركيبها، أما العناصر الدلالية فتلك الناتجة عن طرائق تركيب الكلمات وتشمل المعنى ومعنى المعنى على حساب ما عبّر عن ذلك عبد القاهر الجرجاني في النقد العربي القديم.‏

وعلى هذا يكون البحث عن معنى مترشح من لغة القصيدة واحداً من أهداف الخطاب النقدي النصّي، ومن هنا يباين النصّيون زملاءهم السياقيين في أن النقد النصّي يتوسل بلغة القصيدة للبحث عن دلالتها في حين يهتم السياقيون بمضمون محدد سلفاً وربما يكون مفترضاً، وبهذا الفهم عرض النقاد المنطلقون من النصوص مضامين القصائد: الفهم القائم على أساس المعنى المترشح عن القصيدة لا المعنى الذي يفترضه الناقد سلفاً.‏

ومن المقالات النقدية التي عُنيت بهذا الجانب مقالة لخالد علي مصطفى عن إحدى قصائد السياب، أشار فيها إلى أن القصيدة كتبت في لندن 21/2/1963 حين كان السياب يستشفي من مرضه العضال، وقسّم الناقد القصيدة على قسمين مقرراً أنها تقع: "في مقطعين ظاهرين ينتهي الأول منهما بالسطر الحادي عشر (والغرفة موصدة الباب) في حين تشكل بقية القصيدة مقطعها الثاني"(41).‏

ثم بدأ ذلك الناقد بتحليل القصيدة مستعرضاً صورها فقال عن المقطع الأول بأنه كان: "واقعياً مباشراً، يطلّ علينا من زاوية نظر مريض ممدد على السرير في غرفة موصدة، تتناهى إلينا انطباعات هذا المريض عن الغرفة على هيئة صور مرئية جزئية، سريعة العبور ومتقطعة: الغرفة المقفلة، الصمت، الستائر المرخاة، الطريق المترصد، ملابس المريض التي تشبه فزّاعة، العزلة والليل، هذا التتابع الصوري... تحول بجميع أجزائه إلى عالم مغلق مظلم يتلاشى فيه الإنسان وينتظر الموت وحيداً من غير عون، هنا تصبح الغرفة الموصدة واقع السيّاب نفسه يعيشه ولا يستطيع أن يتخطّاه.. فليس عبثاً بعد ذلك أن يبدأ المقطع بباب الغرفة الموصد وينتهي بالباب الموصد نفسه".‏

وبعد أن يفسر لنا خالد علي مصطفى صور القصيدة الدالة على معنى الكآبة والإحساس بالعزلة الذي تؤكده صور: الباب الموصد والصمت العميق والستائر المرخاة التي تزيد من قتامة الجو، يؤكد أن هذا الشريط الصوري بألفاظه وتراكيبه ينمي في النفس وجوداً آيلاً إلى الفناء والتلاشي.‏

ويشرع الناقد بعد ذلك بتحليل المقطع الثاني من القصيدة بوصفه مقطعاً يؤلف رؤية ضدية للمقطع الأول: "فإذ لا يقبل السياب هذا الواقع المغلق المفروض عليه... ينتقل مباشرة إلى ذاكرته، فهي الوحيدة التي يستطيع أن يكون بها حراً، بعد أن ضربت عليه الغرفة- العالم حصاراً محكماً... والسياب حين يمارس حريته من خلال الذاكرة... يدرك أنه يمارس وهماً:‏

ولبست ثيابي في الوهم‏

وسريت ستلقاني أمّي‏

في تلك المقبرة الثكلى"‏

وهنا يصل ذلك الناقد إلى النتيجة التي يريد الوصول إليها فهو يقرر أن الفكرة المترشحة عن القصيدة هي الآتية: "إن نداء الأم يظل أعلى من مهالك هذا الطريق الموحش، الأم هنا تلتبس بالأرض، فإذا كان وجه الأرض: الحياة يباباً كما رأينا في المقطع الأول، فإن أعماق الأرض: الموت توفّر الشوق والجمال والدفء، هل الموت هنا رمز للعودة إلى رحم الأم- الأرض كما يدعو فرويد؟".‏

إن خالد علي مصطفى يستعين هنا بصور القصيدة وحدها للتوصل إلى تلك النتيجة، فقد دل تحليله للمقطع الأول على أن القصيدة تعبّر عن هاجس التضاد بين الموت والحياة، وإن حياة السياب الواقعية في تلك القصيدة كانت مظلمة موحشة أما الحياة الأخرى التي يتوق إليها فهي الحياة في باطن الأرض حيث الأم نائمة بانتظار وليدها.‏

وبعد أن اطمأن الناقد إلى تلك النتيجة راح يلتمس لها تسويغاتٍ تؤكد وجود هاتين الثنائيتين الضديتين: "الصمت العميق في المقطع الأول تقابله الحركة الضاجّة في المقطع الثاني: الشمس، أمواه النهر، والترصّد في المقطع الأول تقابله ألفة صياح الديك إيذاناً بيوم الحشر في المقطع الثاني، وانعدام الصلة في المقطع الأول يقابله لقاء الأم أعلى درجات الحنان في المقطع الثاني".‏

نستطيع أن نعد تلك المقالة واحدة من المقالات التي تعبّر عن وعي فني نصّي متقدم لدى خالد علي مصطفى، إذ قدّم لنا في نصّه النقدي أنموذجاً جيداً للقراءة النصّية التي تقرّب القصيدة إلى القارئ وتكشف عن ثرائها ومزاياها الفنية، فضلاً عن دلالاتها العميقة التي تختفي خلف الكلمات.‏

ومن الطريف أن ناقداً آخر هو: مالك المطلبي قام بتحليل القصيدة نفسها مستخدماً أسلوباً آخر في التحليل ومتوصلاً إلى النتيجة نفسها التي توصل إليها خالد علي مصطفى، ومن المفيد أن نتوقف هنا لمقارنة ذينك التحليلين.‏

قسّم مالك المطلبي قصيدة السياب تلك على وحدتين، ورأى أن الوحدة الأولى تتجه إلى: "تكوين إنسانٍ شبه عار، وهو يعاني من هذا العري، إن وحدته (انفراده): الباب المرصود، الصمت العميق، تسمح له بمعاينة جسده... يمكن تسمية هذه الوحدة وحدة العري... إن المرسل في لحظة (وعي) بآثار هذا العري الكثيفة يصرّح به تصريحاً: (ولبست ثيابي) إن هذا الإعلان الصريح عن عريه لا يشير إليه سطح النص اللغوي أبداً(42)".‏

ثم انتقل الناقد بعد ذلك إلى الوحدة الثانية وسمّاها وحدة التعارض أي الانتقال من الحياة إلى الموت وفي هذه الوحدة يجد المطلبي: "الأم التي تتلمس وليدها هي الشخص الوحيد الذي يمكن أن يحدّق في جسده، إنه جزؤها المقتطع... الأم والوليد يبحثان عن ستر لهذا العري، عن ثوب لا يشبه ثوب الحياة المهلهل، هكذا ينام المرسل في دفء ثوبه الجديد في فراش أمه: (تعال ونم في لحدي)، لا أحد يرى، أن الذكر يعود إلى أمه: (فرويد)،... الذكر يشقّ طريقه ثانية إلى الأحشاء ليستر عريه الوجودي إلى الأبد، إن العري يشير إلى الحياة، والارتداء يشير إلى الموت، وهذا هو جوهر التعارض بين الوحدتين الرئيستين وجوهر وحدتهما في آن".‏

يمكن أن نلاحظ أن الناقدين توصلا إلى نتيجة جوهرية واحدة من خلال تحليلهما القصيدة، واتخذا أسلوباً واحداً في التحليل تقريباً وإن تباينت مصطلحاتهما، ففي حين قسم خالد علي مصطفى القصيدة على مقطعين، قسمها المطلبي على وحدتين رئيستين، وفي حين تحدث خالد علي مصطفى عن المقطع الأول بوصفه يعبّر عن العالم المغلق الذي يعاني منه الشاعر، وفي حين قرر خالد علي مصطفى أن المقطع الأول يعارض المقطع الثاني في كل صوره ودلالاته، قرر المطلبي أيضاً أن الوحدتين قائمتان على التعارض، وفضلاً عن ذلك توصل الناقدان كلاهما إلى أن التعارض بين المقطعين أو الوحدتين يعبّر عن تعارض بين فكرتي: الحياة والموت.‏

وأفاد الناقدان كلاهما من واحدة من نتائج التحليل النفسي كما عبر فرويد عن تلك النتيجة ونعني بها عقدة أوديب وذلك في إشارتهما معاً إلى الموت الذي يرمز إلى العودة إلى رحم الأم كما عبر فرويد عن ذلك.‏

وهذا الاهتمام بالتعارض بين الثنائيات الضدية في مضامين القصائد كان قد عني به حاتم الصكر أيضاً الذي لم يكتف بتبيّن دلالة هاتين الثنائيتين في القصيدة التي حللها خالد علي مصطفى ومالك المطلبي، بل ربط الصكر رمزاً آخر هو:جيكور برحم الأم الذي يحنّ السياب إلى العودة إليه.‏

يقول الصكر عن السيّاب: "ثمة قوسان كبيران يحتويان مفردات أيامه واهتماماته الشعرية، إنهما قطبان لا يتباعدان إلا ليلتقيا ثانيةً في حنين متبادل وهاجس أبدي إنهما: الرحم والقبر، وهنا لا يعنينا مدلولهما المحدد الذي قد يكون مساعداً في اكتشاف الشبه، بقدر ما يهمّنا اكتشاف هذا الحنين إلى العودة ثانية إلى الرحم من خلال الموت"(43).‏

واعتماداً على نصوص السياب يتوصل الصكر إلى أن جيكور في شعر السياب: "أبعد من قرية ولد فيها الشاعر... إنها حلم صعب تقوم من دونه بوابة وسور بينما هي وراءهما خضراء جميلة، رغم شمسها الحزينة، والمهم أن الشاعر يؤلف هذه الصورة من داخل المدينة التي لا يملك مخلباً كي يصارع الآخرين في دروبها... إنه الآن أمام هاجس العودة من المدينة- الغابة التي هي أكثر من كيان جغرافي، إنها حصار ثقيل يمتد حتى يغلق أمام الشاعر دروب جيكور ودورها:‏

وجيكورُ من غلّق الدور فيها‏

وجاء ابنها يطرق الباب دونه‏

ومن حوَّل الدرب عنها‏

فمن حيث دار اشرأبت إليه المدينهْ؟".‏

ويستتبع هذا التحليل لرمز جيكور بنتيجة محددة يقررها الصكر: "مؤداها أن الحياة هنا في المدينة، والهروب منها عودة إلى جيكور، ليس في الحقيقة إلا عودة إلى الرحم الأكثر أمناً وسلاماً إلى الأم التي احتواها الموت المبكّر".‏

وهذه النتيجة هي نفسها التي سيتوصل إليها بعده ناقدان آخران هما خالد علي مصطفى ومالك المطلبي كما رأينا من قبل.‏

إن مقالة حاتم الصكر هذه لا تشبه مقالاته التي عني بها بمضامين القصائد وسياقاتها مما تناولناه في الفصل الثالث من هذا الكتاب، وإنما هي استقراء لمدلول محدد وهو صراع الحياة والموت عند السياب، وهذا الاستقراء مستقى من شعر السياب نفسه، فهو ينطلق من قصيدة (جيكور والمدينة) ويستعين بقصائد أخرى تضيء له الفكرة التي يتوصل إليها، وعلى هذا فإن هذه المقالة تمثل أنموذجاً طيباً لنقده النصّي.‏

واعتنى محمد صابر عبيد بالثنائيات الضدية في شعر عيسى الياسري محللاً صور قصائد ذلك الشاعر ومحللاً دلالة الألفاظ فيها(44).‏

ولم يقتصر تناول النقاد مدلولات القصائد التي يحللونها على الثنائيات الضدية المضمونية في تلك القصائد، بل تناول قسم منهم مدلولاً معيناً في شعر شاعر ما، على ما فعل علي جعفر العلاق في تناوله مضمون المدينة في شعر البياتي.‏

فقد ربط العلاّق ذلك المضمون باللغة التي كانت سائدة لدى البياتي، ورأى أن اللغة تمثل أوضح تجليات المدينة في شعر البياتي وكانت لغته: "لغة المدينة في الخمسينات حقاً، فهو كوضح المدينة آنذاك مباشرةً وتلقائيةً واضحةً في أغلب الأحيان، غير أنها كانت في الوقت ذاته تفتقر إلى شيء من الرواء والتماسك"(45).‏

كما رأى أن بناء قصيدة البياتي في الخمسينات: "كان فيه الكثير من خصائص المدينة قبل ثلاثين سنة، حين كانت مبعثرة لا ترتبط أحياؤها ببعضها ارتباطاً عمرانياً متجانساً...‏

وكان شعر البياتي في عمومه يبدو انعكاساً لتمزّق المدينة وتبعثرها".‏

ويعلل ذلك الناقد عدم تماسك شعر البياتي بربطه بعدم التماسك العمراني في المدينة آنذاك: "للتعويض عن ذلك البناء العمراني الصارم كانت المدينة ترتبط، وهذه خاصية في شعر البياتي، برباط وجداني عنيف وحار، كان الوجدان لا العمارة البارعة هو ما يمنح كيانها وتماسكها، وكان الوجدان لا العمارة البارعة هو ما يمنح شعر البياتي في الخمسينات حرارته وجاذبيته".‏

وعلى الرغم من أن العلاّق لم يقدم شواهد من شعر البياتي تثبت عدم تماسك شعره، أو تثبت الرباط الوجداني الحار في ذلك الشعر، إلا أنه قدّم في تلك المقالة التفاتاً طريفاً إلى قضية لم يلتفت إليها أحد من النقّاد، فيما نعلم، وهي قضية عدم الترابط العمراني للمدينة وعلاقة ذلك بعدم ترابط البناء الشعري لدى البياتي، وهو ما يدركه العارفون بشعر ذلك الشاعر.‏

ولعل واحدة من أبرز كتابات العلاّق النقدية النصّية التي تتناول مدلول القصيدة هي مقالته التحليلية لقصيدة: (أسير) لياسين طه حافظ، فقد قسّم العلاق تلك القصيدة على ثلاثة مقاطع مقرراً أن ذلك التقسيم: "ولا تسوّغه القافية حسب، بل إن ما يفرضه واقع أكثر تعقيداً وعمقاً، فهذه المقاطع يميّزها عن بعضها اختلاف في الخصائص التعبيرية والنفسية، يجعل من كل منها وحدة متجانسة(46)".‏

وبعد ذلك التقسيم حلل كل مقطع من مقاطعها تحليلاً يكشف فيه تباين الخصائص التعبيرية والنفسية لكل مقطع، فالمقطع الأول، على ما يرى العلاق، مقطع مبعثر تنقطع الرابطة فيه بين المبتدأ ومتعلقاته التي تقوم مقام الخبر، كما أن الجمل تبدأ بالأسماء: (يداه على الرأس) (الوجه في الغيب) (عيناه لا للنظر)، وهذه الجمل تختفي منها الأفعال خلواً تاماً، ويعلل الناقد ذلك الأمر بأن المقطع مصمم ليعبّر عن حالة الانكفاء والركود والافتقار إلى الحيوية التي يعاني منها الأسير في لحظة أسره.‏

والأسير رغم حضوره الإنساني يمثل حالة من الغياب التام، فأعضاء جسده غائبة عن أداء فاعليتها، وكأنها بعبارة أخرى موضوعة لغير ما خلقت: يداه على الرأس، الوجه في الغيب، عيناه لا للنظر.‏

ويمضي العلاق على هذا النحو في تحليل المقطعين الآخرين محاولاً من خلال تفسير دلالة الأفعال والأسماء كشف البنية العميقة للقصيدة وربط تلك البنية بالوضع النفسي للأسير، ويمكن أن نعدّ تلك المقالة واحدة من أنضج مقالات العلاق النقدية إذ حلل فيها تحليلاً متأنياً مفردات القصيدة للتوصل إلى الدلالات الغنية الكامنة فيها، وبذل جهداً نقدياً طيباً لتوضيح تباين كل مقطع من المقاطع الأخرى، من خلال الكشف الإحصائي والتحليلي عن عدد الأفعال والأسماء في كل مقطع، وربط ذلك كله بالحالة النفسية للأسير سواء في لحظة الأسر نفسها أو بعد ذلك بقليل.‏

يتبين لنا من ذلك أن النقّاد النصّيين في عنايتهم بمدلولات القصائد كانوا ينطلقون من تحليل مفرداتها، وبيان أنماط بنائها، ولا يستعينون في هذا التحليل إلا بالنصوص نفسها، فهي التي تترشح عنها تلك المضامين، وهي بما تتضمنه من ألفاظ ومن علاقات تركيبية، الدليل الهادي الوحيد في عملية التحليل.‏

وعلى هذا، فإنهم يباينون زملاءهم السياقيين ممن عرضنا لمقالاتهم النقدية في الفصل الثالث من هذا الكتاب، فالسياقيون كانوا يتناولون مضامين واضحة مباشرة يكشف عنها سطح النص، أما النصيّون، على ما عرضنا ذلك في هذا البحث، فبدأوا يكشفون عن ثراء الدلالات الكامنة والمختلفة وراء الكلمات والألفاظ.‏

6‏

وعلى هذا المنحى الدلالي نحا ياسين النصيّر في قسم من كتاباته النقدية، فيما سمّاه (المنهج المكاني في دراسة النص)، والنصيّر الذي بدأ ناقداً سياقياً يستوحي أفكاره من المناهج الاجتماعية، انتهى في كتاباته المتأخرة داعية لهذا المنهج المكاني.‏

يقول النصير عن المكان بأنه: "جزء من العمل الأدبي، وهو جزء متكامل... كيان حسي معاش وواقعي يتضمن فاعلية الإنسان وتاريخه، ولذلك فدراستي للمكان هي رؤيتي الاجتماعية لمعنى الواقعية دون الانسياق وراء الصيغية المسبقة ولا التجريدية المعماة، إن المكان عندي هو الحيّز الذي يمكنني من رؤية وتحسس فاعلية الأدب في المجتمع(47)".‏

يوضح النص السابق أن ياسين النصير في إقراره الرؤية الاجتماعية من غير انسياق وراء نظرة محددة سلفاً لتلك الرؤية، يريد الإفادة من فكرة السياق، ولكن السياقية التي يريدها سياقية خاصة لا تحكمها آليات منهجية ذات صيغة مفروضة عليه، كما لا تحكمها وجهات نظر فنية خالصة سماها: (التجريدية المعماة).‏

شأن النصيّر في ذلك شأن فاضل ثامر، الذي رأينا كيف أراد أن يجمع بين الاتجاهين السياقي والنصي في رؤيته السوسيو- شعرية، وقد لاحظنا من قبل، كيف انتقد النصيّر الاتجاهات النصية لأنها فيما يرى تلغي دور المجتمع والأفكار في الأدب، ونلاحظ الآن بأنه ما يزال يبحث عن تحسس فاعلية الأدب في المجتمع كما قرر ذلك في النص السابق.‏

النصيّر، إذن، لا يريد لمنهجه المكاني الانضواء تحت لواء الاتجاهات النصيّة (الجديدة) لأن: "آليات المناهج القديمة ما تزال هي الأقوى وحجّتها في الإقناع هي الأفضل(48)"، على ما يرى، ولكنه في حقيقة الأمر ناقد نصّي وإن لم يعلن تبنيه النصّية منهجاً واتجاهاً، كما سنرى في نقده التطبيقي المنطلق من رؤيته المكانية.‏

يبحث ذلك الناقد في نقده التطبيقي عن بؤرة مكانية فاعلة وهو يقول إن الشاعر، عندما يأتي بمكان: "في قصيدته دون أن يكون هذا المكان فاعلاً كلياً في بناء النصّ، لا أعده مكاناً ذا شأن في النقد، وأعني بالمكان الفاعل المكان الذي يخلق صوره ولا تخلقه الصورة".‏

ويمكن تلمس تطبيقات ذلك الناقد لقضية (المكان الفاعل) في عدد من مقالاته النقدية المنشورة في الصحافة اليومية العراقية، ومنها مقالته التي قدم فيها قراءة نقدية لقصيدة حسين عبد اللطيف: (الساحة) التي أورد نصّها في مقالته:‏

"أعلنت العاشرهْ‏

والنصفَ ليلاً، دقّتِ الساعهْ‏

مطبقة الأهدابْ‏

وفي سكون الليل تعوي الكلاب‏

فتوقظ الساحهْ‏

شيئاً‏

فشيئاً‏

أفتح الأجفانْ‏

لم ألمح البستانْ‏

لم ألمح الحارسَ والسكرانْ‏

لم ألمح الفضّةَ في الألوانْ‏

...‏

...‏

لمحت نفسي آخر الساحة"(49).‏

قسمّ النصّير تلك القصيدة على ستة محاور ورأى أن: "محاور القصيدة الستة تتحرك ضمن قطبين خلاقين، القطب الأول مصدره: الأنا التي تولّد المسار إلى النافذة وإلى الساحة... أما القطب الثاني فمصدره الساحة التي تولّد المسار إلى النافذة وإلى الأنا"..‏

أما المكان البؤرة الذي يشمل كل مفردات القصيدة بمناخه وخصائصه في هذه القصيدة فهو الساحة التي: "تكون مكاناً خلاقاً وبقعة مولّدة، الساحة مكانياً تعني الخارج دائماً، الموقع المليء بالحرية... فهو نقيض الداخل أي الغرف والملاجئ والبيوت والمدن... ومكانيتها تلتزم الصحراوية، وكي تتوضّح قصدية الشاعر في تعامله مع الساحة أعطاها صفة زمنية، فكان المحور الأول من القصيدة مشبعاً بزمنية الليل الأبدي وبالوقت حيث دقّت الساعة...، وعمّق هذه الزمنية بالنافذة المطبقة الأهداب وبالنجمة الساهرة... وقرن هذا المعنى بتركيبة نفسية موحية هي السكون الصامت"...‏

وبعد ذلك قرر الناقد أن القصيدة تميل إلى: "الاسمية أكثر من ميلها إلى الفعلية، ويعني ذلك هيمنة أخرى للساحة على تراكيب الصور، وما ظهر من تراكيب فعلية انسحب إلى الداخل بفعل هيمنة الأسماء المكتسبة صفة الساحة، وما الأفعال القليلة إلا دليل آخر على هذه الهيمنة".‏

يمكن ملاحظة أن النصير في هذا التحليل النقدي يمثل اتجاهاً نصياً واضحاً، على عكس زعمه النظري بأنه يريد تحسس فاعلية الأدب في المجتمع، فهو لا يستعين بأي من الظروف والسياقات الخارجية التي أثرّت على الشاعر وإنما يدرس دلالة المكان في القصيدة انطلاقاً من تحليل المفردات وتحليل القصيدة على وفق محاورها التي اختارها، فهو ينطلق من النص وحده لتبين فاعلية المكان في القصيدة.‏

ولعل ذلك الناقد شعر بالتناقض الذي أوقع نفسه فيه، ذلك التناقض بين الزعم النظري والتطبيق الفعلي، فأشار في مقدمة مقالته إلى أن النص: "مهما كان نوعه يخضع إلى بنية فكرية تراثية وإنسانية أشمل من المفردات المكوّنة له، وما قراءتنا هذه أو سواها إلا قراءة للمفردات التكوينية، أما القراءة الأشمل، فهي وضع النص ضمن سياق فكري اجتماعي أوسع".‏

إن الملاحظة التي أوردها الناقد في مقدمة مقالته لا تمتّ إلى التطبيق النقدي بصلة، كما رأينا ذلك، فتحليله تحليل نصي محض لا علاقة له بالتحليلات السياقية، والمرجّح أنه أورد تلك الملاحظة لكي لا (يُتهم) بتهمة النصيّة التي سبق له أن ألصقها بآخرين، ونرجّح أيضاً أنه في تنظيره لقضية القراءة الأشمل التي لم يطبقها مطلقاً، فيما وجدنا له من مقالات نقدية، يريد أن يتّسق مع رؤيته (الماضية) للمناهج النقدية، ولكي يظهر للآخرين أنه في منهجه (المكاني) لا يبتعد كثيراً عن مواقعه الماضية.‏

وقد طبّق النصير قراءته المكانية تلك على قصيدتين أخريين الأولى لهادي ياسين علي عنوانها: (الجسر) والثانية قصيدة: (بيوت) لرعد عبد القادر(50).‏

إن تلك القراءة المكانية، فيما نرى، قراءة نصّية لمدلولات القصيدة، شأنها في ذلك، شأن القراءات النقدية التي عرضنا لها في المبحث السابق، ولكن ما يميزها، هو الاسم الذي أطلقه الناقد على منهجه النقدي، فضلاً عن تناول تلك المدلولات من زاوية نظر خاصة هي زاوية: المكان في القصيدة الحديثة.‏

7‏

لا يمكن أن نعد، إذن قراءة مدلولات القصيدة، قراءة سياقية للنصوص، فالنقد النصّي يعني بعنصر الدلالة كما يعنى بالعناصر الصوتية والتركيبية، وقراءة المضامين وتحليلها عند النّقاد السياقيين تُباين القراءة الدلالية عند النّقاد النصيين، كما رأينا ذلك عندما عرضنا لمقالات النقّاد النصيين في هذا الفصل.‏

بيد أننا، ينبغي أن نتوقف، هنا، عند قضية تتعلّق بالنظر إلى المناهج النقدية، ومحاولة التوفيق بينها، فقد رأينا من قبل، كيف حاول نقّاد السعي إلى الالتزام برؤية منهجية خاصة تقوم على الإفادة من الاتجاهات السياقية والنصية معاً، وناقشنا صحة أو عدم صحة الدعاوى المتعلّقة بالبحث عن مناهج خاصة في دراسة النصوص.‏

وليست المزاوجة بين الاتجاهات النقدية المتباينة سمة سلبية دائماً، إذ أن تلك المزاوجة تعبّر عن رؤية منهجية محددة معروفة في تاريخ النقد العالمي هي ما أطلق عليه ستانلي هايمن الرؤية التكاملية المثالية، ومهما كان رأينا بتلك الرؤية المنهجية، تبقى رؤية قائمة لها أعلامها ومريدوها، غير أن السمة السلبية هي عدم الوضوح المنهجي، لاسيما إذا رأينا نقاداً لا ينطلقون في نقدهم من أفق منهجي واضح، فتراهم تأثريين سياقيين نصيين في آن واحد.‏

وإذا كنا قد توقفنا في الفصل السابق عند مقالات النقّاد الذين يزاوجون بين الاتجاهات النقدية المتباينة مغلبين الجانب السياقي، فلابد لنا في هذا المبحث من التوقف عند مقالات النقّاد الذين يزاوجون بين تلك الاتجاهات مغلّبين الجانب النصّي، استكمالاً لرؤيتنا المنهجية التي سرنا على هديها في هذا الكتاب.‏

وربما عبّرت مقالات طراد الكبيسي تعبيراً واضحاً عن قضية عدم الوضوح المنهجي، والتنقل العشوائي بين عدة خيارات منهجية في الوقت نفسه، فهو يقدم لنا آراء انطباعية مرة، في حديثه عن شعر عدنان الصائغ كقوله عن إحدى صور الشاعر: "الصورة في قصيدة (صباح الخير أيها المعسكر) عن طلوع الشمس وانتشار أشعّتها، تعد من جميل الصور وأكثرها انثيالاً في المخيّلة: نفّل ضفائر حلوتنا الشمس، ننثرها خصلةً خصلةً، للرياح(51)"، كما يقرر في مقالة أخرى وهو يتحدث عن قصائد حسب الشيخ جعفر: "في الوقت الذي جاءت فيه قصائده غنية بالصور والمشاعر والوضوح والغناء جاءت محكمة البناء والصنعة(52)".‏

ولم يخبرنا في أي من المقالتين السابقتين عن الأسباب التي جعلته يقرر تلك الأحكام الانطباعية، فهو لم يحلل قصيدة عدنان الصائغ وإنما اكتفى بانطباعه الشخصي عن جمال الصورة التي أشار إليها، كما أنه لم يبين لنا غنى صور حسب الشيخ جعفر وكيف جاءت محكمة الصنعة والبناء‏

ولكنه في مقالة أخرى، حاول الإفادة من المناهج النصيّة وذلك في قراءته إحدى قصائد علي جعفر العلاّق، في هذه المقالة تتسلسل أفكار الناقد وتنبني الفكرة منها على فكرة أخرى فبعد أن حلل تلك القصيدة بقسميها اللذين قسمّها عليهما تحدث عن الترابط بين: "ما يسمى العلاقة الغيابية (معنى وترميز) والعلاقات الحضورية (بناء وتشكيل)(53).‏

وحاول ذلك الناقد أن يستقرئ مجازات القصيدة التي تُعد رموزَها الأساسية، قراءةً دلالية تعتمد على الوصف الموضوعي لصور القصيدة، ثم بيّن لنا كيف تخلو تلك القصيدة من الصور التزيينية الفائضة، دارساً المستوى الإيقاعي للقصيدة ومبيناً كيفية استخدام الأسطورة في القصيدة على نحو دمجها دمجاً كاملاً بعناصر القصيدة الأخرى.‏

لقد أفاد الكبيسي في تلك المقالة من الاتجاهات النصيّة سواء في مصطلحاته التي استخدمها: علاقات الحضور وعلاقات الغياب، أوفي أسلوب التحليل المعتمد على الوصف الموضوعي لمفردات القصيدة وصورها، من غير أن تتدخل ذات النقد في إطلاق أحكام غير مسببة، ولذا جاءت تلك المقالة أنموذجاً طيباً في نقد ذلك الناقد.‏

ويعد باقر جاسم محمد(54) واحداً من النقّاد الذين تضطرب الرؤية المنهجية لديهم، أحياناً، ففي الوقت الذي يستخدم مصطلحات المناهج النصية ويفيد من أساليبها في التحليل، يقرر في قسم من مقالاته أحكاماً انطباعية مبنية على ذوقه الشخصي، وتلك الأحكام غير المعللة فضلاً عن عنايته بالمضامين الفكرية والفلسفية على نحو يجعل تلك العناية قريبة من عناية النقّاد السياقيين، تجعلنا نصف قسماً من مقالاته بأنها تتسم بالاضطراب المنهجي.‏

يقول ذلك الناقد عن إحدى قصائد علي العلاّق: "نرى المقطع الأخير منها لا يحفر عميقاً في نهر التجربة المطروحة، لذلك فقد كان من الأفضل لو اختزله الشاعر"(55)، ولم يخبرنا كيف لا يحفر ذلك المقطع عميقاً في نهر التجربة، وإنما اكتفى بمعيار ذوقي شخصي لتقرير ذلك الحكم، وقال، أيضاً عن قصيدة العلاّق المشار إليها أنها: "تفيض موسيقا داخلية ثرّة تنتظم هذه الصورة وتتولّد عن توالي حرفي العين والصاد في حيّز كلامي ضيّق"، ولم نتوصل إلى معرفة الثراء الموسيقي المتولّد عن توالي ذينك الحرفين، إذ لم يشرح الناقد لنا ذلك الأمر.‏

ورأينا ذلك الناقد أيضاً يبحث في المضامين الفكرية والفلسفية لدى شاعرٍ ما، ليس اعتماداً على شعر ذلك الشاعر وإنما انطلاقاً من فكرة فلسفية محددة في ذهن القارئ، إذ قال وهو يتحدث عن شعر سامي مهدي: "سوف نحاول تلمس الصلة بين الحدود الفكرية للتجربة الوجودية كما عبّرت عنها القصائد القصيرة، وكذلك ما انطوت عليه هذه القصيدة من بنى عقلية معبرة عن التجربة نفسها"(56)، وهذا لا يعني أن ذلك الناقد يهمل النصوص الشعرية، وإنما يهتم في تلك المقالة اهتماماً خاصاً بأفكارها الفلسفية.‏

لكن ذلك الناقد، في الوقت نفسه، قدم لنا تحليلاً نقدياً جاداً لعدد من صور علي جعفر العلاق الشعرية، استخدم في ذلك التحليل وصفاً موضوعياً محايداً للمكونات اللغوية في شعر ذلك الشاعر، محاولاً إثبات أن صور العلاق الشعرية صور غير منفصلة، أي أن هناك وشائج وروابط بينها خلافاً لآخرين قالوا بانفصال تلك الصور، وقال إن النقد: "بالغ كثيراً في صفة الانفصال بين الصور الشعرية عند العلاق، وهو انفصال ظاهري، حسب، ذلك أن النقد اكتفى بالنظر في الفواصل والنقاط على أنها حدود فاصلة تجعل من كلِّ صورةٍ عالماً قائماً بذاته".(57)‏

ومن أجل إثبات ارتباط الصور، الواحدة منها بالأخرى لجأ ذلك الناقد إلى الإحصاء المنطلق من وصف الأسلوب وصفاً بنيوياً أو ألسنياً لا يحتفي كثيراً بالمحتوى، فوجد أنه بعد تحليل الثلث الأول من مجموعة علي العلاق الشعرية: (لاشيء يحدث لا أحد يجيء)، لاحظ وجود أربعين جملة اسمية من أصل (134)، جملة، ودخلت النواسخ على ما مجموعه 25 جملة من تلك الجمل الاسمية، أي ما يؤلف نسبة 62.5% من نسق الجمل الاسمية التي تفيد الإخبار والتعريف، وكانت هناك 82 جملة فعلية، وهي أعلى نسبة، في حين توزعت بقية أنماط البناء وعددها 12 جملة على الاستفهام والشرط والنداء والطلب.‏

وبعد قيام الناقد بإجراءات تمهيدية تكشف دلالة تقديم وتأخير المبتدأ والخبر لدى البلاغيين العرب، رأى أن العلاق قام بخرق شعري لدلالة تلك الأصول، ثم قام به بدراسة صورتين من صور العلاق الشعرية، التي تضمنها واحد من مقاطع قصيدته (تخطيطات في دفاتر ابن زريق البغدادي)، للتوصل إلى ذلك الخرق الشعري الذي قام به الشاعر:‏

وسادةٌ وجهي‏

وغصنُ ماء‏

أحملُ في نعاسه وجوهَكم‏

وحين حلل ذلك الناقد بنية الصورة تحليلاً نحوياً وجد أنها تتألف من المكونات الآتية: "خبر+ مبتدأ (مضاف ومضاف إليه)+ مضاف ومضاف إليه+ جملة فعلية تحتوي ضميراً يعود على المبتدأ أو على غصن الماء"، وأستنتج الناقد من هذا التحليل: "إن الشاعر قد شوّش المرتبة في بداية الصورة، إذ من المعلوم إن تقديم الخبر ينطوي على غاية بلاغية أبعد من أيلاء أهمية أكبر له، فهو لم يبدأ بالخبر (وسادة) لهذه الغاية، إنما فعل ذلك ليصل إلى تركيب صورة يخرج به عن الأصل الذي وضعت له الجملة الإسمية، فنحن نقرأ: (وسادة وجهي) وهو الجزء الأول من الصورة، وبعد ذلك نقرأ: (وغصن ماء)، وهو الجزء الثاني من الصورة، ولكي نتحوَّل من تصوّر الجزء الأول إلى تصوّر الجزء الثاني فإننا نحتاج إلى تخيّل صيرورة، أي تحوّل وتجدد في الصورة الشعرية، وهذا هو الخرق العميق المهم الذي أحدثته هذه الصورة".‏

ثم يفسر لنا معنى هذا الخرق بقوله: "من المعلوم إن العلاقات الاستبدالية Paradig matic relation لا تتحمل الأخبار عن الوجه بالوسادة وغصن الماء، ولكن الشعر يخرق هذه العلاقات في مستواها الاستعمالي ليؤسس قوّته الإدهاشية... أي ليصل إلى المجاز أو اللغة البدائية، ولو عدنا إلى الصورة السابقة لرأينا أن العلاقة بين جزئيها تحتوي تفاصيل تثري المعنى وتفتح أفق الدلالات بشكل واسع، فالوسادة في الخبر الأول تقع في حقل دلالي يشمل: السكون والنوم والليل معاً، وهي ظلال المعنى في هذا الجزء من الصورة، بينما غصن الماء يستدعي في مجاله الدلالي الحركة والنماء والشمس، أي النهار، بوصف أن الغصن لا يكون ما لم تكن هناك شمس، وهي ظلال المعنى في الجزء الثاني من الصورة".‏

وتوصل باقر جاسم محمد خلال هذا التحليل إلى أن: "جزئي الصورة يتضادّان في حقليهما الدلاليين وفي معناهما المباشر أيضاً، ولقد استعمل الشاعر نسق الجملة الفعلية بعد هذه الصورة مباشرة، وهو النسق الذي يفيد التحول والتجدد في الزمن في قوله: أحمل في نعاسه وجوهكم... وهذه الصورة تتعالق نحوياً بالصورة الأولى، أي أنهما تتصلان على مستوى البنية النحوية المجردة، كما أنهما تتحدان على مستوى الحقل الدلالي، فالنعاس يذكر بالوسادة والليل، وهو يتضمن السكون والهمود استعداداً للنوم... في ذلك نصل إلى أن الصورة لدى العلاق لا تريد أن تكون مستقلة بنفسها، إذ أنها تتصل على أوثق ما يكون الاتصال في بناها النحوية والدلالية".‏

إن تلك المقالة النقدية تعبّر عن منحى تحليلي نصّي متقدم لدى باقر جاسم محمد، ففي الوقت الذي لاحظنا افتقاره إلى منهجية واضحة في التعامل مع النصوص الشعرية في قسم، من مقالاته، وجدنا في هذه المقالة ميلاً إلى التحليل المتأني المنطلق من النص وحده، فأفكار الناقد في هذه المقالة أفكار مرتبة ومقالته مبنية بناء محكماً، فهو يعرف ما يريد التوصل إليه ويتّبع آلياتٍ محددة توصله إلى هدفه.‏

وفضلاً عن ذلك، وجدنا الناقد في تلك المقالة يبذل جهداً طيباً، سواء في عملية إحصاء الأفعال والأسماء، أو في تبيّن دلالات التقديم والتأخير في المباحث البلاغية العربية القديمة، ولم يكتف بالعملية الإحصائية وحدها، وإنما جعلها وسيلة لبلوغ غاية حددها سلفاً: وهي السعي لإثبات ترابط صور القصيدة عند علي جعفر العلاق، وحقق تلك الغاية بنجاح.‏

وأبان الناقد في مقالته تلك، أيضاً مقدرة تأويلية خاصة، عندما أوّل ارتباط الصور الشعرية من خلال كشفه عن الحقل الدلالي لكل صورة من الصور موضوع المقارنة، وكشف تضاد الصور وتوافقها لتحقيق هدفه المحدد سلفاً في تلك المقالة.‏

وعلى عكس ما دعا إليه حاتم الصكر في تنظيراته لقصيدة المنهج النقدي من محاولة للمزاوجة بين الاتجاهات السياقية والاتجاهات النصيّة، نجد له نقداً نصّياً يستوحي فيه النصوص وحدها من غير لجوء إلى سياقاتها الخارجية ومثالنا على ذلك تحليله قصيدةً لمالك المطلبي مقارناً إياها من بعض الأوجه بقصيدة ليوسف الصائغ.‏

في بداية مقالته مهد للموضوع بحديث موجز عن الفرق بين قصيدة المعركة وقصيدة الحرب كما يراها فهو يقول: "من مزايا قصيدة المعركة أنها تصل إلى غرضها بأقصر السبل فهي مباشرة بمعنى السير إلى غرض واضح، ومفهومة لأنها تحيل الوقائع إلى صور شعرية، ولا تحتاج كقصيدة الحرب إلى أن تحيل الوقائع إلى رموز ودلالات ثم إلى بنى شعرية، في قصيدة الحرب ليس ثمة ارتهان بظرف، فما هو آني يتحول إلى مطلق، ذلك أن قصيدة الحرب أعمّ من قصيدة المعركة وأشمل في دلالاتها ومضامينها، إنها لا تتنكر للواقعة، ولكنها لا تجعلها حيّزها الوحيد"(58).‏

وبعد هذا التفريق الدقيق بين المصطلحين يشير الناقد إلى قصيدة: (النخلة القتيل) ليوسف الصائغ على أنها قصيدة حرب كما يشير إلى ارتباط عنوان تلك القصيدة بعنوان لوحة فنية لجواد سليم مبيناً احتمال أن يكون لشجرة جواد سليم بعد ذاكرة الصائغ، وبعد تلك الإشارة يتناول بالتحليل قصيدة مالك المطلبي: (النخل).‏

شرع الصكر بقراءة القصيدة مبتدئاً بعنوانها: "نلتقي العنوان دلالة فنية قبل أن يكون دلالة مضمونية، ... فالعنوان هنا جزء من فنيّة القصيدة، فالنخل لا يذكر باسمه إلا في العنوان ولو لم يلتفت القارئ جيداً إليه، لحسب المتكلم في القصيدة الشاعر نفسه أو المقاتل، بقراءة العنوان في قصيدة المطلبي تتضح فنية القصيدة، فكل الضمائر تعود إليه، والضمير المستخدم غالباً هو ياء المتكلم أو الضمير المستتر أنا".‏

وبعد هذا التحليل لاستخدام الشاعر الفني للعنوان حاول الناقد البحث عن الجذور التراثية في قصيدة المطلبي مقرراً أن: "بيت أبي العلاء المعري:‏

عللاني فإن بيضَ الأماني‏

فنيت والظلامُ ليس بفانِ‏

كان هو المحرّك الأساسي في قصيدة المطلبي... إن استذكار مقدمة البيت يرتّب بالضرورة استذكار جوّها النفسي والنغمي أيضاً، لذا جاءت القصيدة نونية أيضاً، منظومة على تفعيلة: (فاعلن) القريبة من (فاعلاتن) أولى تفعيلات (الخفيف) الذي نظمت عليه نونية المعري".‏

وعندما أراد الناقد إثبات فكرة أراد الشاعر إبرازها وهي فكرة شموخ النخل ووقوفه ثابتاً أورد أدلّة من ألفاظ القصيدة تثبت ذلك: "ولا أدل على وقوف النخل عالياً من هذه (الألفات) المتكررة في: علا، كانت، نشأتها، الزمان، ابتدأ زماني، ولا أدل عليه من إهمال الهمزة والاكتفاء بالمد في قوله: ابتدأ، وفي المقاطع الأخرى يساهم ألف الاثنين: سيرا، كلا، أشربا، ناما، تريا، في تصوير الوقوف بعلو وشموخ".‏

ويربط حاتم الصكر في خاتمة مقالته تلك نتيجة التحليل بالتمهيد الذي بدأ به مقالته وهو التفريق بين قصيدة الحرب وقصيدة المعركة ويقرر أن قصيدة مالك المطلبي: "قصيدة حرب، إذن، لأنها تستذكر موروثاً وتتمثل مخلوقاً، وتشير إشارةً، ولا تباشر قصدها مباشرة".‏

ونحن لا نرى في حديث الناقد عن جذر القصيدة التراثي إقحاماً لسياق خارجي على النصّ، لأن الناقد استشف هذا الجذر التراثي من القصيدة نفسها، ومن ألفاظها التي كشفت الإشارة إلى قصيدة المعري، ولهذا السبب عددنا تلك المقالة مقالة نصيّة لا تستوحي أياً من السياقات والظروف الاجتماعية والتأريخية والنفسية لمنشئها ولجذورها المكوّنة لها.‏

وعلى هذا يكون حاتم الصكر، رغم سعيه التنظيري إلى إرساء منهج خاص به يستوحي المناهج النصيّة والسياقية معاً، ناقداً نصيّاً في هذه المقالة، كما كان ناقداً سياقياً في مقالات أخرى، وكما زاوج بين الاتجاهين العامين الكبيرين: السياقي والنصّي، في مقالات غير هذه وتلك.‏

8‏

تبين لنا، مما مضى من مباحث في هذا الفصل، أن المقالات النقدية النصيّة، أو ما افترضنا أنها نصيّة، كانت تعتمد الوصف الموضوعي المحايد للمكوّنات اللغوية، أي أن الناقد لا يحاول فيها إظهار انفعالاته الخاصة وهو يعرض للعمل الفني الذي ينقده، ويُعدّ هذا الوصف الموضوعي المحايد سمة للمناهج النصيّة الحديثة، التي تضع لنفسها هدفاً محدداً هو الكشف عن ثراء الدلالات الكامنة في النصوص من خلال دراسة العناصر ودراسة كيفية تآلفها في النص الواحد.‏

وقد كان أقطاب مدرسة النقد الجديد يميلون إلى ذلك الوصف، وهم كما يقول جيروم ستولنيتز: "في استطاعتك أن تتصفح قدراً كبيراً من كتاباتهم دون أن تجد حكم قيمة صريحاً واحداً(59)"، كما قرر باحث وهو يتحدث عن المنهج البنائي في النقد أنه: "ليس من أهداف البنائية أن تصف عملاً بالجودة وآخر بالرداءة، وإنما تحاول إبراز كيفية تركيبية، والمعاني التي تكتبها عناصره عندما تتآلف على هذا النحو(60)".‏

وعلى هذا، يكون النقّاد النصيون، أو من افترضنا أنهم نصيّون متسقين مع الأصول المنهجية التي يسيرون على هديها، في استخدامهم الوصف الموضوعي للنصوص، غير أن أحكاماً نقدية قد تبرز في قسم من المقالات، كما لاحظنا ذلك في ثنايا المباحث السابقة، وكما سنلاحظ ذلك الآن، ونحن نتوقف عند قسم من تلك الأحكام والتقويمات النقدية.‏

لقد بيّنا، عند تناولنا قضية الأحكام النقدية عند قسم من النقاد السياقيين، أن الأحكام غير المعللة كانت واحدة من الآفات التي عانى منها النقد في العراق، ولم نجد لدى أولئك النقّاد السياقيين أحكاماً معللة إلا فيما ندر، غير أن الحالة تغيّرت على نحو ما إذا ما بحثنا عن تلك الأحكام لدى النقّاد النصيين، فقد اختفت الأحكام الانطباعية غير المبنية على حيثيات إلى حد كبير.‏

وحلت في محلها أحكام معللة تبين أسباب الحكم وتناقشه مناقشة مستفيضة، فعندما وصف عبد الجبار البصري قسماً من صور حسين مردان الشعرية بأنها ناجحة، ووصف قسماً آخر من تلك الصور بأنها مخفقة بيّن أسباباً منطقية لحكمه، فمرد نجاح الشاعر في المجموعة الأولى من صوره يعود إلى أنه جرّد المفردات (الفولكلورية) والألفاظ الشعبية من قرائنها المادية واستطاع أن يصقلها وينقيها بحيث أصبحت تجمع بين ذكريات واقعها وإيحاء الخيال فالقداح، في قول الشاعر: وأنهر القدّاح في ذراعك البديع، لم يحتفظ بأي من قرائنه الواقعية حين أضيفت إليه لفظة: أنهر بل أعطته هذه اللحظة معاني جديدة منها الامتداد والسيولة والشفافية.(61)‏

وكذلك علل أسباب إخفاق الشاعر في صوره الأخرى، ومهما كان رأينا في تعليلات البصري، ومهما كان رأينا في الشعر الذي تناوله في تلك المقالة، وجدنا أنفسنا أمام أحكام معللة يبيّن فيها الناقد الأسباب التي تجعله يحكم بالجودة على صورة ما، ويحكم بعدم الجودة على صورة أخرى، وهي مزّية جيدة تسجل للناقد في تلك المرحلة من حياته النقدية.‏

كما يمكن أن نجد تلك الأحكام المعللة لدى نقّاد آخرين منهم حاتم الصكر الذي بيّن، بعد أن حلل إحدى قصائد رعد عبد القادر أن صورة دمية الابن التي قفزت في نهاية القصيدة إلى مجرى الأحداث حولّت اتجاه القصيدة وإعادتها إلى الذات بعد أن كانت تسبح في فضاء أشمل وأكثر بلاغة وتماسكاً(62)، وتسويغ هذا الحكم أن الناقد رصد في تلك المقالة أسلوب الشاعر المكتفي بالعرض المحايد للصور، ورأى أن صورة دمية الابن التي ربطها الشاعر إليه منسوبة بياء المتكلم، أخلّت بذلك الأسلوب ذي الخاصية المحايدة.‏

ومن الأحكام المعللة التي نجدها لدى الصكر حكمه على الشاعر المصري حسن النجار في ديوانه: ينهض الدم بأنه: "يعاني من خلل في صميم حرفته الفنية، ذلك هو القاموس الشعري المحدود الذي قيّد الشاعر داخل مفردات معينة تكررت لديه حدّ الملل(63)".‏

وقد بيّن لنا حيثيات حكمه عندما قال: "أمكنني الوقت من إجراء عملية إحصاء طريفة وجدت نتيجتها أن ستة ألفاظ هي: الدم، الجواد، الحصان، الخيل، المهر، الفرس كانت أكثر المفردات تكراراً وبشكل واضح بلغت محصلته كالآتي: الدم أكثر من خمس وعشرين مرة، الخيل حوالي 35 مرة، الجواد 14 مرة، يليها الحصان والأحصنة والمهرة والفرس إضافة إلى تنويعات مرادفة لها أو مشتقة منها كالصهيل والحافر والفرسان والسنابك والعنان والخبب".‏

ويضيف ذلك الناقد إلى تعليله الإحصائي سبباً آخر للحكم يمثله قوله: "لو أن استخدام المفردة يتجاوز معناها القاموسي ودورها في إكمال لوحة الحرب لاستطعنا اعتبارها ذات قيمة رمزية... أما في ديوان (ينهض الدم) فإن الخيول غالباً ما جاءت بمعناها اللغوي ولم تخلق مناخاً خاصاً يساعد على تأكيد قيمة رمزية".‏

هذه الأحكام النقدية وغيرها، أصبح بيان أسبابها واحداً مما يدعونا إلى النظر إليها ظاهرة صحية في النقد، رغم علمنا أن النقد النصّي لا يميل إلى إصدار الحكم، إذ المطلوب من الناقد أن يظل متحلياً بالموضوعية في الوصف بعيداً عن الحكم والتقدير، غير أننا نجد من ناحية أخرى أحكاماً انطباعية تأثرية، وهي على قلّتها، تمثل بقايا رواسب سلبية انحدرت إلى النقد النصّي من الماضي القريب الذي كان فيه النقد يقدم أحكاماً عامة من غير أن يسوّغها ويبين أسبابها.‏

ومن تلك الأحكام غير المعللة التي وجدناها لدى قسم من النقاد النصيّين، فضلاً عما أشير إليه عرضاً في المباحث السابقة، ما ورد في مقالة من مقالات محمد صابر عبيد عن شعر معد الجبوري، إذ قرر ذلك الناقد تقريراً قاطعاً بأن محاولات الجبوري الشعرية في مجموعته: (وردة للسفر): "لم تكن إلا محاولات فشل معها معدّ في مواقع وفشلت معه في مواقع أخرى، لأنه لا يمتلك هذا القدر الكبير من الحس الشعري... وإن الشاعر بقدراته الإبداعية المتواضعة كان دون المحاولة"(64).‏

ما كان لنا أن نعترض على تلك الأحكام لو أن الناقد مهّد لها بوصف موضوعي للمفردات والأبنية والصور، كما يفترض ذلك بعمل أي ناقد نصّي، ولكنّه في تلك المقالة لم يتحدث مطلقاً عن أبنية قصائد معد وإنما اكتفى بانطباعاته غير المعللة تلك.‏

وهذا هو شأن حكمه الإيجابي على شعر مريد البرغوثي عندما قال عنه: "أن صوته الخاص بارز تماماً في (قصائد الرصيف) وله في معظمها تقنية خاصة في البناء، وأسلوب متقن في مزاوجة عناصر القصيدة(65)"، ولم يخبرنا عن كيفية بروز صوت الشاعر الخاص وما هي التقنية الخاصة في البناء، وما الأسلوب المتقن في مزاوجة العناصر، وإنما اكتفى بتلك الانطباعية العامة التي سبق أن عددناها من آفات النقد في العراق خلال الحقبة الماضية التي لم يعرف النقّاد فيها شيئاً عن المناهج النقدية النصّية.‏

إن تلك الانطباعات العفوية قد تكون مقبولة لدى نقّاد لم يزعموا لأنفسهم السير على هدي مناهج نقدية محددة، ولكن لا يمكن قبولها في حقبة كثر الحديث فيها عن المناهج النقدية، وزعم نقّاد لأنفسهم أنهم يمثلون أكثر المناهج النصّية الحديثة تطرّفاً في دعوتها لإطراح الأحكام في النقد والاكتفاء بالتحليل المنهجي للأبنية الشعرية.‏

هوامش الفصل الرابع:‏

1- عبد الجبار البصري: (شاذل طاقة بين المساء الأخير والفجر)، الجماهير، بغداد 9/9/1963.‏

2- للبصري كتاب في هذا الموضوع. ينظر البصري، الأدب التكاملي، بغداد 1970، ص51 وما بعدها.‏

3- شهادة شخصية مقدمة إلى الباحث بتاريخ 22/1/1994 وقد أذن بنشرها.‏

4- هايمن: ج2 ص245.‏

5- مالك المطلبي: (السياب في النقد اللغوي)، الجمهورية، بغداد 24/12/1985.‏

6- محمد صابر عبيد: (مرونة الحركة الشعرية في قصيدة الدخان) الثورة، بغداد 20/5/1985 وينظر: حسب الشيخ جعفر (الطائر الخشبي) بغداد 1972 ص 110وما بعدها.‏

7- ينظر: ذلك التحليل في الثورة، بغداد 15/6/1986.‏

8- عبد الرحمن طهمازي: شاعر وناقد من مواليد سامراء 1946 حاصل على بكلوريوس آداب في اللغة العربية. أصدر مجموعتين شعريتين هما: (ذكرى الحاضر) بغداد 1974. (تقريظ الطبيعة) بغداد 1986. ومن دراساته النقدية: (سيادة الفراغ) دراسة تحت الطبع (القراءة والتأويل) دراسة تحت الطبع.‏

9- عبد الرحمن طهمازي: (قراءة أم تأويل) الجمهورية، بغداد 2/5/1987‏

10- عبد الرحمن طهمازي: (قابلية النص) الجمهورية، بغداد 28/7/1987.‏

11- ينظر: عبد الرحمن طهمازي: (السنبلة الأخلاقية) الجمهورية، بغداد 3/11/1987.‏

12- عبد الجبار البصري: (القصيدة المدورة) الثورة، بغداد 11/5/1972.‏

13- طراد الكبيسي: (الغابة والفصول)، بغداد 1979، ص99.‏

14- عبد الجبار البصري: (دفاع عن الزحاف) العراق، بغداد 3/4/1989.‏

15- داود سلّوم: (الشكل في الشعر) العراق، بغداد 24/11/1984.‏

16- عبد الجبار البصري: (الموسيقا الشعرية) الثورة، بغداد 14/1/1981.‏

17- ينظر: عبد الله الطيب المجذوب: المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها، ج2، القاهرة 1955. ص2 وينظر أيضاً: شكري عياد: موسيقى الشعر، القاهرة 1968، ص 108 وإبراهيم أنيس: موسيقى الشعر، القاهرة 1972، ص249.‏

18- ناقد وشاعر ولد في محافظة ذي قار 1946 توفي عام 1994. حاصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي. له مجموعة شعرية واحدة: (الأناشيد)، بغداد 1994 ومن كتبه النقدية ( الشاعر العربي الحديث مسرحيا) بغداد 1976. و(دير الملاك)، بغداد 1982.‏

19- محسن اطيمش: (من قضايا موسيقا الشعر الجديد، الإجابة عن تساؤلات) الجمهورية، بغداد 30/6/1982.‏

20- اطيمش: (من قضايا موسيقا الشعر الجديد، الظاهرة وتفسيرها) الجمهورية، بغداد 8/7/1982.‏

21- محسن اطيمش: (من قضايا موسيقا الشعر الجديد، الإجابة عن تساؤلات) الجمهورية، بغداد 30/6/1982.‏

22- اطيمش: (من قضايا موسيقا الشعر الجديد، الظاهرة وتفسيرها) الجمهورية، بغداد 8/7/1982.‏

23- ينظر: اطيمش: (من قضايا موسيقا الشعر الجديد، أبعاد التجربة) الجمهورية، بغداد 28/7/1982.‏

24- ينظر: اطيمش: (من قضايا موسيقا الشعر الجديد، التشكيل والتنوع والرتابة) الجمهورية، بغداد 21/7/1982‏

25- محسن اطيمش: (دير الملاك) بغداد 1982، ص362.‏

26- علي جعفر العلاق: (معضلة الوزن الشعري)، الجمهورية، بغداد 12/8/1987.‏

27- ينظر العلاق: (جماليات التدوير) الجمهورية، بغداد 6/10/1987.‏

28- علي جعفر العلاق: (إيقاع الشعر إيقاع النثر) الجمهورية، بغداد 13/9/1989.‏

29- جلال الخياط: (الأصول الدرامية في الشعر العربي) بغداد 1982، ص7.‏

30- يوسف الصائغ: الشعر الحرّ في العراق، ص202.‏

31- محسن اطيمش: دير الملاك، بغداد 1982، ص23.‏

32- محمد الجزائري: (ملخص منجزات قصيدة الحرب في العراق) القادسية، بغداد 24/11/1988.‏

33- يوسف الصائغ: (إجازة) القادسية، بغداد 5/2/1986.‏

34- ينظر: محمد الجزائري: (مفارقة البطل والسياق) القادسية، بغداد 8/2/1989.‏

35- محمد الجزائري: (في بنائية القصيدة الحديثة، الإيجاز جداً) القادسية، بغداد 6/3/1989.‏

36- باسم عبد الحميد حمودي: (الصورة الدرامية في شعر شاذل طاقة) القادسية، بغداد 4/11/1989.‏

37- باسم عبد الحميد حمودي: (البناء الدرامي في قصيدة علي الحلي) القادسية، بغداد 2/5/1990.‏

38- قيس كاظم الجنابي: ناقد ولد في الحلة 1951. حاصل على بكلوريوس الآداب في اللغة العربية له عدد من المقالات المنشورة في الصحف والمجلات العراقية. ولديه كتاب هو: (الصورة البدوية في شعر شفيق الكمالي) بغداد 1981. ومخطوطتان هما: (آفاق القصة العراقية القصيرة) و(شاذل طاقة والبحث عن الجذور).‏

39- قيس كاظم الجنابي: (البنية القصصية في قصيدة الحرب) القادسية، بغداد 19/9/1988.‏

40- من تلك المقالات مقالاته: (المبنى الحكائي) القادسية 29/4/1990. (نحو شعر قصصي) القادسية، بغداد 22/7/1990.‏

41- خالد علي مصطفى: (الحرية والموت) الثورة، بغداد 24/12/1984.‏

42- مالك المطلبي: (نشوء الخطاب) الجمهورية، بغداد 4/2/1986.‏

43- حاتم الصكر: (دروب المدن وأقنعة الأسطورة) الجمهورية، بغداد 24/ 12/1982.‏

44- ينظر: محمد صابر عبيد: (إشكالية الحب والموت) الثورة، بغداد 26/1/1985.‏

45- علي جعفر العلاّق: (المدينة في الشعر) الثورة، بغداد 22/3/1986.‏

46- علي جعفر العلاق: (القصيدة والأسير) الجمهورية، بغداد 10/9/1987.‏

47- ياسين النصّير: (حمى البنيوية) الجمهورية، بغداد 11/7/1982.‏

48- ياسين النصيّر: (لا يخطئ السهم الهدف) الثورة، بغداد 10/4/1988.‏

49- ياسين النصير: (نحو قراءة منهجية للنص) الجمهورية، بغداد 4/2/1988.‏

50- ينظر: ياسين النصير: (قراءة مكانية في قصيدة) الجمهورية، بغداد 22/2/1988. و(قراءة في قصيدة) الجمهورية، بغداد 13/3/1988.‏

51- طراد الكبيسي: (انتظريني تحت نصب الحرية) الثورة، بغداد 18/4/1985.‏

52- طراد الكبيسي: (همّ القصيدة وهمّ الوضوح) الثورة، بغداد 15/4/1986.‏

53- طراد الكبيسي: (ملاحظات في قصيدة) الثورة، بغداد 18/12/1989.‏

54- باقر جاسم محمد: ناقد ولد في ناحية الإسكندرية، محافظة بابل 1951، حاصل على بكلوريوس اللغة الإنجليزية، له مقالات نقدية كثيرة في الصحف والمجلات العراقية، له كتاب نقدي واحد: (الجمال المعرفي في قصة الحرب) دراسة ومختارات.‏

55- باقر جاسم محمد: (تقنيات قصيدة الحرب عند العلاق) الثورة، بغداد 5/9/1987.‏

56- باقر جاسم محمد: (العقل الشعري فاعلاً) الثورة، بغداد 21/6/1990.‏

57- باقر جاسم محمد: (الصورة، أنسق، التأويل) الثورة، بغداد 13/11/1989.‏

58- حاتم الصكر: (جماليات قصيدة محاربة) الجمهورية، بغداد 3/4/1986.‏

59- ستولنيتز: ص 729.‏

60- فصل: نظرية البنائية: ص333.‏

61- ينظر: عبد الجبار داود البصري: (طراز حسين مردان الخاص) صوت العرب، بغداد 25/10/1967. ينظر: حسين مردان: (طراز خاص) بيروت د. ت، ص18، 31، 79، 81، 93.‏

62- ينظر: حاتم الصكر: (وجه آخر للقصيدة الجديدة) الجمهورية، بغداد 16/8/1986.‏

63- حاتم الصكر: (ينهض الدم وأزمة القاموس الشعري) الثورة، بغداد 8/9/1982.‏

64- محمد صابر عبيد: (الوردة التي فقدت عطرها) الثورة، بغداد 14/4/1984.‏

65- محمد صابر عبيد: (لحظة المفاجأة الشعرية) الجمهورية، بغداد 23/9/1985.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244