الاتجاه القـومي في مسرح عدنان مردم الشعري - حسـين حموي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

مقدمة البحث

كان المسرح في الماضي، ولا يزال يشكل أداة مهمة من أدوات الإيصال والتثقيف، وكأي فرع من فروع الثقافة والفن، لا بد أن يعتريه قليل أو كثيرٌ من التطور والتغير، ليس بالضرورة أن يكون ذلك نحو الأحسن، فالأجناس الأدبية، والفنون على اختلافها، يتعاورها مد وجذر، تبعاً لحالات النهوض أو الركود التي تمر بها الأمم والشعوب. وليست أمتنا العربية إلا واحدة من الأمم التي مرّت هي الأخرى في مراحل قوة وضعف، ومراحل نهوض وركود.‏

وقد أصاب المسرح العربي، ولا سيّما الشعري منه بشكل خاص، ما أصاب العديد من الفنون التي خبا أوارها أو ربما، انقرضت، وأصبحت طيّ النسيان، كالأراجيز، والمقامات، وخيال الظل، وغيرها. ومع أن العرب باعتراف جميع المؤرخين (أمة شاعرة) والشعر ديوانها، والظواهر المسرحية بادية في مجالسها، ومساجلاتها، وحروبها، واحتفالاتها، وأفراحها، وأتراحها، حيث ذكر الدكتور علي عقلة عرسان(1) عدداً كبيراً من هذه الظواهر في كتابه الظواهر المسرحية عند العرب. فإن كثيراً من الباحثين والدارسين اعتبروا أن فن المسرح -جديد وطارئ على مجتمعنا العربي بدأ مع (مارون النقاش)(2) 1232-1271هـ /1817-1855م، الذي حمل أنسام المسرح الغربي (الأوربي) إلى الوطن العربي بحكم إطلاعه المباشر على هذا المسرح.‏

لقد استطاع هذا الرائد العربي اللبناني الأول للمسرح أن يقدم في بيته في بيروت سنة 1848م مسرحية (البخيل) وفي سنة 1849م مسرحية (أبو الحسن المغفل وهارون الرشيد) ثم أشاد أول مسرح عربي بجوار بيته في بيروت، قدم عليه سنة 1853م مسرحية (الحسود السليط) بتقنيات فنية يحاكي فيها التقنيات التي وصل إليها المسرح الأوربي آنذاك.‏

وتتالت الأعمال المسرحية بعد ذلك في مصر، وبلاد الشام، والمغرب العربي وسواء أكان للمسرح العربي تاريخ قديم، وملامح هوية مشتركة، أم لَمْ يكن، فإن المسرحيات التي بدأت تظهر هنا وهناك على امتداد الساحة العربية، كانت مستوحاة من التاريخ العربي، والشعر العربي، لذلك نستطيع القول: إن بدايات هذا المسرح كانت قومية المنطلق والأهداف، عربية الامتداد، ومن مظاهر هذا التطلع القومي، انتقال الرواد بفرقهم وأعمالهم المسرحية من بلد عربي إلى آخر، عندما تشتد الحصارات من حولهم، أو حينما يجدون متسعاً للعرض في بلد عربي آخر(3) وكانت اللغة العربية الفصحى هي لغة المسرح، يمازجها الغناء العربي الأصيل، والرقص، والحكواتي، وخيال الظل، وحتى النصوص التي أدّيت باللهجات المحلية استقبلت كنتاج عربي ولم تستقبل كنتاج إقليمي، والسبب أن المضامين التي اشتملت عليها هذه النصوص تعبر عن هموم وآمال عربية.‏

ونظراً للأهمية الكبيرة التي يحتلها الشعر في تاريخنا الأدبي، والفني، بصفته يدخل في نسيج هذا التاريخ، ويشكل عنصراً هاماً في ملامح الحضارة العربية التي استقت منها الحضارات الإنسانية معظم المعلومات، والأحداث التي شهدتها المنطقة العربية، كان لا بد من محاولة جادة، وجديدة، لدراسة هذا الشعر في البناء الفني الدرامي الذي نادراً ما تخلو حركة شعرية في العالم من بعض تأثيراته.‏

لما لهذه الدراسات من أهمية في توضيح الجوانب الإبداعية والفنية معاً، الداخلة في نسيج الشعر كجنس أدبي له سماته ومميزاته الفنية الخاصة به، وفي نسيج المسرح فناً مركباً، له عناصره البنائية والفنية الخاصة به أيضاً، وفي توضيح هذه الارهاصات الابداعية الاولى، والظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، والفكرية التي رافقت هذه الإرهاصات، ومهدت لها.‏

هذه العوامل مجتمعة، وعوامل أخرى تتعلق بدور الشعر في بعث الوجدان القومي، ودور المسرح الشعري كشكل من أشكال التعبير الفني عن فاعلية الشعر في الدراما، وقابلية الدراما للشعر الذي يقوم على نظام البيت العربي الأصيل، وبأهمية هذا الشاعر المسرحي الذي يأتي ثالث اثنين من أهم شعراء المسرح الشعري العربي، بعد شوقي(4) وأباظة(5) اللذين حظيا بدراسات نقدية كثيرة حول مسرحهما في حين لم يحظ عدنان مردم إلا بالقليل من الاهتمام، هي التي دفعتني لاختيار موضوع دراستي تحت هذا العنوان (الاتجاه القومي في مسرح عدنان مردم الشعري) حيث كان رائداً من رواد المسرح الشعري في سورية، على مدى نصف قرن من الزمان. والآثار التي من بعده، أصبحت تراثاً شعرياً ومسرحياً لهذا النوع من الكتابة، وأحد المؤشرات الدالة على تطورها، ومفاخرها، فمن حقه علينا، ومن واجبنا تجاهه، أن ندرس هذا التراث، دراسة أكاديمية، في محاولة أولية لفهمه أولاً، وللاستضاءة بنوره ثانياً، ولتقديم صورة عن شكله ومضمونه، وتأثره، وتأثيره في الحركتين الشعرية والمسرحية اللتين واكبتا عصره ثالثاً، ولمساعدة الأجيال العربية في التعرف على هذا المبدع العربي السوري، وللاستفادة من أثاره فيما إذا توفرت البواعث، والموثبات الموقظة لهذا النوع من الشعر وهذا النوع من المسرح في المستقبل.‏

فالزمان إذن هو العقود الخمسة الماضية من هذا القرن الذي يوشك على نهايته، والمكان هو بلاد الشام التي كان لها أثر بارز، ودور هام في بعث الفكر القومي، وتوضيح مدلول القومية العربية على الصعيد الشعري والمسرحي.‏

وعدنان مردم أحد أعلام هذه المرحلة، مثل فكراً بارزاً ومهماً في إحياء بعض جوانب هامة من هذا التراث العربي، ونشره بأسلوب شعري جديد، ولغة شعرية تناسب الدراما الكلاسيكية ومضامينها، حيث اتكأ على التراث العربي القديم في بعض المسرحيات، واعتمد على الرمز الأسطوري، والإسقاط التاريخي في بعض المسرحيات الأخرى، لكنه في جميع ما كتبه شعراً ونثراً، بقي حاملاً لمشعل القومية العربية، باذلاً قصارى جهده لبعث هذا الفكر بكل أصالته، وإنسانيته على امتداد وطنه العربي الكبير.‏

إن عدنان مردم، سليل بيت عربي ثقافي عريق، فهو نجل الشاعر خليل مردم(6) شاعر الشام، وحفيد جميل مردم(7)، وقد كان يطمح منذ نعومة أظفاره، رؤية هذه الأمة التي ابتليت بالفُرقة، والضعف، موحدة، قوية، لها حضورها السياسي والحضاري، والثقافي بين الأمم.‏

وكان يجد في تراث هذه الأمة المرجعية التي تحافظ على الانتماء القومي، والقوة الخفية التي تجدد انبعاثها الحضاري، لذلك نجد في كثير من أعماله المسرحية يعود إلى الماضي ينقب عن المواقف الأصيلة، والمآثر الكريمة، ويبحث ويستقصي من بحر التراث العربي، ما يؤكد هوية هذه الأمة، ووحدتها القومية، فتخصص فيه، وتعمق في دراسته، ووقف عليه معظم سني حياته، وأسهم في إحيائه، ودعا المثقف العربي لمعرفة هذا التراث العربي العظيم الزاخر بالبطولات والمآثر والمكارم، ليستلهم منه ويبني عليه إبداعاً جديداً، يضيف إلى ذلك الأصيل تأصيلاً وتجديداً لمدلول القومية العربية على الصعيد الثقافي بشكل عام، والمسرحي منه بشكل خاص. انعكس ذلك في فكره، وفي شعره وفي نشأته، فقد اهتم باللغة العربية، وأحبها، منذ الطفولة، لأنه تربى في كنف والده الشاعر خليل مردم رئيس مجمع اللغة العربية، في دمشق، كما اهتم بالتاريخ، وعشق الوحدة العربية، ودعا إليها، فلم يقتصر ما قدمه على قطر آخر، ولم يطرح في كتاباته مشكلات بلاد الشام وحدها، بل كان يحمل هموم الأمة ويتطلع إلى مشروعها القومي التحرري العربي بمنتهى التفاؤل والأمل.‏

لا شك أن دراسة عدنان مردم سيرة ذاتية، وفكراً قومياً، ومسرحاً شعرياً، سوف تساعدنا على فهم الكثير من الجوانب المهمة في الشعر المسرحي المعاصر، وعلى بيان دور هذا الشعر في تطور الحركة الأدبية والفنية في سورية والوطن العربي.‏

هذه بعض الأسباب، والمسوغات التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع، لا سيّما وأن هذا الشاعر لم يأخذ حقه، ولا جزءاً يسيراً من حقه، لا في حياته، ولا بعد رحيله، من الدراسة، والتقويم لا بل بقي طيّ النسيان، إذا لم أقل طيّ الإهمال، ربما كان يعود السبب في ذلك إلى انحسار المسرح الشعري، أو غيابه عن الساحة الأدبية والفنية في معظم الأقطار العربية، وليس في سورية فقط، وربما يعود السبب إلى التهيّب من اقتحام أبواب هذا المبدع الذي كان همه الوحيد أن يقرأ ويبدع، من غير أن يبحث عن الشهرة أو الأضواء، ولقد كانت تربطني به علاقة طيبة، فقمت بزيارته غير مرّة إلى بيته، وكان هو الآخر على الرغم من مرضه، يزورني إلى مقر عملي في اتحاد الكتاب العرب بدمشق، بصحبة أحد ولديه قتيبة أو وضاح وأحياناً الاثنين معاً، إلى أن توطدت عرى الصداقة، والمحبة بيننا، وشعرت بإلحاح الفكرة، ومشروع البحث، بعد رحيله، اعترافاً بفضله، وكشفاً لنبله، وسموّ أخلاقه، وفكره، وإبداعه. فأقدمت، وأنا أشعر بالتهّيب أمام هذا العدد الضخم من المسرحيات الشعرية الذي يصل إلى خمس عشرة مسرحية، وإلى بيادر متناثرة من الشعر جمعها، ونشرها في أربعة مجموعات شعرية، مع عدد غير قليل من الكتب النثرية، والدراسات الأدبية، والمقالات المتفرقة لكل هذه الأسباب، وإخلاصاً لمثل هؤلاء الأعلام الأفذاذ، وعرفاناً بجميلهم علينا، وعلى الأجيال العربية القادمة من بعدنا كانت هذه الدراسة التي توخيت فيها الموضوعية، بعيداً عن أية عاطفة وجدانية خاصة، أو مقاربة فكرية، أو أخلاقية.‏

معتمداً في بحثي على الآثار الأدبية التي خلفها الشاعر نفسه، وعلى أهله، وذويه من المقربين إليه في حياته في دراسة سيرته الذاتية، مستفيداً من معظم الأبحاث، والدراسات التي تناولت إبداعه الشعري(8)، أو إبداع والده الذي يخيّل إليّ أنه كان النسغ الأهم في رفده، وتغذيته، بتلك الموهبة الشعرية واللغوية، ويعود إلى تشجيعه ورعايته، الفضل الأول في دفعه على دروب الإبداع وفي غرس الشعور القومي في وجدانه منذ نعومة أظفاره.‏

إن دراسة عدنان مردم فيما أبدع وأعطى شعراً ونثراً، تساعدنا على فهم الكثير من الجوانب المهمة في المسرحية الشعرية، وتجعلنا نتعرّف إلى موقع المسرح الشعري من هذه المنظومة الثقافية الشاملة، والأسباب التي أدت إلى تراجعه أو اضمحلاله في العصر الحديث كما تعرفنا في الوقت ذاته إلى تجليات الفكر القومي في مسرحياته الشعرية من خلال:‏

1-التعريف بحياة عدنان مردم من الجوانب التربوية والفكرية والإبداعية وأثر ذلك على انتمائه القومي الأصيل.‏

2-التعريف بإبداعه المسرحي، ولا سيّما في إطار الاتجاه القومي الذي كان من أبرز سمات المسرح المردمي.‏

3-التعريف بالمراحل التاريخية التي عاش فيها، وأهم الأحداث التي سادت عصره.‏

4-بيان الدور الذي أدّاه على الصعيد الوطني والقومي، والوقوف عند أهم منطلقاته الفكرية، والإبداعية، التي استهدى بها في سلوكه الحياتي، وإبداعه الشعري، وبيان الأصالة والحداثة فيها.‏

لقد وزّعت موضوعات البحث على ستة فصول، يتفرّع عنها عدد من الأقسام، تتكامل فيما بينها، لتعطي الصورة التقريبية عن جذور الفكر القومي في الفن، وعن حركة القومية العربية في بعديها التاريخي واللغوي، وعن الشاعر عدنان مردم، سيرة ذاتية، ومبدعاً مجلياً في ميدان المسرح الشعري.‏

وقد جعلت المدخل لهذه الدراسة من الفصل الأول للإلماح إلى جذور الفكر القومي في الوطن العربي عبر مراحل تاريخية متتالية تبدأ بالمنابت الأولى لأصل العرب، واللغة العربية التي عززت هذا الأصل، وأسست بنيانه الحضاري الشامخ، والتطورات الفكرية التي رافقت حركة القومية العربية المعاصرة على ضوء النضال السياسي لمعظم حركات التحرر العربي التي كان الفكر القومي الوحدوي يشكل القاسم المشترك الأعظم لنضالها.‏

ثم انتقلت في الفصل الثاني للحديث عن حياة الشاعر من حيث النشأة، والثقافة، والشخصية، وكيف كان شديد التأثر بأبيه الشاعر خليل مردم وبالأحداث التي عايشها.‏

وما عكسته الحياة السياسية، والاجتماعية، والاقتصادية، والثقافية زمن الشاعر عدنان مردم على إبداعه الوطني والقومي.‏

وخصصت الفصل الثالث للحديث عن المظاهر الدرامية في التاريخ القديم، مشيراً إلى الشعر التمثيلي، ومظاهره في الطقوس القديمة، ثم إلى وجوه المقاربة والمفارقة بين المسرح الشعري والشعر المسرحي.‏

وخصصت الفصل الرابع للحديث عن مصادر المسرح المردمي، من حيث الارتكاز على التاريخ مصدراً، وعلى استحضار الرمز في التراث العربي والعالمي.‏

وخصصت الفصل الخامس للحديث عن تجليات الاتجاه القومي في المسرحية المردمية، وكيف تجلى هذا الاتجاه القومي في المسرح الشعري المردمي من خلال اللغة العربية والتمسك بالفصحى، ثم استحضار التراث والتمسك بالأصالة، ثم الانتماء القومي والتغني بالمآثر والدعوة للوحدة العربية، وتمجيد البطولة والشهادة، والتحريض على المقاومة ضد جميع أشكال القهر والظلم، والاستلاب، ولم أتوقف عند جميع مسرحيات عدنان مردم فهي كثيرة ومتعددة الاتجاهات، واكتفيت بالمسرحيات التي اتكأ فيها الشاعر على التراث العربي، وتراث الشعوب الأخرى التي تشبه أحداثها ورموزها التاريخية أحداث الواقع الراهن، والتي تؤكد على حب الأرض، والحرية، والتضحية والفداء في سبيل الأرض والحرية، واستنهاض الهمم للكفاح ضدّ جميع أشكال الظلم والقهر، ولا سيما ما يدور حول مأساة فلسطين التي تعيد إلى الذاكرة مأساة العرب في الأندلس، من خلال مسرحية (مصرع غرناطة) ومسرحية (دير ياسين) ومسرحية (فلسطين الثائرة) التي تتمحور شخوصها وأحداثها حول القضية الفلسطينية محور النضال القومي لأمتنا العربية، ومنطلق النظرة القومية لوحدة هذه الأمة التي تقع فلسطين منها في القلب، والموقف من الصهيونية التي تحاول اغتيال الأمل بالوحدة والموقف من المقاومة، والتحرير، واستعادة الحقوق رغم التجزئة وتخاذل الحكام، وتجهيل الشعب، وبث الفرقة، والأمراض المزمنة التي توهن الجسد العربي، وتعيده مرّة أخرى إلى عهود القهر والظلم والعبودية، وتحدّ من قدرته على النهوض من جديد لاستعادة أمجاده، وبناء حضارته العربية المعاصرة بناء جديداً يتحقق فيه التوازن الفعلي بين الأصالة والمعاصرة، وبين هوية الإنتماء للأمة، والتمسك بالقيم الأصلية المعززة لهذه الهوية من جهة، وبين المستجدات والمتغيرات الكونية التي تحتمها قوانين التطور في المجتمعات الأخرى من جهة ثانية. هي أهم تلك الموضوعات التي شكلت المحتوى العام لمعظم المسرحيات الشعرية التي أبدعها الشاعر عدنان مردم على مدى خمسة عقود من الزمن.‏

وخَتَمْتُ الدراسة في الفصل السادس بالوقوف على أهم السمات المميزة للمسرح الشعري المردمي الذي يندرج في سياق الاتجاه القومي لهذا الشاعر من حيث البناء الفني شكلاً ومضموناً.‏

فجاء البحث دراسة مونوغرافية تتصدى لدراسة الفكر القومي عند عدنان مردم، والعوامل والمؤثرات التي كونته، وأهم المسرحيات التي تجسّد فيها هذا الفكر، وتطبيقاته على صعيد الإبداع وكان منهج الاستقصاء التاريخي، والتحليل التطبيقي، هو منهج البحث في إضاءة الجوانب الشخصية والإبداعية من حياة هذا المبدع، فقد رجعت إلى نتاج عدنان مردم الشعري والنثري، وتتبعت الأحداث والعوامل والظروف السياسية والاجتماعية، والفكرية التي عاش في إطارها وما عكسته هذه الأحداث والعوامل على تشبّعه بالفكر القومي، كما بذلت قصارى جهدي لمقابلة أكثر عدد ممكن ممن عاشوا معه في كنف الأسرة أو في دائرة العمل من الذين ما زالوا على قيد الحياة، واتصلت بالمؤسسات والمنظمات التي عمل فيها، ولا أدّعي بما حصلت عليه من أخبار، وقراءات لنتاجه المسرحي، أنني في هذه الدراسة قد وفّيت هذا المبدع المجلي حقّه من البحث والاستقصاء، فالإحاطة بتفاصيل حياة عدنان مردم، والإلمام بكل ما أبدعه، تحليلاً ونقداً، ولا سيما في المسرح يحتاج إلى فريق عمل متعدد الاختصاصات والاهتمامات لكي يضيء الجوانب الحياتية والفكرية والإبداعية في شخصية هذا المبدع الغزير الإنتاج.‏

إن ما قدّمته في هذا البحث من إضاءات حول شخصية عدنان مردم وحياته، واتجاهه القومي في مسرحه الشعري، والخصائص الفنية لمسرحه الشعري، ما هو إلا محاولة متواضعة وبداية على طريق تلمّس حركة الخط البياني لحركة المسرح الشعري في سورية وأثر المسرحية المردمية في هذه الحركة. وما قدمه عدنان مردم إلى جانب غيره من المبدعين للأجيال القادمة من أفكار ومواقف ومنطلقات وإبداع. واللّه ولي التوفيق.‏

(1)عرسان، علي عقلة: باحث سوري معاصر، وكاتب مسرحي، ولد بقرية صيدا في محافظة درعا في العام 1940، عمل مديراً للمسارح ثم رئيساً لاتحاد الكتاب العرب، وأهم كتبه (سياسة في المسرح، والظواهر المسرحية عند العرب).‏

(2) النقاش، مارون (1232-1281هـ 1817-1855م) من الروّاد الأول لفن التمثيل العربي، ولد بصيدا في لبنان، ونشأ وتعلم ببيروت، وعمل في التجارة، رحل عام (1846) إلى إيطاليا، فأعجب بالتمثيل، وعاد إلى بيروت فترجم عن الفرنسية قصة (البخيل) لموليير، وأدخل فيها شعراً، ثم ألف روايات غيرها (الزركلي، خير الدين الأعلام) دار العلم للملايين، بيروت، ط5- 1980، المجلد الخامس (ص253) ويرى الناقد محمد يوسف نجم أن النقاش لم يقتبس أو يعرب أو يترجم مسرحية (البخيل) لموليير بل هي من تأليفه حيث يقول: "زعم كثير من الباحثين أن مسرحية البخيل لمارون، هي اقتباس أو ترجمة للمسرحية المعروفة بهذا الاسم التي كتبها المسرحي العظيم (موليير) الحقيقة التي لا يرقى إليها شك أن هذه المسرحية مؤلفه من ألفها إلى يائها، بيد أن النقاش ألفها بعد قراءته للمسرحية المولييرية، واستيعابه لبعض شخصياتها، ولمقومات الإضحاك فيها، (نجم، محمد يوسف، المسرحية في الأدب العربي الحديث ص416).‏

(3) لقد تنقل مارون النقاش بين لبنان ومصر وبعض المدن الشامية كحلب ودمشق، وسافر إلى الاسكندرية والقاهرة عام 1846 ثم عرّج من هناك إلى إيطاليا ثم سافر إلى طرطوس في بلاد الشام أيضاً. في أيلول عام 1854 ومكث فيها ثمانية أشهر وأصيب بحمى شديدة في أواخر أيار سرعان ما أودت بحياته في الأول من حزيران عام 1855 ثم نقلت أسرته فيما بعد جثته إلى لبنان ولم تنته الحركة المسرحية بوفاة النقاش فهو الذي مهّد لها وسواها وألف فرقته التي أثمرت جهودها المسرحية في بلاد الشام أولاً ثم في مصر، وانتشر تلاميذه يؤسسون الفرق، ويؤلفون لها المسرحيات ومن هؤلاء أخوه نقولا النقاش، وابن أخيه سليم النقاش (ت1884م) الذي ألف وترجم عدداً من المسرحيات منها (المقامر) و(الكذوب) و(غرائب الصدف) وهذه الأخيرة أغضبت الخديوي (اسماعيل) في مصر إذ ظن أنها نقد لأساليب الحكم في ذلك الوقت فطرد الجوقة من مصر. كما أن أبا خليل القباني الذي تختلف المراجع بين زمني ولادته (1832-1841) ووفاته (1902-1904م) وقد كان يحضر عروض الفرقة اللبنانية التي شكلها مارون النقاش هو الآخر سافر إلى مصر بعد أن صادف عنتاً من القوى المتزمتة بدمشق، وبعد أن أصدر السلطان أمراً بإغلاق مسرحه وإحراقه، فقد رحل إلى القاهرة عام 1884م وقدّم عروضه المسرحية ولاقى نجاحاً ملحوظاً وشاركه العمل الشيخ سلامة حجازي صاحب الصوت الجميل (د. الموسى خليل، المسرحية في الأدب العربي الحديث ص140).‏

(4)شوقي، أحمد (1285-1351هـ 1868-1932م) هو أحمد بن علي بن أحمد شوقي، أشهر شعراء العصر الأخير يلقب بأمير الشعراء، مولده، ووفاته بالقاهرة، وهو أول من جوّد القصص الشعري التمثيلي بالعربية، وقد حاول قبله أفراد، فبذّهم، وتفرّد. من آثاره (الشوقيات) أربعة أجزاء، ومن مسرحياته مصرع كليوباترة، ومجنون ليلى، وقمبيز، وعلي بك، وعلي بك الكبير، وعذراء الهند، وقصص أخرى (الزركلي، خير الدين (الأعلام)، المجد الأول، ص136.‏

(5)أباظة، عزيز (1316-1393هـ 1898-1973م): هو عزيز بن محمد بن عثمان أباظة، شاعر مصري من رجال الأدب واللغة والقضاء ولد في (الربع ماية) بالشرقية، وتخرج بالحقوق في القاهرة (1923) وعمل في المحاماة، ثم صار مدعياً عاماً، فقاضياً، ثم عضواً في مجلس النواب (1929) من مؤلفاته: ديوانه الشعري، أنات حائرة، قيس ولبنى، العباسة، عبد الرحمن الناصر، شجرة الدر، أوراق الخريف، قافلة النور، قيصر، وآخر كتبه قبل وفاته من إشراقات السيرة النبوية (الزركلي، خير الدين (الأعلام)، المجد الرابع، ص232).‏

(6)مردم، خليل (1313-1379هـ 1895-1959م): هو خليل بن أحمد مختار مردم بك: رئيس المجمع العربي في دمشق، وأحد شعرائها، مولده، ووفاته بها، شغل عدة مناصب وزاوية أهمها وزارة المعارف والخارجية. أهم مؤلفاته: ديوان شعر مطبوع، وشعراء الشام في القرن الثالث، وأئمة الأدب، وجمهرة المغنين (الأعلام، خير الدين الزركلي، المجلد الثاني، ص315).‏

(7)مردم، جميل _1311-1380هـ 1894-1960م): هو جميل بن عبد القادر مردم بك، وزير دمشقي من رجال السياسة كان مستشاراً خاصاً للامير فيصل بن الحسين في دمشق (1919) وتسلم عدة وزارات، وترأس الوزارة ثلاث مرات، توفي بالقاهرة، ونقل جثمانه إلى دمشق (الأعلام، خير الدين الزركلي، المجلد الثاني، ص138).‏

(8) ثمة دراسات في الدوريات، ولقاءات صحفية تضيء جوانب هامة من أدب عدنان مردم وسيرته الذاتية، وفكره القومي أهمها: دراسة الدكتور عبد المنعم خفاجي في جريدة الجزيرة العراقية -5 محرم 1319هـ تحت عنوان (تقريظ ونقد ديوان عبير من دمشق) لمؤلفه عدنان مردم. ودراسة حول مسرحية (فلسطين الثائرة) بقلم الدكتور جميل صليبا في مجلة مجمع اللغة العربية الجزء الرابع 1974م. وقراءة في مسرحية (ديوجين الحكيم) بقلم عيسى فتوح في جريدة البعث تاريخ 8/2/1977 العدد 4540 ودراسة بعنوان (فانوس ديوجين يضيئه الموزون المقفى) للدكتور فوزي عطوي في جريدة النهار اللبنانية بتاريخ 16/3/1978 العدد 13478 ودراسة بقلم أديب ملحم البستاني تحت عنوان (نفحات شامية لعدنان مردم بك ديباجة وجرس وكلمة منتقاة) في جريدة الأنوار بتاريخ 20/3/1979م العدد 6556 أما أهم الكتب التي تناولت عدنان مردم بالبحث والدراسة التي تسنى لنا الإطلاع عليها فهي (الموسوعة الموجزة) لحسان بدر الدين الكاتب حرف العين. (الشعر المسرحي في سورية) لعدنان بن ذريل. و(بواكير المسرح في سورية) لعادل أبو شنب. و(تاريخ الأدب العربي والحديث) للدكتور عمر الدقاق. و(المسرحية في الأدب العربي الحديث) للدكتور خليل موسى وغيرها من الكتب الأدبية والفنية التي لها علاقة بالمسرح الشعري، أو بالشعر المردمي الذي وضع حجر الأساس في بنيانه الشاعر عدنان مردم لا يتسع المجال لتعدادها.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244