الاتجاه القـومي في مسرح عدنان مردم الشعري - حسـين حموي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:47 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الفصل الأول

أ - المسرح والاتجاه القومي‏

عرف الإنسان الفن، وخفق قلبه للجمال، منذ اللحظة الأولى التي وقع فيها بصره على جمال الطبيعة من حوله، وسرت إلى أسارير روحه نشوة الفرح عندما سمع تلك الأنغام، والأصوات الجميلة التي يتردد صداها في فضاء الغابة، من أفواه الجداول والأنهار وهي تنحدر من علٍ بشلالاتها العذبة، ومن أصابع حبات المطر، وهي تعزف على أوراق الشجر، وسطوح المنازل التي كان يسكنها إيقاعاً جميلاً يشبه إيقاع الرقص عندالشعوب القديمة.‏

عرف ذلك، وتلمس أنسامه، وتحسس أنغامه، منذ أن بدأت التشكيلات الاجتماعية الأولى ترتسم هاهنا، وها هنا حول الضفاف، وراح يصوغ أفكاره وفنه على طريقته الخاصة من وحي تلك المشاهدات، والأصوات التي عكستها الطبيعة والأطيار الصادحة فيها على مرآة نفسه، معبراً عن خلجات أحاسيسه ومشاعره البدائية كالفنان الطفل الذي يحاكي من حوله بحركاتهم، وأصواتهم من غير أن يدري بأنه يؤدي عملاً ذا قيمة فنية، حاول أن يرسم بإيقاعات يديه وقدميه بعض الخطوط المنكسرة على الأرض فكان الرقص، وحاول أن يدرّب حنجرته على إطلاق بعض الصرخات والنداءات فكان الغناء، ونحت بإزميله بعض الوجوه والأسماء والأفكار على الجدران والصخور فكانت الكتابة. ومع اتساع رقعة الأرض المسكونة، وتعدد أسماء وأشكال ومواقع تلك التشكيلات الاجتماعية، وتطورّها في السياق التاريخي لقوانين السيرورة،اتسعت المعارف، وتطورت أدوات الإنتاج، وتنوعت الفنون وتنامى الوعي المعرفي، والحسّ الجمالي بالطبيعة والحياة بما يوازي تطور تلك المجتمعات وشعوبها.‏

لقد تدرج الإنسان في فهمه للواقع، وبرهن عن وعيه للوجود. من خلال العلاقة الحميمة مع الفن الذي أبدع فيه، وطوّره أيضاً. بما يناسب معتقداته الدينية، ولم تكن الدراما الإغريقية إلا واحدة من تلك الفنون التي جاءت تتويجاً لمرحلة تاريخية ضاربة في عمق التاريخ، توصّل إلى اكتشاف قوانينها ومعرفتها الإنسان؛ بعد أن قطع شوطاً بعيداً حول المعابد القديمة يؤدي بعض الطقوس الدينية، ويستمع إلى تلك الأناشيد والأغاني التي ترددها الجوقات المنشدة بإيقاعات متبادلة في مواسم الأعياد، والاحتفالات الدينية والدنيوية السنوية، وما يرافقها من رقص، وموسيقى، وشعر، وغناء، ولم تكن هذه الفنون تُعرف بهذه القسمات المحددة التي نعرفها الآن، بل كانت تندرج مع كل احتفال ديني أو اجتماعي.‏

وكان الإغريق القدماء يوزعون هذه الاحتفالات على ربّات الفنون التسعة:[(كيلو) ربة التاريخ و(يوتيربي) ربة موسيقى الناي، و(ثاليا) ربة الملهاة. و(ميلوميني) ربة المأساة، و(إيراتو) ربة الشعر الغنائي والأناشيد، و(تربسيخوري) ربة الرقص، و(بوليمنيا) ربة فن التمثيل، و(كاليوبي) ربة الشعر البطولي (الملاحم) و(يورانيا) ربة الفلك، وكانت ربّات الفن العذارى هنّ بنات الإله (زيوس) و(مينو زين) التي لا تنحدر من صلب الآلهة](1).‏

وكان الإغريق يربطون بين الجمال والفضيلة، ويؤمنون بالصلة التي تجمع بينهما أكثر مما يؤمن بها أي شعب من الشعوب المتحضرة القديمة وكانوا يسمونها [(كالوثا أغاثياس)] أي اتحاد الجميل، والفاضل.‏

ويكشف لنا ترتيب شقي هذا اللفظ اليوناني عن صدارة (الجمال) ومكانته العليا](2).‏

وفي إطار هذا المفهوم الأخلاقي للجمال، وضعوا فيما بعد نظرياتهم الفلسفية التي لا تزال تثير اهتمام الباحثين، وتشكل المرجعية الأولى لآداب تلك المرحلة التاريخية وفنونها.‏

وكانت الموسيقى بشكل خاص تحتل مركز الصدارة بين تلك الفنون، والمكانة التي ينالها الموسيقي في المجتمع الإغريقي لا يصلها أو يحوز عليها إلا القلائل من صفوة المجتمع (حتى وصف الشخص المثقف الممتاز بأنه رجل موسيقي على حين قيل عن غير المثقف، إنه غير موسيقي، ولقد مدح الشاعر (بندار) عازف المزمار البارع (ميداس الأجر يجنتي) بالأسلوب نفسه الذي يمتدح به البطل الفاتح، وكانت الموسيقى تمثل جزءاً هاماً في الشعر إلى الحد الذي جعل أفلاطون يرى القصص الشعرية هزيلاً إذا قرئ نثراً، وجرّد من جمال الإطار الموسيقي)(3) ولهذا كان تاريخ الموسيقى اليونانية هو تاريخ الشعر اليوناني نفسه، لأن كليهما متصل بالآخر في وحدة لا تنفصم عراها استمرت منذ العصر الكلاسيكي وحتى القرون الوسطى.‏

وقد ارتبط فن الرقص عند الإغريق ارتباطاً وثيقاً بفن الشعر وفن الموسيقى، فالفنون الثلاثة يجمع بينها التعبير الإيقاعي، والفنون الثلاثة ارتبطت ارتباطاً أساسياً بالدراما الإغريقية التي تعد مرحلة متقدمة عن المرحلة الأولى التي كانت فيها الموسيقى تصاحب أنغام التعاويذ السحرية، والطقوس الدينية، وكان فيها الشعر الهوميري يشكل (بداياته الأولى من الأناشيد والتراتيل الدينية، ومن إلقاء مغني المعبد أو منشده)(4) وقدأشار الدكتور فايز ترحييني في كتابه (الدراما ومذاهب الأدب) عند قراءته العميقة للتاريخ العربي القديم، ولاسيّما في الألف الثالث والرابع قبل الميلاد، على أن (أسطورة ايزيس واوزوريس الفرعونية، وأوغاريت الفينيقية، وجلجامش البابلية وغيرها من أساطير الشرق وملاحمه)(5)، هي الأقدم في تاريخ الأسطورة والفن.‏

فقد أخذ الشعر الهوميري أجنته الدرامية الأولى منها أيضاً، وكانت أسبق (بماضٍ طويل، وتراث أدبي شرقي عريق، لم يصلنا مكتملاً في غياب التدوين)(6).‏

في حين أغفل كثير من الباحثين ذكر هذا التراث العريق جهلاً أو تجاهلاً، مكتفين بما أنتجه الإغريق من آداب وفنون هي في حقيقتها من صلب تلك الحضارات الفرعونية والفينيقية والبابلية الأم. ليس مجال بحثنا التفصيل في إفرازات هذه الحضارة وامتداداتها، وإن كانت تندرج بشكل أو بآخر في عنوان بحثنا (جذور الفكر القومي في الفن)، فلكل شعب خصائصه الفكرية والفنية والثقافية التي يتمايز بها عن سواه. ربما يكون هناك قواسم مشتركة بين الثقافات تتشكل من خلال التفاعل والتواصل، والتأثر والتأثير فيما بينها. إلا أن الجذور البعيدة التي تشبه المتن في البحث، والقواعد الإسمنتية في البناء، والأرومة الأصل في الانتماء، تمدّ كل شعب، بثوابت، وقيم، وخصائص، يُعرف بها، ويقدّم نفسه إلى الشعوب الأخرى من خلالها.‏

وإذا تعذر علينا معرفة الواقع الاجتماعي والثقافي لشعب من الشعوب فإننا من خلال قراءة تراثه الشعبي وفنونه، وآدابه، نستطيع التعرّف إلى أحواله الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. ولعلّ نبضات الفن التي نتحسسها في الشعر، والزخرفة، والعمارة، والموسيقى، والدراما، والرسم، والنحت هي الأكثر دلالة على أصالة ذلك الشعب وحضارته.‏

لأن الفن الخالد هو الفن الأصيل الذي يرسم ملامح الشعب الذي أبدعه، ويفصح عن درجة رقية، وتقدمه، ويبرهن عن الذات القومية والخصوصية والهوية، فمن قال: إن الفن يولد من فراغ؟ ومن قال: إن اللامنتمي من الفن هو الأكثر إبداعاً وجمالاً؟‏

إن أي فن لا يرتبط بالذات الفردية التي أبدعته وبالذات الجمعية التي ألهمته، هو فن مهزوم هزيل يحمل بذور موته، أما الفن الأصيل الذي يولد من رحم الأرض التي نبت في تربتها، ومن عبقرية الشعب الذي انصهر بتلك الأرض، وجبلها بالعرق والدم حتى أصبحت جزءاً من نسيج بنيانه الوجداني والنفسي، وأصبح هو جزءاً من تكوينها القومي؛ هو الأصيل الخالد على مر العصور.‏

إن المسرح - هذا الفن المركب الذي ينضوي تحت جناحيه عدد غير قليل من الفنون - في جوهره، وفي واقعه ظاهرة اجتماعية، يتماهى فيها الواقع، والفكر، والانتماء في أصدق صورة. وفي هذا السياق يقول الكاتب المسرحي المصري يوسف إدريس:‏

(إن الفن ظاهرة إنسانية اجتماعية لابد لإنتاجها من بيئة معينة تتبع شعباً معيناً، وتنتج من أجل ذلك الشعب، إننا مهما غيرنا وبدلنا في المسرح الأوربي، فستبقى طبيعته الخاصة التي ينتج فنونه استجابة لها)(7)‏

ويمضي (إدريس) مؤكداً على حقيقة الاختلاف بين المسرح المصري وبين المسرح الإغريقي بقوله: ((لا شيء يؤكد الاختلاف بين ملامحنا المسرحية اختلافاً جذرياً عن الملامح الإغريقية، ومن ثم الأوروبية مثل مفهومنا شعباً للمأساة أو الفاجعة. المأساة الإغريقية لون من ألوان المسرح، أراد به الإغريق أن يصوروا بطولة الإنسان، وهو يقاوم أو يناضل قدره المحتوم. البطل هنا إذن ضحية مغلوبة على أمرها، ضحية بريئة لا ذنب لها، أو ذنبها الحقيقي أنها إنسان غير قادر على خط مصيره أما بطلنا التراجيدي هنا في مصر أو البلاد العربية أو الشرق عامة فهو مختلف. إنه ليس ضحية لقدر مجرم أو عابث. البطل هنا بطل حقيقي ليس للأعمال البطولية التي يقوم بها، ولكن لأنه هو الذي يملك مصيره في يده، ويتولى تحديد خط حياته، بمعنى أنه هو الذي يتولى الاختيار، ويتحدد مصيره نتيجة محتمة لهذا الاختيار. مأساة الإنسان هنا هي مأساة اختياره، هي مأساة القابض على مصيره المالك زمام أمره)(8).‏

لقد رافق الانتماء مسيرة الإنسان، وإبداعه، عبر تاريخه وتطوره، ولا يزال هذا الإحساس يدخل بشكل أو بآخر في نسيج أفكارنا وإبداعنا، مهما حاولنا إهماله أو نسيانه. وما وصلنا عن تلك المجتمعات القديمة، ماكان لنا أن نكتشف أسراره، لولا تلك المنحوتات، وتلك النصوص المدوّنة على الرُّقُم. إن ملحمة جلجامش لولا أن قيّض لها كاتب شجاع يدونها لبقيت تلك الأسطورة مدفونة تحت أنقاض بلاد مابين النهرين، وضاعت في سرابات النسيان. الأمر الآخر الذي لابد من الإشارة إليه، وهو مانؤكد فيه رأي (الكاتب المسرحي يوسف إدريس) أن الإنسان على الأرض هو في نهاية المطاف صاحب الاختيار فيما يشاء (فالاعتقاد بالآلهة أو بالمقدسات سواء كان واعياً أم غير واع، فهو من اختراع البشر)(9) وقد حاولت الآلهة أن تحدّ من إرادة الإنسان واختياره، ووقفت أمام انطلاقاته وإبداعاته وأحلامه منذ امتلاكه لوعيه وإرادته ومعرفة نفسه، ومعرفة العالم المحيط به في إطار الجماعة التي تعيش معها، ومن أجلها، ومنذ أن وجد التفسير المنطقي لوجوده. لقد تمثل ذلك كله في شخصية جلجامش التي كانت مزيجاً من البشر والآلهة (ثلثان إلهيان وثلث إنساني) عندما رفض إغراءات عشتار التي نزلت من السماء مرتين بقصد زيارة الملك المنتصر جلجامش وامتلاكه. غير أنها تعود إلى السماء خائبة. وينتصر الجزء الإنساني على الأرض وهو انتصار (يتجلى بتوصل الإنسان إلى وعي شرطه الوجودي، والتأكيد على أولوية الإنسان، تأكيد على أولوية أخرى هي أولوية الأرض على السماء)(10).‏

هذه الأرض التي تشكل مع رديفاتها من العناصر الأخرى. كاللغة، والتراث، والتاريخ، والقيم، والثقافة، والفن مجمل هذا الرصيد الفكري الحضاري القومي لأي شعب من الشعوب. ألا يحق لشعبنا العربي الذي ابتلي بأشرس، وأحقد الأعداء على الأرض -وهم الصهاينة- أن يعزز جذوره الفكرية والحضارية والقومية المعبرة عن أصالة هذه الأمة، وشخصيتها الثقافية والفنية الدالة على خصوصيتها وهويتها؟ وأن يبحث عن كل أصيل في الفن والأدب - قديمه وحديثه- ويجري عليهما نوعاً من القراءة الاستنطاقية العادلة التي لا يشوبها تزّمت لفكر، أو انحياز لقديم أو جديد؟‏

إن كثيراً من فنانينا المعاصرين، وبخاصة الذين اختاروا طريق المسرح في القرنين الأخيرين (التاسع عشر والعشرين) ربطوا النص المسرحي بالتاريخ ليس من قبيل التكرار والاستفادة بل من قبيل الربط بين السلف والخلف أي بين الأصالة والمعاصرة( فالأخذ بالتاريخية كرمز وإسقاط، وتمثُّل هو الذي يجعل الخروج على الكلاسيكية أمراً مشروعاً أما إحلال الأثر الأدبي في معترك التاريخ، وتحويل النص المسرحي إلى نص تاريخي، فذلك انغماس في الكلاسيكية، وانحسار من آفاق الإبداع إلى معترك التوثيق التاريخي الفوتو غرافي الوصفي السطحي الباهت)(11).‏

لقد حاول المسرح في سورية وفي معظم الأقطار العربية؛ أن يربط ربطاً عضوياً بين الماضي والحاضر، لكي يمكّن المتلقي من الوعي بخصائص الواقع وإشكالاته، بالمقارنة مع السياقات التاريخية أو الرموز التراثية السابقة التي اتكأ عليها المبدع في نصه المسرحي، مفسحاً له المجال أن يستنطق التاريخ ويحلل الرموز، ويكتشف بنفسه أسباب تلك الإشكالات ونتائجها. من خلال مواقف الشخصيات التاريخية التي وظفها الكاتب أو الشاعر في النص. أو من خلال أحداث معينة تحمل في مضامينها العظة والعبرة، وتظهر الجوانب المشرقة في التاريخ العربي، أو التاريخ العالمي، ويكون ذلك بإسقاط حالة راهنة معاصرة على تلك الحادثة التاريخية، أو على أحداث وقعت في سياق تاريخي ماض لشخصية تشكل رموزاً من رموز التاريخ القديم.‏

إن أمتنا العربية أمة غنية بتراثها القومي في آدابها وفنونها، لذلك وجد المسرحيون العرب في هذا التراث الفني منهلاً خصباً للكثير من موضوعاتهم، إلا أن سوء الفهم القومي عند البعض منهم أدى بشكل أو بآخر إلى إغلاق نوافذهم، وأبوابهم في وجه الوافد القادم من الغرب الأوربي الذي بلغ ذروة تقدمه العلمي، وازدهاره الفني في القرنين الأخيرين مهما كان نوع هذا الوافد، وأهميته بينما وقف المتنورون موقفاً عقلانياً من الآخر، فأقبلوا على المسارح العالمية، ولاسيّما الغربية منها ليس بقصد محاكاتها، بل للاستفادة منها، ولمعرفة الاتجاهات الفنية، والمدارس الأدبية فيها.‏

ولعلّ تأثّر كتاب المسرح الأوائل من جيل الروّاد، والجيل الثاني، بهذه المدارس والاتجاهات، جاء نتيجة التواصل الثقافي الذي حققته الزيارات الشخصية الأولى، ومشاهدة بعض العروض المسرحية الأجنبية وبخاصة الفرنسية والإيطالية. وما حققته الترجمات، والحوارات المتاحة بين الفنانين أنفسهم الذين لم يقتصر عمل الواحد منهم على جانب محدد في المسرح، بل كان كثير الاختصاصات (كاتباً للنص، ومخرجاً،وموسيقياً، وممثلاً، ومديراً إدارياً للفرقة وربّما محاسباً وممولاً لها أيضاً. وهذا الأثر ينطبق على ثلاثة مبدعين من الروّاد هم على التوالي مارون نقاش، وأبو خليل القباني، ويعقوب صنّوع. وقد برز تأثر هؤلاء بالمسرح الأوربي، ولا غرابةفي ذلك، فإن عدم وجودتراث مسرحي قديم، وعدم وجود ثقافة مسرحية عربية، إلى جانب تأثر الضعيف بالقوي حسب رأي ابن خلدون، فقد كانت أوربة هي الأقوى، والعرب هم الأضعف، لذلك ظهر جلياً تأثر العرب بالمسارح الغربية، والأنماط الفنية السائدة آنذاك، من غير أن يبتعدوا عن انتمائهم القومي، وارتباطهم القوي بالمكرمات والقيم العربية الأصيلة، وقد وجدوا في الشعر ضالتهم الأولى، وفي التاريخ ضالتهم الثانية، فلم ينقلوا المسرح الغربي بحرفيته النصية والتمثيلية، بل آلفوا ومزجوا بين المسرح الأوروبي والمسرح العربي؛ بما يلائم الموروث العربي، وأصول الفرجة عند العرب، وكان الشعر رمز البيان والأصالة والإنشاء والغناء من أهم العناصر الأساسية، إذا لم أقل أهمها على الإطلاق في نسيج البيان الفني لهذا المسرح.‏

من هذا المنطلق فإن الشعر العربي المسرحي، أدرك مسؤوليته الجديدة في الدراما، واستدرك ماكان سائداً عن الشعر بأنه ذاتي ووجداني فردي، معللاً أسباب توجهه إلى الموضوعات الأكثر التصاقاً بالواقع والإنسان العربي، فمسألة الموقف القومي في الشعر هذه المرة ليست مسألة فردية ذاتية بقدر ما هي استجابة جماعية لهذا الفن الذي يشكل طرفي المعادلة فيه، ليس فقط النص الإبداعي بل الجمهور كمتلقٍ لهذا النص بعد تحويله إلى فن قريب جديد يتداخل فيه الرقص، بالغناء، بالموسيقى، بالشعر، بالحكاية، وبقدر ماهي استجابة للمتغيرات السياسية الجديدة التي كانت أحدثتها الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين في العام 1916، وكان منطلق هذه الثورة وتوجهها وعمادها الاتجاه القومي، والانتماء للجذور العربية لغة وأرضاً وتراثاً. كان الباعث لهذا الانتماء، والبحث عن الجذور،والتمسك بها؛ بداية دخول غمار التجديد في جميع الأجناس الأدبية الأخرى بما فيها المسرح، وحين يكون في أي مجتمع من المجتمعات تحول وتطور ونزعات تجديدية، يظهر الحرص الشديد على التمسك بالأصول، والاحتفاظ بالخصائص المميزة للشخصية والهوية في الفنون والآداب بشكل خاص، ولاسيما الدعوة إلى توحيد الأمة، والدعوة لكل ما يعزز هذا التوحيد.‏

وظهرت الخطوات الأولى على طريق تأصيل المسرح العربي بالعودة إلى النبع، ونبش التراث، وفي الوقت ذاته إدخال المفاهيم العصرية الأوربية في تطويره بما يلائم العصر؛ فكان الاتجاه نحو المفهوم القومي، لخلق مسرح عربي لا تشوبه شائبة من أي مسرح آخر، أي جعله عربياً محضاً شكلاً ومضموناً؛ من خلال الارتكاز على الوقائع التاريخية التي تشكل القاعدة الرئيسية لمرتكزات النص، كأحداث وشخصيات، وإلغاء فكرة التوليف بين النص العربي، والنص الأوربي المترجم، والاستناد على شخصيات ورموز وأحداث من صميم التاريخ العربي.‏

ولابد لنا، ونحن نتحدث عن مفهوم الاتجاه القومي للمسرح العربي من أن نقف أمام مصطلحي (الاتجاه) و(القومي) للتعرف إلى مدلولاتهما فكثيراً ما يكون للمصطلح الواحد أكثر من مدلول، فمفهوم الأمة يختلف تبعاً للمنطلقات الأيديولوجية التي يؤمن بها الإنسان (فهناك من يتحدث عن أمة عربية ومن يتحدث عن أمة إسلامية ومن يتحدث عن أمة تونسية أو لبنانية أو مصرية والجميع يستخدم مصطلح الأمة) (12) وكل واحد من هؤلاء يفهم الأمة من منظوره الخاص، وكذلك الأمر بالنسبة للاتجاه فهناك السلفي، وهناك الاتجاه الماركسي المقابل له، وهناك الاتجاه القومي، وهناك الاتجاه الليبرالي، وفي المسرح يُضاف إلى هذه الاتجاهات. الاتجاه الواقعي، والاتجاه التعليمي، والاتجاه السياسي، والاتجاه الوجودي، والعبثي، والطليعي إلى ما هنالك من التسميات التي لا يسعف المجال لذكرها والتوسع فيها ما يهمنا في هذا البحث التعريف بمفهوم الاتجاه من منظور علم الاجتماع فهو (موقف إدراكي انفعالي متحفز للفعل نحو الأشياء والمواضيع الاجتماعية والمادية والنفسية، ويظهر هذا الموقف في مواجهة شيء أو شخص أو ظاهرة، أو موضوع، أو فكرة، وذلك عندما يبدي الفرد نحوها موقفاً إما سلبياً وإما إيجابياً، وإما محايداً"(13).‏

ويرتبط الاتجاه عند الفرد عادة باعتقاد معين يقتنع به، ويدافع عنه وهذه القناعة مردّها الإيمان والعقيدة بصحبة الاتجاه الذي يعمل من أجله وأي تغيير في هذه العقيدة يؤدي إلى تغيير في إتجاه الفرد. والاتجاه لا يُعبّر عنه باللفظ الخارجي، بل بالموقف والسلوك الذي من خلاله يترجم الفرد اتجاهه الأدبي أو الفكري أو الفني إلى موقف وسلوك.‏

وثمة مقاربة بين الميل والاتجاه "في الاستعداد للاستجابة لمثير معين فهو ميل إيجابي نحو أمر محبب ومرغوب، والميل هو توجه نحو إشباع رغبة وكلاهما يتمظهر في الاهتمام بموضوع ما، وبفكرة معينة"(14) وتلعب الأحداث السياسية، أو التحولات الاجتماعية، والخبرات ذات الفعالية الثقافية أو الاجتماعية الكبيرة دوراً مؤثراً في تكوين الاتجاهات، ولا سيما في المجتمعات التي تشكو من الاستقرار والثبات في أوضاعها السياسية والاجتماعية كما أن الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات، والتنظيمات، والجمعيات تلعب دوراً مؤثراً في اتجاهات الأفراد والمجتمعات على السواء.‏

أما مصطلح (القومي) فهو منحوت من القوم، أي الجماعة التي ترتبط بمكان وتقيم فيه، وإذا كان المكان هو رباط قوي يجعل من الجماعة قوماً، لكنه ليس الرباط الوحيد، فإلى جانبه رباط قوي آخر هو اللسان بمعنى اللغة، والذي يدلنا على هذا الرباط هو القرآن الكريم فقد جاء فيه: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" أي بلغة قومه "وأول ذكر للفظ قومية (نسبة لقوم) في رسالة يحي بن مسعدة في الرد على الشعوبية عند الإشارة إلى موقف كسرى من النعمان قائلاً: "ويشمخ بقوميته" كما يرد في رسالة ابن الدردية البلنسي في الرد على الشعوبية "تلك صفات قومنا العرب ذوي الأحساب والأنساب والعلوم والحلوم، أول اللسن والبيان" ويلاحظ هنا أثر مفهوم النسب، جاء في محيط المحيط (ج1 ص1777) وقوم الرجل أقرباؤه الذين يجتمعون معه في جد واحد، ويعرف قاموس علم الاجتماع لهنري فيرتشيلد H.P.Hairchild القومية كما يلي: "القومية هي جماعة من الناس تربطهم روابط واضحة من الثقافة المتجانسة.‏

والقومية الصحيحة تستمد حيويتها من شعور أفرادها بوحدة نوعهم، ومن التشابه الأساسي بين تقاليدهم وطباعهم. ومن مقومات القومية، تجانس الخصائص الثقافية، إن لم تكن وحدتها الكاملة، وكذلك تجانس النظم الأساسية، كاللغة، والدين، والملابس، ووسائل الزينة، والقانون الخلقي، والنظام السياسي، ونمط الأسرة، والقيم والمثل. وأساس القومية هو الشعور بالـ (نحن) أو الشعور بالانتماء للجماعة، ويشعر الأفراد المنتمون لقومية ما برابط التعاطف فيما بينهم شعوراً يختلف عما يحسون به نحو أفراد قومية أخرى، ويحسون بالرغبة في أن يعيشوا معيشة مشتركة، وهذا الإحساس هو الذي يجعل القومية حقيقية، ويجعلها واقعية، واصطلاح القومية يمكن أن يدل على المجموعة البشرية نفسها كما يمكن أن يدل على المركب الثقافي الذي يوجد بينها(15).‏

وهنا أيضاً نلمس وجه المقاربة والتشابه بين العوامل التي تكون القومية وبين العوامل التي تكون الأمة. وبتحليل التعريف السابق نلاحظ أن عوامل القومية هي(16):‏

1-وحدة النوع أو تجانسه .‏

2-وحدة الثقافة والمدنية أو تجانسها على الأقل .‏

3-الشعور بالانتماء للجماعة .‏

4-الشعور بالتعاطف وبالرغبة في المعايشة .‏

5-ولما كانت هذه العوامل لا تتوفر إلا إذا جمع الأمة وطن واحد، كان من الضروري أن نضيف الوطن كعامل أساسي في تكوين القومية.‏

لقد برز هذا الاتجاه القومي عند معظم الشرائح المثقفة في الوطن العربي، وبرزت قدرة بعض المسرحيين العرب على استيعاب هذه المفهومات الحديثة بما يحقق هذا التطلع الجديد، وهذا المفهوم الجديد للاتجاه القومي في المسرح العربي. وأكثر ما تجلى هذا الاتجاه في المسرح الاحتفالي بعد نكسة حزيران 1967 التي صدمت المبدعين العرب، وجعلتهم يعيدون النظر في كيفية التواصل مع شعوبهم، بتغيير لغة الخطاب، والطريقة، والأدوات.‏

لقد بحث كتاب المسرح عن صيغة مسرحية جديدة كفيلة بخلق مسرح قومي متميز فجربوا أساليب متنوعة "بدءاً من تبديل أسماء شخصيات المسرحية وأماكنها مروراً بإضافة فصول ومقاطع ثم تحبيرها بمشاهد تراثية وشعبية وغيرها من التعديلات التي لم تكن في الحقيقة غير ترقيعات لم ترق إلى مستوى خلق هذا الشكل المسرحي المتميز مما دفع بعض الباحثين إلى القول:‏

بأن تجاوز القالب المسرحي الأوروبي أمر مستحيل وأن تحقيق الصيغة الأصلية للمسرح العربي ما زال في حدود الحلم الجنيني"(17).‏

وسعى المبدع العربي للخروج من شرنقة إشكالية التأصيل، محاولاً العودة إلى الذات القومية. وإلى الأدوات المسرحية التي تساهم في خلق عرض مسرحي شعبي. وكانت بداية المرحلة التأصيلية كما يقول الدكتور مصطفى رمضاني! مع (توفيق الحكيم) في بعض إبداعاته بداية شعبية قبل أن يتحدث عن قالبه المسرحي الذي دعا فيه إلى توظيف الراوي، والمقلد والحكواتي ثم جاء (يوسف ادريس) ليدعو إلى صيغة السامر الريفي، كما دعا الدكتور علي الراعي إلى الكوميديا المرتجلة، وتنوعت بعد ذلك الدعوات التأصيلية بعروض مسرحية تستفيد من الصيغ الشعبية والتراث(18).‏

لقد كانت مرحلة السبعينيات مرحلة البحث الجاد عن الأسئلة المقلقه، وعن الخطاب القمين بإخراج المسرح العربي من التبعية إلى الاستقلالية من التجريب إلى التأسيس، فهل يملك المسرح العربي المؤهلات الموضوعية الكفيلة بتحقيق هذا الخطاب المسرحي المستقل؟ وهل أصبح راشداً بالفعل حتى نتحدث عن هوية المسرح العربي المتميز؟ إن الجواب على مثل هذه الأسئلة يبرزه قول الكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد: "مع السبعينيات عرف المسرح العربي صفة القدم، وقد تجلت هذه القفزة في الاجتهاد والتجريب والبحث ومحاولة المزاوجة بين النظرية الفكرية والممارسة العملية، وبهذا ينتقل المسرح العربي إلى المرحلة الثالثة. أي مرحلة البحث عن نظرية فكرية ذات بعد فكري وجمالي"(19).‏

والحقيقة إن هذه المرحلة الثالثة لا تنفصل عن الأحداث السياسية، والاجتماعية التي واكبتها، ولا تزال تواكبها إلى جانب الصراعات الداخلية، والتحولات السياسية العالمية التي أفرزت قوى عالمية جديدة، وهزمت قوى عالمية كان لها دور بارز وهام في حركة التحرر العربية.‏

إن التطلع لتأصيل الخطاب المسرحي وتعزيز الاتجاه القومي في هذا الخطاب لم يبدأ في السبعينيات من هذا القرن، بل بدأ مع أول خطاب سردي أو شعري شفهي أو مكتوب فوق الأرض العربية عبر العصور بدءاً من ملحمة جلجامش مروراً بمسرحيات خيال الظل وانتهاءً بفرقة الحكواتي. مع معظم الفرق المسرحية، والنوادي الفنية التي نبتت فوق ثرى هذا الوطن الكبير على اختلاف اتجاهاتها، كان الاتجاه القومي في المضمون الجوهري لأفكارها، لأنها دعت إلى تأصيل المسرح، والعودة إلى التراث الشعبي، وكانت على الرغم من اتساع الهوة السياسية بين الأنظمة الحاكمة في أقطارها، تطرح الموقف القومي الداعي لوحدة الأمة، وليس لتشتيتها وأجدني مؤكداً قول الكاتب المسرحي عادل أبو شنب بأن المسرح العربي "بدأ قومياً ولم يبدأ اقليمياً، فهو مسرح عربي قبل أن يكون مصرياً أو سورياً أو عراقياً.. الخ ومن مظاهر قوميته أن يعمل المسرحيون العرب الأوائل في بلد عربي بعد أن اضطهدوا في آخر بنفس النكهة والأداء، وأن يتبادلوا التجول دونما حرج.. وقد اكتسب النص المسرحي العربي أبعاداً قومية منذ ولادته وحتى النصوص التي أديت باللهجات المحلية استقبلت كنتاج عربي، ولم تستقبل كنتاج إقليمي والسبب أن المضامين التي عبئت في هذه النصوص، تعبر عن هموم وآمال شاملة أكثر من تعبيرها عن هموم وآمال موضعية"(20).‏

أخيراً لا بد من القول: إن إتساع جبهة النضال من الساحة الضيقة إلى الساحة القومية الواسعة التي يشعر فيها العرب أنهم أمام مصير مشترك، ويحل فيها مفهوم العروبة، والموقف القومي بديلاً عن مفهوم الموقف الديني أو الموقف العرقي، أو الموقف العشائري، هذه المفاهيم المغلوطة التي حاول تكريسها الحكم العثماني على مدى أربعة قرون تقريباً، فكانت ردّة الفعل على هذه المفاهيم أن نشأت بين الحربين العالميتين الأولى والثانية معظم الجمعيات والأحزاب التي حددت أهدافها على أساس قومي، وكان التنبه والوعي المتزايد عاماً إثر عام على الخطر الصهيوني الذي لا يواجه إلا بمزيد من التوجه نحو المنطلقات القومية، وفي إطار هذا التوجه أخذ المسرح العربي المعاصر يشق طريقه في معالجة قضايا الأمة، وقضايا الحياة، ولم يكن مسرح عدنان مردم إلا من جبلّة هذا الاتجاه في إحياء التراث العربي، وإبراز السمات القومية والتوحيدية النضالية لهذه الأمة ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.‏

بً- اللغة العربية والوحدة القومية‏

تشكل اللغة العربية أهم عناصر مقومات الوحدة القومية إذا لم نقل: أهمها على الإطلاق إلى جانب التاريخ، ووحدة الثقافة، والأرض والآمال، والطموحات، والمصالح المشتركة، وقد جاء في قول محكم للنبي العربي محمد بن عبد الله: إن (العربية هي اللسان) وهذا يعني أن العروبة هي الهوية السياسية للعرب، والعرب هم كل من تكلم العربية، واندمج في الثقافة العربية وتمثلها، واعتز بالانتماء إلى هذه الأمة، وعمل جاهداً لتوحيد كلمتها، وازدهارها.‏

وكما ذكرنا في حديثنا عن القومية، كانت العربية على اختلاف لهجاتها تشكل القاسم المشترك الأعظم لمختلف القبائل العربية التي سكنت الجنوب أو الشمال على حد سواء يقول (رينان): (إن الضبط التام الذي كتبت به الأسماء العربية في نقوشنا ليعدّ أمراً لا يفوت الفقيه اللغوي التنبه له، لقد روعيت فيها أدق خصائص اللغة العربية، والتوافق الذي تقيمه هذه الخصائص بين العربية قبل الإسلام، والعربية التي يتحدث بها اليوم، لهو توافق يدعو إلى العجب حقاً، لو لم نكن نعلم من جهة أخرى مقدار الثبات الكبير الذي تتصف به اللغات السامية"(21) إن آلاف النصوص التي ظهرت منذ ذلك الوقت حتى الآن في تل مرديخ، وإيبلا، وأوغاريت، وماري، وغيرها من الأماكن الأثرية القديمة، سواء أكانت نصوصاً إغريقية أم نبطية أم صفوية تشير بوضوح إلى أن ساكني هذه المناطق سواء أقاموا في جنوب فلسطين حيث كانت مدينة (سلع) هي العاصمة، أو سواء أقاموا في ما بين النهرين على ضفاف دجلة والفرات، أو على ضفاف النيل، إن هذه الأقوام تجمع بينهم قواسم مشتركة، وتلك الموجات المتتالية التي خرجت من جزيرة العرب سواء أكانوا بابليين أو كنعانيين أو آراميين، يجمع بينهم سمات وملامح متقاربة في اللغة والثقافة، ويذهب (فنكلر) إلى أن "جزيرة العرب هي المهد الأول للساميين ففي موجات متتالية خرج العرب البابليون، والكنعانيون، والآراميون، وذلك على مثال الفتوح الإسلامية في القرن السابع الميلادي"(22) التي أصبحت بعدها لغة قريش هي اللهجة العربية السائدة.‏

إن دراسة السكان الصفويين وفقاً للنصوص التي تركوها، يتيح لنا أن ندرس التغيرات التي طرأت على اللهجات التي كان يتكلم بها أولئك الأقوام، ولا سيّما حين يقيم، أو يستقر قوم في أرض معينة، وينتقلون من حياة المدر إلى حياة الحضر فالبدوي الذي يقيم في إقليم متحضر، يفقد غالباً لغته، وعاداته، أو على الأقل يطعم تلك اللغة بلهجات جديدة بحكم التعامل والمحادثة والثقافة وما خلفه النبطيون، والتدمريون، وقد أحاطوا إحاطة تامة باللهجات الآرامية، يؤكد هذه الحقيقة.‏

إن التحليل الموضوعي لنشوء القومية العربية، هو في حقيقة الأمر محصلة منطقية للمسار الذي سلكته الجماعة العربية.‏

وهذا النشوء الموضوعي الضارب في أعماق التاريخ، جعل لأمتنا العربية من الخصائص، وربط بها من القضايا والحقائق، ما لا تشاركها فيه كثير من الأمم، "وقد شكلت اللغة العربية -وهي إحدى دعائم الأمة رباطاً وثيقاً يؤلف بين الجماعة العربية، ووعاء إنسانياً وحضارياً، تختزن فيه ذكرياتها، وتجاربها، وجل ثقافتها، وتصوغ بها أحلامها، وآمالها"(23)وكما أشرنا في هذا البحث هي من أقدم اللغات إذا لم نقل هي أم اللغات، ولأنها تمتاز بهذه الخصيصة فقد استطاعت أن تحافظ على هويتها، وفي الوقت ذاته أن تطوّر نفسها، وتجدد مفرداتها باستمرار مع تطور الحياة ومستجداتها. قال أحد المفكرين: "إن اللغة هي جهاز الاجتماع عند الإنسان، فاللغة والأمة أمران متكاملان، إن الحدود السياسية التي تستحق أن تسمى (طبيعية) هي الحدود الداخلية التي ترسمها اللغات، فما بالك بأمة على سطح هذه الرقعة الواسعة المتوغلة في طولها وعرضها يتكلم قاطنوها لغة واحدة"(24)!! أليست من الأمم الجديرة في أن تحافظ على شخصيتها الثقافية وهويتها القومية؟ أمر بديهي أن تظل الأمة التي أعطت الأبجدية إلى العالم أجمع، وكانت مهد الحضارات الأولى، في مقدمة الأمم الحية الجديرة بالحياة، والبقاء والحضور المتميز، لا نقول ذلك، تعصباً أو انحيازاً، وإنما بما تستأثر به من مقومات وعناصر لغوية وتاريخية وثقافية، تشكل النسيج الحي لبنائها. إننا لا نستطيع أن نحيط في هذا المدخل التاريخي إحاطة شاملة ومفصلة بجميع عناصر الوحدة القومية التي شكلت منابع الفكر القومي في بداياته، من جميع نواحيه اللغوية والتاريخية والاجتماعية والثقافية، فإن الإحاطة بمثل ذلك تحتاج إلى وقوف طويل وتحليل عميق للتراث الثقافي والوقائع التاريخية التي وصلتنا عن تلك الحقب التاريخية الضاربة في القدم، والذي فعلناه هو استقراء عام وشامل لظواهر الحياة العامة التي كانت سائدة آنذاك، واقتصرت على أهمية اللغة باعتبارها أهم الشروط والمقومات في تشكيل بنية الفكر القومي، ومقومات الأمة، حيث يتجلى لنا بها ومن خلالها تراثنا الثقافي، ومنازع الفكر العربي في نشأته الأولى، وفي المراحل اللاحقة التي كان عصر النهضة تجديداً، واستعادة لتلك النشأة، وتأكيداً لحيويتها، واستمرارها. ولعلّ المسألة التي استأثرت بحوارات ونقاشات حادة بين رجال الأدب والفكر والمسرح، هي مسألة العامية التي تنافس الفصحى في مجالات الإبداع، فقد دار جدال طويل، ولا يزال يدور بين رجال المسرح بشكل خاص حول اللغة أهي الفصحى أم العامية التي ينبغي لها أن تكون لغة الحوار المسرحي، فإذا كانت اللغة عند بعض الروائيين والشعراء هي غاية بحدّ ذاتها: فهي في لغة المسرح وسيلة اتصال أكثر حضوراً في دائرة الاستماع منها إلى القراءة "هي جزء من كل، هي وسيلة أو أداة تعبير، أو علامة في جملة وسائل أو من جملة علامات، يلتقط الصوت البشري اللغة (النص) يراصفها حيناً وفق إيقاع المشهد والفعل، ويخلع عليها الحياة في الأحيان كلها"(25).‏

وبما أن هذا الأمر يلامس الشعور القومي، ويحرك الانتماء، ويطرح قضية التواصل العربي على امتداد الوطن العربي الكبير، ولأن اللهجات المحلية تحول دون إيصال النصوص المكتوبة بالعامية إلى جماهير عربية في أقطار أخرى، قد تجد صعوبة في فهم تلك اللهجة.‏

ولا سيما بين أقطار المغرب العربي، فإن اعتماد اللغة العربية الفصحى البعيدة عن التعقيد والتقصير، هي التي تحقق التواصل بين أبناء الأمة الواحدة وإن كانت اللهجات المحلية تجد قبولاً من السكان الذي يتكلمونها ويؤثرونها، لأنها تعبّر عن حياتهم وواقعهم.‏

فالكتابة بالفصحى كما يقول الدكتور طه حسين تجعل الكاتب مقروءاً "ومفهوماً في جميع الأقطار العربية التي تتكلم العربية، أما الذي يكتب بلهجة من اللهجات فلا يفهمه إلا أصحاب هذه اللهجة"(26).‏

وتظل اللغة الثالثة (المبسّطة الفصحى) هي لغة المسرح التي دعا إليها توفيق الحكيم وكتب بها مسرحية (الصفقة) 1956م والتي أرفقها ببيان أقرب ما يكون إلى التبرير منه إلى التوضيح (توضيح الحاجة إلى تلك اللغة) يؤكد فيه أن استخدام الفصحى يجعل المسرحية مقبولة في القراءة، ولكنها عند التمثيل تستلزم الترجمة إلى اللغة التي يمكن أن ينطقها الأشخاص، فالفصحى ليست نهائية كما أن استخدام العامية يقوم عليه اعتراض وجيه هو أن هذه اللغة ليست مفهومة في كل زمن، ولا في كل قطر، بل ولا في كل أقليم.(27)‏

وتبقى مسألة اللغة في النص ذات خصوصية متميزة عن بقية الأجناس الأدبية الأخرى بوصفها تتفاوت في نبرة الخطاب، وبلاغته تبعاً لطبيعة المتلقي، والمستويات اللغوية والاجتماعية التي تحقق التواصل، والتفاعل مع هذا المتلقي. وتبعاً لقدرة الحوار المسرحي على صياغة الأفكار وإيصالها.‏

ج-عصر النهضة وتأصيل الاتجاه القومي‏

ما يزال التاريخ يشكل المرجعية، والأرومة لأي شعب من الشعوب إلى جانب اللغة التي تشكل ثقافة الأمة، وعقلها، "والأمة التي لا تعي تاريخها، تكون شبيهة بشخص فاقد الشعور في حالة السبات، أو الإغماء، وأمثال هذه الأمم، لا تستيقظ من سباتها، يقظة تامة، ولا تعي ذاتها وعياً كاملاً، إلا بتأثير التاريخ، وإيحائه"(28) هذه الحقيقة تتجلى لنا بوضوح عند كل قراءة معمقة لثقافة الأمة، وتراثها، ومن هنا فإن الاهتمام بالتاريخ القومي للأمة، هو من أولى المهام التي ينبغي التأسيس والتأصيل لها في نفوس الناشئة، ليس من قبيل الالتفات إلى الوراء، وقراءة الماضي، بل من قبيل البحث واستنباط مراحل الانبعاث، والعمل على إذكاء شعلة هذا الانبعاث، كلما أوشكت هذه الشعلة على الانطفاء.‏

لقد كانت الحضارة العربية قبل الإسلام ذات حضور متميز، والكتابات التي تم اكتشافها حتى الآن عن هذه الحقبة من التاريخ، تشير بوضوح إلى قيام أبراج حضارية شاهقة في اليمن والبتراء وتدمر ومكة ودمشق وحلب والقاهرة والاسكندرية وبغداد، والعرب الذين أشادوا تلك الحضارات ضربوا بسهم وافر في الزراعة والتجارة منذ أقدم عصور التاريخ، وهم الذين كانوا واسطة عقد التجارة الدولية بين الشرق والغرب.‏

غير أن المراحل التاريخية اللاحقة ولا سيّما التي عاشتها الأمة العربية في ظل الحكم العثماني، أبعدت المسافة بين الغرب الأوروبي الذي كان ينتقل نقلات سريعة على طريق التصنيع. والتطور الحضاري، وبين العرب الذين كانوا يعيشون في ظلام التجهيل العثماني.‏

وكانت محاولة محمد علي باشا (1148-1265هـ -1770-1849م) لتوحيد سورية ومصر في دولة واحدة في النصف الأول من القرن التاسع عشر هي المدماك الأول في المشروع النهضوي الجديد الذي عززه ابنه إبراهيم باشا (1204-1264هـ - 1790-1848م) بالدعوة لتأسيس دولة عربية قوية مستقلة تضم جميع الأقطار العربية التي تتكلم لغة الضاد، وتتمحور أهدافها حول بعث الوعي القومي في نفوس العرب الذين عانوا الأمرّين من الحكم العثماني، وراحوا يحلمون بأمة تستعيد تاريخها الغابر، وكان للكوادر العلمية التي تمّت تهيئتها في أوربة الدور البارز في بث أفكار اليقظة، وغرس الشعور القومي في الجيل الجديد حيث كان رفاعة الطهطاوي (1801-1873م) الرائد الأول في هذه النهضة القومية.‏

ثم أخذت حركة القومية العربية تتبلور باتجاه المنحى العروبي، بعد أن كانت في بداياتها تأخذ شكل الإصلاح، وتنامت هذه الحركة مع بداية حروب نابليون وفتوحاته في أوائل القرن التاسع عشر، حيث أحدثت صدمة سياسية كبيرة على مستوى الوطن العربي، أملاً وحلماً لجميع الشعوب الأوربية، فتوحدت ألمانيا، وإيطاليا، واستقلت بولونيا، ووحدت أقطارها الثلاثة التي كانت مقسمة بين روسيا وألمانيا والنمسا، وتكونت دولة يوغسلافيا ووحدت أقطارها التي كانت موزعة بين إمبراطورية النمسا، وبين السلطة العثمانية وتكونت عدّة دول جديدة رومانيا، بلغاريا، ألبانيا، تشيكوسلوفاكيا وغيرها.. إن كل هذه التبدلات والتطورات العظيمة إنما حدثت وفق مقتضيات (مبدأ القوميات)(29) وحدثت في تواريخ مختلفة بين انتهاء الحروب النابليونية، وبين نهاية الحرب العالمية الأولى، ومما هو جدير بالذكر والملاحظة: أن جميع الآراء التي أبديت، والأبحاث اتي نشرت حول الفكرة القومية، وحول مبدأ حقوق القوميات خلال القرن التاسع عشر "كانت تنحصر بالشعوب الأوربية وفروعها ولم تشمل الشعوب الآسيوية والافريقية"(30) فهي شعوب متخلفة لا تستحق أن تحكم نفسها بنفسها، بل ينبغي أن تبقى تحت الوصاية حتى تبلغ مرحلة من التقدم تؤهلها لأن تشكل قومياتها فهي شعوب محرومة من قابلية التحدث والتقدم. وعلى هذا الأساس قام نظام الانتداب الذي ينص على "أن الشعوب المتأخرة يجب أن تمنح حق تقرير مصيرها، وإدارة نفسها بنفسها، ولكنها في حالتها الحاضرة متأخرة، فيجب أن توضع لمدة من الزمن تحت انتداب دولة راقية، تقوم برعايتها وإرشادها إلى أن تبلغ مرتبة النضوج الاجتماعي، والسياسي الضروري للاستقلال"(31) وكان من نصيب الأمة العربية أن تقع تحت الانتداب، فتعيّن أن يكون لكل قطر، أو عدد من الأقطار، وصي يرعى شؤونها إلى أن تبلغ سن الرشد، وبناء على ذلك نصبّ الغرب الأوربي (الفرنسي والانكليزي والإيطالي) نفسه وصياً على القاصرين العرب في مشرق الوطن العربي ومغربه، وعلى الرغم من تلك الوصاية الصارمة التي انتهت إلى الاغتصاب، والاحتلال، والعدوان للشعوب الضعيفة، فإن الفكرة القومية أخذت تتغلغل في نفوس تلك الشعوب، وقد تجلى ذلك بوضوح بين الحربين العالميتين، وفي العقود التالية للحرب العالمية الثانية، فإذا كانت تصح تسمية القرن التاسع عشر بأنه عصر القوميات، بالنسبة للشعوب الأوربية، فإن القرن العشرين هو عصر التفتح القومي للشعب العربي، وسائر شعوب آسيا وافريقيا. ومع إستيقاظ الأفكار القومية العربية التي هي امتداد لأفكار ضاربة في عمق التاريخ، إذا لم نقل هي انبعاث لتلك الأفكار القومية القديمة المتجددة مع تجدد الأزمنة، فقد تطور المفهوم القومي ذاته في نظر العديد من المثقفين والمفكرين "فبالنسبة للاتجاه التقليدي السلفي كان الشرق يتحدد جغرافياً، ودينياً، فالغرب هو المسيحية والشرق هو الإسلام، كما أن أوربا وأمريكا فيما بعد هما الغرب، والشرق هو آسيا بدءاً من الهند وحتى شمال افريقيا، من هنا فقد تطابق مفهوم (الأمة) لدى هذا الاتجاه مع مفهوم الدين الإسلامي، وكان يُنظر إلى العلاقة ما بين الشرق والغرب. كعلاقة بين دينين متنافسين"(32) وهذا الاتجاه السلفي غاب عنه أن هناك أدياناً أخرى غير الإسلام في عقائد الشرق، وأن الصراع بين الغرب والشرق، ليس دينياً حتى وإن تبدى في بعض الحالات، والظواهر غير الطبيعية على أنه كذلك. لقد توضح مفهوم القومية العربية في الفكر السياسي العربي التحرري المناهض للاستعمار، بجميع أشكاله في أوائل القرن العشرين، وخصوصاً بعد ثورة الشريف حسين 10 حزيران 1916م، وكان رداً طبيعياً على التعصب التركي الذي قاد حملته جمال باشا السفاح عام 1914م، وحركات التتريك التي مارست أبشع أنواع الضغط والإذابة للهوية العربية، وقد فوجئ العرب بعد انفصالهم عن الدولة العثمانية، بأنهم محكومون باتفاقات سرية عقدها بالخفاء الاستعمار الأوربي الجديد ولا سيّما (بريطانيا وفرنسا) في سايكس بيكو (1916م)، ومن ضمنها وعد بلفور (1917م) أمام هذه المخططات الجديدة التي ترمي إلى تجزئة الوطن العربي، وتفكيك عرى الأمة، تنامى مفهوم القومية العربية ليصبح عاماً وشاملاً يحمل معاني وحدة الشعب بثقافته، ولغته، وتاريخه، وأرضه، وانتمائه، وليس بدينه فقط. "لقد بقي المطلب السياسي للحركة العربية حتى وهي مهزومة حلماً ومطلباً، بل وموقفاً، يرفض الاعتراف بإتفاقية سايكس بيكو ونتائجها في تقسيم بلاد الشام، ثم تقسيم سوريا نفسها إلى دويلات واستمر المثقفون، والقادة العرب أوفياء لحلم هذه الثورة وغير معترفين -شرعياً- بما ينتج عن الانفصال عن الأتراك من وقوع في براثن وانتداب الاستعمارين الانكليزي والفرنسي"(33) ولا بد من الإشارة إلى أن ثمة مفهومات متباينة لحركة القومية العربية فهي تعني لدى البعض (الواقع الاجتماعي والثقافي واللغوي والتاريخي والنفسي للأمة العربية) وتعني لدى البعض الآخر (الدافع للنضال القومي) وبالتالي فهي تعني حركة الجماهير العربية الهادفة إلى تحقيق دولتها القومية الواحدة، والقومية العربية مثلها مثل أية قومية "رابطة تاريخية داخل التاريخ" هذا يعني أن مضامينها، والأشكال المعبرة عن هذه المضامين في تطور وتبدل مستمرين على المراحل التاريخية المختلفة التي تمر بها. وما الأيديولوجية القومية سوى التعبير عن مضمون وشكل القومية في مرحلة تاريخية ما"(34) لكن ذلك لا يعني بالضرورة تأخير القومية ذات المعنى الواسع والشامل لوحدة الأمة ونضالها ضمن إطار الأيديولوجية، فلكل أيديولوجية قومية واقعها، وظروفها التاريخية المختلفة، وتوجهاتها المرحلية التي تقترب من العمل السياسي التكتيكي أكثر مما تقترب من العمل الاستراتيجي النضالي، فالحركة القومية العربية هي المعبرة بالضرورة عن "نضال الأمة العربية من الخليج العربي إلى المحيط الأطلنطي، للوصول إلى تكوين وحدتها السياسية المستقلة، وتحقيق دولتها القومية، والأمة العربية هي الشكل الذي يأخذه التجمع البشري للعرب اليوم وهي -واقعهم المادي- الروحي الوحدوي المتواجد ضمن الإطار الجغرافي لحدود الوطن العربي الحالي، والعروبة هي الرابطة التي تربط بين العرب، وتشعرهم بوحدة الانتماء إلى أمة واحدة هي الأمة العربية، بغض النظر عن اسم الدولة التي يحملون جنسيتها بصورة رسمية، وعن الديانة التي يدينون بها"(35).‏

إن انتصار الثورة العربية الكبرى، وانزياح الاحتلال التركي عن الوطن العربي، ودخول الأمير فيصل على رأس جيش عربي إلى دمشق في 11 أيلول 1918م، قد ساهم في زيادة التفتح القومي، وفتح الآفاق أمام حركة القومية العربية بأن تأخذ مداها على أرض الواقع ولا سيّما بعد أن أعلن الأمير فيصل، عن تشكيل الحكومة العربية في سورية في 5تشرين الأول 1918م بمساندة انكلترا التي بدأت تضغط على فرنسا لتنفيذ اتفاقية سايكس بيكو، فما كان من قائد القوات البريطانية الجنرال (اللنبي) الذي جعل مقرّه فلسطين تمهيداً لتنفيذ وعد بلفور، إلا أن اتخذ إجراءاته العملية لتقسيم سورية الطبيعية التي كانت تضم سورية ولبنان والأردن وفلسطين إلى ثلاث مناطق عسكرية تكون جميعها تحت إشرافه العام:‏

المنطقة الغربية: وتضم لبنان والساحل السوري من صور إلى كيليكية ويعين عليها حاكم فرنسي.‏

المنطقة الجنوبية: وتشمل فلسطين ويعين عليها حاكم انكليزي.‏

المنطقة الشرقية: وتضم سورية الحالية باستثناء الساحل مضافاً إليها شرق الأردن وأقضية حاصبيا، وراشيا، والبقاع وعهد بإدارتها إلى فيصل"(36).‏

وبهذه العملية التقسيمية، يستطيع الاستعمار الجديد ضرب حركة القومية العربية في الصميم، وشعر الأمير فيصل بهذه الطعنة الجديدة، فراح يطالب في المؤتمرات الرسمية، وأمام التنظيمات السياسية العربية، والجماهير الشعبية، وفي خطبه بأن العرب أمة واحدة تاريخياً وجغرافياً وثقافياً، وأن العروبة هي التي تربطهم جميعاً على اختلاف مذاهبهم الدينية "فالعرب هم عرب قبل موسى وعيسى ومحمد"(37) وكان يدعو لوحدة العرب في ظل القومية العربية الواحدة التي ينبغي تحقيقها عاجلاً أو آجلاً.‏

د-الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في سورية (زمن الشاعر)‏

لقد ترك النظام العثماني، ومن بعده النظام الفرنسي الأرض والسلطة في أيدي الاقطاعيين من ملاّك الأراضي، بالإضافة إلى المتنفذين من أصحاب رؤوس الأموال الذين ينتمون إلى كبار الضباط، والأسر الحاكمة، والبرجوازية الكبيرة وعلى رأسها الأرستقراطية العقارية وكبار التجار، وكان لرجال الدين شأن كبير في هذا التشكيل، وفي الطرف الآخر كانت الجماهير العريضة، تعيش حالة الكفاف والفقر والجهل والاستغلال بأقصى وجوهه، فكان التفاوت الطبقي حاداً، وكان التنافس بين العائلات الإقطاعية نفسها، وكانت الانقسامات الداخلية. ومما لا شك فيه أن هذا الوضع الاقتصادي، انعكس سلباً على الوضع الاجتماعي، والثقافي، فجعل الحياة الثقافية تكاد أن تكون عقيمة جامدة، فتراجعت روح الابتكار الشخصي، والإنتاج الخلاق في كل المستويات العلمية والفلسفية والفنية والأدبية، ولكن ومع ازدياد علاقات الوطن العربي بأوربا، زاد انفتاحه على الثقافة الغربية الليبرالية، وفكرها القومي العقلاني الحديث، وهنا لا بد من الإشارة إلى (البعثات العلمية والتبشيرية التي حاولت أن تفتح بعض المدارس والكليات العلمية في هذه العاصمة أو تلك، وقد كان نصيب سورية في هذه المرحلة ليس قليلاً. كما أن الصحافة، وحركة التأليف، والترجمة، ونشاط الجمعيات الأدبية والعلمية والسياسية، أثّر تأثيراً بارزاً في هذا المضمار، وقد تحقق لأبناء البرجوازية الوطنية السورية نصيباً وافراً من ذلك كله. مما هيأ لها أن تستلم مقاليد السلطة في سورية بعد الاستقلال، وأن تزيد استثماراتها في مختلف المجالات الاقتصادية، فنمت حركة التصنيع بشكل خاص، وازداد عدد الشركات الصناعية، إلا أنها اقتصرت على الصناعات الخفيفة، والغذائية، واستمرت في توظيف أموالها في ميدان الزراعة والتجارة، ولم تحاول هذه البرجوازية الوطنية سواء أثناء الانتداب أو بعد الاستقلال المساس بالملكية الإقطاعية. لا بل تعاونت مع الإقطاع بعد الاستقلال وتقاسمت معه أملاك الدولة، وكانت النتيجة أن ارتفعت نسبة الملكية الكبيرة، وبالمقابل فإن عملية تحول الإقطاع إلى برجوازية زراعية، استمرت في مسيرها بسرعة، وبقي الفلاح على وضعه السابق يعاني من الاستغلال والفقر والمرض، وعرضة للتهجير الإجباري حين يغضب عليه ذلك الملاّك، سواء أكان إقطاعياً أو برجوازياً، ولم يكن العامل أحسن حالاً من أخيه الفلاح، فكلاهما عرضة للاستغلال وسرقة الجهد"(38). وفي سياق هذا التفاوت الطبقي، والظلم، حصلت بعض الإرهاصات في صفوف الشعب، تدلل على وجود رؤية نهضوية تحررية، ولا سيما بعد أن ظهر ضعف الكتلة الوطنية، وتواطؤها مع الإقطاع والرجعية، "حيث انشق أحد زعمائها المعروفين أيضاً (جميل مردم 1311-1380- 1894-1960م)(39) وشكل حزباً جديداً أسماه (الحزب الجمهوري) وفي نيته خوض الانتخابات المقبلة بهوية جديدة، بعد أن تكهن بفشل الهوية القديمة أي (الكتلة). فهو مثلها ينادي بالعمل على الوحدة العربية، وبالنظام الجمهوري، وبتقوية الجيش، وبتطوير التعليم والاقتصاد الخ وبعد استقالة سعد الله الجابري في‏

23 كانونالأول 1946 عهد القوتلي بتشكيل الوزارة إلى جميل مردم"(40) وتبلورت حركة القومية العربية بشكل جلي وناضج بعد توحيد أجنحة البعث العربي الاشتراكي تحت راية واحدة. حيث عقد مؤتمره التأسيسي الأول في 4نيسان 1947م في دمشق، واستمر ثلاثة ايام حضره حوالي المئة من عدة أقطار عربية هي الأردن، لبنان، الجزائر، فلسطين، تونس، العراق، معظمهم من الطلاب الذين يدرسون في سورية، وكان التيار السائد في هذا المؤتمر، هو التيار القومي العربي الاشتراكي الديمقراطي الإصلاحي. وقد تضمن الدستور الذي انبثق عن هذا المؤتمر أهم أهداف هذه الحركة القومية التي وضعت شعارها الأول وحدة الأمة (أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة) وأقر المبدأ الأول (أن العرب أمة واحدة لها حقها الطبيعي في أن تحيا في دولة واحدة، وأن تكون حرّة في توجيه مقدراتها، فالوطن العربي وحدة سياسية اقتصادية لا تتجزأ، ولا يمكن لأي قطر من الأقطار العربية أن يستكمل شروط حياته منعزلاً عن الآخر، والأمة العربية وحدة ثقافية، وجميع الفوارق القائمة بين أبنائها عرضية، زائفة تزول جميعها بيقظة الوجدان العربي"(41) وتحت عنوان مبادئ عامة نصت المادة الثالثة من الدستور على أن "حزب البعث العربي قومي يؤمن بأن القومية حقيقة خالدة، وبأن الشعور القومي الواعي الذي يربط الفرد بأمته ربطاً وثيقاً هو شعور مقدس حافل بالقوى الخالقة، حافز على التضحية، باعث على الشعور بالمسؤولية، عامل على توجيه إنسانية الفرد توجيهاً عملياًً مجدياً، والفكرة القومية التي يدعو إليها الحزب، هي إرادة الشعب العربي أن يتحرر ويتوحد، وأن تعطى له فرصة تحقيق الشخصية العربية في التاريخ، وأن يتعاون مع سائر الأمم على كل ما يضمن للإنسانية سيرها القويم إلى الخير والرفاهية"(42) وأكدت المادة الرابعة ارتباط الاشتراكية في صميم القومية العربية، باعتبارها النظام الأمثل الذي يسمح للشعب العربي بتحقيق إمكانياته، وتفتح عبقريته على أكمل وجه، فيضمن للأمة نمواً مطرداً في إنتاجها المعنوي والمادي، وتآخياً وثيقاً بين أفرادها"(43)، كما أكدت المادة الخامسة بأن حزب البعث العربي شعبي "يؤمن بأن السيادة هي ملك الشعب، وأنه وحده مصدر كل سلطة وقيادة، وأن قيمة الدولة ناجمة عن انبثاقها عن إرادة الجماهير، كما أن قدسيتها متوقفة على مدى حريتهم في اختيارها"(44)، وأكدت المادة السادسة على ثورية الحزب فهو حزب انقلابي يؤمن بأن أهدافه الرئيسة في بعث القومية العربية وبناء الاشتراكية لا يمكن أن تتم إلا عن طريق الانقلاب، والنضال، وأن الاعتماد على التطور البطيء، والاكتفاء بالإصلاح الجزئي السطحي، يهددان هذه الأهداف بالفشل والضياع لذلك فهو يقرر:(45)‏

أ- النضال ضد الاستعمار الأجنبي لتحرير الوطن العربي تحريراً مطلقاً كاملاً.‏

ب-النضال لجمع شمل العرب كلهم في دولة مستقلة واحدة‏

ج-الانقلاب على الواقع الفاسد انقلاباً يشمل جميع مناحي الحياة الفكرية، والاقتصادية والاجتماعية، والسياسية.‏

ومع أن انتخابات 17 تموز 1947 هي أول انتخابات تجري في ظل الاستقلال السياسي التام، وأنها أول انتخابات تجري على درجة واحدة، انطلاقاً من احترام حرية الشعب وحقه في انتخاب ممثليه بشكل مباشر، ودون وسطاء، فإن البرجوازية الحاكمة، استطاعت أن تدفع بملاّك الأراضي، ورجال الأعمال، وزعماء القبائل، ورؤساء العائلات الكبرى، وكبار التجار، ورجال الدين إلى قلب المجلس النيابي، وبقيت القوى الوطنية التي تمثل الجماهير العريضة من شعبنا على هامش الحياة السياسية، لذلك، تم تمرير قرار تقسيم فلسطين في 29 تشرين الثاني 1947م، وتم تنفيذ طبخة، الحرب العربية، الإسرائيلية الأولى في العام 1948م، وفي 21 آب 1948م، قدم جميل مردم استقالته، ليعيد تشكيل وزارة جديدة تسير على نهج سابقتها، ولا بدّ من الإشارة بأن نتائج نكبة فلسطين، وهزيمة الجيوش العربية التي شاركت في هذه الحرب انعكست سلباً على حركة القومية العربية، وجميع الآمال المعقودة على نجاح هذه الحركة، لكنها ساهمت بشكل أو بآخر في تنمية شعور العرب في سورية، والأقطار الأخرى "برابطة العروبة التي تربط بينهم، وفي إدراكهم لضرورة وحدتهم وفشل الجامعة العربية في استرجاع عروبة فلسطين، جعلهم يدركون أيضاً، ضرورة البحث عن نظام آخر للتعامل العربي أفضل من الجامعة"(46) ومع تنامي حركة البعث العربي الاشتراكي، كانت حركة القومية العربية تزداد ألقاً في نفوس الجماهير، وكان الوعي الوحدوي يؤشر إلى وجوب إقامة وحدة عربية، وفي بداية عام 1955م، طرحت سورية على لسان معظم قادتها السياسيين، وفي مقدمتهم قادة البعث إقامة اتحاد مع مصر، واشترط موافقته بالمشاركة في وزارة العسلي الوطنية، بأن تتعهد هذه الوزارة تنفيذ هذا الاتحاد، وقد أنجزت هذا الوعد حقاً"، فقد أرسل عبد الناصر وزير خارجيته محمود رياض إلى سورية في 26/3/1955م ليمهد لهذا الاتحاد، وأقر المجلس النيابي السوري بالإجماع موضوع بدء الحكومة بمباحثاتها من أجل الاتحاد مع مصر منذ 5 تموز 1955م وقد أججت حرب السويس عام 1956م هذه المشاعر الوحدوية في كل من سورية ومصر على حد سواء، وقد انعكس فشل انكلترا وفرنسا وإسرائيل في هذه الحرب، إيجاباً على التقارب مع المعسكر الاشتراكي. كما بلغ هذا الشعور مداه نتيجة لنزول القوات المصرية في ميناء اللاذقية في تشرين الأول 1957م، تنفيذاً لاتفاقية الدفاع المشترك، لمجابهة الخطر التركي على الحدود السورية، مما عجل في اندفاع القادة السوريين (مدنيين وعسكريين) لعقد الاتحاد مع مصر في كانون الثاني 1958م غير أن هذا الاتحاد تحوّل إلى وحدة اندماجية في 22 شباط 1958م"(47)، وبهذا الحدث السياسي التاريخي الهام، يصل المدّ القومي ذروته، ويسجل الخط البياني تصاعداً في مشروع النضال القومي التوحيدي للأمة العربية لكنّ هذا الحلم ما لبث أن تكسّر على صخرة الانفصال في 28 أيلول 1961م بتشجيع من الدول الامبريالية، وذلك بهدف إضعاف ثقة الجماهير العربية بإمكانية نجاح حركتها القومية من جهة، وإضعاف سورية ومصر، والاتجاه العروبي فيهما من جهة أخرى، غير أن حركة القومية العربية لن تتوقف، وإن اعتراها الشحوب بعض الوقت، فما لبثت ثورة الثامن من آذار 1963م، أن أعادت لهذه الحركة نضارتها وإشراقاتها الفكرية ليس في سورية فحسب، وإنما على امتداد الوطن العربي الكبير وما يزال هسيس نار الشعور القومي، يلهب الوجدان العربي في الأفراح والأتراح، بما يؤكد وحدة المشاعر القومية، بين أبناء الأمة الواحدة، مهما حاول الأعداء، النيل من هذه المشاعر، أو الحدّ منها. لقد نضح وعي الطبقة العاملة، ومعظم الشرائح الاجتماعية التي تشكل القاعدة العريضة للجماهير المنتجة التي بدأت تشكل حضوراً متميزاً في العديد من الأقطار العربية، وفي مقدمتها سورية، وأخذت ذمام المبادرة في صياغة مستقبلها، وأحلامها، حيث كانت الوحدة العربية على رأس تلك الأحلام وفي مقدمة رؤى المستقبل، وكان خليل مردم والد الشاعر من الذين بشّروا بها، ودعوا إليها، وناضلوا من أجلها، وكان نجل شاعر الشام موضوع بحثنا الشاعر عدنان مردم الذي عايش تلك الأحداث، والتحولات الجذرية المتلاحقة في الحياة السياسية والفكرية، وفياً كأبيه لقضايا التحرر القومي، والوحدة القومية الشاملة، فاستوحى معظم نتاجه الإبداعي من صميم الوجدان القومي، وقضايا الوطن العربي.‏

خاتمة‏

بعد هذه الإلماحة عن الأوضاع السياسية والاقتصادية، والاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة في سورية، أواخر الحكم العثماني، وأيام الانتداب الفرنسي، وبعد الاستقلال، نستطيع القول: إن مخلفات الحكم العثماني، وأساليب النظام الإقطاعي، والبرجوازية الكومبرادورية، التي تقوم على الاستغلال، والاضطهاد، والتفاوت الطبقي، انعكست سلباً على تطور المجتمع، فبقيت المرأة سجينة جدرانها، وحجابها، غارقة في ظلام الجهل، والتخلف، والخرافة إلى أن تسنى لها الخروج من هذه الشرنقة الظلامية بعد الاستقلال، واستطاع الفكر العربي التنويري، أن يتجاوز حالة الركود التي أصيب بها، لينتقل إلى مرحلة الانبعاث، واليقظة الفعلية بعد انجلاء ظلام الاستعمار، وانتشار التعليم في الأوساط البرجوازية أولاً، ثم في الأوساط الشعبية ثانياً بعد الاستقلال. وكان الأدب في هذه المرحلة يواكب الأحداث، ويدعو إلى التحرر الوطني، والقومي، والوحدة العربية، والثورة، مستمداً مادته الأولية من صميم الوجدان الشعبي، والقضايا القومية للأمة، وقد لعب المجمع العربي في دمشق، دوراً بارزاً في تعزيز اللغة العربية، وإحياء التراث، وتوافر لهذه المؤسسة الثقافية العديد من المفكرين والأدباء المخلصين الذين عرّفوا بالحضارة العربية، وتاريخها، كما حقق الكثير منهم كتباً من التراث العربي، وقد أسهم خليل مردم والد عدنان مردم الذي كان نائباً لرئيس هذا المجمع (محمد كرد علي) ثم رئيساً له فيما بعد، مساهمة فعالة في ترسيخ الثقافة القومية، وكان للجمعيات الأدبية في سورية، والمهجر، وللمجلات الأدبية، دور بارز أيضاً في خدمة هذه الثقافة، وتعميمها، ولم يكن الأدب رغم جميع الحصارات المضروبة على حرية التعبير في مرحلة ما قبل الاستقلال، معزولاً عن الوضع الفكري، والثقافي، والاجتماعي الذي كان سائداً، لا بل كان أكثر العناصر تأثراً بالأحداث، وبالتيارات الفكرية التي ظهرت في الغرب الأوربي، فظهرت مدارس أدبية، وشعرية جديدة، بالإضافة إلى الأجناس الأدبية المختلفة، كالرواية والقصة والمسرحية حيث كان المسرح واحداً من تلك الأجناس والفنون والآداب الجديدة، ولا سيّما الشعر المسرحي الذي كان أكثر هذه الأجناس فاعلية في بث الوعي القومي. وفي إيقاظ وتوثيب الوجدان العربي للتطلع نحو الاستقلال، والوحدة، وتقوية الروابط القومية، وتمجيد البطولة ضد الاحتلال الأجنبي (وكان على القصيدة أن تؤدي دوراً كبيراً وفعالاً بسرعة وتصميم لم يخب الأمل في شعراء استطاعوا أن يمسكوا بالمبادرة، وأن يصنعوا الثورة، أو يسهموا في تكوينها، وأن يحلوا المقاومة، مكان التهيئة لها، وبدون توطئة، أو تمهيد زمني، حولوا الموضوعات الشعرية السائدة التي دارت في أَجواء فردية ضيقة خاصة، لا تهم سوى أصحابها، كالمديح الكاذب، والتهنئة، والرثاء، والإخوانيات إلى مضامين عامة في مجالات سياسية واجتماعية، وثقافية، وبدأ الشعراء يتناولون قضايا معاصرة كالفقر، والجهل، والمرض، والحث على العلم، ومشاركة المرأة في بناء المجتمع، وبلورة الشعور القومي، والدعوة إلى الوحدة العربية، وسحق الإقطاع، ومحاربة الاستعمار، ونبذوا الاهتمام الكلي بالتذويق اللفظي والمحسنات البديعة الساذجة"(48).‏

باختصار نستطيع القول: إن الروّاد الأوائل لهذه النهضة من المفكرين والشعراء، مهدوا الطريق لروّاد آخرين، كانوا الطلائع المبشّرة بنهوض هذه الأمة وتطورها، وكانوا أهم عناصر النجاح في معركة التحدي القومي، وليس من طموح هذا البحث أن يقدّم تصوراً كاملاً لحركة الأدب، ودوره في الاتجاه القومي، فالإحاطة الشاملة بهذه الحركة، تحتاج إلى مجلدات، وإنما أقصى ما نطمح إليه هو تقديم إضاءة وافية عن هذا الاتجاه القومي في شعر عدنان مردم المسرحي، الذي تمحور في العديد من مسرحياته حول هذا الاتجاه، من خلال تتبعه لحركة التاريخ، وأحداثه الكبرى في الوطن العربي، ومن خلال توظيفه لبعض الرموز التاريخية على سبيل الإسقاط التاريخي، لما يجري على أرض الواقع العربي من أحداث مشابهة عايشها مردم، وربما كابد حرقتها، ومرارتها في عصره، فكتب عنها، وصورّها شعراً وطنياً وقومياً في بناء درامي، يستطيع من خلاله. التنفيث عن تلك الهموم والمرارات، ويرسم دروب الخلاص الجماعي لأمة ممزقة، تتطلع لتحقيق مشروعها النهضوي التوحيدي. وإذا كان الأدب بعامة، والشعر منه بشكل خاص، هو تعبير عن فهم الأديب لمجتمعه، ومعايشة لواقعه، وانعكاس هذا الفهم، وهذه المعايشة في إبداعه شعراً أو نثراً، فإن هذه المقولة أكثر ما تنطبق على شاعرنا عدنان، مردم الذي عايش تلك الأحداث في كل لحظة ويوم، وعبر عنها بكل تناقضاتها، ومتغيراتها، كيف لا وهو ينحدر من أسرة عريقة في الوطنية؟ ويعيش في كنف والده شاعر الشام خليل مردم، صاحب النشيد السوري الوطني الذي تردد أصداؤه كل يوم على مسامع الطلبة والجماهير بكل فئاتها [من المتقارب]:‏

أَبَتْ أَنْ تُذَلَّ النُّفُوسُ الكِرَامْ‏

حُماةَ الدّيارِ عَلَيْكُمْ سَلامْ‏

وهو المرتبط إلى درجة الانصهار بوطنه وأمته، المتطلع إلى نهوضها، وتحفزها بكل شوق وشاعرية، المسكون بهاجس توحّدها، وانتصارها على أعدائها بما يفوق حالة الحلم، ليقارب إمكانية العقل الداعي لترسيخ المفهوم القومي التحرري في كل نفس حرة أبية. والذي يمتلك رؤيته الشعرية الإبداعية الخاصة في الشعر والمسرح على حد سواء. تلك الرؤية التي يمكن استنباطها من مسرحياته، والمضامين التحررية القومية التي اشتملت عليها، كأسئلة تطرح نفسها بقوة حيث يأتي في مقدمة تلك الأسئلة: كيف تشكلت هذه الرؤية؟ وإلى أي الشرائح ينتمي هذا المبدع؟ وكيف استطاع أن يعبّر عن هذا المفهوم القومي التحرري شعراً ممسرحاً؟ وأين هو من أقرانه، وشعراء عصره على صعيد الإبداع؟ وهو ما سنحاول كشف بعض جوانبه في الأبحاث التالية بعد أن قدمنا صورة بانورامية شاملة عن منابع هذا المشروع القومي التوحيدي عبر العصور، وعن الخطوط البيانية المنحنية الصاعدة، والهابطة التي تعرض لها هذا المشروع، في مراحل تاريخية متعاقبة، بما فيها العصر الذي عاش فيه، وعايشه، شاعرنا موضوع البحث (عدنان مردم)، لنبّين مدى تأثره، وتأثيره في مجريات أحداثه، فكراً، وشعراً، ومسرحاً. ولنوضح أسباب تراجع هذا المسرح، مع أنه يرتكز في بنائه على الشعر، وفي مضامينه على التاريخ، وكلاهما يدخل في نسيج المشروع القومي التحرري التوحيدي.‏

(1) عكاشة، ثروت. الزمن ونسيج النغم، دار المعارف، مصر، ط1، 1978، ص 26.‏

(2) المرجع السابق، ص 26.‏

(3) يذكر في هذا السياق أن الإغريق يستخدمون المصطلحات الموسيقية في وصف صحة الإنسان وأحواله وحياته، فالعيد عندهم (قيثارة متسعة الأنغام) والمتوتر الأعصاب (مشدود الأوتار).والمعتل (ممزق الأوتار) وقد استخدم (أرسطو) كلمة (كاثارسيس) ويعني بها عملاً فيسيولوجياً عنيفاً لاسترداد العافية، للتعبير عن وظيفة الفن في تحرير العواطف والانفعالات عن طريق الموسيقا والدراما.‏

(4) ترحييني، فايز، الدراما ومذاهب الأدب، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1988، ص 67.‏

(5) المرجع السابق، ص 67.‏

(6) المرجع السابق، ص 67.‏

(7) السنيورة، ماجدة. الرؤية الاجتماعية في المسرح المصري المعاصر. رسالة أعدت لنيل شهادة الماجستير في اللغة العربية وآدابها من الجامعة اللبنانية العام 1988، بإشراف الدكتور أحمد أبو حاقة. ص 69.‏

(8) الرؤية الاجتماعية في المسرح المصري المعاصر، مرجع سابق، ص 70.‏

(9) المقداد، قاسم: هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي، دار السؤال، دمشق، ط1، 1984، ص 69.‏

(10) هندسة المعنى في السرد الأسطوري الملحمي، مرجع سابق، ص 70.‏

(11) الواد، حسين: قراءات في مناهج الدراسات الأدبية، ط2، تونس 1985، ص 60.‏

(12) علي اسماعيل، سعيد، الفكر التربوي الحديث، عالم المعرفة. سلسلة الكتب الشهرية التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويت. العدد 113، مايو (أيار) 1987، ص 122.‏

(13) مهنا، عدنان. الاضطرابات السلوكية المدرسية. حركة الريف الثقافية. جمعية الإنماء التربوي في البقاع ط2- 1999- ص139.‏

(14) مهنا، عدنان، الاضطرابات السلوكية المدرسية، مرجع سابق، ص140‏

(15) علي اسماعيل، سعيد، الفكر التربوي الحديث. مرجع سابق ص123.‏

(16) المرجع السابق ص124‏

(17) الصديقي، الطيّب. تأصيل المسرح العربي -مجلة المعرفة السورية- وزارة الثقافة دمشق، العدد المزدوج 124-125.حزيران تموز 1972- ص22‏

(18) رمضاني، مصطفى. قضايا المسرح الاحتفالي، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق ط1- 1993- ص10‏

(19) قضايا المسرح الاحتفالي، مرجع سابق: ص23.‏

(20) أبو شنب، عادل. بواكير التأليف المسرحي في سورية، منشورات اتحاد الكتاب العرب -دمشق، ط1- 1978، ص10-11.‏

(21) (ديسّو، رينيه) (العرب في سورية قبل الإسلام) ترجمة: عبد الحميد الدواخلي. مراجعة د. محمد مصطفى زيادة -السلسلة التاريخية -الطبعة الثانية بيروت، دار الحداثة، 1985م- ص15.‏

(22) المرجع السابق، ص20‏

(23) آراء ودراسات في الفكر القومي (كتاب العربي) الكويت، العدد الثامن، 15 يوليو (حزيران) 1985م، المقدمة، ص6‏

(24) المرجع نفسه ص7‏

(25) معلا، نديم، قضايا مسرحية، مطبعة الكاتب العربي، دمشق، 1995،ط1، ص10.‏

(26) قضايا مسرحية، مرجع سابق ص12‏

(27) قضايا مسرحية، مرجع سابق، ص16.‏

(28) الحصري، ساطع: (آراء ودراسات في الفكر القومي) (كتاب العربي) الكويت، العدد الثامن، 15 يوليو 1985م ص20‏

(29) الحصري، ساطع (ماهي القومية؟) مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1985م، طبعة خاصة، ص11‏

(30) المرجع نفسه ص22‏

(31) المرجع نفسه ص25‏

(32) الخطيب، محمد كامل (القومية والوحدة) القسم الأول، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، 1994م 1/7.‏

(33) القومية والوحدة، مرجع سابق ص12.‏

(34) د. محمد، نجاح (الحركة القومية العربية في سورية) الجزء الأول 48-63، دمشق، دار البعث ط1- 1987م، ص17‏

(35) المرجع نفسه ص18.‏

(36) الحركة القومية العربية في سورية، مرجع سابق، ص46.‏

(37) المرجع نفسه ص47.‏

(38) الحركة القومية العربية في سورية ص97.‏

(39)مردم، جميل بن عبد القادر، عم الشاعر عدنان مردم وزير دمشقي من رجال السياسة، تعلم بفرنسة، وكتب منها إلى صحف دمشق بإمضاء "طالب سياسة" ثم كان مستشاراً خاصاً للأمير فيصل بن الحسين في دمشق العام 1919م، وحكم الفرنسيون بإعدامه لما دخلوا سورية (1920م) وهم الفرنسيون باعتقاله في تهمة موجهة إليه، ففر إلى العراق، ثم عاد إلى دمشق، فكان في عهد شكري القوتلي وزيراً للخارجية وترأس الوزارة ثلاث مرات، وتوفي بالقاهرة، ونقل جثمانُه إلى دمشق.‏

(40) الحركة القومية العربية في سورية، ص113‏

(41) دستور حزب البعث العربي الاشتراكي (القيادة القومية)، مكتب الثقافة والدراسات، والإعداد الحزبي، دمشق، لاط، لات، ص5.‏

(42) دستور حزب البعث العربي الاشتراكي، مرجع سابق، ص7‏

(43) المرجع نفسه، ص9‏

(44) دستور حزب البعث العربي الاشتراكي، ص10‏

(45) المرجع نفسه المادة السادسة، ص10 وما بعدها‏

(46) الحركة القومية العربية في سورية، ص156.‏

(47) الحركة القومية العربية في سورية، ص160.‏

(48) د. الخياط، جلال، (دور الأدب في الوعي القومي العربي)، مركز دراسات الوحدة العربية ص233.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244