الاتجاه القـومي في مسرح عدنان مردم الشعري - حسـين حموي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الفصل الثاني

حياة عدنان مردم

أ-ولادته.

حين نطوف حول أهم الآثار المتناثرة كحبات اللؤلؤ حول جيد دمشق، وحين نشعر أننا أمام مجموعة كبيرة من الآثار. تتجمهر في منطقة واحدة، تمتد من باب الجابية إلى باب شرقي إلى باب الحريقة[i])، حيث مقام السيدة رقية بنت الإمام علي بن أبي طالب كرم اللّه وجهه، وحيث تشهق قلعة دمشق القديمة بأسوارها العالية، ودهاليزها العجيبة، وسجنها القديم، يتقدمها فارس يمتطي صهوة جواده الأصهب، ملفعاً بعمامة مستديرة من الفولاذ، ومتجلبباً بلباس الميدان، يحمل ملامح صلاح الدين الأيوبي، بطل حطين. الذي يطل على مدخل سوق الحميدية الأثري، الممتد إلى مدخل الجامع الأموي الكبير، وقد رقد فيه، إلى جانبه عدد غير قليل من الرجال العظام، ما تزال رفاتهم تنبئ عن أفعالهم، وما يزال الناس من مختلف الأديان والأجناس والأقوام، يؤمّون تلك الآثار، والمواقع، والأضرحة. وحين ينتهي بنا المسير إلى مكان مكشوف في آخر سوق الحميدية، نُزِع عنه السقف، وندخل في الشارع الفرعي، الأيمن باتجاه قصر العظم، وسوق الصاغة الجديد، ما بين سوق الحريقة والبزورية، ونصل إلى ردهات شارع فرعي، يفضي بنا إلى سوق الحرير، ويطالعنا شاهق من البناء القديم، وباب دار بنّي اللون، مصنوع، من الخشب القديم الذي كان يستخدم لصناعة السفن الحربية، قد حفر حفراً بين عمودين من الحجر الأزرق، منحوتين بإزميل فنان بارع، نجد أنفسنا أمام آثار من نوع خاص. آثار الفن والتاريخ، والمعمار، والأدب، وأول شيء يشد انتباهنا في صحن تلك الدار بركتها المستديرة المزخرفة المملوءة بالماء إلى حافة العنق. وتلك الردهات التي تفضي إلى صيوان كبير، يصلح أن يكون قاعة للمحاضرات. كلمة حق نقولها: إن مدخل البيت، وتناسق الغرف فيه على طبقتين متباعدتين في الطول والعرض، لفسح المجال أمام أشعة الشمس، كي تأخذ طريقها إلى داخل تلك الغرف، ولتترك فسحة واسعة حول تلك البركة، لمن يودّ الجلوس مساءً، وإلى جانبه نرجيلته المحببة إلى قلبه. إن هذا المدخل، وتلك الغرف الموشّاة بالنحت والزخارف، تدلل على عراقة هذه الأسرة وأصالتها.

في هذا البيت الأثري الكائن في الجانب الأيمن من سوق الحميدية، الذي يتكئ على سوق الصاغة الجديد من جهة الشمال، وعلى قصر العظم من جهة الشرق، ويشرف على قلعة دمشق والجامع الأموي وقبر صلاح الدين، ومقام السيدة رقية من الغرب والجنوب، في هذا البيت الشامي القديم العريق، الذي ينهض كالقلعة في منطقة البوص)[ii]) كما تعارف على تسميتها أهل المنطقة. ولد الشاعر عدنان مردم في 24 أيلول 1917م من أب عظيم في شهرته وعبقريته هو الشاعر خليل مردم، ومن أم عريقة في نسبها وتقواها هي فاطمة الزهراء الحمزاوي. وقد تقصدّت أن أكتب عدنان مردم) حاذفاً كلمة بك) لأنها ملصقة بالكنية إلصاقاً، على سبيل التفخيم، والتبجيل، وفي سياق الألقاب التي كانت سائدة في الماضي كالأفندي، والآغا، والباشا، وما شابه ذلك من الألفاظ، والألقاب التي تحدد المنبت الطبقي، أو الوضع الاجتماعي لصاحبها. وبما أن أسرة الشاعر التي ينحدر منها، أو التي يندرج في إطار نسبها أسرة عريقة في العلم والأدب والنضال والتاريخ، وهي أسمى مراتب الفخار، لا ترقى إليها صفة باشا أو آغا أو بك، فإنني اكتفيت بالاسم المجرّد عدنان مردم) خالياً من أية صفة ملصقة أخرى، لأن من يحوز على شرف النسب، والعلم، والأخلاق، والأدب -وهي أرفع المقامات في نظري- لا يحتاج بعد ذلك إلى هذه التسميات والألقاب، مع أنني لمست إصراراً شديداً من أسرته ولا سيما زوجه أم قتيبة) وابنته حسّانة، على إبقاء هذا اللقب، لأنه أصبح في نظرهما جزءاً لا يتجزأ من الكنية، وما عادت الأسرة تستطيع سماع الاسم منطوقاً أو مكتوباً، بدون كلمة بك) التي لا أحبذها شخصياً في الحياة العامة، فكيف لمن حاز على مراتب ثقافية وأخلاقية أسمى؟ إنني أقدر العاطفة الزوجية والأبوية لهذه الأسرة، وحرصها على أن تظل كلمة بك) ملصقة باسم الشاعر وكنيته، لكنني آثرت حذفها، بعد أن تأكد لي أن عدنان مردم، الشاعر والإنسان، هو أكبر بكثير من تلك التسميات والألقاب، التي كانت من صنع الدولة العثمانية، وذيولها. لقد رجعت إلى دوائر النفوس الحالية، والقديمة في دمشق فوجدت أن كلمة بك) من إضافات الدولة العثمانية التي كانت تحرص على ذيوع هذه الألقاب، وإلصاقها بالأسر العريقة المشابهة لأسرة الشاعر عدنان مردم، وعلى الرغم من وجودها، فإنني أرى من وجهة نظري أن لقب شاعر أو أديب، أو مبدع أكبر بكثير من جميع هذه الألقاب، وحرصت على حذفها.

ب-نشأته:

في كنف هذه الأسرة العريقة في أدبها ونسبها، نشأ الشاعر عدنان مردم، وترعرع إلى جانب أخيه الأصغر هيثم وأخواته لميس وفاطمة، وماما.

ولأنه كان الابن الأكبر لوالده خليل مردم، فقد انصبت عناية الوالد نحوه منذ نعومة أظفاره، وتنامت هذه العناية، عاماً إثر عام على طريق الثقافة والإبداع، فتشكل إثر ذلك نوع من العلاقة الأبوية والرفاقية الحميمة، بين الابن وأبيه على مدى اثنتين وأربعين سنة، قضياها معاً جنباً إلى جنب. وقد تجلت هذه الحميمية بعد رحيل الشاعر خليل مردم، الأب عام 1959م، حيث عكف نجله عدنان على جمع أشعاره، وطباعة مخطوطاته التي كان قد كتبها على أوراق متناثرة بخط يده، وقد اعترف النجل البار عدنان بفضل والده عليه، وتأثره به ذلك التأثر الشديد، في جميع الحوارات التي أجرتها معه الصحف والدوريات التي التقت به في حياته، وفي مقدمات المخطوطات التي خلفها وراءه والده خليل مردم بعد رحيله، ولا غرابة في ذلك، فالشاعر خليل مردم علم من أعلام الشعر والأدب في بلاد الشام، وسفر خالد من أسفار المبدعين، الذين كان له آثار ومواقف نضالية ضدّ الاستعمارين العثماني والفرنسي، ويحسن بنا أن نشير إلى بعض الإضاءات التوضيحية من حياة هذا الأب الذي نقل إلى ولده عدنان كثيراً من خصاله ومزاياه، ليس عن طريق الوراثة فحسب، وإنما عن طريق الاكتساب والتعليم والمحاكاة، فهو نجل أحمد مختار مردم من وجهاء دمشق وعلمائها، الذي ينحدر من شجرة عثمان مردم المشهور بعلمه وفقهه ونبله. حتى إن السلطة العثمانية حاولت أن تمنح لقب الباشوية)، وهو من الألقاب الفخمة التي لا يصل إليها أو ينالها إلا القلائل جداً. حاولت منحها للجد الأكبر، فرفض ذلك، في حين حصل عليه ابن شقيقه الأكبر سامي، الذي أصبح يعرف باسم سامي علي باشا مردم بك)[iii]) ولم يتأت علوّ النسب للشاعر خليل مردم، وأسرته من جهة الأب فقط، بل من جهة الأم أيضاً، فقد كانت أمه أي والدة خليل مردم من عائلة عريقة جداً في دمشق. فهي فاطمة بنت محمود الحمزاوي، ومحمود هذا كان مفتي الشام، ونقيب الأشراف، وأحد الرجال العظام، الذين حموا المسيحيين عام 1860م مع الأمير عبد القادر الجزائري[iv]) من المذابح والتهجير في سورية ولبنان، وقد أهداه نابليون الثالث وسام الاستحقاق الفرنسي، كما أهداه بندقية صيد ما زالت تحتفظ بها العائلة)[v]) حتى اليوم لأنه كان يحب الصيد، ولأن خليل مردم، ينحدر من أسرة عريقة في العلم والفقه والنسب، فقد ترعرعت معه الموهبة الأدبية بحكم الوسط الذي يعيش فيه ففي ديار أسرته من آل مردم، التقى بالدكتور عبد الرحمن الشهبندر خطيب الثورة السورية، وشكري العسلي، وعبد الوهاب الانكليزي، ورشدي الشمعة، وهم من أعلام النهضة العربية وممن حكم عليهم جمال باشا بالإعدام سنة 1916م، كما التقى بالعلامة محمد كرد علي[vi])، وفارس الخوري[vii])، وأنيس سلوم[viii])، وجورج حداد[ix])، وسامي العظم[x])، وعارف الشهابي[xi])، وفي الدار أيضاً انعقدت حلقة الرابطة الأدبية[xii])، التي ضمت نخبة من رجال الأدب أمثال: سليم الجندي[xiii])، أحمد شاكر الكرمي[xiv])، عز الدين التنوخي[xv])، شفيق جبري[xvi])، محمد الشريقي[xvii])، ماري العجمي[xviii])، فخري البارودي[xix])، عبد الله النجار، حليم دموس، وغيرهم"[xx]) ولم يكن خليل مردم بعيداً عن مواقع المسؤولية، فقد انتخب رئيساً للرابطة الأدبية التي كانت تشهد حلقات أدبية خاصة في البيت ذاته الذي نشأت وترعرع فيه الابن عدنان) وكان منذ طفولته أي عدنان، يرى هذه الشخصيات الأدبية المرموقة، تؤم دار أبيه الخليل.

"لقد كانت تلك الدار دار الخليل)، محجاً لرجال الفكر والسياسة والأدب من داخل سوريا وخارجها، حيث كان الشاعر المصري أحمد شوقي حين يزور دمشق، يقضي أكثر أوقاته في تلك الدار، فقد أطال المكوث فيها عام 1924م، وكذلك الشعراء جميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي، وخليل مطران وبشارة الخوري، وإيليا أبو ماضي، والكتّاب أحمد حسن الزيات، وإبراهيم عبد القادر المازني، ومحمود تيمور، وزكي المبارك وغيرهم كثيرون، كانوا يؤمون تلك الدار، ويتبادلون الآراء والأفكار الأدبية والسياسية، ويتدارسون أوضاع الوطن من المحيط إلى الخليج. وقد ساعد الأب على استقطاب هذه الأسماء شاعريته المتفردة، وكرمه، وميسور حاله الاقتصادية، والمناصب الإدارية التي تقلدها "ففي عام 1918م عين رئيساً لديوان الرسائل العامة، وهو منصب مرموق آنذاك في الدولة. وفي عام 1919م عيّن أستاذاً للإنشاء في مدرسة الكتاب، والمنشئين التي جعلتها الحكومة لموظفيها خاصة من أجل تعليمهم اللغة العربية، والتركية، والإدارة، وفي سنة 1921م انتخب رئيساً للرابطة الأدبية، وفي سنة 1925م انتخب عضواً في المجمع العلمي العربي، وفي سنة 1941م انتخب أميناً عاماً لسر المجمع العلمي العربي، وفي سنة 1942م عهد إليه بوزارة المعارف، ثم وزارة الصحة، ثم بوزارة المعارف والخارجية في سنة 1952م، ثم رئيساً للمجمع العلمي العربي في سنة 1953م، وبقي في هذا المنصب حتى وفاته عام 1959م)[xxi]).

في إطار هذه الأسرة العريقة، العامرة بالحوارات الأدبية، والجدل، والمناقشات السياسية والفكرية، التي جعلت جل اهتمامها حول الإبداع والفكر والسياسة، نمت وترعرعت موهبة هذا الطفل الصغير الذي كان يرى بعينيه، تلك الشخصيات الأدبية، والفكرية، تؤم محج أبيه، ويسمع بأذنيه بعض تلك الحوارات والمناقشات عن كثب، من غير أن يشارك فيها. ولم يكن يدرك أحد آنذاك ما الذي سيكون عليه هذا الطفل في المستقبل؟ وماذا تخبئ له الأقدار؟

وينمو الغصن الغض الطري عاماً إثر عام، تحت هذا السقف العابق بالثقافة، والحوارات، والأماسي الأدبية العارمة، وتتفتح عبقريته، وتنفتح عيناه على مكتبة والده التي تضم بين رفوفها آلاف الكتب التراثية والأدبية، ومعظم المجموعات الشعرية للشعراء العرب، ويبدأ الطفل اليافع بعد أن شغف قلبه، بحب الأدب والأدباء، بتقليب تلك الكتب، وقراءة بعض الصفحات منها، وعندما كان يشدّه الإمتاع، يستمر في القراءة حتى ساعات متأخرة من الليل، فيلتفت إليه الأب، بحنّو الوالد وعطفه على صحة ابنه الصغير، وحرصه على دروسه، وواجباته الدرسية اليومية، يلتفت إليه، والفرحة تغمر قلبه وعينيه قائلاً: يكفيك قراءة هذا اليوم يا عدنان، ضع إشارة في المكان الذي وصلت إليه من الكتاب، وغداً تكمل ما قرأت. وإذا ما نسي أو تناسى الأب توجيه هذه الكلمات، كانت الأم فاطمة الزهراء الحمزاوي) التي كانت ترمق عدنان بعينيها، وتسرح بعيداً في الآفاق، تحلم أن تراه أفضل من والده سمواً ورفعة، كانت هذه الأم الحنون، تقوم إلى حيث يجلس عدنان في المكتبة، وتربت على كتفه، قائلة، قم يا بني إلى فراشك، فغداً سوف تستيقظ باكراً لتذهب إلى المدرسة، ولكي تكون نشيطاً بين زملائك في الصف، يجب أن تنام باكراً، وكان الابن المدلل الذي يصقله العلم والأدب، وتشحذه الأخلاق والقيم، ينهض على التوّ من مكانه ملبياً طلب أمه وأبيه، بلا تردد أو عناد[xxii]).

وتمر الأيام والسنون متسارعة، يكبر معها الناس، ويتغيرون، ويكبر عدنان مردم الطفل، ويتغيّر يكبر الفتى ويغادر مدرسة الملك الضاهر الابتدائية التي كانت تسمى مدرسة الجقمقية)، نسبة إلى الأمير جقمق المملوكي الذي بناها قرب الجامع الأموي بمحاذاة ضريح نور الدين الزنكي، لتكون قريبة من المسجد الجامع. يغادر الفتى هذه المدرسة إلى مدرسة أغزر علماً، وأرفع مستوى، هي مدرسة العازارية في باب توما بدمشق، وهي لم تزل حتى الآن في الموقع نفسه، وتحمل التسمية نفسها. حيث يقضي فيها قرابة ثلاث سنوات، ثم ينتقل إلى الكلية العلمية الوطنية في منطقة البزورية بدمشق، فيمضي بها سنتين ثم ينتقل إلى المدرسة التجهيزية التي تسمى حالياً جودة الهاشمي) فينال شهادة البكالوريا) أي الشهادة الثانوية قسم الفلسفة عام 1936م، ولم يكن هناك فرع لدراسة الآداب، فيدخل معهد الحقوق الذي كان يشكل النواة الأولى لنشوء جامعة دمشق، ويتخرّج في هذا المعهد، حاملاً إجازة في الحقوق العام 1940م.

يتجاوز الفتى الشاب عدنان مردم مرحلة التعليم النظري، الذي استغرق قرابة عشرين عاماً في مدارس متعددة داخل دمشق، كان فيها الأول على أقرانه، المتفرّد في أدبه وجدّه واجتهاده.

يتجاوز هذه المرحلة، ليدخل معترك الحياة العملية، محامياً متدرباً في مكتب الأستاذ المحامي سعيد الغزي. لكنّ الطباع التي تشربها، وهو في سن الطفولة واليفاعة، والشباب، والأخلاق التي تربى عليها في كنف أبيه وأمه، ومعلميه، جعلته يشعر بالنفور، والبعد عن هذه المهنة التي تحتاج إلى كثير من المرونة في التعامل مع الناس، وفي الوقت ذاته تتطلب من المحامي أحياناً أن يدافع عن قضية من القضايا ليس مقتنعاً بها، ويدرك عدنان) أنه لم يخلق لمثل هذه المهنة، وأنه غير قادر على الدفاع عن موكل، أسند إليه قضية غير عادلة مقابل مبلغ من المال، تعارف عليه المحامون والقانون بأنها أتعاب المحاماة). ثمانية أعوام فقط عاشها عدنان في حمأة هذا الجحيم من العذاب اليومي، والصراع الدائم، بينه وبين نفسه أولاً ثم بينه وبين أبيه الذي كان يحلم أن يكون عدنان امتداداً إليه، ووريثاً أميناً بحمل الراية من بعده، يكمل ما بدأه، ويتألق نجماً بين أقرانه، يجمع المجد من جميع أطرافه، من جهة الحسب الكريم، والنسب الرفيع، والموهبة، والكياسة، والأدب.

ثمانية أعوام فقط، قضاها الشاعر عدنان مردم في هذه المهنة، تقدّم بعدها لمسابقة في القضاء، فكان أول الناجحين، وعين قاضياً في مدينة حمص عام 1948م، ثم ترفّع قاضياً للاستئناف حتى عام 1962م. حيث انتقل إلى محكمة التمييز بدمشق، ليشغل منصب العضو الأيمن في المحكمة الجزائية العليا التي كان يرأسها القاضي عبد الحسيب عدي وكانت تربطه مع هذا القاضي النزيه الذي أثنى على أخلاقه، وعدالته الأستاذ الأديب الياس غالي[xxiii]) قبل رحيله ثناءً كبيراً، باعتباره كان رئيساً لديوان القضاء الأعلى طوال الحقبة التي كان فيها عبد الحسيب عدي، وعدنان مردم، وعبد القادر الأسود، يعملون معاً في مكان واحد مع الأستاذ غالي الذي وصفهم بأنهم المثلث العادل). لقد سألته عن رأيه في شاعرنا عدنان مردم) فقال: "تعرفت عليه منذ عام 1942م، عندما كان محامياً في مكتب الأستاذ سعيد الغزي، فقد أهديته مسرحية كنت قد ترجمتها من اللغة الفرنسية إلى العربية، ثم استمرت العلاقة الأدبية، والمهنية فيما بيننا، فأنا أعشق الثقافة والأدب، وأعمل في القضاء، وهو كذلك يعشق الثقافة والأدب، ويعمل في القضاء وكلانا، كان يشعر أنه لا يعمل في المناخ الملائم لأحلامه، وتطلعاته، وكلما كنت أطبع كتاباً أقدّم النسخة الأولى إليه، وهو يفعل بالمثل تماماً، فقد أهداني جميع مؤلفاته، وأشهد أمام اللّه والتاريخ -والكلام ما زال للأستاذ غالي - "أنه كان عفيفاً -نزيهاً- عادلاً، وغاية في التربية، والأخلاق، وكان يقضي في الدعاوى التي تسند إليه بكل جراة ونزاهة"[xxiv]) واستمر في القضاء حتى عام 1966م.

حيث أحيل إلى التقاعد، وتفرّغ لإنتاجه الأدبي، والإبداعي، حتى ارتحل إلى الملأ الأعلى في 17 تشرين الأول 1988م.

ج-شخصيته وبعض ما يُؤثر عن الشاعر:

إنّ السمة الأكثر بروزاً لدى الشاعر عدنان مردم، وتثير انتباه المرء ودهشته هي ملكة الصمت المهيب العميق الذي كان يتمتع به، هذا الصمت الذي مردّه التأمل، والتفكير، والإبحار في فضاءات البحث، والتصوير، والتدبير، فيما هو كائن من الأشياء، وما يجب أن يكون، وإذا تكلم، تتابعت كلماته بهدوء، ورزانة، وتَهَدُّج، حتى ليخال المتلقي أنه يوشك على التوقف، لا سيما وأن صوته كان خافتاً وناعماً جداً يدلل على ذوق رفيع، وتربية راقية. كثيراً ما كنت أحمل الكرسيّ الذي أجلس عليه في مكتبي إلى جانبه، لكي لا تضيع مني بعض الكلمات التي ينطق بها، ولكي أشعره بمدى احترامي وتقديري إليه، هذا الصمت الطويل، وهذا الصوت الخافت المرصعان بالتأمل العميق، يشيران بوضوح إلى شخصيته الرزينة، الهادئة التي تشبه إلى حد كبير شخصية والده الخليل.

ولا أدري فيما إذا كان هو يقصد إلى التشبّه بأبيه، أو أن الفطرة والوراثة، والمعايشة، قادته إلى ذلك؟ يقول الدكتور إبراهيم الكيلاني عضو مجمع اللغة العربية، مشيراً إلى شدّة تأثر الشاعر بأبيه، وهما من جيل أدبي وعمري متقارب حيث لا يفصل بينهما إلا عام واحد، يقول في هذا السياق: "إن عدنان مردم يمثل الظلّ بالنسبة إلى أبيه خليل مردم، حاول أن يتتبع خُطا والده في حياته وبعد مماته، في أحاديثه وفي مشيته، في عزلته وفي علاقاته الاجتماعية، فقد كان يعتبره القدوة، والمثل الأعلى، ويعجب بشخصيته أيما إعجاب، لذلك كان يتقصد أن يحاكيه في شعره، وسلوكه الاجتماعي، ومواقفه، الشيء الوحيد الذي خالف أباه فيه، هو أنه تزوج غير واحدة، بينما استمر الأب مع زوجة واحدة إلى آخر يوم في حياته، وكلاهما كانا متعلقين بلفظة بك) يرفضان أن تلصق هذه الصفة أو المرتبة إذا صح التعبير إلا بمن يستحقها، حتى إنه في مجمع اللغة العربية) عندما كان والده، يخاطب رئيس المجمع محمد كرد علي، كان يخاطبه بعبارة الأستاذ الرئيس)، وحين يخاطب جميل صليبا، يضع كلمة الدكتور جميل). أما هو فلا يقبل أن يناديه أحد، إلا بعبارة خليل بك) هذه العبارة التي كان يحاول الوالد غرسها في نفوس الصغار قبل الكبار، فقد كنا في جلسة ذات مساء في صحن داره الكائنة في آخر سوق الحميدية، واحتاج إلى أن يطلب من طفل لا يتجاوز عمره العشر سنوات حاجة من الحاجات لم أعد أذكرها- والكلام ما زال للدكتور إبراهيم كيلاني- فنادى ذلك الطفل بلقب بك). وكأنه يريد إفهامنا جميعاً، أن عائلة مردم، كبارها وصغارها، يحملون هذا اللقب من دون غيرهم، وكان هذا الشعور، يفضي بشكل أو بآخر إلى إقامة علائق من نوع خاص، ومع شرائح اجتماعية، تنتمي إلى فئة الأرستقراطية التي يفصل بينها وبين العامة من الناس مسافات بعيدة، لكنّ ذلك لم يحجب عن الأب والابن معاً، صفات التواضع لأهل العلم الأجلاّء، ولأصحاب المناصب الرفيعة من الخاصة، وقد حذا عدنان مردم حذو أبيه مقلداً إياه في كل ما ذهب إليه حتى في شعره، مضيفاً إليه اتجاهه نحو كتابة المسرحية الشعرية"[xxv]) ويقول الأستاذ محمود الأرناؤط بأن الدكتور صلاح الدين منجد حدّثه طويلاً عن الشاعر عدنان مردم ومما قاله: "إن هذا الشاعر قد ظُلم بشهرة أبيه، فظن البعض بأنه كان يتعلق على شهرته، وينتفع منها، وربما قال بعضهم: بأن الذي يكتبه، في حياة أبيه، ربما ساعده فيه والده، فكان يحجم عن النشر إلا ما ندر، فما عُرف فضله وإبداعه بشكل أكيد، إلا بعد وفاة والده، حين قدّم من الأعمال المسرحية والشعرية بعد رحيله، ما يشعر بأنه شاعر أصيل ومن كبار الذين كتبوا الشعر في فترته، فرُفعت الظلامة عنه متأخرة، وهكذا هو حال الكثيرين من أبناء المشاهير إن عملوا فيما يعمل فيه آباؤهم من الفنون الأدبية والفنية"[xxvi]).

الأمر الثاني الذي يُؤْثرَ عن الشاعر عدنان مردم، هو تعلقه الشديد باللغة العربية إلى درجة العشق، وتمكنه المدهش من صرفها ونحوها، والشواهد الشعرية التي كان يحفظها كثيرة، ومتنوعة، حيث كان يندر أن يتحدث بحديث دون أن يورد شيئاً من هذه الشواهد التي يحسن اختيارها بعناية، فقد كان ينتقي مفرداته، وألفاظه انتقاءً دقيقاً، فيؤثّر في نفس من يصغي إليه، ويحقق نوعاً من التواصل والتفاعل، والدهشة، فإذا أضفت إلى عنايته باللغة، قوة الذاكرة، والصوت المتهدّج الخافت، الرصين، واللهجة الجذابة، صار كلامه أشبه بالسحر، يملك على المستمع كل لبه، وعقله)[xxvii]) في هذا السياق: "كان يعشق اللغة، ولا يتهاون مع من يلحن، أو يخطئ في كتابتها أو نطقها، والكتب التي كان يوجهها على شكل مراسلات، أو إحالات، أو أحكم قضائية، كان يدققها بعناية فائقة، ويصحح فيها، لتكون خالية من أية شائبة"[xxviii]) وقد ساعده عمله في القضاء على أن تكون النتائج مرتبطة بأسبابها، فظهر على شخصيته رصانتها، وعلى تفكيره تسلسلها المنطقي، ووضوحها التعبيري، فهو يعرف كيف يجذب إليه محدثه بأسلوبه السلس، الذي يقوم على الحجة والبرهان، ما دام الهدف الذي يرمي إليه واضحاً في ذهنه، وهذا التفكير المنطقي الواضح، انعكس في إبداعه المسرحي، وفي تسلسل الأحداث والمشاهد التي تضمنتها كل مسرحية من مسرحياته الشعرية التي سوف نشير إليها عند دراستها. كما أن هذه الطريقة في التفكير التي تقوم على التحليل، والتركيب، والاستنتاج والاستقراء، لاستنباط الأحكام، والنتائج من الأسباب الموجبة لها، حببت إليه مهنته الجديدة القضاء)، على عكس مهنة المحاماة التي نفر منها، ورفض الاستمرار فيها، وكونه مستشاراً في محكمة النقض، وهي من أرفع المحاكم بعد المحكمة الدستورية، وجد نفسه وجهاً لوجه، أمام العدالة التي يبحث عنها وينشدها في أدبه وشعره. لذلك نستطيع القول: "إنه لم يكن مرغماً على هذا العمل، بل مارسه عن حب وهواية به، وجد فيه لذة ومتعة لا تعادلها لذة أخرى، أو متعة غيرها"[xxix]) وبخاصة عندما كان يحقق الإنصاف والعدل للمظلومين من الناس في أحكامه القضائية التي كان لرأيه القدح المعلى فيها. لقد تجلى حبه، وإخلاصه لعمله في نزاهته، وحفاظه على شرف المهنة من أن ينال منها أي موقف وضيع، أو تصرّف لا يليق بها، أو بنسبه الذي يناسبها ويروى عنه قوله: "فلا تصلح إلا له، ولا يصلح إلا لها" حين كان يسأل عن مهنة القضاء، وإننا نرجح ذلك لمجموعة أسباب منها:

أولاً: إن مهنة القضاء كانت وما زالت، تكسب صاحبها مهابة ووقاراً عند القاصي والداني، والحاكم والرعية، وهي تتناسب مع تلك المهابة، وذلك الوقار اللذين ترعرع عليهما في كنف أبويه منذ نعومة أظفاره، وحتى بلوغه سن اليفاعة، وهي السنوات الأساسية في تشكيل القيم والأخلاق، وسمات الشخصية.

ثانياً: إن مهنة القضاء غايتها: إنصاف الناس، وتحقيق العدالة في الأرض، ووظيفة الأدب ترمي إلى هذه الغاية. فالهدفان متداخلان، والشاعر عدنان مردم، وجد ضالته المنشودة في كليهما معاً، لذلك أحبّ عمله بالمقدار الذي أحب فيه أدبه.

ثالثاً: اختيار طريق الأدب، واختيار طريق القضاء، يفضي إلى التعرّف على أحوال الناس، والإطلاع على مشاكلهم، وهمومهم، وكلا الطريقين يفتحان الآفاق، ويبحثان عن دروب الخلاص من تلك المشاكل والهموم، وقد وجد الشاعر عدنان مردم نفسه في الميدانين، يؤدي واجبه الوطني والقومي والإنساني. في القضاء كان يسعى لانتصار الحق والعدالة، وفي الأدب كان يضيء بإبداعه دياجير الظلمة للوصول إلى الحقيقة.

لقد كان صديقاً للأتقياء الطيبين من الناس، ورفيقاً للأتقياء النبلاء منهم، ونصيراً للفقراء المستضعفين في الأرض، واسع الصدر، يستمع إلى شكاواهم، ويجهد بكل ما أوتي من قوة لحل مشكلاتهم، وإنصافهم، ومعالجة قضاياهم بروية وصبر وحكمة، وإن أدّى ذلك أحياناً إلى إغضاب من لا يروق لهم هذا السلوك. إن عدنان مردم القاضي الذي آمن بالعدالة، طريقاً وحيداً لإظهار الحق والحقيقة، هو نفسه الشاعر القومي الذي وقف جل شعره العادي، والمسرحي لنصرة تلك العدالة، وإحقاق الحق على الأرض، إنه كان يعي دوره تماماً في تحقيق نهضة أمته القومية، ويعي الدور الكبير الذي ينبغي لرجال الفكر، والأدب، والعدالة أن يؤدوه لبعث أمتهم، وتحقيق نهضتها القومية.

ولذلك كان شديد الحرص على أن يكون المثال والقدوة في سلوكه، ومواقفه، وعمل مع عدد غير قليل من أبناء جيله المتنورين الباحثين عن الحقيقة، والمتمسكين بالعروة الوثقى، لتحقيق ذلك، فدعا إلى ندوة الأربعاء التي كانت تعقد في منزله كل إسبوع من العاشرة صباحاً حتى الواحدة، وأحياناً حتى الثانية والثالثة ظهراً، وكان يؤمّها عدد غير قليل من رجال القضاء، ومن رجال الفكر على السواء:[xxx])

كما كان يتردد بعض القضاة والمحامين والأدباء والشعراء على هذه الندوة، وكانوا يناقشون أهم القضايا الأدبية والثقافية، وغالباً ما كان يحدد موضوع الندوة مسبقاً، لتكون الحوارات، والمداخلات مكتوبة. ويخصص أحد المنتدين، لتقديم الموضوع الأساس في بداية الجلسة، ثم يفتح باب الحوار والمناقشة، وبذلك توزعت نشاطات عدنان مردم في هذه المرحلة على ثلاثة محاور رئيسة هي:

-أنشطته الأدبية الاجتماعية، تمثلها هذه الندوة .

-أنشطته الإبداعية، تمثلها إبداعاته الشعرية والمسرحية .

-أنشطته الإدارية، تمثلها وظيفته في القضاء .

وخلال هذه المرحلة التي امتدت قرابة ثمانية عشر عاماً من عام 1962م وحتى 1988م. أي حتى وفاته، أنجز فيها عدنان مردم جزءاً كبيراً من غاياته، وأهدافه الاجتماعية والإبداعية، غير أن طموحه الإداري، تبدد إثر إحالته على التقاعد عام 1966م، مع عدد  غير قليل من أقرانه في القضاء الذين كانت تنتظرهم مناصب رفيعة في الدولة. مهما يكن من أمر فإن إحالة عدنان مردم على التقاعد، لم تدخل إلى قلبه اليأس أو الوهن، بل زادته نشاطاً ودأباً، في الطريق الآخر، طريق الإبداع الشعري، ولا سيّما الدرامي منه الذي شغل عليه معظم أوقات فراغه، وأصبح أكثر ملازمة لبيته، وبشكل أدق لا يخرج من مكتبته العامرة بأمهات الكتب في الطبقة الثانية من منزله إلا نادراً وفي هذا السياق تتحدث الزوجة الثالثة فردوس الغزي) مواليد دمشق 1942م -التي ما تزال تحيا على ذكراه، وتتابع مسيرته في تربية أنجاله الثلاثة قتيبة ووضاح وحسّانة، تتحدث عن هذا الجانب من حياته باعتبارها الوحيدة التي كانت تلازمه طيلة هذه الفترة الممتدة من عام 1966م وحتى عام 1988م، أي حتى ساعة احتضاره ورحيله تتحدث قائلة:[xxxi]) "كان مثال الزوج في معاملته لأزواجه، وكان مثال الأب في معاملته لأبنائه، إنه خفيف الظل في منزله، مهذب في ألفاظه، لطيف في عشرته، حنون في علاقاته، لا يزعج أحداً ممن يعيشون معه، أحب الأوقات إليه هي الأوقات التي يكون فيها مع الكتاب، ينام باكراً، ويستيقظ باكراً، يتهجد باسم الله، والدعاء إلى اللّه في السّراء والضّراء، كأنه الصوفي المتوحد مع خالقه، لا يذكر أحداً بسوء حتى الذين لم تكن تربطه بهم علاقات ودّ أو صداقة، وكان بعضهم يحاول الإساءة إليه، كان لا يذكرهم إلا بالخير" أما الابن الأكبر قتيبة عدنان مردم[xxxii]) فيقول: "لم أتعرف على والدي جيداً إلا في السنوات الأخيرة من حياته، بيني وبينه قرابة خمسين عاماً، كنت في صغري أحترمه كثيراً، وأتحاشى إتيان إي خطأ كي لا يغضب مني، وأصبحت كبيراً وترسخ هذا الشعور. لا بل تُوّج بالاحترام والإجلال عوض الخوف، كانت تكفي نظرة واحدة منه، لتحول بيني وبين أي تصرف لا يرضيه، وفي الوقت ذاته كان يشعرنا بقربه منا، وبخاصة عندما كان يلتقي في صالونه الأدبي مع عدد من زملائه، كان منظماً لوقته في الطعام والشراب والقراءة، والنوم، وعندما يكون موجوداً في مكان، يسود المكان الهدوء والصمت، وينتفي اللعب أو الصراخ، وكان يحثنا على الدراسة، ويعطينا بعض القصص والروايات لنقوم بتلخيصها. وكان في بعض الأحيان يداعبنا، ويحكي لنا الحكايات" وتتدخل الزوجة لتضيف: "لا يتردد على المقاهي، ولا يكثر من العلاقات الاجتماعية، يكتفي فقط باغتنام المناسبات لزيارة أقربائه، وأصدقائه، وما تبقى من الوقت يقضيه في القراءة والكتابة، وغالباً ما كنا نذهب في فصل الصيف إلى أحد المصايف القريبة من دمشق كالزبداني أو بلودان. وهناك كان يطيل التأمل في الطبيعة الخلابة، ذات مرّة كنا في وادي بردى، فوقف وارتجل شعراً، ثم عاد إلى البيت ودونّه في دفتر أشعاره، كان يتجاوز بنظره الثاقب المسافات، فيرى أبسط الأشياء، وأدقها بعينين حاذقتين، تجيدان التصوير، والرؤية، إنه قليل الكلام، كثير التأمل، طويل الشرود، كم مرّة أردت أن أشعره بوجودي، فقطعت عليه شروده بسؤال، أو بإشارة تحمل دلالات التنبيه فقط، وما كان يمتعض، أو يتضجر، بل كان يبتسم، وأحياناً، يشعرني بأنني كنت مصيبة في ذلك التصرف" ويتدخل وضّاح عدنان مردم[xxxiii])، ليقول: "كان أبي ديمقراطياً في تعامله معنا، يشجعنا على القراءة، ويلفت انتباهنا إلى أهمية تعلم اللغات الأجنبية، ويشجعنا على أن نتخذ قراراتنا بأنفسنا، وبمحض إرادتنا، وبهذا الشكل، كان يحملنا مسؤولية اختياراتنا، كان صديقاً وأباً وأخاً، نحاوره في بعض المسائل والقضايا، فنحسّ بأنسام الديمقراطية الحقة، تغمر الزمان والمكان اللذين يوجد فيهما، نساعده في تصحيح بعض المخطوطات أثناء طباعتها، ونقف عند بعض العبارات والجمل، لنمازحه فيما يقصد منها، فيضحك، ويتقبل ذلك المزاج بروح رياضية واعية، وعندما كان يتضايق كثيراً يصمت".

أما ابنته حسّانة عدنان مردم[xxxiv]) فإنها تقول:

"كان لوالدي طقوسه الخاصة، غير المرتبطة بالتقاليد والأعراف السائدة، إن تلك الطقوس تشكل منهج تفكيره، وأسلوب حياته، علاقتي العاطفية معه كانت أكثر من أخوتي، كان يحكي لي القصص ليضحكني، ويغني بعض الأغاني ليفرحني، وكنت أراه عملاقاً، وله حضور، ورهبة، وشخص فوق مستوى الواقع، وما زالت هذه الرؤية مزروعة في نفسي حتى الآن. إنه لا يتكلم كثيراً، لكنه حين يتكلم، يجذب إليه الأسماع، والأبصار، لأن لأحاديثه وقعاً، ومعنى، له رهبة تصل إلى درجة الخوف، مع أنه كثير اللطف والتواضع، وهو أبعد ما يكون عن التكبر، لا بل إذا ظهرت مني أو من أخوتي بادرة، تدل على التكبر كان يؤنبنا، لم يدخلنا إلا في مدارس حكومية مع أنه كان بإمكانه أن يعلمنا في مدارس خاصة، لكي لا يتشكل لدينا مثل هذا الشعور، وكان لا يأبه للمظاهر، بل يفتش عن الجوّاني الجوهري في الإنسان والأشياء، وكان والدي لا ينكسر، لأول مرّة وجدته يبكي، عندما تزوجت اختي، وغادرت منزلنا إلى منزل الزوجية، عرفت أنه عاطفي إلى درجة عالية، ومرّة ثانية رأيت حبّات الدمع تنهمر من عينيه وهو يقرأ قصيدة ابن الرومي واسطة العقد) لم يكن لديه اهتمامات مادية إطلاقاً، ولم يضع في حسبانه أن يكون ثرياً، ولم يفكر في مسألة التملك، أو الإرث أو ما شابه ذلك" نعم صدقوا فيما قالوا، فقد كان جلّ تفكيره منصباً على الأدب بعامة، والشعر منه بشكل خاص، وهاجسه الوطني والقومي الذي لا يفارق تفكيره، ويملأ عليه حياته أكثر من أي شيء آخر، كان ينغصه ويزيد في أحزانه وهمه هو كيف تنهض أمته من هذا العثار؟ وكيف يرتقي مجتمعه إلى مصاف المجتمعات الراقية؟ بعيداً عن أي مطمح دنيوي فردي، سوى أن يكون شاعراً مجلياً، يلهب الحماس والنخوة في أبناء أمته وشعبه، ويبث فيهم ضياء الحب والمقاومة. هكذا عرفته في حياته، يوم كان يتردد على اتحاد الكتاب العرب، لزيارتي بين حين وآخر، وهكذا عرفته في رحيله إلى الملأ الأعلى بعد أن اطلعت على سيرته الذاتية، ونتاجه الشعري، الدرامي فتوضحت إشراقات ذلك العقل المستنير، والشعور القومي المتوهج في ثنايا كل سطر، خطته أنامله المعطرة بأريج الشعر والدراما على حد سواء. وماذا نحكي عن مآثره ومزاياه؟ هناك العديد من القصص والحكايات التي تشير إلى نبله، وأخلاقه:

يُحكي أنه كان يسير مع ابنته حسّانة على ضفاف نهر بردى، بعد زيارة قصيرة لأحد الأصدقاء العائدين من الحج، وقد قدّم لهما ذلك الصديق ضيافة عدداً من حبات التمر الحجازي، فكان حين يأكل حبة، يلقي بالنواة على مجرى النهر، مما أثار انتباه ابنته حسّانة،

فسألته: لماذا تلقيها في النهر يا أبي؟

فأجابها: إنها من أرض الرسول النبي محمد صلى الله عليه وسلم فكيف تريدين مني أن ألقيها على الأرض؟ فتدوسها الأرجل، أو عجلات السيارات؟ هذه النواة ينبغي لها أن تكون محفوظة إما داخل التربة، أو في قلب الماء. وعن نزاهته في القضاء يُحكي أنه لشدّة نزاهته، كان يعتذر عن النظر في أية دعوى تربطه بأصحابها قرابة، أو صداقة، وغالباً ما كان يطيل النظر في أحكامه قبل إعلانها على الأسماع، حدثني الأستاذ الأديب الياس غالي، وكان ممن لازموه طوال فترة وجوده في القضاء، حيث كان الاثنان يعملان في القصر العدلي بدمشق، حدثني قائلاً: هناك عشرات الحوادث، والمسائل التي يمكن إيرادها مثالاً على نزاهة عدنان أذكر لك بعضاً منها على سبيل المثال لا الحصر:

إحداها: أنه كان لأحد أقربائه دعوى جزائية عنده، ولما سمع أن دعواه سينظر فيها قريبه عدنان مردم) جاء إليه قاصداً إيضاح بعض الجوانب التي لا يتيسر الكشف عنها بسهولة في حيثيات الدعوى، وحين فرغ من توضيح رأيه، وغادر المكان منصرفاً إلى بيته، قدّم عدنان مردم اعتذاره عن النظر في دعوى قريبه، ليبتّ بها قاض آخر، وحين سأله فيما بعد ذلك القريب عن سبب اعتذاره، أجاب: أنا سمعت من طرف واحد، هو أنت، فكيف تريدني أن أقضي حكماً في دعوى لم يتح للطرف الآخر أن يوضح وجهة نظره؟ ويقال: إن بعض المجرمين كانوا يرتجفون خوفاً، عندما يعلمون أن دعواهم، أحيلت إليه للنظر فيها. ذات يوم حكم على مجرم بحكم يستحقه، لأنه قتل صديقه عن سابق إصرار وتصميم، مقابل سرقة ما بحوزته من المال، ويبدو أن القاتل استطاع التماس الأعذار المخففة للحكم بغير وجه حق، فما كان من الشاعر عدنان الذي لا يرتضي عن إحقاق الحق بديلاً، إلا أن نقض الحكم

الذي اختلق الأسباب المخففة اختلاقاً، وأكد على القاضي الذي التمس له تلك الأعذار، أن يأخذ بالأصول الجزائية المنصوص عنها في المواد القانونية التي تنطبق على ذلك الجرم، تحقيقاً للعدالة.

كان يساوي بين الناس جميعاً دون النظر إلى الشرائح الاجتماعية التي ينحدرون منها، أو الوجاهات والثروات التي ينالونها.

ومما يذكر عنه أيضاً، أن أحد القضاة حكم على أمين مستودع يعمل في أحد صوامع الحبوب في محافظة الحسكة، بالطرد من الوظيفة، والسجن ثلاث سنوات، بحكم سوء الأمانة، ومخالفة الأوامر والتعليمات الواردة من الجهات العليا؛ وحين شكى ذلك الموظف البسيط أمره إلى الأستاذ الأديب الياس غالي قائلاً: إنه لم يخرج من مستودعه حبة قمح واحدة لذلك المتعهد؛ إلا بناء على أمر خطي من رئيسه المباشر، وأبرز الوثيقة التي تثبت ذلك، فما كان من الأستاذ غالي إلا أن ذهب مباشرة إلى الأستاذ عدنان مردم، وهو مستشار محكمة النقض- أي يتربع على أرفع المواقع الإدارية في القضاء- وقصّ عليه القصة، وأطلعه على الكتاب الذي وجهه رئيس ذلك الموظف لمرؤوسه؛ بشأن تسليم كميات الحبوب المطلوبة لذلك المتنفذ، وعندما اقتنع أن أمين المستودع مظلوم، لم يفعل شيئاً سوى أنه نفذ الأوامر التي أعطيت إليه من رئيسه المباشر، طلب إعادة النظر في الدعوى، واستدعى ذلك المدير، وحكم عليه بالغرامة والسجن، وأفرج عن أمين المستودع، وأعاده إلى وظيفته مع إعادة كامل مرتباته الشهرية التي يستحقها عن المدة التي قضاها في السجن، وحين التقى به الأستاذ غالي فيما بعد، وشكره على حسن صنيعه مع ذلك العامل، ترحّم على أبي العلاء المعري وقال حكمته الشهيرة عندما وصفوا له قلب الديك علاجاً لمرض مزمن ألم به في أواخر أيامه: استضعفوك فوصفوك، فلماذا لم يصفوا قلب الأسد أو النمر))؟

وأردفها بعبارة تحمل كل معاني الإصرار على تحقيق العدالة وهي: لن تكون أحكامنا كخيوط العنكبوت لا يقع بين شباكها إلا الحشرات الصغيرة، فالقانون وجد من أجل الجميع، ويجب أن يطال الجميع) هكذا عاش عدنان مردم طوال المرحلة التي قضاها في القضاء، وهكذا عاش في بيته، وفي المجتمع، وفي إبداعه، يبحث عن الحقيقة، ويعمل لترسيخ القيم، والمبادئ السامية في نفوس أبناء مجتمعه.

وذلك هو عدنان مردم القاضي، والشاعر، والإنسان الذي لم يلتفت إلى التمايز الطبقي الذي كان قائماً في مجتمعه، ولم تأخذه خشية أو رهبة من صاحب منصب أو ثري، أو ذي وجاهة، ولم يضعف أمام أكبر الإغراءات والمناصب التي كان يمكن له أن يحظى بها، إذا هو غيّر قليلاً من تلك السلوكات التي تغضب منه أقرب المقربين إليه، إذا لم أقل تجعلهم ينفرون منه، ويرشقونه بسهام الحقد، والحسد، والكراهية، وربما انعكست هذه السلوكات على علاقاته الاجتماعية. فأصبحت محدودة جداً، إلى المستوى الذي يمكن أن نصفها، بمجانبة الناس، والاتجاه نحو العزلة في مكتبته أواخر أيامه، ولاسيّما العقد الأخير من عام 1978-1988م، حيث كان لا يخرج من منزله إلا نادراً، لعمل مهم، أو لعيادة مريض يخصه، أو تربطه به علاقة حميمة، أو لزيارة صديق في إحدى المناسبات الرسمية. وبذلك بقي صلباً، متماسكاً أمام منطلقاته، وأفكاره.

د- تأثره الواضح بأبيه خليل مردم

لقد زاوج عدنان مردم بين شخصيته، وشخصية أبيه الخليل التي تأثر بها تأثراً شديداً ففي الوقت الذي كان يسعى لتحقيق ذاته الإبداعية، ويطبّق قناعاته من خلال عكوفه على إبداعه؛ كان إبداع والده الراحل خليل مردم، ينال منه منزلة كبيرة، فقد أعطاه جانباً هاماً من حياته، كما يقول الدكتور شاكر الفحام: عندما سألته عن أسباب تجاهل إبداع هذا الشاعر- أقصد عدنان مردم- من قبل النقاد والباحثين فأجاب: لقد أفنى حياته براً بأبيه خليل مردم. ففي حياته لم يكن يسمح لنفسه أن يتقدم حتى ولو بالذكر أو بالنشر على أبيه، وبعد وفاة أبيه، صرف ما تبقى من عمره لنشر المخطوطات الشعرية، والنثرية التي خلفها وراءه الخليل))[xxxv])وإنني من خلال قراءة السيرة الذاتية لهذا الشاعر، ومتابعة المقابلات الصحفية والإذاعية والتلفزيونية التي أجريت معه، حيث يندر أن يتحدث عن أي عمل جميل، أو رأي جليل، أو موقف نبيل، إلا وكان يعزوه إلى والده خليل مردم. وقد ظل هذا الاحترام والإجلال، والاعتزاز والاعتراف، بفضل والده عليه في كل شيء قدمه لوطنه، وأمته حتى الساعات الأخيرة من حياته، حيث كان يذكره بالرحمة كل صباح، ويزور قبره بكل مناسبة، ويتحدث عنه، وعن صفاته، وعبقريته، ومزاياه، في جلساته الخاصة والعامة، وفي المقدمات التي استهل بها معظم المخطوطات التي أعاد قراءتها، وتدقيقها، ودفع بها للطباعة، والنشر بعد رحيل أبيه الخليل، يؤكد إعجابه وتعلقه، واقتداءه به كمثل أعلى، يحتذى في كل شيء كان يؤديه على صعيد الإبداع، أو على صعيد السلوك، ولذلك نزع في السنوات الأخيرة من حياته لتحقيق، وجمع تلك الآثار التي خلفها الخليل، وطباعتها بعد التقديم إليها بما يوضح هذا الإقتداء إلى درجة التماهي. يقول في مقدمة كتابه محاضرات الخليل): التي حققها وعلق عليها ونشرها في عام 1985م، وهي عبارة عن مجموع الدروس التي كان يلقيها خليل مردم على رؤساء الدواوين في فن الإنشاء، بصفة أمالي يتلوها عليهم، وكانت على غاية من التركيز، فلم يترك المؤلف على -إيجازها- شيئاً إلا وأشار إليه، إذ ابتدأ بتاريخ الكتابة عند العرب، ثم عصر النبي، فالخلفاء الراشدين، فعصر بني أمية ومن بعدهم عصر بني العباس، إلى العصر الحاضر، وعقد فصلاً تكلم به عن شعر الكتاب، وذكر في آخر الكتاب أسماء طائفة من الكتب التي يستفيد منها القارئ، وكان هدف المؤلف إرشاد كل مطالع إلى مطالعة بعض هذه الكتب، والاستفادة منها. يقول عدنان مردم عند التوطئة لهذا الكتاب: إن كتاب الخليل في أسلوبه ومادته، وحسن اختياره للأمثال، والفصول، على ما فيه من إيجاز، هو نهج قائم في بابه، أبان بقصد، ولم يسهب عما رمى إليه، وأصاب كبد الحقيقة. كانت المختارات التي اختارها المؤلف من أجل قطع البيان، وهي تدل على سعة اطلاع، وذوق أدبي مرهف، إذ لا يتأتى لكل أديب أن يأتي بمثل ما جاء به الخليل))[xxxvi])إنه يكاد يخصّ والده خليل مردم بخاصيّة التفردّ عن جميع الكتاب والمبدعين، لشدة إعجابه، واقتدائه بهذا النموذج إلى الدرجة التي يبالغ فيها بالتوصيف، والمديح من غير أن يشعر القارئ أنه يمدح أبيه، فهو يخاطبه بلغة الغائب كقوله: فكتاب المؤلف جليل في نهجه، جديد في تقسيمه، وفيه من الذوق السليم في اختيار النصوص، والشواهد الشيء الكثير، والعجب أن الأستاذ خليل مردم بك، حينما ألف هذا الكتاب كان في ميعة الصبا، ولم يتجاوز الثالثة والعشرين، والكتاب بمجمله ثبت على كفاءة الخليل البيانية، وسعة اطلاعه الأدبية))[xxxvii])وفي مقدمة كتاب أعيان القرن الثالث عشر في الفكر والسياسة والاجتماع) يؤكد أنه كتاب جامع للحياة الفكرية))[xxxviii])، أظهر فيه مؤلفه بشكل جلي انحلال الإمبراطورية العثمانية، ودور الرجال العظام والمفكرين في انبعاث يقظة الشعوب التي كانت ترزح تحت وطأة الحكم العثماني حيث يقول الأستاذ عدنان مردم في المقدمة: أتى الكتاب على ترجمة طائفة من المفكرين، ورجال السياسة المشهورين، والعلماء المعروفين، والأمراء والسلاطين في البلدان الإسلامية، سواء في آسيا أم إفريقية، وكان هم المؤلف، أن يؤرخ لطائفة مختارة من الرجال في القرن الثالث عشر نعتها بالأعيان، وأتى على ترجمتها بإيجاز غير مخل. لقد بين الخليل رحمه اللَّه، النقاط المهمة في حياة الأعيان المترجم لهم، ووصف العصر الذي عاشوه بعين نقّادة، وقلب واع، فكنت تطالع خلال ترجمة الرجل، صورة العصر الذي عاشه، بتخلفه الاجتماعي في عدم استقرار الأمن، وانتشار الأمية بين أفراد الشعب، وتفشي الأوبئة، والأمراض في أكثر البلدان... جلا الخليل في مؤلفه الفريد جميع هذه النواحي، وقدمها بصفحات قليلة، فيها كثير من الدقة، والتركيز المحكم، يلمسهما القارئ جلياً في ثنايا السطور، وكان الأسلوب الذي اتبعه المؤلف في تسطير صفحات كتابه، أسلوب المؤرخ الفطن، فقد توخى سهولة العبارة من غير ضعف، وأحسن في عرض الحوادث التاريخية، مع إيفاء الناس أشياءهم، دون أن يبخسهم حقهم، ولو قدر قلامة ظفر. يأتي المؤلف إلى شرح أدق الأمور، دون أن يسترسل مع العاطفة أوالهوى، وإذا أتى على وصف الخوالج النفسية، أو الطبائع البشرية، لمست إشراق البيان في عباراته.... إن اللغة التي توخاها الخليل، لغة سهلة، لا تعسّف بها، ولا تقّعر، وكانت بعيدة عن الزخرفة اللفظية، لأنه أراد أن تكون علمية، لتطابق مضمون الحال، وليفهمها جميع طبقات الناس دون عناء))[xxxix]) إننا نلاحظ بوضوح نزعة التحبب، والمديح، والإطراء في لغة الخطاب، ولا نلمس أبداً أي جانب نقدي، حتى ولا مجردّ الإشارة إلى هفوة، أو خطأ، أو رأي مخالف لا بل نجد مغالاة، وإطناباً في المديح، حيث يشير إلى أن هذا الكتاب، هو بيت القصيد لمن سبقه في الكتابة بهذه الموضوعات، وبخاصة المؤرخ محمد أمين المحبي مؤلف كتاب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) ومحمد خليل المرادي مؤلف كتاب سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر) حيث يقول: جاءت هذه الحلقة بيت القصيد للحلقتين السابقتين، ذلك أن الخليل رحمه اللَّه، لم يقصر كتابه على جماعة في قطر واحد، بل رغب أن يلم بترجمة الأعيان من الناس في بعض الأقطار الإسلامية، مبتدئاً بالقطر الشامي اعتزازاً بصلة النسب... وقد أتم كتابه وهو في شرخ الشباب، لم يتجاوز السابعة والعشرين من عمره، وجاء الكتاب على حداثة سن المؤلف جامعاً في بابه))[xl]) وفي مقدمة كتاب الأعرابيات) الذي قام بطبعه مجمع اللغة العربية بدمشق، ووقف على طبعه وشرح حواشيه عدنان مردم مع المرحوم أحمد الجندي، في مقدمة هذا الكتاب آثر أن يكون وحده الذي يشير إلى دار الشاعر، وأسرته، وشيوخه، وأخلاقه، وآثاره، وحبذا لو ترك هذا التقديم للشاعر أحمد الجندي، أو على الأقل وضع اسمه تحت آخر سطر في التقديم، بدلاً من التفردّ بالكتابة، وفي هذه المقدمة، نلمس إشارات واضحة إلى عراقة النسب التي يعتدُّ بها، وإلى حصافة النبوغ في الأدب لدى العديد من أبناء هذه الأسرة العريقة التي يقف الشاعر خليل مردم على رأسها، أو على الأقل في مقدمتها حيث يقول بعد الانتهاء من وصف الدار التي كان يسكنها أبوه، أي البيت الذي ترعرع، فيه عدنان مردم: وكأنه أراد أن يفخر على أقرانه، ويدلل على عراقته هو ذاته، من خلال الحديث والتأصيل لآثار أبيه الإبداعية والتراثية، ها هو بعد أن يفرغ من وصف دار الشاعر خليل مردم التي تقف في منتصف جادة فخر الدين الرازي، على بعد مئة متر تقريباً من الجهة الغربية للجامع الأموي. والتي تتميز بهندستها العربية، وسعة أرجائها، ووجود بركة ماء كبيرة مبنية من المرمر الأحمر في إيوان واسع، نضدت أرضه وحيطانه بالرخام الأبيض، وقد زرعت أحواض الدار الفسيحة بأشجار الليمون والنارنج، والكباد وبعض الأشجار المثمرة، بعد أن ينتهي من الوصف، والتصوير اللذين يفضيان في نهاية الأمر إلى المديح والفخر بحلقات الرابطة الأدبية التي كانت تعقد على التوالي في تلك الدار، بحضور عدد غير قليل من فرسان الكلمة، أمثال شكيب أرسلان، محمد كرد علي، عبد القادر المغربي، إسعاف النشاشيبي سليم الحصري، بدر الدين النعساني، وكذلك أحمد شاكر الكرمي، عز الدين التنوخي، شفيق جبري، محمد الشريقي، عبد اللَّه النجار، حليم دموس، وغيرهم كثيرون كانوا يؤمون تلك الدار التي أصبحت محجة لرجال الفكر والأدب من العرب والأجانب على حد سواء، تصوروا كيف يفضي به المديح ليقول عن الدار التي ولد ونشأ وترعرع فيها: والدار مضيافة كريمة، حلها زائرون عديدون، ونزلوا بها)) ويقول عن تلك الأسرة التي سكنت مدينة دمشق ما يقرب من ثلاثمائة سنة، واحتلت مكانة رفيعة بين الناس، لدماثة أخلاق أفرادها، وبعدهم عن أذى الناس))[xli]) ويورد ما قاله البديري في يومياته عن السيرة الذاتية لأفراد هذه الأسرة، التي صنعت لنفسها مخطوطة يظهر فيها تاريخ أسرة مردم بك) منذ أن سكنت دمشق فيقول على لسان البديري مفتخراً بالجد الأكبر مصطفى بك الشهير بالقرشي: إنه من أعرق أسر دمشق مجداً، ووجاهة، ومن أكثرها ابتعاداً عما لا يعنيها، وهو على طول باعه في الوظائف العالية التي يشغلها محب للخير، وبعيد عن هضم الحقوق، وأكل أموال الناس بالباطل))[xlii]) إن مصطفى بك هذا، هو حفيد الأمير على صاحب الوقف الشهير بوقف القرشي، والضارب بأعراقه إلى الوزير الكبير لالا مصطفى باشا فاتح قبرص)[xliii])والصفات ذاتها يسبغها بوالد الخليل أي جده أحمد مختار بك) الذي كان مزارعاً كبيراً، واشتهر بكرم الخلق، وحسن الحديث، وبعد النظر، ولا يفوت الشاعر الإبن من أن يشير بإضاءات سريعة إلى أهم الرجال العظام من هذه الأسرة، ممن نبغوا في هذا العصر فيقول: لمع رجال عديدون من أسرة مردم بك في شتى الميادين، العلمية والأدبية والسياسية نذكر منهم الأستاذ جميل بن عبد القادر مردم الذي يعد بحق أحد أبطال الجلاء الذي تحقق عام 1945م، وكان الدماغ المفكر لحزب الكتلة الوطنية، وتولى رئاسة الوزارة السورية أكثر من مرة، وكان رجلا فذاً بحنكته، ودهائه، وتصريفه للأمور، وكذلك شقيقه عثمان بن عبد القادر، من أحرار العرب الأوائل الذين ناضلوا ضد الترك، وسعوا للوحدة العربية الكبرى وانضم رحمه اللَّه مع من انضم من الثائرين العرب إلى الشريف حسين، وساهم في بناء ملك فيصل الأول في دمشق، وتوفي سنة 1920م، ولم يجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، واشتهر من بين رجال الأسرة راشد باشا، وسامي باشا، فقد شغل الأوائل نائب رئيس محكمة الاستئناف، وانتخب عضواً لمجلس الشوري أيام الحكم الفيصلي، وانتخب سامي باشا عضواً في مجلس الإدارة، ثم مبعوثاً عن دمشق، وعضواً في المجلس التمثيلي))[xliv]) فلا ضير في تعصب الشاعر عدنان مردم لشآمه جرياً وراء دمشقيته في حبه العنيف الجارف لها، وهو ابنها الدمشقي الأصيل الذي ينحدر من سلالة عرفت بمواقفها النضالية ضد الاستعمار، وحسّها الوطني والقومي الرفيع، أليس هو الشاعر المعتز بوالديه، وبمسقط رأسه الأم دمشق، فيسمي ديوانه الأول عبير من دمشق) ويخط في الصفحة الأولى تحت عنوان الإهداء: إلى والديّ الغاليين: إلى روح الشاعر الإنسان خليل مردم بك، إلى زهراء الحمزاوي الإنسانة الصالحة أهدي، لهما هذه النفحات من عبير دمشق))[xlv])وقد مرّت معنا عائلة الحمزاوي بين الأسر الدمشقية العريقة التي تحدث عنها والده خليل مردم في كتابه أعيان القرن الثالث عشر)، ها هو يحذو حذو والده الخليل الذي كان اللسان الناطق لأمته، وشعبه في نضالهما القومي ضد المستعمر أيام الانتداب، والمؤجج لنيران الشعور القومي، بآياته البيانية في كل مناسبة وطنية وقومية، يقدّم التحية والسلام إلى دمشق التي نزح عنها أيام الانتداب حيث يقول الأب في قصيدة سلام على دمشق) [من الوافر]:

فردَّ رواؤُها بصري كليلا

 

تراءتْ لي دمشقُ فقمتُ أرنو

كأنّي شاربٌ صرفاً شمُولاً

 

وشاعت نشوةٌ بي من شذاها

عزمتُ على دُموعي أن تقولا

 

كأنّي حينما استوحيتُ شعْري

وأرسلهُ هُتافاً أو هَدِيلا

 

أُوقعهُ على خفقان قلبي

وحيث يقول الابن في قصيدة غوطة دمشق) تحت عنوان تحية دمشق) المنشورة في ديوانه عبير من دمشق)[xlvi])[من البحر الكامل]:

عن كلِّ زاهرةٍ تروقُ وتعشقُ

 

طَابَتْ منابتُ تربها وتألَّقَتْ

ودمُ الضَّحايا مائجٌ متدفَّقُ

 

ما كانَ بِدْعاً أن تطيبَ غراسُها

فيه الفخارُ مُدّيحٌ ومنمَّقُ

 

وإزاءها ماضٍ يشوقَ كتابهُ

هيهاتَ تُبلى أو تُرَثَّ وتُخلقُ

 

صفحاتُهُ فوقَ الثَّرى منشورةً

من غابرٍ بشذا المكارمِ يعبقُ

 

سطرَ الفخارُ بهنَّ كلَّ عظيمةٍ

من دونهِ تعنو الرِّقابُ وتطرقُ

 

ويُطِلُّ تاريخٌ يشعُّ ضياؤهُ

تاهَ الزَّمانُ بهِ وعزَّ المشرِقُ

 

بردى نشيدٌ خالدٌ عنْ غابرٍ

إننا ونحن نجول في حدائق هذا الديوان، نتلمس بوضوح تعلق الشاعر بوطنه الأم سورية، ونتحسس النبض القومي الصارخ، الذي يبدو جلياً واضحاً بين ثنايا معظم قصائد المجموعة، كما نتوجس ملامح النزعة الوصفية، والتصوفية لدى الشاعر، ولا سيما في قصائد من كنوز بلادي- تراب الوطن، أزقة دمشق القديمة- الغوطة في الربيع، ربوة دمشق- سفح دمر- تدمر التاريخ- قلعة الحصن- شارع النصر-الخريف في دمشق- الوطن- الحرية- جبال لبنان- البرق- شقائق النعمان- سنابل القمح- الصفصافة العارية- الناعورة- خريف إلخ القصائد، ومع كل وصف وتصوير كانت تظهر تلك المشاعر القومية المتأججة، وذلك الفخر الكبير بمآثر الأمة ونضالاتها، ها هو يقول في قصيدة جبال لبنان)[xlvii])[من البحر الكامل]:

ملءَ العيونِ وصارمٌ لا يغمَدُ

 

ماضٍ كمؤتلقِ الضُّحى يتوقدُ

منهُ العصورُ على المدى تُسترفدُ

 

وسعتْ حضارتُه العصورَ ولم تزلْ

ما كان يُجلى ليلهُ المتلّبدُ

 

وجلا بنور الحرفِ ليلَ عمايةً

عبرَ القرونِ به وسالَ الجلمدُ

 

ماضٍ تدفقت الحياةُ سخيةً

كالأُفقِ زيّنه بليلٍ فرقدُ

 

وازدانتِ الدنيا به وتبَّرجتْ

درجَ الفخارُ بها وشبَّ السّؤددُ

 

تلكَ الجبالُ مسارحٌ لحضارةٍ

عصرٌ ولم يلحقْ بسؤددها غدُ

 

وحضارةٍ ما طالها في غابرٍ

كالنّور لا يبلى سناهُ ويخمدُ

 

تبلى العصورُ وتنطوي وشبابُها

من غابرٍ وحقيقةٍ لا تَنْفَدُ

 

تلكَ الصّخورُ صحائفٌ لملاحمٍ

متشامخ بتراثه متمرد

 

والأرز في القمم المنيفة والذرى

طفلاً وشبَّ على ثراهُ السؤدَدُ

 

دَرجَ الفخارُ حيالهُ في غابرٍ

سورٌ يرتلها الزّمانُ وينشِدُ

 

وحقائقُ الأيّامِ ملءَ كتابها

إن عدنان مردم الابن البار بأبيه الخليل، لم يكتب مذكراته، ولم يلهث وراء الشهرة، والكتابة والنشر، عندما كان والده يتسلم رئاسة المجمع العلمي العربي بدمشق، في حين دأب على تدوين وتوثيق يوميات الخليل، وتوضيح أكبر قدر ممكن من سيرته، ليقول لنا بشكل غير مباشر: هذا هو أبي القدوة، والرمز، والمعلم. ومن يقرأ يوميات الخليل التي قدم لها ورتّبها، وشرحها الابن البار عدنان مردم، وأصدرها عام 1980م، عن مؤسسة الرسالة في بيروت؛ يدرك جيداً مدى انصهار شخصية الابن في شخصية الأب، ومدى التقارب الواضح بين الشخصيتين حتى في تزجية الوقت، وتنظيم العمل، وترسيم العلاقات الاجتماعية. فقد كان الخليل يستيقظ صباحاً باكراً، يتوضأ ويصلي، ويتبهل بالدعاء إلى اللَّه مناجياً إياه الفلاح فيما يسعى إليه في حياته الدنيا، وكان الابن عدنان مردم يفعل الأمر ذاته عند كل صباح. ولا خلاف بينهما في تزجية الوقت. فالوالد كان يذهب إلى المجمع في العاشرة صباحاً، ليستقبل الوافدين على المجمع من رجال الفكر، والسياسة، والأدب. فإذا بلغت الساعة الثانية من بعد الظهر؛ عاد إلى داره لتناول طعام الغداء، وإلى الإخلاد للراحة حتى الرابعة، ثم هب بعد ذلك ليراجع النصوص التي يبحث عنها، والإبن يفعل الأمر ذاته عندما كان في القضاء، حيث يصعد قوس المحكمة في العاشرة صباحاً، ويغادره في الثانية من بعد الظهر عائداً إلى بيته، لتناول طعام الغداء حوالي الساعة الثانية والنصف ثم الدخول إلى غرفة المكتبة، بعد استراحة قصيرة، ينقب في بطون أمهات الكتب عن أحداث التاريخ الهامة، ليصنع منها أفكاراً جديدة، ولينسج من بعض رموزها التاريخية شخوص مسرحياته. وبعد استراحة قصيرة في المساء على مائدة العشاء، مع الزوجة والأبناء يعاود بحثه، وقراءاته في رواق تلك المكتبة العامرة بالكتب التي خلفها إليه والده الخليل، وأضاف عليها بما يؤثره من الكتب والمسرحيات.

لقد كان عدنان مردم بحق، ابناً باراً بأبيه الخليل، وكان يرى فيه الفرادة كلها، والقدوة، والمثل الأعلى، وهذه الفرادة لا تقتصر على الإبداع الشعري فحسب، بل تتعدى ذلك لتشمل كل شيء يقوله، أو يكتبه أو يفعله في الحياة. ها هو يؤكد على هذه الفرادة في مقدمة يوميات الخليل) فيقول: فاليوميات التي سطرها العلامة الخليل. فريدة في نوعها، إذ لم يتسن لأحد قبله ممن كتب في هذا الباب، أن أتى بشيء مما أتى به الخليل من الإبداع، والفهم العميق على قلة الأيام التي سطرها في يومياته، والسبب في رفعة قيمة يومياته، أنه شاعر كبير مرهف الحس، وعالم فحل، وناقد بارع، يعرف ما ينتقي من الأحداث بموهبة كاتب صناع ذي قلم سيال))[xlviii])ولا مندوحة من القول: إن هذه المذكرات التي دونها الخليل في يومياته، لم تكن أكثر من تسجيل عابر لأهم الأعمال التي قام بها، ولأهم الأحداث التي عايشها، ولأهم الشخصيات التي كان يلتقيها في كل يوم، ولا ترقى لا في أحداثها، ولا في أسلوبها إلى مستوى السير الذاتية العادية. ومع ذلك أسبغ عليها الابن البار عدنان مردم، تلك الفرادة من شدة إفراطه بحب أبيه، وإجلاله؛ هذا الحب الذي جعله ينكب على مخطوطات الخليل بعد رحيله. ينقحها، ويرتبها، ويشرح ما يحتاج منها إلى شرح وتوضيح، ثم يدفعها إلى المطبعة. ها هو يعترف بذلك قائلاً: إن الذي منعني عن طبع بقية السلسلة طيلة هذه الأعوام؛ يعود إلى انكبابي على بعض الكتب للمرحوم يقصد أباه الخليل) ومنها ديوانه، وبقية مؤلفاته الأخرى التي قمت بشرحها، وطبعها وهي: ديوان خليل مردم بك، جمهرة المغنين، الأعرابيات، شعراء الأعراب، أعلام القرن الثالث عشر، الشعراء الشاميون، دمشق وفلسطين في العشرينات، رسائل الخليل، يوميات الخليل، تقارير الخليل الدبلوماسية، محاضرات الخليل في الإنشاء العربي))[xlix])ويخيل إليّ لو أنه جمع يوميات الخليل ورسائله وتقاريره الدبلوماسية، وبعضاً من محاضراته، وخطبه في كتاب واحد لكان أكثر متعة، وأكثر تعريفاً بسيرة الخليل الذاتية، ويخيل إليّ أن عدنان مردم أثناء تقديمه وترتيبه لتلك الرسائل. كان يدرك ذلك، إلا أنه إمعاناً في إظهار هذه الفرادة عند أبيه، كان يشير بكل مقدمة إلى هذه السمات المتفردة في شخص الخليل دون سواه من المبدعين وحين يناظر، أو يقرن به أحداً من شعراء عصره. ما يلبث أن يلمح إلى التمايز الذي يحظى به الخليل على زملائه من الشعراء، والدبلوماسيين، والأدباء. ها هو يشير في مقدمة كتاب رسائل الخليل) إلى ذلك بوضوح عندما يقول: عثرت في درج منضدة قديمة لشاعر الشام الكبير الأستاذ خليل مردم بك، على رسائل وهي مسودات لتحارير كان سطرها إلى رجال معاصرين، من أئمة البيان والفكر، والسياسة جواباً على رسائلهم، قرأت كتب أولئك الأئمة والأجوبة التي سطرها بدوره لهم، فطالعت السحر الحلال، وعزمت على أن أجمع تلك الرسائل المتبقية لما تحوي من بلاغة ساحرة وأسلوب مبين، ذلك أن خليل مردم بك إلى جانب مكانته الشعرية المرموقة، بكونه صاحب مدرسة الوصف في الشعر الحديث دون منازع، فإنه يعد في أسلوبه الكتابي علماً من أئمة الكتاب المنشئين، وقلّ من تجد بين أدباء العربية من جودّ في فني الشعر، والنثر، وكان سباقاً منذ أقدم العصور حتى اليوم. إذ لم يتأت ذلك الأمر في السابق إلا لنفر قليل، نذكر منهم الشاعر الأندلسي ابن زيدون في المغرب، والشاعر ابن المعتز، وأبا العلاء المعري في المشرق، أما في العصر الحاضر، فلا يحضرني سوى الخليلين، خليل مردم بك، وخليل مطران، فقد جوّدا في الشعر والنثر، وبلغا ذروة مرموقة بهما، إن براعة شاعر الشام الكبير في رسائله، تعتمد على طبع أصيل مرهف، يرفده ذوق أدبي سليم في معرفة الخفي من أسرار البيان، مع سعة إطلاع أدبي وثقافي))[l])وبذلك يتضح بجلاء، تأثر الشاعر عدنان مردم بأبيه، في سلوكه، وأخلاقه، وإبداعه إلى حد كبير، ولا سيّما فيما يتعلق بالشعر الوطني، والقومي، وعشقه لدمشق، ووصفه لمعظم الأماكن الطبيعية الجميلة، والأثرية الخالدة التي انعكست صورها على مرآة نفسه، وفي حفظه لمآثر التاريخ، والبطولات، والأمجاد التي تشكل موثبات اعتزاز وافتخار، وروافد إبداع له، في معظم أشعاره، وفي معظم مسرحياته، فقد تمثل عدنان مردم هذا التراث التليد تمثلاً كاملاً، فأصبح يشكل نسيجه الإبداعي الهام، كما تمثل محاكاة أبيه في الكثير من صفاته وسلوكاته، باعتباره الأنموذج الذي يحتذى، والمعلم الذي يستقي منه الابن، الذي تتلمذ على يديه في حب الأدب، وقراءة التاريخ، ونظم الشعر، وفي تكوين مجمل آرائه، ومواقفه الحياتية، مما جعل الاتجاه القومي ساطعاً في ثنايا أشعاره، كما انعكس هذا الاتجاه القومي في جميع مسرحياته الشعرية التي أبدعها، من خلال الشخوص التي اختارها، والأحداث التي استقى منها، والأفكار التي تضمنتها. لا شك أن الشاعر ابن بيتئه، فلا غرابة إذا كان الشاعر عدنان مردم متأثراً هذا التأثير الكبير بأبيه الشاعر خليل مردم الذي لقب بشاعر الشام من كثرة تعلقه بالشام وقضايا الوطن والأمة.

فكما كان الأب ملتزماً بالقضايا الوطنية والقومية، فقد استقر في نفس الابن هذا الالتزام في شعره ومسرحه وسلوكه الاجتماعي. صحيح أن شاعرنا لم ينتسب إلى حزب من الأحزاب السياسية. ولم يقيد نفسه بعقائدية أية أيديولوجيا، إلا أنه كان ملتزماً في أدبه إلى درجة التفاني، مخلصاً أشدّ الإخلاص للشام والعروبة، وقضية فلسطين التي تشكل محور الالتزام والنضال والوعي.

وبالقدر الذي كان فيه والد الشاعر شغوفاً بالعلم والأدب، حريصاً على التمسك بأساليب القدماء، مدافعاً عن اللغة العربية الفصحى، والشعر العربي الأصيل الذي يقوم على نظام البيت العربي المقفى الموزون، كان الشاعر الإِبن عدنان مردم يحمل في طيّات نفسه كثيراً من جوانب المقارنة والشبه بما كان يحرص عليه الأب، وبخاصة في الجوانب الإبداعية، والسلوكية، فقد ظلّ محافظاً على المدرسة الاتباعية في الشعر والمسرح على السواء. كما ظل حتى أخر يوم في حياته مثالاً للرجل الرصين الرزين الوقور، الي تتسم شخصيته بالوداعة والاتزان، يؤثر الهدوء على الصخب، والصمت على التكلم، وإذا تحدّث لا يتحدث إلا بما يعرف، وينأى عن العبارات الجارحة فما عرف الذين عاشروه أو عملوا معه، أن سمعوا منه كلمة جارحة أو نابية، أو تعرّض لأحدٍ من أصحابه، أو خصومه بالقدح والذم. بل كان التعفف والتسامح والحب للأرض، والوطن والإنسان السمة البارزة في شمائله التي يشكل الالتزام بهذه الأقانيم الثلاثة مرتكز أفكاره، ومنهل إبداعه، ومحور نضاله الوطني والقومي طوال المرحلة التاريخية التي عاصرها، فدمشق مسقط رأس الشاعر، هي المدينة التاريخية التي ينطلق كل معلم أثري فيها، بعظمة هذه الأمة وحضارتها، وهي الحصن الحصين، والسور المنيع الذي يحمي هذه الأمة من غوائل الدهر. منها خرجت جحافل الفتوح في الماضي، وإليها تتوجه الأنظار في قيادة جحافل النصر في المستقبل وفي ذلك يقول[li]): من البحر الكامل):

وتليدُ مجدِك شامخٌ لا يثلمُ

 

يتصرّم المجدُ التليدُ ويهرمُ

من دونها يعيا الزمان ويسأمُ

 

شاخَ الزمانُ ولم تشخْ لك همَّةٌ

ثغرٌ عليك، وما تمنَّع مخرَمُ

 

قدتِ الجحافلَ للفتوحِ فما عصا

هيهاتَ يعروهُ البَلَى أو يُهْدَمُ

 

وبنيت للتاريخِ صرحَ حضارةٍ

وعندما يتقدم الجيش العربي السوري في حرب تشرين محرراً الجولان، وهو الذي يسير على نهج أبيه، يرصد هذا الحدث القومي، ويصور بأس الرجال الأشداء واستبسالهم في اقتحام مواقع العدو الصهيوني، غير هيّابين ولا وجلين بما ينتظرهم، وهم يقتحمون أبواب الموت في غمرات تلك الحرب الضروس حيث يقول[lii]): من البحر البسيط):

وليس يُعجزُهُ صعبٌ وممُتنعُ

 

بأسُ الرجالِ تميدُ الراسياتُ له

هيهات عن غايةٍ يعيا ويرتدعُ

 

وما الشبابُ بهيَّابٍ ولا وكلٍ

والسهلُ ما كان يستعصي ويمتنعُ

 

توعّر السهلُ في الجولان من قتم

تغذُّ في شاسع رحبٍ وتجتمعُ

 

جحافلُ الرعبِ في الجولانِ ما فتئتْ

في عارض للمنايا وبلها همعُ

 

تقحَّمَ الموتَ شبانٌ غطارفةٌ

بابَ الردى بيدٍ لم يُثْنِها ضَرَعُ

 

تجلببوا الصبر درعاً حينما قرَعُوا

في الموتِ غنماً وما في الموت منتفَعُ

 

يستعذبون مناياهمْ كأنَّ لهمْ

وعندما تعصف الأهواء والمحن بلبنان، ويحترق وجه بيروت بحرائق الحرب الأهلية الظالمة، يتفجر قلب الشاعر ألماً وحزناً على هذه المأساة الجديدة التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء، وهجّر بسببها آلاف المنتجين عن أرض الوطن: حيث يقول[liii])[من البحر الوافر]:

وأشرعتِ القواضبَ والحرابا

 

ضَغَائنُ حدَّدَتْ للشرِّ ناباً

وجانبتِ المروءةَ والصَّوابا

 

أحلَّت ما الشرائعُ حرَّمتهُ

ولم تُغمدْ قواضبِها احتسابا

 

ولم تُرفقِ بِشيخٍ أو صغيرٍ

وشاءَ الغدرُ ختلاً واغتصابا

 

مجازرُ مثلما الأهواءُ شاءت

وتبقى صورة الإنسان الحر الكريم مرسومة في ذاكرة الشاعر ومخيلته، مناصراً له في وجه الظلم والظالمين وفي ذلك يقول[liv]): من البحر الكامل):

جِسْراً يمرُّ عليه ذو السلطانِ

 

وغضبتُ للإنسان يلوي جيدهُ

مستسلماً لطوارئ الحدثانِ

 

ويغصَّ بالطرفِ الجريحِ على القذى

إننا من خلال معالجة الشاعر عدنان مردم للقضايا الوطنية والاجتماعية والقومية؛ كمحتوى عام لمجمل نتاجه الشعري والمسرحي، ومن خلال الشكل الفني الذي اختاره لهذا المحتوى، ولا سيّما في الإطار العام لبناء القصيدة، وفي الوصف الساحر للطبيعة، وبعض الشخصيات الاجتماعية التي استنهضت شاعرية الشاعر؛ يتوضح لنا تأثر الابن بأبيه على المستويين الاجتماعي والفكري سلوكياً وابداعياً) وهذا ما سنقف عليه في الفصول التالية عندما نتقصى ملامح الاتجاه القومي في المسرح المردمي. الذي تجاوز فيه الابن أباه، ليس في مجال الإبداع الشعري، وإنما في مجال النص المسرحي الذي لم يكن الخليل قد أعاره أي انتباه في نتاجه الشعري أو النثري طوال حياته، وكأن الإبن أراد أن يختار طريقاً إبداعياً آخر، يظهر فيه شاعريته من غير أن يدخل في منافسة، أو مقارنة بشاعرية والد الخليل، وكأنه أيضاً يقصد إلى إشادة صرحٍ إبداعي آخر في لون من الكتابة، لم يسبقه إليه أحد من شعراء جيله، هو صرح المسرحية الشعرية التي يستطيع من خلالها التوليف بين المسرح والشعر، والماضي والحاضر، عن طريق فن جديد بدأ يرسم معالمه على الساحة الأدبية والفنية، هو فن المسرح، وحاجة هذا الفن إلى نصوص مسرحية شعرية جديدة، تغذيه، وتنشط دورته الدموية التي كانت بحاجة ماسّة إليها، وتفتقر إلى هذه النصوص.

ويبقى السؤال المطروح هو: هل استطاع الشاعر عدنان مردم في مسرحياته التي أبدعها أن يملأ جزءاً من هذا الفراغ في المسرح السوري؟ هذا ما سوف نحاول الكشف عنه في الفصول التالية.

خاتمة

ولد الشاعر عدنان مردم في الرابع والعشرين من شهر أيلول 1917م، في دار أبيه الكائنة بسوق الحميدية، شارع فخر الدين الرازي، من أبوين سوريين هما خليل مردم شاعر الشام الكبير، وأديبها المعروف الذي ولد في الدار ذاتها عام 1895م، وتوفي بها أيضاً عام 1959م، ووالدته زهراء الحمزاوي، سليلة الأسرة المعروفة بآل حمزة، نقباء الأشراف في دمشق، وكان منهم السيد نسيب حمزة، والشاعر عبد الرحمن حمزة بن النقيب، والسيد محمود حمزة مفتي الديار الشامية، ولدت عام 1897م بدمشق، وتوفيت عام 1983م، من هذه الأسرة العريقة، انحدر عدنان مردم، وفي كنف والده نشأ، وترعرع، يكتسب العلم، والمعرفة، والأخلاق الفاضلة، فما إن فتح عينيه على الحياة، وتسّرب إلى قلبه شعاع التعلّم واكتساب العلم، حتى وجد ضالته المنشودة في مكتبة والده الخليل في الدار التي يعيش فيها. حيث كانت تضم الآلاف من الكتب، والمجلدات المختلفة، كما وجد ضالته في الإصغاء إلى أحاديث، وحوارات أولئك الزوّار الذين كانوا يؤمون تلك الدار من أقطار عربية أخرى، يفدون إليها لزيارة والده خليل مردم الذي كان رئيساً للرابطة الأدبية أول الأمر، ثم رئيساً للمجمع العلمي العربي حتى وفاته. فقد تعرّف إلى نخبة من الأعلام السوريين والعرب من خلال تلك الزيارات، والندوات التي كانت تعقد في صحن دار الخليل أمثال الأساتذة سليم الجندي، وعز الدين التنوخي، وأحمد شاكر الكرمي، وشفيق جبري، والمطران ابيفانيوس زائد، وحليم دموس، وعبد اللَّه النجار. ومحمد كرد علي، وعبد القادر المغربي، وفارس الخوري، وفايز الخوري، والشيخ بدر الدين النعساني، وجميل صدقي الزهاوي، ومعروف الرصافي من العراق، وبشارة الخوري الأخطل الصغير)، وأمين نخلة من لبنان، وحافظ إبراهيم، ومحمد الهزوي من مصر، كما حفلت تلك الدار بزيارات لكل من طه حسين، وأحمد حسن الزيات، وزكي مبارك، ومحمود تيمور، وإسعاف النشاشيبي، وانستاس الكرملي، عندما كانوا يفدون إلى دمشق.

ثقافته:

في هذا الجو الأدبي، والمحيط الثقافي، نشأ وترعرع عدنان مردم، وتشكلت ثقافته العربية والأجنبية فقد كان يشجعه والده الخليل على حضور تلك الندوات للاستماع إلى المناقشات الأدبية التي كانت تدور فيها، فشب منذ صغره محباً للأدب والشعر. بدأ مراحله الدراسية الأولى، وبالتحديد في سن الخامسة من عمره، في مدرسة الملك الظاهر، الكائنة في باب البريد حتى تخرّج منها، وأتم تعليمه الإعدادي، والتجهيزي في الكلية العلمية الوطنية، وحصل منها على شهادة بكالوريوس في الآداب، ثم دخل في مدرسة التجهيز، قسم الفلسفة ونال منها شهادة بكالوريوس في الفلسفة، ثم انتسب إلى كلية الحقوق بدمشق، عام 1936م، وتخرّج منها عام 1940م.

مارس المحاماة مدة ثماني سنوات، أي حتى عام 1948م، متتلمذاً على يد الأستاذ الكبير المحامي سعيد الغزي، ولما لم تطب له هذه المهنة، غادرها مديراً لها ظهره إلى العمل في سلك القضاء، حيث عين قاضياً للتحقيق في مدينة دمشق، وبعد مضى سنتين ترفّع إلى محكمة الاستئناف في مدينة حمص، وعيّن مستشاراً بها، وأعيد عام 1952م إلى محكمة الاستئناف الحقوقية بدمشق مستشاراً بها، وظل في محكمة الاستئناف حتى عام 1962م، حيث انتخب مستشاراً في محكمة النقض. درس اللغة العربية على أيدي أساتذة فحول أمثال الشاعر محمد البزم، والشيخ بهجت البيطار، والأستاذ رشيد بقدونس وهم أعضاء في المجمع العلمي العربي، وعلى الأستاذ عثمان الحوراني، ودرس الأدب العربي على يد والده مدة أربع سنوات، ودرس اللغة الفرنسية على المسيو لويس درفان سيكارا، وعلى الدكتور أنور حاتم أستاذ الأدب الفرنسي في جامعة فوبورغ) بسويسرا حالياً، ودرس اللغة الإنكليزية على المستر سافتنج)، مدير المركز الثقافي الإنكليزي، والسيد عادل الصقال. تحرر من العبء الوظيفي عام 1966م، وانصرف بكليته إلى الشعر والأدب. تزوج للمرة الأولى من السيدة نعمة العمري عام 1947م، وقد أنجبت له ابنة وحيدة علوة) عام 1950م، وحصل الانفصال عام 1952م وتزوج للمرة الثانية من السيدة نزهة العجلاني عام 1955م، ولم تنجب له، وتزوج للمرة الثالثة من السيدة فردوس الغزي عام 1960م، وأنجبت له هند) 1962م محمد قتيبة) 1964م وضاح) 1965م حسانة) 1973م والثلاثة من دمشق ومن عائلات مرموقة، فالعجلاني) من عوائل الشام التي يزعم أبناء هذه العائلة أنهم ينتهي نسبهم إلى سيد المرسلين محمد صلى اللَّه عليه وسلم وكذلك الغزي) فهي من عوائل الشام العريقة، وقد كان فيها قديماً إفتاء الديار الشامية للشافعية، وحديثاً رجال علم وسياسة، ومن هذه العائلة فوزي الغزي، وسعيد الغزي، وهذا الأخير، تتلمذ على يديه الشاعر في مهنة المحاماة. و العمري) من العائلات المحافظة والبارزة في دمشق.

وذلك يشير بوضوح إلى أن عدنان مردم، كان حريصاً على اختيار زوجاته من أشراف الشام أو العائلات الشهيرة التي تتناسب وعائلته مردم) التي التصقت بها صفة الباشاوية والبيكاوية زمناً طويلاً، حتى غدت جزءاً لا يتجزأ من الكنية والنسب، وحرص أبناؤها أن تظل هذه الصفة بك) ملازمة للأسماء البارزة من العائلة، كخليل مردم بك، وجميل مردم بك، وعدنان مردم بك، حتى رحيل هؤلاء الثلاثة، هذا اللقب الذي كان لا يُعطى إلا للأشراف، والرجال العظام في السياسة، والعلم والأدب.

آثاره

لقد نظم الشاعر عدنان مردم الشعر في سن مبكرة، لأن الدوافع التي تحفزه على النظم كثيرة، منها موهبة موروثة عن أبيه، مع إحساس مرهف، وسعة خيال، ومنها ماتأتى له من خلال قراءاته الشعرية لفحول الشعراء ومطالعاته التاريخية والأدبية لأمهات الكتب. من النقاد من يذكر أنه بدأ بنظم الشعر؛ وهو في سن العاشرة ونشر بعض القصائد في مجلتي العرفان والبرق، وهو في سن الرابعة عشرة)[lv])ومن النقاد الآخرين من يذكر، أنه بدأ بنظم الشعر قبل أن يتم الخامسة عشرة من عمره، وفي ذلك يقول الأستاذ علي القيم معاون وزيرة الثقافة في سورية بعد رحيله إلى الملأ الأعلى بأسبوع واحد: درس الشاعر عدنان مردم بك الأدب العربي على يد والده الخليل، وكان لهذه الدراسة الأثر الكبير في ذوقه الأدبي، فنظم الشعر في سن مبكرة، إذ لم يتم الخامسة عشرة من عمره، حينما نشر قصائده في أمهات الصحف والمجلات))[lvi])أما حول التأليف المسرحي؛ فمعظم الآراء تلتقي حول نظمه المسرحية الأولى فتح عمورية) في مجلة الشام، لصاحبها الأستاذ خليل محفل، وله من العمر ستة عشر عاماً، وبعد عام واحد نشر مسرحية عبد الرحمن الداخل) في مجلة العرفان، وأتبعها بمسرحية مصرع الحسين) وقد لاقت هاتان المسرحيتان استجابة من القرّاء، وتناقلتهما أكثر الصحف الدمشقية والعراقية. ثم نظم مسرحية جميل بثينة، ونشر مقدار فصل واحد منها في مجلة الإنسانية، لصاحبها الأستاذ وجيه بيضون، وفي الوقت ذاته لم ينقطع عن نشر القصائد الغنائية، والقومية والوصفية في العديد من الصحف العربية، أمثال مجلة الثقافة المصرية لصاحبها الأستاذ أحمد أمين، ومجلة المقتطف، ومجلة السياسة الأسبوعية، ومجلات العرفان، والبرق، والأديب، والطريق، والكتّاب، ثم انقطع مدة لا بأس بها عن النشر، ربما كان السبب في ذلك انقطاعه عن عمله بالقضاء، وربما كان هناك أسباب أخرى، المهم في الأمر أنه لم يطبع تلك الأشعار، في مجموعات شعرية، ولا تلك المسرحيات في كتب إلا منذ عام 1956م، حيث كانت مجموعته الشعرية الأولى نجوى) عن دار المعارف بالقاهرة ثم كرّت السبحة حسب التسلسل التالي:

صفحة ذكرى - ديوان شعر دار المعارف) القاهرة 1961م.

غادة أفاميا[lvii])- دراما شعرية- منشورات عويدات بيروت 1967م.

العباسة[lviii])- مسرحية شعرية- منشورات عويدات بيروت 1968م.

الملكة زنوبيا[lix])- مسرحية شعرية- منشورات عويدات بيروت 1969م.

عبير من دمشق ديوان شعر- منشورات عويدات بيروت 1970م.

الحلاج[lx])-مسرحية شعرية- منشورات عويدات بيروت 1971م.

رابعة العدوية[lxi])- مسرحية شعرية- منشورات عويدات بيروت 1972م.

وقد نالت هذه المسرحية في أسبوع الكتاب الصوفي العالمي الذي أقيم في عاصمة الأرجنتين من اللجنة الإستشارية العالمية، ومن اليونسكو الجائزة العالمية الثالثة، ومنح الشاعر لقب بروفسور.

مصرع غرناطة -مسرحية شعرية- منشورات، عويدات بيروت 1973م.

وقد ترجم البرفسور فرنت جونيس) فصولاً منها إلى اللغة الإسبانية

فلسطين الثائرة- مسرحية شعرية- منشورات عويدات، بيروت 1974م.

فاجعة مايرلنغ[lxii])-مسرحية شعرية- منشورات عويدات، بيروت 1975م.

ديوجين الحكيم[lxiii])- مسرحية شعرية- منشورات مؤسسة الرسالة، بيروت، 1977م.

دير ياسين[lxiv])- مسرحية شعرية- منشورات مؤسسة الرسالة، بيروت، 1978م.

نفحات شامية- ديوان شعر- منشورات مؤسسة الرسالة، بيروت، 1979م.

الإتلنتيد[lxv])- مسرحية شعرية- عن مؤسسة الرسالة، بيروت، 1980م.

أبو بكر الشبلي[lxvi])- مسرحية شعرية- عن مؤسسة الرسالة، بيروت، 1981م.

المغفل- مسرحية شعرية- عن مؤسسة جداول الينابيع، دمشق، 1985م.

القزم- مسرحية شعرية- ملهاة عن مطبعة الكاتب العربي بدمشق 1986م.

وقد ترجمت المستشرقة البولونية إيفا لورنغ) معظم هذه المسرحيات إلى اللغة البولونية. وهناك ديوان شعر مخطوط بعنوان عالم الليل) أشار إليه الشاعر قبل رحيله بأنه قيد الطابع، لكنّه لم ير النور حتى الآن. تأثر الشاعر عدنان مردم تأثراً شديداً بأخلاق وسلوكات والده الخليل إلى درجة المحاكاة، وكان باراً به في حياته، وبعد مماته، حيث قام بجمع وترتيب، وطباعة معظم المخطوطات التي خلفها وراءه الخليل شعراً ونثراً، وقدّم العديد منها، وشرحها، وأطنب في مديح والده. ولا غضاضة في ذلك، فقد كان يمثل إليه القدوة، والأنموذج. أما عن أصدقاء الشاعر عدنان مردم في مرحلة الطفولة، والشباب، فقد كان سليمان حمزة، وعبد المطلب أمين، وعدنان رضا سعيد من أعز أصدقاء طفولته، وكان مظفر رفعت وحسني سيفي، ومعتصم سيفي، وعلي الشهابي، ويحيى الشهابي من الملازمين له أيام الشباب، أما صداقاته فيما بعد، حين دخل معترك الحياة العملية في مهنة المحاماة، والوظيفة في سلك القضاء، فقد كانت متنوعة، بعضهم من وسطه الوظيفي، وبعضهم من رجال الفكر، والأدب أمثال الشعراء أنور العطار، بدوي الجبل، أحمد الجندي، أدهم الجندي، الياس غالي، إبراهيم الكيلاني، يوسف عبد الأحد، حسين عمر حمادة، عيسى فتوح، عبد القادر الأسود، عبد الحسيب عدي، أنطون شار، ماجد الغزي وآخرون.

وجميع من عاصروا الشاعر عدنان مردم في المحاماة، أو القضاء، أو الإبداع، يثنون على سلوكه وأخلاقه، ونزاهته، ويعتبرونه من مفاخر القضاء السوري في العدل والنزاهة، والصرامة، هذه الصرامة التي كانت ترهب حتى أقاربه، وثمة قصص، وحكايات كثيرة؛ تؤكد تلك النزاهة، وتشير إلى تلك الصرامة، فقد كان يرفض أية هدية مهما كانت صلته بمن حملها إليه، وربما تعرض جالب الهدية للطرد؛ إذا كان له مصلحة في دعوى، أحيلت للشاعر عدنان مردم كي ينظر فيها، كما أنه كان يرى أنه لا يجوز للقاضي أن يرتاد الأماكن العامة، كالنوادي الليلية، والمقاهي، لذلك كان يؤثر البقاء في منزله معظم الأوقات، ولا يخرج إلا في زيارة لقريب، أو عيادة لمريض.

انتخب عضواً في لجنة الشعر عام 1959م.

ومنح لقب برفسور عام 1973م أثر فوزه بالجائزة الثالثة على مسرحية رابعة العدوية) من قبل منظمة اليونسكو.

وانتسب إلى اتحاد الكتاب العرب- وأصبح عضواً بارزاً في جمعية الشعر عام 1982م، وفي عام 1983م، عين مستشاراً لرئيس لجنة الكونغرس للسلام في الولايات المتحدة الأمريكية. ومنح عام 1987م شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة المركيز جوزيف سيكلونا) بالإضافة إلى عدة شهادات تقديرية أخرى.

انتقل إلى الملأ الأعلى، يوم الثلاثاء الواقع في السابع عشر من تشرين الأول، عام 1988م، عن عمر يزيد على السبعين عاماً، وبرحيله تُطوى حياة رائد مهم من رواد المسرحية الشعرية؛ ليس في سورية فحسب، بل في الوطن العربي، بعد أن أثرى هذا المسرح بالعديد من الأعمال المسرحية التقليدية المتميزة، التي سنحاول إضاءة جوانب منها في الفصول التالية من هذا البحث.

 



[i]) جميع هذه الأمكنة تقع في الجنوب الشرقي من سوق الحميدية الموازي للسوق المسقوف الذي يواجه ساحة باب الجابية المحاذي لقلعة دمشق، والسجن القديم، وقصر العدل، والذي يتفرّع عنه باب شرقي، وباب الحريقة، ومقام السيدة رقية، والجامع الأموي، وسوق الحرير ويجمع عدداً من الأحياء هي: حي العمارة، وحي الشاغور، وحي مسجد الأقصاب، وحي باب توما، وحي القيمرية، وسيدي عامود، وحي القنوات، وكلها تقع في الجهة الشرقية الجنوبية من محافظة دمشق.

[ii]) البوص) يقال: إن هذه المنطقة سميت بهذا الاسم، لأن نبات البوص) وهو نبات يشبه القصب، كان يحيط بقلعة دمشق، والمناطق المجاورة التي تقف في حدودها، فأخذت البيوت التي تقع في تلك المنطقة هذه التسمية هذا في المفهوم الشعبي لساكني المنطقة. وتأكدت من صحة هذه المعلومات من السيدة قمر كيلاني ابنة دمشق والخبيرة بأحيائها أما في لسان العرب المحيط، 1/286 بوص) فالبَوْص: الفوت، والسبق، والتقدّم، والبَوْص أيضاً: الاستعجال، وقيل اللون، وصنُه والبَوْص: البُعْد، والبائص: البعيد وقد سمّي الزقاق الذي يؤدي إلى منزل الشاعر عدنان مردم زقاق البوص، الزقاق الموازي له زقاق الحكمة والزقاق المواجه له زقاق النقيب.

[iii]) لم نعثر له في كتاب الأعلام للزركلي) عن أية ترجمة له، إلا أن أحفاده يقولون: إنه كان من المقربين عند الولاة العثمانيين، ومن ذوي الجاه والسلطان، منح لقب باشا) علاوة على بك) لما كان له من حظوة عند الوالي العثماني بدمشق.

[iv]) هو عبد القادر بن محي الدين بن مصطفى الحسني الجزائري، أمير مجاهد من العلماء الشعراء البسلاء ولد في القطيفة العام 1222-1300هـ -1807-1883م) في الجزائر، وتعلم في وهران. وحج مع أبيه سنة 1241هـ فزار المدينة ودمشق وبغداد ولما دخل الفرنسي بلاد الجزائر سنة 1246هـ بايعه الجزائريون، وولوه القيام بأمر الجهاد، فنهض بهم وقاتل الفرنسيس خمسة عشر عاماً وترك السلاح سنة 1263هـ -1847م فنفوه إلى طولون ومنها إلى أبنواز، واستقر أخيراً في دمشق، وتوفي فيها عام 1997م ثم نقل جثمانه إلى الجزائر من أثاره ذكرى العاقل) ورسالة في العلوم والأخلاق) وديوان شعر) والمواقف ثلاثة أجزاء في التصوف).

[v]) دمشق في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. تأليف: ليندا شلشير ترجمة عمرو الملاح، ودنيا الملاح. ص233 وكذلك كتاب جلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر. تأليف: عبد الرزاق البيطار، الجزء الثالث. تحقيق: محمد بهجة البيطار، ص1469.

[vi]) هو محمد بن عبد الرزاق بن محمد كرد علي 1293-1372هـ - 1876-1953م) رئيس المجمع العلمي العربي بدمشق، ومؤسسه، وصاحب مجلة المقتبس.

[vii]) هو فارس بن يعقوب بن جبور بن يعقوب بن إبراهيم الخوري 1290-1381هـ -1873-1962م) من رجال السياسة والأدب في سورية. ولد في قرية الكفير التابعة لقضاء حاصبيا وتعلم بها وبالمدرسة الأميركية بصيدا ثم بكلية الانجيلية السورية التي سميت بعد ذلك الجامعة الأميركية) ببيروت، استلم عدّة مناصب أهمها رئيساً لمجلس النواب العام 1936م ثم رئيساً للوزارة 1944-1945م) ومثل سورية لدى منظمة الأمم المتحدة مرات، وتوفي في دمشق العام 1962م.

[viii]) -هو كاتب وشاعر وباحث لبناني، لم نعثر على ترجمة في أعلام الزركلي، ولا أدري إذا كان هو ذاته ونيس الخوري القدسي 1303-1397هـ -1885-1977م) الشاعر والباحث اللبناني الذي مارس التدريس في جامعة بيروت الأميركية. وحقق ديوان ابن الساعاتي، من مؤلفاته. تطور الأساليب النثرية في الأدب العربي، وأمراء الشعر في العصر العباسي، والاتجاهات الأدبية في العالم العربي الحديث. ويخيل إلي أنه الباحث الاجتماعي أنيس سلوم المولود في مدينة حماه 1350-1863هـ) عضو المجمع العلمي العربي بدمشق له من الكتب موجز في علم الاجتماع، وعلم النفس، وعلم الاقتصاد).

[ix]) هو الشاعر المهجري الذي ولد في حمص عام 1910م) واغترب إلى الأمريكيتين وتوفي هناك مخلفاً وراءه عدداً من الدواوين الشعرية.

[x]) لم نعثر على ترجمة له، وعند سؤال الباحث يوسف عبد الأحد أجاب إنه من أسرة العظم العريقة بدمشق.

[xi]) هو عارف بن محمد سعيد بن جهجاه بن حسين من أمراء الأسرة الشهابية 1889-1916م) كاتب وشاعر.

[xii]) هي رابطة ثقافية أدبية ضمت نخبة من رجال الاداب والفكر، عقدت أولى اجتماعاتها في دار خليل مردم وانتخبوه أول رئيس لها في العام 1921م).

[xiii])هو سليم الجندي الشاعر والكاتب ولد في معرّة النعمان بسورية عام 1880) وأفنى عمره باحثاً عن شوارد اللغة العربية منقباً في فنونها، وفقهها وقواعدها، وهو من مؤسسي المجمع العلمي العربي بدمشق، توفي عام 1955).

[xiv]) هو شقيق الشاعر الفلسطيني الكبير أبو سلمى الكرمي ولد في طولكرم بفلسطين عام 1894) وتوفي عام 1927)م

[xv])أديب ومؤلف ينتهي نسبة إلى قبيلة تنوخ العربية، ولد بدمشق عام 1889م) وتعلم في مدارسها ونهل العلم والمعرفة من مكتباتها. وتبحّر في علم اللغة إلى أن أصبح عضواً في المجمع العلمي العربي بدمشق توفي عام 1966م).

[xvi])شاعر من أبرز شعراء الشام في القرن العشرين ولد في حي الشاغور بدمشق عام 1897م) وتوفي فيها عام 1980م) مخلفاً العديد من الأشعار الوطنية والقومية حتى لقب بشاعر الوطن.

[xvii])شاعر وكاتب من اللاذقية ولد بها عام 1898م) عضو في الرابطة الأدبية، نزح إلى الأردن عام 1922م) وتقلب في عدة مناصب هناك إلى أن صار رئيساً للديوان الملكي وكان شاعراً وصحفياً وخطيباً له ديوان شعر بعنوان أغاني الصبا*) وأهم مؤلفاته نهج الأدبين القديم والحديث) ورسالة الأدب) توفي بعمّان في 10/3/1970م.

[xviii])هي ماري بنت عبده يوسف العجمي من طائفة الروم الأرثوذكس، أديبة وشاعرة أصلها من سكان حماه ثم انتقل جدها اليان الحموي) إلى دمشق في القرن الثامن عشر، ومن ثم إلى بلاد العجم بقصد التجارة ولدت بدمشق عام 1888م) وانشأت فيها مجلتها العروس) ثم مرضت وتوفيت بدمشق عام 1966م).

[xix])من أهم السياسيين والمناضلين ضد الحكم العثماني ولد في دمشق عام 1886م) في حي القنوات في عائلة عريقة وغنية، ثم سافر إلى باريس للدراسة، وهناك انتسب إلى جمعية العربية الفتاة، ولما عاد إلى دمشق انتخب نائباً عنها في المجلس النيابي ضمن دورات متتالية بين سنتي 1928-1947م) ومرض فدخل مشفى الجامعة الأميركية ببيروت، وانتهت حياته في 2 أيار 1966م.

[xx]) -الحليح، فادية عبد اللطيف خليل مردم، دراسة أدبية في حياته وشعره) دار الفداء، دمشق، ط1- 1991م- ص34.

[xxi]) خليل مردم دراسة أدبية في حياته وشعره، مرجع سابق ص43.

[xxii]) من مقابلة أجريتها مع السيدة فردوس الغزي) في منزل الشاعر عدنان مردم، حيث كان يحدثها الزوج عن مدى احترامه الكبير لأمه فاطمة الحمزاوي) التي كان لها أثر بارز في شخصيته أيضاً. قد لا يكون بالقدر الذي كان لأبيه، لكنه كما تذكر الزوجة كان مسكوناً بذكراها وكان يزور قبرها وقبر والده في كل عيد.

[xxiii]) هو الياس بن سعد غالي. ولد في مدينة دمشق العام 1908م) عمل مترجماً محلفاً في المحاكم ثم أميناً لمكتبة وزارة العدل، ثم رئيساً لديوان القضاء الأعلى، عضو جمعية البحوث والدراسات في اتحاد الكتاب العرب. له العديد من الكتب المؤلفة والمترجمة أهمها رسالة الغفران، والكوميديا الإلهية. توفي في دمشق في العام 1996م).

[xxiv]) من لقاء شخصي مع الأستاذ الياس غالي، عضو اتحاد الكتاب العرب، جمعية البحوث والدراسات، مواليد دمشق 7 أيار 1908م، من أقرب المقربين إلى الأستاذ الشاعر عدنان مردم، في مجالي الأدب والقضاء، كان لا يزال حياً عندما التقيته بتاريخ 19/7/1996م في منزله الكائن في باب توما، الساعة الثامنة مساء، وتشاء الأقدار أن يرتحل إلى جوار ربه في 18 تشرين الثاني 1996م.

[xxv]) من مقابلة أجريتها مع الدكتور إبراهيم كيلاني في مقر اتحاد الكتاب العرب بدمشق، بتاريخ 20/7/1996م الساعة العاشرة والنصف صباحاً.

[xxvi]) من مقابلة أجريتها مع الأستاذ محمود الأرناؤط في مقر اتحاد الكتاب العرب بدمشق، بتاريخ 2/5/1999 الساعة 12 ظهراً.

[xxvii]) من المقابلة إياها مع الأستاذ الياس غالي بتاريخ 19/7/1996م.

[xxviii]) من المقابلة إياها مع الأستاذ الياس غالي بتاريخ 19/7/1996م.

[xxix]) من المقابلة إياها مع الأستاذ الياس غالي بتاريخ 19/7/1996م

[xxx]) أهم الأدباء والشعراء والكتاب الذين كانوا يقصدون دار الشاعر عدنان مردم لحضور ندوته الثقافية الإسبوعية هم:

الأستاذ عبد القادر الأسود رئيس محكمة التمييز بدمشق) توفي عام 1995م.

الأستاذ أدهم الجندي باحث في الأدب وشاعر)، معاصر

الأستاذ أنطون شار قاضي في محكمة الاستئناف) توفي عام 1986م

الأستاذ عبد الحسيب عدي قاضي في محكمة النقض).

الأستاذ رياض الأتاسي قائمقام) بمرتبة محافظ، توفي عام 1996م.

الأستاذ عبد الوهاب الأزرق قاضي في دمشق، وضع دستور الإمارات العربية المتحدة).

الأستاذ الياس غالي أديب وباحث ورئيس ديوان إدارة القضاء الأعلى مدة عشر سنوات، توفي في 18 تشرين الثاني 1996م

الأستاذ محمود غراب أديب وباحث، تركزت معظم أبحاثه على ابن عربي وشرح أهم مؤلفاته، معاصر.

الدكتور حسين عمر حمادة باحث ما زال حياً، عضو اتحاد الكتاب العرب بدمشق

الأستاذ أحمد دهمان باحث وشاعر توفي بدمشق عام 1959م.

الأستاذ حسين دوامنة محام ما زال حياً يرزق بدمشق

الأستاذ رضا العظمة محام ما زال حياً يرزق بدمشق

الأستاذ كامل القصار باحث في المكتبة الظاهرية بدمشق معاصر.

الأستاذ يوسف عبد الأحد باحث، عضو اتحاد الكتاب العرب، ما زال حياً يرزق بدمشق.

الأستاذ عبد الغني العطري باحث ما زال حياً يرزقبدمشق.

الأستاذ عيسى فتوح باحث ما زال حياً يرزق، عضو اتحاد الكتاب العرب بدمشق.

[xxxi]) من مقابلة أجريتها مع السيدة فردوس الغزي) في منزل المرحوم الشاعر عدنان مردم بحضور أبنائها، قتيبة، وضاح، وحسّانة الابنة الوحيدة، امتد اللقاء من الساعة التاسعة مساء يوم الثلاثاء 16/7/1996م وحتى الساعة الثانية عشرة ليلاً تم فيها تسجيل أهم النقاط المهمة لهذا البحث عن الأسرة بكاملها، وعن الشاعر عدنان مردم محور البحث بشكل خاص، وقد شارك الاربعة في هذا اللقاء، وكل منهم أدلى بدلوه فيما يعلم.

[xxxii]) مواليد دمشق 1964م، يحمل إجازة في الرياضيات والفيزياء من جامعة دمشق، ولديه بعض المحاولات الشعرية الواعدة.

[xxxiii]) الابن الثاني مواليد دمشق 1965م، خريج كلية التجارة ويعمل في مؤسسة سياحية.

[xxxiv]) آخر العنقود مواليد دمشق 1/10/1973م خريجة أدب انكليزي، من جامعة دمشق عام 1994م، وطالبة دراسات عليا في قسم اللغة الانكليزية، وفي الوقت نفسه طالبة في المعهد العالي للعلوم المسرحية اختصاص نقد).

[xxxv]) من لقاء مع الدكتور شاكر الفحام، رئيس مجمع اللغة  العربية بدمشق، في إطار لجنة الإشراف على مجلة بناة الأجيال، يوم الخميس الواقع في 25/7/1996م.

[xxxvi]) مردم، خليل محاضرات الخليل في الإنشاء العربي، حققها وعلق عليها عدنان مردم، الشركة المتحدة للتوزيع، مطبعة خالد بن الوليد، دمشق، طبعة أولى، 1405هـ- 1985م، المقدمة ص6.

[xxxvii]) محاضرات الخليل في الانشاء العربي، مرجع سابق، ص8.

[xxxviii]) مردم، خليل أعيان القرن الثالث عشر) لجنة التراث العربي، بيروت، الطبعة الأولى، عام 1971م. ص 10.

[xxxix]) أعيان القرن الثالث عشر، مرجع سابق، ص10.

[xl]) أعيان القرن الثالث عشر، مرجع سابق، ص13.

[xli]) مردم، خليل كتاب الأعرابيات) مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1965م، المطبعة الهاشمية، وقف على طبعه وشرح قوافيه عدنان مردم، وأحمد الجندي، طبعة أولى، ص8.

[xlii]) المصدر نفسه ص9.

[xliii])  مصطفى، لالا باشا: من أمراء الجيش العثماني المقدمين والمشهود لهم بالكفاية الحربية والإدارية. فتح قبرص وتولى الصدارة العظمى رئاسة الوزراء) أيام السلطان سليم العثماني، اختلف المؤرخون فيما إذا كان من أصل عربي أم تركي. ولكن المرجح على أنه عربي، ويؤيد هذا القول ما جاء في كتاب: التاريخ والأزمنة) في الصفحة 169 البطريرك اسفاطانوس الدويهي لأنه يؤكد بأنه عربي، تزوج فاطمة خاتون، حفيدة ملك مصرقانصوه الغوري) والكتاب مازالت تحتفظ به عائلة الشاعر كوثيقة تاريخية على سمّو النسب الذي ينحدر منه الشاعر عدنان مردم.

[xliv]) التاريخ والأزمنة، مرجع سابق، ص169.

[xlv]) مردم، عدنان عبير من دمشق) منشورات عويدات، بيروت، الطبعة الأولى، كانون الثاني، يناير) 1970م ص7.

[xlvi]) عبير من دمشق، مصدر سابق، ص31.

[xlvii]) عبير من دمشق) ص63-65.

[xlviii]) مردم، خليل يوميات الخليل)، ط1، مطبعة الرسالة، بيروت، 1980م، ص1.

[xlix]) مردم، خليل، أبو نواس الحسن بن هانئ)، ط1، مطبعة الملاح، دمشق، 1986م، ص6.

[l]) مردم، خليل، رسائل الخليل) قدم لها ورتبها وشرحها عدنان مردم بك، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى، 1979م، ص8.

[li]) مردم، عدنان، نفحات شامية، قصيدة دمشق التاريخ، ص21.

[lii]) نفحات شامية، مصدر سابق، ص173.

[liii]) نفحات شامية، مصدر سابق، ص188.

[liv]) صفحة ذكرى، مردم عدنان، دار المعارف بمصر، سنة 1961م، ص115.

[lv]) رشاد، أديب علي الشاعر المبدع عدنان مردم بك) مجلة الكلمة، العددان 5و6 أيار - حزيران 1977م، ص 200-201.

[lvi]) القيم، علي عدنان مردم بك) الرائد الحقيقي للمسرح الشعري، جريدة تشرين الدمشقية 1/11/1988 رقم العدد 4313، ص12، عمود أخير.

[lvii]) مدينة أثرية في البلاد الشامية سورية) شمال شرقي حماه. تبعد حوالي 16 ستة عشر كيلو متراً مربعاً عن حماه، حوالي 28 ثمانية وعشرين كيلو متراً عن منطقة سلمية مسقط رأس الشاعر مؤلف هذا الكتاب، التي يقال أن أحد أمرائها عشق أميرة آفاميا، فحفر قناة تحت الأرض، تصل سلمية بآفاميا، وتصل المياه إليها، ولا تزال تسمى حتى الآن بقناة العاشق) وتشير المصادر الأفريقية أن آفاميا خضعت للحكم اليوناني، غير أن أساطير قليلة تذكر أنها خضعت للرومان، وقد أخذ الشاعر عدنان مردم بهذا الزعم لما عرف عن الرومانيين من قوة وحب للفتوح، وتمجيد للواجب.

[lviii]) هي أخت الخليفة العباسي هارون الرشيد: يروى أنها سبب نكبة البرامكة التي أوقعها هارون الرشيد بالبرامكة بعد أن بني جعفر وزير الخليفة بالعباسة سرّاً فثارت الأنفة العربية، واستفزه الغضب وأوقع بالبرامكة دون رحمة ولا هواده. حاول الشاعر عدنان مردم الاستفادة من هذا الحدث تسليم العباسة زمامها لجعفر) هي محور أحداث المسرحية جاعلاً من العباسة الضحية البريئة التي تمثل الأنثى في كل عصر.

[lix]) هي الملكة زنوبيا التدمرية المولد السورية النسب، كانت على غاية من الجمال المقرون بالعفة والشجاعة، شاركت زوجها آذينة في حروبه التي شنها على الفرس، وتمكن من قتل سابور الأول كسرى فارس، كما أنها اشتركت مع زوجها في الوقعة التي دارت بينه وبين جيوش روما في مدينة حمص، وقُتل فيها إثر مصيدة دبرها له الرومان، وحاربت الامبراطور أورليانوس وظهرت عليه في سهول أنطاكية، وإثر الظفر لقبت نفسها سلطانة الشرق) واستتب الأمر لها عدة سنوات إلى أن تم أسرها واقتيادها إلى روما. واختلفت الروايات في مصيرها، حاول الشاعر عدنان مردم أن يجعل من مدينة تدمر وبطلتها زنوبيا مسرحاً لأحداث مسرحية ساعياً لبعث إضاءة من إضاءات التاريخ العربي المشرق.

[lx]) أحد روّاد المتصوفة الزاهدين الحسين الحلاج) فلسف التصوف وأوجد له اصطلاحات جديدة، ومفاهيم جديدة لم تكن له من قبل، فخاف من أفكاره العباسيون، واتهموه بالاتصال بالقرامطة ولم يروا وسيلة للتخلص منه إلا رميه بتهمة الكفر والزندقة، فقتلوه. لقد حاول الشاعر عدنان مردم الاستفادة من هذا الحدث لإظهار حقانية الحسين الحلاج في طروحاته، ويوضح أنه قتل بدوافع سياسية محضة، وليس بدوافع دينية.

[lxi]) هي صاحبة المدرسة الصوفية التي تنفي عن التصوف ضروب التقشف والزهد، لتحل محله فكرة الحب الإلهي الذي يجعل من الحب مصدراً للكشف والكشف، ويحيل الكون إلى أرواح مسبحة باسم الخالق الذي حدا بالشاعر عدنان مردم لتأليف هذه المسرحية هو الاعجاب الكبير، والإكبار الشديد لهذه الإنسانة التي كانت أمه، وأعتقها مولاها لما آنس من كرامتها الكثيرة، لتختار كنفاً خارج البصرة، وتنقطع للعبادة فقط.

[lxii]) مايرلنغ: دارة ريفية، تبعد قليلاً عن فينا عاصمة النمسا، كانت تحكم من قبل القيصر، كان رودولف) بطل هذه المسرحية ولي عهد قيصر النمسا، يتردد على هذه المدينة كثيراً مع صحبه، يلهو ما شاء له اللهو والشباب، فهو محب للقصف والمجون، فقد تورط في حب أكثر من واحدة مع أنه متزوج، وقد شاء القدر أن تقع في حبائل حبه الشريفة آغايا) شقيقة النبيل أدولف) والضابط الأول في الحرب الامبراطوري، وقد أودى هذا الحب بحياتها انتحاراً. وهزت هذه الفاجعة مدن النمسا من ادناها إلى افصاها، استفاد الشاعر عدنان مردم من هذا الحدث ليصوغ بشكل الفاجعة الأسروية التي نكبت بها آل مردم بفقدان الشاب هيثم مردم شقيق الشاعر على أثر مرض عضال في بيروت وهو في ربيع العمر.

[lxiii]) حكيم من حكماء اليونان، عاش عمره لا يملك من دنياه سوى عصا غليظة، وعباءة خشنة يستر بها جسمه، وقدح خشبي يشرب به، فقد قيل كان يخرج في وضح النهار حاملاً فانوساً مضاء وهو يجوب شوارع أثينا. فإذا ما سئل لماذا يفعل ذلك أجاب: إني أبحث عن الرجل، ختم ديوجين حياته حين امتنع عن التنفس ومات منتحراً حاول الشاعر عدنان مردم تصوير مأساة ديوجين النفسية التي كان يحياها في هذه المسرحية.

[lxiv]) هي بلدة صغيرة في جنوب فلسطين تعرض أهلها لأبشع أنواع المذابح البربرية على أيدي القوات الصهيونية في التاسع من نيسان 1948 حين هوجمت القرية الوادعة بأرتال عديدة من الجيوش الارهابية تتقدمها المصفحات والمدرعات، فاستشهد معظم سكان القرية ولم ينج منهم إلا القليل القليل، حاول الشاعر أن يسطر مأساة هذه المذبحة شعراً مسرحياً.

[lxv]) هي قارّة وهمية أول من أشار إليها الفيلسوف اليوناني أفلاطون) زاعماً أن هذه القارة لاصقة بأوربة، لكن العوامل الطبيعية فصلتها عن أوربا وحولتها إلى ناحية مجهولة من الكرة الأرضية، وهي رمز للمدينة الفاضلة التي كان ينشدها أفلاطون. اتكأ على هذا الرمز شاعرنا عدنان مردم ليقول لنا من خلالها: إن الحرية للأمة هي الأصل لازدهار الحضارة البشرية، وليس نظام القوة، والتعسّف، وبناء الجيوش المدججة بالسلاح.

[lxvi]) أحد أعلام المتصوفة، ولد في مدينة سامراء في القرن الرابع للهجرة ونشأ في بيت غنى وجاه، تقلد إمارة دُماوند) في عهد الأمير الموفق) وساهم مساهمة فعلية في الحملات التي كان يشنها الأمير الموفق على الزنج دفعاً لخطرهم الذي كان يهدد الخلافة العباسية. ثم توجه بكليته إلى الله جل وعلا واقفاً نفسه على حبه، اتخذ الشاعر من حياة الشبلي الروحية ومن مجتمع بغداد المادي المضطرم مصدراً لهذه المسرحية.

 

E - mail: aru@net.sy

 

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244