الاتجاه القـومي في مسرح عدنان مردم الشعري - حسـين حموي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:48 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل الثالث

تمهـــيد

لعلّ كثيراً من الفنون والعلوم والآداب، تم اكتشافها عن طريق المصادفة، فالإنسان البدائي الأول، اكتشف النار، عندما كان يضرب بفأسه الحجرية على إحدى الصخور، فتطاير الشرر، وأصاب كومة من القش قرب تلك الصخرة، فاشتعلت النار فيها، ولعلّه اكتشف الكتابة عن طريق تلك الصور التي كان يرسمها، أو بشكل أدق، ينحتها على جدران الكهوف والمغاور الملائمة لسكنه وإغماضة عينيه آخر النهار فيها.، ولعلّه اكتشف المسرح عندما راح يقصّ لمن كان يسكن معه في تلك الغابة، كيف واجه وحشاً كاسراً فانقض عليه، وضربه عدة ضربات على رأسه ثم تعارك معه بالأيدي حتى صرعه، منتصراً، عندما لعلّه حين كان يؤدي تلك الحركات والمشاهد تمثيلاً، كان يؤدي عملاً درامياً، من حيث لا يدري، وذاك كان يصور الحروف الأولى للكتابة الهيروغليفية من حيث لا يدري أيضاً، وهكذا دواليك.

لقد ظلم العرب أنفسهم عندما، أنكروا معرفتهم الدراما في التاريخ القديم وأمعن الآخرون في ظلمهم، حين اعتبروا ولادة المسرح العربي في منتصف القرن التاسع عشر على يد مارون النقاش، والحق، إن العرب عرفوا أشكالاً ومظاهر متعددة للدراما منذ قرون طويلة، في طقوسهم الدينية، وفي احتفالاتهم الاجتماعية، وفي ملاحمهم، ومنافراتهم الشعرية، وثمة إشارات واضحة، بأن العرب لم يعرفوا الدراما المكتوبة، فالعرب الأقدمون كما يقول الدكتور علي الراعي: لم يقرأوا نصوصاً مسرحية قط، لا من فن اليونان، ولا من فنون الشرق الأقصى، فكان المسرح بهذا -كفكرة وفن معاً- غير وارد عليهم... إلا أنهم كانوا يمارسون المسرح دون أن يعرفوا أنه مسرح))[i]).

ويرى ألاردس نيكول في كتابه المسرحية العالمية، ج1، ترجمة عثمان نوية، الصادر عن وزارة الثقافة في الجمهورية العربية المتحدة، أن التسلية المسرحية ومظاهر الدراما، موجودة قبل أن يعرف اليونان المسرح حوالي 490ق. م حين عرض أسخيلوس اليوناني مسرحية الضارعات) في أثينا وفي هذا السياق يقول: إن الكتّاب الإغريق أفادوا الكثير من مسرحياتهم شكلاً ومضموناً من رجال الدين الذين كانوا يمثلون المسرحيات الدينية المقدسة في مصر القديمة التي تصور احتفالات المصريين القدماء بعيد أوزوريس) رب الخصب والنماء، والذين كانوا يقدمونها على شكل رقصات دينية أمام الجمهور[ii]).

إن هذا يعيدنا أيضاً إلى ملحمة جلجامش، وإلى الطقوس الإحتفالية عند الفينيقيين والبابليين، ولعلنا نضرب على غير هدى، فيما إذا حاولنا التقصي الدقيق، لما كان يجري من مظاهر احتفالية دينية ودنيوية في العصور السحيقة، غير أننا نستطيع أن نضع أيدينا على بعض هذه الأشكال، والمظاهر الدرامية، التي مهدت بشكل فعلي لظهور المسرح الإغريقي -كنص، وكعرض مسرحي- على الصورة التي وصلتنا.

إن الرقصات الدينية، والأشعار، والموسيقى التي كانت ترافقها، أعطت لوناً درامياً هو أقرب إلى المظهر المسرحي، كما أن السمار الشعبين قد أسهموا في بناء هذا اللون من الدراما فيما بعد، وكذلك الجوالين من المغنين والممثلين الذين كانوا يطوفون على القرى والمدن، يرقصون ويغنون في قطاف العنب وأيام الحصاد وأيام الأعياد، ويشاركهم الفلاحون والقرويون هذه الإحتفالات.

كل ذلك رسم المعالم الأولى وشكل الركائز الأساسية لنشوء المسرح، وقد أكد المؤلف الروماني لوسيان هذا بقوله: إن التمثيل الصامت عبّر بالحركة عن بعض الشعائر الطقسية الدقيقة لديانة المصريين القدماء مثل أسطورتي أبيس، وأوزوريس)[iii]).

ولم يكن الإنسان المصري القديم وحده مولعاً بالرقص والموسيقا والغناء بل كان الإنسان في بلاد الشام أيضاً، وفي شبه الجزيرة العربية، له طقوسه الدينية والدنيوية، ويحب الرقص، والموسيقا، والشعر والتسلية، ولا يزال أحفاد ذلك الإنسان يحتفظون للشعر والرقص والغناء والموسيقا والتسلية في الحفلات العامة والخاصة؛ بمنزلة أثيرة على نفوسهم، وشعرنا العربي القديم في منافراته، ومناظراته، وقصصه الشعرية؛ ظل عالقاً بالذاكرة، وظل قادراً على أن يؤدي رسالته الشعبية في إطار الدراما، ثم كيف لنا أن ننسى بأن أرسطو) في كتابه فن الشعر) أعطى للشعر المقام الأول في الدراما، وتبعه في ذلك ت. س. إليوت الذي يرى أن الشاعر والإنفعالات في النفس البشرية لا يستطيع النثر مهما بلغ من الجودة والأصالة أن يعبر عنها، وتظل تلك مهمة الشعر، والشعر المسرحي بطبيعة الحال))[iv])، أو كما قال أندري آلتير: ليس المسرح ، والشعر إلا شيئاً واحداً، فكلاهما شهود الإنسان لمصيره))[v])، واشتهر العرب بتراثهم الشعري القديم، وكان الشعر يحمل بذرة الدراما في أحشائه، فقد كان القص أسلوباً متوفراً في أدبنا منذ أقدم العصور، غير أن الشكل لم يكن مركزاً له قواعده، ومقوماته في إطار ثابت محدد))[vi]).

لقد كانت القصة الشعرية المدماك الأول، لبدايات ظهور المسرحية الشعرية التي وصلتنا بأشكال مختلفة، والحافز الكبير للعديد من الفنون لكي تأخذ طريقها إلى إلتقاط صور الحياة الإجتماعية، والإقتصادية والثقافية التي كانت سائدة آنذاك، كما كانت معظم المسرحيات الحكائية التي يتناقلها الرواة عن طريق القص أو عن طريق الإخبار؛ تتمحور حول الأعمال العظيمة، والحروب، والأحداث الهامة التي تصور واقع الحياة وطبائع الناس، ومواطن الخير والشر، والقوة والضعف والجمال والقبح، على لسان شخصيات واضحة السمات والملامح، تمثل معظم الشرائح الاجتماعية، وتعبر عن دفء الحياة الإنسانية، وصدق المشاعر تجاه الأرض والعشيرة والمحبوبة والمعتقد، وجميع القضايا التي تلامس الوجدان، والذات والمجتمع، ولم تكن ثمة فوارق كبيرة بين القصة والأقصوصة والرواية والمسرحية والقصيدة التمثيلية؛ فالقاسم المشترك لهذه الأشكال من الكتابة، هو تصوير الحياة بوقائعها وأحداثها وشخوصها، مع اختلاف بسيط في الأسلوب والسرد، وقد نحا الشعر التمثيلي، والقصة الشعرية السردية منحىً متقارباً، وإن استطاع الشعر التمثيلي أن يصبح أكثر اتساعاً وشمولاً؛ عندما ضم بين جناحيه العديد من الأحداث والعديد من الشخصيات في حوادث تناسب تلك الأحداث، وتتناسب مع وقائع كل شخصية، حيث كان يرى المبدعون أن القالب الشعري أكثر قرباً إلى النفس، وأرحب مجالاً من النثر في التعبير الفني الشعوري، وفي هذا الإطار تتباين الآراء والنظرات؛ فبعضهم يرى أن الشعر لا يتعدى بوح الخاطر والوجدان عما يختلج في ثنايا النفس من إرهاصات، ومشاعر، في حين يرى الآخرون أنه الأداة الأكثر قدرة على شدّ الأنفاس وإيصال الحوار إلى أعمق أعماق النفس الإنسانية.

إنه أمر طبيعي أن تتعدد الأشكال الفنية للإبداع، تبعاً لأسلوب كل مبدع في الجنس الأدبي، أو الفن الذي يبدع فيه ولولا ذلك ما كان هناك هذا التنوع في المدارس الأدبية والفنية التي وصل إليها الأدب والفن هذه الأيام، وما كان هذا التنوع في المظاهر الدرامية في بداياتها الأولى، أو بعد تطورها وتناميها في إطار التأثر والتأثير بالمسارح الأخرى.

وهو ما سوف نضيئ جوانب منه في الأبحاث القادمة.

1- الشعر التمثيلي ومظاهره في الطقوس القديمة

المسرح ظاهرة ثقافية مركبة، يشارك في تكوينها عدة عناصر فنية، أهمها النص المسرحي الذي يشكل العمود الفقري لمجمل العناصر الأخرى، ولأنه كذلك، فهو يندرج تحت سلّم الأدب، كأي جنس أدبي، وتحت سلم الفن، باعتباره يدخل في نسيجه التمثيل، والتصوير، والموسيقى، والخشبة، والإضاءة، والملابس، والديكور، والمكياج، والنظارة، وغير ذلك من المتطلبات الفنية اللازمة للعرض المسرحي.

ومما لا شك فيه، أن المسرح أكثر الفنون استيعاباً للشرط الإنساني، وكشفاً عن الحياة الاجتماعية، والهموم الإنسانية، وتطلعاتها؛ لامتلاكه جناحين يمكنانه من التحليق عالياً في فضاءات الزمان والمكان، وبالتالي في فضاءات التاريخ والمجتمع، وما تفرزه المجتمعات على اختلاف شرائحها من ميثولوجيات وأساطير، وخرافات، وأنساق ثقافية أخرى، أثرت، وتؤثر في تشكيل هذا المجتمع، أو ذاك في المجالات المخلتفة.

إذن المسرح نص أدبي أولاً، له خصائصه الفنية التي لا يمكن أن ينعزل فيها عن الخصائص الفنية الأخرى، لأي جنس أدبي يتقارب معها في البنى الذهنية والثقافية، ولا سيما القصة، والرواية، والشعر التمثيلي، هذه الأجناس الأدبية التي تتحول بفعل تقنية الكتابة المسرحية إلى مجموعة من الحوارات المتداخلة، والمتراكبة فيما بينها، لتؤدي وظيفتها كحدث درامي له مقوماته الفنية المميزة. فهو نص أدبي عندما يكون خطاباً مقروءاً، أما حين يتحول إلى دراما، بعد أن تمتد إليه يد المخرج، ليصبح نصاً ممسرحاً، فإنه يعامل معاملة العرض المسرحي. والمسرح من هذا المنظور، بنية حضارية تدل على مدى تقدم المجتمعات ورقيها، يساهم بفعالية في تطوير تلك المجتمعات، ونموها. لقد كان الشعر منذ بداية التجمعات البشرية موازياً للطقوس الدينية، والدنيوية على اختلاف ألوانها، رافق تصوير الأفعال، والأحداث، والوقائع، والأدعية، والصلوات في معظم المراحل التاريخية إلى جانب الفنون الأخرى التي ساهمت في تصوير هذه الأفعال، ولا سيما القصة الشعرية، باعتبارها تتشابه مع الشعر في التعبير عن أهدافها، بالخلق، والإيحاء، والتأثير، والتمثيل والسرد.

والشاعر بطبيعة الحال، لا بد أن يكون صاحب خيال خصب، يحملنا معه إلى عوالمه البعيدة من خلال اللفظة الموحية، والعبارة المجنحة، وروعة الأداء، وقوة التعبير، وبذلك تحدث المقاربة بين النص الشعري، والشعر التمثيلي إلى درجة التناظر والتماثل أحياناً. ولقد قسم الغربيون الشعر إلى تمثيلي وقصصي/ وغنائي، ولو دققنا في مضمون كل منهما، لوجدنا أن القصة هي الدعامة القوية للقسمين الأولين. وقد بدأ الشعر الغربي قصصياً، حتى يبدو أن القصة نشأت في أحضانه، وترعرت على أنغامه، ثم تطور إلى الغنائي والتمثيلي، بينما الشعر العربي عندنا؛ نشأ غنائياً صرفاً، ولم يتطور ليشمل النوعين الآخرين، وإن ما نجده منهما عند بعض شعرائنا؛ ما هو إلا محاولات فردية، ليست من الكثرة والتنوع بشكل يمكننا أن نعدها اتجاهاً فنياً واضح السمات، والمعالم، أو لوناً شعرياً قائماً بذاته))[vii])إننا حين نقرأ بعض القصص الشعرية في أدبنا العربي؛ تأخذنا الدهشة كل مأخذ، فهي ليست قصة محضة، وليست شعراً محضاً، وربما اختلطت علينا أسباب تلك الدهشة من القالب الشعري الذي انسكبت في إطاره تلك القصة أم بسبب أحداث القصة ذاتها؟

ويخيل إلي أن الوزن والقافية، والجو الشعري الذي تمتلكه طاقات الشعر ذات التأثير المباشر في نفس القارئ والسامع؛ هو السبب المباشر، والأهم في خلق تلك الدهشة، والهزّة الوجدانية.

لهذه الأسباب، فإن الشعر التمثيلي، يحتاج إلى مضاعفة مزدوجة، تقتضي عبقرية خاصة قادرة على تصوير الأحداث، وإبداع الشخصيات المناسبة، كما تقتضي براعة في الأسلوب الذي يفسح المجال للقارئ؛ كي يطوف في مرابع النفس وحنايا الوجدان، ويمكنه من الغوص على أسرار الحياة الإنسانية، والإلمام بمذاهبها، ومثلها، كل هذا في إطار من الأوزان والأنغام، فهل توفر لأدبنا العربي مثل هؤلاء العباقرة من الشعراء؟ وهل وفقوا في نظم شعرهم التمثيلي؟ وبرهنوا بذلك، أن الشعر قالب ملائم للفن المسرحي؟ وهل كان الشعر العربي، هو الأسبق في الدخول إلى نسيج الدراما، قبل غيره من الفنون الأخرى؟

إن الإجابة عن هذه التساؤلات، تقتضي بالضرورة العودة إلى الماضي البعيد، لاستقراء الشعر التمثيلي في بداياته الأولى، مع مكونات الظاهرة المسرحية في التجمعات البشرية البدائية يوم كانت الظاهرة الاحتفالية، تتمحور داخل المعابد في الطقوس الدينية القديمة إلى جانب الكهنة من خلال الرقص بأنواعه الديني والدنيوي والغناء والموسيقا التي تتضمن الإيقاع، ويشارك في أداء الفعل التمثيلي بشكل حي وفعال، عدد غفير من الناس معظمهم من الذكور، تختلف مراتبهم، وأدوارهم، وأساليبهم في الأداء، وكذلك مهماتهم في أثناء تقديم العرض، الذي كان يقدم بدءاً من المعبد وينتهي بالمقابر مروراً بالشوارع، والساحات، ويقدّم أيضاً في ساحات خاصة تقع على مقربة من المعابد كما في مسرحيات التتويج))[viii]).

وليس المجال هنا للتفصيل في النصوص الفرعونية القديمة مثل ايزيس واوزوريس أو إلى مسرحيات التتويج، أو حور وقد لدغته الأفعى) أو إلى النصوص اليونانية القديمة التي جاءت منسجمة مع العقيدة والطقوس الدينية السائدة آنذاك، والتي تشكل الاحتفالات الديونوزوسية أو الباخوسية)[ix])قاعدتها الرئيسية، وتشكل الأناشيد العنزية أو الديثرامب)[x])عموده الفقري إلى جانب الرقص والغناء المرافق لتلك الأناشيد، وما ينطبق على اليونان، ينسحب على عدد كبير من التجمعات البشرية، مع بعض الفوارق في أسلوب الطقس الديني لكل شعب من الشعوب، ومن الملاحظ أن الرقص في أنحاء العالم من أكثر مظاهر العبادة التصاقاً بفطرة الإنسان، وقد تجلى اليوم ولآلاف خلت من السنين في قارة آسيا، ارتباطه بالسحر والابتهال إلى الآلهة، وتهدئة الاضطرابات النفسية حتى لقد أصبح شيئاً عسيراً على الناس أن يستبعدوه من حياتهم كبعض الخرافات)[xi])إذن من خلال هذه الإلماحة السريعة لنشأة الدراما، يتبين لنا أن الشعر، والرقص، والغناء، والموسيقا؛ هذه العناصر الأربعة، شكلت أضلاع مربع المسرح في نشأته الأولى.

واستمرت هذه العناصر الأربعة بنسب متباينة في تقديم الفرجة على النحو الذي نراه هذه الأيام إلى جانب العناصر الرافدة الأخرى التي أضافتها التقنيات الحديثة للمسرح. ففي الجاهلية كانت طقوس دينية ودنيوية تُؤدى بطرائق تمثيلية عند أداء مناسك الحج إلى مكة المكرمة من خلال إنشاء الأشعار والأدعية، والرقص، والأهازيج التي تؤديها كل قبيلة بتقاليد معينة، وقد أشار ابن الكلبي في كتابه الأصنام والأزرقي في كتابه أخبار مكة. وجواد علي في كتابه المفصل إلى هذه الطقوس بالتفاصيل، حيث يقول هذا الأخير: إن الجاهليين مثل غيرهم من الساميين يستخدمون الغناء في عباداتهم، وربما استخدموا معه بعض آلات الطرب، وذلك تعبيراً عن بهجتهم وسرورهم بتعبدهم للآلهة، وتقرباً إليها  بهذا الغناء الذي يدخل السرور إلى نفوسها))[xii])ولم يقتصر هذا الرقص والغناء والأدعية على الاحتفالات الدينية، بل امتد إلى الاحتفالات التي تقام بمناسبة ميلاد شاعر، أو استقبال كبار الوافدين، ولا سيما أهل مكة والحجاز الذين كانوا يستعينون بالعبيد من الحبش وغيرهم للرقص والغناء، كما كانوا يقدمون أصنافاً من اللهو حيث يخرج المقلسون بالسيوف والريحان، وبالدفوف والغناء))[xiii])وهو نوع من الاحتفال الدنيوي التمثيلي، فهناك حركات، وغناء، وأدعية، وموسيقا ومتفرجون، كما كان الاستسقاء[xiv])وما يرافق هذا التقليد الاجتماعي من مظاهر احتفالية تمثيلية. واستمر هذا الطقس الاحتفالي بأشكال مختلفة بعد ظهور الإسلام إلى أيامنا هذه، وقد شاهدت شخصياً هذه الظاهرة في سنوات الجدب في بلدتي سلمية)، حيث كان يخرج عدد من الرجال والنساء والأطفال، في صفوف منتظمة إلى ساحة البلدة، يتقدمهم رئيس الجوقة، وهو ينشد بعض الأدعية والآخرون يرددون خلفه، ومن هذه الأدعية مازلت أذكر المقطع التالي:

يا اللَّه الغيث، يا اللَّه الغيث

بجاه محمد، وآل البيت جود علينا بقطرة غيث.

يا غيمة غيثينا

اسقي الزرع واسقينا... إلخ

وكان بعض الأطفال يحملون بأيديهم العرائس) المثبتة على ألواح خشبية تشبه الصليب.

يصاحب هذا الدعاء ضرب، الدفوف، والرقص ورفع الأيادي إلى السماء، وربما وصل هذا الكورس إلى الجامع المسجد، لينضم إليهم الإمام ويلقي خطبته وصلاته وأدعيته، وأحياناً يأتي الإمام إلى الكورس، ويؤدي بهم الصلاة في الفلاة.

وحددت صلاة الاستسقاء بركعتين فقد جاء في سنن النسائي: خرج رسول اللَّه في الاستسقاء مبتذلاً متواضعاً متضرعاً فجلس على المنبر فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكنه لم يزل في الدعاء والتضرع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيدين))[xv])وكذلك عرف الجاهليون المنافرة)[xvi])ومن أشهر المنافرات في الجاهلية: منافرة عامر بن الطفيل، مع علقمة بن علاثة. منافرة بني فزارة، مع بني هلال، منافرة الفقسي وضمرة، منافرة جرير البجلي، وخالد بن أرطاة الكلبي. منافرة القعقاع بن زرارة بن عدس، وخالد بن مالك. ومنافرة هاشم بن عبد مناف، وأمية بن عبد شمس.

وأكثر ما يتبدى هذا المناخ التراجيدي في الحوار بين البطل والبطل المضاد، فكل منهما يحاول أن يتغلب على الآخر، وهناك الكورس الذي ينشطر إلى قسمين مع كل من البطلين المتنافرين ولعل المنافرة كانت البداية الممهدة))[xvii])لأدب النقائض، الذي ظهر بشكل جلي في العصر الأموي، ولا سيما بين جرير والفرزدق وجرير والأخطل. وقد ذكر أبو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني الكثير من هذه المنافرات كما ساهم السمر بقسط وافر في نسيج هذه الطقوس الاحتفالية القديمة، فقد صار السمر أساساً للقصص العربي والتاريخ الجاهلي، وعلى الرغم من أن طابع السمر، أي القص، والتحدث والإنصات إلى المسامر لا يتفق مع الطابع التاريخي، إلا أنه موّن المؤرخين مع ذلك بشيء من أخبار أيامها، ورجالها في صورة من الصور المعروفة عن القص، ومن ذلك قصص الأيام والأبطال الشجعان الذين ساهموا فيها، قد يكون المتكلم نفسه من شهد الأيام وقاتل فيها، وهذا النوع من السمر، لا يتقيد بالصدق، وبالتعقل، كما أن المسمعين لا يهمهم فيه إذا كان معقولاً أو غير معقول. وكل ما يهمهم منه، هو التلذذ بسماع القصص أو الأشعار أو الأخبار، وأمور الشجعان وغير ذلك....، لهذا كان السمر ألواناً وأشكالاً، منه ما يتناول أخبار العالم، كما وصلت إلى البادية، ومنه ما يتناول أخبار الملوك وأخبار سادات القبائل، ومنه ما يتناول الشعر والمناسبات التي قيل الشعر فيها، ومنه ما يتناول الجن والأساطير والخرافات، وأمثال ذلك من غريب، قد يبهر لب أذكى الناس، ويلهب في السامعين نيران العواطف، فيجعلهم يقبلون على الاستماع إليه بكل قلوبهم، لما فيه من عنصر التصنع في القصّ والإغراب، لأن من طبع الإنسان البحث والتفتيش عن كل شيء غريب عجيب وقد يستدعي الملوك في مجالس أنسهم الخاصة من يضحكهم، ويسليهم، ويجلب لهم البهجة والسرور، من أمثال القصاصين الذين يقصون لهم القصص، والمسامرين الذين يسامرون الملوك بأنواع قصص السمر، والحكايات المضحكة الغريبة، والأمور المثيرة، والمضحكين الذين يأتون بالنكت، وبالأفعال المضحكة لإضحاك الملك))[xviii]).

ولا يزال هذا المسامر، أو القاص، أو الراوي، أو الحاكي المنّدر؛ يلعب دوراً هاماً في الكثير من الأعمال المسرحية التي نشاهدها في أيامنا المعاصرة، وثمة بعض المقاهي في عصرنا، تقدّم بعض القصص والأساطير من التاريخ، والواقع على لسان السامر بأسلوب مشوّق وأداء تمثيلي، وثمة بعض المجالس العامة تعتمد إلى هذا النوع من القصص المرصّع بالأشعار التي قيلت في كل مناسبة من المناسبات، وأحياناً مع الموسيقا والغناء، والناس يتحلقون حول هذا السامر، يصغون إليه باهتمام متشوقين مسرورين، وأحياناً يشدّهم مشهد من المشاهد؛ فيطالبون بإعادته، وأحياناً يغضب بعضهم لموقف من المواقف، فيقف آخرون ضدّه، ويجري صدام بين المتخاصمين، فتكون تلك الخصومة جزءاً من المشهد التمثيلي، ومعظم تلك الوقائع والأحداث التي يرويها السمّار، مستقاة من التاريخ القديم والملاحم والحروب التي جرت في الماضي أمثال حرب داحس والغبراء، وحروب البسوس، ويوم ذي قار، وسيرة أبي زيد الهلالي، وسيف بن ذي يزن، وعنترة، وغيرها، بالإضافة إلى المُلح والنوادر التي كان يسوقها بعض القصاصين السمّار، كأنموذج أشعب أي شعيب بن جبير مولى عثمان بن عفان الذي طالما سمعنا عن فصوله، وملحه، ونوادره، ومواقفه))[xix]).

ولا بد في هذا السياق من الإشارة إلى أن الشعر القصصي حمل بين جوانبه ملامح الشعر التمثيلي، فقد كانت الأراجيز العربية، متضمنة أهم الأحداث والأخبار والوقائع. ليس كما هو الحال في الملاحم الغربية، وإنما من خلال الإيحاء بما يشبه الملحمة، ففي شعر العرب أوصال الملاحم، وأجزاؤها، وعناصرها، بيد أنها لم تجتمع في نسق واحد، ولم تلتق على وحدة جامعة، فما تخلل شعر الأعشى في حديثه عن القرون الخالية، وسير الملوك الأولين، وما نظمه من حادثة السموءل، وقصيدة لقيط بن يعمر، ومعلقة عمرو بن كلثوم، وقصيدة الحطيئة الميمية في تصوير الضيافة العربية، وقصص امرئ القيس، وعمر ابن أبي ربيعة، والأحوص من الغزل، ثم ما يصور الشعر الحماسي من حكايات الأحوال، ومعترك الغرائز والنزعات، كل هذا يعطي مؤشراً واضحاً لوجود ملامح وسمات من الملحمة، لا يعوزها إلا لم الشتات وربط الأجزاء، وتنسيق البنيان في رأي بعض النقاد الذين تناولوا هذه الظاهرة بالدراسة والبحث. يرى المعلم بطرس البستاني أن الأمثلة التي كان بعض الشعراء، يضمنها قصائده، تدخل في زمرة الأساطير، كأسطورة عدي بن زيد) عن الزباء وجذيمة الأبرش) وقصير الذي جدع أنفه، ليأخذ بثأر مولاه، وعن قصة الحية وخدعها لآدم، وأسطورة دروع امرئ القيس، ووفاء السموءل، وكأسطورة النابغة) التي قصها للنعمان عن زرقاء اليمامة) التي عرفت بنظرها الحاد، وما حكي عنها مع سرب القطا، وأسطورته عن الحية والأخوين))[xx]) وإذا كانت قصيدة الحطيئة، تصور العقدة في المشهد التمثيلي حيث لم يجد الحطيئة لضيفه شيئاً من الزاد في تلك الصحراء الموحشة، غير أن يناجي ربه ضارعاً إليه أن يمن عليه بما يكرم به ضيفه، وصوت ابنه يناديه عندما رآه حائراً أيا أبت اذبحني ويسرّ له طعماً) حيث بلغت المشكلة ذروتها، والحبكة شدتها، ثم جاء الحل في النهاية، مناسباً للمشهد التمثيلي. قلت: إذا كانت الحبكة هي محور هذا المشهد في هذه القصيدة، فإن الحوار في قصيدة جميل بثينة وهو يعاتب محبوبته الجميلة التي وعدته وعوداً خلابة، ثم بخلت عليه باللقاء محتجة بأعذار واهية؛ هو محور المشهد التمثيلي أمام القاضي الذي يحتكمان إليه حيث جاء في القصيدة [من الوافر][xxi]):

وأنتَ بما قضيتَ به كفيلُ

 

فقُلنا ما قضَيتَ به رضينا

بما تهوى ورأُيك لا يفيلُ

 

قضاؤك نافذٌ فاحكمْ علينا

وغبُّ الظّلمِ مرتعهُ وبيلُ

 

وقلت له: قتلت بغير جرمٍ

وهل يقضيكَ ذوَ العللِ المطولُ

 

فسلْ هذي متى تقضي ديوني

وشرٌّ من خصومتهِ طويلُ

 

فقالت: إنّ ذا كذبٌ وبُطْلٌ

وما بي لو أقاتلهُ حويلُ

 

أأقتلهُ ومالي من سلاحٍ

له دينٌ عليّ كما يقولُ

 

ولم آخذْ لهُ مالاً فُيلفى

ورأيٌ بعد ذلكمُ أصيلُ

 

وعند أميرِنا حكم وعدلً

أما يُقضى لنا يا بُثْنُ سول؟

 

فقلتُ لها وقدْ غلَبَ التعزّي:

أَطْلَتَ ولستَ في شيءٍ تُطيلُ

 

فقالتْ ثم زجَّتْ حاجبيها

فتُشْكِلُني وإياك الشكولُ

 

فلا يجدنَّك الأعداءُ عندي

ولشاعر الغزل عمر بن أبي ربيعة) عدة قصائد تشبه هذه القصيدة في أسلوبها الحواري وثمة شواهد كثيرة كلها تعتمد على الوصف والحوار أكثر مما تعتمد على الصراع الذي يقوم عليه المشهد التمثيلي، لكنها إلى الملامح الأولى لهذه الظواهر المسرحية أو التراجيدية[xxii])كالنياحة التي تهيج المشاعر وتستمطر الدمع بوسائل مختلفة، يدخل فيها تمزيق الثياب، وشدّ شعر الرأس، وتخميش الوجه بالأظافر، والضرب باليدين على الصدر، يرافق تلك الحركات أناشيد، وأشعار حزينة تثير البكاء عند غنائها، ولا تقتصر على فرد واحد، بل تردد الجوقة بصوت واحد تلك الأناشيد المغناة بما يشبه تماماً أداء الأغاني الرثائية الحزينة عند اليونان، وليس الذي نشاهده في عاشوراء من ضرب الصدر باليدين، والنواح، والغناء الحزين إلا امتداداً لتلك الظاهرة التي تحمل سمات المشهد التمثيلي في المسرح العربي الذي امتزج فيه الشعر بالنثر في أيامه الأولى. ثم تحددت ملامح المسرح الشعري بعد ذلك بشكل مستقل، ثم المسرح النثري الذي اتخذ منحيين: المنحى الأول، يعتمد على الفصحى سبيلاً للحوار، والمنحى الثاني، يعتمد اللغة العامية المحكية أساساً لإيصال الأفكار، ومنحى ثالث، يعتمد الشعر وجه آداة وهدفاً في المسرح، وقد تباينت الآراء، وتعددت النظرات حول الشكل الأسمى لهذه الأنواع الثلاثة في القدرة على الإيصال، والتواصل مع الجمهور، فمنهم من بقي مصراً على أن الأمة العربية أمة شاعرة، والشعر هو ملهمها مؤكداً على أن المسرح لم يتخل ولا بلحظة من عمره عن الشعر، لأن الأسطورة والخرافة وتجنيحات الخيال، تكوينات شعرية سواء صيغت في القصيدة أو في المسرحية أو في الحديث العادي، أي أن الشعر ظل ولا يزال نسيجاً أساسياً في بناء المسرح. حتى في الزمن الذي تخلص فيه مسرح الشعر التقليدي والاتباعي من هيمنة القوالب، وقسوة القواعد، وصخب الإيقاع))[xxiii]) ولم يكن الشاعر والناقد الإنكليزي ت س إليوت إلا واحداً من هؤلاء الذين أكدوا على أن البناء الشعري ضرورة إنسانية في نسيج العمل المسرحي، ونادى بأن المسرح هو الوسط النموذجي للشعر، ضمن الشروط الفنية الرفيعة التي فهمها لتصبح المسرحية الشعرية قادرة على أن تعطي المسرح، ما تعجز عنه مسرحية النثر))[xxiv]).

ويحار المرء حين يحاول الدخول إلى عوالم الدراما الشعرية؛ من أين يبدأ في التأسيس لهذا الفن الذي يعتبره الكثيرون، فناً طارئاً، وجديداً على آدابنا وفنوننا، في حين يعتبره آخرون، بأنه نشأ بين ظهراني الحضارات العربية الأولى، ولعل المرء يقف مندهشاً أمام تلك الأعمال المسرحية العظيمة الخالدة التي لا تزال تُذكّر بنفسها، وبمبدعيها، وعصورها على الرغم من تباين الأزمنة، وتباعد المسافات بيننا وبين من أبدعها، وتباين الآراء النقدية حول نشأتها، فثمة عدد غير قليل، ممن أرخو للمسرح العربي في دور التأسيس، يؤكد أن العرب عرفوا شيئاً من الظواهر المسرحية في حضاراتهم القديمة الأولى ولا سيما الحضارة الفرعونية في وادي النيل، والحضارة البابلية ما بين النهرين) من خلال الأدعية والمهرجانات الاحتفالية، والطقوس الدينية، والدنيوية التي كانت تؤدى على شكل حركات رقصية ترافقها أغان، وأناشيد تتناسب وطبيعة المناسبة، وقد ألمحنا إلى ذلك في بداية هذا الفصل، مؤكدين أن رحلة الشعر مع الدراما قديمة جداً، بدأت مع التشكلات الأولى للمشاهد الاحتفالية الطقسية التي كانت تقام في معابد الآلهة، لمناسبة تولي الملك للعرش، أو الانتصار في معركة من المعارك، أو إقامة الأدعية لمناسبة من المناسبات، وترجع بداية البدايات، للطقوس الدينية الإغريقية التي كانت تقام للإلهة ديونيزيوس- وسيريس، وديميتر) في شهري آذار مارس) ونيسان إبريل) من كل عام احتفالاً بقدوم الربيع وفصول الخصب الزراعية، وقد أشار المؤرخ والمفكر الإغريقي أرسطو) في كتابه فن الشعر إلى نشأة الواقعة المسرحية، والتراجيديا فأرجع أصولها إلى منشدي المدحيات، كما أرجع أصول الكوميديا إلى الأغاني القضيبية))[xxv]).

والمتعارف عليه عند جميع المؤرخين للدراما، أن التراجيديا كانت هي السباقة على الكوميديا، ففي ختام التطوافات الديونيزية، كان الساتيرون أي المداحون الذين يرددون الأغاني الخاصة بتكريم الإله، يكتفون بارتجال تلك المدائح، وبصوت واحد، ولكن فيما بعد أدخلت على تلك الأغاني نصوص شعرية مثبتة، وظلت تحتفظ بطابعها الغنائي، ثم انقسمت الجوقة جوقة الساتيرون) إلى قسمين: أحدهما يسأل، والآخر يجيب، وكانت الجوقة هي التي تؤدي الحوار الدرامي المباشر بوصفها العنصر المسرحي الوحيد حيث كان قائدا الجوقتين يتحاوران فيما بينهما، وبقية العناصر تردد بعض الأناشيد في مقاطع محددة، وتلك كانت بداية لنشوء تراجيديا الجوقة المسرحية، وقد ألف تيسبيس) أول حوار بين الجوقة والممثل الذي يقودها، وقد يكون ذلك في بلدة أيكاروس الأتيكية الإغريقية))[xxvi])ثم خرج بتلك الاحتفالات خارج الأسوار الطقسية، والأبنية المسرحية البدائية الأولى ليجوب البلاد بمسرح جوّال سمي نسبة إلى مبتكره عربة تيسبيس) وفي تألق هذا المسرح وانتشاره، أعظم فترات المسرح التراجيدي، إلا أن هذه الفترة لم تدم طويلاً، فقد اقتصرت على قرن ونصف القرن من النصف الثاني للقرن السادس قبل الميلاد إلى نهاية القرن التالي فيما بين عام 490و 406 قبل الميلاد عندما برزت شخصيات اسخيلوس، وسوفو كليس، واوربيدوس العظيمة التي أسست لنشوء فن التراجيديا، حيث استطاع ايسخيلوس أن يدخل ممثلاً آخر، وأن يحدّ من دور الجوقة، في حين استطاع سوفوكليس، أن يدخل ممثلاً ثالثاً، وديكوراً مسرحياً، وقد امتدت الكوميديا عهداً أطول من 486إلى 291 قبل الميلاد، وهو عام وفاة الشاعر ميناندروس) ويعتبر ارستوفانيس)؛ أول المؤسسين لفن الكوميديا، وقد سميت الفترة الأولى لنشأة هذا الفن فترة الكوميديا الأتيكية القديمة) وكانت نزعتها المتميزة هي السخرية الشخصية، أي تصوير أشخاص في أحجام مشوهة على نحو مثير، فليس فيها ثمة نماذج خاصة، فالشاعر يسخر من بعض معاصريه المشهورين، ويجدد عادات عصره، كما أنه يمارس النقد السياسي))[xxvii])ثم تقلص الهامش النقدي في مرحلة الكوميديا الوسطى في القرن الرابع قبل الميلاد، تبعاً للظروف السياسية التي كانت تحكم أثينا، ثم عاد، واتسع ذلك الهامش في مرحلة الكوميديا الأتيكية الجديدة في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد.

ولا تختلف أشكال التمثيل الكوميدي إلا جزئياً عن أشكال التراجيديا، بل إنها فيما يبدو اقتفت آثارها إلى حد ما، في الوقت الذي تباينت فيه عنها في بعض وجوهها، وما كان يميز الكوميديا بوضوح، هو استخدامها للجوقة، وكثيراً ما أخذ على الكوميديا الأتيكية، سوقيتها وفسقها، وكان لعب الممثلين يساهم في إبرازهما، ولكنها كانت تبدي صراحة، وحرية فكرية، مطلقتين في نقد المسؤولين، والعادات، والمؤسسات، وكان اريستوفانيس) غالباً ما يستخدم الكوميديا، كوسيلة عدوانية للتدخل في شؤون المدينة والهجاء، ولا سيما في مسرحيتي الدوتاليون، والبابليون) اللتين تعارضان سياسة بيريكليس) وقد خصّ كليّون) بنقد لاذع في كوميديته البابليون والفرسان). ولا بد من التأكيد على أنه في التراجيديا، والكوميديا على السّواء كان الرقص والشعر والموسيقا يشكلون ثلاثية الأثافي في البناء الدرامي، يضاف إليهم الغناء أو الشعر المُغنى. فقد كان هناك تداخل درامي موسيقي في النص التمثيلي بين الحركة واللحن والإيقاع والتلاوة أو الغناء)، وكان في بعض الأحيان يبرز عزف منفرد على الناي أو موسيقا تشارك في صياغتها أكثر من آلة موسيقية.

2- وجوه المقاربة والمفارقة بين المسرح الشعري
                      والشعر المسرحي

ثمة ظواهر للمسرح الشعري العربي في عدد من الأساطير والملاحم القصصية أو البطولية، إذا جازت التسمية بشكل خاص، نتلمسها في ملحمة جلجامش، وفي الأساطير والقصص القديمة، كقصص ألف ليلة وليلة، وسيف بن ذي يزن، وتغريبة بني هلال، ثم في بعض القصائد الشعرية الجاهلية والمخضرمة والإسلامية، وما تلاها من عصور، وقد ذكرنا بعضاً منها كقصائد الحطيئة، وعنترة وعمر بن أبي ربيعة التي تحمل في معانيها شيئاً من الحوارات الدرامية. وقد فرق الدارسون بين التراجيديا، والملحمة، والأسطورة، والدراما[xxviii]) فاعتبروا التراجيديا مأساة شعرية تنحصر أحداثها في يوم واحد، أو تتجاوزه قليلاً، في حين أن الملحمة لا تتقيد في حدود زمنية معينة، واعتبروا أن التراجيديا، تفوق الملحمة في بنائها الفني، لذلك فهي تحدث عند المشاهد متعة أعظم مما تحدثه الملحمة، وتفلح أكثر في بلوغ غايتها، وركزوا على أهمية المتعة، لأنها توصل المشاهد إلى المحاكاة، أي التطهير الذي قصد إليه أرسطو في وظيفة المسرح من هذا المنظار، نجد أن رحلة الشعر مع المسرح، كانت رحلة طويلة متكاملة، يتبادلان فيها معاً مهمة الأداء المشهدي الرائع، الشعر في جانبه الإنشادي النغمي الإيقاعي، الوزني، والمسرح في جانبه الحركي، الرقصي، الحواري، الصراعي، التمثيلي. وعلى هذا الأساس ظل الشعر يشكل صيغة الحوار الوحيدة في الماضي منذ أن عرضت مسرحيات ايسخيلوس) على المسرح الأثيني في أوائل القرن الخامس قبل الميلاد، وحتى أواسط القرن السادس عشر، حين بدأت اللغة النثرية، ترجّع الأناشيد، والأشعار الدينية وتمازجها في المشاهد الدينية الكنيسية، وفي بعض المسرحيات الطقسية التي لا بد فيها من إدخال لغة النثر على الحوار الدرامي، ثم عاد الشعر من جديد في القرن الثامن عشر حتى أواسط النصف الثاني من القرن الماضي ليأخذ مكانته، ويشكل صيغة الحوار الرئيسية، ومع تعدد المدارس الأدبية الجديدة التي تتالت بعد الكلاسيكية، بدأ الشعر المسرحي يسجل عداً تراجعياً إلى يومنا هذا، ولعلنا نخالف بذلك رأي الدكتور لطفي عبد الوهاب يحيى) الذي يعتبر أن المسرح صياغة بعض المسرحيات النثرية التي أثبتت عروضها نجاحاً بالحوار الشعري، سواء بشكل كلي أو جزئي، كما هو الحال في مسرحية بجماليون) التي ألفها الكاتب الإيرلندي جورج برناردشو، وعرضت في أواسط العقد الثاني من القرن الحالي، ثم أعاد كتابتها شعراً بشكل جزئي، الكاتب والشاعر الأمريكي المعاصر آلان جي لونر) لتصبح مسرحية غنائية تحت عنوان سيدتي الحسناء) في النصف الثاني من الخمسينات[xxix])إننا لا ننكر على الدكتور لطفي رأيه في أن الشعر، والمسرح الشعري، أخذا يسترجعان شيئاً من مكانتهما في العصر الكلاسيكي الذي حاول أن يرتكز في آدابه على الأساطير، آخذاً من المدارس السلفية، ولا سيما الإغريقية، وتعاليم أرسطو منهجاً تطبيقياً على جميع الآداب والفنون، ولا سيما أن أرسطو يعتبر أن الشعر محاكاة للأفعال الإنسانية، والشاعر في نظره صانع قصص، والمأساة في نظره أرقى أنواع التعبير الشعري، وكان يضع الشعر في المرتبة الأولى بين الفنون. ويقدمه على جميع الأنواع الأدبية الأخرى، بما فيها الملحمة، غير أننا لا نوافقه فيما ذهب إليه أن المسرح الشعري سوف يعاود سيرته الأولى، وتتبعاً لمنهج أرسطو وآرائه، فقد استعاد الشعر في العصر الكلاسيكي شيئاً من هيبته الضائعة في العصر الكنسي، والعصور الوسطى، وحاول أن يتقدم جميع الأنواع الأدبية، ولا سيما في الأدب المسرحي، والدراما حتى نهاية القرن المنصرم، عندما أخذ الرومانسيون الغربيون كرد فعل على السلفية الآخذة بمفاهيم الإغريق، يميلون إلى الرأي الذي يعتبر أن القصيدة الوجدانية القصيرة، هي النموذج مجزوء الكامل للشعر. في حين تبقى المطولات الملحمية والمسرحية مهدّمة بعض الشيء للبناء الشعري الأساسي، وبذلك قلّ عندهم اصطناع الشعر للمسرح، وغلب النثر على التأليف المسرحي، ولم يعد الغربيون بعدها من كافح التيار الرومانسي، ومفاهيمه، وحاول إعادة الشعر للمسرح، وإرجاع ما كان له من مكانة وقيمة[xxx])، ومازالت هذه الآراء المتباينة، تتصارع فيما بينها، بعضها يريد أن يثبت أن الشعر هو لغة الحوار المسرحي الذي لا بديل عنه، لما يتمتع به من طلاوة، ومرونة، وإيقاع. وبعضها يرى أن لغة العصر والحداثة، تفرض أساليب حوارية جديدة أداتها النثر وليست الشعر، ولا سيما اللغة النثرية المبسطة المرنة القادرة على استيعاب جميع الأفكار، والتعبير عن أدق المواقف، في حين أن اللغة الشعرية القاسية الجامدة في قوالب إيقاعية محددة، تعجز عن ذلك وقد بدا هذا الصراع عنيفاً في وطننا العربي بين أحمد شوقي، وعزيز أباظة، وعدنان مردم من جهة، حيث يمثل هؤلاء الشعراء العمالقة الثلاثة؛ ثالوث المسرح الشعري العربي، وبين طه حسين، ومحمد مندور، وشفيق جبري وغيرهم ممن أنكروا حضوره الدرامي على خشبة المسرح، كما أنكروا على الشعر حضوره المسرحي في الدراما، ها هو طه حسين ينفي نفياً قاطعاً صلاحية الشعر للمسرح حيث يقول: إنني لست من الكلفين بالقصص التمثيلية التي تعرض على الناس شعراً في هذه الأيام، وشعراً عربياً بنوع خاص، فقد شبّ التمثيل عن طوق الشعر، وتمرّد على أوزانه، وقوافيه، وآثر حرية النثر وطلاقته، وسماحته على قيود الشعر، وتحجره وصرامته، منذ زمن غير قصير، وأصبحت القصص الشعرية في اللغات الأوربية، نادرة أشد الندرة لا يكاد الناس يقبلون عليها إن وجدت، فإن فعلوا لم يطل إقبالهم عليها، إلا ريثما ينصرفون عنها إلى الحرية الحرّة، والطلاقة الطلقة في هذا التمثيل المفتور الذي لا يكلفهم إلا أيسر الجهد، وأقل العناء، وإذا أضفت إلى ذلك أن أدبنا العربي لم يعرف التمثيل شعراً ولا نثراً إلا بآخره، عذرتني فيما ترى من تحفظي أمام التمثيل العربي الذي يعرض على أذواقنا الحديثة. ولهذا لم أفتن قط بتمثيليات شوقي، تلك التي عرضت على الناس منذ ما يقرب من ربع قرن، ولم أنشط لتمثيل عزيز أباظة، حين أخذ يعرضها على الناس منذ سنين، وكنت أرى هذا كله رجوعاً إلى فن قديم، بعد به العهد، وأسرف في البعد وأقبل الناس على أشياء طريفة هم بها أشد كلفاً، ولها أعظم شأناً))[xxxi]).

وقد ردَّ عزيز أباظة على طه حسين في التقديم الذي كتبه بنفسه لمسرحيته الشعرية شهريار) متحمساً للشعر، وقيمته المسرحية معتبراً إياه أفضل اللغات للحوار المسرحي، ومعدداً أهم السمات التي تتميز بها اللغة الشعرية من اللغة النثرية، ولا سيما في الإيقاع والإيحاء والصلة بالحياة، مدللاً على صحة آرائه بأمثلة عربية وغربية على السواء حيث يقول: الشعر في رأيي، هو أنسب لغة للحوار على المسرح، فللسذج من النظارة القصة، كما يقول إليوت، وللمتأدبين الديباجة المشرقة، ولهواة الموسيقى الإيقاع وجمال النغم، ولذوي الحساسية المرهفة المعاني البعيدة التي لا تلبث أن تنجلي رويداً رويداً. إن الشعر له أثره في ضروب النظارة على تباين مشاربهم، وأذواقهم، ولكنه أثر يختلف منفعلاً باختلاف تذوقهم، واستجاباتهم، والشعر كما نرى يحقق أسمى ما ينشده الفن من تهذيب للحياة، ويسمق إلى مشارف جمالية باهرة قاهرة، تقصر دونها مقدرات النثر العالية العامرة))[xxxii]) كما يقف الشاعر شفيق جبري في صف الدكتور طه حسين مؤكداً أن لغة النثر أصلح للمسرح من لغة الشعر[xxxiii]) في حين وقف الناقد عدنان بن ذريل موقفاً وسطاً بين الشعر والنثر في المسرح، فهو يعتبر محاولات شوقي وأباظة ومردم الذين حلقوا بالمسرح الشعري محاولات رائدة وناجحة، فقد قبلها الذوق الأدبي الحديث عن تحمس في بادئ الأمر، وهي في نظره محاولة إنقاذ للمسرح في تلك الفترة، كان يصعب عليها الحياة لو لم تكن أصيلة، مدعمة بشاعرية جبارة ضخمة كالتي لأمير الشعراء أحمد شوقي حيث يقول: لقد نجحت محاولة أحمد شوقي) في المسرحية الشعرية، ونجحت بعدها محاولة عزيز أباظة) فيها، واليوم تنجح محاولة عدنان مردم بك، ولكن بماذا نفسر هذا النجاح؟ وهو نجاح عربي حديث!!! لقد أتينا المسرح في أخريات نهاراته، ولا نموذج قديم له عندنا نقلده، ولا قواعد مضطردة له قديمة أو حديثة نتبعها، فاتبعنا أصالتنا))[xxxiv])غير أن عدنان بن ذريل يقف موقفاً آخر من المسرح الشعري الذي يقوم على المحاولات الشعرية الحديثة للشعر الحرّ أو شعر التفعيلة، ويتهمه بالعشوائية التي لا ترتكز على مرجعية التراث حيث يقول: ولكن ماذا نقول في محاولات الشعر الحر، أو شعر اللامعقول في المسرح اليوم؟ إنها أيضاً عشوائية لا تستند إلى تراث، أو هي تستند إلى تقليد الغربيين أو إلى الاستجابة لإغراء العروض التمثيلية، والشهرة، وفي ذلك خطر عليها، وخطر أيضاً على الشعر المسرحي العربي المعاصر الذي لهؤلاء الرواد شوقي وأباظة ومردم بك) لأنه الشعر المسرحي الأصولي العمودي المتصل بألف سبب بتراثنا، وأصالتنا، وتفننا، وإنساننا العربي))[xxxv]).

وليسمح لنا الأستاذ الناقد عدنان بن ذريل أن نخالفه الرأي في هذا الجانب، فالشعر الحر الذي يقوم على التوقيع، أو على تعدد التفاعيل وتنوعّها في إطار التموجات الإيقاعية التي يقوم عليها دون التقيّد بالقيود الصارمة التي يتطلبها الشعر التقليدي في البحر الواحد، والوزن الواحد والقافية الواحدة، والروي الواحد، استطاع أن يطوّع اللغة الشعرية إلى لغة درامية حوارية مقبولة، ومستساغة من غير أن يفقد طلاوة الشعر، وبريقه، ونغمة الإيقاع، ومن غير أن يقصر في استيعاب مجمل الأفكار التي تتجسد في شخصيات النص، بما تحمل كل شخصية من تمايزات في الواقع الاجتماعي والثقافي، ولنا على صحة ما ذهبنا إليه العديد من النصوص المسرحية الشعرية التي تحولت من نصوص شعرية ذات أبعاد أدبية، إلى نصوص شعرية مجسّدة فنياً على خشبة المسرح حقق أكثرها نجاحاً، وقبولاً جماهيرياً، يوازي أو يفوق بعض  الأعمال المسرحية التي كتبت نصوصها بلغة النثر. إن توظيف الشعر الحر، أو شعر التفعيلة في المسرح، شدّ أنظار نقاد المسرح وبخاصة المحدثين منهم إلى أن هذه الصيغة من الكتابة المسرحية، هي الأمثل والأفضل لاستمرار المسرح الشعري، وانبعاثه من جديد، بعد أن سجل تراجعاً ملحوظاً في العقود الثلاثة من أواخر القرن الحالي، نذكر على سبيل المثال لا الحصر ثورة الزنج) للشاعر الفلسطيني المرحوم معين بسيسو عمر المختار) للشاعر السوداني محمد الفيتوري مأساة الحلاج، ومسافر الليل، والأميرة تنتظر) للشاعر المصري صلاح عبد الصبور الحسين شهيداً، والحسين ثائراً) للكاتب والشاعر عبد الرحمن الشرقاوي قراقوش) للشاعر الفلسطيني سميح القاسم منسية) للشاعر السوري حسين حموي الممثلون يتراشقون الحجارة) للكاتب المسرحي فرحان بلبل الفلسطينيات) للكاتب السوري علي عقلة عرسان أخناتون) للكاتب اليمني علي أحمد باكثير المخاض) للشاعر السوري ممدوح عدوان عرس حلبي- والسيد) للكاتب السوري عبد الفتاح قلعجي السيل) للشاعر السوري علي كنعان جودو والكنز، والمؤتمر الأخير لملوك الطوائف، الوحش، وأبو حيان التوحيدي، وجميع المسرحيات الشعرية الأخرى التي تربو على اثنتي عشر مسرحية للشاعر السوري خالد محي الدين البرادعي عشرة منها صاغها الشاعر على طريقة الشعر الحر، والتفعيلة، واثنتان بلغة مجنحة قريبة من الشعر، ولا بد من الإشارة أن الشاعر البرادعي يشكل ظاهرة فريدة في المسرح الشعري المعاصر، ليس فقط من حيث غزارة الإنتاج، ولا من حيث الصياغة الشعرية الحداثوية التي تعطيه مجالاً رحباً للتعبير عن الموضوعات والأفكار التي تضمنتها مسرحياته، بل من خلال لجوئه إلى الماضي، واختياره معظم شخصياته وأحداثه من هذا الماضي، ثم صياغتها بطريقة جديدة، يربط فيها ربطاً عضوياً بين المسرح الشعري والتراث بتاريخه، وأساطيره، ومأثوراته، ومن خلال دفاعه عن هذا النوع من الكتابة على صعيد التأليف، والتنظير، وقد دافع في كتابه خصوصية المسرح العربي) الذي خصص القسم الكبير منه للحديث عن المسرح الشعري، ولدراسة أهم المسرحيات التي قاربت هذا المسرح أو جسدته على الخشبة دفاعاً صارماً، حيث يقول: وهذا التوجه في الإبداع المسرحي المعتمد على إعادة صياغة التاريخ، والتراث بما يحقق الروح المعاصرة، ورؤية الإنسان المعاصر، ورؤياه وينفي عنه ليس طبيعة التقليد والتأثير فحسب، بل ينزع عنه خاصة الخضوع للمصطلح، فهي ليست مسرحيات تاريخية، إنها تحتوي التاريخ، وتتجاوزه، وتضيف إليه، وهي ليست مسرحيات سياسية، لأن الفكر السياسي يشغل جوانب من زخمها الفكري، هي في حقيقتها ضرورات لتصحيح المسار الحضاري، تحاول أن تعرض هموم، ومواجع، وطموحات الإنسان العربي الذي يحن إلى الماضي حنيناً شاعرياً سامياً، ويرفض الكثير من سلبيات الحاضر، ويعيش حلماً وشوقاً، وتطلعاً إلى الآتي))[xxxvi])غير أن الشاعر البرادعي رغم انحيازه للمسرح الشعري، والدفاع عنه في كل مناسبة، فإنه لا ينفي دور المسرح النثري وأهميته وفي ذلك يقول: التعاطف الذي أبديناه حيال المسرح الشعري، والمسرح ذي الحضور الشعري رغم نثريته، لا يعني أننا نتبرأ من المسرح النثري الذي يصطدم بالأحداث، أو بالدلالات بصورة مباشرة. بل نحن نطمح بإلحاح لأن نمتلك مسرحاً من هذا اللون، يحتفظ بخصوصية عربية، ولا يشوّه صورتنا في زحام الخطوط المتشابكة، والتيارات المعقول منها وغير المعقول))[xxxvii]).

ألا أنه يشير بإصبع الاتهام إلى المسرح الذي يحاول أن يفلت نهائياً من خصائص التراث، ومن النكهة الشعرية، ويرتطم بأحداثه مباشرة، هذا اللون من المسرح ظل في معظم الحالات أسيراً للتيارات الغربية إلى حد التقليد، والتأثر المباشر، مما أفقده هويته، وذاتيته القومية وإذا جاز لنا أن نستثني العدد القليل من مسرحيات هذا اللون، نستطيع بالطبع أن نرى، أو نقرأ نصوصاً قليلة جداً ظلت متحفظة بالخصوصيات القومية، وتمكنت أن تفلت من ربقة السطوة الأوربية، وسحر إسارها[xxxviii]))) ولا يزال السؤال الذي يطرح نفسه باستمرار ويخالج أذهان الكثيرين من أنصار المسرح الشعري وخصومه هو: هل تستطيع لغة الشعر أن تؤدي الدور الذي تؤديه لغة النثر في المسرح باعتباره أكثر الفنون التصاقاً بالواقع، وأكثرها ملامسة لمشاعر الناس وأفكارهم وحواسهم؟ وأيهما أصلح لهذا الفن؟ لا شك أن الإجابة عن هذا السؤال لن تكون لصالح الشعري حتماً، لأن المسرح الحديث، والتقنيات الحديثة التي لحقت بهذا الفن لم يعد بإمكان المسرح الشعري استيعابها، والتعامل معها فالمسرح الحديث يتطلب بالضرورة لغة مبسطة، لها قوة الدلالة، وأحداثاً متشابهة تعبر عنها شخصيات لا يخلو معظمها من مواقف تتطلب حوارات متباينة تتناسب مع كل شخصية، خالية من البهرجة والمجاز والرنين والبلاغة التي يتطلبها بناء القصيدة. إن الدراما العظيمة لا بدّ أن يساهم في صياغتها كتّاب مبدعون، يعرفون جيداً لغة الخطاب التي تقتضيها الظروف الموضوعية لكل فن، ثم بعد ذلك يطلقون العنان لأخيلتهم وعبقريتهم كي تقدم كل ما هو ممتع ومفيد.

ولا أظن المسرح الشعري الذي أرسى دعائمه الأولى أمير الشعراء شوقي، وسار على طريقه من بعده عزيز أباظة، وعدنان مردم، قادراً على شدّ الجمهور، والصمود أمام المسرح الحديث، بلغته النثرية المفعمة بالحوار الساخن، والتقنيات الحديثة التي واكبت تطور المسرح في الوطن العربي والعالم بما ينسجم مع واقع كل شخصية، والدور الذي تؤديه في سياق الحدث، إن اللغة المسرحية هذه الأيام هي لغة الحدث، وبقدر اقتراب هذه اللغة من شعرية الحدث، واستيعابها لمجريات النص، تكون أكثر قدرة على التواصل مع النظارة.

ولانستطيع مهما امتلكت اللغة خاصّة الدراما أن نحملها وحدها تبعة نجاح أو إخفاق العرض المسرحي الذي يشارك في إنجاحه عناصر متعددة من ضمنها النص المسرحي، وإذا كان ثمة إخفاق لبعض العروض المسرحية المصاغة بلغة نثرية، فإن احتمال الإخفاق في النص الشعري ولا سيما الذي ينتمي إلى الشعر الغنائي التقليدي كبير جداً ذلك أن عالم الشعر الغنائي عالم أحادي ذاتي، إيحائي، نادراً ما يتوافق مع طبيعة المتلقي، أو يلقى استجابة مقبولة لديه، ولا بد لنا في هذا السياق من أن نفرّق بين الشعر المسرحي، والمسرح الشعري فالأول منهما شعر غنائي استخدمت في بنيته الكبرى عناصر درامية، كالحدث، والحوار، والشخصيات، والقناع حسب ما تقتضيه طبيعة كل نص على حدة، ويمكننا أن نقول: إن الشعر المسرحي هو شعر أولاً، ومسرح ثانياً))[xxxix])، وهذا يوصلنا إلى تعريف المسرحية الشعرية: فهي مسرحية أولاً وشعر ثانياً وقد بيّن لويس عوض الفرق بين المصطلحين فقال: والتمييز بين الشعر المسرحي، والمسرح الشعري ليس شيئاً مستحدثاً، ولكنه شيء قديم معروف عرفته كل الآداب التي عرفت المسرح والشعر، الشعر المسرحي شعر أولاً ومسرح ثانياً.

أما المسرح الشعري فهو مسرح أولاً وشعر ثانياً والآداب العالمية لم تتعرف الشعر المسرحي إلا بعد أن جفت ينابيع المسرح الشعري))[xl]) ويعيد لويس عوض غلبة الشعر المسرحي على المسرح الشعري إلى الحركة الرومانسية، فارتفعت نبرة الشعر، وخفضت نبرة المسرح حتى تحول المسرح الشعري آخر الأمر في قمة الحركة الرومانسية الأوربية إلى شعر صرف صراح ليس فيه من المسرح إلا صورته الخارجية، وشكلياته الظاهرية، كالتعبير بالحوار بديلاً من التعبير بالسرد بل أصبح مجرّد قصائد غنائية يتبادل أداءها أشخاص مختلفون))[xli])ولعلنا نجانب الصواب إذا جعلنا بداية المسرح الشعري ونشوءه في العصر الحديث على يد أمير الشعراء أحمد شوقي، والأصح أنه بدأ قبله بزمن بعيد، والمتفق عليه أن ابراهيم الأحدب في القحفة الرشدية 1868) و خليل اليازجي في المروءة والوفاء) أو الفرج بعد الضيق 1876) و الخنساء أو كيد النساء 1877) من أوائل الذين نظموا المسرحيات الشعرية في اللغة العربية، للشيخ عبد اللّه البستاني 1854-1930) خمس مسرحيات شعرية منها مقتل هيروديس وولديه اسكندر وارسطبولس 1889) و بروتوس أي قيصر) و حرب الوردتين) وثمة العديد من المسرحيات التي أشار إليها الأستاذ يوسف أسعد داغر في معجم المسرحيات العربية والمعرّبة) ولكن الإشكالية في هذه المعاجم أن كثيراً من القصائد الموضوعية والشعر المسرحي أضيفت خطأ إلى المسرحية الشعرية كقصيدة المجدلية) لسعيد عقل وسواها وكثير من قصائد جماعة ابولو) وما بعدها ناهيك عن القيمة الفنية المتدنية لكثير من الأعمال المسرحية الشعرية التي جاءت في المعجم إضافة إلى ضياع قسم كبير منها يصعب الحكم عليه، وخاصة في مرحلة البدايات والريادة وهذا ما يجعل البت في هذا الأمر إشكالية وترجيماً على حد تعبير الدكتور الموسى في كتابه المسرحية في الأدب العربي الحديث) الذي يصنّف فيه هذه المسرحيات الشعرية، في قائمتين:[xlii])

قائمة المسرحية الشعرية التقليدية

قائمة المسرحية الجديدة

فالمسرحية الشعرية من وجهة نظره تمثل مرحلة البدايات ومعظمها كتب على الأوزان الخليلية المعروفة، والمهم فيها -تاريخية أو تراثية- أنها استدعت التراث، ولكنها لم تستلهمه أو توظفه توظيفاً معاصراً، ويمكننا أن نعد في هذه القائمة معظم المسرحيات الشعرية قبل منتصف هذا القرن، ففي لبنان مسرحيات الخوري بطرس المكرزل ت1888) استير) وقيصر المعلوف
نيرون 1892) وعبد اللَّه البستاني، وأمين ظاهر خير اللَّه البيان الصراح في نذر يفتاح 1923-السموءل) ويوحنا حداد ابليس) ويوحنا اليشعلاني الأسيرة 1903) وحنا طنوس أمير لبنان وكسرى 1914) و البطل الأخرس 1906) ورشيد الحاج عطية تبرئه المتهم 1819) وعيسى اسكندر المعلوف جزاء المعروف أو جابر عثرات الكرام) وأمين آل ناصر الدين جزاء الخيانة 1908) والياس عطا اللَّه شهداء الغرام 1901) وسعيد عقل بنت يفتاح 1935- قدموس 1945) وغيرهم.

وفي سورية مسرحيات نسيب عريضة ديك الجن الحمصي 1921) و عمر أبو ريشة ذي قار 1932) وبدر الدين الحامد ميسلون) ومسرحيات عدنان مردم غادة آفاميا 1967- العباسة 1968- الملكة زنوبيا 1969- الحلاج 1971- رابعة العدوية 1972- مصرع غرناطة 1973 فلسطين الثائرة 1974 الخ) وسواهم وفي مصر مسرحيات أحمد شوقي علي بك الكبير أو دولة المماليك 1893 ولكنها لم تُنشر إلا في عام 1932 وعدل فيها -مصرع كليوباترة 1929- قمبيز 1931- مجنون ليلى 1931 عنترة 1932- الست هدى كوميديا نُشرت ومُثلت بعد فاته) ومسرحيات عزيز أباظة قيس ولبنى 1942- والعباسة 1947- الناصر 1950- شجرة الدر 1951- غروب الأندلس 1952- شهريار 1955- أوراق الخريف 1957- قيصر 1967- زهرة 1968) ومسرحيات أحمد زكي أبو شادي الألهة 1927- إحسان 1927- أردشير وحياة النفوس 1928- الزباء أو زنوبيا ملكة تدمر 1957 وسواها) وعلى محمود طه أرواح وأشباح 1945 وثمة مسرحيات متشابهة في العراق لعبد الغني الملاح مجد الزهور 1949) وخالد الشواف، وفي حضر موت لعلي أحمد باكثير همام 1934، أخناتون ونفرتيتي 1940، قصر الهودج 1944) وغير ذلك كثير وإذا تلمسنا أسباب إخفاق المسرحية الشعرية التقليدية في أن تكون مسرحية، وجدنا أن أهمها أن الشعراء كانوا غنائيين قبل أن يكونوا مسرحيين، وأن الشكل الشعري القديم غنائي، وهو متأصل في الغنائية الشعرية العربية. ولذلك لم يساعد على رسم الشخصيات والحوار، وبناء الحبكة، فهو ذو إيقاع أفقي أحادي يتلاءم والإحساسات المباشرة أكثر مما يتلاءم والنمو المسرحي، وهو ليس إيقاعاً سيمفونياً متعدد الأصوات، أو ذروياً يتلاءم والبناء المسرحي الذي يقوم على الصراع والتأزم، والعقدة، والذروة، والتلّون.

أحادي الاتجاه، ولكنه في المسرحيات متعدد، يتلّون بتلّون الشخصيات، والوزن في القصيدة الغنائية، وتنوعها ويختلف بين موقف وآخر عن الشخصية الواحدة وقد حاول الشعراء - منهم أحمد شوقي- أن يستعينوا على ذلك بتعدد الأوزان والقوافي في العمل المسرحي الواحد ولكنهم لم يفلحوا في الوصول إلى المسرحية الشعرية لأن الشعر بشكله القديم لا يطاوع العمل المسرحي ولا يناسبه، وقد استطاع شعراء المسرحية المعاصرة التغلب عليه بالشكل الجديد، وإن ظل بعض هؤلاء الشعراء غنائياً داخل المسرحية، ويعود ذلك إلى أن معظمهم وفد إلى المسرحية من الشعر الغنائي فظلت الغنائية عالقة في مسرحياته، أو هي تسللت من قصائده الغنائية إلى مسرحياته، وبخاصة إذا كان يزاوج بين الجنسين في فترة واحدة.

ومع ذلك كله فإن تغيراً ملموساً قد طرأ على بنية المسرحية الشعرية المعاصرة بثقافاتها، وخصائصها بالثورة على الوزن الشعري الغنائي ذي الشطرين، وباستفادتها من الثقافة المسرحية العالمية فكان لموليير، وشكسبير، وبريخت وغيرهم بصمات واضحة في المسرحيات النثرية العامة، والمسرحيات الشعرية بخاصة تجلى ذلك بوضوح من خلال خلق واقع فني بديل من الواقع يرتكز على التراث، والإسقاط التاريخي، وإيجاد مقاربة بين الماضي والحاضر بالإعتماد على حادثة تاريخية في البناء العام للمسرحية أو على رمز تاريخي ثم توظيف ذلك وإسقاطه زمانياً ومكانياً على الواقع الراهن فقد التجأ الشاعر يوسف الخال في مسرحيته الشعرية هيروديا) إلى إنجيل متى [الفصل الرابع عشر] ليستقي منه مادته، وهي تتناول مشكلة يوحنا المعمدان مع هيردوس وهيروديا ليعبّر من خلال المعمدان عن مشكلة الإنسان المعاصر الذي يرى الفساد، ولا يسكت عنه))[xliii]).

والحال كذلك في معظم مسرحيات خالد محي الدين البرادعي، وصلاح عبد الصبور، فقد استفاد هذا الأخير من مسرح بريخت في عملية التغريب وكسر الإيهام المسرحي الذي يطلق عليه أيضاً اسم المسرح الملحمي أو المسرح التعليمي وهو يقف على النقيض من المسرح الأرسطي المؤسس على قاعدة المحاكاة وإيهام المتلقي بأن ما يجري أمامه على الخشبة هو حقيقة، بينما المسرح البرختي، يقطع سلسلة الإيهام، ويوقظ الذهن مذكراً المتفرجّ بأن ما يشاهده هو عرض مسرحي عليه أن يفكر تفكيراً منطقياً عقلانياً بكل ما يجري، ففي مسرحية بعد أن يموت الملك) لصلاح عبد الصبور تقف المرأة الأولى في الفصل الثالث لتقول:

المرأة الأولى: هذا هو الحل الثاني - سيداتي وسادتي- ولا ندري هل أعجبكم- درامياً بالطبع- أم لا، فنحن نحكي لكم حكاية وهمية كما ترون ولكننا سنعرض عليكم الحلّ الثالث كما وعدناكم، وفي إمكانكم عندئذٍ أن تقارنوا بين الحلول المختلفة[xliv]) وتحقيق التغريب، وكسر الإيهام المسرحي في المسرح الملحمي حين لا تجسد الأحداث على المسرح، ولكنها تروى فبهيّة) في مسرحية آه يا ليل يا قمر) لنجيب سرور تروي معاناتها بعد استشهاد زوجها الأول ياسين، وتروي كيف استطاعت أن تنساه وتحب صديقه أمين، ويروي أمين كيف أحب بهية بعد وفاة ياسين، ثم تسرد بهية معاناتها بعد أن غادرت قرية يهوت إلى مدينة بور سعيد[xlv])، كما يتحقق توظيف المسرح داخل المسرح لإدخال شخصيات تاريخية، أو أحداث تاريخية في متن النص المسرحي المعاصر كمسرحية الممثلون يتراشقون الحجارة) لفرحان بلبل ومسرحية ليلى والمجنون) لصلاح عبد الصبور ومسرحية الحسين ثائراً) لعبد الرحمن الشرقاوي.

أخيراً لا بدّ من القول: إن هناك مقاربات وتداخلات كثيرة بين المسرحيات الشعرية التقليدية، والمسرحية الشعرية المعاصرة، وفي الوقت ذاته ثمة مفارقات تشير إلى نوع من التباين أو الاختلاف، في مقدمتها اللغة فالشاعر الغنائي شاعر لغة قبل كل شيء والشاعر المسرحي شاعر مسرح وهذا يعني وجود اختلافات بين لغة الشعر الغنائي وبين اللغة الشعرية في المسرحية، أو بين اللغة الشعرية في كتاب، وبين اللغة الشعرية على الخشبة))[xlvi]).

إذا كان هم الشاعر الغنائي أن يفجّر اللغة، ويأتي بأروع الصور البيانية والمجازية، فإن هم الشاعر المسرحي ينبغي له أن يبتعد عن ذلك بعداً كبيراً، لأنه يكتب مسرحية ولا يكتب قصيدة، وشتان ما بين الحالتين فاللغة في القصيدة غاية في ذاتها، بينما في المسرحية الشعرية وسيلة لغاية أخرى، إنها لغة مسرح للفرجة قبل أي شيء))[xlvii]).

يضاف إلى ذلك الصراع والشخصيات، وأسلوب الحوار، والموضوعات.

من هذا المنظار نستطيع القول: إن المسرح الشعري بأشكاله التقليدية القائمة على التقييد الحرفي بالوزن والروي والقافية، وعلى بهرجة اللغة وتزيينها، وعلى الاتكاء على الموروث والتاريخ أثبت تراجعه وإخفاقه، وقد حاول مناصرو المسرح الشعري المعاصر بأشكاله التحديثية أن يعيدوا إلى هذا النوع من الكتابة حضوره على الخشبة، غير أنه هو الآخر لم يحقق النجاح المطلوب باعتباره بقي مشدوداً إلى تلك الغنائية التي توارثها عن شوقي وأباظة ومردم وغيرهم، وبقي صوت الشاعر أقوى من صوت الشخصيات التي ينبغي أن تفصح عن نفسها بلغتها، نعم على الرغم من تعدد الأوزان والتفاعيل، وتوظيف التقنيات الحديثة في المسرح الشعري المعاصر، فقد بقي عاجزاً عن تحقيق التواصل والتفاعل الحقيقيين مع الجمهور على الخشبة بالقدر الذي يحققه كنص أدبي، يمتع القارئ ويقبل على قراءته كشعر يحمل نكهة الدراما، ولا شك أن الحركة النقدية التي يفترض بها أن تواكب الحركة الأدبية والفنية معاً، معنية بتسليط الضوء على النص المسرحي الشعري الذي يصلح للتجسيد على الخشبة، وعلى النص الذي يندرج في سياق الإبداع، وربما يقع على المخرجين المسرحيين والسينمائيين مثل هذه المسؤولية أيضاً.

 



[i]) الراعي علي. المسرح في الوطن العربي، سلسلة كتب ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، رقم 248، آب، ط2، 1999م، ص62.

[ii]) الشريقي، خالد، لمسات درامية في مصر القديمة) مجلة الفيصل، العدد 273، حزيران 1999م، ص61.

[iii]) المرجع السابق، ص63.

[iv]) الأحمد، أحمد سليمان دراسات في المسرح العربي المعاصر)، دار الأجيال، دمشق، ط1، 1973م، ص7.

[v]) المرجع السابق، ص7.

[vi]) مريدن، عزيزة، القصة الشعرية في العصر الحديث، دار الفكر، دمشق، ط1، 1984م، ص13.

[vii]) القصة الشعرية في العصر الحديث) ص22.

[viii])عقلة علي، د. عرسان، الظواهر المسرحية عند العرب) الطبعة الثالثة، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص17.

[ix]) هي احتفالات سنوية كانت تقام في اليونان القديمة إحياءاً لذكرى الإله باخوس أوديوينزوس إله الخمر والكروم، تحييها مجموعة من المنشدين في إطار طقس خاص له مقوماته وتقاليده.

[x]) كلمة يونانية تطلق على نوع من الشعر كان يغنيه فريق من المنشدين كورس- جوقة) في اليونان القديمة وهو الأصل في نشأة المسرحية، وأغلب الظن أن أغاني الديثرامب وهو الشعر المسرحي الذي يحوي في طيّاته قابلية التلّون والصياغة في شكل حوار ويطلق على هذه الأناشيد اسم الأناشيد العنزية أيضاً، وقد تطورت أناشيد الديثرامب على أيدي شعراء المأساة اليونانية فأدخل تسبس وفرانيخوس رئيس الجوقة أو رئيس المنشدين الذي يتبادل الحوار مع الجوقة ثم أدخل اسخيلوس الممثل الأول فأصبح هناك حوار بين الجوقة ورئيسها من جهة وبين المممثل من جهة أخرى، وأدخل سو فوكليس العظيم الممثل الثالث والرابع. وبذلك أخذت الأناشيد العنزية صيغة مسرحية فيها حوار وصراع وموضوع، وظهرت منها التراجيديا، وقد كان الأساس في ذلك كله أناشيد الديثرامب التي ينظمها شاعر وتلقيها الجوقة أي فريق المنشدين، فالديثرامب إذن هي الأغنية العنزية أو الأناشيد العنزية التي كان يتغنى بها الكورس في اليونان القديمة، ثم أدخل الشعراء المسرحيون على هذه الأناشيد تطويرات على مر السنين، وأدخلوا شخصيات، وخلقوا الحوار، فأخرجوا من ذلك كله التراجيديا فخر المسرح العالمي على مَرّْالعصور.

[xi]) باورز، فوبيون المسرح في الشرق) ترجمة أحمد رضا، محمد رضا، ومراجعة محمود خليل النحاس، منشورات دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، القاهرة، الطبعة الأولى، ص 24.

[xii]) الظواهر المسرحية عند العرب) ص 45-46.

[xiii]) الظواهر المسرحية عند العرب، مرجع سابق، ص 48.

[xiv]) الاستسقاء: طقس عربي عرف منذ عاد) التي جاءت تستسقي في مكة حينما أصيبت أرضها بالقحط، تؤدي فيها هينمة، أي ترنم بأدعية، تقوم بها القبيلة وعلى رأسها القيل) وهم يصلون ويقرعون الطبول ويبكون، ويقدمون الذبائح تقريباً وتكفيراً وكثيراً ما كانت تقدم ذبائح الاستسقاء عند مناة) كأنها آلهة النوء والمطر.

[xv]) المرجع نفسه، ص51.

[xvi]) جاء في لسان العرب المحيط نفر) نافرت الرجل منافرةً، إذا قاضيته، والمنافرة: المفاخرة، والمحكمة في الحسب، قال أبو عبيد: المنافرة: أن يفتخر الرجلان، كل واحد منهم على صاحبه، ثم يحكما بينهما رجلاً، كفعل علقمة بن عُلاثة مع عامر بن طُفيل، حين تنافرا إلى هرم بن قطبة الغزاري، 3/686.

[xvii]) الظواهر المسرحية عند العرب)، ص62، وما بعدها، نقد اعتمدنا عليه في استخلاص أهم الإشارات الدالة على الظاهرة المسرحية في طقوسنا القديمة.

[xviii]) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) 5/34/38.

[xix]) ولد أشعب وهو شعيب بن جبير في المدينة المنورة سنة 9 للهجرة وكان والده من مماليك عثمان ابن عفان، عُمّر أشعب حتى هلك في أيام المهدي، وقد ربي في كنف آل أبي طالب، وقد حرر يوم أغمد سيفه أول من أغمد أثناء حصار عثمان، كان خفيف شعر اللحية والحاجبين أشطاً) قصيراً دميماً قليل اللحم، أزرقاً، أحولاً، أقرعاً، ذكياً خفيف الروح، أطيب أهل زمانه عشرة، وأكثرهم نادرة، وأحسن الناس أداء الغناء سمعه، من قراء القرآن، كان أقوم أهل وهرة بحجج المعتزلة الظواهر المسرحية عند العرب، ص 89).

[xx]) القصة الشعرية في العصر الحديث) ص35-36.

[xxi]) المرجع السابق ص35.

[xxii]) التراجيديا: كلمة قديمة وفدت علينا مع الفن المسرحي ومعناها المأساة) أي المسرحية التي يكون فيها الطابع الجدي وهو الطابع المسيطر على الحوادث والمواقف والحوار، والشخصيات ولا يكون فيها مجال للإضحاك أو التهريج والتنكيت، وقد أشار أرسطو قديماً إلى أن التراجيديا أو المأساة هي المسرحية الجادة المكتملة والتي تثير فينا انفعالي الخوف والشفقة، فتحدث في نفوسنا التطهير، أي تجعلنا نحس بالتعاطف مع أشخاص المسرحية ونخشى مصيرهم، ولذا ترق نفوسنا، وتلين وتسمو أرواحنا وعقولنا والتراجيديا كلمة مشتقة من كلمتين هما:

                تراجوس ومعناها ماعز و إيدي) ومعناها أغنية أو غناء. وقد أدغمت الكلمتان وخرجت منهما كلمة تراجيديا) ولهذا أسباب تتعلق بنشأة المسرحية كفن. إذ يروي أن ديونزوس) أو باخوس) إله الخمر والكرمة عند اليونانيين قد وفد إليهم من آسيا الصغرى، وكان يتجول، ويشرب الخمر ويغني وهو يرتدي لباساً من جلود الماعز، وأصبح لباخوس أتباع يجالسونه، ويشربون معه، فيستخفهم الطرب، فيرقصون، ويغنون، وهم يلبسون جلود الماعز، وسميت أغانيهم لذلك بالأناشيد العنزية التي نشأت منها التراجيديا، وقد كان الشعراء ينظمون قصائدهم التي تثبت آلامهم، ويلقونها في أعياد هذا الإله، وهم يرتدون جلود الماعز تشبهاً به، وكان أفراد الجوقة) أو فرقة المنشدينالكورس) يشاركون الشاعر بالغناء وهم يرتدون جلود الماعز أيضاً، ومن تطوير الشعراء لهذه الأناشيد، وإدخالهم الحوار في صلبها نشأت التراجيديا.

                ويرجع بعض الباحثين هذه التسمية إلى عدة أسباب أخرى، فيقول بعضهم: إن السبب في هذه التسمية هو أن أتباع الإله ديونزوس) كانوا يقدمون لآلهتهم قرابين من الماعز، ويعزو فريق آخر التسمية إلى أن فرقة المنشدين كانت تتلقى في نهاية الإنشاد هدية قوامها الماعز.

                وأياً كان منشأ التسمية، فالثابت أن كلمة التراجيديا أتت من إدغام الكلمتين تراجوس) أي ماعز و ايدي) أي أغنية، ونشأت من الأغاني العنزية أو الديثرامب) كما يسمونها، والتي كان ينشدها الشعراء في أعياد ديونزوس) في اليونان القديمة التراجيديا ومعناها المسرحية ذات الطابع الجاد، والتأثير المحزن الرصين، والمضمون العميق الظواهر المسرحية عند العرب،
ص 139-140).

[xxiii]) د. البرادعي، خالد محي الدين خصوصية المسرح العربي) منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط1، 1986م، ص74.

[xxiv]) عبد الصبور، صلاح من المقدمة التي كتبها لمسرحية إليوت جريمة قتل في الكاتدرائية)) وترجمها ونشرها ضمن سلسلة المسرح العالمي، الكويت، كانون الثاني، 1982م.

[xxv]) باندولفي، فيتو تاريخ المسرح)، ترجمة الأب الياس زحلاوي ط1، وزارة الثقافة، دمشق/ 1981م، ص45 والتطوافات القضيبية: هي تظاهرات صاخبة ذات طابع عائلي، كانت تقام تكريماً للخصب في المواكب الريفية القضيبية المسامة ليفيئية) وفي التقليد الجوال لبعض الفارسات الشعبية: تلك هي أغاني القطاف.

[xxvi]) تاريخ المسرح ، مرجع سابق، ص 46.

[xxvii]) المرجع السابق، ص48.

[xxviii]) الدراما Drama) نعني بها الأداء المسرحي، وليس الكتابة أو القراءة أو الاستماع فقط، بمعنى أنها النصوص أو المشاهد الاحتفالية التي تؤدي على شكل عروض. إذن هي مجموعة الأفعال التي يتألف منها النص المكتوب للمسرح، مقدّمة في إطار معين، ومن خلال أشخاص يحسمون المواقف والأفعال والإرادات، والمشاعر المتصارعة على خشبة المسرح، وتقابل كلمة المسرحية في لغتنا العربية، تلك الكلمة في اللغات الأجنبية، فالدراما أو المسرحية هي أية قصة كانت لتمثل على المسرح بواسطة ممثلين، وصيغت في قالب حواري يضمن أساس البناء المسرحي، سواء أكانت هذه المسرحية مأساة أو ملهاة، نصها محزن كله، أو مضحك كله، أو يختلط فيه الإضحاك بالدموع. وكثيراً ما يستعمل لفظ الدراما) استعمالاً عامياً أو استعمالاً بعيداً عن الدقة، فيطلق على أي فعل مؤثر أو محزن أو مثير، وهذا الاستعمال المضلل يسيء إلى المعنى الأصلي المقصود للكلمة، ويمكن أن يرد هذا الاستعمال البعيد عن الدقة للكلمة إلى طبيعة الحوادث والأفعال المسرحية، فهي حوادث وأفعال مركزة، فيها كثير من الإثارة وفيها الترابط الفني والبناء التركيبي المحكم الذي يجعلها تتمتع بطبيعة خاصة تختلف عن طبيعة الحوادث والأفعال العادية في الحياة العامة، فهي حوادث وأفعال لا تحدث إلا على المسرح، ومن هنا جاء ذلك الخطأ في استعمال الكلمة للدلالة على الأفعال المدروسة أو المتقنة، أو غير المتوقعة، ولا موجب للخلط في استعمال هذه الكلمة ومدلول كلمة أخرى هي الدرام) دون ألف في نهايتها، وهو نوع من أنواع المسرحية تعالج مشكلات معينة، وتختلف عن الملهاة بأنها تحافظ على الملامح الفردية الإنسانية المميزة للشخصيات، ولا تطمسها، فتجعلها أنماطاً، كما أنها تحتفظ للعاطفة بشيء من العمق وتلقي صبغة أخلاقية على العمل أثناء عرضها المشكلات التي تعالجها. ومن أهم هذه المسرحيات التي يمكن أن نأخذها كأمثلة على الدرام مسرحيات الكاتب الإنكليزي كوتنربيو) التي كانت تجد رواجاً شعبياً منقطع النظير في انجلترا ومسرحية دقة بدقة) للشاعر الانجليزي العظيم شكسبير الظواهر المسرحية عند العرب، ص 157-158).

[xxix]) حموي، حسين المسرح الشعري ولغة الدراما الموازية للعصر) مجلة الفكر العربي، العدد (69) ، عدد تموز آب أيلول 1992م، السنة الثالثة عشرة، ص 172.

[xxx]) بن ذريل، عدنان في الشعر المسرحي) دار الأجيال، دمشق، ط1، ص88.

[xxxi]) د. حسين، طه من مقدمته لمسرحية غروب الأندلس) للشاعر عزيز أباظة ط1 عام 1952م، المقدمة هـ وز.

[xxxii]) أباظة، عزيز من مقدمته لمسرحية شهريار) من تأليفه، ط1، عام 1955م، المقدمة ص ي ن.

[xxxiii]) في الشعر المسرحي) ص14.

[xxxiv]) مقدمة مسرحية شهريار، مرجع سابق، ص 14.

[xxxv]) المرجع السابق، ص 15.

[xxxvi]) خصوصية المسرح العربي) ص 83.

[xxxvii]) المرجع السابق ص 83.

[xxxviii]) المرجع السابق ص 84.

[xxxix]) د. الموسى خليل المسرحية في الأدب العربي)، منشورات اتحاد الكتاب العرب، ط1 1997م
ص 42.

[xl]) د. عوض لويس دراسات عربية وغربية)، دار المعارف بمصر، 1965م، ص 100.

[xli]) دراسات عربية وغربية، مرجع سابق، ص101.

[xlii]) المسرحية في الأدب العربي الحديث) ص42 وما بعدها.

[xliii]) المسرحية في الأدب العربي الحديث) ص69.

[xliv]) المسرحية في الأدب العربي الحديث، مرجع سابق، ص70.

[xlv]) المرجع السابق، ص70.

[xlvi]) المسرحية في الأدب العربي الحديث) ص74.

[xlvii]) المرجع السابق، ص75.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244