|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:49 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
إشارات حول سيرورة المسرح السوري
المعاصر)
حين نقرأ النصوص المسرحية التي رسمت
المعالم البارزة للحركة المسرحية في سورية، ونرصد حركة هذه النصوص في مسارب
الإبداع الأدبي كأدب، أو فوق الخشبة كمسرح، لمعرفة البواكير الأولى لهذه النشأة،
وحركة تطورها على مدى قرن ونصف من الزمن، تبدأ في النصف الثاني من القرن التاسع
عشر مع أبو خليل القباني 1833-1902) وتنتهي في أواخر هذا القرن الذي يشرف على
نهايته مع المسرح البانورامي المتعدد الأشكال والمضامين، وحين نتفحص بيبلوغرافيا
العروض المسرحية التي قدمت على مسارح القطر العربي السوري، خلال هذه المرحلة
التاريخية؛ نجد أنفسنا أمام إشارات مضيئة، وأعمال مسرحية ذات مستوى فني رفيع،
وأخرى معتمة لاترقى إلى مستوى الإبداع الأدبي أو الفني. وهي على اختلاف مستوياتها
تشكل في مجملها سيرورة النصوص، وخطوطها البيانية ارتفاعاً وانخفاضاً، وهوية المسرح
السوري أو الخصائص المميزة لنصوصه وعروضه في آن معاً. وأهم هذه الإشارات: أولاً:
إن العروض التي قدمت لم تكن منتظمة ومستمرة، فكثيراً ما كان ينتابها سكون وجمود
يستمر عدة أشهر، وفي بعض الأحيان تفيء إلى الانقطاع سنة أو سنتين، خوفاً من أصحاب
العقول السلفية المغلقة الذين كانوا يثيرون غضب الحكام والناس، على أولئك الفنانين
ويتهمونهم بالإساءة إلى تعاليم الدين، وبالكفر والإلحاد كما فعل الشيخ سعيد
الغبرا) عندما ذهب إلى الآستانة واشتكى إلى السلطان، بعد أن عجز عن إيقاف تجربة
القباني بنفسه قائلاً له: أدركنا يا أمير المؤمنين، فإن الفسق والفجور قد تفشيا
في الشام فهتكت الأعراض، وماتت الفضيلة، ووئد الشرف، واختلطت النساء بالرجال))[i]). ومن
المؤسف حقاً أن السلطان استجاب لطلبه، وأمر والي دمشق، بإغلاق المسرح فما كان من
الجهلاء الحاقدين على الإبداع والفن أن اقتحموا أبواب مسرح القباني وأشعلوا فيه
النار مجهزين على أول تجربة مسرحية وليدة في المسرح السوري، مما اضطر أبو خليل
القباني أن يسافر إلى مصر عام 1884م ، ويتابع مسيرته الفنية هناك،، ولعلّ أمثال
هذه الحوادث، وعدم توافر الرصيد المالي الكافي، والمكان المناسب للعرض، وعدم
الراغبين في التمثيل، ولاسيما من النساء حيث كان الذي يمثل على الخشبة، يتهم بسوء
الأخلاق أو اتهامات أخرى، لعل ذلك كان من الأسباب التي أدّت إلى إصابة المسرح
بنوعٍ من السكون والجمود، وأحياناً بالتعثر والانقطاع عن متابعة عروضه عدّة أشهر،
وربما عدّه سنوات. الأمر الثاني:
الذي يثير الانتباه والملاحظة في سيرورة المسرح السوري، أن أصحاب الفرق المسرحية
لم يكونوا يعيرون النص المسرحي كبير اهتمام من حيث العناية بالبناء الدرامي، بل
ينظرون إليه على أنه مادة قصصية حوارية قابلة للتجسيد))[ii]). وهذا
دفعهم أيضاً باتجاه الاقتباس والتقليد بما يخدم أهدافهم، ويشدّ الجمهور إليهم،
لذلك جاءت معظم عروضهم استعراضية غنائية، يمتزج فيها الشعر بالغناء بالموسيقى،
وكان عمادها الشعر المغنى، لذلك لم يكن همهم منصباً على النص بل على هذه العناصر
مضافاً إليها الرقص في كثير من الأحيان، مما جعل عروضهم أقرب إلى مفهوم المسرح
الشامل من موسيقا، وغناء، ورقص، وكلمة، من خلال التلاحين، والتواشيح، والسماح، مما
له صلة بالتكايا، وحلقات الذكر، والأعراس، والاحتفالات المختلفة))[iii]). لقد
مزجوا الشعر بالغناء والفصحى بالعامية، وولفوا بين خيال الظل، والحكاية العربية،
وبين أشكال المسرح الأوربي، في المراحل الأولى للنشوء، ثم طوروا هذا التوليف
بتقديم عروض مسرحية لنصوص أجنبية مترجمة إلى العربية من مختلف اللغات، ولكتاب
مسرحيين عالميين بطرائق إخراجية جديدة، وتقنيات فنية رفيعة، مع تغيير طفيف في بعض
المشاهد والأسماء، لكي تناسب الواقع المحلي. ثالثاً: غياب الخطاب النقدي عن متابعة تلك العروض، وتقويمها
باستثناء العقود الأخيرة من هذا القرن، حيث ظهرت دراسات نقدية حول المسرح العربي
عموماً، وهي في معظمها موسمية ترافق مهرجان دمشق للفنون المسرحية ومهرجان الهواة،
ومهرجان المسرح الجامعي، ومهرجانات الشبيبة وغيرها.. غير
أن تلك الدراسات في الأغلب الأعم، كانت تدور في حلقات مفرغة من التهويمات النقدية
السطحية، فإذا ماتناول أحد النقاد عملاً مسرحياً؛ تناوله من جوانب وصفية انطباعية
وذوقية تتحكم فيها الأيديولوجيا، والأهواء الشخصية. ولايخلو الأمر من بعض
الاستثناءات النقدية الأكاديمية التي تنفذ إلى سوسيولوجيا المضمون في النص، وإلى
تقنيات الشكل، والبنية الجمالية. رابعاً:
غلب على المسرح السوري طابع التجريب، مما جعل الفرق الخاصة، والعامة تتنافس لتقديم
الجديد الذي يثير الدهشة، مستفيدة من جميع المسارح بدءاً من مسرح النو) في
اليابان مروراً بالمسرح البرشتي الألماني، وانتهاءً بمسرح اللامعقول الفرنسي، وقد
خصصت وزارة الثقافة في القطر العربي السوري مسرح القباني لتقديم العروض الخاصة
بهذا المسرح 1941-1997) وأطلقت عليه اسم المسرح التجريبي، وأسندت إدارته للكاتب
المسرحي المرحوم سعد اللّه ونوس. وقد قدم على هذا المسرح العديد من المسرحيات
العربية والمترجمة. خامساً:
الاعتماد على النصوص التراثية التي تناسب فكرة التأصيل لمسرح عربي له خصوصيته،
وهويته التي تميزه عن سواه من المسارح الأخرى، وقد وجدوا في قصص ألف ليلة وليلة،
والمقامات، ضالتهم المنشودة فاستفادوا منها، وتفننوا في إبراز شهريار وشهرزاد في
التاريخ الحكائي للسرد العربي، فكانت شهرزاد رمزاً للانعتاق، والتحرر، وكسر قيود
الرتابة والملل، والتسلية، وكان شهريار رمزاً للذكورة والتسلط والقمع، والاستلاب،
واستطاع عدد من الكتاب السوريين والعرب الذين غاصوا في أعماق التاريخ، ووقفوا على
البعد الإنساني لقصص ألف ليلة وليلة أن يوظفوا هذه القصص التراثية في بنيات معرفية
متشعبة، تجمع في داخلها المتعة إلى جانب قوة الفعل الثقافي في تصوير الواقع
الاجتماعي، نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر توفيق الحكيم في مسرحية شهرزاد)
وسعد اللّه ونوس في مسرحية الملك هو الملك) وعزيز أباظة في مسرحيةشهريار)
والفريد فرج في مسرحية حلاق بغداد)، وغيرهم كثيرون شكلت قصص ألف ليلة وليلة
مصدراً هاماً لإبداعاتهم المسرحية، وهذا يحيلنا إلى إشارة هامة في سيرورة المسرح
العربي بشكل عام، والمسرح السوري بشكل خاص هي: ظاهرة التناص. سادساً:
إن ظاهرة التناص هذه تشكل القاسم المشترك، والعمود الفقري الذي يضم أضلاع الجسد
كله، وهي النواة الأولى لتشكل الاتجاه القومي في المسرح العربي، لأن التراث الشعبي
الزاخر بالقصص والحكايات، والأساطير، كان ولايزال المنهل العذب الذي يرد عليه معظم
المبدعين، وفيه الشذرات الأولى لفكرة الوحدة العربية، ولابد أن ينعكس ذلك على
الفكر والفن والثقافة، عند اختيار حادثة أو حكاية أو قصة من قصص ألف ليلة وليلة،
فهي تراث قومي للعرب جميعاً وليس لقطر بعينه. سابعاً:
الأمر الآخر الذي لابد من الإشارة إليه؛ هو أن الشعر العربي بأشكاله المختلفة،
ومدارسه المتعددة، اقتحم أسوار المسرح، وحاول الصعود إلى المنصة بقوة الذاكرة
الجمعية المحبة للشعر، والحافظة للتراث على مرّ العصور، حيث قدّم بعض الشعراء
نصوصاً مسرحية وهي في حقيقة الأمر شعر غنائي، خالص أبعد مايكون عن المسرح. لأن
الشاعرية كانت غالبة على نصوصهم، كالشاعر عمر أبو ريشة في مسرحية ذي قار) وبدر
الدين الحامد في مسرحية ميسلون) وسليمان العيسى في مسرحية الإزار الجريح) وبعضهم
قدم مسرحاً شعرياً يرتكز على التاريخ بشكل رمزي أو إشاري إلى الواقع، كخالد محي
الدين البرادي في مسرحية المؤتمر الأخير لملوك الطوائف) وفي مسرحياته الأخرى التي
التي تقارب العشرة وعدنان مردم في دير ياسين) وفلسطين الثائرة) وفي مسرحياته
الأخرى تعدادها ثلاث عشرة مسرحية، وبعضهم قدم شعراً مسرحياً مرصعاً بالنثر كعلي
عقلة عرسان في مسرحية فلسطينيات) والسجين 65) وعلي كنعان في مسرحية السيل)
وممدوح عدوان في مسرحية المخاض)، ومحمد الماغوط في مسرحية المهرج)، وفرحان بلبل
في مسرحية الممثلون يتراشقون الحجارة) وكاتب هذه الأسطر في مسرحية منسية)، فكان
هؤلاء الشعراء يمثلون التيار القومي في الأدب على الرغم من اختلاف مشاربهم
الفكرية، ومدارسهم الشعرية التي قد تصل إلى درجة التناقض، وكان كل منهم يفهم
الالتزام القومي على طريقته الخاصة، فكان بعضهم يستند إلى مفهومات عربية إسلامية
تقليدية معتدّلة، بينما اتجه بعضهم الآخر إلى العقلانية الغربية، والتمس آخرون
حلولاً في الفلسفة الوجودية، كما جنح الكثيرون إلى الواقعية الاشتراكية بعد
تطعيمها بالمقومات القومية، على أن الفئة الأكثر تماسكاً وانسجاماً من بين كتاب
التيار القومي كانت فئة الكتاب الملتفين حول حزب البعث العربي الاشتراكي))[iv]). وكانت
الصفة الغالبة على مسرحيات هذا الاتجاه، التأريخ للأحداث، والاتكاء على التاريخ،
والرمز لتجنب المباشرة في مواجهة الواقع، وتعريته، مما جعل الكتاب مأسورين
بالحديث، يتابعونه، ففقدوا الحرية في المعالجة وفي إدارة الحوار للوصول إلى
أهدافهم، كما طغت الشعارات على معظم هؤلاء الكتاب، فغلب عليهم الخطاب المباشر،
أكثر من الخطاب المرصّع بالرمز والإيحاء، وقسم كبير من هؤلاء الكتاب عالج القضية
الفلسطينية، وقضية التجزئة، ومسألة الوحدة، ولعلّ الفترة الزمنية التي تمتد من عام
1950 وحتى عام 1970 هي ذروة النشاط المسرحي، وذروة الاتجاه القومي، فقد شهدت هذه
الفترة أحداثاً وتحولات اجتماعية وسياسية، ساعدت على تعزيز هذا الاتجاه، حيث أُنشئ
في كل قطر عربي، فرقة قومية للفنون الشعبية، أو مسرح رسمي باسم المسرح القومي، كما
أنشئت الاتحادات والجمعيات الأدبية والفنية، ولاشك أن قيام ثورات وحدوية تقدمية،
تتضمن أهدافها شعارات متقاربة، تحمل معاني هذا الاتجاه في مصر والعراق واليمن
وسورية والجزائر وليبيا، وإعلان الكفاح المسلح ضد العدو الصهيوني، وقيام الوحدة
العربية بين سورية ومصر هذه الاتحادات التي تحولت إلى اتحادات هلامية صورية انتهت
جميعها إلى الفشل والانفصال، وكانت نكسة حزيران 1967 أكثر تلك الأحداث دفعاً لهذا
الاتجاه إلى الصفوف الأمامية في الإبداع الشعري والنثري والفني فقد نبهت هذه
النكسة إلى مخاطر التجزئة وشجعت على الكتابة بالفصحى، ومحاربة العامية في الأدب
وحرصت على رفض الواقع العربي الموشوم بالتجزئة، والضعف الذي أودى إلى هذه النكسة
الحزيرانية التي صُدم فيها الإنسان العربي من المحيط إلى الخليج. ثامناً:
إن كثيراً من النصوص المسرحية التي سهر مبدعوها الليالي الطوال، وهم يكتبونها،
ويوزعون شخصياتها في مخيلاتهم على المنصة، بقيت مرسومة على الورق، ولم تتحرك واحدة
منها على الخشبة، وكأنها كتبت لتقرأ، لا لتمثّل، وقد أشار إلى ذلك الناقد رياض
عصمت بقوله: غابت عن الساحة أسماء مؤلفين من الخمسينيات والستينيات بعض الأعمال
الهامة ولكتاب من السبعينيات أيضاً، لأن مسرحياتهم لم تحظ بفرصة الاعتلاء فوق
خشبات مسارح العاصمة دمشق في عروض محترفة لائقة))[v]). وقد كان الشاعر عدنان مردم -موضوع بحثنا-
وهو الذي عرف بغزارة إنتاجه المسرحي من بين تلك الأسماء التي لم تر نصوصهم النور
فوق خشبة المسرح، ورحل إلى الملأ الأعلى من غير أن يمتع نظره بشخصية واحدة من بين
تلك الشخوص التي اختلقها بخياله تتحرك على الخشبة، وبقيت نصوصاً أدبية للقراءة
فقط. مع أن معظم نتاجه المسرحي كان منصباً في الاتجاه القومي الذي بلغ ذروته في
الستينات والسبعينات، حيث كان يصدر في كل عام نصاً مسرحياً جديداً غير عابئ فيما
إذا تجسّد هذا النص على المنصة أو لم يتجسد، وكان الاتجاه القومي هو الاتجاه
الأبرز فيها. وهو ما سنتوقف عنده في الفصول القادمة. أً- الارتكاز على
التاريخ:
تتعدد المصادر التي ينهل منها المبدع،
وهو يشيد بناءه الإبداعي في المخيلة، قبل أن ينقله على الورق، أو أثناء الكتابة،
وثمة مصادر عديدة تسعف الشاعر أو الفنان في توظيف ما اختزنته الذاكرة من ثقافة،
ومعرفة، ودربة في نسيج عمله الأدبي أو الفني، التاريخ أحد أهم هذه المصادر إذا لم
نقل أهمها على الإطلاق. فثمة أحداث تاريخية هامة تشكل منعطفات حاسمة في المجتمعات
التي وقعت فيها، وثمة رموز تاريخية خالدة في التراث العربي والإنساني، دخلت
التاريخ من بابه الواسع، وساهمت بفاعلية في صياغة جزء هام من أحداثه، داخل
أوطانها، وخارجها، ارتسمت صورها على جدار الذاكرة. هذه الرموز مع تلك الأحداث،
تشكل مواد خام خصبة، غنية بالدلالات والمعاني الإنسانية السامية لمن يريد أن يبرز
معنى من هذه المعاني في نسيج إبداعه، أو لمن يتوق إلى نزعة التأصيل، وقراءة صفحات
الماضي بتمحيص وتأمل. فيختار من تلك الأحداث، مايصلح أن يكون مادة حية للحاضر
الراهن، وينتقي من الشخصيات، مايصلح منها للتناظر مع الشخوص التي تتحرك على أرض
الواقع، فيتماهى الحاضر بالماضي، والماضي بالحاضر، ليرتسما معاً على صفحة مرآة ذات
المبدع نصاً أدبياً يحمل رؤى جديدة عن كيفية صياغة المستقبل. وحين تكون تجربة
الحياة وحدها المصدر الأول للعمل الإبداعي في مادته وبنائه وهدفه، فإن ذلك لايلغي
أثر المصادر الأخرى، لأنها جزء من تجربة الحياة نفسها))[vi])كما
أن اشتراك أكثر من مصدر في تكوين العمل الإبداعي، لايضر ذلك العمل، ولايقلل من
أهميته فيما إذا طغى جانب على آخر من عناصره الرئيسة، أو وقع التخاطر، والحافر على
الحافر في توظيف تلك الأحداث، والرموز التاريخية بين مبدع أو أكثر في نص أدبي
تتقارب فيه المصادر والأهداف، مع الاحتفاظ لكل مبدع بخصوصية فردية، تشير إلى سمات
التفرّد في لغته إذا كان شاعراً. وفي أسلوبه إذا كان كاتباً، وفي ألوانه
أو ألحانه إذا كان فناناً، فغالباً ماتتوافق الموضوعات، والأسلوبية إذا كان مبدعان
ينهلان من مصادر متشابهة، أو تجمعهما بيئة شبه متشابهة، أو ثقافة واحدة، أو
أيديولوجية معينة، فكلما كان التأثير كبيراً بينهما، تجلى ذلك التشابه في
إبداعهما. الشاعر عدنان مردم واحد من هؤلاء
المبدعين الذين تقاربت إبداعاته مع الشاعرين أحمد شوقي، وعزيز أباظة في الموضوعات،
وطريقة الكتابة حتى وصل الأمر إلى التماثل في بعض العناوين التي اختارها لمسرحياته
حيث نجد هذا التماثل في مسرحيات العباسة. وغروب الأندلس عند أباظة وأميرة الأندلس
عند شوقي من خلال مسرحيتيه العباسة، ومصرع غرناطة، وهؤلاء الشعراء الثلاثة شوقي،
أباظة، ومردم) كما يقول عدنان بن ذريل: يتمم أحدهم الآخر في حمل رسالة الشعر
المسرحي العربي الأصولي الإنساني))[vii]). ويتماثلون إلى حد كبير في الموقف من
التاريخ وفي طرائق التعبير، وفي العودة إلى التراث برموزه اللامعة، وفي التقيّد
ببحور الخليل وأوزانه مع بعض الفوارق في القاموس اللغوي لكل واحد منهم، وفي طريقة
التعامل مع بعض الرموز التاريخية، والشخوص التي اختاروها للتعبير عن تلك الرموز،
وبشكل أدق في تفسير الوقائع التاريخية، وتحليل الأحداث من خلال رؤى مختلفة. والواقع إن شوقي كما يقول الدكتور محمد
مندور لم يأخذ أصول الأدب المسرحي عن كاتب واحد، ولا عن مذهب بعينه، بل جمع بين
عدة اتجاهات غربية، وأضاف إليها اتجاهات أخرى شرقية عربية))[viii])فنراه
متأثراً بالكلاسيكية الفرنسية، ولاسيما في كتابات كورني، وراسين، ويظهر تأثره
بكورني أكثر، ويتخذ من المسرح مدرسة النفس، والإخلاص، ونبل الأخلاق على نحو ما
فعل كورني، فكليوباترة تضحي بحبها في سبيل وطنها، وتضع مجده فوق عبقرية جمالها،
وليلى تضحي بغرامها نزولاً على التقاليد العربية التي لاتبيح زوجة لقمبيز فداء
لوطنها، وإن كان هذا الاتجاه الأخلاقي لم يخل من اضطراب وشوائب، وتناقض أحياناً))[ix])والأمر
ذاته نجده عند الشاعر عدنان مردم في مسرحية غادة أفاميا وأخواتها من المسرحيات
التي ترتكز على التاريخ في شخوصها وأحداثها فهي كما يقول حصيلة دراسة جدية وتقص
عميق للمسرحية الأوربية، والمسرحية العربية))[x])فالذي
حبب إلى نفسه كتابة المسرحية الشعرية أستاذ الأدب الفرنسي في الكلية العلمية لويس
فاند سيطارا سنة 1933، عندما كان يافعاً على مقاعد الدرس، يصغي إلى شرحه الأدبي
لنصوص مسرحيات الشاعرين الفرنسيين الكبيرين كورناي وراسين وفي ذلك يقول: لقد كنت
مأخوذاً بآثار كورناي وراسين، ولا أنكر تأثير مسرحيات الشاعر الانكليزي العبقري
شكسبير التي أطالعها باللغة الفرنسية والانكليزية. يضاف إلى ذلك مسرحيتا كليوباترا ومجنون
ليلى لشاعر العروبة أحمد شوقي[xi])،
ولعلّ هذا التشابه يبرز بشكل واضح في تأثر شوقي وأباظة ومردم بالمذهب الكلاسيكي.
هذا المذهب الذي يرتكز في موضوعاته على التاريخ سواء أكان هذا التاريخ حقيقياً
أم شعورياً، وذلك على نحو ما فعل الكلاسيكيون الفرنسيون، وإذا كان هؤلاء قد استقوا
موضوعاتهم من تاريخ الإغريق والرومان القدماء، فإن شوقي قد استقاها من تاريخ مصر
وتاريخ العرب، فالاتجاه واحد، إذ عاد كل إلى أصوله التاريخية))[xii])،
من التاريخ العربي ماهو مضيء مشرق في ذلك الماضي كما استقى عدنان مردم الوطنية
والقومية العابق باللمعات التي تفرز هذا الاتجاه القومي الأخلاقي الذي يتمحور حول
الإخلاص للوطن، والنبل والوفاء، والدفاع عن الكرامة)) فغادة أفاميا تقدم نفسها
قرباناً للقائد الروماني بيدا) مقابل أن يمتنع هذا الأخير عن إحراق المدينة، وقتل
شبابها. فالمعادل الموضوعي للوطن هو الموت طوعاً لا كرهاً، ويحمل الرسالة إلى غادة
عشيقها سابا مخاطباً شقيقها نايف[xiii])
[من مجزوء الكامل]:
وتستجيب غادة) للطلب مخاطبة سابا)[xiv])
[من المجتث]:
والأمر ذاته بالنسبة لزنوبيا ملكة تدمر،
وموقفها البطولي من طلب قيصر إليها أن تسلّم نفسها، ويحملها معه إلى روما أسيرة
تمشي في مهرجان النصر مكبلة بالأصفاد[xv])
[من مجزوء الكامل]:
ويريد في مهرجان النصر أسرها كالإماء
فتجيبه متحدية، والكبرياء يتوّج رأسها كما تاجها الذهبي [من مجزوء الكامل]:
ثم تنظر زنوبيا إلى الرسول وتأمره ملبية
نداء الواجب [من مجزوء الكامل]:
والحال هو الحال مع المناضلة حلوة زيدان
أم الشهيد محمد في مسرحية دير ياسين) عندما تنخو ولدها أن يكون مقداماً في قتال
الصهاينة، وأن يحمي تراب الوطن من دنس أقدام الأعداء، تخاطبه، وقلبها ينفطر ألماً
على ولدها الوحيد الذي تدرك أنه لن يعود إليها، ولن تراه ثانية، ومع كل ذلك تخاطبه
بقلب الأم الرؤوم المقاوم[xviii]) [من
مجزوء الكامل]:
وينطلق الابن الوحيد منفذاً وصية أمه
حاملاً بندقيته القديمة، وماتيسّر من الطلقات التي كان قد ادخرها لمثل هذا اليوم،
ينطلق قائلاً[xix]) [من مجزوء
الكامل]:
أو تأذنين: فتجيبه الأم. أجل بني وكم يشق علي ثكلي. ويقضي الشاب محمد في سبيل الدفاع عن
الأرض والكرامة. ويصل النبأ إلى الأم الثكلى من أحد رفاق محمد، وقد عاد يحمل
بندقيته إلى أمه كما أوصاه قبل أن يتوقف قلبه عن الخفقان[xx])
[من مجزوء الكامل]:
ويدفع لها البندقية، فتأخذها، ثم تتقدم
من زوجها، وتدفع البندقية إليه قائلة[xxi])
[من مجزوء الرمل]:
لقد نهج عدنان مردم نهج شوقي في العلاقة
مع التاريخ فكان له مصدراً في كل ماذهب إليه من موضوعات تغنى بالماضي الغابر،
وبالأمجاد العظام، حيث استخدم معظم موضوعاته، وشخصياته من التاريخ، وركّز على
الشخصية الرئيسية من بين تلك الشخصيات عنواناً ومحوراً لمسرحياته، ولم يقتصر على
الشخصيات والرموز العربية بل استقى من التاريخ العالمي والأحداث التاريخية
العالمية شخصيات ورموزاً أيضاً كديوجين الحكيم، وفاجعة مايرلنغ، والقزم،
والاتلنتيد، والمغفل. فقد وظف فيها رموزاً تاريخية أجنبية، مستفيداً من خبرته،
وثقافته الموسوعية التي استقاها من الأدب العربي القديم، ومن الآداب العالمية ولو
لم تكن كذلك، لما استطاع أن يبدع هذه المسرحيات بشخوصها، وأحداثها من سير ذاتية
لرجال كان لهم أثر بارز في كتابة تاريخ شعوبهم، ومن أحداث تاريخية، ارتبطت أو
قاربت قليلاً أو كثيراً أحداثاً في تاريخنا العربي، أو في حدث شخصي كما هو الحال
في مسرحية فاجعة مايرلنغ التي اتخذ منها الشاعر حادثة انتحار الأمير رودولف) ولي
عهد قيصر النمسا موضوعاً لمسرحيته بعد أن فجع بشقيقه هيثم الذي لم يكمل العشرين
ربيعاً من العمر، حين وافته المنية على أثر إصابة صمامات قلبه بالمرض بعد استفحال
داء الرثية) الروماتيزم) في جسمه، وقد عانى شقيقه هيثم من هذا الداء طويلاً،
ولاسيّما في سنواته الأخيرة، حيث نقله والده خليل مردم عام 1941م إلى المستشفى
الأميركي ببيروت وظل يُعالج هناك مدّة سبعة أشهر، والوالد والأخ عدنان يلازمان
فراشه حتى كان صباح اليوم الخامس من شهر كانون الثاني من عام 1942م إذ جاء القدر
وجاء أمر اللّه الذي لا يردّ. وكانت الفاجعة بالنسبة للأسرة كبيرة
جداً، طحنت قلب الوالد طحناً، فسببت له سوء الصحة والتعجيل بالوفاة، وطحنت مشاعر
الشقيق الأكبر عدنان، فجعلته يزهد في حبّ الدنيا، وحلم الشباب العابث إلى تأملات
الكهولة الرصينة، ولم يكن له من العمر أكثر من خمس وعشرين سنة، كان شكاكاً لا
مبالياً، فأصبح رواقياً صارماً ينظر إلى الحياة بحذر وتأمل، مقدراً عبء الرسالة
التي يحملها الإنسان تجاه أمته وشعبه والإنسانية جمعاء. تنتهي هذه المسرحية نهاية مأساوية حين
يصوّب رودولف المسدس إلى رأس معشوقته فيقتلها، ثم يقتل نفسه وقد ران الحزن على
الأسرة المالكة، إذ قضت الأم حزناً على وحيدها، استسلم القيصر للحزن العميق، ذلك
الحزن الذي اسلمه للتقشف والزهد، أراد عدنان مردم الذي شكل رحيل أخيه هيثم فاجعة
للأسرة، أن يبكي الشباب الذاوي في مطامحه العالية، وقد نظم هذه المسرحية وليس له
من العمر سوى تسعة وعشرين عاماً، وبقي محتفظاً بها كمخطوطة زمناً طويلاً إلى أن
دفع بها للمطبعة عام 1975م كما هي من غير زيادة أو نقصان كي يتيح لنقاد الأدب
الذين يهتمون بدراسة المسرحية الشعرية الحديثة، الدراسة الموضوعية لشعره المسرحي
في فترة الشباب، وفترة مابعد الشباب وقد أهدى هذه المسرحية إلى شقيقه زين الشباب
هيثم الذي لم يمتع بالشباب بقوله [من مجزوء الكامل]:[xxii])
مايلفت الانتباه في هذه المسرحية أن
الشاعر عدنان مردم لم يختار هذه الشخصيات من الفراغ بل من التاريخ الموازي للواقع،
وبأسمائها التاريخية المحددة، ولم يرتكز في الموضوع على المقاربة بين الضحيتين
رودولف) الأمير الشاب الذي انتحر بمحض إرادته مع هيثم شقيق الشاعر الذي مات بسبب
المرض؛ بل من وجه الشبه بين الفاجعتين، فالاثنان في زهو الشباب، وغرّة العمر،
والاثنان خلّفا وراءهما حزناً كبيراً لمن يحيط بهما، وختام المسرحية على لسان
بولمبوس) الذي يعكس الذات الشاعرة المتألمة لفقدان الشقيق تشير إلى مدى اللوعة،
وهول الفاجعة على فقدان هذا الشاب الذي كان يُنتظر منه أن يحتل مكاناً مرموقاً في
وطنه كنظيره رودولف) ولي عهد القيصر لكنه رحل باكراً قبل أن تتحقق بعض صبواته
وأحلامه لقد عبر عدنان مردم عن هذا المصاب الجلل على لسان بولمبوس الذي يسأل
هويوس) بدهشة[من مجزوء الكامل]):[xxiii])
ويتدخل كاسبا) ليخفف من وطأة الحدث
وقسوته قائلاً: [من مجزوء الكامل]:
أما بولمبوس) الذي يجسّد روح الشاعر
المفجوع فإنه يصرخ نادباً [من المجتث]:
ألا نشتم رائحة الرثاء الممض الذي يتفجر
من قلب صدّعه الموت لفقدان عزيز، يشاطر الروح فرحها وحزنها، ومن أكثر التصاقاً
للروح من الشقيق الذي كان شاعراً أيضاً، وصديقاً للأخ الأكبر عدنان الذي لايكبره
إلا بسنوات قليلة، وكأنه كان يحلم أن يشيد وإياه مملكة الشعر والرياسة التي توارثتها
هذه الأسرة كابراً عن كابر، فجاء الموت كالصاعقة على رأس الشاعر المفجوع فلم يعد
يروق له سماع أي نشيد أو غناء إلا نشيد الموت [من المجتث]:
على مدى أربعة فصول وخمسة عشر مشهداً
تتبدى هذه الفجائعية على ألسنة معظم شخصيات المسرحية التي نسجت منها هذه
التراجيديا الشعرية العابقة بالشعر، الشاحبة بالدراما. المسرحيات الأخرى التي اصطفى رموزها
وأحداثها وشخصياتها من التاريخ العالمي مسرحية ديوجين الحكيم، وهو الفيلسوف
اليوناني الذي كان يحمل فانوسه في وضح النهار باحثاً عن الرجل، من غير أن يوفق
بالعثور عليه. كان من معاصري أفلاطون وأرسطو، وكان له معهما محاكات جدلية، عرف عنه
سرعة البديهة، والنكتة اللاذعة، وعرف بأسلوب خاص في الحياة استهجنه الكثيرون،
وأعجب به الندرة من الناس، وكان الفيلسوف الألماني شوبنهور) واحداً منهم إذ لم
يخف الفيلسوف الألماني إعجابه بالنهاية التي ختم بها ديوجين حياته، حين امتنع عن
التنفس، ومات منتحراً. حيث أبرز دور تلك الشخصيات التاريخية في
الحدث، وانتقى من صفحات التاريخ مايلائم أفكاره وتطلعاته من تلك الرموز التاريخية،
وأضاف إليها من مخيلته ما أمدّه الخيال بشخصيات أخرى مساعدة لإبراز الفكرة
وإيصالها. ولابد من الإشارة إلى أنه يوجد هامش بين كل من التاريخ والمسرح والشعر والفلسفة،
وقد يتسع هذا الهامش ويضيق تبعاً لأسلوب المبدع في الصياغة، وقد فرق أرسطو بين
التاريخ والمسرح من كون أحدهما يروي الأحداث التي وقعت فعلاً، بينما الآخر يروي
الأحداث التي يمكن أن تقع، ولهذا كان الشعر أوفر حظاً من الفلسفة، وأسمى مقاماً من
التاريخ، لأن الشعر بالأحرى يروي الكلي. بينما التاريخ يروي الجزئي))[xxiv]). ويخيّل إليِّ أن الشاعر عدنان مردم اعتبر
التاريخ أهم مصدر للتأليف المسرحي، واعتبر الشعر هو الأداة التي يمكن من خلالها
تكوين نص مسرحي. مقتدياً بالشاعر أحمد شوقي أولاً، وعزيز أباظة ثانياً، مع خروج
طفيف على أسلوبيهما وعلى طريقة التعامل مع الشخصيات والرموز التاريخية التي اتكأ
عليها في مسرحياته، فلم يقدّم نصاً مسرحياً محضاً، ولم يقدم نصاً تاريخياً خالصاً،
بل تناول موضوعات تاريخية وسجّل أهم الأحداث التي تخدم تلك الموضوعات، وساقها في
إطار شعري درامي، وبذلك تخلص من مهمة التأريخ لأن ذلك من اختصاص المؤرخ، وتجاوز
إرهاصات الشعر من الوصف، والتصوير، والإيحاء إلى دلالات الحدث، وتنامي هذا الحدث
في السياق الدرامي للمسرح الشعري الذي اختطه لنفسه نمطاً لم يحد عنه في جميع
مسرحياته الشعرية لأنه لايكتب قصيدة وإنما يؤلف مسرحية. لقد اتخذ عدنان مردم من
التاريخ مرجعية وحيدة لتأليفه المسرحي، لايقدّم عملاً مسرحياً يتحدث عن الماضي،
ولايقدّم صورة استرجاعية ميكانيكية لوقائع ذلك الماضي، وإنما يقدّم عملاً فنياً
يرتبط بالحاضر، ويحمل رؤيا كاشفة للمستقبل، عن طريق توظيف ذلك الماضي بأحداثه وشخوصه،
في إظهار هذا الارتباط بين الماضي والحاضر والمستقبل. إن استحضار جوهر التاريخ،
وحقيقته، قد يفقد معناه إذا هو لم يعبر عن حركة هذا التاريخ المستمر القادم نحو
عصرنا، لقد كتبت الدراما المعاصرة لنا، لم تكتب لأولئك الذين عاشوا في التاريخ،
فإذا سقط ظل التاريخ علينا، من خلال الدراما التي تستحضر جوهره، فإن هذا الظل لابد
أن يكتسب لون العصر الذي سقط عليه))[xxv]). وليس بالضرورة أن يتقيد الكاتب المسرحي
بحرفيات الحدث التاريخي، أو الشخصيات التي ساهمت بصنع ذلك الحدث، وربما اقتضى
الأمر إلى تحوير بعض الشخصيات، أو تغيير مسارها تبعاً لطبيعة العمل الفني
ومتطلباته، وفي ذلك يقول بيلنسكي): إن تقسيم المأساة إلى تاريخية وغير تاريخية،
ليس له أي قيمة جوهرية، فأبطال هذه وتلك يمثلون بقدر واحد، تحقُّق قوى الروح
الإنساني الخالدة الجوهرية، وهذا هو السبب في أن تحريف الأشخاص التاريخيين يبدو
حقاً لا مراء فيه... ينبع من ماهيتها ذاتها، فقد يريد كاتب مأساة تصوير بطله في
وضع تاريخي ما، وقد يجد في التاريخ مايوفر له مثل هذا الوضع، فإذا كان البطل
التاريخي لهذا الوضع لايتطابق والمثل الأعلى للكاتب، كان لهذا الحق في تعديله كما
يرى))[xxvi]) ويقول
الدكتور شكري غالي موضحاً هذه العلاقة الترابطية بين الفن والتاريخ: ليس هناك
أدب تاريخي بالمعنى الدقيق للكلمة، لأن أحداث الحاضر التي يتخذها الفنان المعاصر
خاصة لفنّه، هي جزء بدورها من المسار اللانهائي لمجرى التاريخ، فالتاريخ هو الحياة
بعينها، وقد ارتدت ثياب الماضي أو الحاضر أو المستقبل، والفن إذن في ارتباط دائم
وثيق بالتاريخ في حدود هذا المعنى))[xxvii]). وقد أكد الأديب اسكندر دوماس) الأب،
صاحب عشرات القصص والمسرحيات التاريخية أن التاريخ ليس إلا مجرد إطار يضع فيه
الأديب لوحاته الخاصة، ولقد سئل هذا الأديب الكبير عن الحرية الواسعة التي يمنحها
لنفسه إزاء أحداث التاريخ فأجاب قائلاً: التاريخ!! من يعرفه؟!! إن هو إلا مسمار
أشجب عليه لوحاتي))[xxviii]). لقد جهد الشاعر عدنان مردم على فهم
التاريخ وأحداثه فهماً عميقاً، وتعامل معه كشاعر على نحو أصيل. لأنه بفطرته ينزع
نحو الأصالة، ولم يقيد نفسه بالحدث التاريخي كما هو تماماً، بل سمح لمخيلته،
وفكره، أن يتحركا داخل ملعب التاريخ، مستفيداً من المعطيات التاريخية التي اختزنها
في ذاكرته من غير شطط أو جمود. فلم يكن متتبعاً أعمى للتاريخ، بل ابتكر بعض
الشخصيات، وطوّر بعض الأحداث بما يناسب رؤيته وتفسيره وفهمه للحدث التاريخي،
وقدمها لنا برؤية جديدة، وقالب شعري غنائي عربي أصيل يقوم على وحدة نظام البيت
العربي الأصيل، كما تمكن من التعبير عن قضايا، ومشكلات في الواقع، لايملك حرية
التعبير عنها، إذا ما اتخذ مادته من الواقع نفسه))[xxix])
ولذلك لم يقيد نفسه بالحقائق التاريخية كما هي. بل لجأ إليها، واتكأ عليها طلباً
للحرية، لأن التقييد الحرفي ينقض الحرية، ويلغي المسوّغ لذلك اللجوء، استطاع أن
يسوق تلك الأحداث على ألسنة الشخوص في إطار حوارات درامية وهي تتحدث عن الماضي
كأنها شخوص حيّة بلحمها ودمها تعيش في الراهن، وتتحدث عن المعيوش. معتبراً أن
صفة المحاكاة التي تميز الشعر من التاريخ ليست صفة التقليد، بل صفة التخييل
والتخيل، والمؤرخ أو الكاتب في العلوم يقوم بتقليد موضوعات ذات وجود جوهري، ولايصح
تقليده مالم يطابق الواقع، أما الشاعر فغير مقلد بمثل هذه المطابقة، فليس الموضوع
في الأدب تقليداً لموضوع في العالم الواقعي، ولايجوز أن يحكم عليه بموجب مطابقته
لأي موضوع موجود فعلاً في العالم الواقعي، ومع ذلك فإن المحاكاة التي يقوم بها
الشاعر ليست منقطعة عن العالم الواقعي على الرغم من أنها لاتتألف من موضوعات نوعية
ذات وجود تاريخي... هذا الوضع المزدوج، الابتكار الحر من ناحية، والتقليد من ناحية
أخرى، هو حالة وجود الأدب))[xxx])وهو المنهج
الذي اختطه لنفسه الشاعر عدنان مردم في معظم مسرحياته الشعرية كما فعل العديد من
الكتاب والشعراء الذين عايشوه أو سبقوه إلى هذا الفن. صحيح أنه اتجه مثلهم نحو
التاريخ، وتوقف طويلاً عند النوابغ، والأبطال يستوحي منهم بعض المواقف القومية
التي تدعو إلى الفخر والاعتزاز، وتثير في النفوس الانتماء الوطني، والعزة القومية،
والحمية والأنفة في مقاومة الأعداء من أي جهة كانوا، وسعى جاهداً للتذكير بالأمجاد
والمآثر، مشيداً بالبطولات، والوقائع، والأخبار التي تؤكد عراقة هذه الأمة، وأصالة
هذا الشعب، هذا التوجه نحو التاريخ كان من أهم بواعثه الأسباب السياسية
والاجتماعية والاقتصادية المتردية التي كان يعيشها العرب، وتنامي الشعور القومي
المتأجج في صدر هذا الشاعر، وتطلعه نحو الوحدة القومية لهذا الشعب. ذلك كله كان المحرّض للتذكير بأهم
المواقف والأحداث الناصعة والمضيئة في التاريخ العربي والعالمي على السواء، لينفذ
من خلال هذه المواقف والأحداث إلى استنهاض الهمم، وإيقاظ النفوس. وإحياء الشعور
القومي بين أبناء الأمة الواحدة، كي يبعثوا أمجادهم، ويعيدوا كتابة تاريخهم من
جديد بطريقة جديدة، تعزز حريتهم، وتؤكد حضورهم كأمة عريقة أصيلة ذات أمجاد رفيعة
بين أمم العالم المعاصر. لم يفعل كما فعل مارون النقاش
1817-1855م) رائد المسرح العربي في مسرحياته أبو الحسن المغفل أو هارون الرشيد)
ولا كما فعل خليل يازجي في مسرحية المروءة والوفاء 1876م) ولا إبراهيم رمزي في
مسرحية المعتمد بن عبادة 1892م) ولاغيرهم من الشعراء والكتاب الذين كان لهم فضل
الريادة المسرحية العربية منذ مطلع هذا القرن بترصيع مسرحياته الشعرية بالنثر، بل
اتخذ المسرح الغنائي سبيلاً لتفسير التاريخ وأحداثه، واتكأ على التاريخ والأساطير
والقصص الشعبية والرموز العظيمة، وأضاف إليها شيئاً من خياله ليقدمها في إطار شعري
غنائي يحمل نكهة الدراما، وليس مقومات الدراما. إنه وقف على الحادثة التاريخية
واصطنع منها أحداثاً تاريخية متخيلة، فقدّم مسرحاً شعرياً غنائياً في شعره،
تاريخياً في أحداثه، وشخصياته ضبابياً أوهلامياً في زمانه ومكانه وتفصيلاته، لأنه
كان يعكس كل ذلك الماضي البعيد بحقائقه التاريخية وتجميلاته المصطنعة على الراهن
المعاصر، ويُحرّض على تغييره بأسلوب أدبي رفيع، يُستشف من ثنايا الحروف والأحداث
استشفافاً، عن طريق الإيحاء. بعيداً عن الخطاب المباشر، والسرد التاريخي، والوعظ
التلقيني. وهذا ماجعل الخطاب المسرحي عند عدنان مردم ليس شعراً محضاً، وليس
تاريخاً محضاً، بل مزيج من الشعر والتاريخ في إطار من الدراما التي يغلب عليها
الشعر الغنائي أكثر مما يغلب عليها التقانة المسرحية. الأمر الذي جعل النص
المردمي، أقرب إلى الشعر منه إلى الدراما. بً-استلهام الرمز
التراثي القومي والإنساني:
لم تكن منجزات الثقافة الإنسانية،
وماتبلغه ثقافة أي شعب من الشعوب، إلا رافداً غنياً، ورصيداً خصباً للمبدعين على
اختلاف مشاربهم، ومعظم الذين تفردّوا في مجتمعاتهم، كانوا من أولئك القادرين على
تمثّل ما أنجزته تلك الثقافات الإنسانية عبر مراحل التطور البشري، وماقدمته من
علامات فارقة، ورموز إنسانية لها دلالاتها ومعانيها السامية في مواقفها،
وتعارضاتها الفاعلة في حركة الوعي الإنساني. هذا الوعي المعرفي الذي يتنامى شيئاً
فشيئاً من خلال العلاقات التبادلية الخصبة بين الثقافات، والفهم العميق لجميع
الأشكال الرمزية في تراث كل مجتمع من المجتمعات في السياق التاريخي لكل مرحلة
قديمة أو جديدة، ويكون هذا الشكل الرمزي هو النموذج المثالي في تراث الأمة التي
يمثّلها. وفي تراث البشرية جمعاء عندما يتحوّل ذلك
الشكل الرمزي، إلى رمز إنساني يفيد منه الإنسان في كل زمان ومكان. لقد قسم أرسطو 384-322ق.م) الرمز إلى
ثلاثة مستويات رئيسية: الرمز النظري، أو المنطقي، وهو الذي يتجه بواسطة
العلاقة الرمزية إلى المعرفة، والرمز العملي، وهو الذي يعني الفعل، والرمز الشعري
أو الجمالي، وهو الذي يعني حالة باطنية معقدة من أحوال النفس، وموقفاً عاطفياً أو
وجدانياً))[xxxi]). ومافتئ الفلاسفة منذ أرسطو وحتى اليوم،
يجهدون في وضع تعريفات للرموز، والإنسان كان من بينها هذا التعريف الذي قدمه
كاسيرر Kassirer) بأن الإنسان
حيوان رامز)) فهذه الوظيفة الرمزية هي التي أدت بالإنسان إلى أن يخلق اللغة
والثقافة، وفتحت له بعداً ثقافياً جديداً يتعذر على الحيوان بلوغه))[xxxii]). وفي هذا السياق تشكل الأساطير بدورانها
في مدار الرمز أرضية صالحة لتفتح وبروز الرموز، لكن الفكر الأسطوري لم يكن له
الخيار في أن حطّ فوق هذه الأرضية أو تلك. والرمز لا يشكل وسيلة إنما غاية في
المرحلة الأولى لتشكله))[xxxiii]) حيث لم
يكن الفكر الإنساني قادراً على التفريق بين الرمز والمرموز فالشمس مثلاً لاترمز
إلى الإله: إنها الإله بحد ذاته) فهي المعبود وهي رمز العبادة تشكل ماهية
مستقلة، لاترتبط بأية ظاهرة أخرى، ولأنها كانت أقوى الظواهر الطبيعية. إذ ذاك لم
يكن هنالك رامز ومرموز إليه، ولم يظهر التمييز بينهما إلا بعد أن دخل الإنسان في
السيرورة المعرفية، وبعد أن صار يشكل جزءاً منها، وبعد أن وصل إلى مرحلة متقدمة
استطاع فيها رؤية الرمز لكن بالنسبة لذاته فقط))[xxxiv]). فالإنسان وحده هو الذي استطاع أن يكشف عن
ماهية الشكل الرمزي في خياله وإدراكه، وتفسير مدلولاته، فهو لم يعد مرتبطاً
بالأديان والأساطير القديمة، وإنما يواكب مسيرة الحياة ونشاط الإنسان الإبداعي على
مرّ العصور، عرّف بيرس PEIRCE). الرمز بالقول: إن كل الكلمات، والجمل، والكتب، والعلامات
الاصطلاحية الأخرى تشكل رموزاً))[xxxv])والرمز
تبعاً لما يقوله بيرس هو؛ إذاً علامات متنوعة ترتبط ارتباطاً عشوائياً بالشيء الذي
تمثله. أما سوسير SOUSEIR) فيذهب إلى رأي آخر حيث يعتبر أنه في حالة الرمز، توجد علاقة
طبيعية بين الدال والمدلول. إذ لايمكن أن نحل محل الميزان رمز العدالة، عربة على
سبيل المثال))[xxxvi])فالعلاقة
بين الرامز والمرموز لاتكون اعتباطية، إنما سببية، والرموز بمعناها الاصطلاحي
الدقيق بتعذر ردّها إلى علامات خالصة إذ العلاقات والرموز كما يقول كاسيرر KASSIRER) ينتميان لعالمين مختلفين، فالعلاقة جزء من العالم الفيزيائي
والرمز صفة من العالم الإنساني الخاص بالمعنى، وللعلامات بحسب فهمها وتوظيفها على
هذا النحو، ضرب من الوجود الفيزيائي المادي، أما الرموز فقيمتها وظيفية فحسب))[xxxvii]). لقد اتسع مفهوم الرمز في العصر الحديث
حتى شمل في النهاية كل أشكال الثقافة الإنسانية، والرموز بهذا المعنى، تندرج فيما
ورثناه من تلك الثقافات، ومانشارك نحن في إضافته إليها، فهي موجودة في ذواتنا
الجمعية والفردية، كما أنها موجودة عند الآخر الذي يقدّم رموزه وإضافاته باستمرار
لذلك فإن وظيفة الرموز هي القدرة على التعبير عن طائفة من الأشياء ذات الطابع
الكلي وقد تعبّر عن الأشياء الحاضرة والأشياء الغائبة، ماضية كانت أو في المستقبل
وقد تصوّر الأشياء اللاموجودة، والأشياء المستحيلة الوجود، وقد تستخدم في الكشف عن
الأشياء المجهولة، وهكذا تخدم الرموز الإنسان في وظائف التذكر والتوقع، والتعرف،
والإدراك الحاضر للأشياء، ويصبح التوقع بنوره إذا تضمن الرمز روابط اتصالية ذات
طابع يقيني، وتبدو علاقة العلية في هذا الصدد ذات أهمية قصوى))[xxxviii]). إن التغيرات التي عرفتها المدارس الأدبية
والفنية، جعلت هذه المدارس ومن ضمنها المدرسة الرمزية لاتستقر على حال، فالإبداع
في أي فن من الفنون مرهون بالقيمة الجمالية التي يحققها، ومرتبط بالتحولات الاجتماعية
والسياسية والاقتصادية التي لاتعرف الثبات، والفن في جوهره خبرة جمالية، ونشاط
استطيقي يعيد تركيب العالم المعطى في الشعور بطريقة تتجاوز سلبية المحاكاة إلى ضرب
من دينامية الإبداع، وفي صميم هذا النشاط المبدع تتركز قوى النفس، وتُستقطب
الانفعالات، والعواطف، والتصورات، والمدركات الحسية، والتخيلية، والذكريات،
ومايزخر به الشعور، واللاشعور من خبرات بعضها فردي وبعضها مما شارك الجنس الإنساني
في صنعه))[xxxix]). وهذا ماحاول الشاعر عدنان مردم أن يقترب
منه في نصوصه المسرحية، حيث حاول أن يستفيد قدر المستطاع من الرموز الإنسانية في
التراث العربي والعالمي على السواء. فهو ينظر إلى هذا التراث على أنه الينبوع الثر للقيم الروحية والفكرية والفنية
التي يحملها، ويريد أن يحمّلها لنصه المسرحي، ولايضير الشاعر أن يستفيد من أي رمز
تراثي يحقق له نوعاً من العلاقة الوشيجة بين الماضي والحاضر، وليس بالضرورة أن
يكتفي المبدع بالموروث الثقافي القومي لأمته، فالتراث الحضاري الإنساني ملك
للبشرية كلها، وأرض مشاع لكل من يرغب الحرث فيها، أو جني غراس وأزهار منها. لقد انفتح عدنان مردم على الثقافات
الأجنبية، واستوعبها، وأخذ منها مايطور تجربته ويغنيها، بالقدر الذي نهل من تراث
الأمة العربية الذي وجد فيه معيناً لاينضب، ومجناً قوياً يحمي هذه الأمة من جميع
المحاولات الرامية إلى فصل هذا التراث عن قيمه الأصيلة، ولعلّ الإحساس القوي
بالأخطار المحدقة في الواقع العربي نتيجة تمادي قوى الظلم والطغيان إلى حدود التهديد بوجود الأمة، وهويتها،
والواقع المعيوش الذي واكب فيه الشاعر عدنان مردم تحقيق الأطماع الصهيونية في
تهديد فلسطين، واغتصاب أراضٍ جديدة بعد نكسة حزيران 1967، كل ذلك جعل الشاعر يلتفت
إلى الماضي البعيد، يستلهم من رموزه التراثية، مايعزز الدفاع عن الأرض، والحق، والتمسك
بالقيم التي تفعل فعلها في بناء الإنسان العربي الجديد الذي يحلم أن يرى الشاعر
شيئاً من ملامحه على أرض الواقع. وقد تمثل ذلك في استخدام التراث بالإضافة
إلى مكوناته الخاصة لاستنبات تلك القيم الجوهرية التي يوحي بها ذلك التراث بشقيه
القومي والإنساني على السواء. لقد اتكأ عدنان مردم في مسرحية ديوجين
الحكيم على التراث الإنساني الذي استقرأه من تاريخ أثينا السياسي والاجتماعي زمن
ديوجين، فكشف عن فساد الضمير والانحطاط الخلقي، والانقسام الذي ابتليت به أثينا
رغم نضج شعبها الفكري، ووجود عدد من فلاسفتها الكبار فقد انقسم الناس إلى شيع شتى.
منهم من يدعو إلى الملك فيليب المقدوني عدو شعب أثينا اللدود، ومنهم من هو حائر في
أمره، يتخبط في ظلمة الجدل العقيم، والقليل من أدرك الخطر، وكان أن هاجم فيليب
المقدوني بلاد اليونان، ودخلها دون كبير مقاومة. ذلك أنه اشترى ضمائر رجال السياسة
بالمال، ولم تحرك أثينا ساكناً طيلة حياة فيليب المقدوني، واستكانت على الضيم سوى
أفراد قلة أمثال ديموستين) تفرقوا خارج الوطن، وعاشوا مشردين. وعندما توفي الملك
فيليب ظن بعض أفراد من الشعب اليوناني، أنهم تنفسوا الصعداء ولكنّ ابنه الاسكندر
الكبير، هاجمهم ثانية وقضى على استقلالهم. شهد ديوجين تلك المأساة الأخلاقية التي
تفشت في نفوس رجال الفكر والسياسة وهاله هذا التردي في مطاوي الفساد فأنكر على
قومه رجولتهم، وراح يتحداهم بقوله لكل من كان يسأله عن سبب حمله الفانوس مضاءً في
وضح النهار؛ بأنه يبحث عن الرجل. من خلال هذه الشخصية الرمز) المعبرّة عن
الثورة والتمرد على أسلوب الشعب اليوناني في حياته الاجتماعية، المفارق تماماً
لأسلوبه في حياته الثقافية القائمة على الجدل والتفلسف والحوار، كان يريد أن يقول
ديوجين لشعب أثينا: ماذا يفيد المرء أن يتفلسف ويبحث في الأخلاق والميتافيزيك،
ووجدانه العدم فلا عجب إذا ما احتقر ديوجين أولئك الناس الذين لايغضبون لحمى
مستباح، ومجد غابر وشرف تليد، وإنما كانوا يشقشقون وهم الأذلاء، ويتفلسفون وهم
الأدعياء الجهلة)[xl])لعلنا
لانبالغ، أونشتط بعيداً إذا قلنا: إن شخصية ديوجين في هذه المسرحية تعبّر عن روح
الشاعر ذاته المتوثبة للدفاع عن هذا التراث الغابر، وعن هذا الحمى المستباح من قبل
العدو الصهيوني الغادر الذي راح يتغطرس مختالاً بانتصاراته على العرب، وبتفوقه
عليهم، وقد أشار إلى ذلك بقوله: أردت أن أسطر مأساة ديوجين النفسية
التي كان يحياها، وأخرجها مسرحية شعرية للناس، والرمز أحياناً أبلغ من الإفصاح،
ورحمه اللّه شاعر الشام الكبير الأستاذ خليل مردم بك حين قال في رائعته الشعرية
الكبرى قصيدة بردى:
ولا أخال عدنان مردم الذي تأثر بأبيه
أشدّ التأثر يخرج عن هذا المنهج الرمزي في شعره أو في نثره ولايبتعد عن الجذور
فيما يكتب، ذلك أن نزعة التأصيل مغروسة في نفسه منذ الصغر، فلم يخرج عن تعاليم
المدرسة الكلاسيكية في شعره، ولم يتحرر من شباك ذلك التراث البعيد الذي يشكل
بالنسبة إليه مرجعاً وحيداً، يستقي من أحداثه، ورموزه، وحقائقه التراثية واللغوية،
مايعزز ملكته الإبداعية، وكلما سنحت له سانحة يذكرنا بذلك الماضي الغابر، والمجد
التليد، هاهو يقول على لسان طاليس رمز التراث الإنساني الذي اختاره كنموذج مثالي
ليجري من خلاله عملية إسقاط على الواقع العربي الراهن [من مجزوء الكامل]:
أما في مسرحية القزم) فإنها تتداخل فيها
الأسماء العربية بالأسماء الأجنبية استنبطها الشاعر من تراث شعوب أخرى والرمز الذي
يشكل محور تلك الشخصيات؛ هو مصطفى كمال المقصود بالقزم) عنوان المسرحية الذي نصب
نفسه رئيساً للجمهورية بمساعدة لفيف من أعضاء مجلس النواب، الذين هم من أنصاره
ومؤيديه، ثم بعد سنتين من حكمه، قام بتغيير الحرف العربي تنفيذاً للوعد الذي قطعه
على نفسه للحلفاء، الذين اشترطوا عليه بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، وانحسار
ظل الحكم العثماني إلى الوراء، أن تقوم حكومة علمانية، وأن تبدّل الحروف العربية
بالأحرف اللاتينية، وكانت الحكومة الإنكليزية آنذاك من أكثر الحلفاء تحمساً لهذين
الشرطين اللذين نفذهما القزم) مصطفى كمال؛ منصاعاً لرغبة الحلفاء على الرغم من
مناشدة رجال الفكر والأدب والدين له رفض هذين الشرطين. حاول عدنان مردم معالجة
هاتين النقطتين مشيراً إلى منهجه الرمزي في هذه المعالجة بقوله: كانت معالجتي
لهاتين النقطتين لم تخرج عن التلميح دون التصريح، والإشارة دون التجريح، وذلك
بإيراد النكتة المهذبة، وبالرمز أحياناً، فمسرحيتي القزم من نوع الملهاة شأن
شقيقتها مسرحية المغفل، واتبعت نفس الأسلوب الذي شققت طريقه قبلاً، مبتعداً عن
الضوضاء والحركة التي يستعملها المؤلفون المسرحيون، معتمداً على النكتة الفكرية،
والإشارة والرمز))[xli]). وفي
مسرحية العباسة يشير إلى روعة الخيال في اختيار الرمز على لسان العباسة أخت الرشيد
وهي تخاطب عاتكة[xlii])[من مجزوء
الكامل]:
ومسرحية المغفل تشبه إلى حد كبير في
مضمونها نكبة البرامكة، فقد قرر أوليفير) القائد العسكري الشرير أن ينتزع السلطة
من خاله جيوفاني) بالخداع والمكر، فأرسل إلى خاله يطلب السماح له بالرجوع إلى
فيرمو) برفقة مئة فارس، وأن تقوم الأهالي باستقباله تكريماً له، فكان له ماأراد،
فأعد أوليفير) خطة آثمة للاستيلاء على المدينة تتلخص أنه دعا خاله حاكم المدينة،
وجميع الحاشية إلى وليمة كبرى، وبعد العشاء بدأ ببعض المناقشات ثم طلب من خاله أن
يبحث هذه المواضيع في خلوة، فمضى إلى غرفة مجاورة، ولحق به إليها خاله جيوفاني
والوجهاء الآخرون) فأطبق عليهم جنود أوليفير) وأعملوا برقابهم السيف، حتى
استأصلوا شأفتهم، وقتلوهم عن بكرة أبيهم، ولما تمت الخطة بنجاح، امتطى أوليفير)
جواده، ومرّ بشوارع البلدة محاصراً دار قاضي القضاة، مما اضطر الأهالي إلى الرضوخ
لحكمه، ونصبوه عليهم أميراً، لقد اختار الشاعر عدنان مردم من سيرة هذا الأمير
ملهاته المغفل) ومايجري في حكمه من أشكال الفساد، فوزراؤه مرتشون متملقون، وقطيع
الشعب حاله كقطيع تائه، يردد مايسمع دون وعي أو تمحيص، والقلة الواعية، آثرت أن
تحتجب في برجها العاجي، وكان الشريف منهم الوزير نابيس) يتكلم، ولايسمع له، حتى
وصف بالمغفل، وذنبه أن يده طاهرة، وفؤاده نقي، حتى أخيراً كاد يشك في نفسه، وراح
يقول متحسراً آسفاً[xliii]):[من
مجزوء الكامل]:
وفي مسرحية الاتلنتيد) تتسع دائرة الرمز
لتشمل الزمان والمكان، فهو يصطنع مكاناً هلامياً اسمه الاتلنتيد) لعلّه المدينة
الفاضلة التي نادى بها أفلاطون، ويرسم شخوصاً يتوزعون على جبهتين متناقضتين، جبهة
السلطة الغاشمة، وجبهة الفئة المثقفة والشعب، ويقدم الشاعر إلى مسرحيته كطريقته
المألوفة عند كل توطئة بالإشارة إلى عدم وجود هذه القارة الاتلنتيد) في عداد
القارات المعروفة، ويذكر بعض الأسماء التي عرف عنها التعصب العرقي والشوفينية
كشخصية أدولف هتلر) مؤسس الحزب النازي في ألمانيا، وموسوليني) مؤسس الحزب الفاشي
في إيطاليا والكولونيل الفرنسي لاروك) مؤسس حزب الصلبان الحديدية القومي المتطرّف
ويؤكد على أن الحريّة للإنسان والشعوب جوهر الحياة، وعظمة الأمم والشعوب لاتقاس
كما ذهب إليه موسوليني وهتلر ولاروك، بسعة الفتوحات التي تحققها الجيوش الغازية،
ولابسعة المساحات التي تسيطر عليها من أراضي الآخرين، فالدولة العثمانية في الماضي
سيطرت على قسم عظيم من قارة آسيا، وعلى قسم كبير من أوربا البلقان) مدة أربعة
قرون تقريباً، ولم تترك في ميدان الحضارة أثراً يذكر، وكذلك من قبل كان شأن جنكيز
خان، وهولاكو المغوليين، اللذين خلفاً الدّمار والخراب في كل قطر فتحاه، بينما نجد
الأمة اليونانية لم تغز جاراً، ولم تخض حرباً إلا مضطرة كحرب طروادة، ووقعة
ماراتون) التي انتصرت بها على الفرس، ومع هذا فإن حضارتها من أروع الحضارات
الأصلية التي مازالت النبراس المضيء في جبين التاريخ رغم صغر مساحتها، وقلة عدد
سكانها، وعدم تفوقها العسكري مؤكدين أن الحرية للأمة هي الأصل لازدهار الحضارة،
وليس القوة العسكرية الغاشمة والقمع، إنها الحرية التي أهدى إليها الشاعر هذا النص
المسرحي منذ البداية بقوله: إليك أيتها الشعلة المتقدة في كل ضمير
حي، إليك أيتها الحرية))[xliv]) [من
البحر الكامل]:
نعم الحرية التي يجسّدها الوعي، واحترام
الرأي الآخر، والديمقراطية بأسمى معانيها، هذه المعاني التي هي كانت الدافع
الأساسي لتأليف هذه المسرحية كما أشار إلى ذلك الشاعر في التوطئة هذا ماحدا بي
إلى نظم مسرحيتي الشعرية الجديدة هذه، لأبيّن خطر الحركة الفاشية والنازية في وأد
الحرية الفكرية، والأساليب البشعة المتبعة عندهم، صورت في مسرحيتي الشعرية الاتلنتيد)
كيف أن القوة الغاشمة، استأثرت بمقاليد الحكم في قارة الاتلنتيد، واستطاعت أن تصرف
جمهوراً كبيراً عن سبل التفكير السليم، حتى خيل للطاغين أن الأمر استتب لهم، غير
أن بعض ومضات فكرية من أصحاب النفوس الحرّة، أيقظت ضمير الشعب، حين صحت العزيمة
واستيقظت الإرادة الخيّرة في النفوس))[xlv])وكان
الرمز التراثي الإنساني البطولي الذي اتخذه محوراً للنضال من أجل الحريّة أوراس)
المسؤول الأول في التنظيم الذي دعا إلى نيل هذه الحريّة كاملة غير منقوصة، واستمر
بحمل الراية من بعده أبسال) صديقه وهيلين) زوجته. هذه المسرحيات الخمس، كان الرمز الشعري
التراثي واضحاً على الشخوص، والزمان، والمكان، والأحداث، اختار الشاعر بعناية
فائقة أحداثاً وشخوصاً من شعوب أخرى، ليؤكد أن التراث الإنساني متشابه إلى حد
كبير، وبعض الرموز التراثية فيه يمكن أن تنسحب على أي شعب من الشعوب، وليوضّح
حقيقة الموقف الذي ينبغي على الإنسان أن يقفه عندما تُغتصب أرضه، أو تُغتال حريته،
ومن خلال هذه الرموز الإنسانية تمايزت المسرحية المردمية عن سواها. أما المسرحيات
التي كان التراث القومي متمثلاً في رموزها، فهي التي حملت أسماء رجال ونساء ضربوا
المثل الرائع، وكانوا القدوة، والنموذج في الصدق والأخلاق، والمحبة، والشجاعة في
الموقف أمثال مصرع غرناطة، والحلاّج والملكة زنوبيا، ورابعة العدوية، وأبو بكر
الشبلي وغيرهم من الشخصيات المبثوثة في تلك النصوص. إن عدنان مردم يوظف الرمز التراثي، لطرح
الأفكار التي يرغب في إيصالها للمتلقي، فالحسين الحلاج، صورة مثالية نموذجية لرجل
الفكر، الذي يناضل من أجل انتصار مبادئه وأهدافه، فهو يصوّر في هذه الشخصية طابع
الحرص على المبدأ مهما كانت أدوات الترغيب والترهيب، والتمسك بالقيم، فالحلاج صاحب
الفكر والمبدأ يتصدى للسلطان الظالم، ويطلق صيحة الثورة في وجه أعداء الخير والحق
والفضيلة من غير خوف أو تردد. هاهو يجيب صاحب الشرط وهو يسأله مستغرباً: أو
ماجزعت من الردى وحذرت من ريب الليالي؟) بقوله[xlvi])[من
مجزوء الكامل]:
ويتكرر المشهد ذاته
مع الرمز الأنثوي النموذج) رابعة العدوية التي ذهبت شاردة في بلاد اللّه الواسعة
تبحث عن ملاذ للعيش بكرامة، بعد أن حلّت بالبصرة مجاعة أرغمت معظم سكانها على الرحيل
منها، فاختطفها أحد اللصوص، ثم باعها بستة دراهم إلى أحد التجار في زمن تجارة
الرقيق، فاشتغلت عنده عازفة زمر زمّارة) وما كانت تنقطع عن الذهاب إلى المسجد في
ساعات الراحة للتعبير عن إيمانها، ولما آنس لديها شفافية الإيمان مولاها أعتقها،
فجعلت من هذا الكون أنشودة روحية، وانتقلت بمفهوم التصوّف الذي كان ضرباً من ضروب
التقشف والزهد إلى فكرة الحب الإلهي، الذي يؤدي إلى الكشف والإلهام. لقد حاول
عدنان مردم أن يبيّن مأساة حياة الرق، تلك المأساة البشعة التي لم يخل من عارها
عصر، وإن اختلفت الأشكال والأساليب وكأنه أراد أن يشير إلى استعباد الأمم القوية
للأمم الضعيفة بحجة الأخذ بيدها إلى مصاف الأمم الراقية، كما أن المدينة الحاضرة
أباحت التجارة بالرقيق الأبيض في حلبة الحانات والمواخير بدلاً من سوق النخاسة،
يقول الشاعر في مقدمة هذه المسرحية: رأيت أن أسطر مأساة حياة الرقيق، لأنها لم
تزل تمثل كل يوم، تحت سمع الناس وبصرهم، وأحببت أن أقدم شيئاً من روحانية رابعة
العدوية التي فتحت آفاق الصوفية في محبة اللّه تعالى، وكم نحن بحاجة إلى مثل هذا
الحب السامي بعد انهيار المفاهيم الأخلاقية، وطغيان المادة على الروح))[xlvii]).
والحال هو الحال في مسرحية أبو بكر الشبلي)) الذي أصيب باللوثة بسبب الهيام في
حب اللّه، فإذا كانت رابعة العدوية قد جاءت بنظرية الحب الإلهي؛ فإن أبا بكر
الشبلي، قد زاد عليها الإغراق في الحب حتى الجنون، فقد تخلى عن منصبه في الدولة
كأمير لمقاطعة دماوند)، وعاف زيف الدنيا، بعد أن تمكنت المعرفة من لبه، وراح يقهر
نفسه بالحرمان، ويقسم أمواله على المحتاجين الفقراء، ويعتق جميع العبيد الذين
كانوا بحوزته، ويحرر إماءه من ربقة الرق، ويقنع بالفقر صاحباً وخديناً. يقول عدنان
مردم في تقديمه لهذه المسرحية: اتخذت من حياة الشبلي الروحية، ومن مجتمع بغداد
المادي المضطرم بناء ثورة الزنج مصدراً لمسرحيتي الشعرية هذه، راجياً أن يجد
القارئ في حياة الشبلي واعظاً ومزدجراً، نحن أبناء هذا العصر المادي الذي نحيا به
حياة مادية خالصة، ونتخبط في ليل مظلم مدلهم))[xlviii]).
وفي مسرحية مصرع غرناطة التي يصور فيها مأساة جلاء العرب عن إسبانيا، حين تم تسليم
غرناطة إلى القوط ويشبهها بمأساة فلسطين اليوم، وماأوجع المصيبتين على القلب،
فأكثر ملوك العرب والأمراء المحيطين بالأندلس، كانوا في غفلة تامة عما يجري من
أحداث، رغم الصيحات التي كانت تأتيهم بواسطة الرسل والرسائل، مثلهم مثل أمراء
وملوك العرب الذين يحيطون بفلسطين، فقد تقاعسوا عن مد يد العون كما يجب للأشقاء
الفلسطينيين وهم بأمس الحاجة للمساعدة. استطاع عدنان مردم أن يوظف عدداً من الرموز
القومية التي اختارها من التراث بلحمها ودمها وحروف أسمائها كشخصية موسى بن أبي
غسان، وأصحابه نعيم بن رضوان، ومحمد بن زائدة ووالدة أبي عبد اللّه الصغير عائشة
الحر، التي وقفت في صف موسى، ولم تأل جهداً في شد أزر المقاومة، وذهبت بنفسها إلى
البلاد العربية، تستنجد بالعرب وتحض قواد الجيش الغرناطي على خوض الحرب حتى تحقيق
النصر. استطاع أن يوظف هذه الشخوص لكي يقول لنا: هكذا كان الآباء والأجداد، فماذا
ينبغي علينا أن نكون؟ [v]) عصمت، رياض، المسرح العربي سقوط الأقنعة الاجتماعية، مؤسسة الشبيبة
للإعلام والطباعة والنشر، دمشق، ط1، 1995، ص22. [xxv]) باكثير، أحمد علي: فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية) معهد
الدراسات العربية العالمية، القاهرة، ط2، 1964م، ص35. [xxx]) هو، غراهام مقالة في النقد) ترجمة محي الدين صبحي، المجلس الأعلى
لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، دمشق، ط1، ص56. |