|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:50 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
تمهــــيد
يشكل المنطلق القومي في معظم مسرحيات
عدنان مردم الشعرية اتجاهاً بارزاً، يطغى على جميع الاتجاهات الأخرى لمسرحياته،
وإذا كان صحيحاً أن الأسلوب هو الرجل، فإن الفكر، هو الدماغ أو الرأس في ذلك الرجل
لأنه يمثل البوصلة، التي تشير إلى توجهات الإنسان، وأفكاره في كل مايكتب، أو يتحدث
أو يقوم به من سلوكات في الحياة. فإذا ما أخذنا بعين الاعتبار التربية
التي أعدّ في رحابها، والبيئة الثقافية التي نشأ وترعرع في كنفها. والثقافة
العربية الإسلامية التقليدية التي تشرّبها في صغره عندما كان يؤم مجلس أبيه خليل مردم،
وفي كبره بعد أن عاد إلى أمهات الكتب. ليستقي منها معارفه، وعلومه يضاف إلى ذلك
ماحصل عليه، واختزنه من الثقافات العالمية الأخرى. كل أولئك ساهموا في تكوين الفكر
القومي الإنساني المنفتح لدى شاعرنا عدنان مردم الذي يُعد أحد روّاد المسرح الشعري
العربي الذين أسهموا في تعزيز هذا الاتجاه القومي في المسرح العربي المعاصر. قد
نجد أثراً واضحاً لتأثره بالجوّ الديني الذي يحيط بأسرته، لكن هذا الأثر بقي
محدوداً في سياق الفهم السمح للإسلام، وفي الفهم المعمّق للدين، من خلال نزعة
التصوّف التي يبدو أنها كانت تشده أكثر من سواها إلى هذا الاتجاه من التدين. فقد
كان زاهداً في كل شيء إلا في طلب العلم والمعرفة، وكان متوجهاً بكليته إلى اللّه،
فاللّه عنده خير ومحبة وعدالة، ومصدر للطمأنينة، وملاذ للأمن عند الشدّة، وانصهار
مع الوجود والكون والذات المبدعة عند التجلي، ولم يكن وقوفه الطويل في محراب رابعة
العدوية، والحلاج، وأبي بكر الشبلي، وكلّهم من أعمدة الصوفية إلا من هذا القبيل.
والأبيات التي افتتح بها ديوانه نفحات شامية) تشير إلى هذا التعلق الصوفي بالذات
الإلهية، والحب اللامتناهي لهذه الذات حيث يقول[i])[من البحر الكامل]:
وإذا استطاع هذا الوسط البيئي المحافظ
الذي تمثله الأسرة، أن يؤثر في تكوين فكر شاعرنا على هذا النحو، فإن البيئة
الشامية الواسعة التي كان بها مسقط رأس الشاعر في عاصمتها دمشق، ونشأته ودراسته،
وشاعريته في أرجاء غوطتها الغناء. ساهمت هي الأخرى في غرس هذا الشعور القومي
الأصيل الذي بدأت بذوره تتفتح منذ عصر النهضة، وغراسه تنمو وتكبر مع بداية منتصف
القرن العشرين، حيث كان الشاعر يعاصر هذه المرحلة التاريخية. ويواكب أحداثها بوعيه
المعرفي، ووجدانه القومي، هذا الوعي الذي ابتعد بمنطلقاته عن أي تفكير سلفي جامد،
بل فتح أمامه آفاقاً رحبة من النزوع القومي الإنساني الصوفي الذي يجمع بين
الاعتداد بالماضي، والاستمداد منه كل شيء مضيء وناصع، وبين الحوار والاقتباس
والتفاعل مع الثقافات الأخرى التي يتجدد كل شيء فيها باستمرار حسب قوانين الصيرورة
المتكاملة في الماضي والحاضر والمستقبل. في إطار هذا الفهم الواعي للفكر القومي
الإنساني البعيد عن أي شكل من أشكال التعصب أو الشوفينيه، والذي يقوم على وحدة
اللغة، والتاريخ، والجغرافيا، والعادات، والتقاليد، والمصالح المشتركة، والآلام
والآمال، وليس على وحدة العرق أو الجنس، أبدع الشاعر عدنان مردم مسرحياته الشعرية
المفعمة بحب الوطن، وبالانتماء لهذه الأمة العريقة بأمجادها وحضاراتها، وبالإيمان
المطلق بقدراتها، وإمكاناتها في مقاومة كل محاولات الإفناء، بما تمتلكه من مقومات
المقاومة، والبقاء، والاستمرار، والوحدة، ونادراً ما نقرأ له مسرحية إلا ونجد فيها
ملمحاً من هذه الملامح القومية التي تنبض بها شاعريته، وعبقريته، في كل ما أبدع
شعراً أو نثراً طوال حياته. وسوف نتلمس هذه الملامح كما كان ينظر إليها في سلّم
الأولويات. 1-اللغة العربية،
والتمسك بالفصحى
استحوزت اللغة العربية على ساحة كبيرة من
تفكير الشاعر عدنان مردم واهتماماته حيث كان ينظر إليها نظرة خاصة، ويعطيها المقام
الأول في تكوين الأمة، ووحدتها، وباعتبارها أقوى العوامل، وأشدّها تأثيراً في
عمليات التواصل والتفاعل بين أبناء الأمة الواحدة. فهي مرآة الأمة، وسجل تاريخها،
ومخزن حضارتها، وأداة عبقريتها، لقد أدرك عدنان مردم أهميتها في حفظ التراث الفكري
والروحي للأمة، وأهميتها في حياة العرب القومية في الماضي والحاضر معاً، فحارب كل
مواقف التشكيك فيها، وصاغ شعره ومسرحياته وكل ماأبدع بلغة أصيلة، متينة السبك،
رفيعة المعاني، مرصوصة المباني، تذكرنا بلغة أولئك الأفذاذ الأماجد من كتاب
العربية الذين زادوا عن حياض الفصحى، وحموا ذمار الأصالة الشعرية على مدى تاريخنا
الأدبي العريق، كأصدق مايكون الذود عن الحياض، وأشرف ما تكون حماية الذمّار))[ii])
وكان عدنان مردم يرى أن كلّ شيء فان إلا البيان فهو المخلد الذي لاينال منه الفناء
نصيباً وفي ذلك يقول[iii]) [من البحر
الكامل]:
وتجلى سحر البيان في نصوص المسرحية التي
لم يقبل أن يكون في واحدة منها عبارة باللهجة المحكية، حتى العبارات التمهيدية
التي كان يقدّم فيها لبعض المشاهد، كانت باللغة العربية الفصحى ففي مسرحية العباسة
يقدّم للمشهد الخامس من الفصل الثاني بقوله: [تدخل مهدية وبيدها ورقة، وتتقدم من زبيدة][iv]). زبيدة: من أين؟ مهدية [من مجزوء الكامل]:
[تأخذ زبيدة الورقة وتقرأ شعراً لأبي العتاهية اقترحته عليه في
التحريض على البرامكة] مشيراً بطرف خفي إلى أهمية البيان في تحريك المشاعر
الإنسانية [من مجزوء الكامل]: زبيدة:
هكذا كان يرى أن الفصحى أمضى من السيف
البتار في وجه الذين يحاربون العرب والعربية، فلم يكتب نصاً شعرياً أو نثرياً
واحداً بالعامية، وجميع النصوص المسرحية الشعرية التي أبدعها، كان البيان والفصيح
واللسان العربي الأصيل مجلياً فيها. ولقد أدرك عدنان مردم أن اللغة العربية
لغة التراث والشريعة والفصاحة والبيان، وأنها أكثر لغات العالم سمواً في عالم
الفكر، وأغناها من حيث مفرداتها، وسعة اشتقاقاتها، ودقة تعبيرها ومرونتها وفي ذلك
يقول: اللغة إرث تاريخي، وآصر مقدس من أواصر أمتنا العربية، ولايمكن التهاون
بهذا الإرث الحضاري. كان هناك سدنة اللغة والتراث، يهبون أعمارهم لخدمة الحضارة
العربية. الآن يؤسفني أن أرى بعض المتنورين لايخجلون من تحطيم هذه القيم، ويؤسفني
أن يبدأ هذه الحملة سعيد عقل) ))[vi]). وكان لايقبل عن الفصحى بديلاً، وعندما
كان يسأل عن استبدالها بالعامية لايتوانى عن تمسكه بالفصحى، ورفضه القاطع لهذه
الدعوات لأنها تزيد فرقة العرب، وتزيد من لهجاتهم بينما اللغة الفصيحة توحّد أبناء
الضاد، وتزيد من تلاحمهم في ذلك يجيب أحد محاوريه عن سؤاله: هل يمكن أن نستبدل
العامية بالفصحى؟ قائلاً: أسأل هل يمكن أن أفهم، أو يفهم غيري لهجة محلية صرفة
من بلد عربي آخر مثلاً... أعتقد أنه يتعذر ذلك. إن اللغة العربية توحد بين كل
الأقطار العربية، ويفهمها الجميع، ويجب أن تسود))[vii])حتى
إنه لم يوافق على اللغة الثالثة التي تجمع بين الفصحى والعامية، وبقي حتى آخر يوم
في حياته لايتفق مع الذين يدعون إلى تفجير اللغة، أو تحويلها عن قواعدها المألوفة،
مع أنه لم يتخذ الموقف ذاته من الحداثة وحركات التجديد التي لابدّ أن تلامس اللغة
من قريب أو بعيد، حيث يجيب أحد محاوريه في الأسبوع الثقافي عن حركة التجديد في
الشعر العربي بقوله: الواقع لايوجد شعر تقليدي. وشعر مرسل، فالشعر إما أن يكون
جيداً أو رديئاً، ونحن نريد القصيدة البارعة، سواء أكانت تقليدية أم تجري على
التفعيلة، لأن الشعر لايخرج عن كونه نفسياً عاطفياً إنسانياً، والنغم العبقري يظل
عبقرياً بغض النظر عن الآلة التي يوقع عليها الفنان ذلك أن العازف البارع، يهز
المشاعر في ضربه على الكمان أو على البيانو أو على الأرغن، وليست حركة التجديد اليوم
إلا محاولة في مرحلتها الأولى ولايتسنى للمرء أن يعطي رأياً قاطعاً.. أما القول
بأن التجدد انتاب كل شيء، فإن هناك أشياء ثابتة وقواعد راسخة لدى جميع الأمم
لايمكن أن تمتد إليها يد العبث، كقواعد اللغة من صرف ونحو، وأنماط الفنون الأدبية
من نثر أو شعر، فتظل هناك ضوابط ترعاها، وتقيدها، ولولا ذلك لعمت الفوضى))[viii]). وهكذا كان عدنان مردم يرى أن الشخصية
الثقافية للأمة مرتبطة بشكل أو بآخر بلغتها، وأن اللغة العربية هي قوام شخصية
الإنسان العربي، وهي أقوى من العوامل الجغرافية، والتاريخية، وأقوى من وحدة
المصالح الاقتصادية، لأنها الوعاء الحضاري للأمة، والإرث التاريخي الذي يحقق عملية
التواصل، والتفاعل، والمشاعر بين أبناء الأمة الواحدة. لذلك بقي متمسكاً بها
متحمساً إليها، ومدافعاً عن فصحاها في جميع اللقاءات والندوات التي شارك بها،
ولاغرابة في ذلك فقد كان والده الشاعر خليل مردم رئيس مجمع اللغة العربية... وهو
أستاذه ومثله الأعلى، أكثر أدباء الشام وشعرائها اعتداداً بهذه اللغة، ودفاعاً عن
قواعدها وفصحاها. الأمر الآخر الذي يؤكد حرص الشاعر عدنان مردم على الفصحى وتعلقه
بها، أنه ماكان يتحدث إلى أقرانه، وأصدقائه في المجالس الخاصة أو العامة؛ إلا
بالفصحى محافظاً على سلامة التشكيل، ونطق الحروف، ولذلك كان يوجز في الحديث وينظم
الأفكار التي يروم إيصالها إلى من حوله قبل كل حديث. وإلى ذلك يشير في إحدى قصائده
التي اختار لها عنواناً مناسباً للدقة في العبارة، والاختصار في القول هي: روعة
حديث)، نختار منها بعض الأبيات التي تؤكد ماذهبنا إليه [من البحر المجتث]:
إن عدنان مردم كان يُعنى عناية فائقة
بدراسة اللغة العربية، من حيث نتائجها وخصائصها الاجتماعية والنفسية والصوتية، ومن
حيث تقنيات وتراكيب كل لغة على حدة، وللتعرف على ماهية اللغة في بعدها الكلي
الشامل، وإذاً فعيان الماهية هو نقطة البدء في دراسة اللغة واستبطانها وعن هذه
الماهية يقول هيدجر HEDGAR) " إنها لاتنحصر في كونها وسيلة للفهم، فتعريفها على هذا
النحو لايصل إلى ماهيتها الخاصة، وإنما يورد نتيجة من نتائج هذه الماهية، إذ اللغة
ليست مجرّد آلة يملكها الإنسان إلى جانب كثير غيرها، وإنما هي أولاً وعموماً،
مايضمن إمكان الوقوف وسط موجود هو موجود منكشف، فحيث تكون لغة يكون عالم، وحيث
يكون عالم يكون تاريخ، واللغة من هذه الوجهة تضمن للإنسان أن يكون على نحو تاريخي،
فهي ليست أداة جاهزة، بل بالعكس إنها تلك الحادثة التي تملك بين يديها أعلى
إمكانيات الوجود الإنساني))[ix]). واللغة بهذا المفهوم إمكانية فاعلة في
تحقيق الوجود الإنساني الموثق بالمكان والزمان أي بالتاريخ والجغرافيا فاللغة
والعالم والتاريخ مشروط بعضها ببعض، بحيث لاينبثق العالم ولايتضح إلا باللغة، كما
أن الإنسان لايكون على نحو تاريخي إلا إذا انتمى إلى الموجود في جملته، وشهد على
هذا الانتماء، فانكشاف العالم إذاً وتاريخية الإنسان مشروطان باللغة))[x]). ولأن الشاعر عدنان مردم كان يعي جيداً
هذه الحقيقة، ويعتبرها بعداً قومياً من أبعاد الاتجاه القومي الذي يؤمن به، ويسعى
جاهداً في شعره ومسرحه لترسيخه في عقول الدهماء، كان متشدداً بالدفاع عن الفصحى في
الحوار الشفوي، والكتابي، لأن الحوار هو الأقدر على كشف وجوه استعمال اللغة مع
الآخر المتلقي) وإذا كان الكلام لغة، فإن الصمت أيضاً لايعد وأن يكون كلاماً
وحواراً داخلياً بل هو على حد تعبير كير كجورد) ماهية أصيلة للجوانية والحياة
الباطنة، والذين يعرفون كيف يصمتون، هم وحدهم القادرون على الكلام بشكل أصيل))[xi]).
لعله من قبيل الفهم العميق لماهية اللغة العربية، والحوار كان يسمح لبعض الشخصيات
في مسرحياته أن تعالج الموقف داخلياً مع برهة من السكوت والصمت. 2-استحضار التراث
والتمسك بالأصالة
ترعرع الشاعر عدنان مردم منذ نعومة
أظفاره على حب التراث العربي، وقراءته، قراءة معمقة، فازداد تعلقاً به عاماً إثر
عام، ولاسيما المضيء منه، وسعى جاهداً بعد أن صلب عوده، واستقامت قناته، وبرزت
موهبته التأصيلية في النفس العربية التواقة لإذكاء شعلة الحضارة العربية الغابرة
من جديد، غير عابئ بكل الدعوات المهدمة لهذا التراث. فكان بحق مدافعاً صلباً عن
الأصالة، داعياً للتمسك بها، والسير على منهاجها، متفائلاً أن هذه الأمة التي
كَبَتْ بعض الوقت، لابد أن تنهض من كبوتها، وتستعيد أمجادها، وتبني حضارتها
العربية المعاصرة بناءً جديداً في الشكل والمضمون، يتحقق فيه التوازن الفعلي بين
الأصالة والمعاصرة، وبين هوية الانتماء للأمة ومواكبة المتغيرات الكونية. ولم يتأت
له ذلك من فراغ، بل من خلال إيمان عميق بالقومية العربية المنفتحة على العالم،
المتجددة دوماً مع تجدد الأزمنة، وليس بالقومية العربية المنغلقة على ذاتها،
المتعصبة لنفسها وأبنائها فقط. إن موقف عدنان مردم من التراث واضح وصريح، لالبس
فيه ولاغموض، فهو مع التراث وليس على الموروث، وهو مع الأصالة والمعاصرة في آن
معاً، لأنه يؤمن أن الانقطاع والانفصال عن ماضي الأمة، يعني ضياع الهوية القومية،
وأن الانقطاع والانفصال عن الحاضر والمستقبل، يعني التحجّر والتجمد في المكان على
طريق التخلف، والانعزال عن العالم، خارج العصر الذي ينبغي أن تعيشه كل أمة من
الأمم في سياقها التاريخي. فالماضي عنده عنصر هام من عناصر الوجود القومي للأمة،
باعتباره الأرومة التي تحفظ لهذا الوجود خصوصيته القومية، والحاضر هو النسغ الذي
يمدّ هذا الوجود بالاستمرار، والتجديد، لصياغة المستقبل. فمن يفرط بماضيه يعجز عن
إدراك حاضره، ومستقبله، ومن يتنكر لتراثه الثقافي الذي يتضمن أروع ما أبدعه العقل،
وأمتع ما أوحى به القلب، سوف يفقد بالتأكيد ذاكرته الوطنية والقومية التي تعرّفه
بمزايا أمته التاريخية وآثارها العلمية والأدبية، والعكس هو الصحيح عند من يطيل
المكوث في محراب هذا التراث يتهجد بمنجزاته، ويكتفي باجترارها، من غير أن يضيف
إليها شيئاً من إبداعه ومنجزاته، لابد أن يصيبه الوهن، والشلل، والموت في مقابر اجترار
الماضي، وتصنيم التراث. من هذا المنظور الذي يحقق التواصل، والحوار الواعي بين
الماضي والحاضر والمستقبل، للتمييز بين المضيء المفيد من هذا التراث، وبين المعتم
الضار الذي، يذكّر بالمآسي، ويوغر الصدور، ويزيد الفرقة، كان ينظر عدنان مردم إلى
تجديد التراث في جوانبه الحية الغنية، وإلى استبعاد الجوانب العائقة للتطور، ومن
هذا الفهم للأصالة، انطلق في اختيار موضوعات مسرحياته الشعرية التي تتمحور معظمها
إذا لم نقل جميعها حول انبعاث الماضي، وإحياء التراث إحياءً يناسب لغة العصر،
ومتغيراته. جعل الرموز التاريخية، والإضاءات التراثية الفنية بدلالاتها القيمية،
والقومية، والإنسانية، منطلقاً في بناء مسرحه الشعري الذي يؤصل لثقافة هذه الأمة،
ويجدّد في تراثها من خلال فكر قومي مستنير، يرتكز على فلسفة عربية يتماهى فيها
التقليد بالاقتباس، والتجديد بالتواصل مع الجذور التي تشكل المنطلق والأساس لكل
ابتكار أو إبداع، إنه مفهوم يقوم على الفهم الواعي للتراث، وأهميته في تعزيز هوية
الانتماء القومي، لأن الجهل بالتراث، يورّث التراخي في الدفاع عن الأصالة،
والهوية، والمعرفة المعمقة به، تزيد الإنسان تمسكاً به، وصموداً في الدفاع عنه
بوجه جميع المحاولات الرامية إلى زعزعة الثقة بوحدة هذه الأمة، وتاريخها الناصع.
ومن هذا المنطلق ومن هذا الفهم الواعي للتراث، طرح عدنان مردم مع غيره من الشعراء
والمفكرين مقولاته الفلسفية التي يشكل الاتجاه القومي محورها الأساسي في مسرحياته
الشعرية التي تصل إلى خمس عشرة مسرحية، تجنب فيها التقليد الأعمى، وآلف بين الماضي
والحاضر، وبين الشرقي والغربي، وساهم بشكلٍ فعّال في تنمية الوعي القومي، وخلق
الروح الوطنية، وإضفاء الروح الإنسانية العامة على مجمل إبداعه، فالماضي الذي يعتز
به، والحاضر الذي يعايشه بكل جوارحه، والمستقبل الذي جند نفسه، للمشاركة في
صياغته، صار هاجسه الأول، ومحور إبداعه، فقد أنفق جل وقته في السنوات الأخيرة من
عمره، للإبداع المسرحي والقراءة، في ذخائر كتب التراث، والتمحيص في المخطوطات التي
تركها له والده خليل مردم بعد رحيله، كان يفتش في أعماق ذلك الماضي عن رموز الحق،
والعدالة، والاستشهاد، ليصوغ من تلك الرموز مسرحياته الشعرية، لم يكن الماضي غاية
بحد ذاته، بل كان وسيلة لإمداد الحاضر، والمستقبل بالناصع، والمضيء من المواقف،
والأحداث، فالتراث العربي والتراث العالمي اللذان اطلع عليهما، ليسا أكثر من جسر
ومخزون معرفي لإشادة حضارة عربية معاصرة، نواتها الوحدة العربية، ولحمتها وسداها
العدالة والحرية والديمقراطية. لم يكن محدود الآفاق والرؤى، لذلك اقتبس من التراث
العالمي مايغني ثقافته، وتراثه، وصهر معارفه التي اختزنها في بوتقة أفكاره التي
يؤمن بها، وتجاربه التي عاشها، ليقدّم نصوصاً مسرحية قوامها التجديد والإبداع،
وليس التقليد، والاتباع. ففي دواوين الشاعر، يعيش المرء لحظات ممتعة مع الجمال،
ومع التاريخ، ومع الشعر: مع جمال دمشق وغوطتها، وجمال دمّر، وربوتها، وهامتها، ومع
تاريخ دمشق العريق المجيد من عهد الغساسنة وبني أمية، ومع الشعر الهادئ الذي يسجل
الجمال، ويذكر بأمجاد التاريخ، مهيباً بالحاضر أن يبقى مثل الماضي، ليظل لدمشق
المدينة الخالدة، جمالها، ومجدها، ولبردى ترتيله الخالد في قلوب الأجيال[xii])[من
مجزوء الكامل]:
إنها الرؤى التي تستمد خيوط ضيائها من
الغابر المعطّر بالتراث العريق، الذي يمد هذا الحاضر بالقوة، والاستمرار فما تكاد
تخلو قصيدة من دمشقياته الجميلة من تلك اللمسات الوطنية والقومية التي تؤكد على
تمكسه بالتراث، ودعوته للأصالة، وماتنفك ذكريات غسان، وأمنيته تتكرر في قصائده، ولايكتفي
بمجرّد التغني بالماضي هرباً من الحاضر، بل تحمل في تضاعيفها كل معاني التحدي
للحاضر، وكل معاني الاستثارة الملحة، فلقد بادت غسان وأمية من قرون، ولكن دمشق
باقية، تسجل لكل جيل من أبنائها مايقدم لها مجداً من قرابين على مذبح الحرية
والكرامة. أليس هذا مايعنيه قول الشاعر[xiii])[من
البحر الكامل]:
أوليس ذلك مايعنيه بقوله: إن دمشق
التاريخ والمكرمات، لم تغب عن ذاكرة الشاعر، بل ظلت تمثل له حاضرة التاريخ،
والتراث، والعزة القومية، وحاضنة المجد في الماضي والحاضر والمستقبل هاهو يقول
فيها[xiv])[من البحر
الكامل]:
لعله كلما استراحت ذاكرته، وعيناه من
قراءة ذلك التراث العابق بالأمجاد والمفاخر، ذكرته تلك الأوابد التي تشمخ في الحي
الذي يسكن فيه، حيث منزله يحاذي الجامع الأموي، ويجاور قبر صلاح الدين الأيوبي،
والمكتبة الظاهرية، ومجمع اللغة العربية، وسوق الحميدية، فتستيقظ الشاعرية، وتنتعش
الذاكرة، فيمسك قلمه السيال، ويبدأ الكتابة، أما في المسرح فجميع مسرحيات الشاعر منظومة
شعراً، رغم إدراكه أن الشعر لم يعد اليوم لغة المسرح باستثناء الأوبرا، التي
ماتزال تؤكد حضورها في كثير من البلدان في العالم. وجميع تلك المسرحيات اشتملت على
هذا الارتباط الوثيق بالتراث والأصالة والقيم. في حديث أجراه الأديب والناقد المسرحي
السوري عدنان بن ذريل مع الشاعر عدنان مردم، وسجله في ختام كتابه الشخصية والصراع
المأساوي) الذي درس فيه مسرح شوقي وعزيز أباظة، وعدنان مردم بك، يجيب عدنان عن
السؤال التالي: ماهي فلسفتكم في الحياة، وفي الأدب، وفي المسرح، فيقول:
"الأدب رسالة فنية وأخلاقية، ورسالة الأدب ترمي إلى أن تحرر إنسانيتنا الخيرة
التي لم تزل سجينة في أعماقنا. أما عن الشخصيات والمدارس المسرحية التي تأثر بها
الشاعر فيقول: طالعت للكثيرين من كتاب المسرحية القدامى، والمحدثين على اختلاف
مدارسهم، غير أنني أعجبت بصورة خاصة بالشاعرين اليونانيين سو فوكليس، وارستوفان،
وبالشاعر الانكليزي شكسبير، وبالشعراء الفرنسيين كورناي، وراسين، وموليير، واستفدت
كثيراً منهم، ولكنني لم ألزم نفسي بالتقيد بواحد منهم، بل سلكت طريقاً خاصاً بي[xv]). نعم، لقد نهل عدنان مردم من التراث
العربي، ومن تراث الأمم والشعوب الأخرى، لكنه بقي له صوته المتفرّد، وأسلوبه
المتميز، وطرائقه، ورؤاه وقد أشرنا عند الحديث عن اعتماده على الرمز في التراث
القومي والإنساني، إلى اعتداده، واعتزازه بتراثه العربي الثري يندر أن تخلو منه
قصيدة أو مسرحية وطنية أو قومية. 3-الانتماء القومي
والتغني بالمآثر والدعوة للوحدة العربية
حرص عدنان مردم حرصاً شديداً على إحياء
الذاكرة القومية في الوجدان العربي. وحشد كثيراً من أفكاره، وأدواته الإبداعية
لتحقيق الأهداف الوطنية والقومية التي كان يؤمن بها. وحاول من خلال منتدى الأربعاء
الثقافي الذي كان يقام أسبوعياً في منزله، ومن خلال قصائده، ومسرحياته أن يرسخ
دعائم ثقافة قومية، تطبع كل مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية في الوطن العربي
بطابعها القومي. وأدرك أن التاريخ يشكل القاعدة الأكثر ارتباطاً بالشعور القومي،
فحاول إيقاظ الذاكرة الوطنية والقومية في نفوس الجماهير العربية من خلال إعادة
صلتهم بماضيهم من جهة، وتحفيزهم لصياغة حاضرهم ومستقبلهم بما يعزز ذلك الماضي،
ويضيف إليه مفاخر ومآثر جديدة، وقد تجلى ذلك في التركيز على الجوانب التالية: أ-الإيمان بالوحدة العربية: حيث
كان يؤمن إيماناً مطلقاً بأن الأمة العربية، وحدة روحية وثقافية، تؤكدها الحقائق
التاريخية والجغرافية، واللغوية، والآلام والآمال المشتركة التي تعبر عن أصالة هذه
الأمة، وتماسكها، وأن اللغة العربية هي التي تعبر عن هذه الوحدة الثقافية، وأن
القومية العربية إنما هي إيمان عميق بعبقرية الأمة العربية. وقدرتها على التجدّد،
والإسهام في بناء الحضارة الإنسانية، وكان يطمح أن يكون للعرب هذه الثقافة القومية
المتجددة التي تعيد إليهم سابق مجدهم، وتدفعهم إلى إبداع قيم ثقافية جديدة، تنبع
من روحهم القومية، وتلائم بين منازعهم، وحاجاتهم الحاضرة من أجل خلق جيل مؤمن
بوحدة أمته، وخلود رسالتها، آخذ بالتفكير العلمي، طليق من قيود الخرافات،
والتقاليد الرجعية، مشبع بروح التفاؤل، والنضال، والتضامن مع مواطنيه في سبيل
تحقيق الانقلاب العربي الشامل، وتقدم الإنسانية)[xvi]). إذن هو من المبدعين الذين يريدون الجمع
بين القديم والحديث، بين تراثنا العربي الأصيل، ومعطيات الحضارة الغربية، من خلال
الإدراك الواعي بأهمية الربط والتواصل بين الماضي والحاضر وقراءته القراءة
الموضوعية الواعية، وبين المستقبل الذي يتشكل من خلال إدراك ذلك الماضي والبناء
عليه. ولعله في هذه النظرة لم يشبه جانوس) ملك لاسيوم) صاحب الرأس ذي الوجهين،
ينظر بأحدهما في الماضي، وينظر بالآخر إلى المستقبل، كافأه الإله ساتورنس) فمنحه
بصيرة وقادة، كما تقول الأسطورة تساعده على إدراك الماضي والمستقبل معاً. بل زاد
على ذلك بأن نظر بعينين ثاقبتين إلى الواقع، بعد أن عاين هذا الواقع، وعايش
أحداثه، وعانى الأمرين من حالات التردي، والضعف، والتشرذم السياسي والأخلاقي،
والقيمي التي تعاني منه الأمة، فزاده ذلك إصراراً على طرح أفكاره الوحدوية
الأصيلة، وإصراراً على صون القيم الثقافية التي تعيد اللحمة إلى هذه الأمة من خلال
الدعوة للأصالة، والتمسك بالهوية، وإيقاظ الذاكرة التي يستعيد من خلالها الإنسان
العربي ارتباطه، بهذا الماضي، وتستيقظ في وجدانه كل الموثبات المساعدة لرفض أي
انقطاع عن الجذور، أو تفريط بالتراث أوتعصب زميم في فكر أو دين، أو تراخٍ في
الدفاع عن مقدسات الأمة، وحرماتها وقيمها. أليس هو القائل على لسان زبيدة في
المشهد الثالث من مسرحية العباسة[xvii])[من
مجزوء الكامل]:
لقد كتب عدنان مردم مسرحية العباسة في
مرحلة تاريخية حرجة، تأتي بعد نكسة حزيران مباشرة أي في العام 1968، هذه النكسة
التي هزّت الوجدان العربي من الأعماق، وجعلته يفتش عن دروب النور والخلاص من
الظلام الدامس الذي فتّح عيون جميع أصحاب الاتجاهات على الواقع العربي المهيمن،
فأصحاب الاتجاه الماركسي عاينوا الواقع السياسي والعلاقة بين السلطة والمواطن،
وبين السلطة والمثقف، فوجدوا أن انعدام الثقة بين هذه الأطراف، وممارسة القمع
والتعسف على الجماهير هو السبب الرئيسي في حصول النكسة، وأصحاب الاتجاه الوجودي،
حملوا المسؤولية للغرب الأوربي والقوى العظمى، وأصحاب الاتجاه العبثي، لم يكن
الحدث بالنسبة إليهم إلا مغامرة عسكرية، ولعلّ الاتجاه القومي هو الاتجاه الذي شعر
بعد النكسة أنه جريح في كبريائه، مطعون في صميم عروبته، وانتمائه، فالتشتت
والفرقة، والتمزّق؛ هي من الأسباب الرئيسية التي أوصلت العرب إلى هذه الحالة من
الضعف، شعر أصحاب هذا الاتجاه أن هذه الحدود التي كانت خطوطاً زرقاء على الخارطة
الجغرافية بين الأقطار العربية، أمست خطوطاً حمراء يصعب تجاوزها، أو محوها من
الخارطة الجيو سياسية الجديدة التي حدد معالمها الاستعمار الأوروبي مع اتفاقيات
سايكس بيكو، وسان ريمو وغيرهما. لقد أصبحت هذه الحدود أمراً واقعاً يصعب
تخطيه وتجاوزه، وعقبه كأداء في طريق الوحدة والعودة إلى الوضع الصحيح، وضع الوحدة
العربية، وقد زاد الطين بلة زرع جسم غريب في قلب الوطن العربي الكبير في
فلسطين)) هو الكيان الصهيوني الذي ظهرت قوته الفعلية، وأطماعه الحقيقية في
الأرض، وظهرت مخاطره على الوجود العربي برمته بعد نكسة حزيران. لم يكن أمام أصحاب هذا الاتجاه القومي،
إلا أن يذكروا بالماضي التليد الذي كان لهذه الأمة، وأن يشعلوا في الذاكرة فتيل
التمرّد على الواقع المرير الموشوم بالتجزئة، والضعف، والسعي لكسر تلك الحواجز
والحدود بين أبناء الأمة الواحدة، ونبذ الأحقاد والضغائن، ورأب الصدع، فلن يكون
هناك نصر على الأعداء؛ مادام هناك حقد وتنابذ وخصام بين الأشقاء، وقيود تحول دون
الانطلاق. وكان على رأس هذا الاتجاه الشاعر عدنان
مردم الذي جاءت صرخته مدوية حين قال[xviii])[من
مجزوء الكامل]:
لقد تفرق العرب أيدي سبأ، وأصبحوا شيعاً
وأحزاباً، والأصابع الخفية التي أوقعت في الماضي بين الأخوين الأمين والمأمون)) هي
ذاتها تعود من جديد لتفريق الأشقاء، وبذر الفتنة فيما بينهم على مستوى الحكومات
والشعوب، وفي ذلك يقول[xix])[من مجزوء
الكامل]:
تعود به الذاكرة إلى الماضي البعيد،
فتسطع أمام عينيه منارات دمشق، وراياتها التي كانت تخفق في الجوزاء، وتهب عليه
أنسام المجد الغابر الملطخ بدم الضحايا، وغار الفخار، فينصهر الجزء بالكل، وتمسي
دمشق وطن العرب كلهم. فلم يعد هذا الارتباط العضوي بين الشاعر
عدنان مردم ودمشق، مسقط رأسه معبراً عن انتمائه القطري، وعاطفته الوطنية، بل غداً
انتماءً قومياً لهذه الأمة، تجسده دمشق بملاحمها البطولية، وتاريخها التليد،
والتقديم الذي رصّع به ديوانه عبير من دمشق) يشير إلى ذلك حيث يقول[xx])
[من البحر الكامل]:
وتذوب قطع الجليد الوهمية التي كانت تحول
بين التقاء الأشقاء، وتنفتح الأنهار والجداول والبحار العربية لتصب في بحيرة
واحدة، تتوحد فيها جميع الأقطار العربية بالآلام، والآمال، والمصير المشترك. ولم
تكن وهران والجزائر وأوراس ونضال الشعب الجزائري الشقيق ضد الاستعمار الفرنسي،
بعيداً عن شعور الشاعر وشاعريته، فيكتب قصيدته الليث الجريح) ويهديها إلى أحرار الجزائر
قائلاً[xxi]) [من
البسيط]:
إن النفوس الأبية العاشقة للحرية، لا
تقبل بالذل، ولا تنام على ضيم، بل تمتشق الحسام، وتنقض كالطيور الجوارح على رأس
المغتصب، تؤثر الموت على الحياة، والشهادة على الخنوع. يريد الشاعر عدنان مردم أن يبعث من قلب
رماد الخوف والتردد فينيق التمرّد، والثورة، والكفاح ضد الجلادين والسفاحين
الطغاة. لم يكن الشاعر شاهد زور، ولا حارس قبور
ينام مع الموتى، بل كان يتابع بإمعان ما يجري من أحداث فوق أرض وطنه الكبير، ويعيش
بأحاسيس ومشاعر المبدع الحق مع هذه الأحداث، كيف لا وهو قارئ ممتاز لأحداث التاريخ
العربي والإنساني، ومحلل بارع للعوامل التي تقف خلف كل حدث، ويمتلك الرؤية
الواضحة، والطموح المشروع لاستنهاض الهمم، وتأجيج ثورة المقاومة والكفاح ضد جميع
أشكال الظلم والقهر والاستعباد، ولا غرابة في ذلك، فهو ابن هذه الأمة العريقة، وهو
المعبر عن طموحاتها والعين المبصرة لآمالها، والمرآة العاكسة لآلامها. من هذا الشعور القومي المتأجج في صدر
شاعرنا عدنان مردم، ومن أحداث الواقع العربي المعيوش لحظة فلحظة من قبل الشاعر،
كان هذا الموقف الإنساني في إبداعه الشعري، وفي إبداعه المسرحي على السواء،
موازياً بين الزمان والمكان من إبراز أوجه المقاربة والشبه بين ما كان بالأمس، وما
هو عليه الواقع العربي اليوم. هو يستحضر الماضي البعيد زمانياً إلى
المكان والزمان اللذين يطلّ منهما على الراهن المعيوش، ويجري عملية مقايضة، أو
مقارنة بين ما كان وما ينبغي أن يكون. ففي مسرحية غادة أفاميا يظهر هذا الاندماج
بين الزمان والمكان بشكل مقصود من الشاعر وليس اعتباطياً ويشير إلى ذلك بقوله:
إن الذي دفعني اليوم لاختيار أفاميا بالذات، كونها تدور حول فكرة قومية وإنسانية
معاً، واخترت مدينة أفاميا مسرحاً لأبطالها لأن أفاميا قطعة من البلاد الشامية
التي لي شرف الانتساب إليها))[xxii]). وينسحب ذلك إلى تدمر في مسرحية الملكة
زنوبيا، وعلى قرية دير ياسين وغيرها. ونادراً مانقرأ له قصيدة أو مسرحية، إلا
ونجد هذه المشاعر القومية تتأجج من ثنايا الحروف، من خلال التغني بالمآثر العربية
الغابرة، والاعتزاز بالانتماء إلى هذه الأمة، والإشارة إلى نصاعة صفحات تاريخها،
والمجد التليد العربي الذي شيده الآباء والأجداد في الماضي البعيد، ونبذ الأحقاد
والضغائن بين أبناء الأمة الواحدة، كل ذلك يؤكد مصداقية المشاعر القومية التي
تختلج بها نفس الشاعر عدنان مردم، صباح مساء، وإيمانه المطلق بوحدة هذه الأمة
طريقاً للخلاص من جميع الشوائب التي تعيق نهوضها، وانتماءه للعرب والعروبة ماضياً
وحاضراً ومستقبلاً، وقد شبه العروبة بسبيكة الذهب التي تسطع في جنح الدجى بقوله
على لسان إحدى شخصياته في مسرحية العباسة)[xxiii])
[من مجزوء الرجز]:
وفي مكان آخر من المسرحية ذاتها على لسان
إحدى الشخصيات يقول[xxiv]) [من
مجزوء الكامل]:
ويقول في مكان آخر[xxv])
[من مجزوء الكامل]:
إن هذا الاعتزاز بالانتماء مردُّة إلى
الشجرة الأصيلة التي ينحدر منها الشاعر كما ذكرنا في سيرته الذاتية، ومردُّة إلى
الفهم العميق لتراث هذه الأمة، وتاريخها المجيد. من هنا جاء تأكيده على حق العروبة على كل
إنسان عربي أن يدافع عنها، ويعتز بها، ويكون المؤتمن على رسالتها وحضارتها،
فالرسالة السماوية التي حملها الرسول محمد بن عبد الله الهاشمي صلى الله عليه وسلم
إلى العالم أجمع مبشراً ونذيراً، مازالت تشهد على عظمة هذه الأمة وعراقتها بين الأمم،
ولم تكن دولة المسلمين في عهد الخلفاء الراشدين أيضاً إلا نوراً وخيراً على خير.
وبهذا المفهوم الشامل للعروبة والإسلام استطاع الشاعر عدنان مردم أن يرسم في
الآفاق شجرة النسب العربي الباسقة، وعن اعتزازه بهذه الأمة التي ينتسب إليها
الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون، والذي هو أيضاً غصن من هذه
الشجرة الكريمة يعبر عن آمالها وآلامها، وتربطه مع كل إنسان فيها صلة قربى وثيقة،
يحزن لحزنه، ويفرح لفرحه، وهو ليس رباطاً حديث العهد، بل هو قديم، متجذر في عمق
التراث، والتاريخ وباسق مستمر على مر العصور وفي ذلك يقول أيضاً[xxvi])
[من مجزوء الرمل]:
رغم جميع الأفكار المثالية والأخلاقية
المبثوثة في النصوص المسرحية لعدنان مردم، فإن الاتجاه الأكثر حضوراً هو الارتباط
بالأرض، والارتهان للتاريخ، بمعنى آخر بقي الاتجاه القومي الذي يتمثل بحب الأرض
وساكني هذه الأرض، والارتهان للتاريخ، والاعتداد بتاريخ هذه الأمة، هو الاتجاه
الغالب على معظم مسرحيات عدنان مردم. فهو لا يؤمن بالقطرية ولا يفضل أرضاً عربية
على أخرى، ولا شعباً عربياً على آخر، فالأرض العربية من المحيط إلى الخليج أرضه،
والشعب العربي الذي يسكن هذه الأرض على امتداد الوطن الكبير هو شعبه، ولذلك فإنه
يرفض رفضاً قاطعاً كل دعوة قطرية، تكرّس هذه الحدود المصطنعة التي وضعها
الاستعمار، ويتصدى لكل نزعة إقليمية تزيد من تجزئة هذه الأمة، وتضعف مقاومتها في
وجه التوسع الصهيوني، الذي بدأت مطامعه العدوانية في قضم المزيد من الأراضي
العربية، تتحقق فعلياً على الأرض عاماً بعد عام. إنه يؤكد حبه للجغرافيا أي الأرض وساكني
الأرض من أبناء العروبة في كل مكان، فأي أرض يحل بها هي أرضه وموطنه وشعبها أخوته
وأهله:[xxvii]) [من
مجزوء الكامل]:
ويأسف على تشرذم قومه، وتفرقهم، بينما
العدو يوحد صفوفه في مواجهتهم متأسفاً لما آل إليه حال العرب في مواجهة أعدائهم
الذين نظموا صفوفهم، ووحدوا أهدافهم، وراحوا يهاجمون العرب كتلة متراصة، وجبهة
واحدة، بينما العرب يتخبطون في عمى الجهل والتفرّق، يقاتلون أعداءهم فرادى، ومن
على عدّة جبهات، لا ينظم بينهم ناظم، ولا يوحّد بينهم هدف وغاية. بل الأنكى من ذلك أنهم يتربص كل واحد منهم بالآخر، ويقومون
وينامون على التناحر، والمكائد، والفتن، جاهلين، أو متجاهلين أن الموت ينتظرهم
جميعاً، وأن العدو الصهيوني سوف يقيم على أنقاض جماجمهم، وبيوتهم، مستوطناته،
وكيانه العنصري الذي تمتد حدوده من الفرات إلى النيل. لقد نسوا أو تناسوا أنهم في خصوماتهم،
وتناحرهم كانوا أشد بلاءً، وعداءً لوطنهم وأمتهم، من العدو الصهيوني ذاته، لأنهم
بما يقترفون من جرائم وآثام بحق بعضهم إنما يوطئون لهذا العدو أن يحتل ديارهم،
ويشرّد المزيد من شعبهم وفي هذا السياق يقول[xxviii])
[من مجزوء الكامل]:
ويبقى السؤال المحيّر الذي لا يجد له
الشاعر الإجابة الشافية، وقد أعياه القلق من الآتي، وقطع عليه حبل تأملاته، ما
يسمعه كل يوم، وما يراه بأم عينه من تقتيل للأطفال، وتشريد للنساء والشيوخ من
بيوتهم، ويهجع مصغياً لنداءات قلبه، وتوجسات أحلامه، وقد ارتسمت المأساة غيوماً
سوداء أمام ناظريه. فقد تحطم الحلم الذي كان يعلل نفسه
بتحقيقه أيام الشباب على صخرة المآسي والهزائم والنكسات المتتالية، والتوت ذراعه
القوية التي كان يطمح أن يزيح بها، وبأمثالها كابوس القهر والذل عن هذه الأمة،
ويكتب بفرح عن ملاحم البطولة والنصر على الأعداء، كل ذلك تحوَل إلى سراب، ووهم في
خضم تلك المأساة التي ساهم في صنعها أطراف عدّة، وفرقاء كثيرون، على رأسهم أولئك
الحكام الغارقون في ملذاتهم، العاكفون ليل نهار حول الموائد يأكلون ويشربون، بلا
ضمير وطني يوقظهم، وبلا حس قومي يدغدغ مشاعرهم، بينما القدس مثخنة بالجراح،
تستغيث، والشباب العربي نهب العذاب والقتل والتشريد. بريشة فنان امتلأ قلبه إلى حافة العنق
بالقهر، ونفسه إلى ذؤابة الروح بالقلق والخوف على هذه الأمة، من أن تتحول إلى هباء
في مهب الريح، وأن يمسي شعبها مثل الهنود الحمر مدفوعاً إلى طريق الانقراض
والفناء. بهذه الريشة العابقة بحب الأرض، والأمة التي يعتز بالانتماء إليها كتب
يتساءل مندهشاً مما يجري فوق تراب هذا الوطن[xxix])
[من مجزوء الكامل]:
لن يجد عدنان مردم جواباً لتساؤلاته، ما
دام الواقع العربي على هذه الشاكلة من التخلف، والتمزق، والقهر ليس من أعدائه
الصهاينة فقط، وإنما من أعدائه الحكام القابضين على رقاب شعوبهم حتى الاختناق. 4- تمجيد البطولة
والشهادة
إن الكشف عن الأغراض التي عالجها الشاعر
عدنان مردم في مسرحياته: مهما أوتيت من ملكة البحث والاستقصاء، فلن أستطيع التّعرف
إليها جميعها، وحسبي أن أشير إلى ما استطعت استشفافه من ثنايا الحوارات الشعرية
التي أبدعها، والشخصيات التي رسمها في مسرحياته، حيث يأتي في مقدمة الأغراض: أً- تحقيق عملية التواصل بين الماضي
والحاضر من غير انقطاع، لكي يضمن تعريف الأجيال بأصالة هذا الماضي، وعراقته. بً- غرس حبّ الأرض، والحرية، والاستشهاد
في سبيل الأوطان في نفوس أبناء شعبه، لكي يزدادوا تشبثاً بالأرض، وعشقاً للحرية،
وإقداماً على طريق التضحية والفداء من أجل رفعة أوطانهم، وعزّة أمتهم. جً- تعريف العالم بالجرائم التي
ارتكبتها، وترتكبها الصهيونية بحق الشعب العربي الفلسطيني، وبحق الأمة العربية،
ومحاولة كسب الأنصار والمؤيدين للحق العربي، للتصدي بشجاعة لهذا العدو الصهيوني
ومقاومته بكل الوسائل الممكنة. ءً- استنهاض الشعب العربي من المحيط إلى
الخليج للتصدي للظلم والظالمين داخل الأوطان التي يعيشون فيها، وإدانة الحكام
الذين مهدوا ويمهدون للعدو الصهيوني في أن ينتصر على العرب، ويفرض هيمنته على
الإرادة العربية. والتوجه بالخطاب إلى القواعد العريضة من الشعب التي تشكل قوة
التغيير الأساسية في المجتمعات. هـً- الارتقاء بوعي الإنسان العربي
وأخلاقه، وقيمه ومعارفه، وإدراكه لمسؤولياته إلى المستوى الذي يمكنه من انتزاع
النصر على الطغاة والظالمين بالعقل والسلاح والإيمان، والتضحية بالروح لتحقيق ذلك
والجود بالروح أقصى غاية الجود) معتبراً أن ذلك الإنسان الذي يسكن في القاع هو
محور القاعدة العريضة للجماهير الفقيرة التي ينبغي أن تكون خارج دائرة القمع،
والجور، والجوع، لكي تندفع بكامل طاقاتها، وإمكاناتها لتحقيق النصر على الأعداء.
وفي ذلك ربط وثيق، وتحليل عميق، ورؤية صائبة لأهمية الدور الكبير الذي يقع على
عاتق الجماهير، وليس سواها من فئات الشعب في التصدي للأعداء، والتضحية والفداء من
أجل نيل الاستقلال الوطني، والحفاظ على الهوية القومية للأمة، فقلّما نقرأ مجموعة
شعرية، أو مسرحية، إلا ونجد إشارات واضحة إلى ذلك، هاهو في قصيدة تراب الوطن)
يقول[xxx]) [من البحر
الكامل]:
إن هذه الكلمة الحر) تتردد عشرات
المرّات في المجموعات الشعرية الأربعة التي أصدرها الشاعر عدنان مردم، وفي
المسرحيات جميعها بما فيها التي تنحو منحى الملهاة. وليست اللفظة الوحيدة التي يكررها
الشاعر في أكثر من حوار، فهناك عدد من الألفاظ حاولت أن أجمع أكبر قدر منها في
أكثر من مسرحية فوجدت معظمها يتمحور حول الشرف، الدم، الوطن، المروءة، الشهادة،
النصر، الحمى، الليل، الفجر، المدينة، الموت، الحق، الديار، الرجال، النضال،
الكرامة، الضمير، النخاسة، الثأر، القدر، الردى، الحب، الأرض، الفداء، السيف،
العرض الجراح، العدى) وهي في مجموعها تحوم حول تمجيد البطولة والشهادة في سبيل
الأرض والكرامة، ها هو الوليد في مسرحية غادة أفاميا) يضحي بابنته الوحيدة في
سبيل حماية البلدة من الدمار والإحراق مخاطباً تميم ونايف اللذين كانا يمانعان أن
تُقدّم شقيقتها ضحيّة للقائد الروماني، كي يوقف الحرائق والقتل في أهالي البلدة،
يقول في المشهد الأول من الفصل الثالث في مسرحية غادة أفاميا)[xxxi])
[من البحر الوافر]:
نعم لا شيء يعادل كرامة الأوطان، إن حب
الواجب الوطني، يتقدّم على العاطفة الأبوية، فالحق لا يستعاد بالخطابات،
والشعارات، بل بالتضحيات، والذين يرومون رؤية أوطانهم عزيزة كريمة، مصانة من كل ذل
أو هوان، ما عليهم إلا أن يدفعوا ضريبة الحرية، ويقتحمون الوغى غير هيابين من
الموت، ولا مترددين أمام تسجيل حروف أسمائهم في قوائم الخالدين من الشهداء
والأبطال، بأقلام من غار أحبارها دماؤهم، وأكاليلها أشلاؤهم وفي هذا السياق يقول[xxxii])
[من مجزوء الكامل]:
وفي مسرحية دير ياسين التي لم يقصر الشعب
الفلسطيني في بذل ما يترتب عليه من ضريبة أداء جزية الدم، وهو الشعب الأعزل إلا من
بعض الأسلحة البدائية القديمة، يصوّر الشاعر عدنان مردم هذه المذبحة النكراء التي
أقدم عليها الصهاينة في العام 1948 بتدبير وتخطيط من زعماء المنظمات الإرهابية آنذاك؛
مناحم بيغن، ودافيد ليثل، والسفاح مردخان بوفمان. حاول الشاعر عدنان مردم، أن يمجد
البطولة، والتضحيات التي قدّمها الشعب الفلسطيني في تلك المذبحة التي تشكل نقطة
سوداء في تاريخ الإجرام الصهيوني، وتضيف صفحة مشرفة في تاريخ الجهاد الفلسطيني
المملوء بصفحات البطولة والجهاد، يقول الشاعر مخاطباً تراب الوطن الغالي على لسان
إسماعيل) الشخصية التي تمثّل أحد أهالي القرية[xxxiii])
[من مجزوء الكامل]:
فيجيبه محمد العايش) وهو من الشخصيات
المجاهدة المندفعة لقتال الصهاينة من غير تردد أو خوف، ومعه في هذا الاندفاع عدد
غير قليل من أهالي القرية المنكوبة التي كانت تنتظر حتفها في ذلك، يجيبه بكل رجولة
وثقة[xxxiv]) [من
مجزوء الكامل]:
لقد كان عدنان مردم، ينفخ في الأرواح
النائمة أنسام اليقظة، وكان في بعض القصائد، والمشاهد المسرحية يقرع على الطبل
قرعاً شديداً من أجل إيقاظ أولئك الذين طال سباتهم، مؤكداً أن الرجولة لا تكتمل في
الكائن البشري، إذا لم يكن شجاعاً مقداماً مضحياً في سبيل حرية أمته وشعبه. وفي
قصيدة الشهيد تبدو لنا هذه النظرة الفلسفية للاستشهاد[xxxv])
[من مجزوء الكامل]:
ولم تكن صورة الشهيد لتفارق مخيلته في
جميع مجموعاته الشعرية، ومسرحياته، فالشهادة والبطولة في نظره صنوان، ها هو يهدي
المناضلة جميلة بو حريد قصيدة الشهيد العربي) وهو يقتحم عتبات الموت، مرفوع
الهامة، مسربلاً بدماء الشهادة، صاعداً إلى مدارج العلياء، ليستقر في أعلى عليين
مع من سبقه من رهط الشهداء، حيّا خالداً لا ينال منه الموت منالاً، ولا النسيان
مجالا[xxxvi]) [من
المقتضب]:
ولم تغب المرأة عن الفعل البطولي في
التاريخ، فقد أفرد الشاعر عدنان مردم لمسيرة الملكة زنوبيا، نصاً مسرحياً كاملاً،
يصوّر روعة ما يذكر عن مأثرها، ومواقفها البطولية في وجه جيوش روما الزاحفة من
الغرب وفي وجه الجيوش القادمة من الشرق أيضاً، واستطاعت بفضل شجاعتها أن تنشئ
مملكة عظيمة تضاهي أكبر الإمبراطوريات آنذاك، ولم تخض تلك الحروب عن طمع في
استيلاء على أرض الآخرين، ولا عن غايات فردية بقصد الهيمنة والتسلط، وإنما بقصد
جمع شمل القبائل العربية المنتشرة في بلاد الشام ومصر، ومن أجل الذود عن الديار
العربية التي كان يطمع في السيطرة عليها قيصر الروم في الغرب وسابور ملك فارس في
الشرق. وفي هذا السياق يقول على لسان زنوبيا، وهي الشخصية المحورية في المسرحية[xxxvii])
[من مجزوء الكامل]:
وتدور معارك كافة على الجبهتين في آن
معاً، والجنود البواسل في جيش زنوبيا، يسجلون انتصارات حاسمة على الجبهتين من شدّة
بأسهم واستبسالهم في تلك المعارك، ويعود أحد الجنود الذين كانوا يقاتلون تحت قيادة
زبدا) القائد السوري الذي ضرب أروع الأمثلة في قراع الروم والفرس، يعود الجندي الرسول
من جبهة القتال حاملاً رسالة من زبدا) إلى الملكة زنوبيا وعلائم السرو على وجهه
فيسأل قائد حراس زنوبيا كليكرتاس) قائلاً[xxxviii]): أين الملكة؟ فيجيب كليكرتاس: ما وراءك.
فيقول الجندي [من مجزوء الكامل]: خير أنباء وبشرى
هذا التصوير الرائع لأجواء المعركة،
وتحقيق النصر على جيش الرومان الذين كان جنودهم يترنحون أمام ضربات طلائع جيش
زبدا) وهو ينقض عليهم مع جنوده كالصواعق، تحدوهم نخوة الأجداد، ومآثرهم العظيمة
في التصدي للأعداء، وما خلفوه للأحفاد من ملاحم وبطولات يفوح منها العطر والفخار.
هذا التصوير الدقيق لأجواء المعركة، يدلل على المقدرة البيانية والتصويرية لهذا
الشاعر، وعلى امتلائه بحب الأرض والأجداد، والتوق الذي لا يعدله توق آخر لتحقيق
نصر مماثل على الأعداء الصهاينة في معركة قادمة يقودها قائد عربي يشبه زبدا) غير
أن قيصر لم يقتنع بالنتيجة التي وصلته عن هذه المعركة، ولم تسرّه تلك الأنباء
المزعجة عن انتصار زنوبيا على جيوشه في مصر والإسكندرية والشام، فيحشد الجيوش
الجرّارة، ويزحف بها نحو الشرق ليحارب جيوش زنوبيا، قبل أن تستريح، وتكفكف جراحها،
ويأتي همام) أحد الشخصيات الرئيسة في المسرحية ليخبرهم عن الزحف[xxxix])
[من مجزوء الكامل]:
فتجيبه خولة غير مكترثة بما ينشره من
أخبار الذعر، عن هذا العدو الذي كان لجيش زنوبيا معه سجال وسجال، بأن يكفّ عن هذا
التوجع والتفجع، فالإنسان الشجاع يموت ميتة واحدة، أما الجبان، فيموت عشرات المرات
من شدّة خوفه من الموت، والحياة التي يقبل أن يعيشها الإنسان في خنوع، وضيم، هي الموت
بعينه، أما الذي يموت وهو يدافع عن أرضه، وعرضه فهو الحي الخالد على مرّ العصور،
وتلقي مسامعه الحكمة الأبدية التي لا تزال تتردد على ألسنة البشرية عند كل تردد في
إقدام، أو تقاعس في قتال، بأن الموت لن يفلت منه أحد، وما دام هو نهاية المطاف لكل
كائن حي، فإذاً ليكن الموت تحت ظلال السيوف، وفي أرض الوغى دفاعاً عن الحمى، وفي
ذلك يقول الشاعر عدنان مردم على لسان هذه الشخصية الأنثى[xl])
[من مجزوء الكامل]:
إذن من خلال هذه الرؤية الفلسفية
للشهادة. والتضحية في سبيل الأرض والوطن والحرية، نكتشف أن هؤلاء هم الذين يكتبون
التاريخ بمدادهم، وهم الذين يستحقون التكريم والتخليد من أوطانهم وشعوبهم في نظر
الشاعر عدنان مردم، بمهجهم خطوا تاريخ أمتهم، وبمداد جراحهم سطروا ملاحم البطولة
والفداء للأجيال القادمة من بعدهم، وإذ يتجلى ذلك بوضوح في معظم مسرحياته التي
يمجد فيها البطولة والشهادة، من خلال الرموز التاريخية التي يوظفها لإبراز هذه
القيمة التي يضعها الشاعر في ذروة القيم، ومن خلال التركيز الشديد على أهمية
الشهادة، والاستشهاد في سبيل حرية الأوطان، وعزّة الأمة. 5- التحريض على
المقاومة
إذا كان الشاعر عدنان مردم. يتطلع إلى
رؤية أمته العربية، أمة واحدة، قوية، متماسكة، عزيزة في نظر الأصدقاء، مرهوبة
الجانب من قبل الأعداء، فإنه يتطلع في الوقت ذاته إلى رؤية الإنسان الذي يشكل
اللبنة الأساسية في شموخ تلك الأمة، وتحقيق عزتها، إنساناً واعياً، شجاعاً، صلباً
في الدفاع عن حرمات أمته وشعبه، بكل الوسائل والإمكانات المتاحة، ولا سيّما عندما
يمتلك مقدّراته بنفسه، وإرادته، ووعيه، ومسؤليته لقد توجه الشاعر عدنان مردم إلى
هذا الإنسان في إبداعه الشعري، والمسرحي يحثّه على الدفاع عن الحق، وصون الأرض
والعرض والكرامة من كل دنسٍ أو إذلال. أليس هو القائل[xli])
[من البحر الكامل]:
وهو المحّرض على حبّ الأرض والدفاع عنها
بالغالي والرخيص لأن حب الديار شريعة الأجداد للآباء، والآباء للأبناء[xlii])
[من البحر الكامل]:
لقد اخترنا هذه الأبيات في البداية من
شعره، لنشر إشارة عابرة إلى أنه كان في شعره ومسرحياته لم يخرج عن هذا الاتجاه
القومي التحريري الذي يهفو من خلاله إلى تحقيق الوحدة القومية بين أبناء الأمة
الواحدة، واستعادة الحقوق المغتصبة من براثن الأيدي الغاصبة. هذه الحقوق التي
تتجلى في حرمة الأرض والمقدسات التي جبلها الأجداد بدمائهم الزكية، ودافعوا عنها
وصانوها بالمهج والأرواح. فأي تفريط في ذرّة تراب منها ذلاً وخنوعاً لغاصب دخيل،
تستطير تلك الأرواح والمهج من قلب التراب، وتستصرخ الضمائر والمقاومة كي تحررها من
دنس المحتل، وأكثر ما يتجلى ذلك في مسرحية غادة أفاميا، حين يحتدم الصراع في دار
الوليد سيّد البلدة بين من يدعو للرضوخ للأعداء، يجرُّ أذيال العار والانكسار،
ويحسم الموقف نايف) إحدى الشخصيات المؤمنة بالمقاومة والجهاد ضد الغاصب حتى الرمق
الأخير بقوله[xliii]) [من
البحر الكامل]:
لم ييأس عدنان مردم، رغم جميع الهزائم التي مُني بها العرب في
حروبهم ضد العدو الصهيوني. بل لعلّه مازال يوطن نفسه على النضال، والمقاومة،
مقنعاً نفسه بنفسه بالقول[xliv]) [من
المجتث]:
لابد لكي يُمسح العار عن جبين الأوطان،
وجباه الرجال، من أن يقدّم على مذبح الحرية والشهادة قرابين، تسحُّ أوردتهم الدم
غزيراً في ساحة الوغى، فالثأر للكرامة والأرض عربون هذه الكرامة -والأرض عربون هذه
الكرامة- دونه بحر مخضب بالأحزان والضحايا. ويمر موكب بيدا) القائد الروماني الذي احتل
أفاميا، وحاصرها بجنوده من جميع الجهات، يمر الموكب من وسط المدينة، ودونه أسرى
مكبلة بالحديد، وجميع الشوارع خالية، إلا من جنود بيدا) وحرّاسه، ومن غلمان صغار
لا يتجاوز عمر الواحد منهم العشرة أعوام، تجمعوا في أحد المنعطفات، يتهامسون بصوت
شفيف مخافة أن يسمعهم بيدا) أو أحد جنوده، وكأن الشاعر عدنان مردم، أراد أن يقول
لنا: قد يستطيع غاصب محتل أن يدخل مدينة من المدن، ويحتل قطعة من الأرض، لكنه لن
يستطيع أن يحتل نفوس الشعب الذي يقطن تلك المدينة، أو يعيش فوق تلك الأرض، وإذا
استطاع حشر الكبار في بيوتهم فلن يستطيع حشر الصغار، وراء الخباء، وبذلك إشارة
ضمنية إلى أطفال الحجارة داخل الأرض، المحتلة، وثورتهم الرائعة ثورة الحجارة)
التي شكلت منعطفاً حاسماً في حركة المقاومة، وكانت البداية الحقيقية لانتفاضة
شعبنا ضد الكيان الصهيوني، ولو تسنى لهذه الانتفاضة أن تأخذ مداها، لتغيرت مجريات
الأحداث التي تلت سكوت انتفاضة الحجارة وإخمادها باتجاهات مختلفة تماماً، أمّا وقد
تّم التآمر على إخمادها، وحصارها من بني جلدتها، بعد أن عجز عن إخمادها الصهاينة،
فتلك هي الطامة الكبرى، كأني بالشاعر عدنان مردم عندما أجرى حواراً مهموساً بين
هؤلاء الصبية الصغار الذين لم ينصاعوا لأوامر بيدا) بإخلاء الشوارع من المارّة،
ولم يتسرب الرعب الذي أراد أن يفرضه القائد الروماني على سكان المدينة، كأني به
أراد أن يدفع الكبار ويحمسهم للمقاومة والنضال، من خلال الحوار الذي يحمل نوعاً من
الاستفهام الاستنكاري المرصّع بالسخرية المرّة حيث يقول على لسان أحد الغلمان[xlv])[من
مجزوء الرجز]:
ثم يجيبه آخر ولكن هذه المرّة ليس همساً،
بل بصوت عالٍ سمعه جنود العدوّ، وهم يؤدون استعراضاتهم العسكرية في شوارع المدينة،
وكأنه يتوعدهم بالمصير الذي ينتظرهم، فهذا السكون الذي تعيشه المدينة، وهذه
الشوارع الخالية من الأهالي الذين ركنوا إلى بيوتهم يطلونّ من النوافذ على الموكب،
لن يطول سكونهم وركونهم للطاغي الدخيل، فما بعد الظلام والليل، إلا انبلاج الفجر،
وطلوع النهار، وما هو إلا سكون الريح الذي يسبق العاصفة ها هو يقول بصوت الواثق
المطمئن بالمستقبل الآتي[xlvi]) [من
مجزوء الرجز]:
والحال هي الحال في مسرحية الملكة زنوبيا
عندما يغمز من خلالها على جميع الحكام العرب بأن يصونوا الأمانة، ويحرصوا على
ملكهم بعيداً عن التبعية والخنوع لأية جهة أخرى، فالدفاع عن حرية الأوطان وسيادتها
أمانة في أعناق حكامها الذين إذا استسلموا وخضعوا، دفعوا شعوبهم إلى الخنوع
والاستسلام وفي ذلك يقول[xlvii]) [من
مجزوء الكامل]:
ولم تغب مأساة جلاء العرب عن إسبانيا من
ذاكرة الشاعر، حين تم تسليم غرناطة إلى القوط، فهي تشبه إلى حد كبير مأساة ضياع
فلسطين، وما أشبه حال غرناطة أمس بفلسطين اليوم، وما أفجع المصيبتين، وأوجعهما،
حال العرب متشابه في المصيبتين، فهم منقسمون على أنفسهم، تتنازعهم أهواء متباينة،
وخلافات لا طائل منها، وقد أوضح الشاعر هذه الحالة في مسرحيته مصرع غرناطة) حيث
كان أكثر ملوك العرب والأمراء في غفلة عما يجري من أحداث داخل الأندلس، وضاعت الأندلس
كما ضاعت فلسطين في زحمة تلك الصراعات الجانبية التي كانت بين الأمراء والملوك،
وفي غفلة الحكام الآخرين الذين لا يملكون من السلطان والحكم إلا الاسم فقط. يقول
الشاعر عدنان مردم في التوطئة لهذه المسرحية بعد أن يعدد مآثر الذين قادوا حركة
النضال في غرناطة أمثال موسى بن أبي غسان، ونعيم بن رضوان، ومحمد بن زائدة، وعائشة
الحرة والدة أبي عبد الله الصغير التي كانت تشدّ أزره على المقاومة، وتذهب بنفسها
إلى البلاد العربية تستنجد بالمسلمين على القوط، وكانت تحض قواد الجيش الغرناطي
على خوض الحرب، للحفاظ على الأرض، وبفضلها، وبفضل والدها أبي عبد الله الصغير
قاومت غرناطة طويلاً، حتى أثخنت بالجراح، ونفذت منها المؤونة، وجاع الشعب بعد حصار
شديد، ويبعث الحاكم أبا القاسم إلى فريدرك، وإيزابيلا ليفاوضهما على تسليم غرناطة،
على شروط ذكرتها كتب التاريخ. رجع أبو القاسم، وعرض شروط التسليم على الملك أبي
عبد الله الصغير، والوزراء، والأعيان، فرضخوا للأمر الواقع، ولكن موسى بن أبي غسان
وحده؛ نادى بأعلى صوته قائلاً: لن أوقع صك استسلام، وأردف متمماً: لنمت دفاعاً
عن حريتنا، وانتقاماً لمصائب غرناطة؛ ولئن لم يظفر أحدنا بقبر يسرّ رفاته، فإنه لن
يعدم سماء تغطيه، وما شاء الله أن يقال أشراف غرناطة خافوا أن يموتوا دفاعاً
عنها))[xlviii]). لم يستجب لندائه أحد، ولكنه أبى أن يوقع
وثيقة خزي، وانسحب من المجلس غاضباً، مشهراً سيفه كأنه يتحدى الجبناء، وتذكر كتب
التاريخ الإسبانية: أن موسى خرج مخترقاً بهو الأسود، وركب حصانه، مشهراً سيفه،
وغادر غرناطة من باب البيرة، والتقى بكتيبة من جيش القوط، يقدر عددها بخمسة عشر
فارساً، وراح يثخن فيهم، ويقتل حتى مات أكثر من نصفهم، ولكنه جرح في النهاية، فرمى
بنفسه، وبحصانه في النهر، ولم يسمع له بذكر. لقد حاول عدنان مردم استعادة هذه المأساة،
مذكراً بمأساة فلسطين التي تركت جرحاً ثخيناً في صدر كل عربي، لعلّه يكون في
استعادة ذكرى تلك المأساة درسٌ بليغٌ لمن غاب عن ذاكرتهم التاريخ الذي تشكل أحداثه
عظة وعبرة لأولي الألباب. وقد عمد الشاعر عدنان مردم إلى تسمية أشخاص المسرحية،
بأبطالها الحقيقيين لكي يضفي عليها صفة الواقعية، والتوثيق، والحوارات التي
تضمنتها فصول هذه المسرحية تشير بوضوح إلى التمسك بالمقاومة، والانتصار لكل من
يرفع لواءها في وجه الأعداء فها هو ينبّه من الآتي على لسان محمد بن زائد صديق
موسى، وأحد قواد الجيش الغرناطي بقوله[xlix])
[من مجزوء الكامل]:
ويجيبه موسى مؤكداً على المقاومة،
بالإجهاز على الأعداء، وليس بالانتظار في المكان من موقع الدفاع آخذاً بمقولة علي
بن أبي طالب كرّم الله وجهه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا)) [من مجزوء
الكامل][l]):
إنها دعوة صريحة للانتقال من الدفاع إلى
الهجوم، وهذا لا يتحقق بسهولة، بل يحتاج إلى الإرادة، والإيمان بعدالة القضية التي
يناضل من أجلها الإنسان، ثم بتوحيد الصفوف، وبناء القوة الذاتية القادرة على تحقيق
النصر، واستعادة الحقوق، فالحق الضعيف سوف يتحول مع الزمن إلى هباء، أما الحق
المدعوم بالقوة، فهو النور الساطع الذي لا يعرف الغياب ولذلك فإن موسى) وهو
الشخصية الرئيسية في المسرحية؛ يحدد متطلباته لخوض غمار هذه المعركة مع الأعداء
قائلاً[li]) [من مجزوء
الكامل]:
عندما يتحقق له الرجال الشجعان التي لا
تهاب من الموت، ولا ترتعد من ساح الوغى إذا حمي الوطيس، وعندما تتوافر له السواعد
المنتجة القوية التي لا يدخلها الكسل والضمائر الحيّة ذات الإرادة القوية، إذا ما
أشعل فتيل الزناد فيها، والشباب المتحمس القوي الذي ينعقد في ذوائبه نصر الغضب،
وحزم الفتوة. وعندما يستجيب لطلبه نعيم) إحدى الشخصيات الثانوية في المسرحية؛
يأمره باستنفار الرجال للقتال قائلاً[lii])
[من مجزوء الكامل]:
وينسحب أحد الجنود بأدب وهدوء، ويبقى
نعيم وحده مع موسى فيوجه إليه السؤال التالي، لكي يتأكد أنه مصمم على القتال، أم
هو غير جاد فيما ذهب إليه: يسأله قائلاً: ماذا عزمت؟ فيجيبه موسى على الفور[liii])
[من مجزوء الكامل]:
ويمتشق موسى سيفه، ويعلن الجهاد، رافضاً
التوقيع على صكوك الاستسلام المذلة التي تنزع منه كل شعور بالكرامة والعزة
القومية، وتكبله بقيود الخنوع والاستسلام، لذلك يقسم معاهداً نفسه على متابعة
القتال حتى النهاية، ولن يجبن، ولن يخون الأمانة: قائلاً[liv])
[من مجزوء الكامل]:
ويعلو الهرج والمرج، ويهرع الناس مذعورين
فينظر موسى إلى غالية وقد ارتسمت على ناظريها علامات الخوف والقلق من موقف موسى
الذي لم يتوضح بعد، مع أنها تدرك في أعماقها أنه لن يرضخ لشروط الأعداء، ولن ينصاع
لأوامرهم، وسوف يمضي إلى نهاية الشوط ملبياً نداء الضمير والواجب تجاه الأوطان، يتوجه
إلى غالية ويقول: [من مجزوء الكامل][lv]):
وتسمع الإبنة زينب) صوت أبيها، المتهدج
الذي يتحشرج في الحنجرة قبل أن يبلغ الشفتين، وتجد أن الواجب الأبوي يحتم عليها،
أن تقف إلى جانبه في محنته الصعبة التي يقف فيها وحيداً من غير نصير، أو مؤازر
بالمعنى الفعلي، تجاه عدو يحشد قواه كلها لإنزال الهزيمة به، وإسقاط آخر قلعة من
قلاع العرب في الأندلس، وتضطرم مشاعر الواجب الوطني والقومي أيضاً تجاه الوطن الذي
احتضنها في المهد، وترعرعت فوق ثراه حتى أصبحت شابة قادرة على أن تدلي بدلوها، في
مثل هذه المواقف الحرجة، فتتوجه إلى أبيها تقوي من عزيمته، وتدفعه باتجاه الضغط
على المليك كي يحفظ الأمانة ويعلن المقاومة الشعبية الضارية ضد الأعداء، وتخاطبه
قائلة[lvi]) [من مجزوء
الكامل]:
وفي قصر الحمراء، القصر الذي لا يزال
يشهد على المعمار العربي الأصيل، حيث كان يجلس أبو عبد الله الصغير آخر ملوك العرب
في الأندلس على العرش، وبجانبه والدته عائشة الحرّة، ودونهما الوزير يوسف كماشة،
والحاكم أبو القاسم، وموسى بن أبي غسان وبعض الوجوه الأخرى من الحاشية، انتصبت
قامة الأم شامخة باسقة، كما انتصبت من قبل قامة والدة عبد الله بن الزبير، وهي تقول
لابنها وقد جاء يشكو إليها تخازل أصحابه عنه، وخشي أن يمثل أعداؤه به بعد موته،
قائلة: إذا كنت تثق بأنك على حق، فامض في سبيلك إلى النهاية، فإن الشاة المذبوحة
لا يهمها السلخ بعد ذبحها، ثمة مقاربة بين الموقفين، فالأم هنا تدفع ابنها، لأن
يتخذ القرار الفصل، وتشير إليه أن يكون القرار إيجابياً في المقاومة، وليس سلبياً
في الرضوخ والاستسلام، فالتاريخ لم يكن في يوم من الأيام حكايات للهو والمسامرة،
بل هو مواقف، وأحداث عظيمة يسجل فيها الرجال مواقفهم منها، فحاذر أن تقدم على عمل
يجلب إليك لعنة التاريخ والأجيال، واحذر أن تذل أو تسقط في إغراء العيش المهيمن
تحت وطأة حب البقاء، أو أن تضعف أمام تهديدات العدو وحشوده، إنها تثق أنه سيتخذ
القرار المشرف، وسوف يظل ولدها كما عهدته رجلاً شجاعاً لا يساوم على الحق،
والكرامة قائلة[lvii]): [من
مجزوء الكامل]:
فيجيبها أبو عبد الله مؤكداً ثقتها به،
من غير تردد أو تمهّل في اتخاذ القرار، فقد اقتنع أنه لا مناص له من أن يقف هذا
الموقف قائلاً[lviii]): [من
مجزوء الكامل]:
وتنفرج أساير الأم العظيمة، وتشعر من
الداخل بالارتياح لموقف الابن البار بحليب أمّه، الذي أرضعته إياه من صغره في
المهد على حب الأرض، والشجاعة، والإباء، والمقاومة، والبار بالواجب الوطني الذي
تحتمه الأوطان على أبنائها عندما تتعرض للمحن والأهوال، فهو لم يحجم عن قتال
حفاظاً على روحه التي لم يضن بها يوماً في سبيل صون أعراض الأهل والشعب، ولم يبخل
في بذل الغالي والرخيص من أجل أن تظل رايات الوطن خفاقة عالية، لكنّ الأمر، وقد
أضحى فوق جهده، وقدرته على احتماله، فقد آثر أن يشرك رجاله وحاشيته والمقربين منه
في إيجاد حل ناجع لهذا الداء العضال، وليخرج برأي موحد يقتنع به الجميع، وربما
يكون فيه الحل المناسب، أما وقد كانت إجابة الأم بتلك الصرامة، فلم يعد أمامه من
خيار إلا أن يحزم أمره، ويمضي إلى قراع الأعداء، حتى الرجل الأخير، ثم يتوجه إلى
موسى بن أبي غسان الذي يمثل روح المقاومة الوطنية في غرناطة قائلاً: [من مجزوء
الكامل]:
فتقترب منه الأم، مباركة له موقفه
الشجاع، وقلبها يتفطر حزناً، ويخفق فرحاً في آن معاً، يتفطر حزناً على ابنها الذي
تدرك أنه هالك لا محالة، ولن تراه بعد هذه الساعة إلاَّ مضرجاً بدمائه أو مسربلاً
على الأرض، بين مئات القتلى والجرحى، ولا شيء في هذا العالم كله يعادل قلب الأم في
حبها لوليدها- ومع ذلك نداء الواجب الوطني، جعلها تغمض عينيها عن نداء القلب،
وعاطفة الأمومة، مستجيبة لنداء الوطن والواجب، وفي الوقت ذاته كان يخفق ذلك الوجيب
فرحاً لأن موقف ابنها لم يكن موقفاً متخاذلاً، وضعيفاً، بل كان ينم عن رجولة
وشجاعة، وإباء، وهذا ما يجعلها كأم، تفخر وتعتز بموقف ابنها السيد في قومه، الجدير
بهذه السيادة، ثم تقترب منه، وتربت على كتفه قائلة: [من مجزوء الكامل]
أليست هذه الصرخة،
تصلح أن تكون في عصرنا الراهن لجميع القواد، والأمراء، والملوك الذين يشاهدون كل يوم
أطفال الحجارة، وأمهاتهم ربّات الجمال، يقاومون العدو الصهيوني في فلسطين؟ هكذا
دأب الشاعر عدنان مردم في معظم مسرحياته، أن يعزز في نفس الإنسان العربي روح
المقاومة، واستذكار الأحداث التي تحضّ على المقاومة، والنضال، وذلك لعمري أقصى ما
يرمي إليه الأدب الحق، والفن الرفيع. [ii]) عطوي، فوزي جريدة النهار اللبنانية) رقم 13478، تاريخ 6/3/1987م،
عنوان الدراسة فانوس ديوجين يضيئه الموزون المقفى). [viii]) مردم، عدنان من حوار له في الأسبوع الثقافي في جريدة البعث) العدد
3116، تاريخ 7/5/1973م، أجرى الحوار الأستاذ علي حيدر، ص12، العمود الأخير. [xiii]) مردم، عدنان، ديوان عبير من دمشق) منشورات عويدات، بيروت، ط1، 1970م،
من قصيدة بعنوان تراب الوطن، ص21-24. |