الاتجاه القـومي في مسرح عدنان مردم الشعري - حسـين حموي

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:51 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الفصل السادس

* تمهـــــيد

لا ريب أن شخصية المبدع تلعب دوراً بارزاً في إبداعه، فكما تظهر أشكال النشاط الاجتماعي والإنساني على فرادة الشخصيات الفاعلة في المجتمع، من حيث السلوك، والعقيدة، والموقف، كذلك تظهر نوازع هذه الشخصية المبدعة فيما تبدع، وأكثر ما تبدو هذه الخاصية في الشعر، والرواية والمسرح، لأنّ الذاتي يبرز بشكل أو بآخر في القصيدة، وأحداث الرواية. وفي شخوص المسرحية الذين يختارهم، ويصطنعهم المبدع لإبراز الجوانب التي يهدف إيصالها إلى القارئ أو المشاهد. وهذا لا يعني بالضرورة أن يتجسّد في إبداع الفنان، كل غزارة شخصيته الواقعية الحياتية، بل تتبدى بعض ملامح هذه الواقعية الحياتية. وهذه الأفكار والأهداف التي يؤمن بها الفنان على لسان الشخوص. وربما في بعض الحالات، كانت الثنائية متداخلة في العمل الفني. بحيث تختلف شخصية الفنان جوهرياً عنها في الحياة العادية. فإن بين المعطى التجريبي للفنان الإنسان البسيط بين الناس))- وبين المعطى الفني لشخصيته علاقة تبادلية تتشابه حيناً، وتختلف حيناً آخر. ذلك أن الشخصية الشعرية التي يسميها بوشكين روح الشاعر)) أي الشخصية التي تعبر عن نفسها في الإبداع، تبدو كما لو أنها ترتفع فوق الشخصية الحياتية الملموسة بكل مشاغلها الحياتية المضطربة، واهتماماتها، حيث تسمو فوق المعيشي العرضي، لتبرز كشخصية مثالية حاملة لأفضل الخواص الإنسانية. من هنا فإن إبداع الفنان يزداد أهمية؛ كلما استطاع أن يحلق بجناحيه إلى أعلى، باحثاً عن المثل العليا والقيم، والفضيلة، مدافعاً عنها، في ثنايا إبداعه، لأنها تجسّد أفكاره ومعتقداته. وأهدافه. وقد أجمع النقاد على وجود بطل غنائي في أي شعر وهذا البطل هو بالطبع، صورة عن الشاعر نفسه، ولكنه صورة، وتجسيد لأناه الشعرية. وليس قالباً دقيقاً تسجيلياً لطباعه اليومية، لصورة حياته وتصرفاته))[i]) وإن درجة الاختلاف أو الائتلاف تتفاوت بين شاعر وآخر حسب الشروط الاجتماعية التي يعيش، ويبدع ضمنها الفنان ذلك لأن أناه)) اليومية، وأيضاً ثنائيته الذاتية)) الشعرية- الغنائية تتولد بواسطة الوسط الاجتماعي ونمط الحياة، ونمط الأفكار المميزة له، وحين نطالب الفنان المبدع أن يحلّق بجناحيه إلى فضاءات الحلم، والرؤيا والكشف، لا نقصد من ذلك انفصاله عن الواقع، أو الابتعاد عن المجتمع الذي يعيش فيه، فالعبقرية في الفن، لا تفصل الفنان عن المجتمع، بل تجعله ينغمس في أعمق أعماق الحياة الاجتماعية، وأرغب هنا الاستشهاد بقول بيلنسكي: كلما كان الشاعر في مرتبة أعلى، كلما زاد انتماؤه إلى المجتمع، وإلى الوسط الذي ولد فيه، وتوقفت علاقة تطوره، وتوجهه، بل وحتى طبيعة عبقريته مع التطور التاريخي للمجتمع.. فلا يستطيع أي شاعر أن يكون عظيماً انطلاقاً من نفسه، ومن خلال نفسه، ولا من خلال آلامه الخاصة، ولا من خلال سعادته الخاصة، بل إن كل شاعر عظيم، هو عظيم لأن جذور آلامه، وسعادته، قد نمت عميقاً في أرض المجتمع والتاريخ))[ii]).

لقد كان الشاعر عدنان مردم بحق، من هؤلاء الشعراء.. استطاع أن يعبّر بشعره الغنائي، والمسرحي، عن أفكاره الخاصة، وأحاسيسه، وعن كل غزارة حياته الروحية الشخصية، فجاء إبداعه ذاتياً وموضوعياً في آن معاً، لأن المجتمع، والوطن والأمة بكل الإرهاصات، والإشكالات، والهموم، يسكنون في داخله أراد ذلك أم لم يرد، ففي كل نص شعري أو نص مسرحي كان يعبّر عن الذاتي والمكنون فيه، أي عن الهم الوطني والقومي الذي يتحسس أعباءه مع كل شهيق وزفير في المجتمع الذي يعيش فيه، وبذلك أصبح التعبير عن الذاتي في إبداع عدنان مردم هو تعبير عن المجتمع العربي من المحيط إلى الخليج، أي عن الهم القومي الذي أصبح متغلغلاً في نسيج شخصيته، وروحه المبدعة. فأصبح لسان حاله، لسان حال الملايين من أبناء العروبة الذين يؤلمهم، ويؤرقهم رؤية أوطانهم مستغلة، محتلة من قبل الأعداء، وشعوبهم مشرذمة لا حول، ولا قوة لها في التصدي لهؤلاء الأعداء. استطاع أن يجسّد بشكل نمطي ما يحيا في نفوس الآخرين من قلق على المستقبل، ومن طموح لرؤية هذا المستقبل على غير الصورة التي يرونه عليها.

هناك قصيدة للشاعر الفرنسي كينو KEINO) يتم التعريف فيها بشكل ساخر بجوهر الإبداع الشعري، تنطبق كلماتها حرفياً على شاعرنا عدنان مردم الذي ولد شاعراً واعتبر الكلمة واللغة أساساً في إبداعه يقول كينو))[iii]) فيها:

اعتبر الكلمة أساساً

وعلى النار ضع الكلمة

خذ نتفة من الحكمة، ومن السذاجة قطعة كبيرة،

بعض النجوم، بعض الفلفل،

من القلب الخافق قطعة، وعلى فتحة موقد المقدرة

اغل مرة ثم مرتين، ثم مرات كثيرة، كثيرة كل ذلك.

الآن اكتب!!! ولكن في البداية عليك رغم كل شيء،

أن تولد شاعراً.

نعم لقد ولد عدنان مردم شاعراً، ونشأ، وترعرع في ظلال رياض شاعر الشام أبيه خليل مردم، وعايش هموم مجتمعه، وأمته، لحظة بلحظة، فكان شعره، ومسرحه الشعري، صدى، وصوى لخلجات تلك النفس الشاعرة التوّاقة لرؤيا شعبها، وأمتها في مشارف العلياء، والتوحد، والقوة، وليس العكس. وعلى قدر الموهبة التي استحوذ عليها، والمعرفة التي تمثلها، والهموم الوطنية والقومية التي اختزنها خلف الضلوع؛ كان إبداعه، كان يعرف ماذا يكتب، وماذا يصوّر، ولأنه كان يمتلك وعي الفنان؛ فقد أدرك أن القصيدة وحدها غير قادرة على أداء الدور الذي ينبغي أن يؤديه في الحياة والمجتمع، فتوجه بكليته إلى المسرح الذي يلامس وجدان الناس بشكل مباشر، ويمكّن الشاعر في الوقت ذاته من أن يخاطب هؤلاء الناس بلغة أقرب إلى قلوبهم، وأكثر وقعاً على أسماعهم، وأشدّ تأثيراً في نفوسهم عندما تتحول تلك الكلمات إلى شخوص من لحم ودم، تتحرك على المنصة أمام المشاهدين، لكنّ هذا الحلم الأخير لم يتحقق، فقد بقيت مسرحياته الخمس عشرة، في طيات النسيان على الرفوف في واجهات المكتبات من غير أن تمتد إليها يد مخرج فنان لتبعث في تلك الكلمات نبض الحياة من جديد على خشبة المسرح. ورحل الشاعر وهو يحلم أن يرى تلك الشخوص التي رسمها في مسرحياته تتحرك فوق المنصة، تصدح بأشعاره التي نسجها من لحمة وسدى تاريخ أمته، وشعبه، وأضاف إليها خيوطاً جديدة من ثقافته العالمية التي اكتسبها، وألواناً زاهية من فيض عبقريته وخياله. تتلاءم مع كل نص مسرحي، ونعترف منذ البداية أننا لن نستطيع تحليل جميع المسرحيات التي أبدعها، في سياق المنهج التحليلي الشامل لكل أعماله لذلك عمدنا حين دعت ضرورة التقصي في التحليل إلى الوقوف عند المسرحيات التي تجتمع فيها الخصائص المميزة لهذا الشاعر المبدع، وخاصة في أسلوب البناء والتأليف، باعتباره يشكل صوتاً خاصاً له سماته، وميزاته الخاصة في التأليف المسرحي، وهو ما سنحاول الإشارة إليه في هذا الفصل.

1- البناء الفني في المسرحية المردمية:

إذا كان المثقفون العرب في عصرنا الراهن. قد تجرّعوا كأس المرارة إثر مأساة فلسطين، فإن الشاعر عدنان مردم، قد تجرّع هذا الكأس ممزوجاً بالغصص والحنظل، فهو قارئ جيد للتاريخ وحافظ أمين للتراث، ومدافع عنيد عن الأصالة والهوية القومية التي تعيد لهذه الأمة شيئاً من حضارتها الغابرة، وتبقي على وحدة هذا التراب مصاناً من دنس الغزاة والصهاينة الذين استطاعوا بمكرهم وجرائمهم، أن يقتلعوا الشعب العربي الفلسطيني من أرضه، ويزرعوا بدلاً عنه مهاجرين يهود غزاة من أنحاء العالم.

لقد كانت مأساة فلسطين تقض مضجع شاعرنا ليل نهار، وكان هاجس التحرير والخلاص من كابوس هذه المأساة، يلازمه في حلّه وترحاله. لا سيّما وأن هذه القضية تشكل محور النضال القومي لأمتنا العربية، ومنطلق النظرة القومية لوحدة هذه الأمة، التي تقع فلسطين منها في القلب من زاوية الرؤية التاريخية والجغرافية على السواء.

والذي يتسنى له الاطلاع على إبداع عدنان مردم الشعري والمسرحي منه بخاصة، يجد أن مجموع إبداع هذا الشاعر ملتزم بقضايا وطنه، وأمته يتمحور حول المقاومة، والتحرير، والوحدة، والشهادة في سبيل الأرض، والعرض والكرامة. إنه إبداع ينم عن عبقرية تستمد إبداعها من تراث الأجداد. وتاريخ الأمة، ونضال الشعب. ويحمل معاناة التجزئة، والتمزّق، والجهل، والتراجعات، والأمراض التي أصابت الجسد العربي عبر عصور الظلام، وفترات الانحطاط، والنكبات التي مهدت الطريق أمام احتلال فلسطين، وتشريد أكثر من مليوني عربي فلسطيني من ديارهم، ليعيشوا تحت الخيام في عدد من الأقطار العربية.

من هنا جاء إبداع عدنان مردم ليس ترفاً فنياً، وليس مجرّد كتابة إنشائية بقصد المتعة، بل كتابة جريئة تعرّي الجوانب السلبية التي أدت إلى كارثة الاحتلال، والتزام وطني وقومي في الدفاع عن التاريخ والجغرافيا، والقيم التي تصور هذا التاريخ، وتلك الجغرافيا، وترسم طريق التحرير بالكلمة الملتزمة الصريحة التي تؤسس لأدب المقاومة، وبناء الإنسان. لأن بناء الإنسان العربي على حبّ الأرض، والاستشهاد، والانخراط في صفوف المقاومة، وإبراز الجوانب المضيئة في تاريخه الناصع، تؤهل ذلك الإنسان لكي يساهم بدوره في حركة التاريخ، وكتابته من جديد؛ هي الغاية والهدف من كل كتابة خطتها أنامل عدنان مردم شعراً أو نثراً. ففي مجموعاته الشعرية الأربعة صفحة ذكرى) وعبير من دمشق) ونجوى) ونفحات شامية) نتلمس هذه الرؤية، وفي مسرحياته الخمس عشرة أيضاً تتكشف لنا في ثنايا سطور كل مشهد من المشاهد هذه الأهداف الوطنية والقومية تجاه الأرض، والوطن، والأمة، والإنسان.

وإذا كان الشاعر عدنان مردم. قد اعتمد في موضوعات مسرحياته على التاريخ، فإنه لم يكن يقصد استرجاع الحقائق التاريخية بعينها، بل كان يرمي إلى انتشال، واستخلاص العبرة من التاريخ من خلال قراءاته قراءة جديدة بعين بصيرة واعية، وفي ذلك يقول: لم يكن معيار النجاح لأي مسرحية في يوم من الأيام، حقائقها التاريخية، على وقائع، وإنما العبرة كل العبرة في النجاح لبراعة الشاعر نفسه، أو الكاتب ذاته. فيما يخلقه، أو يبدعه من الآثار الفنية، القمينة بالتجلة، والجديرة بالإعجاب، ومن المكرور المعاد أن أذكر أن المسرحية خلق وإبداع، وبناء فني ضخم، يرتكز على العبقرية، والجهد الفني، فإذا ما تحققت العبقرية، وقام الجهد الفني، فإن النجاح يكون مضموناً للمسرحية، بل ومؤكداً، ولعل الدليل على هذا، وهو يغني عن كل دليل، مسرحيات الشاعر الإنكليزي شكسبير) في نوعيها: الذي قام منها على الحقائق التاريخية، أو الذي كان من نسج خياله، فقد كن سواء في الحسن، ولا يمكن أن نميّز بينهن، أو نحكم لواحدة على الأخرى، على أن ما سقناه في حق الشاعر شكسبير) يصدق على ما أبدعه الشاعر الألماني شيلر) في مسرحياته المرتكزة على حقائق تاريخية، أو التي هي من نسج خياله، ولا يبعد أن يكون مرد النجاح في المسرحية أو في القصة إلى جهد الكاتب، وفنه الأصيل، وليست المصادر التي تلعب دور النجاح، أو الفشل، أو تمثل حجر الزاوية، فقد يتنازع الموضوع من المصدر التاريخي أكثر من كاتب، ولكن قصبات السبق تكون دائماً في يد المجلي ذي الباع الطويل الذي يعرف كيف يحكم عقله، أو يمشي الهوينا مع حوادث التاريخ))[iv])، وفي ذلك تلتقي نظرة عدنان مردم مع قناعة أرسطو الذي كان يرى أن الشعراء الكبار من المبدعين فقط هم الذين يستطيعون كتابة الدراما الشعرية أما الشعراء العاديون فقد استبعدهم من ساحة الدراما حيث يقول: إن وحدة المأساة لا تتحقق لمجرّد أن البطل واحد، وإنما تتحقق حين يكون العمل واحداً، ولا يقدر على ذلك سوى الشعراء الكبار أمثال هوميروس)[v]).

وكان أرسطو) يرى أيضاً أن المأساة والملهاة هما أعلى شأناً من الشعر الغنائي. وشدّد كثيراً على أن تحافظ الدراما الإغريقية، وبخاصة المأساة على الوحدات الثلاث، التي تشكل العناصر الأساسية للعمل الدرامي، في إطار تكاملي لفعل تام له بداية ووسط ونهاية. وهذا يعني أن للمأساة موضوعاً مستقلاً بنفسه يتضمن فعلاً واحداً، يساعد على توالد الأحداث بعضها من بعض، ولها هدف محدد تسعى إلى بثه من خلال العمل. وكانت اللغة الشعرية في القديم، هي اللغة المحببة إلى الناس، لما تتسم به من إيقاع رخيم، وموسيقا عذبة، تستجيب لها الأفئدة، وتترنم لسماعها الآذان. وأول ما بدأت هذه اللغة تشكل إيقاعها الشعري في الدراما الإغريقية، التي يبدو أنها أثّرت إلى حدٍّ كبير بكل أنواع الدراما التي نشأت ها هنا وها هنا فيما بعد، ومن ضمنها الدراما العربية التي كان الشعر العربي الغنائي وما يزال يشكل عمودها الفقري، مع الإشارة إلى الفارق الذي يميز بين الشعر الغنائي كنص شعري) وبين الدراما الشعرية كنص مسرحي) والذي حاول عدنان مردم قصارى جهده أن يقدّم لنا في جميع مسرحياته نصاً بتشكيلات شعرية تنم عن شاعرية كبيرة، لكنّه مع ذلك بقي مشدوداً من حيث لا يدري، إلى تلك الغنائية العربية الأصيلة التي انتقد شوقي عليها، وقد اعترف له بريادته للمسرح الشعري العربي، ومحاكاته لكبار الشعراء الفرنسيين والإنكليز، ووقوفه إياهم على قدم المساواة، وإتيانه بجديد لم يألفه الشعر العربي قبله، حيث يجعل شوقياً المؤسس الأول. والرائد الأول بحق للمسرح الشعري العربي، انتقده قائلاً: ولئن أُخذ على شاعرنا العظيم شوقي من شيء في مسرحياته، فإنما هو الإفراط في الغنائية، وفخامة مشاهد لا طائل من ورائها، والاستطراد الذي كان يلجأ إليه، وإن كانت جل هذه المآخذ لم تؤخر من فنه، أو تنل من بنائه، أو تهلهل من نسجه، بل كان وما يزال، المؤسس الأول للمسرحية الحديثة في الأقطار العربية دون منازع، أو حتى محاول أو شريك))[vi]).

بهذه الصراحة يعلن عدنان مردم فردانية شوقي في ريادة المسرح الشعري، رغم تحفظه الذي أبداه حول البناء الفني في هذا المسرح، متجاهلاً كل التجاهل عزيز أباظة، الذي كان وما يزال يشكل امتداداً طبيعياً لهذا الرائد، وكأنه أراد أن يوحي بشكل خفي أنه مع شوقي فقط يرودان هذا المسرح، فهو الخليفة الوحيد الذي يحمل راية هذا المسرح، مستفيداً من العثرات التي سقط بها شوقي وهو يشق طريقه في التأسيس لمسرح شعري عربي جديد.

إننا من خلال قراءتنا لمسرح شوقي ومسرح عدنان مردم، نجد أنفسنا أمام دوحة متشابهة في ورودها، وأزاهيرها، وظلالها. فالإثنان نهلا من منهل واحد هو التراث والتاريخ والأسطورة، والاثنان وجهّا إنتاجهما المسرحي في مصب واحد؛ هو اجتراح الواقع وتغييره بأسلوب شعري، يرتكز بشكل رئيسي على شروط المدرسة الكلاسيكية الصارمة التي تشكل بحور الخليل، بأوزانها المحكمة، وقوافيها المنظمة، ولغتها الجزلة، وبيانها البليغ عمودها الفقري.

فالاثنان تلميذان مجتهدان في مدرسة الشعراء الكلاسيكيين الكبار العربية والأجنبية، التزما بكل مقومات هذه المدرسة من أصالة التجويد، وصفاء العبارة، ورشاقة التشبيه، وسحر البيان، وصخب الموسيقى، ودقة التقيد بالوزن والقافية، وإذا كان من فارق يميّز أحدهما عن الآخر هو تنامي الحسّ القومي، وشمولية الرؤيا عند شاعرنا عدنان مردم الذي يمتلك خصوصيته المتفرّدة في هذا الجانب. وفي هذه المقاربة، أو المقارنة بين شوقي وعدنان مردم، نلتقي مع وجهة نظر الشاعر الدكتور خالد البرادعي، الذي وحّد بين أدوات الشاعرين إلى المسرح الشعري، وجعل الاثنين يقفان في المنزلق عينه فشوقي قدّم شيئاً جديداً في أدبنا هو المسرح الشعري حقاً، لكنه فضل أن يظل شاعراً غنائياً فوق خشبة المسرح، بدلاً من أن يطوع الشعر في الدراما، وهذا بالضبط ما فعله عدنان مردم... كمعظم كتاب المسرح الشعري، اختار مواقع من التاريخ العربي، وشرائح من تراثه، لكنه عالجها بنفس طريقة أحمد شوقي متجاوزاً التجارب الصحيحة، أي أن عدناناً قرأ سيرة فلان من الغابرين، وصاغها كما هي في التاريخ دون أن يتدخل في تركيب بنائها، وبهذا المعنى هو دخل إلى الماضي مصوراً ولم يدخل إليه رساماً))[vii]) وإذا كنا نتفق مع البرادعي، أن عدنان مردم قد نقل الشعر الجميل إلى المسرح بكامل قيوده، وصرامته، بما يقيّد حركة الدراما في النص المسرحي؛ فإننا نخالفه في أنه كان حيادياً في إيراد الحادثة التاريخية كما هي من غير أن يتدخل في تركيب بنائها. فقد اصطنع أحداثاً تاريخية في بعض أعماله المسرحية لا وجود لها، وغيّر وبدّل في الكثير من الأحداث والوقائع التي تؤكد الحقائق التاريخية صحتها، وقدّمها برؤية جديدة، تتناسب والإسقاط التاريخي المعاصر الذي رمى إليه عدنان مردم.

فمسرحية غادة أفاميا لم يكن نسيج أشخاصها من الأحداث التاريخية، بل من خيال الشاعر، مستفيداً من أهمية الجغرافيا أي المكان في صناعة الحدث، فمدينة أفاميا كما ذكرت المصادر التاريخية خضعت للرومان، وقد أخذ عدنان مردم بهذا الزعم لما عرف عن الرومانيين من قسوة، وحب للفتوح، وتمجيد للواجب، واختار أشخاص المسرحية من البيئة الشامية عاكساً صورة الاحتلال الروماني، بما يناظره من احتلال القوات الفرنسية لدمشق وفي ذلك
يقول الشاعر عدنان مردم:

إن الذي دفعني لطباعة مسرحية غادة بالذات دون غيرها من مسرحياتي كونها تدور حول فكرة قومية، وإنسانية معاً، واخترت مدينة أفاميا مسرحاً لأبطالها، لأن أفاميا، قطعة من البلاد الشامية التي لي شرف الانتساب إليها، يضاف إلى ذلك أن فيها تصويراً لمشاهد طالما شاهدتها أيام طفولتي في دمشق، وعشت معها حقبة طويلة، حين كان الشعب السوري بمجموع طبقاته حرباً على المستعمر، فحاولت تسجيل هذه الحقبة التي عشتها أيام طفولتي تمجيداً لها، وبعثاً لماضيها المشرق الذي جمع أسمى المعاني الخيّرة))[viii]).

يستوقفنا في هذا النص ثلاثة أفكار رئيسية:

الأولى: الإسقاط الجغرافي للحدث، حيث استبدل الشاعر عدنان مردم مدينة أفاميا بمدينة دمشق. فالحالة في كلتيهما متقاربة إن لم نقل متشابهة.

الثانية: استذكار الماضي المنظور الذي شاهده الشاعر بأم عينيه عندما كان منظوراً بالماضي المتخيل، الذي تصوره حاصلاً في أفاميا زمن الرومان. والخيال هنا رئيسي خصب، وليس ثانوياً، فكم من الصور، والإحساسات نقلها إلينا الشاعر عدنان مردم بدون عناء وبدون أي نشاذ على لسان شخصيات المسرحية التي رسمها في الخيال قبل أن يرسمها على الورق، وفي هذا السياق يتجاوز عدنان مردم التاريخ المسجل إلى التاريخ المتخيل.

الثالثة: استنباط أحكام ونهايات مناقضة كلياً للحقائق التاريخية، وربما مخالفة لطبيعة الأحداث ومجرياتها على أرض الواقع، فانتصار زعيم مدينة أفاميا، وقائدها القومي بهذه النهاية ليس مقنعاً بالنسبة للمشاهد، لكنه من وجهة نظر الشاعر الذي يريد أن يغلّب الحق على الباطل، ويجعلنا نسلّم بهذه الحقيقة، برّر دعوة زعيم المدينة إلى الإخاء والسلم، كي تأخذ طريقها إلى النجاح، مع العلم أن كفاح الشعوب واستبسالها في سبيل استقلالها وحريتها هو العامل الحاسم في دحر الباطل، وهزيمته. وهذا ما جعل عدنان مردم يصطنع أحداثاً، ويصوّر شخصيات، تساعده في تقديم تاريخ متخيل، يشير إلى تاريخ حقيقي عايشه الشاعر، أو عاش على استذكاره عند تأليف المسرحية، فكان استحضار الذاكرة، والتخيّل الذي دفع بالشاعر إلى إعطاء شخصية سابا) هذا الدور الذي يفوق التصوّر المنطقي، لأي حركة نضالية شعبية غير مقنع، وغير موافق لما جرى على أرض الواقع، في دمشق ضد الاستعمار الفرنسي الذي لم يخرج من سورية، إلا بعد معارك طويلة خاض غمارها ثوار عرب سوريون حقيقيون، في دمشق وخارج دمشق، وليس من خلال حبّ ضابط فرنسي لابنة زعيم مدينة دمشق، ثم تمرّد هذا الضابط على سيدّه، وتفجير الثورة.

إن إعطاء سابا) الضابط الروماني، هذا البعد الخيالي أبعد المسرحية عن واقعية الأحداث، ومنطقيتها، ولو أعطى هذا الدور لأحد الثائرين في المدينة، لكانت النهاية منطقية إذ لا يعقل أن يحرر غاصب أرضاً اغتصبها بنفسه؛ فيقتل سابا القائد الروماني بيدا)، والضابط المساعد له روبين) ثم يهوي مضرجاً بدمائه على أثر طعن هذا الأخير له بالسيف، فيشتبك أهالي المدينة مع أفراد الجيش، حول المعبد الذي كانت تنتظر فيه غادة حتفها، ويفكوّن الأغلال من يديها وتنتصر الثورة بهذه السهولة.

أما في مسرحية الملكة زنوبيا) التي استطاعت أن تؤسس مملكة عظيمة في الشرق، تضاهي بها امبراطورية روما في الغرب، لا سيّما بعد أن حققت نوعاً من التوحيد بين بعض أجزاء الوطن، وأخضعت مصر والاسكندرية بقيادة القائد العربي السوري زبدا) إلى ملكها، وهزمت جيوش الإمبراطور غاليان) على حدود فارس بعد قتل قائده هرقيليا نوس) فالمتدبر لسيرة هذه الملكة الكبيرة في كتب التاريخ، يجدها امرأة فذة بذّت الفحول من الرجال، لما حققته من جليل الأعمال، ويجد أن نهايتها؛ كانت عن طريق أسرها على حدود فارس، على شاطئ نهر الفرات عندما كانت تحاول اجتيازه إلى الطرف الآخر، بقصد طلب المساعدة من ملوك فارس، لتجاوز الحصار الذي ضربه الرومان حول مدينتها، وليس كما أرادها الشاعر بشكل آخر، حين غيّر النهاية بأن جعلها تجمع رجالها في بلاطها، وتعرض عليهم حقيقة الموقف، وخطورة الحال، وتهديدات روما، فيشير عليها زبدا) بمقارعة الأعداء والتصدي لهم حيث يخاطبها قائلاً: [من المجتث]

غَيْر القِتالِ مُحالُ

 

مَليِكَتي كُلُّ حَلٍّ

وللغُزَاةِ نِبَالُ

 

هَيْهاتَ يُغْني سَلامٌ

عَلَى الثَّرى ورمالُ

 

جَحافلُ الرُّومِ سَيْلٌ

مِنْ دونِها الأَهْوالُ

 

غَرِيزَةُ الشَّرِّ فيهمْ

على المدى والنضالُ

 

والغَزْوُ ما ألفُوهُ

فَكَيْفَ يُرجى مُحَال

 

وسِلْمُهُمْ مِنْ مُحَالٍ

وبعد التداول والمناقشة، يقرر الجميع خوض الحرب ضد الرومان بقيادة زنوبيا التي تتخذ قرارها بالقتال حتى الاستشهاد في سبيل الكرامة والأرض قائلة[ix]): [من مجزوء الكامل]

شَ إلى ميادينِ الوَغَى

 

سأَقُودُ في نَفْسي الجُيو

عَنِ الهوانِ ويُفتَدَى

 

أَرْضُ الفَتَى عرضٌ يُصانُ

قلَّ الفؤادُ لها فِدَى

 

وأَمَانَةٌ في مِثْلِها

وتظل زنوبيا ساهمة في دفاعها عن تدمر إلى أن يدخل عليها رسول كسرى، ليخبرها بأن كسرى يرحب بها إذا هي أرادت اللجوء إليه، فينزل هذا القول على رأسها كالصاعقة فتجيبه بغضب[x]) [من مجزوء الكامل]:

 

إليهِ في جُنْحِ الظَّلامِ

 

أَيُريدُ منِّي أَنْ أَفِرَّ

وَثِقَتْ يَدَاها باللِّجامِ

 

وأَكُونَ مِثْلَ طَرِيدَة

دِرْعِي هُناكَ ولا حُسَامِي

 

لا فَارسٌ) بَلَدِي ولا

هنا في هذا الفصل الأخير من المسرحية ينعطف عدنان مردم بالأحداث، فيلغي قصة المساعدة، أو الهرب كلياً كما تذكرها كتب التاريخ، بعد انتصار أورليان على زنوبيا وتدمر عام 262م، كيف حاولت زنوبيا الهرب إلى فارس، للاستنجاد بقادته غير أن الجيش الروماني، استطاع قطع الطريق عليها، وحملها إلى أورليان مصفدّة بالسلاسل.

لقد جعل خاتمة المسرحية؛ بتقديم زنوبيا نفسها كبش فداء من أجل تدمر وشعب تدمر، وذلك كي تبقى هذه الشخصية التي تشكل محور النضال، والمقاومة شامخة في نظر المتلقي. آثر الشاعر عدنان مردم أن تكون زنوبيا، هي كبش الفداء لشعبها، تعلن ذلك بمحض إرادتها أمام الحاشية، متوجهة بالنصح إلى ولدها وهب الله، أن يكون أميناً على المملكة من بعدها[xi])
[من مجزوء الكامل]:

وَكُنْ مِثَالاً يُحتَذَى

 

أَدِّ الأَمَانَةَ يا بُنَيَّ

إليكَ مِنْ سُنَنِ الهُدَى

 

واصدَعْ بما يُوحي الضَّميرُ

سيعْقُبُ اللّيلَ الضُّحَى

 

واعلَمْ وإِنْ جَرَحَ الزَّمانُ

ثم تنظر إلى الرسول وتأمره [من مجزوء الكامل]:

الليلَ أَسْتَرَ للأَذَى

 

قُمْ يا رسُولُ مَعي فإنَّ

عَنِ الحِمَى كَبْشَ الفِدَا

 

ما كانَ أَرْوَعَ أَنْ أَكُونَ

وتمشي بكل أنفة وإباء على طريق الجلجلة، رمزاً من رموز التضحية والفداء، بينما يضج الحاضرون بالبكاء والعويل، ومستشارها لونجين يعدد بعض مناقبها قائلاً [من مجزوء الكامل]:

لا يُزَعْزِعُهُ الرَّدَى

 

شَيّدْتِ للتَّاريخِ شَيْئاً

دُونَ الرَّعيَّةِ والحِمَى

 

وَبَذَلْتِ نَفْسِكِ عَنْ رِضَا

الدُّنْيا وتُطْعَمُ بالشَّذَا

 

في مِثْلِ نَفْسِكِ تُزْهِرُ

عَيْشٌ ولم يَعْذُبْ صَدَى

 

لَوْلا المُروءَةُ لم يَطِبْ

خاتمة مأساوية هي من مخيلة الشاعر، وليست من الحقائق التاريخية، فكيف نحكم على هذا الشاعر الذي ترك لأخيلته المسرحية، والشعرية العنان كي ترسم شخصيات، وأحداثاً لا وجود لها في أروقة التاريخ؛ بأنه كان مصوراً ولم يكن رسّاماً؟

إن رسم عدنان مردم بك لملامح شخصية زنوبيا في المسرحية موفق))[xii])، لا بل هو دليل واضح على قدرة الشاعر؛ في أن يختار النهاية التي تترك آثارها في نفس المتلقي، زمناً طويلاً أبعد من الزمن الذي تُقرأ، أو تُشاهد فيه، وذلك هو في صميم الفعل الدرامي الذي يستطيع الانتقال بالإنسان، والمجتمع نقلات نوعية إلى أمام. أما رسم الانتفاضة الشعبية في مدينة أفاميا بتلك الطريقة لم يكن كذلك.

وفي مسرحية العباسة، خالف الشاعر عدنان مردم الخطوط الموازية للتاريخ، من منظور عزيز أباظة، ليقدّم خطوطاً جديدة، يوضح من خلالها أسباب النكبة التي أوقعها الخليفة العباسي هارون الرشيد بالبرامكةَ، وأسباب كل نكبة، وكارثة. باعثها الصراع على المُلْك. وليس نزاعاً شخصياً بسبب قصة حب، بين جعفر والعباسة شقيقة الرشيد، وقد حاول الشاعر عدنان مردم في هذه المسرحية أن يجعل من العباسة الضحية البريئة التي تمثل الأنثى في كل عصر.

ـتُ مِنَ الأَذَى وخُلِقْتُ أنْثَى

 

مَاْ حِيْلَتي فيما اقْتَرَفْـ

وقد صرّح الشاعر عدنان مردم في بداية المسرحية، أنه نسج هذه المسرحية كما تراءت له أحداثها، وليس محاكاة لأحد حيث يقول: إني في مسرحيتي، لم أقتف أثر أحد، فقد نسجتها كما تراءى لي على ضوء معلوماتي، وشعوري))[xiii]) حتى أن مسرحية رابعة العدوية التي تمثل لوحة إنسانية تعبّر عن أوجاع الرق، وتصور الحياة المريرة التي يحياها الرقيق في كل عصر، لم يصوّر تلك الظاهرة، بقصد التوثيق فقط، بل لكي يشير إلى هذه الظاهرة اللاإنسانية التي لا يخلو منها عصر من العصور، وإن اختلفت الأشكال والأساليب فلئن حرّمت القوانين اليوم الرق، فإن عصرنا أتانا برق جديد أقسى من الرق السابق، إذ أباح استرقاق الأمم الضعيفة، بحجة الأخذ بيدها إلى مصاف الأمم الراقية، وأباح تجارة الرقيق الأبيض في حلبة الحانات والمواخير، بدلاً عن سوق النخاسة في الماضي. فمسرحية رابعة العدوية صراع بين المادة والروح، وانتصار الروح بأريجها على المادة، إذ فتحت آفاق المعارف الصوفية في محبة الله تعالى، واستطاعت أن تطلق إنسانيتها الخيرة المقيدة في أعناقها، حين قدّر لها أن تتحرر من ربقة الرغائب الجسدية، والشهوات النفسية))[xiv]) فكم نحن اليوم بحاجة إلى مثل هذا الحب الصوفي السامي، بعد أن انهارت المفاهيم الأخلاقية، وتبدّلت القيم على غير الصورة التي كنا نأمل أن تكون عليها، وطغت الحياة المادية، والنزعات الأنانية الفردية على الروح، والقيم النبيلة التي تؤثر سعادة المجموع على أي شيء آخر.

وليست مسرحيات الحلاّج، وأبو بكر الشبلي، وديوجين الحكيم؛ إلا في المنحى ذاته، بقصد إنصاف الحسين الحلاّج فيما له، وما عليه دون تحيز، مبيناً أن سبب قتل الحلاج يرجع إلى أسباب سياسية بحتة، فقد كان ثائراً على نظم مجتمعه، وكان على اتصال بالقرامطة، الأمر الذي جعل أولي الأمر من العباسيين يخافون شرّه، ولم يروا وسيلة للتخلص منه إلا رميه بتهمة الكفر والزندقة.

وكان ينشد في مسرحيته هذه الحقيقة التي ينشدها كل منصف، كما كان يتوخى الجمال الفني في الكشف عن أدق المشاعر النفسية، والإنسانية. كما اتخذ من حياة الشبلي الروحية، ومن مجتمع بغداد المادي المضطرم بنار ثورة الزنج، مصدراً لمسرحية أبو بكر الشبلي) الذي كانت حياته أنموذجاً فريداً في سيرة المتصوفة.

أما بالنسبة لمسرحيات: ديوجين الحكيم. والاتلنتيد، والقزم، والمغفل وفاجعة مايرلنغ فهي كما ذكرنا سابقاً تستمد مضامينها من موضوعات ورموز عالمية، فمايرلنغ دارة ريفية تبعد قليلاً عن فيينا، عاصمة النمسا، وشخصية رودلف تمثل ولي عهد قيصر النمسا الذي كان يتردد على تلك الدارة مع صحبه، يلهو في فيئها، ويعبث دون رفرفها، ما شاء له اللهو والشباب، فقد كان الأمير محباً للقصف والمجون، وهو إلى جانب لهوه كان يجمع صفات حميدة، يقدرها له كل من عرفه، فهو نيّر الفكر، حرّ الضمير، له نزعته الاشتراكية العلمية، أحبه الناس لطيب سريرته، ورأى به الأحرار، والمضطهدون النصير، والقائد، فكانت رابطة صداقة ما بينه وبين الزعيم المجري كارولي) الذي يسعى لتحرير المجر من ربقة النمسا، وكذلك روابط أُخر ما بينه وبين كثير من الأحرار.

لم تكن حركات ولي العهد ترضي القيصر) وهو المحافظ على العادات، والتقاليد الموروثة، فكانت عين رئيس الوزراء تافي) ساهرة لا تنام، تراقب الأمير بحيطة، ودراية، والأمير يعرف هذا الشيء، ويتألم منه، مما جعله يعيش منغصاً في حياته. هو يريد أن ينفتح على الناس، والقصر يأبى عليه ذلك إلا بقدر محدود له، فكان يثور حيناً، ويستسلم حيناً للقدر، أحبته الكثيرات من النساء لرجولته، وقد تورط في حب أكثر من واحدة مع أنه متزوج. وقد شاء القدر أن تقع في حبائل حبه الشريفة أغايا) شقيقة النبيل أدولف) الضابط الأول في الحرس الإمبراطوري، وصديق الأمير رودلف) في الوقت نفسه. وتحمل آغايا) من رودولف) سفاحاً، ولما نمي الخبر إلى شقيقها ادولف) طار صوابه، واجتمع بالأمير ولي العهد، وطلب منه الرجوع إلى شريعة النبلاء، لغسل العار، واتفقا على اختيار الطريقة الأميركية: في سحب إحدى الكرتين البيضاء والسوداء، والذي يسحب الكرة السوداء، لامفر له من أن ينتحر، وكان أن سحب الامير الكرة السوداء وهكذا قضى عليه بالموت. وقد ارتضى رودولف) هذا المصير بصبر وشجاعة، لكن معشوقته هي الأخرى تصرّ على الموت معه، وفي إحدى الأماسي، بعد سهرة صاخبة أحياها رودولف في دارة مايرلنغ، يصعد مع عشيقته ماري فيتشرا) إلى غرفة نومه، ويصوب المسدس إلى رأسها، ليقتلها، ثم يقتل نفسه.

هزت هذه الفاجعة مدن النمسا من أدناها إلى أقصاها، وبكى الشعب طويلاً رودولف) لأنه أحبه على علاته، وقد ران الحزن على الأسرة المالكة، إذ قضت الأم حزناً على وحيدها، واستسلم القيصر للحزن العميق، ذلك الحزن الذي أسلمه للتقشف والزهد))[xv]) هذه الحادثة كما يقول الشاعر عدنان مردم في التوطئة هي التي حدت به لكتابة هذه المسرحية، فقد فجع الشاعر عام 1942م بوفاة شقيقه هيثم الذي لم يكمل عشرين ربيعاً من العمر حين وافته المنية، فكانت الفاجعة كبيرة على الوالد، أثرت على صحته، وعجلت بوفاته، وعلى الأسرة، ومن ضمنها الشاعر عدنان الذي جعلته كثير التأمل، واجماً رصيناً في كل ما يفعل وهو في سن لا تتجاوز حينذاك خمساً وعشرين عاماً. أراد أن يبكي شباب شقيقه هيثم، من خلال هذه الفاجعة وفي ذلك يقول: أردت في مسرحية مايرلنغ أن أبكي الشباب الذاوي في مطامحه العالية، وفي مباذله التافهة، وأن أصف أحاسيس الشباب المتناقضة، من غيرية مثالية، إلى أثره هي غاية في الأنانية))[xvi]) ويختتم كلمته، وهو يستمطر شآبيب الرحمة على روح شقيقه هيثم) الذي ترك شرخاً كبيراً، ونقطة سوداء في قلبه الراعف بالحزن والألم. أما مسرحية الاتلنتيد فهي من أولها حتى آخرها من نسيج الخيال، فهي قارة ضبابية، لا وجود لها على الخارطة الجغرافية، والفيلسوف اليوناني أفلاطون، هو أول من أشار إلى هذه القارة وحضارتها، وكأنه توهمها مكاناً لمدينته الفاضلة التي كان يحلم بتحقيقها.

أراد الشاعر عدنان مردم من خلال رسم شخصيات هذه المسرحية أن يقول لجميع الباحثين عن السبل الناهضة بأممهم وشعوبهم. أن الاعتماد على القوة وحده ليس كافياً، فالحرية هي الأساس لكل تحرر ونهوض. لم تزدهر الحضارة اليونانية إلا بفضل الحرية التي يعيشها الفرد اليوناني، وبمثل هذه الحرية المباركة، قام رجال أفذاذ في شتى ميادين العلم والفكر، والأدب والفن، والسياسية، والفلسفة، وكانوا النبراس والعلم الخفاق لكل عصر. قد تطغى القوة في بلد ما، كشأن الفاشيين في إيطاليا، والنازيين في ألمانيا، حيثُ يصرف الشبان عن التفكير، وحياة التأمل، بإقامة الاستعراضات العسكرية والمهرجانات الدورية المستمرة، ولكن يظل الفكر الواعي لدى الشعب الأصيل، الرقيب، والديدبان الذي ينبه لدى كل انحراف"[xvii]) هذه الرؤية المعمقة للحرية هي التي حرضته لتأليف هذه المسرحية الشعرية، ليبين خطر الحركة الفاشية، والنازية في وأد الحرية الفكرية، أراد أن يصور من خلالها كيف أن القوة الفاشية الغاشمة التي تستأثر بمقاليد الحكم، لن تستطيع أن تصرف الجماهير عن سبل الفكر السليم، مهما خيل للطاغيين أن الأمر استتب لهم، فإن ومضات الفكر، واليقظة من أصحاب النفوس الحرّة، لابد أن توقظ ضمير الشعب حين تصح العزيمة، فتستيقظ الإرادة الخيرّة في النفوس، ويكون التغيير. إنها دعوة صريحة للديمقراطية واحترام الرأي الآخر، وتحقيق العدالة والمساواة بين الحاكم والمحكوم. ودعوة صريحة أيضاً للنضال من أجل امتلاك هذه الحرية مهما كانت ضريبتها قاسية على نفوس طالبيها. [من مجزوء الكامل]:

الأَعْنَاقُ مِنْ ثِقَلٍ لِتَدمَى

 

إنَّ القَضيّةَ دونَها

مِنْ حَياةِ المَرْءِ أَسْمى

 

حُرّيةُ الإنسان كانَتْ

خَانِعاً ويَعيشُ أَعْمى

 

ما قِيمةُ الإنسانِ يَرْزَحُ

كان العذابُ شَجاً وغَمَّا

 

والعَيْشُ دونَ كَرَامةٍ

كذلك مسرحية القزم) مستوحاة من شخصية القائد التركي مصطفى كمال) الذي أقدم إثر عقد المعاهدة مع الحلفاء بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها إلى خلع الخليفة العثماني وحيد الدين) وطرده من سائر الأسرة العثمانية، منصباً نفسه رئيساً للجمهورية بمساعدة لفيف من أعضاء مجلس النواب الذين هم من أنصاره ومؤيديه، ثم بعد سنتين من حكمه، قام بتغيير الحرف العربي، تنفيذاً للوعد الذي قطعه على نفسه للحلفاء، مما ساهم في قطع تلك الوشائج بين العرب والأتراك يقول في التوطئة: أتيت في مسرحيتي الجديدة هذه القزم على معالجة هاتين النقطتين اللتين تعرضت لهما الحكومة التركية: تغيير الحرف العربي والعلمانية مسايرة للحلفاء، ولم تخرج معالجتي لهاتين النقطتين عن التلميح دون التصريح، والإشارة دون التجريح، وذلك بإيراد النكتة المهذبة، وبالرمز أحياناً. فمسرحيتي القزم من نوع الملهاة شأن شقيقتها مسرحية المغفل) واتبعت نفس الأسلوب الذي شققت طريقه قبلاً، مبتعداً عن الضوضاء، والحركة التي يستعملها المؤلفون المسرحيون، معتمداً على النكتة الفكرية، والإشارة، والرمز))[xviii]).

نعم لقد اختار ملهاته المغفل أيضاً من سيرة الأمير اليفير) وما يجري في حكمه من أشكال الفساد، فوزراؤه مرتشون متملقون، وقطيع الشعب حاله كقطيع تائه، يردد ما يسمع دون وعي أو تمحيص، والقلة الواعية آثرت أن تحتجب في برجها العاجي، وكان الشريف منهم الوزير تابيس) يتكلم، ولا يُسمع له، حتى وصف بالمغفل، وذنبه أن يده طاهرة، وفؤاده نقي، حتى أخيراً كاد يشك في نفسه وراح يقول متحسراً آسفاً [من مجزوء الكامل]:

 

جَرْبَاءَ أَنْ تُكوَى بِجَمْرِ

 

خَيْرُ الدَّواءِ لناقَةٍ

زَرْعِ الجميل وغَرْسِ شُكْرِ

 

والأَرْضُ ما صَلُحَتْ على

غَسْلَها مِنْ كُلِّ وِزْرِ

 

لكنّما الطّوفانُ يَكْفَلُ

إنها دعوة صريحة للثورة والتمرّد على الفساد، والبحث عن الحق والعدالة في الوعي المعرفي، والصدق بعيداً عن أي تزييف أو نفاق.

ولم تكن مسرحية ديوجين الحكيم)) إلا تأكيداً على هذا البحث عن الحقيقة، والعدالة، والحرية. فقد ظل هذا الفيلسوف اليوناني الحكيم يحمل فانوسه في وضح النهار، يبحث عن الرجل الرجل، ولم يوفق بالعثور عليه.

اعتمد على هذه الشخصية في بناء هذه المسرحية، فقد كان ديوجين ثائراً متمرداً على أسلوب الشعب اليوناني في حياته الاجتماعية التي تنطوي على ترف فكري، واستلاب إرادته، فلا يغضب لحمى مستباح، ومجد عابر، وشرف تليد؛ وإنما كانوا يشقشقون وهم الأذلاء، ويتفلسفون وهم الأدعياء الجهلة، أراد أن يسطر مأساة ديوجين النفسية التي كان يحياها، ويخرجها للناس مسرحية شعرية، تحمل أسمى معاني التذكير بالتاريخ الغابر الذي ينطوي على كثير من الأحداث والمواقف. لأن العظة التي تستخرج من التاريخ، أوقع في النفس، والرمز أحياناً، أبلغ من الإفصاح))[xix]).

إن هذه المسرحيات برموزها التاريخية، تدل على أن الشاعر عدنان مردم لم يسترجع قراءة التاريخ العربي والعالمي لمجرّد الاستذكار، والتأريخ لأهم أحداثه، بل من أجل استنباط العظة والعبرة من كل حدث، وكل موقف، ولا سيّما عندما يكون الموضوع حساساً، يلامس الحياة الاجتماعية والسياسية للشعب، أو يصوّر العلاقة غير المتوازنة بين الحاكم والمحكوم، فكيف لا نشير بالبيان إلى هذا الجانب السياسي الهام في مسرح عدنان مردم الذي يتوّج الاتجاه القومي في فكر شاعرنا ورؤياه؟

إننا لو وقفنا عند مسرحياته الثلاث: مصرع غرناطة، ودير ياسين وفلسطين الثائرة، التي تدعو صراحة إلى استنهاض الهمم، والمقاومة، والدفاع عن الحقوق العربية المستباحة، لوجدنا أنها ترتبط بشكل أو بآخر في دعوة الشاعر لبناء الإنسان العربي بناء صحيحاً، تتحقق فيه حريته وإنسانيته. ولا غرابة في ذلك فثقافة عدنان مردم، وفلسفته في الحياة تقوم على هذه الرؤية الوطنية والقومية والإنسانية المؤكدة على تحرير الإنسان في الأعماق.

في حديث أجراه الأديب والناقد المسرحي السوري، عدنان بن ذريل مع الشاعر، وسجله في ختام كتابه الشخصية والصراع المأساوي) الذي درس فيه مسرح شوقي، وعزيز أباظة، وعدنان مردم، يجيب عدنان عن السؤال التالي: ما هي فلسفتكم في الحياة وفي الأدب وفي المسرح؟ قائلاً: الأدب رسالة فنية وأخلاقية، ورسالة الأدب ترمي إلى أن نحرر إنسانيتنا الخيّرة التي لم تزل سجينة في أعماقنا[xx]))) وقد وصف ابن ذريل أبطال مسرح عدنان مردم بأنهم: مكافحون إراديون، صابرون، إنهم من الفضيلة، والحق، والخير، ومسرح عدنان مردم هو مسرح الفضيلة والإرادة الخيّرة، وهو مسرح ملتزم، قضاياه، وموضوعاته من تاريخنا، وتراثنا، وإنساننا، ذلك أن أصالة عدنان مردم، جعلت قلمه الشاعري، نظيفاً مبدعاً، محباً للخير، ينفر من الشرّ، والظلم، ويأبى التعسف في حقوق الإنسان، وعلى الخصوص في حرياته وكراماته. إن مسرح عدنان مردم هو مسرح الإنسان المناضل من أجل الإنسان))[xxi]).

إن مسرحية دير ياسين على الرغم من خصوصيتها القومية، باعتبارها تصور النضال الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني والتي تشكل امتداداً واستكمالاً لمسرحية فلسطين الثائرة، التي صدرت قبلها بأربع سنوات أي عام 1974م، هي في الوقت ذاته، دعوة إنسانية لتحرير الإنسان في كل مكان من هذا العالم من الظلم والقهر والعبودية. وتصوير للمآسي المروعة التي ارتكبتها الأيدي الصهيونية الآثمة بحق الإنسان العربي، والإنسانية جمعاء، كان إعلان التقسيم عام 1947م مفاجأة غير منتظرة لعرب فلسطين، وللأمة العربية في سائر أرجاء الوطن العربي، ولكنهم ويا للأسف لم يدركوا حقيقة الخطر، ولم يتقاعس الفلسطينيون في الدفاع عن أرضهم، وحريتهم رغم الظروف الصعبة التي كانت تحيق بهم، فقد توالت الثورات، حاول الشاعر عدنان مردم في هذه المسرحية أن يصور مأساة فلسطين مشيراً إلى الغفلة التي رانت على نفوس أكثر الحكام في البلاد العربية، وعدم تفهمهم للمسؤولية الكبرى المتوجبة عليهم إزاء فلسطين، وفي ذلك يقول في التوطئة: حاولت أن أنصف النضال الفلسطيني، مكبراً في شعبه الشجاعة، وأن أسطر شيئاً من ثوراته، واكتفيت بوقعة القسطل، لأن الوقائع التي جرت كثيرة، وكل وقعة تستحق بمفردها مسرحية خاصة))[xxii])المسرحية تتوزع كما في أغلب مسرحياته على أربعة فصول، وبطلها الشهيد

الخالد عبد القادر الحسيني، بطل القسطل، وشهيده، ومعه عدد من رفاقه المناضلين يستخدم مجزوء البحر مجزوء الكامل]، خاصة، ويلجأ أحياناً قليلة إلى مجزوء الوافر، ومجزوء السريع، أو غيرهما، ويظل أغلب اعتماده على المجزوءات، لأنها أسهل للحوار وقد اختار لها عنواناً تتمثل فيه واقعية الحدث والحقيقة التاريخية لمصداقية الحدث هو عنوان فلسطين الثائرة) التي تتوزع على أربعة فصول في الفصل الأول منها يصف الجنود البريطانيين المكلفين بحفظ الأمن في مدينة القدس، محاولاً إثارة صحوة الضمير في نفوسهم على لسان أحدهم[xxiii]) [من مجزوء الكامل]:

نَعْدُو وَقَدْ وَضَحَ الصّوابْ

 

ما بَالَنا في دامسٍ

وَهَلْ شَفَى ظَمَأٌ سَرَابْ

 

وأرى عَدَالَتَنَا السَّرابَ

وَنَحْنُ في عَسَفِ ذَئابْ

 

أَنَقُولُ كُنّا الخيِّرينَ

فيهِ لمُسْتَقْصٍ جَوَابْ

 

والقُدْسُ شَاهِدُ حالِها

وزرعُنا العمر الخراب

 

أوْ ندّعي زرعَ الجميل

في قلب شارع القدس الرئيسي، كان عدد من الجنود البريطانيين المدججين بالسلاح، يسيرون بانتظام، أمام الحوانيت المغلقة، جون،وشارل، وألكسي، يتحاورون فيما بينهم، وقلوبهم يعصرها الأسى والندم، مما سببته اليد البريطانية الآثمة لفلسطين وشعبها، من ظلم، وتعسف خلال فترة حكم الانتداب الإنكليزي، تنفيذاً لوعد بلفور بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، ويبدو من خلال الحوار بعض الخلاف في وجهات نظرهم حول هذه المسألة: فشارل) يرى أن تطبيق النظام بقسوة على المتظاهرين، العرب، ردع للفوضى، وتثبيت لأركان الحكم[من مجزوء الكامل]:

أذى وليس به معاب

 

مافي النظام كما زعمتَ

على غوار بها العذاب؟

 

أتريدها فوضى يموج

في حين يرىجون) أن مع العرب كل الحق في أن يثوروا ويغضبوا، فقد سئموا هذه التحديات الصهيونية، وهذه الجرائم التي ترتكب بحق الشعب الفلسطيني، كل يوم على مرأى ومسمع الحكومة البريطانية، لا بل بمؤازرتها أيضاً، فالظلم وقر كالجبال، صعب على النفوس الأبية التي لا تقبل الهوان،ولو أن الحكومة البريطانية أنصفت العرب، وكانت عادلة في موقفها؛ لما نزلوا إلى الشوارع بهذا العنف، فليس من العدالة أن تتحول القدس إلى ساحٍ للقتال، وندّعي أننا كنا العادلين في معاملة العرب، ومنصفين لهم [من مجزوء الكامل]:

القدس ساحاً للقتال

 

هل كان عدلاً أن تحول

على التخرص والمحال

 

ونقول كنا العادلين

ثم يستمر الشاعر في وصف العرب المتظاهرين الذين تجمعوا في الشوارع، وأخذوا يقذفون الجنود بالحجارة، وقد أصبحت مدينة القدس ساحة قتال، فالحوانيت مغلقة، والطلقات النارية تدوي في الفضاء، والمتظاهرين يفتحون صدورهم للنار، فيسقط منهم بعض القتلى والجرحى ويشاهدون الدم المسفوح على الأرض من أجساد رفاقهم، فيزدادون غضباً، وتعلو صيحاتهم، ثم يجتمع زعماؤهم للنظر فيما يجب اتخاذه من التدابير، برئاسة عبد القادر الحسيني الذي يحاول أن يخفف من هول الفاجعة، ويزيد من رباطة جأشهم، وثقتهم بالمستقبل[xxiv]) [من مجزوء الكامل].

ـتُمْ كانَ مَحْمَلُها ثَقِيلاً

 

إنَّ الأمانَةَ ما عَلِمْــ

مَنْ يَحْمِلُ العِبْءَ الثَّقيلا

 

أَنْتُمْ لكلِّ عظيمةٍ

طالَ يُوشِكُ أنْ يَزُولا

 

لا تَيْأَسَوا فالليلُ مَهْمَا

يَظَلُّ مَرْهُوباً مَهُولا

 

والحقُّ ماكرَّ الزَّمانُ

أراد الشاعر مردم أن يعرّي الواقع العربي، على لسان هذه الشخصية شخصية عبد القادر الحسيني)؛ وهو يحاور عدداً من المجاهدين عادل النجار، إبراهيم أبو دية، عزمي الجاعوني، قاسم الريحاوي)، وكلهم من صميم الحادثة التاريخية لحماً ودماً، وينبئهم بالحقيقة، وهو يدرك أن الحقيقة مرّة في الأفواه، وقاسية على الأسماع، فقد كان وقت المكاشفة، والذي يكاشف بهذه الحقيقة هو الشاعر عدنان مردم ذاته،  الذي كان يطل برأسه، وكأنه أحد شخصيات المسرحية، ليدلي بآرائه وأفكاره على لسانها. ولم يجد أكثر جرأة وصراحة من المجاهد عبد القادر الحسيني في أن يجاهر بالقول: بأن سبب البلاء الأعظم هو عرب النفط، فنفطهم ليس ملكهم بل هو يصب في سواحل الأعداء، وفي أرصدة مصارفهم، وإذا كان يشكل نعيماً على أعدائهم، فهو جحيم على الشعب العربي، الذي يُحرق بلهيب ناره، وأمراض العرب مزمنة يتعذر شفاؤها، فالجهل أناخ بكلكله فوق الأرض العربية، والحكم لا يجتنى إلا بالقوة والدسيسة والدهاء، والحكام تخموا ولم يشبعوا بعد، والشعب منقسم على نفسه شيعاً وأحزاباً، ففي كل بيت فتنة، والرذيلة تحل محل الفضيلة، والناس حرب كما الذؤبان، والأخلاق احتضرت في الوجدان الذي ينوس ويهزل يوماً إثر يوم في ضمير الإنسان العربي.

لنا كانَتْ هزيلهْ

 

ومردّماً نشكوه أخلاقٌ

يضاف إلى ذلك نقص في الذخائر والأسلحة، بينما الغرب يغذي العصابات الصهيونية، ويشد أزرهم بأحدث الأسلحة وبالدعم المعنوي أيضاً، والعرب ينامون نومة أهل الكهف، ولا أمل في استيقاظهم، وإذا كان عرب النفط أصل الداء، فإن أهل الشام ليسوا أفضل حالاً منهم، ثم يستدرك ليقول: حكام الشام الذين ضلوا السبيل، وضللوا شعوبهم، باللهاث وراء الزعامات والكراسي، والتشدّق بالشعارات والخطب الحماسية[xxv])[من مجزوء الكامل]:

وأهلها كانوا الشُّبولا

 

أنا لستُ أياسُ من دمشقَ

همُ الألى ضلوا السَّبيلا

 

لكنَّ حكام الشآم

الخطبَ والدَّاءَ الثقيلا

 

وأرى الزعامةَ في دمشقَ

ثم ينتقل الشاعر عدنان مردم في الفصل الثاني، ليصف زعماء المنظمات اليهودية الإرهابية الذين اجتمعوا في ملجأ سري من حي يهودا في القدس وهم مردخان،ودافيد ومناحيم، للبحث عن طريقة يقضون بها على روح النضال العربي، فبعضهم يخشى بأس العرب، وبعضهم يسخر منهم ومن رؤسائهم وملوكهم، وبعضهم يفخر بقتل الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ تحت جنح الظلام، لا يردعهم رادع، فهم كالموت الذي يحصد الأرواح جميعاً من دون تفريق بين كبير وصغير، حيث يصرّح بذلك دافيد مخاطباً مردخان[xxvi])[من المجتث]:

دَماً على الغَبْراءِ

 

في كلّ رَبْعٍ سَفَكْنا

في فَحْمَةِ الظّلماءِ

 

وكَمْ بَريءٍ قَتَلْنا

عثارهُ مِنْ حَيَاءِ

 

وما أقلّنا لشَيخٍ

مِنْ فِتْيَةٍ ونِسَاءِ

 

وما رَحَمَنَا صِغَارا

لِمَدْمَعِ الضُّعَفَاءِ

 

كنَّا الرَّدَى لَيْسَ يَرْثِي

ويستمر حوارهم حول الطريقة التي يستطيعون من خلالها تدمير القرى العربية، وتشريد أهلها، فمردخان يقترح شراء زعماء العرب وملوكهم، غير أن دافيد يقنعه أن الشعب هو الذي يحمي المعاقل والثغور لا الزعماء، وهو الذي يقرر مصيره عندما يتخاذل حكامه في الدفاع عن الأرض، ثم يلي هذا المشهد عدة مشاهد تكشف عن موقف الجنود البريطانيين إزاء هذه الحوادث. إنهم يتحدثون  عما يشاهدون بمرارة وإطراق، وتفجع، حتى إذا أصابت صدر أحدهم رصاصة طائشة، هرع أحد الجنود إلى القوم طلباً للنجدة، فلا يجد في طريقه إلا فتى عربياً ذا مروءة وإباء، يتقدم من الجندي الجريح شارل)، ويمسكه برفق، ويحمله إلى إحدى المستشفيات وهو يقول[xxvii]) [من مجزوء الكامل]:

مِ الذَّائِدينَ عَنِ المحارِمْ

 

أَنَا مِنْ بَني العُرْبِ الكِرا

ذُلاًّ ولا أُغْضِي لِظَالِمْ

 

لا أَسْتَكينُ على أَذَىً

بَسَطْتُ كَفّاً غَيْرَ نَادِمْ

 

وَإِنْ استَجَارَ بِيَ العدوُّ

ويقوم شارل متكئاً على ذراع الفتى العربي، والدم ينزف غزيراً منه، ثم يتهاوى بين يديه، فيحمله على ظهره قائلاً: وهو يتألم، ويشعر باقتراب الموت منهِ، وفي صدره أشياء كثيرة يريد أن يبوح فيها لصديقيه جون وألكسي فقد كان قبل اليوم مضللاً من قبل الصهاينة، وكان يظن أنهم أوفياء مخلصون للإنكليز، أما وقد اكتشف أنهم معتدون ظالمون، فلابد أن يجهر بهذه الحقيقة قبل أن يفارق الحياة، بعيداً عن أهله وليس بقربه إلا زميلاه جون وألكسي، وهذا الفتى العربي الشهم الذي يحاول إنقاذه من براثن الموت، يحث الخطا للوصول إلى أقرب مركز إسعاف، لعله يجد فيه طبيباً يسعفه، ويوقف هذا النزف الغزير من جراحه، بينما شارل يسترجع ذكرياته الماضية، وكيف كان يظلم العرب، وينحاز للصهاينة في كل موقف من المواقف، ويشعر أن مطارق الندم فوق رأسه، أصعب عليه من جراحه التي تنزف دماً غزيراً، تترك أثراً لها على الأرض، وتبلبل ثياب الفتى العربي، الذي مازال يحمله على ظهره وهو يقول[xxviii]) [من مجزوء الكامل]:

وانْهَضْ معي بِقَنَاةِ حَازِمْ

 

أَمسِكْ بِرَأْسِي جَاهداً

فيتوجه إليه شارل بالشكر قائلاً[xxix]):

وَبَذَلْتَ دُونِي مِنْ مكارِمْ

 

شُكراً لما أَوْلَيْتَنِي

كَأَنْفَاسِ البرَاعِمْ

 

طَوَّقَتني بِجَمِيلِ عُرْفَانٍ

الحُرَّ لَيْسَ لَهُ مُزَاحِمْ

 

وَأَبَيْتَ إِلا أَنْ تَكُونَ

جَهْلٍ وإِنّي اليَوْمَ نَادِمْ

 

إِنّي ظَلَمْتُ العُرْبَ عَنْ

جماعةً ولهم دعائم

 

وبِكل  قطر لليهود

بين الورى في الناس داعم

 

والعرب ليس لحقهم

لقد استطاع اليهود أن يلفقوا الأكاذيب، ويصطنعوا الأساطير الخرافية، بأن لهم حقاً مشروعاً في فلسطين، وراحوا ينشرون جماعاتهم على امتداد الكرة الأرضية، لترويج تلك الأساطير والخرافات، مستفيدين من مذابح هتلر، وسواها التي بالغوا فيها، وبالأرقام التي زُيِّفت عن عدد قتلى اليهود في ألمانيا وخارجها، كل ذلك من أجل أن يوهموا العالم بأنهم مظلومون، وبأن العرب هم الظالمون، وقد استطاعوا بما توفر لديهم من أرصدة، وشركات تجارية، ووسائل إعلام موظفة لترويج أفكارهم أن يجعلوا العالم، في معظم سكانه وحكوماته، مع اليهود وليس مع العرب، كل ذلك مرّ كالشريط السينمائي، من أمام ناظري شارل) الجندي البريطاني الجريح، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة على ظهر الفتى العربي، الذي كان يحاول جاهداً قطع المسافة التي يجري فيها القتال، وإطلاق الرصاص، والوصول إلى أقرب مشفى أو نقطة إسعاف، لكنّ النزف الغزير حال بينه وبين الحياة، فقد شعر الفتى العربي أن ساقي شارل) بدأا يلامسان الأرض، وأنه لم يعد يسمع له شهيقاً أو زفيراً على عنقه، فتوقف قليلاً، ثم أنزله عن ظهره، وحاول أن يكلمه، فلم يستطع شارل أن يفتح فمه بكلمة، وجحظت عيناه جحوظ الوداع الأخير، بينما زميلاه ألكسي وشارل يصرخان والفتى العربي تغرورق عيناه بالدموع. لقدمات الشقي بعيداً عن أهله ووطنه مضرجاً بدمائه ممدداً على الأرض التي ماكان يظنّ يوماً أن يُسجى فوقها بلا نبض أو حياة، ويلتفت جون إلى الفتى العربي، وقد امتلأت روحه غضباً وحقداً على الصهاينة الذين قتلوا صديقه قائلاً:[xxx]) [من مجزوء الكامل]:

المروءةُ من كرمْ

 

أديّتَ غايةَ ما تؤديه

تردّد والدربُ دمْ

 

وأتيتَ مِنْ ناداكَ دون

من غير خَوْفٍ أو نَدَمْ

 

وبذلتَ روحكَ طائعاً

من المروءةِ والهممْ

 

ماكان: أشرفَ ما بذلتَ

نَحْفَظْ ولم نَرْعَ الذممْ

 

صنت الأمانة حين لم

وفي الفصل الثالث، وصف لمجلس ضم أم موسى)، زوجة المجاهد عبد القادر الحسيني، وقريبتها أم بسام) تتحدثان عن المأساة الفلسطينية بألم ومرارة، وخوف، حتى إذا ارتفعت أصوات الطلقات النارية، دخل عليهما غازي ابن أم موسى، وقد ضمّد ذراعه، فتنظر إليه أمه بحزن يمازجه الزهو، والفخر، والإعجاب، ثم تجهش بالبكاء عند سماع أصوات الشباب، وأصوات طلقات النار، يلي ذلك وصف لاجتماع المجاهد عبد القادر الحسيني برفاقه المجاهدين إبراهيم أبو دية، وعزمي الجاعوني، وحافظ بركات، وقاسم الريماوي، ثم ينضم إليهم الشيخ عبد الفتاح المزرعاوي في غرفة أرضية من داره بمدينة القدس، حيث قرروا أن يخوضوا معركة القسطل لأخذ الثأر من أعدائهم[xxxi]) [من المجتث]:

بالزّحفِ كالأنواءِ

 

في القسطل الثّأرُ يُغْرِي

ولهفتي للقاء

 

ماكان أطول شوقي

ثم يودعهم عبد القادر الحسيني وهو يدرك أن المعركة خاسرة مع الصهاينة الذين، تدربوا أحسن تدريب على جميع أنواع السلاح، ثم استطاعوا بدهائهم وخبثهم أن يجعلوا جنود الإنكليز يقفون إلى جانبهم، ويمدونهم بالسلاح، والذخيرة عند الحاجة، ودعهم بحشرجة حزينة تمزّق نياط القلب، وزفرة حراء تحرق الكبد قائلاً[xxxii])[مجزوء الكامل]:

وحفظ جبار السماء

 

برعاية المولى الكريم

بينما يبقى عزمي متأخراً قليلاً، وهو يقول إلى عبد القادر بصوت متهدج[xxxiii])[من مجزوء الكامل]:

دونَ لُبْسٍ أوْ خَفَاءِ

 

إنّي تَفَهَّمْتُ الحقيقَةَ

على الحقيقَةِ في جَلاءِ

 

وَوَعيْتُ ما تَرْمِي إليه

ضميرَ قَوْمٍ كالغُثَاءِ

 

أَجْهَدْتَ نَفْسَكَ كَيْ تُثيرَ

لتثيرَهُمْ كَبْشَ الفِدَاءِ

 

وجَعَلْتَ نَفْسَكَ دُونَهُمْ

لقد تأخر عزمي الجاعوني عن رفاقه في الجهاد، لينفرد بالشيخ عبد القادر الحسيني، لعلّ هناك شيئاً خاصاً به، يريد أن أن يبلغه إياه على انفراد شأن أي قائد عسكري، يحتفظ لنفسه ببعض المعلومات الخاصة المتعلقة بشؤون القتال، ولا يبوح بها أو ببعضها إلا لمن يجد لديه الكفاءة، والمقدرة في الاطلاع على تلك المعلومات، تلكأ عزمي عن الخروج مع أصحابه في الجهاد، ووقف أمام الشيخ عبد القادر، ينظر في عينيه اللتين تنطقان بالخوف والقلق على مصير الوطن والشباب الذي يموت مجاناً على مذبح الحرية برصاص الصهاينة، والعرب مكتوفوا الأيدي، يكتفون بالفرجة على إخوتهم الفلسطينيين، وهم يُذبحون ويشردون من قرى فلسطين، ومن قلب مدينة القدس التي تشكل أسمى المقدسات الدينية للعرب المسلمين والمسيحيين على السواء. ولا أظن الشاعر عدنان مردم قد اختار شخصية عبد القادر الحسيني، ليكون على رأس هؤلاء المقاتلين المقاومين للاحتلال الصهيوني، وهو من بلاد الشام، وبالتحديد من مدينة جبلة في سورية، إلا لكي يبرهن أن أبناء هذه الأمة هم في حقيقة الأمر، شعب واحد لا فرق بين سوري، أو لبناني، أو فلسطيني، أو مصري، أو عراقي.

 وأن هذا الشعب، لو تسنى له حكومات وطنية، مخلصة لما كان هناك حاجز حدودي، يفصل قطراً عن آخر.

هذا الثائر المجاهد الشامي، هو الذي يقود معركة القسطل، التي تعدّ من المعارك الحاسمة في الصراع العربي الصهيوني، وهو الذي أراد أن يلقي آخر الكلمات على مسامع عزمي الماعوني، يوصيه فيها أن يكون الساعد الأيمن له في القتال، وأن يكون الصوت المدوّي في الدفاع عن القضية الفلسطينية، وأن يرعى الأجيال الشابة، التي يريد الصهاينة تخريب أخلاقها وتفكيرها، وإفساد ضمائرها، وأن يتعامل الشباب بمنتهى الدراية والحكمة وأن لا ينظر للوراء، وللأسباب التي أودت العرب إلى هذه الحال، بل ينظر إلى أمام، إلى المستقبل الذي فيه التفاؤل والأمل. يقترب من عزمي الجاعوني رابط الجأش، ثم يتصافحان بحرارة وعبد القادر يخاطب عزمي قائلاً[xxxiv]) [من مجزوء الكامل]:

نَ لِيَ المُهَنَّدَ واليَدَا

 

عَزْمِي) أُريدُكَ أَنْ تَكُو

للحقِّ صَاحَ مُغَرِّدا

 

وتَكُونَ صَوْتاً داوياً

مِنَ الضَّمِيرِ وأَفْسَدَا

 

قُمْ وابْنِ ماخَرَبُ العدوُّ

وإنْ أَمَضَّ وأَجْهَدا

 

لا تَرْثِ للأَمْسِ البَعيدِ

مَعِي لأُمَتِنَا الغَدَا

 

عَزْمِي) أُريدُكَ أَنْ تُشِيدَ

وفي الفصل الرابع بحوار ساخن بين المجاهد عبد القادر الحسيني وزوجته أم موسى)، التي جاءت لتخبر زوجها أن ولدهما الصغير غازي)، يريد وداع أبيه قبل خروجه لملاقاة الأعداء، في حين يحاول الأب أن يتجنب هذا الموقف، لكنه يلبي أخيراً رغبة الزوجة، ويدخل إلى غرفة الأولاد، يودعهم، بينما الأم يعتصر فؤادها الألم وهي تقول[xxxv]) [من مجزوء الكامل]:

ـلَ بِفُرْقَةِ الخَدْنِ الَخليلِ

 

ما أَوْجَعَ النَّبَأَ الجَّليـ

مِنَ التَّأَهُبِ للرحيلِ

 

أَزِفَ الفِرَاقُ ولا مَفَرَّ

مِنْ لاعِجِ الدَّاءِ الوبيلِ

 

حَسْبي الذي جُرِّعْتُهُ

جَلَدٍ على حَمْلِ الثَّقيلِ

 

لم تُبْقِ لي الاّلامُ مِنْ

دَعَا فَسَكّن مِنْ غَليلي

 

لكنَّ صَوْتاً في الضَّميرِ

يَدْعو إلى العَمَلِ النَّبيلِ

 

صَوْتٌ أَهَابَ مُجَلْجِلاً

الزوَّجِ المفَدَّى بالعويلِ

 

لا لَنْ أُثَبّط هِمَّةً

كانت تتمنى الزوجة أم موسى) أن لا تنظر بعينيها الأب الذي يعدّ نفسه للقتال، في حالة من الضعف وهو يودع أبناءه مكسور القلب، لا يدري إذا كان سيراهم ثانية أم سيكون الوداع الأخير، لهم ولزوجته التي لم يكن موقفها سهلاً، فقد صبرت على نفسها، وكابرت، وقلبها يتفطر حزناً على فراق زوجها، لكنها تأبى إلا أن تعبر عن جلادة الأم العربية، ونخوتها في الدفاع عن الكرامة. ثم تودع زوجها، ويخرج المجاهد عبد القادر باتجاه القسطل، حيث يبدو لنا على مشارف القسطل في المشهد التالي شيخ ورجلان، يتحدثون جميعاً عن الواقعة، حيث يُسمع عن بعد بعض الأهازيج الحماسية، ثم نرى عبد القادر وإخوانه على بعد أمتار من قرية القسطل، يتقدمون وهم يهزجون ويهتفون بإيمان وعزم وشجاعة، ثم تلتهب نار المعركة، ويشتد أوارها، وفي قلب لعلعة النيران، واندلاع الحرائق يتقدم المجاهدون وهم يهزجون[xxxvi]) [ من منهوك المتدارك]:

مِلْءُ الخَاطِرْ

 

عَبْدَ القَادرْ

كَحَيَا غَامِرْ

 

أَعْطَى وجَزَى

لَيْثٌ خَادِرْ

 

عَبْدُ القَادرْ

كَشَبَا البَاتِرْ

 

صَعْبٌ مُرٌّ

الملفت للانتباه في معظم مسرحيات عدنان مردم  التي يجري في مشاهدها قتال، أو حروب، أنه يكتفي بوصف الحالة، وبتصويرها، من دون أن يجسّد المشهد عملياً، فهو يكتفي من النيران، والمعارك، بالتوصيف، وهذا ما فعله في الفصل الأخير من مسرحيةفلسطين الثائرة)؛ لم يختمها بالانتصار على الصهاينة وبالانكسار أمامهم، بل ترك الخاتمة مفتوحة على الجراح والأهازيج والحرائق، والهتافات التي تعزز الثقة بالنفس والمستقبل ويستمر إطلاق النار، وتستمر الأهازيج، ويحاول أحد الرجال أن يثنيه عن المضي إلى حيث عقد العزم، لكن عبد القادر الحسيني،يظل مستمراً صامداً في مقارعة الأعداء وهو يقول:[xxxvii])[من مجزوء الكامل]:

يَرِدُ المنيّةَ عَنْ رِضَا

 

والحُرُّ دُونَ عَرِينهِ

وَهُوَ يَهْتِفُ لِلْحِمَى

 

يَرْمِي فَيُرْمَى ثُمَّ يَقْضِي

الغَالي ومِحْرابُ الهُدَى

 

وَطَنُ الفَتَى تَاريخُهُ

أو نَخَافُ مِنَ العِدَى

 

هَيْهَاتَ نُحْجِمُ في قِتَالٍ

مَنْهَلاً أَمِنَ الردَّى

 

إِنَّ الذي وَرَدًَ المنيَّةَ

وتنتهي المسرحية على لعلعة الرصاص، ودخان الحرائق، وأناشيد الشباب، وصوت امرأة عربية، تتضرع إلى الله أن لا تكون هذه المعركة كسابقاتها من المعارك التي حُصدت فيها أرواح الأطفال والنساء والشيوخ حصداً كما الهشيم بقنابل الجنود الصهاينة، ورصاصهم الغادر، وأن لا يُفتح في صدر الأرض الفلسطينية جرح جديد، يزيد الجراح نزفاً، ويضاعف عدد الثكلى والأيامى فوق الأرض العربية التي امتلأت بالمآسي، والمشاهد المروّعة من شدّة الحروب، والمعارك مع العدو الصهيوني، الذي يزداد أشراً وغطرسة يوماً إثر يوم من خلال تفاقم المصائب، والضعف العربي الذي يزداد سوءاً على سوء، كلما امتدت طريق الصراع مع هذا العدو، الذي ليس له شبه بين جميع الغزاة والغاصبين، يحاول الشاعر عدنان مردم أن ينهي فصول المسرحية، ويسدل الستارة الأخيرة على صورة تلك المرأة العربية، وهي تفتح ذراعيها متضرعة إلى الله أن يحمي شباب العرب، وأرض العرب من كيد المجرمين الصهاينة قائلة[xxxviii]) [من مجزوء الكامل]:

بِوالِدِهمْ ولا شَعْبَاً بقائِدْ

 

لا تُفْجعِ اللَّهُمَّ أَطْفَالاً

وبصدرها الجُرْحِ شَاهِدْ

 

الأَرْضُ بالدَّمِ خُضِّبَتْ

مُروَّعَةٍ مَشَاهِدْ

 

وبِكُلِّ زَاوِيَةٍ لمأسَاةٍ

وَقَدْ تَفَاقَمَتِ الشَّدائِدْ

 

رَبَّاهُ ضَاقَ بِنَا الطَّريقُ

لقد ترك الموضوع منفتحاً على المستقبل المجهول، الذي لا يُعرف ما يُخَبّأ للعرب من مآسٍ جديدة، ومجازر جديدة ليشد أنظار المتلقي إلى المستقبل، وما يتطلبه هذا المستقبل من إعداد للأجيال، واستعداد كامل لمواجهة هذا العدو الذي يقضم الأرض العربية قطعة إثر قطعة، ويخطط لابتلاع كامل التراب الفلسطيني، وتشريد أكبر عدد ممكن من الشعب الفلسطيني تحت الخيام،  والعرب بكل أسف، ما زالوا يتعاملون مع هذا العدو الفريد من نوعه في التاريخ، بكل استهانة،  واستكانة وضعف.

لقد حاول عدنان مردم في هذه المسرحية، وفي مسرحية دير ياسين أن يصور كفاح شعب ثار على الاحتلال الصهيوني، وتحدى كل ما رافق هذا الاحتلال من قمع، وذبح، وتشريد، فما من عاطفة قومية يفترض وجودها في نفوس الثائرين، إلا مازجت قلب الشاعر، وما من فكرة وطنية، تلهج بها نفوس الناس، إلا خامرت عقله، والشاعر عدنان مردم لا يعرف اليأس، ولا يترك إليه سبيلاً في قلبه مهما ادلهمت أمام عينيه الطريق.

يتجلى في هذه المسرحية الصراع الأبدي بين الخير والشر، فقوة الخير يمثلها المجاهدون الفلسطينيون، وقوة الشر، يمثلها زعماء المنظمات اليهودية، والشاعر يعتقد اعتقاداً جازماً أن النصر في النهاية لن يكون إلا لصالح قوى الخير. إنه يقدس الحق، والعدل، وينفر من الجور، والظلم، ويدعو إلى الرحمة والعطف، ويكره الاعتداء على حرية الإنسان وكرامته، ومن يعشق الحرية،  والأرض والإنسان هذا العشق الصوفي لا يصيبه اليأس.

إن هذه المسرحية كغيرها من المسرحيات التي تتشابه في بنائها الفني، وعملها المسرحي، يتناول الشاعر فيها موضوعات قومية، وسياسية، واجتماعية، وإنسانية مختلفة، يقتبسها من التاريخ القديم، ليعبّر من خلالها عما في نفسه من الأفكار والأحاسيس المتولدة من الحياة الحاضرة، إنه يبدأ موضوعه بتصور فكرة مجردة، ثم يبحث عن حادثة تاريخية معينة، تصلح لتصوير هذه الفكرة تصويراً مشخصاً، ففكرة نضال الشعب في سبيل حريته، واستقلاله، أوحت إليه بمسرحية غادة آفاميا) وفكرة الصراع السياسي، والتنافس على الحكم، أوحت إليه بمسرحية العباسة) وفكرة الفداء أوحت إليه بمسرحية الملكة زنوبيا) وهكذا دواليك، وتمتاز مسرحية فلسطين الثائرة، ومسرحية دير ياسين،  بأنهما من المسرحيات التاريخية التي تستمد عناصرها وأحداثها وشخوصها من التاريخ المعاصر، أي من حياة شعب ناضل كثيراً، وما زال يناضل، ويجاهد لاسترجاع أرضه، ونيل استقلاله، فموضوع هذه المسرحية مع شقيقتها دير ياسين) موضوع واقعي حي، أو قل إذا شئت موضوعاً سياسياً خصباً، يعبر عن مأساة فلسطين أحسن تعبير، ويقارب  بين ماجرى من أحداث قبل خمسة عقود من الزمن، ومايجري حالياً من مقاومة لهذا الاحتلال في القدس والضفة والجنوب اللبناني.

إنها من النوع الكلاسيكي الذي يتغلب فيه العقل على العاطفة، والمثال على الواقع، وقد تجلى ذلك في الموقف العاطفي الذي صوّر لنا فيه الشاعر أم موسى) وهي تودّع زوجها المجاهد عبد القادر الحسيني، والموقف الآخر عندما رأت والدها غازي جريحاً. إن الصراع تجلى بين العاطفة والواجب، بين الحب، وعاطفة الأمومة، والزوج، وبين الدفاع عن المقدسات والكرامات، فانتصر العقل على العاطفة.

 إن معظم الشخصيات التي اختارها الشاعر، كانت من صميم الواقع، توضح المخاطر التي يتعرض لها الإنسان عندما يتقاعس عن قتال الأعداء، والتصدي لمخططاتهم، وهذه سمة من سمات الشاعر المثالي الرصين، تبدو واضحة في تركيزه على الشخصيات المسكونة بالرتابة، والعقل، والعفة، والحكمة، والشجاعة، وغيرها من القيم التقليدية. ولابد من الإشارة إلى أن الحقائق التاريخية التي تضمنتها هذه المسرحية، قد تكون مجزوءة، لأنها حقائق مقنّعة بالآراء السياسية والأفكار الذاتية للشاعر الذي احتلت القضايا القومية، ولاسيما قضية فلسطين حيزاً كبيراً من تفكيره، وإبداعه.

إن موضوع المسرحية مصدره الواقع والتاريخ معاً، فهو مستمد من إحدى المعارك التي حدثت في فلسطين في منطقة القسطل، والبناء الفني الذي ارتكزت عليه المسرحية المردمية، يقوم على العناصر التي قامت عليها المسرحية الكلاسيكية مع قليل من التطوير والتغيير. نقف على أهمها:

أ - الموضوع:

هو مجمل الأحداث في المسرحية، وهو الذي يوحي بالعبرة فيها، ومن هنا تباينه عن فكرة المسرحية، أي القصد الذهني فيها، لأنه هو قصة المسرحية)، ومدار مغزاها[xxxix]) وقد كان أرسططاليس يرى أن الموضوع هو الجزء الهام، والأساسي في المسرحية، وإنه بمثابة الروح فيها، وبدونه لا توجد مسرحية، ناهيك أنه كان يتوسع في استعمال مصطلح موضوع) يطلقه على الحدث، والحبكة، والعمل المسرحي، وعلى الخصوص كان يتشدد بأمر وحدة الموضوع) عبر تشدده بأمر وحدة الحدث في المسرحية، فيكون الموضوع واحداً، كما يكون الحدث واحداً، وتكون الحلول نابعة من الموضوع ذاته. لم يتقيد الشاعر عدنان مردم في معظم مسرحياته بوحدة الموضوع أي على وحدة العمل المسرحي في المسرحية، وكذلك على وحدة الزمان، ووحدة المكان وهي الوحدات الثلاث التي أكد عليها أرسططاليس، وجميع الكتاب والنقاد الاتباعيين الكلاسيكيين فيما بعد، ففي مسرحية غادة أفاميا التي وزع الشاعر أحداثها على أربعة فصول، يتمحور موضوعها وأحداثها حول فكرة حق الشعب في سيادته على أرضه، وحقه في الدفاع عن هذه السيادة عندما يتعرض لها غاصب محتل، فالقائد الروماني بيدا) احتل أفاميا بجيش جرار، لا يملك أهالي المدينة القدرة على التصدي له، إلا أن بعض الشباب المتحمس في المدينة، يأبى أن ينام على الضيم، ويحاولون مع الوليد الزعيم الوطني للمدينة، أن يبدأوا بأعمال فدائية، تشعر القائد الروماني بشيء من المقاومة  فيحاول الوليد الزعيم الوطني إخماد غضبهم، ويدعوهم للقبول بالأمر الواقع.

ويجعل الشاعر عدنان مردم الخلاص على يد الضابط الروماني سابا) الذي يقع في حب غادة)، ويكون هو نقطة البداية لشق صفوف الجيش الروماني، وإشعال الشرارة الأولى في المعبد الذي كانت ستقدم فيه ابنة الوليد غادة) قرباناً للآلهة في عيد النصر الروماني، والذي سينفذ المهمة في حرقها، عاشقها الضابط سابا) الذي يتحول إلى خط الدفاع المضاد ، فيقتل قائد الغزو، ومعاونه، وينقذ محبوبته من الموت، وتتحرر المدينة من استعباد الجيش الروماني، ويقف زعيم المدينة ليعلن انتصار الحب على الحقد والكراهية، والسلام على الحرب.

إنه انتصار افتراضي، أقرب إلى الخيال منه إلى الواقع، وانتصار الشعوب لا يتم على أيدي غاصبها، وإنما بالمقاومة وبالثورات الشعبية.

لعلّ الشاعر عندما اختار هذه النهاية لمسرحية غادة أفاميا، أراد أن يؤكد دور القيم في التاريخ، وتأثيرها في حركته من خلال قيمة الحب ) التي تذيب جميع الفواصل الحدودية بين البشر، وتوقظ ضمير الغاصب والمغتصب في لحظة واحدة من صحوة الضمير، فيكون صوت الحق هو الصوت الأقوى، لعلّ الشاعر عدنان مردم أراد أن يوهمنا، أو يتوهم هو بذلك، أما في الحقيقة فإن تاريخ الشعوب التي تتعرض لغزوات خارجية، يؤكد لنا أنها لم تتحرر من قيود الاغتصاب والاحتلال إلا بالمقاومة، وإذا كان الشاعر قد استند في موضوعه على حدث تاريخي، فإنه لم يبرهن على صحة هذا الحدث أو على واقعيته في مجريات الأحداث التي ساقها على مدى أربعة فصول، ربما أراد أن يقنعنا بأن انتصار الحق ليس مرتبطاً بوجود القوة الصادّة والرادعة لسارق الحق، بل إن القوى الخارقة التي يمتلكها الحق ذاته، تجعله يحقق انتصاره بنفسه، وهذا ما يروّج له بعض الناس المثاليين في أفكارهم إلى درجة الوهم في صراعنا مع العدو الصهيوني، بأنه سيتفسخ من داخله، ويهزل ويموت من تلقاء نفسه جرّاء هذا التفسخ الداخلي، وهو مفهوم مثالي أبعد مايكون عن إرادة روح التاريخ وأحداثه التي لم تخل مسرحية من مسرحيات عدنان مردم من رمز تاريخي، أو حادثة تاريخية، يقيم عليها بناءه المسرحي، وتكون هي محور الموضوع الرئيسي فيها.

ب - اللغة:

إن الشيء المميز في المسرحية المردمية لغتها) فقد كان عدنان مردم مسكوناً بهاجس حب اللغة، واختيار الألفاظ المناسبة للمعاني التي يريد طرحها في المسرحية أو القصيدة، فلم نقرأ له شعراً غنائياً، أو شعراً مسرحياً إلا باللغة الفصحى السليمة من أي خلل، لذلك جاءت معظم مسرحيات عدنان مردم، تتسم بالمتانة، وقوة السبك، خالية من عناصر المسرحية الذهنية، فهي لا تعتمد على المعاني المجردة، ولا الأفكار المطلقة، بل يختار الكلمات التي تعبر عن الحدث، وتخبر عن الموضوع، وتضفي على الزمان والمكان حواراً طويلاً أحياناً، لكنه يصوّر الحدث، ويصف الحالة بمعنى آخر لقد ساعدته شاعريته على بلاغة الوصف اللغوي، الذي جاء مساعداً للفعل والحركة والموقف في المسرحية المردمية.

غير أن هذه اللغة الشعرية التي وظفها لنقل أفكاره إلى المتلقي، لم تكن متنوعة في الخطاب حسب الحالة التي يتطلبها الموقف، أو حسب الشخصية التي يتوجه منها وإليها الخطاب، حتى يخيل لنا ونحن نسمع بعض الحوارات على اختلاف الشخصيات والزمان والمكان، متقاربة إلى حد كبير في لغتها، ففي مسرحية دير ياسين مثلاً في المشهد الأول من الفصل الثاني عندما يلتقي محمد علي خليل وجابر مصطفى في بيت المختار، وكان الموقف يتطلب أن يتحصّن أهالي القرية في بيوتهم، ويستعدوا لملاقاة العدو الذي يدبر لهم مكيدة، بينما المختار يحاول تهدئتهما.

يقول الشاعر على لسان شخصية محمد علي خليل)[xl]) [من مجزوء الكامل]:

تُجدى وليس بها غنى

 

ما في التريث حيلة

ولا تطلْ جدلاً سدى

 

قمْ وادع للعمل الشبابَ

بما يُحِّتُمه الندى

 

وأجب نداءَ الضارعين

وفي المشهد الأول من الفصل الثالث، في مستعمرة جبعات شاؤل حيث كان يجتمع في أحد الأمكنة، زعماء المنظمات الصهيونية الإرهابية مناحيم بيغن، ومردخان بوخمان، ودافيد ليثل للتشاور بصدد مجزرة دير ياسين يقول الشاعر على لسان دافيد ليثل[xli]) [ من مجزوء الكامل]:

والسيل قد بلغ الزبى

 

مافي التردد حيلة

من دونه عصفُ الأذى

 

دربُ الكرامةِ شائكٌ

بالصَّفائح والقَنَا

 

والحقُ يُنتزعُ انتزاعاً

بجماجمٍ لا بالمنى

 

والملكُ يُرفع صَرْحُهُ

ترى أي درب للكرامة، وأي حق، يدافع عنه الصهاينة؟ ربما كان يصلح هذا الحوار، وهذه اللغة في خطاب موجه لمجموعة عربية تتردد في الدفاع عن أرضها وكرامتها، وهذا الأمر يتردد على لسان العديد من الشخصيات، ويبدو أن مسألة اللغة شغلت مساحة واسعة من تفكير رجال المسرح فبعضهم نظر إلى الكتابة للمسرح، على أنها من أنواع الكتابة الأدبية، وفي مقدمتهم شاعرنا عدنان مردم الذي كان يريد أن يقدم نصاً أدبياً بلغته، وحواره يقرأه المتلقي قراءة، وكأنه يقرأ ديواناً شعرياً، في حين أن الكاتب سعد الله ونوس، كان يعتبر النص المسرحي جزءاً من كل، وأعطى للعرض المسرحي الذي يشكل جوهر الظاهرة المسرحية) الأهمية القصوى، حيث يقول: تقليص الظاهرة المسرحية إلى دراسة أدبية للفصول أو أحكام جمالية تتناول بقية عناصر العرض المسرحي مفردة أو متراصفة، إنما ينطوي على جهل بطبيعة المسرح كظاهرة اجتماعية، ويؤدي فوق ذلك إلى تمويه مضمونه الاجتماعي، والانحراف بالدور الذي ينبغي أن يلعبه في حياتنا)[xlii]) وقد رفض ونوس مسرح الحكيم الذهني لأنه كتب ليقرأ لا ليعرض أمام النظارة وتكاد تجمع الآراء النقدية على أن لغة الشعر المقصودة لذاتها المرصّعة بالغنائية والإنشائية، ماتزال تقف حائلاً دون إيصال الأفكار إلى المتلقي، لاسيما في الشعر المقفى الموزون الذي يحتاج فيه الشاعر إلى مراعاة الوزن والقافية والروي في الحوار.

جـ- الحدث:

لم يكن عدنان مردم من هواة تعددية الأحداث في المسرحية، بل كان يشيد بناءه الفني لجميع مسرحياته حول حدث محوري واحد، تتفرع عنه، أو تقوم عليه عدة أحداث فرعية، وهذا ساهم بشكل أو بآخر في بناء مسرحياته بناءً سردياً، يبدو عفوياً في إطار الشخصية التي تؤديه، لكنه في حقيقة الأمر هو متصاعد، ومرتبط وفق جري الزمن، مع الأخذ بعين الاعتبار، مقاربة المونولوج الشعري من طبيعة السرد التي تفرضها عمليات استرجاع الماضي، أو الحلم، أو الحكمة التي كانت تتغلغل في ثنايا معظم المشاهد. "إن البناء السردي بناء سهل، يغري بالجري عليه، ولكن في سهولته مزالق كثيرة، ولا يمكن تجنبها إلا بامتلاك مقدرة على التكثيف والتركيز، والإغناء، ويبدو البناء السردي ملائماً للمسرحية التي تتخذ من التاريخ مصدراً لها، ولكن مزالق ذلك البناء، ستبدو عندئذٍ أكثر خطورة، إذ يبدو التاريخ نفسه مبنياً بناءً سردياً، وهو ماقد يؤدي إلى إضعاف دور المؤلف في إغناء بناء المسرحية، وقد يقصره على نقل التاريخ إلى المسرحية، بتحويله إلى حوار فحسب، من غير عناية بالبناء أو اهتمام ولكن لا يمكن أن يعد البناء السردي سيئاً في ذاته، ولا ضعيفاً، فالقيمة ليست فيه، وإنما في أسلوب الاعتماد عليه"[xliii]).

إن الشاعر عدنان مردم حينما حاول أن يقدم نصاً مسرحياً، معتمداً على حادثة من التاريخ، أو على رمز من التراث العربي أو الإنساني، فإنما كان يحاول أن يعبّر عن أفكاره، وموقفه والرموز التاريخية والتراثية التي اعتمدها، تكشف عن طريقة التفكير والرؤية التي كان عدنان مردم ينظر من خلالها إلى التاريخ، فلم يكن ينظر إليه من منظور المؤرخ، بل من منظور الشاعر الذي يستبعد التاريخ، ويستحضر التراث ليلتمس منهما العظة والعبرة فيما يوازي تلك الأحداث التي وقعت في الماضي أو ما يشبهها في الواقع الراهن المعيوش للشاعر، فقد سجل الشاعر عدّة مواقف متشابهة إلى حد كبير، تتلخص في الدفاع عن الحق،و مقاومة المحتل، ورص الصفوف في معظم المسرحيات الشعرية التي اعتمد فيها التاريخ ولم تكن مسرحيات فلسطين الثائرة، مصرع غرناطة والملكة زنوبيا وغيرها التي التزم فيها بجوهر الأحداث التاريخية، وخرج عن هذا الجوهر في بعض الجزئيات الثانوية، مضيفاً إليها ما يُسعفه الخيال من أحداث فرعية، ويظهر اهتمامه الكبير بالهيكل الخارجي للعمل المسرحي، وبطريقة التعبير الشعرية التي تقوم على الجزالة، وسلامة اللغة، وسحر البيان وليس على المفردة الدرامية المنسجمة مع  الحركة المسرحية، والملائمة لها، وهذا بكل أسف انعكس سلباً على تنامي الحدث الدرامي وفق تتابعه الزمني في النص المسرحي، المحمول على خَطّي سكة القطار، أحدهما حدث في الماضي والثاني يحدث في الحاضر.

ولا غرابة أو استغراب، أن تكون معظم مسرحيات عدنان مردم تسير على نمط واحد، فوق تلك السكة، من حيث البناء الفني الذي ينهج نهجاً كلاسيكياً في شكله ومضمونه، مع بعض الخروج الطفيف على هذا النهج الكلاسيكي عندما يجد الشاعر أنه مدعو إلى ذلك في سياق الحدث التاريخي ذاته.

د - وحدة الزمان والمكان:

إن تقانة الإبعاد الزماني والمكاني "تقوم على خلق واقع فني بديل من الواقع، يبتعد عنه زمانياً ومكانياً، ولكنه غير بعيد عنه من ناحية الدلالة، وتتم هذه التقانة عادة باستخدام واقع تراثي، ويقوم هذا الإبعاد على عملية المشابهة بين الواقعين الفني والمعيشي، وبين الماضي والحاضر[xliv]).

بحيث يختار الكاتب أو الشاعر حادثة تاريخية من ذلك الماضي، وينسج عليها أحداثاً مسرحية يمتزج فيها التاريخ بالواقع.

إن مأساة الحلاج، ومأساة أبوبكر الشبلي)، ومأساة رابعة العدوية، والملكة زنوبيا وغادة أفاميا، والعباسة، هي تعبير عن مأساة الإنسان الذي يبحث عن الحقيقة، ويدرك أن خلاصه الفردي والجمعي، يقوم على انتصار هذه الحقيقة. ولم يتقيد عدنان مردم بحرفية المسرح الكلاسيكي في الزمان والمكان، حيث يحدد زمن المسرحية بأربع عشرين ساعة والمكان في موقع واحد لا يصح الانتقال منه بسهولة. لقد تجاوز هذا الشرط، فكانت تستمر أحداث بعض المسرحيات شهراً أو شهرين، ويتم الانتقال مع كل حدث جديد إلى مكان جديد، ورغم أنه من أنصار التقاليد الفنية التي يقوم عليها المسرح الكلاسيكي، فقد تجاوز هذه التقاليد المسرحية المعروفة، ليس فقط في الإبعاد الزماني والمكاني والحدث بل في الصراع، والحوار اللذين يُجسَّد فيهما الفعل الدرامي، فأزمنة الأفعال التي وظفها الشاعر في نصوصه الشعرية؛ تشير إلى أنه استخدمها بصفتين وزمنين: زمن الماضي المشبه، والحاضر المشبه به، وصيغة السرد التاريخي والوصف السردي للحدث، وبلغة الشعر الموشّى بالاسترسال، والإنشاء، والمبالغة، والصور المجازية، والإيقاع الشعري المناسب للموقف، والحالة، إن تشكل الزمنين في زمن واحد وتوصيف الأحداث التاريخية المتقابلة أو المتماثلة في الزمنين، يوقظ في الذاكرة أشياء وأشياء، ويدفع الخيال باتجاه الآفاق البعيدة لاكتشاف أحداث جديدة على البعدين الزماني والمكاني، وقد برع الشاعر عدنان مردم في هذا التوليف بين الماضي والحاضر من خلال اختيار أحداثه التاريخية، والرموز البشرية التي صنعت تلك الأحداث، أوساهمت في صناعتها، وقد أباح أرسططاليس للشاعر إباحة التصرف بالمعطيات التاريخية، وعلى هذه الشاكلة راح يميز بين التاريخ وبين الشعر، الأول يروي ماحدث، والآخر يروي مايحتمل أن يحدث، وترك هامشاً للشعراء في المأساة أن يحافظوا على الأسماء التاريخية الحقيقية، وهذا مافعله الشاعر عدنان مردم في معظم مسرحياته، فقد حافظ على رموزه التاريخية بأسمائها كما وردت في كتب التاريخ، أو الأخبار، ولا ينقص من شاعرية الشاعر، أو ينتقص من إبداعه إذا هو انتزع موضوعه من التاريخ، أو اختار أشخاصه من أحداث تاريخية أو رموز تراثية إنسانية وأبقى عليها أسماءها، كما فعل في مسرحية الملكة زنوبيا، وفي مسرحية فلسطين الثائرة، ودير ياسين وغيرها، فالشخوص التاريخية التي شاركت في تلك الأحداث ثبتها الشاعركما هي في نصوصه المسرحية.

هـ - الصراع:

الصراع: "حالة وجدانية من التوتر، تتضارب فيها العواطف مع ظرف ما؛ إن دراسة الصراع بالتالي، هي دراسة العاطفة) في هذا الوضع التوتري، وهي تتصارع فيه، مع نفسها داخلياً، ومع الظروف، والعوائق خارجياً"[xlv]).

والصراع هو أحد مقومات العمل الدرامي إذا لم أقل أهمه على الإطلاق، فهو النابض الذي يدفع الأحداث باتجاه التصاعد.

والإنسان بحكم تكوينه يحمل في طياته بذور المثنوية: الخيروالشر، الحب والكره، الشفقة والقسوة، الفرح والألم، الإقدام والإحجام، وعندما تصطدم الدوافع الداخلية بالمعوقات الخارجية يكون الصراع، وعندما تتناقض العاطفة مع العقل يكون الصراع أيضاً، وقد تجلت هذه الأشكال  من الصراع بنسب متفاوتة في المسرحية المردمية، وغالباً كان الواجب، والضمير والتضحية هي المنتصرة: "وقد تفردت المأساة اليونانية) بالصراعات الخارجية، في حين غلب على الواقعيين المحدثين؛ تصوير الصراعات الداخلية، بينما نجد في المآسي الكلاسية نوعاً ثالثاً هو المزيج من الصراعات الخارجية والداخلية، وقديماً كان أرسططاليس يقول: "إن الشفقة والخوف اللذين تثيرهما المأساة، يصدران عن الصراع المسرحي) وأيضاً عن تقلب الأحوال) بالبطل من السعادة إلى الشقاء"[xlvi]). وأمر بدهي أن الصراع ينشأ عن الشخصية، بحيث أن مقدار الصراع، يحدد بقوة الإرادة عند الفرد، وأبعاده الثلاثة: البعد العضوي الوظيفي -ثم البعد الاجتماعي- ثم البعد النفسي والتي تجعل الفرد بطلاً، ويذهب أيجري) إلى أن الصراع ككل في المسرحية أربعة أنواع[xlvii]): تشكل في مجموعها مرتكزات الصراع في العمل الدرامي، وهي تتفاوت بين عمل وآخر، وقد تلتقي في العمل الواحد، تبعاً لأحداث المسرحية، والشخصيات الحاملة للنص المسرحي، والصراعات القائمة بينها.

فالصراع الساكن بطيء الحركة، والشخصيات في نظره هي المسؤولة عن سكون الصراع في المسرحية، وحين تكون الشخصية لا تحسم في أمر من الأمور، ولا تريد شيئاً، ولا تعرف ماذا تريد، فلا ينتظر منها صراع صاعد كما هو الحال في شخصيةالمختار) في مسرحيةدير ياسين) وشخصية الوليد) في مسرحيةغادة أفاميا) وشخصية نعيم) في مسرحية مصرع غرناطة).

أما الصراع الواثب فهو الذي يتدرج صعوداً بسهولة، وهدوء، كأن يبدأ المؤلف من وفاء، ثم يصل بوثبة إلى الغدر، وهذا يتوضح بشكل جلّي في مسرحية العباسة، وديوجين الحكيم، والحلاج، حيث يتنامى الحدث الدرامي من خلال الصراع بين القوى الخيّرة والقوة الشريرة.

 أما الصراع الصاعد فهو الذي يكون صاعداً في تدرجه في المسرحية، وذلك أمر يعود في الأساس إلى فكرة الموضوع، وأكثر مايمثل هذا النوع من الصراع في مسرحيات عدنان مردم مسرحية الملكة زنوبيا) التي يتصاعد فيها الصراع حتى يصل ذروته في إقدام الملكة زنوبيا إلى مواجهة الموت بكل شجاعة.

أما الصراع المرتقب فهو الصراع الذي يشعر المشاهد، أو القارئ بالتسوية الوشيكة وهو الذي يشير بشكل خفي من خلال الحوار إلى النتيجة أو الخاتمة، وقد تجلى ذلك في مسرحية غادة أفاميا، ومسرحية أبو بكر الشبلي)، ومسرحية القزم، وفاجعة مايرلنغ التي تنبئ عن نهاياتها باستثناء مسرحية غادة أفاميا التي كانت نتيجتها غير متوقعة.

و- الخيال:

يستعمل النشاط الخيالي للدماغ البشري في إبداع مختلف الآداب والفنون، للدلالة على كل ماله علاقة بالتصوير الحسي للأشياء، أو تصوّر أشياء غائبة عن الحسّ، وقد يعني مفهوم النشاط الخيالي إعادة تشكيل حالات المتلقي) العاطفة، وبخاصة التعبير عما قد يصاحبه من تأثير) أو لذة أو حالة انفعالية)).[xlviii])

والخلق الخيالي بهذا الفهم، هو الخيال القادر على الجمع بين فكرة الإشارة الموجهة أو وحدة الدلالة، وبين الصورة المتخيّلة لهذه الفكرة.

وإن النهج المثالي التأملي لا يستوعب مافي النشاط الخيالي من دلالات متفاعلة)، وإن الإشارة إلى القلب أو العواطف لا تعين كثيراً على إدراك الخلق الخيالي، أو بيان نشاطه الجمالي وإن فاعليته لا تعتمد في قوتها ونموها على إعادة تشكيل المدركات الحسية، وإدراك الارتباطات فيما بينها، وإضافة تجارب جديدة، أو إعطاء هذه المدركات فرصة الدخول في مسافات بعيدة وقريبة. وإنما تعتمد في ذلك على مجرّد تصور أشياء غائبة عن الحسّ، واعتبار الصورة المتخيلة شكلاً من أشكال الانفعال بالعالم الخارجي))[xlix]).

والخيال في المسرح يختلف عن الخيال في الشعر، ذلك أن الأخير يعتمد بالدرجة الأولى على نشاط اللغة التصويري والمدلول اللغوي في الصورة الشعرية المركبة التي ينتجها خيال المبدع في حين أن الخيال في المسرح يخضع لتقاطعات متنوعة تبعاً لتطور الحدث والشخصية معاً.

ومن الصعب في هذا المقام أن نتوقف عند جميع الإضاءات الخيالية التي أتبعتها مخيلة الشاعر عدنان مردم في كل مسرحية، وحسبنا أن نشير إلى نقطة هامة ترتبط بالخيال الفني لهذا الشاعر، وهي قدرته على تحريك شخصياته بما يوازي حركة الأحداث، واصطناع شخوص متممة أو مساعدة للشخوص التاريخية التي كان يستنبطها من قلب الأحداث التاريخية ذاتها، يضاف إلى ذلك خلق شخصية درامية جماعية تعبّر عن الرأي الأقوى في المسرحية وهي الشخصية التي تتمثل في الكورس. مجموعة الصبيان في مسرحية غادة أفاميا) الذين يرفضون الانصياع لأوامر القائد الروماني بإخلاء شوارع مدينة أفاميا استعداداً للعرض العسكري، ومجموعة الصبيان واليافعين في ثورة فلسطين)، الذين يهتفون بحياة عبد القادر الحسيني، ويؤكدون قيادته، وانتصاره على الصهاينة قدّمها على شكل أهازيج، وأصوات شعبية تعبّر عن خلاصة الموقف النهائي للشاعر في المحصلة كقوله[l]) [من منهوك المحدث]:

مِلْءُ الخَاطِرْ

 

عَبْدَ القَادرْ

كَحَيَا غَامِرْ

 

أَعْطَى وجَزَى

لَيْثٌ خَادِرْ

 

عَبْدُ القَادرْ

كَشَبَا البَاتِرْ

 

صَعْبٌ مُرٌّ

وكلما توفرت لدى المبدع ملكة الخيال، كلما استطاع أن يخلق صوراً جديدة، أو شخصيات جديدة وفاعلة في القصيدة أو المسرحية.

إن خيال الشاعر عدنان مردم كان جوّاباً في الآفاق، ولاسيما عندما يسترسل في الحوار، فتتولد الصورة من الصورة، والشخصية من صميم الحدث، وأكثر ماتبرز شاعريته في تصوير المشاعر الداخلية في العمق النفسي للشخصية، وليس في الظاهر أو الخارج) فوق الأسطح، استطاع أن ينطقها الشعر بخيال مجنح قد لا تمتلك شيئاً من هذا الخيال في حياتها العادية.

لكن الصورة التي انتهت إليها خاتمة مسرحية غادة أفاميا، كانت تدعو إلى الدهشة، منذ المشهد الأول كان الصراع بين شخصيات تميم ونايف وغادة من جهة، يقابله في الجهة الأخرى الوليد، وبعض أهالي المدينة يشكل وقود العمل الفني ولا غرابة في ذلك فالصراع عماد العمل الدرامي، والوقود الذي يحرّك أحداثه وشخوصه، ويرتكز على مجموعة المشاعر والأحاسيس والنوازع، والمحاكمات التي تعصف بأبطال المسرحية وتحركهم لتطوير الحدث، وتصاعده المستمر حتى يصل إلى الذروة التي تسمى في المصطلح النقدي العقدة أو الحبكة.

والصراع في مسرحية غادة أفاميا لم يخرج عن هذا السياق، فقد بلغ الصراع ذروته عندما جيء بغادة مقيدة إلى المعبد لتقدم قرباناً للآلهة في عيد نصر الامبراطور الروماني بيدا) وجيء بعاشقها سابا) الجندي الروماني لتنفيذ حكم الإعدام فيها، فتنعطف الأحداث بسرعة عجيبة، وبدلاً من أن تكون الضحية محبوبته غادة، يكون الضحيةالقائد الروماني بيدا) هذا التحول المفاجئ في أحداث المسرحية لم يكن متوقعاً أما النهاية التي تحمل توقعات انتصار الإرادة الشعبية على الغاصب المحتل، فهي واردة منذ المشهد الأول الذي يقف فيه تميم ونايف بين أشداق المأساة تمزقهم مخالب الحقد والألم والثورة الذي يقذفه إليها صوت وقع أقدام الجيش الغازي المظفر على ساحة مدينتهما حيث يتفجر فيها الشعور القومي؛ بعض يتوالد من بعض على الرغم منهما فيصرخ تميم[li])[من مجزوء الكامل]:

وصوته المتوعدا

 

أسمعت عربدة القوي

دون الحمى مستشهدا

 

وشهدت مصرع من قضى

يجري ويعصف مزبدا

 

في كل رابية دم

ويستمر الصراع متدافعاً على شكل نضال قومي وطني بين المختار الذي يريد حلاً سلمياً للصراع وبين تميم ونايف اللذين يصرّان على الكفاح المسلح والمقاومة، ويظل الصراع الداخلي موازياً للصراع الخارجي في معظم الشخصيات ولاسيما شخصية الوليد) التي تحمل سمات الشخصية الإشكالية في المسرحية، فهي تقارب الخيانة في بعض طروحاتها الفكرية التي تدعو إلى القبول بالأمر الواقع، وتقارب الموقف الوطني والقومي في مؤازرة أهالي المدينة للدفاع عن مدينتهم في بعض المواقف الأخرى.

ز - الحبكة:

وهي العقدة أو مركز الدائرة التي تتلاقى فيها جميع الخطوط الداخلية في نسيج المسرحية، وتنشأ من جملة الأحداث والصراعات، والظروف التي يخلقها المؤلف من التناسق بين تلك الخيوط، لتصل إلى ذروة الهرم في التقاط أنفاس القارئ أو المشاهد. وكلما سمح الشاعر أو الكاتب المسرحي للحدث  الدرامي أن يتصاعد، وينمو باتجاه إثارة أفكار للبحث عن الحل، كلما كان العمل مشوقاً، فهناك حلول عقلانية، وهناك حلول سعيدة مثل الزواج، واللقاء، والانتصار وماشابه ذلك، وقد كانت معظم الحبكات في المسرحية المردمية تتجه نحو الماسأة، والحلول المفجعة.

وفي الحبكة تتمحور ذروة الصراع، ويتجلى التوتر في أسمى معانيه الحركية والنفسية، مما يدفع القارئ إلى احتباس أنفاسه، والتعجيل في تقديم الحل المنسجم مع تنامي تلك الأحداث وتتابعها، لقداستطاع الشاعر عدنان مردم في معظم مسرحياته، أن يقدم تسلسلاً درامياً مقبولاً في التدرج شيئاً فشيئاً صوب الحبكة.

إلا أن حركته كانت بطيئة أقرب إلى السكون منها إلى الحركة في المشاهد التي كان فيها يغوص إلى أعماق الشخصية ويستنطقها.

واجتهد الشاعر أن يجعل الحوار مناسباً وفصيحاً، ولأنه كانت تأخذه الشاعرية من المسرح من حيث يدري أو لا يدري، فقد أثّر ذلك على الحبكة وجعلها باهتة مسرحياً ودافئة شعرياً حتى جعل أحداث تاريخ الحاضر، تتنفس في تاريخ الماضي يبدو ذلك في غادة أفاميا، الملكة زنوبيا، وفي مسرحية مصرع غرناطة وكان هناك استبطان عميق لشخوص غادة أفاميا بقدر ماكان هناك غوص في التحليل النفسي لكل شخصية رئيسية في المسرحية؛ ولاسيما تلك الشخصية التي تقترب من الشخصية الإشكالية ذات المواقف المتباينة، والصراعات النفسية العميقة في الداخل.

حـ- الشخصيات:

"الشخصية في عرف علم النفس هي الصورة المنظمة المتكاملة، لسلوك فرد يشعر بتميزه عن الغير؛ ففي مرآة الذات)، الشخصية هي الشخصية الذاتية، وهي شعور المرء بذاته، وذاتيته، في حين في مرآة الغير) هي شخصية موضوعية، أو هي الأثر الذي تتركه المظاهر السلوكية للشخص في مشاهديه أو في خلقه هو نفسه، وفي مجالات التحليل الأدبي؛ الشخصية) هي مجموع الصفات الجسمية والعقلية والخلقية التي يتصف بها الإنسان، وتميز الشخص في سلوكه، وطباعه عن غيره، وفي المسرح هي البطل، ومايتصف به من طباع، تؤلف تكوينه النفسي، والخلقي"[lii]). لقد قدّم لنا الشاعر عدنان مردم شخصيات من التاريخ، ومن التراث، ومن الواقع، هذه الشخصيات تتسم بصفات معينة جسمية، وخلقية، ووجدانية، وفكرية، كما أنها تعاني هموماً ومشاكل وطنية وقومية أكثر مما تعاني من مشاكل يومية حياتية، وقد اعتنى بتصوير هذه الشخصيات عناية فائقة، فقدمها على أنها نموذجية، أو نمطية لا تتبدل ولا تتغير، وألبسها على اختلاف شرائحها الاجتماعية، ومستوياتها الثقافية؛ لبوس الشعر والبيان، فأصبحت تنطق بالحكمة، والبلاغة بمقدار متقارب جداً، لأنه هو الذي كان ينطق بلسانها، ولأنه ترك لشاعريته العنان كي تصول وتجول في رحاب الشعر، أكثر مما تصول وتجول في رحاب المسرح، مما أضعف وتيرة الصراع في المسرحية الدرامية، ونحن عندما نقرأ مسرحية ملكة تدمر أو فاجعة مايرلنغ أو غادة أفاميا أو فلسطين الثائرة لا نجد أي اختلاف في بناء الشخصيات ومنطوقها إلا من حيث الناحية التراتبية، تتقدم شخصية أو تتأخر حسب طبيعة المشهد، ومتطلبات الحدث، أما من حيث الجوهر، فالرمز التاريخي، أو التراثي أو المعركة، هي محور الموضوع، والشخوص يتوزعون على ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: رافض لكل أنواع المساومة على احتلال الأرض ومصرٌّ على الدفاع والمقاومة حتى يتم جلاء الغاصب عن أرض الوطن، ويستعيد الشعب حريته وكرامته، وهذا ينطبق على شخصيات عبد القادر الحسيني، وعادل النجار، وإبراهيم أبو دية، والشيخ عبد الفتاح المزرعاوي. وعزمي الجاعوني في مسرحية فلسطين الثائرة.

أما الاتجاه الثاني: فهو المسالم الضعيف المتخاذل الذي يضعف أمام المحتل، ويضعف المعنويات، ويلوي العنق أمام المحتل.

والجيل الثالث: هو الذي يقف على مفترق طرق يريد أن يحافظ على هيبته وسلطته، وفي الوقت ذاته يريد أن يحقق رغبات الشعب في التحرر والاستقلال، ويبرز هذا الاتجاه في شخصية المختار في مسرحية دير ياسين، وإبراهيم في مسرحية فلسطين الثائرة، والوليد في مسرحية غادة أفاميا حيث يخاطب ابنه تميم قائلاً[liii])[من المجتث]:

ماهدَّمَتْهُ المنيّه

 

بنيّ بالحب يُبنى

تُؤسى وتُنسى الرزيهْ

 

وبالحنان جراح

ولا يصون قضية

 

ما  العنفُ يدفع حيفاً

فامدد يداً بتحيهْ

 

إن شئتَ كسب عدوٍ

شعوره المنسيّه

 

وابعث بعطفك فيه

ولكن الابن الثائر الغاضب تميم الذي يدرك تماماً أن الغاصب لا يجلي عن أرض الوطن إلا بالقوة، وله مع هذا الغاصب ذكريات دامية لا تُنسى، فقد امتلأ قلبه حقداً على الأعداء إلى الدرجة التي لم يبق فيها فراغ واحد للحب، ولم تترك له الأيام من عبء الأسى فؤاداً ينبض بالتسامح.

ويستحيل أن يُنسى دم أريق فوق هذه الثرى برصاص العدو اللئيم، ومازال هذا الدم يروي تراب الوطن كل صباح، هاهو يجيب أباه بكل العزيمة والتصميم على المقاومة والقتال[liv]).[من مجزوء الوافر]:

دماً فوق الثَّرى رطباً

 

أبي لا ترج أن ننسى

إثماً جاوز العتبى

 

وأن نغفر لسفّاكٍ

المغير توزعت نهبا

 

وصارت دارنا نهب

ط - الحوار:

إن الحوار الطويل، والسردية، والغنائية المنسوجة على بحر واحد، وروي واحد تظهر في حوار عدد من الشخصيات، وتكثر الكلمات والمفردات التي تحتاج إلى قاموس لإخراج معانيها، وقد أدرك ذلك الشاعر عدنان مردم، فقام بشرح عدد غير قليل من المفردات في الهامش، وتدل بعض الكلمات الصعبة على احتفاء الشاعر، واهتمامه باللغة، وقدرته على توظيف المهجور منها في السياق الشعري، ربما سعياً إلى إحيائه، وربما لكي يؤكد على اهتمامنا وحرصنا بهذه اللغة، وربما أضفى ذلك على المسرحية ببعض الهنات، فأصبحنا ونحن نقرأ لا تشدّنا الشخصية بأفعالها، بقدر ما تشدنا الشخصية بلغتها، وحكمتها، وقوة بيانها، حيث نلاحظ كثرة الحكم في المسرحية المردمية، وهي في الأغلب الأعم حكم نمطية، تتصل بالقيم، والشجاعة، والدفاع عن الأرض، وحب الاستشهاد، والاعتزاز بالتاريخ، ومقاومة الفساد، وفيها إشارات واضحة إلى البحث عن طرق للخلاص، حتى يبلغ الأمر في بعض الإشارات إلى اعتماد المعنى الذهني المجرّد.

 وقد أدى ذلك إلى غياب الفجوة، أو اضمحلال الخلاف بين طبائع الشخصيات ومواقفها، لأن اللغة والحوار في المسرحية المردمية كما ذكرنا لم يعد يتصل اتصالاً مباشراً بالشخصيات، بقدر اتصاله بالسحر والشاعرية واللغة التي تقدّم الصورة الخارجية لتلك الشخصية وليس جوانيتها، فلم يعد بإمكاننا التمييز بين شخصية، وأخرى إلا من خلال اختلاف الأسماء فقط، لأن الأسلوب الشعري المتقارب لا بل الواحد، لأنه ينبع من قلب شاعر واحد كان نمطاً واحداً. ويعبّر عن فكر واحد، أومتقارب إلى حد كبير عند جميع الشخصيات، ولم يكن فيه من التنويع، والتلوين مايجعلنا نستطيع التمييز أو التفريق بين هذه الشخصية أو تلك إلا إذا كانت في الطرف الآخر، أي في الخندق الموازي للصراع كشخصية المجاهد عبد القادر الحسيني، وعادل النجار وإبراهيم أبو ديه، والشيخ عبد الفتاح المزرعاوي، وعزمي الجاعوني وأم بسام، وأم موسى من جهة، ومردخان بوفمان، ومناحم بيغن، ودافيد ليثيل في الجهة المقابلة، حتى إن لغة هؤلاء الصهاينة وشعرهم في سياق الحوارات التي كانت تدور بينهم، لم تكن ضعيفة ركيكة تنم عن لكنة في لسان الأجنبي، بل كانت في المستوى ذاته في متانة الحبك، وقوة الألفاظ، وفخامة العبارة وجزالة التراكيب، مما يشير بوضوح إلى أن الشاعر كان يجهد نفسه، ويحرص حرصاً شديداً على صياغة شعره، وتصيد معانيه، قبل أن يحرص على صياغة الدراما من خيوط ذلك الشعر، بمعنى آخر بقي في كل ما أبدع من شعر على لسان شخوصه شاعراً فذاً، يمتلك أدواته الشعرية. وحريصاً على تقديم هذه الأشعار، بأجمل أثوابها، وصورها، أكثر من حرصه على تقديمها في نسيجها الدرامي، ولذلك بقي النص المسرحي الشعري المردمي، يراوح في دائرة الغنائية التي عاب الشاعر عدنان مردم سلفه أحمد شوقي على الوقوع في شباكها، فوقع هو من حيث يدري أو لايدري في الشباك ذاتها.

 


 

2 - المسرح المردمي بين حضور النص وغياب العرض:

مما لاشك فيه أن هناك علاقة وثيقة بين الشعر وجميع فنون الكتابة، إلا أن التقارب والتشابه الذي يتأطر فيه الشعر داخل قالب حواري ثابت، في بناء المسرحية الشعرية ربما يشكل عائقاً في إيصال الأفكار التي نريد، فالشعر ليس نسيج أفكار وحسب، بل هونسيج وجدان، وخلجات نفس بشرية ذات اتجاهات وتشظيات متعددة، وفي هذا السياق لابد من طرح التساؤلات التالية:

أيهما أكثر ملاءمة للمسرح الشعر أم النثر؟ وإذا كان بينهما قواسم مشتركة تحقق نوعاً من التقارب، أو التشابه بحيث يتداخل القالب الشعري بالقالب النثري، فهل تكون الدعوة إلى اعتماد الشعر المسرحي في النص المسرحي بدلاً من الدعوة إلى اعتماد المسرح الشعري بكليته، هي أقرب إلى الصواب؟ وأيهما أكثر قدرة على الإيصال، وتحقيقاً للتواصل مع النظّارة؟ وكيف يمكن الوصول إلى لغة مسرحية يفهمها الجميع ويحبذونها؟ إنها تساؤلات لابد من طرحها ونحن نتفحص المسرحية الشعرية التي أرسى بنيانها شاعر متمكن كعدنان مردم، كنص أدبي بعيداً عن النظر إليها كمسرحية شعرية تتجسد شخوصها وأحداثها على الخشبة، محاولين إماطة اللثام عن كنه هذا النص، وعن سرّ غيابه عن الخشبة في العصر الذي وجد فيه، وربما في العصور القادمة من الأزمان التي تليه.

إذا كانت الغاية من الإبداع، والابتكار، في أي جانب من جوانب الحياة، في العلوم، أو الفنون، أو الآداب) تجميل الحياة، والارتقاء بالوعي المعرفي والجمالي عند الإنسان؛ فإن الإبداع المسرحي بشكل خاص، لا تتحقق له هذه الغاية إلا إذا انصهرت الكلمات في قلب الشخصية التي تحملها، وتجسدت على الخشبة، تتلمس دفئها أسماع المشاهدين في الصالة. فالإبداع لا يكتمل، أو يحقق الجدوى المعرفية والجمالية التي وجد من أجلهما، إلا حين يتحقق فيه شرطان رئيسيان:

الأول: وجودالمبدع.

والثاني: وجود المتلقي.

هذان الشرطان يشكلان طرفي المعادلة في أي إبداع، وبخاصة في المسرح، لأن النص المسرحي لا يؤكد حضوره، ونجاحه وفاعليته إلا فوق الخشبة.

لقد استقبل الجمهور البدائي تلك الطقوس الاحتفالية القديمة الدينية، والدنيوية بشيء من الدهشة، لاسيما حين أصبحت تشكل بالنسبة إليه شيئاً من المتعة، ومع تطور تلك الطقوس إلى مايشبه المسرح، تنامى هذا الحب، والتجاوب على اختلاف الأشكال التي تبدى بها بدءاً من مسرح الجوقة، والممثل الواحد، وانتهاءً بالمسرح الملحمي، ومسرح العبث، والنوّ مروراً بالأراجوز والمهرج والحكواتي، وحوارات الشعر التي كانت تقوم على وحدة البيت، أو القافية.

لقد أكد كثير من كتاب المسرح، ونقاده على أهمية الجمهور في أي عرض مسرحي، لا بل ربطوا ربطاً عضوياً بين النص المسرحي، والجمهور، وأول من تنبه إلى هذه المسألة في وقت مبكر الدكتور محمد يوسف نجم في مقال له نشر في التاسع عشر من تشرين الأول عام 1971م حيث يقول: "إن المسرح العربي هو الجمهور، وللمؤلف العذر إذ يستهل عمله بمسرحيات هزلية قصيرة، ولا يتصدى للمآسي، أو المسرحيات العصرية، أو الملاهي الراقية"[lv]).

كما تنبه إلى هذه المسألة الكاتب الفريد فرج من خلال بحثه عن شكل للمسرح العربي حيث يقول: "لا يمكن اعتماد النظرية في مجال المسرح إلا عن طريق امتحانها في التطبيق، ولا يمكن قياس التجربة، أو قياس أي طرح فكري نظري إلا بالممارسة. إن فن المسرح فن تجريبي، لا يملك جمالياته في حد ذاته، وإنما قانونه، وجمالياته هي العلاقة بين الإبداع وجمهوره في كل مكان وزمان".[lvi])

ومنذ منتصف هذا القرن القرن العشرين) ظهرت بعض المسرحيات التي تعتمد على مشاركة الجمهور في الصالة بتقديم بعض الأدوار، وظهرت دعوات تحديثية تؤكد على ضرورة تحطيم الإيهام، والانتقال بالجمهور من مجرد متلق ومستقبل إلى مرسل أيضاً وأكثر ما يتجلى هذا النوع من المسرح في مسرح بريشت) الذي انتشر في وطننا العربي، انتشاراً كبيراً في عقود الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وإذا كان بعض كتابنا قد تأثر بالمسرح الأوربي، وعمل جاهداً لمحاكاته في كثير من إبداعه، فإننا نجد في الطرف الآخر كتاباً آخرين بحثوا، واجتهدوا لإيجاد ملامح شكل مسرح عربي، يكون النص المسرحي فيه مستعيناً بالجمهور، أو داخلاً في حوار معه أثناء تقديم النص على الخشبة، ويأتي في مقدمة هؤلاء الكتاب سعد الله ونوس في مسرحية حفلة سمر من أجل الخامس من حزيران)، التي يشارك فيها الجمهور بحوارات حادة من أول المسرحية حتى نهايتها. وقد لاقت هذه المسرحية نجاحاً كبيراً من قبل الجمهور في سورية، ومصر وفي العديد من الأقطار العربية.

عدنان مردم في جميع مسرحياته، لم يسمح لجمهور الصالة أن يشارك في الأداء المسرحي، ولم يضع في حسبانه هذا الجمهور عندما كان يهندس شخوص تلك المسرحيات، وأحداثها، كان همه الأول، والأخير منصباً حول تقديم نص مسرحي يتوهج فيه الشعر، وتتألق فيه اللغة، ويشمخ فيه البيان. حتى الجوقة التي وظفها في بعض مسرحياته، والتي تمثّل الذاكرة الشعبية، لم يقبل أن تقدّم حوارها إلا باللغة العربية الفصحى، وفي السياق الشعري وقوانينه العروضية الصارمة.

إن جل تفكيره يتركز حول الخطاب الشعري المباشر إلى الجمهور، الذي كان يقتنع أنه يعشق الشعر، ويعشق الكلمة المجنحة، ويستمتع بأحداث التاريخ، وقصص البطولة، وسير الرجال العظام، وكان ينظر إلى نفسه على أنه شاعر كبير، يمتلك موهبة الشاعر الفذ القادر على صياغة الدراما الشعرية بجدارة، أو بشكل أصحّ بامتياز أكثر من سواه، فهو يؤمن إيماناً مطلقاً أن الدراما الشعرية ترتبط إلى حد كبير بالشعراء الذين يبدعونها، فهي تنمو وتتصاعد، عندما يتسنى لها مبدعون كبار أمثاله، وتسجل تراجعاً، وانحساراً عندما لا يتحقق لها ذلك، متأثراً بنظرية أرسطو التي تصب في هذا الاتجاه حين يعتبر أن المأساة لا تتحقق لمجرد أن البطل واحد، وإنما تتحقق حين يكون العمل واحداً، ولا يقدر على ذلك سوى الشعراء الكبار أمثال هوميروس"[lvii])، كما أن هناك علاقة وثيقة بين الشعر وجميع فنون الكتابة، إلا أن التقارب والتشابه الذي يتأطر فيه الشعر داخل قالب حواري ثابت في بناء المسرحية الشعرية، ربما يشكل عائقاً في إيصال الأفكار التي نريد، فالشعر ليس نسيج أفكار وحسب، بل هو نسيج وجدان، وخلجات نفس بشرية ذات اتجاهات وتشظيات متعددة، وفي هذا السياق لابد من طرح التساؤلات التالية:

أيهما أكثر ملاءمة للمسرح الشعر أم النثر؟ وإذا كان بينهما قواسم مشتركة تحقق نوعاً من التقارب أو التشابه بحيث يتداخل القالب الشعري بالقالب النثري، فهل تكون الدعوة إلى اعتماد الشعر المسرحي في النص المسرحي بدلاً من الدعوة إلى اعتماد المسرح الشعري بكليته، هي أقرب إلى الصواب؟ وأيهما أكثر قدرة على الإيصال، وتحقيقاً للتواصل مع النظّارة؟ وكيف يمكن الوصول إلى لغة مسرحية يفهمها الجميع ويحبذونها؟ إنها تساؤلات لابد من طرحها ونحن نتفحص المسرحية الشعرية التي أرسى بنيانها شاعر متمكن كعدنان مردم، كنص أدبي بعيداً عن النظر إليها كمسرحية شعرية تتجسد شخوصها وأحداثها على الخشبة، محاولين إماطة اللثام عن كنه هذا النص، وعن سرّ غيابه عن الخشبة في العصر الذي وجد فيه، وربما في العصور القادمة من الأزمان التي تليه...

وما تزال معظم الدراسات النقدية النظرية والتطبيقية للمسرح العربي، تصب في بحيرة نقد الدراما النثرية بجميع أشكالها التراجيدية، والكوميدية، والميلودرامية. وقليلاً منها في بحيرة نقد الدراما الشعرية باستثناء مسرحيات شوقي وأباظة التي نالت حظاً وافراً من الدراسة على عكس مسرحيات عدنان مردم، التي تفوق في كثير منها مسرحيات شوقي وأباظة من حيث الشاعرية، والبناء الفني، ولا أدري ماهو السبب الرئيسي في إهمال نتاج هذا الشاعر العملاق من النقاد والمخرجين المسرحيين على السواء. هل يعود السبب في ذلك إلى انحسار المسرح الشعري في زمن الشاعر عدنان مردم؟ أم يعود السبب إلى انعزال الشاعر في صومعته بعيداً عن الناس معتكفاً على التأليف والإبداع، غير مكترث بالآخرين؟ أم أن نتاجه ذاته لم يكن في المستوى الذي يمكنه من أن يأخذ مكانه الطبيعي في صفوف المبدعين من كتاب المسرح في سورية والوطن العربي؟ أسئلة كثيرة تحاصر الذهن ونحن نجد خمس عشرة مسرحية منسوجة بلغة شعرية رفيعة المستوى، ومشاعر وأفكاراً مشحونة إلى نخاع العظم بالهم الوطني والقومي، مهملة ومطوية على رفوف المكتبات العامة والخاصة. لم تمتد إليها يد مخرج واحد، لتجسيد نص من النصوص على الخشبة لا في حياة الشاعر عدنان مردم، ولا بعد رحيله، وقد مضى أكثر من عقد على هذا الرحيل.

ويخيّل إليّ من خلال دراستي للسيرة الذاتية، وللنتاج الشعري، والمسرحي لهذا الشاعر المبدع أن أهم الأسباب التي أدت إلى غياب النص الشعري المردمي عن المنصة تتلخص في التالي:

أولاً: عدم قدرة هذه النصوص على مواكبة إيقاعات الحياة الجديدة التي أحدثتها المتغيرات الجديدة منذ منتصف هذا القرن، ولاسيما تلك المتغيرات التي لامست جوهر الأشياء بدءاً من تغيير أنماط الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة في الماضي، حيث انتقلت معظم الأقطار العربية من مرحلة الانتداب إلى مرحلة الاستقلال الوطني، ومن مرحلة الإقطاع إلى الثورة  الصناعية، والتوزيع العادل للثروة، وقد رافق ذلك صعود الأيديولوجيات المواكبة لهذه التطلعات الوطنية والقومية.

ثانياً- صعود شريحة واسعة من المثقفين والمبدعين والمخرجين المسرحيين الذين أفرزتهم هذه المرحلة الجديدة ممن يحملون أفكاراً جديدة، وتطلعات جديدة تخالف إلى حد كبير كل ماهو كلاسيّ تقليدي يحمل بذور الأصول، ويدعو إليها، وطرح بدائل تحديثية عوضاً عنها في الشعر والمسرح والسينما، وفي مختلف الفنون والعلوم والآداب. ولم يكتف بعض هؤلاء المبدعين والمخرجين من تقديم الجديد، وطرح الحداثة الشعرية والمسرحية والروائية بديلاً، بل راحوا يعارضون هذا النوع من الكتابة بجميع أشكاله الرومانتيكية، وأول المعارضات انصبت على القصيدة الخليلية، وعلى المسرح الذي يعتمد الوحدات الثلاث والقصيدة الكلاسية، وقد كان عدنان مردم من الذين يحرصون على الأصول في التقيد التام والصارم بشروط القصيدة الخليلية، والمسرح الأرسطي وإن خرج عن هذه الأصول في بعض مسرحياته.

ثالثاً- عدم قدرة الشاعر عدنان مردم التخلص من الغنائية الشعرية التي انتقد مسرحيات شوقي بسببها، وبقي حريصاً على إبراز الخطاب الشعري، والصورة الشعرية أكثر من حرصه على إبراز الجوانب الدرامية الأخرى في النص المسرحي. مما جعل هذه النصوص أقرب إلى القراءة، وإمتاع الذهن بقوة السبك، وسلامة اللغة، وسحر البيان، أكثر من المشاهدة التي تقوم على الحركة، وعلى تنامي الحدث الدرامي في العمل الفني مع كل مشهد إلى أن يبلغ الذروة في نهاية العرض وهذا الأمر افتقدته المسرحية المردمية، وجميع النصوص الشعرية التي نحت هذا المنحى.

رابعاً- الاكتفاء بالأحداث التاريخية، والرمز، والأسطورة، مصدراً لمضامين هذا المسرح، مما جعل السردية الشعرية، تحل محل الحوار الدرامي، واللغة الحكائية تحل محل اللغة الدرامية. بل لعل الإغراق في الرمز أحياناً، والمبالغة في الفصحى، والتفنن في إظهار الشاعرية، كانت من الأسباب المنفّرة لهذا النوع من الكتابة، وهذا الشكل من المسرح الذي أصبح المسرح الجديد بكل تقانياته الغربية، ولاسيما المسرح البرشتي ومسرح النوّ، ومسرح العبث وغيرهم، يزاحمون المسرح الشعري، ويشيرون بشكل خفي إلى عدم صلاحيته، وعدم قدرته على مواكبة العصر، والمشكلات التي تعجز اللغة الشعرية عن التعبير عنها.

خامساً: لقد كان الشاعر عدنان مردم محدود العلاقات الاجتماعية، بل اقتصرت علاقاته على ملتقى الأربعاء مع عدد من الباحثين الذين يماثلونه في الرؤية والتفكير، ولم ينخرط في الأجواء الفنية التي يتطلبها المسرح، بل ربما لم يكن يروق له الانخراط في مثل تلك الأجواء التي لا يحبذها، فبقيت نصوصه الشعرية حروفاً تنبض بالشاعرية فوق تلك الصفحات، غائبة عن الإفصاح عن نفسها، وعن شخوصها فوق الخشبة.

ولابد من الإشارة أخيراً إلى إلماحة تحمل دلالة سياسية، لم يرغب أحد من أسرة الشاعر أو ذووه الإفصاح عنها، وهي أن الشاعر ترك عمله قبل أن يكمل خدمته الوظيفية التي تؤهله للإحالة على التقاعد "فقد بدأ عمله قاضياً للتحقيق كما هو موضّح في سجله الوظيفي بتاريخ 19 نيسان 1948م وانفك من عمله كمستشار  في محكمة النقض تسريحاً في 6/6/1966م"[lviii]) وليس له من سنوات الخدمة الفعلية إلا ثمانية عشر عاماً، ولم يبلغ الستين من عمره. لعل هذا السبب وأسباباً أخرى جعلت المسرح المردمي يسجل حضوراً متميزاً على صعيد النص، وغياباً، أو تغييباً على صعيد العرض.

 

الخاتمة

لقد أخصب المسرح الشعري في مرحلة متقدمة من هذا العصر وبالتحديد في الأربعينات والخمسينات من هذا القرن على أيدي ثلاثة شعراء يشكلون أضلاع مثلث المسرح الشعري العربي الكلاسي هم على التوالي:أحمد شوقي، وعزيز أباظة، وعدنان مردم، ثم حاول عدد من الشعراء العرب في مصر وسورية واليمن وفلسطين والعراق كالشرقاوي وصلاح عبد الصبور وباكثير والبرادعي وبسيسو وغيرهم تطوير هذا المسرح من خلال تطوير اللغة الشعرية، والتموجات  الإيقاعية والمتعددة التي تناسب حركة العصر، وإيقاعاته الجديدة، غير أن هذا التطوير لم يجعل المسرح الشعري، يؤكد حضوره، وبقيت معظم الدراسات منصبة على المسرح النثري، لا بل انطلقت بعض سهام الاتهام والرفض للمسرح الشعري بكل أشكاله وقد آن الأوان لدراسة هذا المسرح دراسة متأنية بعيدة عن الانحياز أو الرفض، لتمييز الغث من السمين في هذا المسرح، ومعرفة ماهو صالح من النصوص للتشخيص على الخشبة، وماهو غير صالح إلا للقراءة فقط، وتسليط الضوء على الجيد والمفيد، والممتع الذي يغني الحركة الأدبية والمسرحية على السواء.

نعم، لقدآن الأوان للإقبال على كل ما أُبدع في الوطن العربي على شكل مسرح شعري، أو شعر مسرحي، لنتعرف إلى السر، والمفتاح، ونضع أيدينا على الجرح الذي أحدثته في جسده الدعاوى المغرضة التي ما انفكت تطلق صيحاتها لإبعاد هذا الفن عن مسارحنا، وأدبنا، تارة تحت دعاوى تخلف المسرح الشعري عن مواكبة قضايا العصر، وعجزه عن تصوير الواقع كما هو، أو كما يجب أن يكون، وتارةأخرى، تحت شعار عزوف الجماهير الشعبية عن هذا المسرح بحجة عدم قدرتها على الاستجابة للغته المعقدة، أو عدم قدرتها على التفاعل مع أحداثه التي تعتمد في بنائها الدرامي على رموز تاريخية ملّتها أو ملت تكرارها على مسامعها، ونحن عندما نعاين هذه الدعاوى نجد أنفسنا أمام دعاوى مناقضة لها بشكل مباشر، تتذّرع بصعوبة اللغة، وعدم القدرة على الاستيعاب والفهم. وبأن المسرح المحبب للجماهير هو المسرح المكتوب باللغة العامية، وتلك لعمري دعوة تتستر بالحقيقة، ولكنها ترمي إلى الباطل، فاللغة الشعرية، ولاسيما في لغتنا العربية تضفي على جميع الفنون الإبداعية التي تدخل في تركيبها ظلاً شفيفاً رقيقاً عذباً خفيفاً على الأسماع، والقلوب، فكيف يكون الحال عندما يكون الشاعر مجلياً، ويمتلك أدواته الفنية بشكل جيد؟

إن الذين عارضوا المسرح الشعري في الماضي، وفي مقدمتهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، عارضوه لأنه جاء تاريخياً محضاً على غرار المسرحيات التاريخية التي أبدعها شوقي، وأباظة، لا بل لم يتسن لبعض الشعراء الذين جاؤوا بعد هذين الشاعرين العملاقين، وبخاصة الشاعر عدنان مردم أن يأخذ حقه من الدراسة والنقد، ولا أجد غضاضة من الإشارة إلى أهم السمات التي تمايز بها مسرح هذا الشاعر المبدع الذي يحمل رسالة وطنية وقومية متأججة في صدره، فهو بحق صاحب رسالة ينظر إلى المسرح على أنه وسيلة أخلاقية، وأداة جماهيرية لها دورها في الارتقاء بوعي الجماهير، وتحريضهم لأن يقولوا شيئاً. والمسرحية عنده ليست نصاً مغلقاً تؤرخ للأحداث  التاريخية، وتوثقها كما وقعت. بل هي نص مفتوح يعرض على المتلقي أسئلة كثيرة، ومثيرة في آن معاً تدفعه للتفكير، والبحث، وتحرضه على الفعل،وعدنان مردم ينظر إلى نفسه على أنه شاعر أولاً، وكاتب مسرحي ثانياً، كما أنه يرى مسرحياته، مختلفة عن مسرحيات شوقي وأباظة ليس بما منحها من قيمة تاريخية فقط، بل بما أودعها من أفكار جديدة وبما أضاف إليها من أحداث جديدة لم يؤرخ لها المؤرخون فالخيال الشعبي في عين عدنان مردم هو في تقديم الشخوص المعبرة  عن التراث الشعبي، والأفكار معاً في إطار النزعة التراجيدية التي تتصف بها مسرحيات عدنان  مردم الخاضعة بصرامة لشروط المسرح التراجيدي، لذلك جاء المسرح المردمي عابقاً بالبيان وسحر اللغة. صوّر من خلال هذه اللغة المطواعة أحداثاً لاهبة بالعواطف والمشاعر الوطنية والقومية. ولم يتوقف عند المأساة وحدها لمجرد البحث عن الحزن والآلام، بل من أجل عبور هذا الحزن والمأساة إلى الوجه الآخر، لذلك نظم بعض المسرحيات على سبيل الملهاة ليبرز الوجه الساخر القادر على مواجهة النقائص والعيوب، وكأنه يتناغم مع لامارتين الذي أشار إلى أن الرومانسية لم تعرف السعادة التي هي في الواقع انتصار على الزمن بقوله: "إن شعباً جاداً لا يؤسس شعره على الهزل، والجدية في كل شيء جزء من الجمال والإنسانية، ليست ضرباً من التهريج"، مضيفاً أن الإنسان لم يخلق للضحك وبحق فإن الموقف الكوميدي عند عدنان مردم يرتكز على مظهر من مظاهر عدم الانسجام، فهو لا يثير الضحك بقدر ما يثير السخرية، والهزء بقصد إثارة القارئ أو المشاهد وفي الوقت ذاته يؤكد على قدرته على خلق المواقف المتأزمة التي يتصرف حيالها الأشخاص بطريقة لا تتفق مع الحدث. نضيف إلى ذلك قدرة الشاعر على تصوير الطبائع والأشخاص بشكل نمطي، فهو يصور الناس حسب شرائحهم، وحسب طبائعهم في الحياة الاجتماعية دون زيادة أو نقصان، فالخيّر من البشر، خيّر وطيب في كل مواقفه، والشرير، شرير في كل مواقفه، وفي إطار الحدث لا يتغير هذا النمط إيجابياً أو سلبياً، والرمز التاريخي، أو الشخصية التاريخية التي يختارها أيضاً تحمل هذا المضمون في عصرها، وفي الإسقاط على العصر الراهن قد انعكس ذلك سلباً على تنامي الحدث، والصراع، والحوار في المسرح المردمي. فالحركة والدينامية عند عدنان مردم تعتمد على الحركة النفسية الشعورية واللاشعورية أكثر من اعتمادها على الحركة الجسدية، وانخفاض مستوى الصراع أو بطء الحركة يعودإلى انخفاض مستوى الصراع في الحوار، وعدم تصاعده إلى درجة الاحتدام إلا في بعض المواقف التي نستطيع أن نتنبأ بها، أو نتلمس ملامحها الأولى منذ البداية لذلك  نستطيع أن نصف مسرح عدنان مردم بأنه يشكو من بساطة العقدة، أو على وصف العقدة أو الحبكة بأنها غير متماسكة ولا تبلغ الذروة. وكأنه يضع مخططاً للنص المسرحي على الورق أو في الذاكرة لكل نص، في إطار هذا المخطط يرسم شخصياته، ونستطيع أن نصف المسرح المردمي بأنه مسرح رصين موّار بالمأساة، والوصف والسردية، والغنائية، فهو يصور المشهد تصويراً،  ويكتفي بعرض الأحداث عرضاً وصفياً، بلغة شعرية، وسحر بياني يمتلك كل مقومات الشعرية، والغنائية في الخطاب الشعري التقليدي، لأنه نص شعري أولاً ينحو منحى الأدب أكثر مما ينحو منحى الدراما.

وقد استطاع عدنان مردم أن يتجاوز من سبقوه في هذه السمة، من خلال إدراكه التجارب العالمية في تراث الغير، والتجارب العربية في تراث الأمة الزاخر بالأحداث، وتوظيف هذا التراث بإبداع شعري ومسرحي في آن معاً، يتجاوز سابقيه.

وينبغي أخيراً أن لا نسرف في تفسير اقتباسات عدنان مردم من التاريخ فقد اعتمدها فقط كمرتكز ومنطلق ليطرح من خلالها أفكاره، ورؤياه ويصوّر شخصياته في إطار تلك الأحداث والرموز بما يخدم الأدب والفن والثقافة والتراث الوطني والقومي للأمة.

إنه شاعر قومي لحماً ودماً، ينضح من معين هذا الانتماء القومي في كل ما أبدعه: شعراً، ونثراً، ومسرحاً، ويؤصل له بإيمان عميق، لا يضاهيه إيمان، وبمشاعر نبيلة تنم عن أصالة، وعبقرية وحب لا حدود له، لأمته في أن يكون لها حضورها الذي كانت عليه في الماضي، وعزتها القومية التي لا توازيها عزّة أمة بين الأمم.

 



[i]) كاجان، الإبداع الفني) ترجمة عدنان مدانات، دار ابن خلدون، بيروت، ط1، 1980م، ص9.

[ii]) الإبداع الفني) ص12.

[iii]) المرجع نفسه، ص13.

[iv]) أبو طالب، زيان من مقابلة أجراها مع الشاعر في مجلة الكويت، العدد 220، يوليو 1972م) ص 24- 25.

[v]) فن الشعر) ص25.

[vi]) مجلة الكويت العدد 220، ص24- 25.

[vii]) البرادعي، خالد محي الدين، خصوصية المسرح العربي)، منشورات اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ط1، 1986 ص160- 161.

[viii]) مردم، عدنانمسرحية غادة أفاميا) منشورات عويدات، بيروت، طبعة أولى 1967م، ص11.

[ix]) مردم، عدنان مسرحية الملكة زنوبيا) منشورات عويدات، بيروت، ط1، 1969، م، ص90.

[x]) المصدر نفسه ص180.

[xi]) مردم، عدنان مسرحية الملكة زنوبيا) منشورات عويدات بيروت ط1، 1969م، ص128.

[xii]) في الشعر المسرحي) ص128.

[xiii]) مسرحية العباسة) ص12.

[xiv]) جريدة البعث في ملحقها رقم 3116، كمرجع سابق، ص12.

[xv]) مسرحية فاجعة مايرلنغ) مصدر سابق، ص10- 11.

[xvi]) مسرحية فاجعة مايرلنغ، مصدر سابق ص12.

[xvii]) مسرحية الاتلنتيد) ص15.

[xviii]) مسرحية القزم) ص9.

[xix]) مسرحية ديوجين الحكيم) ص12.

[xx]) ابن ذريل، عدنان، الشخصية والصراع المأساوي، دمشق، ط1، 1973م، ص197.

[xxi]) د. الناعوري، عيسى من حديث إذاعي له في الأردن في شهر تموز 1974م) ونشر في المجلة الأميركية، عدد 118 تشرين الأول 1974م، ص461.

[xxii]) مردم، عدنان مسرحية فلسطين الثائرة) منشورات، عويدات، بيروت، 1974م ص12.

[xxiii]) فلسطين الثائرة، مصدر سابق، ص 24.

[xxiv]) فلسطين الثائرة، ص 40.

[xxv]) فلسطين الثائرة، مصدر سابق، ص 39-40.

[xxvi]) مسرحية فلسطين الثائرة)، ص 47.

[xxvii]) المصدر نفسه، ص 64.

[xxviii]) مسرحية فلسطين الثائره) ص 65.

[xxix]) المصدر نفسه، ص 66.

[xxx]) فلسطين الثائرة مصدر سابق)، ص 68.

[xxxi]) مسرحية فلسطين الثائرة) ص 90.

[xxxii]) فلسطين الثائرة، مصدر سابق، ص 92.

[xxxiii]) المصدر نفسه، ص 93.

[xxxiv]) مسرحية فلسطين الثائرة) ص 93.

[xxxv]) المصدر نفسه، ص 106-107.

[xxxvi]) مسرحية فلسطين الثائرة) ص 114-115

[xxxvii]) فلسطين الثائرة ، مصدر سابق، ص 118.

[xxxviii]) المصدر نفسه ص 125، واستخدم فيه جوازاً لم نجده في مجزوء الكامل، بإضافة تفعيلة كاملة في البيت الأول.

[xxxix]) فن كتابة المسرحية) ص 9....

[xl]) دير ياسين، مصدر سابق، ص 56.

[xli]) دير ياسين، مصدر سابق، ص 75.

[xlii]) المسرح العربي، سقوط الأقنعة الاجتماعية، مرجع سابق، ص 22.

[xliii]) المسرحية التاريخية) ص 274.

[xliv]) المسرحية في الأدب العربي الحديث، مرجع سابق، ص 68.

[xlv]) فن كتابة المسرحية)، ص 28.

[xlvi]) فن كتابة المسرحية، مرجع سابق، ص 32.

[xlvii]) المرجع نفسه، ص 33.

[xlviii]) سلوم، تامر، نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، دار الحوار، اللاذقية، ط1، 1983، ص 170.

[xlix]) نظرية اللغة والجمال في النقد العربي، مرجع سابق، ص 171.

[l]) فلسطين الثائرة: مصدر سابق، ص 113.

[li]) غادة أفاميا- مصدر سابق- ص 17.

[lii]) فن كتابة المسرحية) ص 17.

[liii]) غادة أفاميا، مصدر سابق، ص 45.

[liv]) غادة أفاميا، مصدر سابق، ص 45.

[lv]) المسرحية في الأدب العربي) ص 89.

[lvi]) رحومة، محمد محمود في تحليل النص المسرحي)، القاهرة، 1993م. ص 81.

[lvii]) فن الشعر) ص 25.

[lviii]) بيان من السجل العام للموظفين رقم 223/49 تاريخ 4/6/1966 م، ذاتية الشاعر.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244