آلة الكلام (النقدية..) دراسات في بنائيّة النص الشعري ـــ محمد الجزائري

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

القسم الأول انتماءات النص: ـ النقدية: نزوعاً واتجاهاً

« نحن نكتب بجاذبية المستحيل الواقعي.»‏

محمد الجزائري‏

-1-‏

-تتسع العبارة في التوصيل، إلى فتح التفصيل.. فهل يتجه النقد (العراقي) الحديث إلى درب "العقلنة" مهملاً ما أَصْطَلِحُ عليه بـ "النقدية" كأسلوبية تعبير جمالي/ معرفي، عن موقف يفيض به /الخطاب النقدي/ في بحثه التفصيلي داخل بنية النص؟‏

معروف أن التوفر على (الجمالي) كعلاقة مع (اليقين الفكري) شكّل مكابدة مزمنة لدى منتج النص الإبداعي، في الزمان والمكان، كي يحمل (النص) رسالته.‏

وكان على النقد الأدبي أن يلاحق ثراء الإنتاج الإبداعي ويتوغل به، تعليلاً وتحليلاً وتطبيقاً واستنتاجاً. ليجد في ذاته، مقارباً جمالياً وفكرياً، وأن يتحاشى السقوط في المسلمات الفلسفية المجردة- كتنظير- كي يتخلص من وهن النظرة الأحادية التي سادت النقد الخمسيني -مثالاً!‏

ولم تكن هذه المسيرة - المهمة- يسيرة في الستينات، إذ بدت الفجوة في عدم تتبع المعطى المنهجي للنقد العربي القديم، تواصلاً مع الحاضر، اجتهاداً وإضافة، ثغرة في (خبرة) الناقد الشاب آنذاك.‏

على الضد من حالة نقادنا الأفاضل من جيل الرواد -كالدكتور علي جواد الطاهر (عراقياً)، والدكتور إحسان عباس (عربياً)، اللذين توفرا على قراءة منهجية التراث النقدي العربي، لمعرفة ما وراء (الآمدي والجرجاني وابن الأثير -كنقاد تطبيقيين-، والفارابي وابن سيناء وابن خلدون- كنقاد نظريين-، حسب د. إحسان عباس- في الفترة ما بين القرن الثاني للهجرة إلى القرن الثامن الهجري..) والتوفر على دراسة استقرائية جديدة للنقد الأدبي لدى السلف التاريخي، منذ النقد الذي (ولد في حضن الاعتزال: كالجاحظ، بشير بن المعتز، الناشيء الكبير) والمتأثرين به -آنذاك- سواء أكان التأثير موجباً أو سالباً (ابن قتيبة، ابن المعتز) حيث (كان الاعتزال يعني الاحتكام إلى العقل) حتى مجيء (الأصمعي) ليقوم لديه (النقد المنظم) حيث أحس (ببعض المفارقة التي أخذت تبدو في أفق الحياة الشعرية، غير أنه بدلاً من أن ينظر إلى المشكلة في ضوء تطوري -يؤكد د. إحسان عباس- نظر إليها من خلال موقف ثابت.. وكان (ابن سلاَّم) أشد حصة بالنقد المدروس من (الأصمعي) الذي التصق بالرواية واللغة التصاقاً شديدً.. لكن (ابن سلاّم) يشبه (الأصمعي) أيضاً في كونه حصر رؤيته ضمن ذلك الثبوت الذي مثله الشعر الجاهلي والإسلامي، وهو كالأصمعي، يرى الشاعر: "فحلاً أو غير فحل" مع أنه يزيد عليه في أن "الفحولة درجات"، ومن ثم كانت نظريته في (الطبقات) حيث مزج بين (النقد) و(التاريخ الأدبي) وأقام الثاني فهماً على قاعدة نقدية دون أن يهتم كثيراً بالتعليل في اختيار تلك القاعدة..)‏

أما (الجاحظ) -يؤكد د. إحسان -فقد (نفى الأصمعي وسائر الرواة من خبر النقد، إذا كان يحس أنهم قصروا عن الوعي بالمفارقات الكبرى التي وجدت حياة الناس والشعر، أما هو فلا يستطيع أن يغض الطرف عن ذلك الصراع بين القديم والمحدث، أي التغيير الذي يطرأ على ذوق جيلين، وهو على وعي شديد بأن الشعر أصبح من نتاج غير العرب، وأنه أصبح قسطاً مشتركاً بين الحاضرة والبادية. ولهذا كان (موقف) الجاحظ النقدي شيئاً (جديداً) بالنسبة لما تقدمه، أي أنه لاحظ أثر (الجنس) و(البيئة)..‏

وهكذا لم يكن نقد الجاحظ سوى مكمل لنشاطه الفكري عامة)‏

ولذا قضى (النقد الاعتزالي): (ألاّ تفضيل لقديم على محدث في الشعر، وإنما هناك محض الحُسن ومحض القبح، والعقل هو المرجع الأخير في التذوق)(1). ذلك هو أساس النقد الأدبي آنذاك.‏

ولكن تراثنا النقدي أوجد سلفاً للبنيوية متمثلاً بالنقد الأدبي وعلم البلاغة. إذ حفل تاريخنا الأدبي بمحاولات منهجية لتأصيل عملية تذوق الشعر ونقده، فمحاولات (قدامة بن جعفر) في تمييز (جيد الشعر) من (رديئه) استناداً إلى (علم الشعر) خلصه من فوضى الأحكام النقدية.‏

هذه المحاولة تعتبر (من أولى المحاولات التي يمكن أن تصب في فهم محاولة بنية الشعر بعيداً عن الأحكام الانطباعية)(2)‏

ولقد تواصلت هذه المحاولات المنهجية في القرن الرابع الهجري كما تمثلت في كتابات (الآمدي) في (الموازنة) والقاضي علي بن عبد العزيز (الجرجاني) في (الوساطة) وأبي هلال العسكري في (الصناعتين).‏

وفي القرن الخامس الهجري استمرت الجهود حثيثة في كتابات (ابن رشيق القيرواني) المتجسدة في كتابه (العمدة)، وابن سينا..‏

ويعتبر عبد القاهر (الجرجاني) أهم كاتب وناقد قريب من المنهج البنيوي في صورته الحديثة، كونه أسهم بنظريته حول (انتظام الكلمات داخل النص): (نظرية النظم)، في تقديم إضاءة منهجية على درجة كبيرة من الخطورة، ولها ريادية لا تنكر، كما في كتابه (أسرار البلاغة)(3).‏

والملاحظ أن (الجرجاني) انطوى على إدراك عميق لفاعلية البنية في الشعر، كما أنه يذكر في زمن مبكر- هو القرن الخامس الهجري- أحد المصطلحات البنيوية الحديثة، ألاّ وهو مصطلح "النسق /System" أو: (النظام)، وهو بذلك يكون -حقاً- أهم النقاد العرب الذين كانت إسهاماتهم الفكرية والنقدية سابقة لزمانهم.‏

فإذا كان الجرجاني (عبد القاهر) (قد وقف عند حدود (الصورة الجزئية) و(المبنى الجزئي) فنظر في (نظمه): أي (بنيته)، وكيفية تشاكل (المعنى) و(المبنى)، فإن ناقداً آخر هو ( حازم القرطاجي) سينتبه إلى أهمية ( علم البلاغة) بوصفه علماً بالكليات التي تتجاوز مبنى الجملة فيقول: "معرفة طرق التناسب في المسموعات، والمفهومات "لايوصل إليها بشيء من (علوم اللسان) إلاّ بالعلم الكلي في ذلك وهو علم البلاغة"(4) ولعل (رولان بارت) يتطابق في هذا الرأي من (حازم القرطاجي) و(الجرجاني) في تأكيده على (علم البلاغة) أساساً في (النقد البنيوي).‏

ولكون أوسع المناهج وأكثرها انتشاراً في تحليل النصوص هي (تلك التي تعنى بدراسة إطار الأدب ومحيطه وأسبابه الخارجية، غير أن (الدراسة الخارجية) في سعيها إلى تفسير النصوص الأدبية في ضوء سياقها الاجتماعي والتاريخي وقعت في شرك الشرح التعليلي، أي شرح الأصول التي انبثق منها الأدب ووقفت حائرة أمام وصف الأثر الأدبي بالذات وتحليل بنياته وتقويم مدلولاته، ولا شك أن التاريخي كله وعوامل المحيط كلها مجتمعة لتصوغ الأثر الأدبي، لكن المشكلات الفعلية في تحليل النصوص تبدأ حين نقوّم ونقارن ونعزل العوامل الفردية التي يفترض فيها تحديد العمل الفني عن العوامل التي تحدد أطره الخارجية.‏

إن دارسي النصوص الذين يستخدمون المناهج الخارجية في دراسة الأدب يسعون إلى تأسيس نوع من العلاقة السببية والحتمية بين الأثر الأدبي وكاتبه وبيئته وإسلافه.. ولكن حين بزغ تاريخ الأدب الحديث، وهو على علاقة وثيقة بالحركة الرومانسية، التي لم تستطع أن تهدم (النظام النقدي) الكلاسيكي (أو: النظام النقدي للكلاسيكية) إلاّ بالحجة القائلة أن الأزمنة المختلفة تتطلب مقاييس مختلفة، غدا في القرن التاسع عشر، الشرح عبر الأسباب (كلمة السر السحرية)، وبخاصة في السعي لمضاهاة العلوم الطبيعية، أضف إلى ذلك إن انهيار النظريات (الشعرية) القديمة، وما رافق ذلك من تحول الاهتمام إلى الذوق الفردي للقارئ، عزز الاقتناع بأن (الفن) لكونه من حيث الأساس غير عقلاني، يجب أن يترك للتذوق.‏

-(وفي مطلع القرن العشرين حدثت ردات فعل على المناهج السابقة تجلت في التحريض على دراسة الأدب من الداخل والتركيز، أولاً، وقبل كل شيء على الآثار الأدبية ذاتها.. وهكذا بدأ الاتجاه (الألسني) في تحليل النصوص مع (الشكلانيين الروس) الذين رفضوا -كما هو معلوم- اعتبار الأدب نقلاً لحياة الأدباء وتصويراً للبيئات والعصور، وصدىً للنظريات الفلسفية والدينية، ودعوا إلى البحث عن (الخصائص) التي تجعل من الأثر الأدبي (أدبياً)، أو بكلمة أخرى: البحث عن (البنى الحكائية) (والأسلوبية) و(الإيقاعية) في الأثر الأدبي من خلال البحث عن (تطور) (الأشكال) البدائية وتحولها إلى أشكالها الأولى في الأدب الحديث.‏

وسار هذا الاتجاه على الخطى نفسها مع (الشكلانيين الألمان) الذين اهتموا بوصف الأنواع البدائية: (حالة الضمير/ الحكاية/ المثل..) ووصف (سجلات الكلام) والتركيب (البنيوي) للحكايات، وتوطد هذا الاتجاه في البلاد الانكلوسكسونية مع النقاد الجدد أتباع (أي. أ. ريتشارد) الذين ركزوا على دراسة (النصوص الشعرية) وعلى عمل (المعنى) و(الصورة) فيها.‏

واشتهر، كما هو معروف، اتجاه الأدب من الداخل في فرنسا مع عالم الأنثروبولوجيا (كلود ليفي شتراوس) وعالم المعنى (غريمس) اللذين وجها جهدهما باتجاه دراسة (النُظم) في (الشعر) و(البنية النصية) في (النثر).‏

وإذا كانت دراسة الأدب من الخارج تركز أساساً على دراسة (الظروف) المكيّفة للأثر الأدبي، وإذا كانت دراسة الأدب من الداخل تركز على (وصف) (البنية) (الخاصة) فإن (الألسنية) عنت بوصف (اللغة) وتفسير سيرورتها على كل المستويات: (الصوتية/ التركيبية/ الدلالية)، فأوجدت تقنيات خاصة، وخلصت الأدب والتحليل الأدبي من الاتكال على مبادئ علم النفس والاجتماع والأيديولوجيات الدينية والسياسية، فأعطته شيئاً من الاستقلال الذاتي على أساس أن قوام الأدب، أولاً، وقبل كل شيء، هو (اللغة الإنسانية)،... و(الألسنية) في الأساس، هي: (الدراسة العلمية لهذه اللغة وتمظهرها الحسي من خلال الكلام العام).‏

وهكذا تعامل (الألسنيون) مع النص الأدبي- ومع الجملة- بمستويات يتداخل بعضها في بعض ويترابط، وهي بذلك تكشف عن وظيفة كل مستوى، ودلالته منفرداً ومجتمعاً، مع غيره من المستويات:‏

(إن نظرية المستويات هذه تتمظهر على كل صعيد النص من خلال:‏

مستوى الوظائف /مستوى الأعمال/ مستوى السرد/ مستوى المعنى.. في نسق متكامل)(5).‏

وهكذا، وإزاء ذلك، لا بد أن يتحرك النقاد (الستينيون)، لاحقاً، خارج مناهج "الوصفية"، و"الانطباعية"، و"التفسير المادي/ التاريخي".. التي سادت نقد الخمسينيات متمثلاً بنماذج كتابات (د. محمد مندور) و(د. محمود أمين العالم) و(د. عبد العظيم أنيس)، و(رئيف خوري) و(د. حسين مروة) عربياً، و(د. علي جواد الطاهر) و(حسين العلاق) و(عبد المجيد الراضي) و(علي الشوك) وومضات (ناظم توفيق) وآخرون.. (عراقياً)، التي امتدت إلى السبعينيات حيث إشتق الستينيون لأنفسهم طرائق بحث لتعميق منهجهم (السوسيولوجي).‏

كما أصبحت كتابات الرعيل الأول: (حسين الرحال، ومحمود أحمد السيد) بالنسبة لهم، ذكرى بعيدة، ليطلعوا شيئاً، فشيئاً على ما قدمته الترجمات في المكتبة العربية، منذ مطلع السبعينات، من كتب تضيء المناهج الحديثة في الغرب، كالبنيوية والألسنية، فازداد اهتمام بعضهم بها درساً ومتابعة أواسط الثمانينات، وحتى وقتنا الراهن، حيث إلتحق نقاد شباب بهذه المناهج الحديثة، سعياً وتطبيقاً، في محاولة لخلق "المشروع" النقدي الحداثوي العراقي الجديد، جوار الدراسات التي أولت النظرة المقارنة بين المناهج الحداثوية وشتات النقد العربي القديم، مكانة في البحث والتقصي والإضاءة والإفادة، في محاولة لخلق مقارب نقدي عربي يمازج بين التراث والمعاصرة في الخطاب النقدي.. في حين استمر استاذنا الجليل د. علي جواد الطاهر (حتى رحيله الأبدي) يعمق في منهجه (الإنطباعي) على وفق (ذائقته).‏

وتوجه علي الشوك إلى آماد أخرى في البحث والتقصي (اللغوي/ الميثولوجي)، وصمت آخرون من الرعيل الخمسيني غياباً أو وفاةً..‏

وهكذا تحمل (الجيل الستيني) الممتد إلى حاضرنا الراهن، مع شباب النقاد، الذين تأكدت لديهم رغبة (الدرس النقدي) أكاديمياً، في الحقول المعرفية، جامعياً، على وفق المناهج الحديثة، ليتوصلوا مع المعطى النقدي (الجديد) درساً وبحثاً وتطبيقاً، استطاع المثابرون منهم التوفر على (أسلوبية) تجلت فيها (النقدية) في محاولة للارتقاء بالأثر النقدي إلى مرتبة (نص إبداعي) دون مصادرة جهد الرواد، والاتجاهات التالية، أو الاستخفاف بهما، وإن تشابكت، أحياناً، المناهج، أو احتدم النقاش تحيزاً لها ودفاعاً عنها، حتى تتأكد "المنهجيات" وتتأصل في التطبيق، على وفق آلية واضحة، وإجرائيات ملموسة.‏

-2-‏

2- يذكّرنا د. إحسان عباس بأن (النقد لا يقاس دائماً بمقياس الصحة أو الملاءمة للتطبيق، وإنما يقاس بمدى التكامل في منهج صاحبه) مستشهداً بمنهج مثل الذي وضعه (ابن طبطبا) أو (قدامه): (قد يكون مؤسساً على الخطأ في تقييم الشعر، حسب نظرتنا اليوم، ولكنه جدير بالتقدير لأنه يرسم أبعاد موقف فكري غير مختل).‏

وعن (هذا الموقف) يبحث دارس النقد (ليدرك الجدية والجدة لدى صاحبه في تاريخ الأفكار) إذاً:‏

1-موقف‏

2-جدة أو جدية‏

3-أفكار‏

هل يصلح هذا المثلث، في سياق أسلوبية الناقد، لغةً وتناولاً وطرائق نظر ومعالجات، جوهر وشكلَ و(آلية) النقدية: نزوعاً واتجاهاً؟ كتأصيل خصوصية ذاتية لدى هذا الناقد الأدبي أو ذاك في اتجاه الحداثة؟‏

أم نعتمد (الضدية) للإطروحات والمناهج السابقة، أساساً؟‏

على قبر (مارتن هيدجر) كتابة، إكتسبت معنى (الضدية) تقول:‏

"السير باتجاه النجمة.. ولا شيء غير ذلك"‏

بمعنى: (تخطي المصالحة مع المحيط)، فالمصالحة -حسب هيدجر- "بداية إختيار النهاية". لقد بنى هذا الفيلسوف موقفه على وفق (التخطي) الغريب، الخالص، اللامحدود، نحو (الأعلى) و(اللامحدود) في آن، مؤسساً خطابه الفلسفي على ثلاثية:‏

-إن الفكر- أولاً- لا يأتي بالمعرفة مثل العلوم!‏

-وإن الفكر -ثانياً- لا يأتي بالحكمة العلمية!‏

-وإن الفكر -ثالثاً- لا يمنحنا القدرة على الفعل مباشرة!‏

ذلك هو (جوهر) سلسلة المحاضرات التي ألقاها عام 1951 (مغيباً جوهر الفكر ذاته) (مجلة العرب والفكر العالمي/ نصوص ما بعد البنيوية/ دراسة س.ج شميدت/ وروبير دفور داني/ لترجمة مركز الإنماء القومي /باريس/ العدد التاسع -شتاء1990) فهل يعنينا (ميشيل فوكو) في (تأويل التأويل) حيث يطرح مقارناته الفلسفية مع جماعات (فرانكفورت) و(باريس) الذين (يفرضون الغياب) -عملياً- على نقيض (هيغل) الذي جعل (الفكرة المطلقة موضوعاً في تواتر (الحضور /الغياب)؟ هذه الفلسفة الذرائعية التي يشيعها (الغرب) في الخطاب الفلسفي والنقدي، تشكل جوهر (الضدية) بتشكيل (خطاب مغيبّ لنص مغفل).‏

العرب المغربة، وبعض الأخوة في العراق، إلتقطوا ذلك، واشتغلوا عليه، شكلانياً، مما خلق (إشكالوية) في معنى (تأكيد الحضور الفكري) كونه الأساس في تأصيل (الذاتية الثقافية) لشعبنا في مواجهة التحديات، وبالذات تحديات الغرب في خطابه الفكري الفلسفي.‏

(النقد) هو وجه رؤيوي جهير في الخطاب المعرفي، يستطيع، حسب اعتقادنا، تحديد (معايير) واضحة في (المنظومات)/ في (الرمزي) و(التمفصلي) و(التفرد) و(التتابع)(6).. الخ‏

ولأن (الحداثة) ليست (تعديل بنى شكلية أو تطويع لغة)، حسب، بل هي -كافتراض أولي - (تخترق المألوف إلى أبعد)، فهي: (غوصٌ في المعنى/ تفتيت الجملة إلى مفاجآت، حيث الشعر الجديد -مثالاً- يتحرك داخل القصيدة على وفق هذا السياق والمنطق، مثل إستفهام متجدد باستمرار، متوجهاً إلى سر الذات وآلامها، تبلغ فيه الكتابة حالة من الكثافة حتى يمكن أن تؤخذ على أنها (إنفصال) كشعر: أدونيس، خليل حاوي، يوسف الخال، انسي الحاج، أبي شقرا،.. ونتاج الثمانينات- عندنا في العراق).‏

وهذا يعني -منطقياً أيضاً- أن القصيدة الحديثة تنهج إلى (ضدية) محيط، وعلاقات وأشكال سالفة،.. لكن ذلك لا يعني إلغاء (فكريتها).‏

ولأن (الإنتساب) سابقاً- يقول جمال بن الشيخ(7)- إلى (أهمية الفعل المتألم) لا يعرف الحدود، فإن (حركة الكتابة الحديثة) تجاوزت مهاد محاولات مدرسة المهجر، وأبولو، والديوان، مذ أعلنت مغامرتها (الضدية) منذ العام 1947 بفعل ذلك المثلث الريادي: السياب /البياتي/ نازك الملائكة، ومع ذلك وامتداداً حتى (الستينات) -ثم عودة- إلى عقد (الثمانينات) إبان الحرب العراقية -الإيرانية. حيث (المنشد المقاتل) يأتي (بالحماسة) إلى ضفة (الخطابة) تبسيطاً في تركيب الجملة التي راحت تتنفس على إيقاع الكلام الشفوي تماماً مثل (الشعر القبلي القديم) وشعر (الأرض المحتلة):‏

درويش /القاسم/ زياد/ فدوى.. مع مجاورة (الشاعر الهامس الباطني) الذي -تأثراً بحداثوية الغرب -راح يفتت (الجملة) إلى (مفاجآت) و(يغوص في المعنى) كما أشرنا‏

تؤخذ على تلك (الكتابة) كونها (انفصال)- كما في أغلب قصائد النثر عربياً- هذه الحالة (الضدية) قابلها المجتمع (بضدية) أخرى. "كونه عرف وظيفة الشاعر. وهو لدى العرب عموماً: رجل على ذمة الجمهور.. فرفضوا، إذ من العسير على المجتمع -وهو يعتبر الشاعر (سيد الكلمة) -إلاّ يسخرها لخدمة المجموعة، بخاصة، عندما تشعر بالشقاء أو بأنها مهددة!"(8)‏

بعض الشعراء التقطوا هذه الومضة في (الضدية)، وحاولوا في آن، اعتبار أنفسهم على ذمة الجمهور، ضميراً، لكنهم في ذات الوقت (يعارضون) الإطار الخانق الذي قدمه الشعر التقليدي والرومانسي، معاً.‏

هذه الرؤية المعقدة، تتبنى (ضدية) موقف، فني، جمالي، وفكري، يقيني، تتماثل في ذات الوقت، مع كون (الحداثة) (مشروع غير مكتمل)(9)، كذلك، حري بالنقاد أن يظلوا على ذمة الجمهور، وأن يلتقطوا هذه الومضة.‏

-3-‏

3- فما في(النقدية)، إذاً، على ضوء المقدمات التي سبقت؟‏

-كون (النقدية) في اللغة، تعارض كلام النخبة، فهي تقف (ضد) كتابة تفتت الذات وتلغي الهوية. إنها فوق الجدال الصاخب، لكنها مع الجدل الموضوعي، ضد الميكانيزمات الرقابية الخانقة. كما أنها: لا تصادر جوهر الإبداع في النص المُعايَن/ المنقود، بل تغنيه بتقديم قراءة ثانية له، وربما ثالثة، وأكثر، على وفق (شكل) من أشكال (أدب ساند/ معاضد) لـ "سوسيولوجيا" منتج في ميدان اختباري، له كفاية إجتهاد، يحيل إلى دلالات ويغني إشارات النص، وشفرته ورسالته.‏

-(نقدية) تمتلك (سلطة) نفسها، ولا تسعى إلى (تعقلن) (إشكالوي) (غربي) كغطاء ضد إتهامها (بتعصب) وطني، بل تحتمي بالوطني /القومي/ المنفتح إنسانياً، تراثاً وعمقاً حضارياً ومعرفياً، ضد التماهي في شبكة تيارات وافدة، من (الآخر)، لأن ذلك جوهر رسالتها!‏

لذا فالنقدية مع (التحديث الاجتماعي) في الحياة اليومية، تستفيد من تشكيلات الوعي الطليعي الذي يقضي بدوام تذكر (المكان) الذي يضع نفسه فيه، إنطلاقاً من أفق تتجدد رؤاه،.. لأن الفن الطليعي يكون نفسه.‏

فالنقدية، إذاً، (الفن الطليعي داخل الخطاب النقدي)، والتي تسعى إلى إستخراج معايير وجماليات زمنها النسبي، كونها (النص/ المقابل) للأثر الإبداعي -ولأن واقعنا الاجتماعي يرفض تلقيات (خطابٍ مغفل مجهول) فإن (النقدية) التي نريد، وندعو.. تتجاوب و(النقد الاجتماعي) لإستعادة ألق فكر بواسطة ذاته المجتمعي.‏

-وكلما تحسس الناقد مكان (الحرية) القادرة على (الاختيار) كلما تعمق في خطابه، المفهوم الأخلاقي العام للحرية والمسؤولية لأن تغييب /أي تغييب/ لجدوى الخطاب النقدي الطليعي، يفقد (النقدية) جوهرها في (الجمالي) و(اليقين الفكري).‏

-ولأننا في سياق حركة نقدية واجهت الكثير من الموانع لتعطيل جدواها) ولـ (عزلها) عن نفسها، وعن حقها في التطور المتدرج، وسط الظهور الحاد للمتناقضات والمتنافرات الذي تنشأ منه الأعمال الأدبية في ظل واقعٍ مليء بالمتناقضات والمتنافرات في آن،.. ولأن النظر النقدي لم يعد محتفياً برومانسية نضبت، أو بواقعية متماهية مع المشروع المذهبي دوغماتياً، ولا مهتماً بنوع من المواءمة التوفيقية بين تحليل وضع والأمل والخلاص منه، اعتقاداً بأن الناقد /وبالتالي الكاتب المبدع/ يسهم في ميلاد "وعي جديد" لأن ذلك (النوع) من (الكتابة) قد (أُنهك) بصفة طبيعية في خضم الأحداث والإحباطات، وفشل المشاريع المثالية، وخنق الحلم والتمني الرومانسي.‏

لأن الحياة (لم تعد محصورة في معادلات مذهبية) وإنما أصبحت من التعقيد والمطاردة والمحاصرة، بحيث (تعجز عن البوح بأسرارها/ بنقاء..)، لم تكترث النصوص ذات القيمة الإبداعية الحقيقية بالبرهة الآنية والظرف الوضعي والتفسيرات المبسطة المقدمة عنها، وإنما التقطت (التيارات العميقة في الشعور) في محاولة مجابهة المصائب والكوارث المتراكمة، وعدم البقاء على (هامش التاريخ) ولترميم هذا التلف الخطير الذي أصاب النسيج العميق، (بسبب) (سرطان الإحباط) الذي يشكل مقارباً خطيراً للواقع المأساوي في الوطن العربي، وللإنسان، قبل ومنذ نكسة حزيران 1967، وحتى استمرار الضراوة والانتهاك الخطيرين لإنسانية الإنسان في بلادنا، بسبب العدوان والحصار.‏

إن ذلك لا يبرز (انجرار) النقد الأدبي إلى حالة (النقد الاجتماعي) و(الكلام الشفوي) اللامسؤول، أو إلى حالة (الشك البنيوي) تحت غطاء (الحتمية الاختلافية).‏

-4-‏

ماذا تفعل "النقدية" إذاً، إزاء ذلك كله؟‏

هل تؤمن بـ (تأويليةحدثية) على وفق ما جرى من تيارات فلسفية أوربية، على اعتبار أن المعرفة هي سيرورة تواصل) ونحن نكتشف في كل فكر كلاماً داخلياً؟ وفي كل كلام داخلي نزعة للتعبير عن الذات)- حسب اطروحات (شلير ماخير) مؤسس "التأويلية الحديثة"(10).‏

(النقدية)، (طبقة وعي) في بنية الخطاب النقدي، تخرج بالمفهوم /وبالفكر/ أو اليقين/ من مروحة التنظير المحض، أو محض التحليل، إلى (جمالية) هي -من حيث آلية الخطاب وتوسلاته -مقارب نص إبداعي بذاته.‏

فالنظر والتحليل ليسا نهاية البناء في الخطاب النقدي، بل هما فاعلية حركيته، يعززهما (الجمالي) كعلاقة، لإمتلاك خاصية تفرد، (إسلوبية) نزوعاً وتوجهاً.‏

من هنا تتحرك (النقدية) كومض داخل النص النقدي بذاته، وخارجه في آن، عبر النص الإبداعي /الظاهرة الإبداعية/ وتشكيلاتهما في المناخ العام /المحيط/ الهالة اللسانية، وتتشظى بأسئلة الخطاب في وحدة تفاعل بين الجمالي واليقين مفهوماً. ونزوعاً وتوجهاً أيضاً.‏

إن (عمق اللغة) و(فاعلية خطاب) يُظهران (وظيفة) النقدية، خارج إختناقات المناهج وزحمتها وتأتأة اللسان، لتنفتح على آفاق رحبة، مستفيدة من المناهج والاجتهادات في الاستقراء والتمثل والحذف والإزاحة.‏

كما أن (النقدية) تتأسس داخل الخطاب النقدي، وتؤسس مفاهيمها الجمالية ويقينها ليس على وفق التجريد المحض، بل على تمثلات الإرث الإبداعي منذ الأساطير والنصوص الكبرى في وادي الرافدين، والحكايا الشعبية، و"الليالي" حتى لا معقولية الواقع والحصار، لتستوعب حصانة الخطاب في التحدي ضد العزل والإختراق، جزءاً من خطاب حياة وحضارة، وطنياً وإنسانياً.‏

لقد حاول الخطاب الفلسفي الذرائعي الغربي بأيديولوجيته (الناعمة) أن يطالنا، حد أن خسر البعض (تفتت كتابة) بسبب (مؤثرات أجنبية) بتأثير تدفق معلوماتي، ثقافي، تقني، عمودياً، فرضته منظومة وآلية تقنيات الغرب وسلعها الثقافية ونظامها الإعلامي والمعلوماتي.‏

واستند البعض في تفسير كون (الكتابة الروائية)- كتقنية- أصبحت (عالمية) كما هو شأن الشعر، أحياناً.. فأغفلوا قدرات الخزين الهائل في الموروث والصياغات وإمكانية توظيفه لخلق أدائية تعبير ذات خصوصية وهوية وطنية. وهذا الهاجس يرادف تشكل الخطاب النقدي، الأدبي، العربي، ليخرج بالنقدية -نزوعاً وتوجهاً- إلى أفق متميز في تأكيد الذاتية الثقافية لشعبنا وأمتنا.‏

ولأن (النقدية) تجليات حضارية، حداثوية، في نسيج الخطاب النقدي، فهي ضد الجمود المذهبي، وضد كل الأغطية التي تسد مسامات المخ ولا تتسع لنسمات الهواء لأن تجول في حجيرات الإبداع والابتكار من أجل أن نكتب بجاذبية المستحيل الواقعي، وأن ننتصر بالأحياء لكي يحيوا أكثر.‏

ولأن الشعر العربي الحديث -مثلاً- أفاد من التمثلات، بدءاً من استخدام "الثيمات" الشعبية، وانتهاء بالتجليات الصوفية في سياقها الجمالي، فإن النقد يحتاج إلى إعادة تقييم كي لا تكون مناهج الغرب هي المهاد والمطاف، حتى بعد تجاوزها من قبل أهلها، وكأنها "نهاية التاريخ" أو كأن إنساننا هو: "الإنسان الأخير"(11).‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244