آلة الكلام (النقدية..) دراسات في بنائيّة النص الشعري ـــ محمد الجزائري

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ آلة الكلام "من أوراق عائشة نموذجاً"

« ألمْ نَجعَلَ لهُ عَيْنيَنَ، ولساناً وشَفَتين..»‏

(البلد: 9)‏

« وجهك في المرآة، وجهان..‏

فلا تكذب»‏

(عبد الوهاب البياتي)‏

في تواصلية إقتدار لتجربة إبداعية ثرة ومديدة، يخرج علينا الشاعر الكبير عبد الوهاب البياتي بديوانه: "بستان عائشة"(12) محققاً خطابه الشعري -الفلسفي، ورؤيته ورؤاه، في بنية نص شديد الإيجاز، لكنه في الآن نفسه، غني بالدوال والإحالات والتأويلات وينفتح على أفق لا نهائي.‏

وليس غريباً على البياتي أن يكثف (قصيدة/ الصفحة) التي تميّز بها أغلب نتاج السنوات الأخيرة، فيجعلها (قصيدة/ التوقيع)، في بلاغة اقتصاد، وكأنه يجعل (آلة الكلام) متسعة لسانٍ يقول أبعد، ويرى إلى أبعد.. كما في النماذج الثلاثة التالية:‏

1-الوجه:‏

"وجهك في المرآةِ، وجهانِ‏

فلا تكذب‏

فإن الله‏

يراك في المرآة"‏

(ص:59)‏

...‏

2-الشهيد:‏

"يتوهج في نور المشكاة‏

متحداً في ذات الله‏

لا يفنى/ مثل شعوب الأرضْ‏

يتحدى في ثورته الموتْ"‏

(ص:31)‏

......‏

3-الخائنة:‏

"كانت على منوالها، ثلاثةً تخون:‏

حبيبها ونفسها، وبعلها المسكين‏

وعندما تُحدج في مرآتها‏

ترى على صفحتها‏

خائنة العيونْ"‏

(ص57)‏

وكأن الشاعر البياتي يُحرّك داخلَ النص باتجاه فيوضات، هي منحىً صوفي يختزل (يرشق) جسد الكلام من كل ترهل، وبزهد كبير، ليجعل جوهره الثر هو الظاهر والباطن معاً، هو المرموز والواقعي، هو المادي والروحي في: المحكي المكثف، المقتصد، المحكي (الخالص/ الصافي).‏

نتوقف، هنا، عند قصيدة: "من أوراق عائشة" ذات الأربعة عشر سطراً، نموذجاً:‏

-"قالتْ: سأقتُلُه‏

وأحمل رأسه لقبيلتي‏

صنماً، لتعبده‏

وتحرقه، إذا إقتتلتْ‏

وفي الصحراء أبني معبداً للحبِ‏

يحملُ إسمَهُ‏

تأوي إليه الطيرْ، في زمن المجاعةِ‏

أرتدي الأسمالَ‏

أعقر ناقتي‏

في باب معبده أنوحْ‏

قالت: سأحمله‏

إذا مرتْ عصورٌ‏

خاتماً في إصبعي‏

وأنوح في جوفِ الضريح"‏

(ص10-11)‏

......‏

يتوفر البياتي، هنا، على صيغتين سرديتين:‏

أولاً: إنه لا يتحدث باسمه، محاولاً إيهامنا بأنه غير المتكلم، إذ يؤسس (اللسان) على (آلة الكلام): أوراق عائشة، قناعاً داخل قناع.‏

وثانياً: إن أوراق عائشة هي (المسند) وقولها (قالت) هو الحامل لإبعادِ "شبهة القول" عن الشاعر، وهي إحالة معروفة إلى التراث، في أزمنة إختفاء القول وراء الرمز أو المسند (كليلة ودمنة، مثلاً)‏

فماذا تعني "آلة الكلام" في هذا النص/ القصيدة؟‏

آلة الكلام، التي هي "من أوراق عائشة" كون الأوراق، هي التي تبنت رؤية عائشة أو حملت "وجهة نظرها"‏

إنها "المجاز اللساني" /الأوراق/ هي التي "تقول"/ لا عائشة مباشرة ولا الشاعر مباشرة، على اعتبار أن عنوان القصيدة هو جزء من نسيج متنها، أو مفتاح المتن، "ثريا النص" ولقد وضع الشاعر (مسافة) وهمية بين "المنظور" (المتن) وبين "الناظر" (المتلقي)، بين (الأثر): الأوراق، أقوال عائشة، القصيدة، النص، المتن الحكائي.‏

وبين (المتلقي): الـ "نحن".‏

وفي هاتين الوسيلتين: "المسافة" و"المنظور" حدد الشاعر طبيعة ومناخ وأبعاد "المجاز المكاني" إذ أصبحت عائشة هي "مصفاة المحكي" والأوراق هي "اللسان" بمعنى أن الشاعر استثمر (آلة الكلام) لساناً -ليجعل (المحكي) -بأفعاله وتفاصيله ووحداته وترابطه العضوي -(صيغةً سردية) وهذه (الصيغة السردية) وقفت على التمثيل الدقيق لجوهر (الخبر السردي) ودرجاته، لتقدمه فناً في شعرية النص.‏

"آلة الكلام" -هنا- جاءت بمعنى (اللسان) لا بمعنى "اللغة المنفردة" للدلالة على جملة معانٍ في الآن،.. وأيضاً، جاءت بمعنى (خصوصية الاستعمال الفردي للغة)- وهي خاصية من خاصيات البياتي دون سواه من مجايليه ومعاصرينا- حيث (الأسلوب) هو: (خاصية فردية لمتكلم) (صيغة).. (المحكي) فيها بقدر خصوصيته أيضاً هو- "الأكثر شمولاً وبعداً" من حدود (الفردي) /لغةً وموقفاً/ حيث يتجه رصيد الكلمات، المقتصدة، بالنص، إلى لسان (المحكي/ الخالص/ الصافي) المقطر، ليس في (أوراق) عائشة كلها بل في بعضها، حسب: "من أوراق.." هنا (الجزء) أصبح (كلاً) في توليد المعاني، وليس في الجوهر، حسب، لأن موحى الـ (من..) يدفع إلى بعيد، وإلى بعيد جداً.‏

إذ ما الذي تخفيه الأوراق (الأخرى).. يا ترى؟‏

وهذا ما يدفع بالنص إلى خلق متواليات أسئلة، ليكون قادراً على التوالد والتكاثر في الموحيات والمتواليات في ذهن المتلقي وخياله، ويتيح أكثر من قراءة وتأويل، معاً وبقدر ما يجعل النص -باللسان، بآلة الكلام -(المحكي الخالص) إطروحة أسئلة، فهو، كما قلنا، يقي الشاعر تبعة الأسئلة، فالشاعر، هنا، يمارس دوره الماكر، الذكي، بأن (يتظاهر) بأنه: "ليس هو الذي يقول" بل بعض "أوراق عائشة"، بمعنى أن الشاعر: "يجعل القاريء ينسى أن السارد هو الذي يحكي"(13).‏

وتلك "صيغة سردية" بلاغية رفيعة المستوى توفر عليها البياتي، وعمقها في "بستان عائشة".. فالبياتي يضعنا في نص "من أوراق عائشة" أمام شبكة علاقات في نظام "آلة الكلام/.. لسان عائشة في بعض أوراقها" حيث "محكي الكلام"- بإيجازه الزاهد- يبدو على عكس "المحاكاة الكلامية لوقائع الواقع"، يبدو: "وهماً" أو "خيالاً" أو "يوتوبيا".‏

الشاعر يوهمنا، في تقديم "يوتوبيا" القتل، فإن محكي عائشة (قناع البياتي) هو الذي سرب لنا الأفعال: (أفعال عائشة: سأقتله، أحمل رأسه، أبني.. إلخ) ولكن لا عَبرَ "القول" المباشر بل عبر "الأوراق" الوثائق/ المسند"، فنلاحظ هنا إزدواجية قناع (عائشة وأوراقها) في تداخل بنية الخطاب، من العنوان، مفتاح النص وثرياه، إلى المتن.‏

والنص يبدو، منذ البداية "مُلزماً" بهذه المفارقة والنفي للمحاكاة المطلقة والواقعية، بالرغم من موحى "الواقعة" وشبيهها الواقعي - التاريخي المزدوج في عصرنا، وفي العصور الأخرى، وكأنه يقدم "الواقعة" (أو: نية الواقعة: سأقتله، وأحمل رأسه) مع محمولاتها التراثية وكأنها "وقعت" بالفعل.‏

(سالومي- مثلاً- وهي تحمل رأس يوحنا المعمدان، أو الفاعل وهو يحمل رأس الحسين ليقدمه استبطاناً لعاشوراء إلى ذات الأرضية المكانية، التي قتل بسببها أو عليها، (لتعبده) أو لتمارس طقوس النوح والندب والتذكر، لأجيال متلاحقة)/ رأس يوحنا ورأس الحسين، هنا إحالات، حسب، تنطوي عليهما دوال النص المضمور، المرموز فيه، وليس المعلن) بمعنى أن الشاعر يقدم في النص، ذلك الكم المتغير في (الواقعة) من زمنها (الواقعي) إلى زمنها (المتخيل)، ومن زمنها (المكاني) إلى شمولية (زمن النص)، وبعده الفلسفي والصوفي معاً. بالإسلوب "غير المباشر"/ الحر، حيث يسمح "إقتصاد الإسناد: من أوراق.." إلى إمتداد أكبر في الخطاب، يخرج به الشاعر من إيجاذية المبنى الحكائي وزهد اللغة والمتن، إلى رحاب متواليات الدوال والتأويل، داخل (لسان) غيره، ظاهرياً، في (آلة الكلام)، حيث (آلة الكلام) تتجلى بمستويات بنائية متداخلة، مؤسسة على (القول/ الأوراق) صعوداً إلى حيث تتيح أكثر من قراءة وتأويل:‏

أولاً: من الفردي الخالص/ عائشة.. إلى الشمولي العام/ القبيلة (المجتمع)‏

ثانياً: من الخاصية الفردية للمتكلم/ إشارة الخطاب (قالت سأقتله)، إلى تلك البينات المتداخلة والمشبعة بالتضادات والمفارقة والتي تحيل إلى التوحد والذوبان، بعد أن أوحت بـ (الاختراق)، كون (القتل) هو (قطيعة /هجران/ افتراق) لكن (نية) القتل وما تبعها من أفعال دفعت عائشة إلى أن تكون حاملاً للمقتول /المعشوق/ الخاتم/ لتنوح بسبب قتله في (جوف الضريح) الشاهد الأزلي.‏

فالموجهات الإشارية في (قصدية السرد) (المحكي الخالص) تؤشره: "قالت" حيث الإخبار من عائشة (من أوراق عائشة) تحديداً، في خطاب مباشر وإن لم يكن بصيغة تقريرية، فالأوراق -هنا- هي "وثيقة لسان" أيضاً، وهي "آلة الكلام" مثل: "الشفتين، ومثل المقلتين (عند التلقي).‏

وبالرغم من "المسافة" التي وضعها الشاعر بين "المنظور" و"الناظر" وهي "العنوان": "من أوراق عائشة"، إلاّ إنه لم يخلق حاجزاً نفسياً، بل كسر ذلك الحاجز في المتن، حين ابتدأ الخطاب بالإخبار: "قالت)، ودفعنا، بعده، مباشرة، للانغماس في فعل التمني المستقبلي عبر أداة" سين المستقبل: "سأقتله"، ليولد أفعالاً ضاجة متتالية عبر "أنا" القائلة (عائشة)، أو عبر هي (هم) العشيرة /القبيلة/ في دورة أفعال وموحيات:‏

-أحمل /رأسه لقبيلتي: اللام هنا مؤشر طرف الصراع والمرسل إليه.‏

-صنماً/ لـ "تعبده": اللام هنا تؤكيدية تدل على الحسم والضرورة.‏

-(و) تحرقه: الواو هنا تدفع بالعطف إلى فعل رافض آخر مشروط بإذا.‏

-(إذا) /إقتتلت: إقتتلت مسبوقة بإذا/ كحاجز شرطي.‏

-أبني/ معبداً: فعل لاحق لمكانية ذات دلالة: في الصحراء.‏

-يحمل/ اسمه: شاهداً للخلود، فالمعبد هنا للحب وليس للانتقام أو الثأر.‏

-ولنعد تشكيل المتواليات: أقتله /أحمل رأسه/ كأفعال باتجاه الرمز البشري: القبيلة/ (لتعبده) و(تحرقه) إذا اقتتلت: الحرف فعل آخر مرهون باقتتال القبيلة. وأبني معبداً للحب، في الصحراء: هنا الرمز الحكائي معروف بدلالاته من عصور ما قبل الاسلام، ثم عصر الرسالة، وما بعده، حتى عصور صحراء (عصرنا).‏

الشاعر، هنا، يلعب على الإحالات (المرموز/ المضمر/ -فيها) واسقاطاتها على المعاصرة، بأفعال ورموز: (القتل/ الحرق/ العبادة الصنمية/ المعبد/ الحب البديل الذي تأوي إليه الطير في زمن المجاعة)‏

فالمعنى ينطوي، داخل بنية الخطاب، على (معنى المعنى) مضمراً، وعلى وفق فهم الدلالة التاريخية، لكن الشاعر يؤكد أيضاً، معنىً إشراقياً ثورياً: (الصوفي الثوري لا الصوفي المنكفيء على ذاته) يحمل إسمه.. كون (معبد الحب) هو "اليوتوبيا"، اللجوء، الخلاص- "المدينة الفاضلة" بدلالة "زمن المجاعة" دافعاً وحافزاً، و"الطير" فاعلاً، متوجهاً، طليقً.. من ثم..‏

فإن (في زمن المجاعة) -أيضاً- ترتدي عائشة، الأسمال، و"الأسمال" دال صوفي، إشارة للزهد والتخلي والاحتجاج على نفعية المجتمع وحروبه وقتله للرمز.‏

ثم، بعد فعل (أرتدي) يأتي فعل (أعقرُ)/ ناقتي.. مقروناً بالمكان الرمزي: (في باب معبده)، وكأن عقر الناقة (التوقف عن الترحال والبحث والسفر) يتواصل مع فعل الزهد الأول والثاني.‏

-ويقترن، أيضاً، الوقوف عند باب المعبد بفعل لاحق: (أنوح)، والنواح هنا يتصل بفعل (أعِقرُ): أعقر ثم أنوح، وتستمر مدورة الأفعال في القصيدة، حيث يلغي البياتي الوقفات والفواصل، ليستمر تداخل الأسطر بما قبل وما بعد..‏

-ثم: (سأحمله، إذا مرت عصورٌ خاتماً في أصبعي وأنوح في جوف الضريح" إذ يتبدى التواصل (التدوير) بين (أحمله) و(أنوح) الثانية. ليظل الثابت في الفعل القادم، هو الجوهر: (رغم مرور العصور)، فالعاشقة لن تتخلى عن المعشوق (تحمله خاتماً)، حيث "الضريح"، مثل (القبيلة) و(الصحراء) و(المعبد) و(الصنم) و(الحرق) و(الرأس) و(الاقتتال)..‏

تحمل مخزونها وإحالاتها إلى الموروث، فكل مفردة منها هي رمز يضيء ما بعده، إلى جانب المفردات الأخرى: "الطير"، "المجاعة"، "الناقة" "الباب"، "العصور" "الخاتم" وهي معان تتعاضد في وحداتها وتتمفصل، أزمنة وفيوضاتٍ، لتشرق في بنية الخطاب ولتكون ضوءه، أيضاً.‏

-كما تكمن مفارقة التضاد في المعنى داخل بنية الخطاب وذلك عبر مستويين للتعبير: "سأقتله" في فعل عائشة المضمر/ المستقبلي، الأول.. هو ليس (القتل) بمعناه التدميري: ليس شبيهاً باقتتال القبيلة (إذا إقتتلت).‏

فالقتل الأول: مجازي، حيث يَعْبرُ المجاز من الواقعي إلى الانصهار الوجدي الصوفي، لأن "قالت" فعل خطاب العاشقة عائشة من خلال أوراقها، رسالتها، شفرتها الاتصالية إلينا، وإلى طرف الاتصال الآخر عموماً: القارئ.. وهي في ذات الوقت /رسالة الشاعر/ الصوفي /الثوري/ في النص، وعبره إلى العالم. إذ أن العنوان "من أوراق عائشة" هو "مسند كلام" (فالقول) هنا "مكتوب"، و"المكتوب" موصوف: "أوراق"، و"الأوراق" رسالة وشفرة، وكأنها -ولأنها أيضاً- الإرث (الشاهد/ الوثيقة) (لحضور) عائشة (الغائبة الآن..) وهي (التاريخ/ الوثيقة) المتبقية من عائشة المرأة العاشقة أو دلالاتها: الفكرة، الحقيقة، القضية، الأمة، الحزب الثوري، أو أي (معنى) آخر يحمل الاسم كناية ومجازات عن (الحقيقة/ الشهيدة المقتولة ).والتي رغم ذلك تتوحد في (العاشق/ الحق/ العدل/ الحب/ المخلص) لتتحول في التوحد إلى "معبد" للحب، مزار، وهذا (القتل الأول) المجازي/ الصوفي/ التوحدي/ بالذات وبالآخرين، ينهض فعلاً مضاداً ومفارقاً ضد (القتل) الآخر، التدميري:‏

-إقتتال القبيلة: حيث القبيلة هنا مكناة، وليست مجهولة تماماً، إنها (قبيلة عائشة) إذ.. بعد أن تحمل عائشة رأس (القتيل- المقتول/ الذي سيكون)، وهو هنا (غير مسمى) و(غير معلوم) (مضمر/ مرموز) مع فيوضات موحياته كما أشرنا: (رأس المعمدان/ أو الحسين) تكون الإحالة إلى الموروث صريحة في دلالتها: "ضمناً" لتعبده القبيلة، وتحرقه (إذا إقتتلت)، فيتحول الفعل إلى سمو إشراقي /عشقي/ في المعنى الميثولوجي الكامن في جوهر (الحرق) (الصنم) (المعبد) (العبادة) ابتداءً من الطقوس الهندية في حرق جسد الميت -المحبوب، وإلتحاق زوجه بعده وهي حية، أو تحويل "رماد" الجسد إلى طاقة حياة ثانية، بعث آخر، إذ يرمى في النهر (الطبيعة) ليعود ثانية متحداً بعناصرها، إلى الوجود.. فينتهي بذلك إلى (البناء) بدل (الهدم).‏

(في أوراق عائشة): "أبني معبداً للحب، يحمل اسمه.." وهذا المعبد /المزار/ المركز/ الملتقى /ستأوي إليه الطير في زمن المجاعة.. أي سيكون (الملاذ) و(المخلص) وسيكون "المعشوق" هنا هو "المخلص"، (السيد المسيح/ تموز الذي بموته يحيا ويحيا الآخرون/ في بعث الفكرة/ الحقيقة/ الأمل/ العنقاء من الرماد تعود أيضاً..) والبناء: (أبني في الصحراء): المعبد/ المزار/ البيت/ المحج/.. يدفع إلى دوال مركبة أيضاً، حيث يقترن بالطير وزمن المجاعة، فالطير هنا، هو طليق جائع إلى شيء، باحث عن أمل /خلاص- ومرتكن مكاني: وطن /يوتوبيا/ مدينة فاضلة/ سلطة عدل تشبع ولا تجيع، تأوي، ولا تطرد، تجمع ولا تفرق.‏

وهذه التضادات المضمرة والموحية معاً:‏

زمن المجاعة × معبد الحب‏

الصنم× المعبد‏

الطير× الجوع -الإيواء‏

النواح× الضريح‏

الخاتم× العصور‏

تتداخل في تركيبة البنية لتؤشر إلى مناخ صوفي يتبدى في (الخروج) الأول و(الخروج) الثاني لعائشة، حيث الخروج هو الحركة ضد السكون:‏

الخروج الأول: يتجسد في نية عائشة على القتل، حيث تتوحد مع المعنى.‏

الخروج الثاني: وهو خروج صوفي يتجلى في (إرتداء) الأسمال، لتعقر الناقة عند (باب) المعبد، ولكنه في ذات الوقت خروج تداخلي مع حركة أخرى: "أنوح.. في جوف الضريح".‏

و"الباب" هو أيضاً حامل لدلالة صوفية -فلسفية، كما "التعبد" كالباب العالي، و"الباب" في الفرق الصوفية والمذهبية، ودلالته القيادية.. ومعناه في الخروج من (الفكر) و(الفكرة) إلى (الآخرين).‏

لذا فالخروج الزهدوي يحمل فعل احتجاج ولوم وتأنيب- كما يضيء النص- فهو حضور ضد الفقدان، وأسى بسبب الفقدان: (فقدان فعل الثورة واحباط حلمها، أو تواصلها).. لكن الحقيقة، أو ممثلها: عائشة /تظل حية.. حتى في المعنى الدلالي واللغوي لمفردة (عائشة) التي هي من (العيش) /الحياة/ وضد الموت والغناء.‏

ولأن (عائشة) تحمل رمزها (المعشوق) /القتيل -المقتول/ خاتماً كناية عن زواج، عن اتحاد، عن شراكة. لكن (الزواج) هنا ليس مادياً، بل هو حالة من حالات التوحد الصوفي في المعشوق حيث تظل العاشقة (تنوح) وتتألم، وإن كان هذا الفعل مندمجاً في (جوف الضريح) متوحداً في الرمز /الشاخص/ الشاهد/ حاملاً دواله في مستويين:‏

الأول: إشارة إلى موروث شعائري: "البكاء عند القبور، والبكاء على استشهاد الحسين، وزيارة ضريحه كل عام ضمن الطقوس المعروفة في عاشوراء..)‏

والثاني: إشارة إلى موروث ميثولوجي يحيل إلى (ألف ليلة وليلة) حيث يلتحق السندباد بزوجه الميتة، جبرياً، ويدفن معها (أو يلقى) في القبر، وإن وجد الخلاص، بعدئذٍ، في مكابدته البحث عن كوة تؤدي إلى البحر: السفر الثاني والترحال.‏

-(استطراداً: أفاد الشاعر يوسف الصائغ من هذه الثيمة في الليالي، في بنية مسرحيته "الباب" التي قدمتها الفرقة القومية في بغداد وعرضت، في مهرجان قرطاج للمسرح ونادت الجائزة الأولى..)‏

-و"الباب "- من ثم- هو باب معبد عائشة، و"جوف الضريح" يدفعان بالخطاب من (مضمر) داخلي إلى (معلن) مفتوح للتأويل.. بمعنى أن التي قتلت (المعشوق)/ المعبود، أو التي (ستقتله) هي ذاتها التي تندب وتنوح، حيث تنهض ثانية (بقيمه) من الموات، وفي ذات الوقت تنهض (بقيامة) أخرى.‏

وهكذا يستبطن البياتي في ايجازه المكثف طاقة تعبير مديدة للشخصية "عائشة" لاغياً (المسافة) السردية بين "وهم الحدث" و"واقعيته"، وبذلك يؤسس مجدداً "محكي الكلام" على وفق أسلوبية تتجلى فيها شعرية النص جهيرة، وبذلك يحرك في طاقة القصيدة القصيرة: الموروث/ والتاريخ/ والرموز/ والحاضر/ ورؤية المستقبل.. وهو يدفع بأسانيدها إلى مساحة عريضة في (صوت) الخطاب، مع ترشيق جسد القصيدة وحذف كل زائدة وفضلة، للإبقاء على الجوهري في الكلام، والشعري في النص، كما أشرنا.‏

فالخطاب في "من أوراق عائشة" يتبدى في أربعة مستويات من الإفصاح:‏

-الإفصاح الأول: (الزمن): حيث موحى الأوراق هو ماضٍ، لكنه يندمج في مستقبل (سأقتله/ سأحمله..)، وهو معاً يترشح عن حاضر مرموز وعن رؤى للآتي المستقبلي.‏

-الإفصاح الثاني: (الصيغة): حيث تساوى هنا، الإسلوب غير المباشر الحر، من موحى وثيقة: (مسند) أوراق، إلى موحى (قول): (قالت) إلى موحى فعل: (أعقر/ أنوح)‏

-الإفصاح الثالث: (الرموز): فالقصيدة مشبعة بوحدات رمزية لها دوال في الماضي/ الموروث /الصنم/ العبادة/ الحرق/ الصحراء/ المعبد/ الخاتم/ الطير/ المجاعة/ الضريح/ النواح/..‏

وبهذه السعة في (قصيدة السرد) وإفصاحية الخطاب ينتهي المنجز الشعري رفيعاً في الإيجاز والكثافة، إلى‏

-الإفصاح الرابع: (الصوت) حيث يدمج الشاعر بين صوت الثوري المستمر في الثورة حالماً ومقاتلاً ضد الزيف والهجر والفقدان، وبين صوت الصوفي (القاتل/ والقتيل) المتوحد بالعشق وبالمعشوق، والمتعبد عند (بابه) والمندمج (صوته) في جوفه وبين (صوت) الفرد الخازن طاقة المقاومة حتى النفس الأخير، زاهداً ماديات الحياة اليومية، حاملاً صليبه (خاتمه) عبر العصور، ماضٍ إلى جدواه.‏

وهكذا يسمح البياتي (لآلة الكلام) بأن تتجلى في:‏

-اقتصاد الاسناد‏

-زهد اللغة‏

-بلاغة المعنى‏

-إشعاع المحمول التراثي‏

-تأويلات القناع‏

-التناص الرمزي وفصاحة الرموز‏

في "مدورة خطاب" يبدأ من نقطة الإصرار (المستقبلي): (سأقتله) وينتهي إلى الصوت المترجع: (أنوح في جوف الضريح).‏

والسؤال الذي يولد الأسئلة في الخاتمة المفتوحة للقصيدة:‏

-ترى هل يترجع الصدى في الصوت /الاحتجاج/ النواح، وعبر الشاهد المكاني الرمزي، والاعتباري: (الضريح)، إلى فضاء واسع وأوسع، ليكون عامل تذكير وتحريض ودفع وتغيير؟‏

-أم هو "نواح أخرس" (غير مسموع)، لا يبث إشاراته ولا يوصل رسالته.‏

بمعنى أنه "موت" آخر، إن لم يخرج من (جوف الضريح)؟ أو قد يؤدي إلى انعتاق (يونس) الخارج من جوف الحوت، نبياً؟‏

هو (بعث) من الميت، من حياة جامدة تماماً كما "الأوراق" التي هي منتج ماض، مُنزاح في أدراج لكنه (يتحرك) ثانية ومجدداً في القراءة الساندة، المعاضدة، والتأويل إلى خارج سكونه، بعد أن أصبح "مسند" نص، أو نصاً جديداً، هو صوت الحاضر: (مكتوب المقروء) و(لسانه) و(آلة كلامه)؟‏

-أم هو في المشبع من الدلالات والإحالات، ينفتح على معادلة عصر "ملتبسة" بين حدود القاتل والقتيل- المقتول، العاشق والمعشوق، المسمى (عائشة) واللا مسمى (الآخر).. وأيضاً ينفتح على دلالات "عائشة" في المجاز والكنايات:‏

أهي امرأة حقيقية، او امرأة وهم ويوتوبيا؟‏

أو أنها رمز إلى جمع نساء على وفق مثال "عائشة أم المؤمنين" (الاسم التاريخي، وزوج الرسول، والفتنة، وحرب الجمل- مرادف الناقة!)‏

أم قضية، حقيقة، فكرة، ثورة، أمة، شاهد عصر في القول والفعل: (قالت: سأقتله)؟ وحيث الأوراق هي أسانيد المحكي، الموجز، الروي الشديد الكثافة، بمعنى مسند (رواية الأسطر)، بدل رواية الصفحات الكثار والفصول، فهي ميزة المحكي شعراً حيث آلة الكلام تقص وتسرد، بمعنى أن "من أوراق عائشة" هي تقطير القص الموثوق إلى أقصى نقاوته.‏

-وفي خاصية تحول "المسمى اللامعلوم" إلى "معلوم غير مسمى" عبر متوالية الأفعال إذ تبدأ عائشة في نية قتل اللامسمى. المضحى به، القربان (ربما) الذي يتحول إلى صنم ومعبود، ثم إلى شهيد وبطل ورمز واسطورة وشخصية ذات مقام رفيع: ضريح، مزار.‏

بمعنى أنه (المعلوم الشامل) الذي لا تحدده حدود (التسمية)، ولا يتقيد في زمن أو مكان أو اقليم، أو ملة، أو طائفة، أو دين، أو مذهب، أو عقيدة.‏

-كما أن خاصيات النص تتسع في "كثافة السردية" لا في "سرعة السردية" فالأسطر القلال (أربعة عشر سطراً) لا تعني سرعة السرد زمنياً، بل القدرة على خلق (لا زمنية النص) ومقارباته العصرية معاً، فهو لا يخاطب -بالمحكي الخالص/ الصافي/ الموجز المكثف/ الراهن المعاش مؤسساً على محمولات ماضٍ، حسب، بل يتسع في أفق الخطاب إلى أزمنة وأوطان وحالات وعصور.‏

-وأخيراً، فالنص تجسيد لخواص "نظام جمالي" صنعه البياتي من مكابدة تجربة طويلة.‏

وهذا النظام يتمثل الخصائص التي تعرضنا إليها كلية..‏

وهكذا..‏

سيظل البياتي شاعر يغني للثورة وللإنسان في مزدوج (البطل الثوري) الذي يغيّر أو يسعى للتغير داخل بنية (الميتافيزيقي/ الصوفي) حد الموت شهيداً، في (مثالية) رؤى وسلوكيات، والفرد صاحب الدور في التاريخ وليس المراقب المتفرج السلبي، بل المتأمل للظاهرات، والذي يناضل ضد العزل والفقدان والتهميش، بآلة الكلام، بلسانه (وهو أضعف الإيمان) محرضاً و"مخترقاً كينونة حبه الصماء، عابراً الخط الأحمر للدنيا"‏

إذ حين:‏

"صار الإشراق‏

ظهر الوجه الخالد للحب‏

انتصر الابداع‏

قامت مدن /بشرط الفن/ يكافح فيها الشعراء‏

من أجل خلاص الإنسان.."‏

(ص:115)‏

-إذ ذاك، فقط، عند اكتمال يوتوبياه:‏

"بدأ استشهاد الشاعر وخلاصه"‏

إضاءة‏

-(آلة الكلام)، هنا، بمعنى الوسيلة التي تجسد النص وتقدم شعريته في بنية لغة مكثفة كون كلمة "اللسان" هي الأكثر شمولاً واستيعاباً من مفردة "لغة"..‏

كما أن كلمة "لغة" لم ترد في القرآن الكريم، وإنما وردت كلمة "لسان" وجمعها "ألسنة" للدلالة على معانٍ منها -كما في الأمثلة القرآنية التالية:‏

1-لغة الكلام : بمعنى (الوسيلة): "ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين" (البلد: 9)‏

2-اللغة : بمعنى رصيد الكلمات والقواعد الذي تملكه الجماعات اللغوية، فهي كما في قوله تعالى:‏

"وما أرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إلاّ بلسانِ قومِهِ"‏

(ابراهيم: 4)‏

3-الكلام : بمعنى الاستعمال الفردي للغة، كما قال في قوله تعالى:‏

"لُعِنّ الذين كفروا مِنْ بني إسرائيل على لسان داودَ وعيسى ابن مريم"‏

(المائدة: 78)‏

4-الأسلوب : بمعنى الخاصة الفردية للمتكلم، كما في قوله تعالى:‏

"وأخي هارون هو أَفْصَحُ مني لِساناً، فأرسِلهُ معي رداءً"‏

(القصص: 34)‏

وكلمة (لسان) تُعد من المعجم الأساس المشترك في اللغات السامية.‏

وقد ترددت في (فهرست) ابن النديم بمعنى "لغة" في مثل قوله:‏

"اللسان العربي، اللسان السرياني، اللسان اليوناني" في ميدان كلمة "لغة" -يونانية الأصل- (حسب: علم اللغة العربية لحجازي صفحة 310 وما بعدها)‏

واستطراداً فإن إطلاق (اسم) على الدراسات اللغوية مشتمل على كلمة (لسان) إطلاق قديم، عكس ما يتوهمه الكثيرون..، فقد أطلق (الفارابي) في (احصاء العلوم) على العلوم اللغوية اسم: "علوم اللسان"، وأطلق (أبو حيان النحوي) على علوم اللغة مصطلح "علوم اللسان العربي" وتابعه (ابن خلدون) في هذا فعقد في مقدمته فصلاً بعنوان "في علوم اللسان العربي".‏

وحتى في العصر الحديث كان استخدام "علم اللسان" و"الألسنية، اسبق في الوجود من مصطلح "علم اللغة" فقد نشر الأب (مرمرجي الدمينيكي) عدة أبحاث حملت اسم "الألسنية" نشر أولها في مدينة القدس العام 1937 باسم "المعجمية العربية في ضوء الثنائية والألسنية السامية".‏

وترجم د. محمد مندور بحثاً (لأنطوان ماييه) تحت اسم "علم اللسان" ونُشر في العام 1946 كفصل من كتاب بعنوان "منهج البحث في اللغة والأدب"(14)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244