آلة الكلام (النقدية..) دراسات في بنائيّة النص الشعري ـــ محمد الجزائري

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:16 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ "انتماءات" الأُحادوي!

"وحيداً أنتمي حراً، إلى فكره..‏

وحيداً أنتمي، حراً..‏

وحيداً أنتمي..‏

وحيداً.."‏

محمود البريكان‏

الصدى:‏

"وحيداً أنتمي حراً، إلى فكرة..‏

وحيداً أنتمي حراً..‏

وحيداً أنتمي‏

وحيداً.. "‏

ذلك الاشتغال، تقطيع على (النبرة) الطلية في قصيدة "انتماءات" للشاعر محمود البريكان(15) وسأعيد تركيب مقاطع النص على وفق سياق إزاحة (للمقدمة) كي تكون (نهاية)، و(النهاية) كي تكون (مقدمة)، كي ننظر معاً إلى (طبقات) العنوان المفصلة في هذا المتن، حيث يبني الشاعر زقورته، طبقة طبقة، ثم يسمر نظراته على المشهد، كي ينحاز إلى (استثنائه): (لكن لي.. حلمي)، وتحديده (النتيجة) في المستويات (الطبقات) التي وضعها، تأسيساً وعلواً.. لولائه، الذي هو: (للأجمل والأبعد)‏

إذاً.. لنعيد (قراءة) النص على وفق (التراتبية)، (السببية)، لأنه وضع دوال مجازاته، استعاراته، ليكون في المكنى، الرامز لنفسه في جمع: (انتماءات) وليس مفرداً: "انتماء"‏

النص:‏

1-على المشهد‏

أُسمر نظرتي‏

لكن لي حلمي‏

ولائي هو..‏

للأجمل والأبعد‏

2-وعبر الصخب اليومي، أُنمي صوتي الناصع‏

وألقي وهج الفكرِ على الواقع‏

3-أرى التاريخ مرسوماً بأكمله على نظره‏

وأسمعه- خفي النبض‏

في صوتٍ‏

ولا ترعبني الفكرة‏

ولا يسحرني الموتْ‏

4-وعبر أسى المحطات‏

وجوع الروح والجسد‏

وعبر النور والظل‏

أظل أَنشدُ الأبد!‏

5-وحيداً أنتمي حراً إلى فكره‏

أرادت نحتها الموتى‏

(ولم تنحت على صخرة)‏

إلى صوت النبوات البدائي‏

إلى الثورات قبل تجمد الرؤيا‏

إلى الحب السماوي الذي ترفضه الدنيا‏

إلى البرق الذي يكشف وجه الدهر في لحظة‏

إلى حقل الجمال المزهر الأسنى‏

إلى الحلم الطفولي الذي يخبو ولا يفنى‏

إلى جزءٍ من الإنسان‏

في الظلمةِ مفقود‏

إلى ما يسقط الضوء على منطقة المعنى‏

وما ليس بمموك، وما ليس بمحدود"(16)‏

(انتماءات 1969)‏

...‏

إذاً.. محمود، (وحيداً).. (وحيداً) محمود.. من أول الكلام كلمة، ومن آخره الأخير، ترى هل هو "محدود" أيضاً!؟‏

هل محض مصادفة أم ترتيب، التقطناه، لنتحدد في عالم هذا الشاعر الوحيد، المحمود، المحدود؟ هذه (بساطة بلاغة) في (قول موجز)، رتبه الشاعر (أبعاداً) لانتمائه (انتماءاته).‏

كما يشير العنوان والمتن، لجأ الشاعر إلى (الإيجاز) (أسلوباً)، وإلى صياغة (فلسفة حياة)، (مضموناً)، إلى (شد كلامي) في اللسان (خطاباً).‏

لماذا حدد (محمود البريكان) هذه (الانتماءات)؟‏

وعلى وفق ذلك (المدرج) الفكري / البصري؟‏

ومع أن الانتماءات مداليل جمعية، لها علاقة بحركة حياة، لكن الشاعر فضّل أن يكون وحيداً.‏

فلماذا هذه (الاحادوية)؟‏

-لنفتح الكلام على أفق المصطلح "الأحادوي"، أولاً:‏

داخل حقل (التخاطب)، لا بد أن يكون هناك (ثان) و(أنا) الأحادوي، لا يمكن أن تلغي (الآخر) /المقابل/ المتلقي/ إلاّ في حالة (موتها) داخل عزلة. فالموت وحده الذي يسجل الفضاء الرمزي للغياب، كما هو (الرب) (الحضور في الغياب)، إلغاء هذا (الغياب) قسراً- بالنسبة للشاعر بالذات- يخلق إشكالية لسانية وفلسفية داخل حقل التخاطب، إذ كيف تكون ثمة ثقافة إنسانية بدون رسم أولي يتيح تحديد مفاصل التنوع في الخطاب: خطابها بين وبين المجتمعات والأفراد: الأنا والأنت /الهو والآخر النحن والهم.. عن طريق تبادل المتحادثين لوضعيهما، يُظهر كل منهما للآخر، مزاياه..‏

في (انتماءات) البريكان، الآخر ملغى، (الهو) يشدد على (أناه)، و(الأنا) -هنا- نوع إنساني يشغل مرسلاته، من (أنا) إلى (أنت)، وذلك واقع طبعي في التخاطب. لا أحد، يحب (الأجمل) و(الأبعد) إن لم يكن (عاشقاً). ويكون هناك (آخر) له /أو معه. وخطاب العاشق مرسل من (أناه) إلى (أناه) الأخرى المعبر عنها في التوحد مع (الآخر)، المعشوق/ والمحبوب: فكرة فلسفة، رؤيا، مثلاً: امرأة، أو "انتماءات!" لكن الشاعر حين يحبس مرسله في خانة (القطيعة): الصمت / العزلة.. (يزيحه) عن الآخر. عن التفاعل والتأثير والتأثر، فيخفيه، أو ينكفيء عليه ذاتوياً، ليسقط قصيدته في (بئر الفراغ) في (الخانة الخاوية)، ويتحول إلى (أحادوي) تماماً.‏

وتلك حالة (غياب) ماثل ضد (أنا) الشاعر أيضاً، ضد نفسه و(انتماءاته)‏

فالشاعر الذي يعلن جهاراً (موت) قصيدته حال ولادته (هو) كمن يعلن عن موت (الإله) باعتباره يمثل آخر (شكل للغياب)‏

ولأن القصيدة (مرسل)، تموت حين لا ترسل.‏

بمعنى أن الشاعر حين لا ينشر قصيدته تبقى (غائبة)، غير محسوسة، ويُغيّب بالتالي شاعريته، كيانه شاعراً، فيبقى فقط كيانه (عزلوياً/ رافضاً)، أو (مرفوضاً) مواطناً متوحداً في حركة مجتمع، بالعادي من آلية التحرك، لا يؤمن بثنائيات. إنه كمن (يصرخ) في (علبة مغلقة)!‏

ولأن الشعر خطاب، يحتمل السرد. والسرد حضور ضد غياب وضد عزلة وضد أحادوية، حين يشتغل (حقل التخاطب) مع..، فهو عملية إضفاء لمسلك إنساني لا يجد نفسه إلاّ مع الآخر.‏

................‏

-3-‏

كي لا نقف على أرض (شعرية) متشققة لا يمكن تفريغ الكتابة الشعرية، بين (قصيدة) و(نص شعري)‏

إن الكتابة الشعرية- الآن- أرحب من أن تحد داخل جنس أدبي واحد يسمى (بقصيدة) أو (قصيدة النثر)، فهو قائم في كل جنس ولا جنس له، لأنه سر (الفعلية) الأدبية حاضراً ومستقبلاً.‏

يقول (بلانشو) "من يكتب، إنما يكون في نفس من الكتابة: هناك وطنه حيث ليس هو فيه نبياً"‏

في "انتماءات" مفارقة تناقضية: ذاتي/ وذاتي مع جماعي:‏

1-(صوت النبوءات البدائي": الصوت مرسل، والنبؤة الهام ورسالة، حتى لو كانت بدئية أو بدائية، تحمل نقاوة الكشف الأول، وومض الإيحاء (الإلهام).‏

2-(الثورات): أفعال، بين جمع والفرد في هذا الجمع له كيان، له (فعلية) أدبية/ اجتماعية، لأنه (تضحوي).‏

هنا لا يغيّب نفسه، بل يؤكدها في المجموع، إذ يكون في سياق (الصورة) وفي (الصيرورة) إنه كيان حاضر في الثورة، وقد يكون (وقودها)، أو (مادة) (اشتعالها) و(اشتغالها).. إنه (موجود) حتى لو بدا غائباً، متماهياً..‏

3-(الحب السماوي): مثالية.. فالدنيا ترفضه، لا تطاله، لأنه مستحيلها الجميل (اليوتوبي)، وقد يكون (مستحيلها/ الواقعي) أيضاً، هو.. المعنى الصافي السعيد يصل حد الصوفية وتجليات وجد العاشق.‏

4-(البرق الكاشف): حقيقة بصرية، أو انعكاسها في فيزياء الجسد، الصيف أولاً،‏

5-(حقل الجمال): المزهر/ الأسنى/.../ معروف ومعبر عنه، عن نفسه، بالوصف المؤكد .‏

6-(الحلم الطفولي): طاقة.. لا تغنى ولا يستعاظ عنها.‏

7-(منطقة المعنى): الحر، الذي هو ليس بمملوك وليس بمحدود، كيان داخل كيان.‏

يرسم الشاعر المشهد أو يسمر نظرته على تفاصيله، لكنه لا يتأثر به، إن حلمه يتكون ويتشكل في حياة، وليس خارجها.. وإلاّ كيف يكون (ولاء) الشاعر للأجمل والأبعد، إن لم يكن ثمة "نموذج" يجب تجاوزه وتخطيه إلى نموذج آخر أفضل، أجمل، ولا حدود تقيده!‏

8-(الصخب اليومي): حياة أنسية ينمي خلالها الشاعر بضاعة صوته كي يؤثر.. وإلاّ فهو ضائع مخيف ومتداخل، وقد يكون مطموراً في ذلك الصخب الأحادوي الشاعر: (فوقي) في (مثاليته) وبرجه العالي (يُلقي) (وهج الفكر على الواقع) ولا يستمد من أرض الواقع وهج الفكر.‏

هذا (اليوتوبي) انخرط في لعبته/ .. ألغى ازدواجية ثنائيات، ومتسعات أماد، مذ غيبوا "الفكر الحي"/ المجلة والواحة ومساحة الحركة اليومية وأرضية التواصل مع الآخرين -فأغلقوا بذلك، ولمدى بعيد، دفاتر الشاعر وطموحاته!‏

(الحلم) وحده، واللاوعي، علامة (الأنا)، خاصية من خواصه، إذا اعتبرنا الشاعر حالماً حقاً، يسعى إلى (يوتوبياه) التي ينشد، كونها "الأبد: الأجمل والأبعد!"‏

إذاً.. أين مكونات (أسى المحطات)، إن لم يجسدها الشاعر شعراً، تجربة كلام، رسالة إتصالية؟‏

لقد وضع لنفسه قيوداً حلمية، (قيود حلمه) ذاتها، وقيود (انتماءات) وبدلاً من أن يكون (حراً) حقيقة، سجن نفسه بها، (منذ أواخر السبعينات حتى أواخر العام الثاني من عقد التسعينات، محمود البركان (الشاعر) لم ينشر (شعراً) (صامت) لم يكتب نفسه أمام أنظار (النظارة) أنكفأ على ذاته، أصبح (شعره) متحدثاً عنه، لا حضور له، مهيمنة الكلام عن الصمت والعزلة، لا الكلام عن واقع شعري، واقعة شعرية، حاضرة وملموسة، معجونة بالأسى في بنية واقع الواقع!‏

تكتفي (أوراقه)، إذاً، بذاتها.. ويلتقي (المواطن) محمود البريكان (المثقف) الذي فضل العزلة على نفسه، وبذاته، التربوي (المدّرس)، النائي، لكنه الحاضر ضمن (وظيفية) عمله اليومي الروتيني!‏

بمعنى أنه لم يرد -وبإرادة شخصية وسبق إصرار ربما هو فعل أو خوف -إن يدخل شعره /مكتوبة/ حقل التحادث/ والتخاطب، وبالتالي فقد منع كلامه (لسانه) من أن يكون (مرسلاً) إلى آخر، عقده وإداره إليه.‏

إذاً.. لمن يكتب؟! (إن كان يكتب فعلاً؟)‏

أعجبت البريكان اللعبة. حتى دفعته لأن (يوثقه) تاريخياً بسيرة ذاتية قد تكون مجموعة قصائد، وربما دفاتر شعرية غير منشورة، خواطر أو يوميات، تتجمع، تتراكم لكنها لا ترى النور، لا تنشر، لا تتحادث مع الآخر.‏

..‏

"من، ومم، يخاف محمود البريكان؟ (ليس المواطن /بل الشعر؟"‏

(الاحادوي) يخاف التاريخ أولاً.. لذا فهو ينظر (يُسمّر نظره) إلى التاريخ (مرسوماً بكامله) (وهذه استحالة!) لأن التاريخ يكتبه- ظاهرياً- الأقوياء، يكتبه (سراً) المضطهدون والفقراء والضعفاء! المحرومون لهم تاريخهم، ولهم (نظرهم) الخاص، للمشهد!‏

فأي (تاريخ) نظر إليه وسمر نظره عليه؟‏

وسمعه (خفي النبض) في (صوت)، أي صوت؟ فلم ترعبه الفكرة ولم يسحره الموت ومم يخاف؟‏

- لِمَ يخشى نشر ذلك الجانب من شخصيته /تاريخيته في نتاجه؟‏

لِمَ يمثل دور القطيعة، وبالتالي قد تكون (أوراقه) المخبأة/ أو المكتوبة لغرض أحادوي، قد تآكلت ذاتياً، أحرقت نفسها، انتحرت في صمتها، وأعلنت (موت الشاعر/ موت منتج النص)، لأن الشعر لا ينمو، ولا يعيش وهو (صامت) (أخرس) إنه ينشط بصوته، بنشوره، بخطابه.‏

فهل الشاعر يعيش ذلك الصمت (السري)، وهم الخوف، أو وهم العزلة، حد أن يكون قد حجر البريكان (الأربعيني/ الخمسيني/ والسبعيني) أيضاً.. إنتاجياً، لغةً؟‏

ونحن ندرك، و(الشاعر) يدرك أساساً، أن عافية الشعر، الذي هو محمول ثقافة الشاعر وهمومه ورؤاه أكبر من محموله الفني، لذا يلغي مختبره احتكاك القصيدة بالآخر المتلقي بحقل التخاطب.‏

فهل أراد الشاعر (تخليص) منطقه من (قضايا) العصر؟ أو حتى من (القضايا) التي تنطوي على القضية البينة في (الصخب اليومي) وفي (الصوت) وفي (أسى) اللحظات/ (أسى المحطات) وهي ثلاث محطات -منصات أيضاً -لفعل مسموع، ولمرئي: (الصخب/ الصوت/ الأسى) ثم في ثلاثية أخرى: (جوع الروح والجسد) وفي (النور والظل) وأساساً: في متسع (المشهد)؟ كي يفضل (الأحادوي) على (الاجتماعي) والعلوي على (الأرضي) (المثالي) على (الواقعي)، الماورائي على (المادي).. أو هو زهد الحياة وصوفية وجد ذاتي؟‏

إن (إقصاء) القضايا باسم العقل (أو التنظير العقلي) الترفع /أو التعالي/ العزلة = أو الأحادوية،. قد يتيح (تشغيل الشيء الجميل) في النص المنتج، لكنه يزيحه عن منصة الظهور، يخنقه، ليدفعه إلى بئر الخفاء.‏

إذاً. (من الاكتفاء الكامل إلى عدم الاكتفاء الكامل) من كل شيء، إلى لا شيء/ من نعم إلى لا/.. تلك هي علامة (الاحادوي) الأولى.‏

وعلامته (الثانية) في ذلك: (الوضوح المبهم) داخل (القضايا) حد أن الاحتداد تتلاقى حيث يميل (الاحادوي) إلى (الوضوح المبهم) الذي يتسع كلما كان الخطاب متواصلاً، لهذا السبب تكف (التناقضات) في بعض مناطق اللغة عن (الانتشار) كما تكف (الأضداد) عن (التضاد)‏

وهكذا ينجر عن ذلك بعض (الاستتباعات) مثل: ضرورة صهر (أو: إعادة صهر) (اللاوعي) و(السرد) وكل ما هو مرتكز على تعابير (مطوية) في (نظرية) يقيمها (الأحادوي) داخل اللغة (التعبير) مفهوم التخاطب.‏

ولكي لا ينزل بنفسه وقضاياه إلى مرتبة (المسلمات)، يستغرق الاحادوي في الصنفين المتلاصقين: المتعالي والزاهد، ويدفع نتاجه إلى "الطية"، يخفيه عن نفسه وعن الآخر، فيخفي قدرته /قدرة النص، على أن يكون خطاباً!‏

هذا الاكتفاء بالذات مهد له الشاعر محمود البريكان في قصائده المكثفة، الفكرية، التي اعتمدت على ومضها، اعتمدت (الإيجاز) أداةً ووسيلة، وبلاغة بساطة، ووضوحاً مبهماً، لتشَكِل -في آن- مرسله الشعري بياناً إلى عزلته التالية، وإلى أحادويته: زهده، وهو مع الرواد الحداثويين الأوائل، من مرسلاته الشعرية المديدة (قصائده الطوال) الخمسينية /الستينية/.. إلى مكثفاته الوجيزة، حيث ألغى كل فضول من جسم القصيدة، وألغى كل تباهي بشاعريته وفكره ورؤاه، من ثم.. أغلق هلاليه- سجناً- على نفسه ونتاجه.‏

إنه أدخل نتاجه عصر القصيدة الجديدة في بنائيتها الحداثوية: الغاء الإطالة والمد، واختزال المعنى، والتأكيد على نصاعة مادة الكلمات، جوهرها، ومد أكليلها.. بمعنى: إضاءة (منطقة المعنى) فقط.‏

ربما اتفق مع نفسه ضد (الشعر) المشهر، المعلن، وضد المحيط، اللا معرفي في أولوياتها، ضد المؤسساتي سلوكاً في الثقافة، والأدب والفنون.. ، ليكون قليل الكلام، قليل الظهور، قليل الحركة، فأغلق الباب دون النشر، وانشغل ببنيات دواخله..‏

-3-‏

إذاً.. كيف الخروج من متاهة الأحادوي الراهنة؟‏

(.. إن تأسيس ذاكرة جيدة، يفترض لغة جديدة، للقدرة على تسمية الحاضر دون الانفصال عنه، وعن الماضي الذي هو جزء من كيان الأحادوي) أليس الصمت/ هو إنقطاع عن (ذاكرة) الحاضر، وعن (اللغة) (الجديدة) التي تتخطى (الانفصال) عن الإرث الشخصي والعام للشاعر؟‏

أليس الصمت/ هو وجه آخر للتجريد والفرار من كابوس العجز عن (تسمية) وجودنا الراهن، وتأسيس لغة وفكرٍ (جديدين) تتسقان والتخاطب والمحادثة (المتعارف عليها)/ راهناً.. والحوار المفتوح مع المحيط المحبط؟‏

إن نقيض الحداثة -المتعارف عليها راهناً، هي الحداثة ذاتها لتتحدى الثوابت والمسلمات المعرفية، والتمثل وعياً زمنياً حاداً، يتاسس فعلاً شعرياً وفنياً وثقافية- عامة - يتجلى بوعي الضد، ينزع إلى حداثة الفعل الاجتماعي والحضاري، لكي يفجر الساكن والراكد والمسكوت عنه، بالأسئلة. إذ بين حداثة الوثوق /وحداثة السؤال/ والفعل معاً، يتسع مجال وعي الضد إبداعاً ونقداً!‏

-إذاً.. كيف يكون الأحادوي حداثوياً؟ وهو ينحسر عن فعل اجتماعي وحضاري داخل قوقعته؟‏

-كيف يصير إلى منتج حوار وعي، إن هو جمد وثوق الأسئلة الضدية؟‏

-ماذا يتبقى له، إذاً.. بعد ذلك كله؟‏

هذه الأسئلة عن الأحادوي تتجلى حين نتبين موقف الشاعر:‏

ففي حالة (البريكان) ولأنه نسيج نفسي (تكويني) أخلاقي، اختار عزلته ولم يفرضها عليه أحد،.. اختار (موقفه)/ الرافض، بالصمت!‏

بدا بالإيجاز في الشعر (بنائية القصيدة حداثوياً)‏

وانتهى إلى (إيجاز) الحركة.. خارج (الصخب اليومي): الفعل (الاجتماعي/ الحضاري) ومشهد حداثة الأسئلة ووعي الزمن، وعي الضد، كان (وظل) خارج التماهي، وخارج التباهي معاً.‏

قد يكتب (الأحادوي) مجلدات، لأنه (يفضل) الاّ يتحدث إلاّ مع نفسه، (أناه) هي (المهيمن)- في هذه المنطقة وعلى وفق هذا المنطق- وكذلك فهو لا يستجوبْ سوى (أناه) في كل ما يكتب، ولا (يعاشر) سواها. في (أناه) أيضاً، بعد (أسى المحطات): التجربة الحياتية /الفكرية/ السياسية، و(جوع الروح والجسد)- وهو جوع فاجعي، وموت حقيقي لإنسانية الكائن- يظل (الشاعر) ينشد "الأبد" وهو هنا (أبد) حلمي غير متحقق،‏

-إنه ينخرط في عملية (إبادة) طقوسية ضد تيار، هو، مسبقاً تيار خانق،‏

-إنه يقوم بطي التعبير، فالموضوع والمحمول يأتيان في تعبير واحد مشترك هو (الصمت)‏

-إنه يخرج من كل الحقول: الحقل الكلاسيكي للتفسير الديالكتيكي/ أو السببي أو البنيوي، التي هي (الثلاثة) تفسيرات مختلفة، لكنها ازدواجية، لأن يرفضها، ويكوّن له تفسيره، ولاءه، هو انتماءه (حراً) إلى (فكرة)! وإلى (ما ليس بمملوك ولا بمحدود!).‏

إن مشهداً شعرياً ذهنياً وإعلامياً، لينغرس عميقاً في السياق الفكري، هو، (قطيعة) معه! /في الوقت نفسه /شعر (غائب)، الحديث عنه (فقط) هو (حاضر) لأنه استبعد نفسه -أحالها في الوقت ذاته إلى (استذكار)!‏

إن (أنا) الشاعر الأحادوي ليست كافية، لا تفي بذاتها ضمن وحدة وجودها، وهي تثير له إزعاجات..، وهكذا تنتابه حمى الإنحسار نحو الذات، وتنتبه المفارقة إلى تضادها -هنا- لأننا نرفض أن نقيم دراسته عن (نظرية) عامة يختطها الشاعر حول نشاطه الأحادوي داخل لغة وسلوك هما في الأمد وليس في الراهن... إذاً أين قصائد محمود البريكان (الجديدة)؟‏

هل ينتظر دراسة /أومن يريد دراسة (تواصلية) البريكان شاعراً في المشهد الشعري (الجديد)، تحويلة ذاتية حين (يطلق) مختارات من (قصائد) كانت محبوسة، يطلقها من صندوق حياته الأحادوية إلى فضاء النشر والتعميم؟ لتكون جديرة بالرؤية، المعاينة والفحص، ثم التحليل، الدراسة، النقد؟ أم تبقى معاينة الشاعر وشعره -نقدياً- حالة (ماضوية) استعادية، لا علاقة لها بالراهن- إلاّ في كونها (قطيعة) ضده/ وتستلف من الماضي /دوالاً وإيحاءات/ إليه.. وهي قصائد منشورة (قبل) سنوات، ومكتوبة (قبل) سنوات.‏

ليبقى هو (الشاعر الخالق) المخضع كلامه لكلامه، قاذفاً نفسه في الفضاء الغيبي/ الصوفي على مستوى زهد مفترض!‏

هل (محمود البريكان) الشاعر.. ميال- فعلاً- إلى احتلال مساحة جديدة في "الأبد" المقبل/ المستقبل دائماً/ متخلياً، بوعي، عن مساحة (الحضور) في (الحاضر) أو عن كل (مساحة الحاضر) على مستوى التصنيف والتوصيف والأدلجة والتوظيف والواجهية، مخبأ الشاعر عزلته، تلصصه على الكون، نظرته إلى المشهد من ثقب يجد فيه لحظة توهج إبداعية، أم أنه مكان أسلبته وغربته (تغريبته- على وجه أدق)، رفض وعادة؟‏

-لنراجع "وعي التنظير"، في بعض أقوال الشاعر (محمود البريكان) ومدى مطابقة طوال سنواته منذ بدأ، وحتى التسعينيات أي على مدى نصف قرن من الانتاج (المعرفي) في الشعر:‏

-يقول:‏

-(إن الشعر فن لا يقبل التسخير، ولا يحيا مع الحذلقة)‏

و-(ليس الشعر وسيلة لتحقيق أي غرض مباشر ولا طريقة للتنفيس عن عواطف فجة)‏

و-(الشعر لا يخضع للتنظيم الخارجي. وقلما يعكس رغبات الشاعر اليومية. لأن منطقته هي منطقة الذات العميقة)‏

و-(الشعر ابن النزوع الإنساني. تمثل خاص لواقع التغيير في الزمن، وقلق المصير والتأرجح بين الراهن والمنشود)‏

-(فالموضوع الكامن وراء موضوعات الشعر هو التوتر بين الحياة والموت، بين التحقيق والضياع، وتلك العلاقة المتحولة بين الروح والعالم) .‏

و-(الجمال الشعري الحقيقي يكمن في امتصاص الشكل الفني لموضوعه، لجوهر الانفعال الإنساني، ولأعمق مستويات التجربة!‏

فالتشكيل الفني للقصيدة هو تشكيل للروح)‏

و-(كيان القصيدة يسهم بانتصار الشاعر على الغناء، ويرسم رؤاه في مادة الكلمات.. ومهمة الشعر تعميق الإحساس بالوجود، وتحقيق حضور الجمال، فالشاعر يتكيء على نوع من الأبدية حتى وهو يصور لحظات خاطفة.‏

-(الشعر لغة الجمال)‏

و-(الروح المبدعة هي وحدها التي يمكن أن تمنح اللغة وأشكال البناء وهجها وسحرها وكأنما تولد لأول مرة..)‏

-(للشعر وظيفة اجتماعية يحققها باكتماله كفن إنساني يدافع عن إنسانية الإنسان ويعمقها)‏

و-(الخط الذي يتمركز فوقه الشعر في معركة التاريخ هو خط القيم النهائية والمصائر الأخيرة وحرية الإنسان)‏

-(فالشعر يؤدي دوره في حركة الحضارة، ولا بد أن يستكمل شروطه كفن إنساني يمثل أعلى مستويات الحرية الداخلية..)‏

-(إذاً، فنحن ننتصر للشعر الجديد في أحسن نماذجه)(17)‏

ذلك ما قاله الشاعر، وذلك هو سؤال الإحالة إلى (جديده) الذي (سيكون)، فهل أجاب البريكان عن معنى (أحادويته) و(جوهرها) هل أجاب عن أسئلته في إجابته عن أسئلة الآخر؟!‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244