|
||||||
| Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ المعلم -- السجّال -« ما تبقى هو الحب، هذا رهاني الأخير » يوسف الصائغ -1- «... إننا لا نستطيع أن نستخرج من خط منحنٍ خطاً مستقيماً ونحن لا نستطيع أن نعيش حياةً صحيحةً في مجتمع ليس صحيحاً، إننا نلدغ دوماً من جديد.. من هذا الجانب أو ذاك » (18) .. في شعره كله، مسرحه أيضاً، ورواياته ورسومه، يوسف الصائغ، جعل هذه (الحياة) الخاصة جداً، تبدو وكأنها حاسمة(19) ولكنه باغفاله (الزائد) و(اللاضروري) زاوج الحدس بالوصفي، التجربة الاجتماعية بالمقدس، والجمع بين (الواقعين): واقع الواقع، وواقع النص، يضع (النص) -كمنجز- على جادةٍ للتفسير، من غير أن يكون هو نفسه تفسيراً،.. فهناك، بالطبع، "شعرية حماسية" حتى في "الوجدانيات السياسية" وحتى في (الغزل)، ولكن -دائماً- هناك بنية للأصول التكوينية (الهامش الحياتي) أي: هناك (منطلقاً) في (الشعر) وسوسيولوجيا في (الموقف)، ولكن في نموذج تكرار (عدم الكمال) العقيدي! إن الصائغ (يوسف) يقدم مدرك الجمع بين (الديني) و(الاجتماعي) متوسلاً نظاماً منطقياً لتكوين تواقت للركود والنشوة، للحزن والفرح، للغياب والحضور، إنه منطق (اللقاء) -غير المعقول- بين (التثبيت) و(التحريك)، بين ومضة فرح وخطفة موت! وهكذا لا ينتظم الصائغ في جسم معناه الانغلاق. لذا فجسم (نصه) دائماً مفتوح على أسئلة، وسجال، وحسية استقلال، يمنحه شخصية فردية ومتفردة. إنه يقطن مساحة قلقه الوجودي، وحده ودائماً: الآخر، مخاطب.. كأن ثمة مسافة بينه وبينه! و(التضاد) يكمن في إنه إنسان مغروس من رأسه بالأرض، مع إنه لا يفكر بقدميه! (التضاد) يكمن في (بلاغة) تناوله الأرضي والسماء معاً، الجسد والروح، القلب والعقل، لا الوهم، (المحسوس) لا (المجرد). إنه متأصل، مفارق، قيم تميزية، قيم تبدو شاملة في عمق خصوصيتها، وبخاصة في معنى -وعمق- شموليتها، أيضاً. لأن (الصائغ) خارج السذاجة العكسية، إنْ في السياسة أو الحياة، أو فيهما.. إنه داخل ضجره دائماً، و.. حيّاً.. نفسه أكبر من حبه، لا يتحدث عن (حب) أثيري ميت، يتحدث -واثقاً- عن (حب) من خلال نفسه، لأنه حي.. إنه كمن يُحل (الستراتيجي) محل (الآيديولوجي) في نصوصه الشخص. /العاشق/ المُذنِب/ الفلسطيني /المقاوم/ المغمور المتشرد /المُعذَب والمتمرد.. (الستراتيجي) هو هدفه، حيث تصبح ذاته هدفاً! إنه ينظم علاقة في النص، يصل بين أشخاص لم يكونوا في البدء على إتصال، مصائر متباعدة، لكنها متحدة، متقاربة في الهدف: "مالك بن الريب" ونفسه الشاعر يوسف الصائغ الإنسان والفلسطيني، الفدائي، المقاوم: /"يساراً حتى جبل الزيتون"/ الجنود، المقاتلون والمقتولون /الشهداء/الحبيبة/ الحاضرة الغائبة/ والأمكنة: -(خمسة أشخاص في الباص نزل الأول قرب الميناء نزل الثاني قرب كنيسة أم الأحزان نزل الثالث والرابع قرب الجامع الخامس وحده ظل يدور مع الباص من دون خلاص..) .. في هذا (النزول)، يجمع الصائغ مصائر ويفرقها، وفي أمكنة معلومة (كمسمى) وغير معلوم، في آن!.. حيث (المكان) هنا، هو (اللاحرية)، القيد، وليس الزيارة/ أو الإجازة..، إنه (النفي)، بقدر (معلوميته) و(وضوحه) لكن..، هل لأن الخامس -مثلاً- خسر بيته في الحرب (القصف)، فلم يعد له مكان يلجأ إليه، فظل (من دون خلاص)؟ أم أن (البساطة) الظاهرة في (المعنى) تمنح المتلقي فرصة قراءة تأويلية، مستدلاً بمفهوم (الخامس)/ الباص/ كدال وموحياته إلى أبعد، أشمل وأعمق؟ هذا إذا نظرنا إلى (الباص) كمكان خارج سياقه الواقعي، وبدلالته: مكان متحرك، وسيلة إنتقال من (مكان) إلى (مكان). في حين ظل (الخامس) محبوساً، سجيناً، يدور في مكانه (من دون خلاص)! وهكذا استعمل الشاعر مفارقة (الحرية/ الحبس)، كما مفارقة أخرى في مفردة (قرب) لإلغاء (دقة) التحديد في المكان الأليف، وكأنها (نفي) للمعلوم: (قرب الجامع): مكان ولا مكان معاً! كذلك (قرب الميناء)، إذ لا تعني الميناء تحديداً ولا مكاناً معلوماً في آن، إنها محددة به كدلالة مكان، بعيدة عن صلبه في آن.. كذلك: (قرب الجامع/ قرب الكنيسة): أرضية زلقة، لا تحديد ولا حدود فيها.. إيجاز مشحون بالإحتمالات وبالنفي (البعد/ القرب)، والغرابة، بمفارقة تخييل، فالسرد (واضح) -يوميء- ويشير، لكن (التأويل) (مضمر) داخل الخطاب الشعري، وداخل بنية مكان لا محدود، حتى في واقعية الواقع، وحدث (نزل) في إجازة، لكن من دون هدف أو خلاص، وبالتالي إنه يتيه في اللاجدوى. الشاعر حوّل (الوسيلة) إلى (هدف)، إلى (غاية) حوّل (الضياع) إلى (ملجأ)، وبالعكس: (الملجأ) المفترض، إلى (ضياع) معلوم ومحتوم!.. تماماً كما فعل "ابن الريب" (الفلسطيني العربي/ "ممدداً" في الوطن العربي وقد أهالوا على جسده خيمة!! الشاعر يرسم في قصيدته القصيرة: الجنود والباص والنزول والتيه، إنه يرسم فضاءً ذا ثلاثة أبعاد -مسرح عمليات: الباص -الحركة النزول- الدوران البقاء- الحبس! وهذا الفضاء العياني (الباص) - من دون خلاص- محدود، وموصوف، لكن (المقاتل) ضائع فيه، يدور تائهاً!.. وكأن النص أراد أن يقول- أن ذلك (الانتماء) أو أن (بيت الانتماء) إفتقد الحركة التاريخية إلى أمام، وسقط في (الجمود) أو (الضياع) أو (الحيرة) فظل يدور في مكانه. وبالحتم أصبح (المقاتل) وعلى أبعد: (المناضل) أو (المنتمي)، (يدور) تائهاً في محبسه!. ومهما يكن (الانتماء) -المنشأ الديني أو الاجتماعي، -حيث (مرجعية) المقاتل /المنتمي/: الكنيسة أو الجامع، الميناء أو. فإن "قرب" تلك الأمكنة -الظرفيات -كدالة، تضيّع حدود المكان، وحدود الإنتماء، أو المنشأ بالتالي! وهكذا بعثر النص (الشاعر): الجغرافية، كما بعثر (المرجعية) الاجتماعية، بالرغم من مطلق مسمى الأفضية: كنيسة، جامع، ميناء، باص.. والباص ذاته (البيت/والسجن معاً!) والشاعر يفعل ذلك أيضاً في قصيدته (إجازة) حيث الشهداء العشرة (نزلوا) في يوم إجازتهم للبصرة: (أربعة منهم كانوا مدعوين لحفلة عرس في العشار أربعة راحوا لزيارة جرحى معركة الأهوار ويبقى اثنان الأول : راح يفتش، في البصرة، عن دار - في يده باقة أزهار- والثاني : ظل وحيداً.. فأدار عن البصره وجهه ومضى ثانية للجبهه!) قصيدة (إجازة)- هذه- من ديوان "المعلم" تقدم مفارقة وضوحها في (المضمر) و(المعلن) منذ العنوان: "إجازة".. والنازلون هم "الشهداء!" فهل كان هؤلاء الشهداء "يضمرون" القيام بهذه الأعمال حين يحصلون على إجازاتهم فداهمهم الموت، وظلت أرواحهم كأنها فعلت ذلك بالفعل؟ ومع ذلك ظل (الأخير) وحيداً، رغم كونه (شهيداً) إذ: (عاد ثانية للجبهة!) كأنه يريد (الاستشهاد) ثانيةً، أو القتال المر، لأنه لا يطيق الغربة في وطنه /المدينة/ المسماة: البصرة! هذه المتواليات من الأسئلة، والسجال، حصيلة اعتقاد هذا الإيجاز العالي بتلك الميزة التخيليية حد الفنطازيا والمفارقة الغرائبية، التي فيه، تبدو -مع ذلك- جد واقعية ومقبولة، ومتعاطف معها (مع حالتها) فتحولت (واقعية) النص (الفنطازي) كأنها (حقيقة)، فحولت الحالة إلى "واقع واقع" رغم استحالته، لأنه مقبول في القراءة التأويلية، وهو يلامس عاطفة وحساسية القاريء، ووجدانه: هنا، الخيال (الأدبي)، لا الخيال (الحياتي)، هو المهيمن! في ذلك الشعور والشعور المعاكس، أو بمضاد الشعور. إذاً، هل (ينزل) جثمان، (جثمان الشهداء) إلى المدينة (ليتمتعوا) باجازتهم؟! أو (تنزل) أرواحهم، كي يحقق ذلك (النزول) رغبة الجنود قبل استشهادهم لإنعاش شعورهم ومشاعرهم عندما ينالون الإجازة!.. ثم شعورهم العكسي حين تحبط الإجازة - لأي ظرف أو سبب- فلا ينالونها.. أو أن النص اشتغل على منطقة الميثولوجيا، الشعبية، والمعتقد الذي يؤكد بأن الأرواح الطيبة تنفقد أهاليها.. وتزورهم على هيئة "فراشات" رقيقة، تطوف حولهم؟! إن قصيدة بهذا الإيجاز، تستطيع تقديم فيوضات شعورية ومتوالية من المشاعر! إذاً.. الخضوع الكلي للأصل -حالة التمني- عند (الصائغ)، بالرغم من أنها تبدو ثابتة، إلاّ أنها تتماهى بالقدرة الكلية للآخر، الشهيد.. كأنها قدرة كلية للآلهة! تماماً، كما يعتقد القديس بولص، بالقدرة الكلية، بديلاً عن (الله) حين صورها بوصفها (آلهة) حيث (السلطة) تفلت من الناس لأنها (مقدسة) لدى الشهداء. وبذلك يخلق الشاعر (الكيمياء) السحرية في نصه، لأنه لا يخضع (بطله) /بطل نصوصه (أناه) المندمج (بالآخر) النموذجي: (الشهيد، المقاتل، الفدائي، المناضل الستراتيجي)/ إلى تحديد.. ولكنه يجره- في نصوصه- إلى حيث يشاء، فهو مستعد، لكنه يخضعه لعبودية الوطن المقيد، التراب المحتل، المكان اللامحدود داخل الوطن: (قرب) أو (بعد) الميناء، الجامع، الكنيسة.. إلى ما لا نهاية! .. -القصيدة تترك، عند شاعرنا، جزءاً، من الدور لطبيعة الخارق، الفنطازي، ولشيء سيحدث، لمهيمن منتظر، وصراع. قاعدة اللعب لن تتغير، أي: الحاجة المنطقية لأدوات (تقطير) النص، والمعادلات وسوى ذلك من عمليات للعبور بالنص إلى ما وراء الماديات، إلى "ما وراء المكان" تتحقق -هنا- في كينونة (الوصف البسيط) داخل بنية الحالة المعقدة، وليس الكلام، بنية (دلالية) تخرج على (البسيط) في مظهره، إلى ما هو شعر وحب يفترض (سلطة تمثيل) تخترق (سلطة تكرار). ولأن الشاعر لا يميل إلى الارتهان بسلطة التكرار، ينتعش شعره بالمخالفة، وبغيض الشعور، وبالشعرية.. فما تبقى -كما يقول- "هو الحب.. وأن زمان المحبين جد قصير". ......... -3- مذ داهمته (صحوة) الشعر، يصوغ (العاشق مثقوب القلب) هواجسه وخيباته و"ندمياته" سجالاً مع الذات، أولاً، وثانياً.. ودائماً.. ""مُعلّم" متمكن من فنه، هو، و"صنعته" على قيافة قامته الشعرية (في التجربة) وهي "تجربة" -امتحان- على الصعيد الفكري (الانتماء) أولاً- ، وبعد ذلك تأتي "الأشياء" لتؤنسن جوهرها في "الأفعال" (المواقف، والشعر..) أو (الشعر الموقف) ودائماً ثم (جَدّل) مع النفس، "دراما وجود" و"مأساة ميتافيزيقية" "أيضاً.. مُعلّم، سجّال، في فن القص- سرداً حكائياً- في الشعر، الرواية، المسرح..، في كل نصوصه اجمالاً، حتى لو كان بمساحة نصف صفحة كـ "إجازة" - نصاً مكتفياً بذاته- إيجازاً في الصورة، لكن المعنى يتدفق بدوال وإيحاءات لغة صافية مباشرة مرات، واضحة دائماً.. تكتنز في بساطتها الظاهرية ثراءَ فنٍ، وشعرية عالية. وزهداً، والنصوص لدى الصائغ، حتى المطولات حريصة على هذه السمة: (الوضوح البليغ)، بالرغم من طولها، ونثريتها أحياناً: من: "رياح بني مازن"(1967) إلى "اعترافات مالك بن الريب"(1971) -القصيدة وليس المذكرات.. ومن "شمة أفيون" (وهي الأقدم: 1956)/ و"الساعة تدق دقات كثيرة"(1957) حتى "أنا.. لا أباع" (1965).. من ثم في (مربدياته) -القصائد الطوال التي ألقاها في مهرجانات المربد على التوالي -الدراميات /ذات الهم الوطني المضمخ بالفلسطيني العربي، في آن /والنابع، أصلاً من صلب الهم الوجودي (الشخصي)- هم الانتماء واللاانتماء في سجال الذات -: "رياح بني مازن"/ "اعترافات.."/ "انتظريني عند تخوم البحر"(1971) حتى: "خواطر بطل عادي"(1972) و"ما بين جلدي وقلبي"(1973) وقصيدته التسجيلية: "هذا الشهر حنطة"(1973) تواصلاً مع "على إيما موعد نلتقي" و"يساراً حتى جبل الزيتون"(1978).. ثم تتدفق المطولات: "سيدة الأهوار"(1985) و"المُعَلِم" (1985) بمقدمتيها: "زمان المحبين" و"الحب الغالب"/ ثم: "أين الشعر وأين الشعراء" (1986)- حين بدأ انحسار حضور الشعراء العرب لمهرجان المربد- و: "استيقظ يا يوسف"(1986).. يوسف الصائغ، دائم اليقظة في تشكيل الصورة والمعنى، يعرف -أيضاً- كيف يشكل مادة "درسه" الشعري، ليس فقط كيف يصوغ قيافة القصيدة، لكن أيضاً كيف يلقيها بصوته وحركة يديه وجسمه في المنابر، مثل أداء مسرحي مؤثر. ودائماً، لا قصيدة بدون أسئلة، واحتدامات وحلم وكوابيس أحياناً. ولا قصيدة، مطلقاً، بدون حزن! وبقدر ما تفيض قصائده بالروح الدرامي، والمساجلة، فهي تفيض بالحزن الرفيع، واللسان البديع، والبديع الرقة في (مخاطبة) الـ (هي): (الحبيبة/ المحبوبة/ المطلوبة/ المعشوقة) وأيضاً، لا يتوانى عن "المخاطبة" الخشنة- حد الهجاء والشتيمة -لمن يخونون "حزيناً" مثله، أو: أوطانهم!!": ".. خانني أهل بيتي * * * وأوجعني الحزن في ذل صوتي" -[رياح بني مازن: (قصائد): 85] ـ "أيما وحشةٍ يا تراب بلادي أقاتل؟ إن يديّ تحاربني قتلوني ثلاثاً.. ولكنني لم أمت" - إن"مالك" يشترط الكبرياء: ـ "اشترطت أموت بلا ندم كنت أعلم أن المنية ليست مزار المهاجر أو منزلاً للغريب فلا تبتغوني لكم بطلاً إنني رجل حرضته الرمال على نفسه فهو يسألكم... من يطيق الإجابة في مدن الاحتلال؟" -[اعترافات..: (قصائد):59 ..... ..... ـ ".. وكنتم تقولون غزة للقدس وكنتم تقولون غزة عرس ألاّ تخجلون؟ تراب لكم!! واسمعوا الريح تعوي تهب على الضفتين على القدس مجزوزة السالفين عليكم عشيري، أجل واسمعوني." -[رياح بني مازن: (قصائد): 80] ـ "أما تسمعون الدماء تهاجر من تحت أقدامكم فتخوض بها عجلات الدموع وترسم منها خرائط للنكسة المقبلة.. سينضج في القِدر ما تأكلون منذ قرون.. والماء على صبر الصِبيّة يغلي.. فينامون ملائكة متعبة وتنام البصرة جائعة ويظل نداء عجوز تغلي في القِدر الماء يمنى بحساءٍ لا ينضج رملَ الشاطئ.." - [انتظريني..: (قصائد): 112-113] رسم المشهد، صياغة الحبكة، تخصيب الصورة، وبساطة لغو، هي بلاغة الوضوح، وبتركيبات موسيقية، يُعَشِّق(الصائغ) تلك(الغنائية) العالية، تنغيماً، تقطيعاً(وقفات مدروسة)، لأنه يحتاج كمهيمن(درامي) لتصعيد الحدث، أو الحالة، أو نبض الشعور، إلى تلك"التقنية" (الحرفية). ولأن زاد قصائده دوماً: (المرأة)، والمرأة المعنى الآخر(القضية، الطبيعة، الوطن)، وأناه، في التقابل، لا في التماثل أو التطابق..، لا فرقة ولا فراق بين الـ(هي) والـ(هو) ودائماً، (أناه) -مهيمنة- في سجالها(مع ذاتها)، أسئلتها، ندبها، بوحها، شكواها، احتجاجها، وتمردها، حد(الثورة)، أو التحريض عليها. ودائماً، أيضاً: (الاختلاف والحرية)، ثنائية اشتغال على المعنى ومعنى المعنى، المقاربات والمجاورات.. وفي جمع النصوص، الأسئلة الدائبة، كما قلنا، الدؤوب، .. لكن ليس بعيداً عن"اليومي"، "الواقعي"، "الحدث".. وباستمرار، يقدمه مثل(قصة) واضحة، بسيطة، سريعة التوصيل! نصوص الصائغ، تفيد من(الموروث)، تكنزه(أحداثاً أو تفاصيل)، ولا تقدمه في تناص شكلي، بل تمثلاً، تنافذاً حد التوحد، أفادته-مثلاً- من حكاية"مالك بن الريب، حزنه، وحدته، وندمه، بعد أن استبدل بحريته وتمرده، انتظامه في صفوف سعد بن عثمان بن عفان، لقاء طمأنينة موهومة وسعادة كاذبة"(20). "والقصة معروفة في ذاكرة وعي الجماعة منذ أكثر من أربعة عشر قرناً"، ومثل ذلك: "رياح بني مازن" ليلعن"القوافل العرجاء" التي لا تنتخي، ولا تُستفز، سوى إنها تسد الطريق على مَنْ مشى"(21). .... .... ثم إن نصه يفيض عن صياغة ماهرة لـ: (نظام الحس)، (نظام اللغة)، (نظام الحلم)، (نظام الشعور): (الحزن، الفرح، التحريض، المساجلة، أو: المساجلة فالتحريض..): ـ ".. ليعجبني إنني عربي، وإنكُم أهل بيتي، .. ومهما يكن.. فحنيني لكم، فوق ما يبلغ العتب عندي، جراحي وقيدي وصمتي.. وأصرخ يا أيها العرب الجائعون كلوا ربكم.. فهو تمر ألاّ واطردوا البائعين من الهيكل القدس بيت أبي للصلاة- يقول الكتاب- وأنتم تركتم سقايته للصوص" -(رياح بني مازن/ "قصائد: 82- 83) ... ... ... ... من"المطولات" الى"الومضة"، يوسف الصائغ، يستنفذ، بحرفية عالية، أدوات الصنعة كلها؛ يُدخِل(الخبر- الوثيقة) في بنية النص[قصيدة تسجيلية]، ويدخل"الأرجوزة" في بنائية تركيبية تحقق الإدهاش مع حداثوية صياغة، في مثال(أَين الشعر وأين الشعراء)(المربد 1986): ـ "ما للوفود مشيها وئيدا بشائراً تحمل.. أم عهودا أم القوافي جُثّماً قعودا ... والبحر صعب.. والمدى طويل مستفعلن مستفعلن فعول قد تقصر الحرب، وقد تطول وأشرف الصبر، هو الجميل" ....... - ثم يدخل(التضمين) البليغ، كأنه جزء من نسيج القصيدة: ـ "لكأني الساعة أسمع صوت السياب يدوي في هذي القاعة: (لا تكفروا نِعمَ العراق خير البلاد سكنتموها بين خضراء وماء الشمس نور الله تغمرها بصيف أو شتاء لا تبتغوا عنها سواها هي جنة فحذار من أفعى تدب على ثراها" ... - ونأخذ الشاعر(بطيبةِ قلبه)، فإن"المحبة، طيبة القلب/ الشعر مغفرة/ وزمان المحبين جد قصير" ـ ".. وهذا القلب بريء، لم يشهد زوراً لكن.. شهدوا بالزور عليه"!! وبعد صراع محنة، وصمت، وحزن/.. وصراع فكر وانتماء وجدل، يعود إلى نفسه ليصفو: ـ "أنا والقصيدة نأتي يداً بيدٍ خاشعين ونسكن بين يديك وإذ أتحسس سقفك يمتد فوقي ويحرسني يخرج الولد الضال مني فأصفو وألعن صمتي وباركت شعري.. ونزهت للصدق صوتي" (1984) - وقبل ذلك يصدح"البلبل الأسود" قصائد ثكلى[1976- 1980]: ـ " نزيد عذاباً ونزداد حباً إلى أن يجيء السؤال الأخير" ولم يكن(السؤال) الأخير، قط.. ولم يكن ذلك(الاعتراف) لمالك بن الريب، المثكول بحبه وقضيته وبعض محبيه، فجيعته كانت حادة في(المرأة) التي أحب فرحلت، وفي(المعنى) الذي وهب له شباب نشاطه وحياته، ..فقدم(مرثيات) لاأصغى ولا أجمل عن" سيدة التفاحات الأربع" (1976)، وأنغمر في(سجال الذات)، وكيف يُعلِّم الإنسان نفسه، في محنته، على الصبر..(هل صبر فعلاً!)؟ ويروضّ هواجسه فيكتب. هو الذي غمر، بحرارة فارهة، صفحات طوال من نثر شعري، ثري بالسرد، وبالقص عن أحداث مدينته(الموصل)، ثم عن نوازع قلبه وفكره، مرة تلو أخرى، وكأنه(يعترف)، ولكن ليس أمام كاهنه في الكنيسة، بل أمام البشر جمعاً في جريدة"الثورة" وقلبها في جريدة"الفكر الجديد"، وقبلها في رسائل ساخنة مطولة إلى"سلام خياط" في لندن/ وسلم عزلته على جدران غرفته لوحات سوريالية، ثم حولها على القماشة، وكتب روايته"المسافة" اعترافاً آخر، ثم"اللعبة"، وفكر، قبل ذلك، بصوتٍ عالٍ في مجلة"ألف باء" ويسجل، بعد ذلك المشوار من التحولات، "الاعتراف الأخير لمالك بن الريب، (السيرة الذاتية)، ولم يكمل نشرها.. وهكذا، قد تبدو هذه"الأفعال" خارج دراسة النص الشعري، لكنها، في صميم خالقية النص وحوافز إنتاجه، وهكذا، أيضاً، علم نفسه على(الصحو) دائماً لكي لا يخسر نفسه في (صحواته)، لأنه، فيما كتب، (مثالي) يريد: "كل شيء.. أو.. لا شيء" من المرأة التي يجيد التغزل بها، إلى(الحزب) الذي عشق، من الناس الذين أحب إلى الشعر..، فتمرد على نفسه دائماً، ودائماً ظل يساجلها، يتنصت في الليل على قلبه، أو يسترق السمع إلى رئيته، فالشاعر يعيش وطنه، لا ينظر إليه"من ثقب الباب لكن ينظر من قلب مثقوب" وتأتي"المعلّم" ملحمة نفسه: ـ "هي سبورة، عرضها العمرُ.. تمتد دوني وصفاً صغير بمدرسةٍ عند باب المعظم والوقتُ.. بين الصباح وبين الضُحى لكأن المعلمَ، يأتي إلى الصف محتمياً خلف نظارته، ويكتب فوق طفولتنا بالطباشير، بيتاً من الشعر: - من يقرأ البيت؟ قلت: أنا واعترتني من الزهو، في نبرتي، رعدةٌ ونهضتُ.. - على مهلٍ.. قال لي، - تهجأْ على مَهَلٍ.. إنها كلمة ليس يخطئها القلبُ.. يا ولدي ففتحت فمي، وتنفست., ثم.. تهجأتها، دفعةً واحدة: - وطني- وأجاب الصدى: "وطني.. وطني.." .... .... .... .... .... (يقص) الصائغ، في القول عن المعلم ذاك في الوطنية، وعن نفسه يحكي، يساجل، بارع، بارع، في ذلك السرد، كأنه يتحدث إليك بحميمية، حتى لو كان يخاجل جيَدبته ودائماً... ينبض نصه بالحوار، حياةً، ووصفاً للمكان والحدث؛ ففضاء النص هو فضاء معلوم: ـ (.. إذا انتصف الليلُ.. واسوّد ليلٌ بلا قمر أو نجوم وصار الندى مبهماً في الحديقة سيدتي، ستجيء كعادتها، ستعبر هذا الحمرَّ الكئيب، وتمشي على العشبِ حافيةً لحظةً.. وأرى وجهَهَا ملصقاً في زجاجة نافذتي من هنا.. حيث ينكسر الضوءُ والوهمُ: عينان ذاهلتان، وشعر من الأبنوس قد اخضر من بللِ الليل، والتمعتْ خصلةٌ منه فوق الجبينِ، ومن دونما كلمةٍ، وبصمت المحبين/ سوف تمد أصابعها، وتشير إلى بنصرٍ نزعوا خاتم الحب عنه. فموضعه أبيض، مثل جرح قديم. وتبسم لي.. هكذا لمحة، وتغيب وتترك فوق ضباب الزجاجة هذا الحنين الغريب حنين غريب أنا.. يشبه القبلات حنيني سأبحث عن شعرةٍ عَلَقَتْ في الوسادةِ، قنينةِ عطرٍ.. علاها الغبارُ، قميصٍ به عَرَقُ امرأةٍ، أهذا.. إذاً، كل ما يتبقى من الحب؟" - (قصائد: 184) سردية، تقدم الحكاية كاملة، مكتظة بشعرية النص، كأن الشاعر لا يكتب قصيدة، بل قصة قصيرة. روائية، درامية، في آن.. وبذلك نجح، كما في دراما شعره، أن يكتب الدراما للمسرح"الباب/ ديزدمونه/ العودة"(22).. ومن الحوار بين اثنين صنع"اللعبة" روايةً. وقبلها في حواره مع نفسه كتب"المسافة"، بوصف مقتدر، خلل القص، تفيض"حسيات" حياة، تنتظم في كل ما يكتب. في المقطوعة القصيرة، كما في القصيدة التركيبية الطويلة، أو الرواية: ـ (.. خذ يدي ستسير الحرارة من بنصري) الصورة الحسية .... -(إذ ذاك سوف ترى أي شوق تكابده امرأةٌ يسكن الحب بين مفاصلها) السجال الداخلي .... ..... - عبثاً - بل ستنبت - وا أسفاه.. تأخرت ثانية - لا.. أنا عند لحظة حبك سيدة.. ما ترى أي قبر يناديك في جسدي - أحضروا كفناً للعريس الذي سيموت) الحوار، والحسي معاً. -(حزيران 1973) .... .... - وهو مُعلم في(الإيجاز) أيضاً، الإيجاز الثرِ الذي يفيض بالشعور وبالموحى الفنتازي. تتسع دائرة الفعل فتخرج على ترسيمة الكلمات: ـ (.. الليلة كان الكابوس مختصر جداً مائدة وزجاجة خمر وثلاث كؤوس وثللاثة أشخاص من دون رؤوس!) .... .... أو:ـ ( خيط من نمل أحمر يتحرك بين سريريَ والباب أنهضُ من نومي أسحق خيوط النمل بأقدامي وأعود.. وإذ أستيقظ ثانيةً ألقى بين سريري والباب خيطاً آخر أكبر .....) .... .... .... - ومن واقعية الواقعة يصنع"الفنتازيا"، بنفس المناخ الذي يصور فيه جوانب حبه، أو حياته: ـ ( حين جاء المقاتل عند حدود الوطن تحول جسمه شجره راسخ جذرها في السماء وأغصانها.. مثمرة..) تتوالى، وتتعاضد مستويات البناء، والأفضية، في هذا النص: - المشهد الأول: -وهو مشهد سلامي- برغم حالة المفارقة في الصورة؛ (المقاتل شجرة)- كناية تثري المعنى أسس عليها تفاصيل استهلالية المشهد، ثم بادر بخلق انعكاسات الحرب على الحياة: الشجرة/الإنسان/ المقاتل المكنى.. - المشهد الثاني: يغور، في البناء عميقاً، ولا يكتفي بالتأسيس الأفقي، في الاستهلال: ( هبتِ الريح لم تنحن شبتِ النار- جاء العدو.. تبدلت الشجرة مدفعاً والفواكه صارت قنابل والأرض من دونها: مقبرة) تشتغل السردية، هنا، على(الإيجاز) في الحكي، وعلى زهد اللغة في المتن الحكائي داخل النص، ولكن بمفارقة مخيلة، كما هي طرائق صياغات الصائغ حيث تنفتح القصيدة على مناخات أخر، وآليات: الحوار الداخلي: الوهج/ لحظات الصمت/ التحولات/ الرموز/ الدوال: الريح، النار، المدفع، القنابل، المقبرة. و"التخييل" -هنا- (الاسم- المسمى) لا ضرورة له،(هي) الشجرة-معرفة برمزيتها- ودوالها،.. و(هو) المقاتل بكنيته، موصوف بفعله، توحداً عند حدود الوطن في الانتماء والدفاع عن الأرض، حيث "الانتماء" -هنا- "معادل موضوعي" للقتال، للسجال، لحقيقة الشاعر، فلكل دهرٍ نتاجه الشعري! وكما نالت"المطولات" اهتمام الشاعر وعنايته. في الاشتغال بمنطقتها ومنطقها، قدم. في""الإيجاز" هذا التعشيق المذهل بين حالة"الواقعي" "باللاواقعي" المتخيل، أو بإلغائي في ثنايا"ما بعد" النص عند تأويل القراءة. في نتاج الصائغ كله، (الحب) يظل شاغله، (نوعه) الإنساني في: الحوار، التعبير عن الذات، عبر التبادل بينه وبين المعشوق/المحبوب.. ولكل يكون هذا الغطاء متاحاً، على العاشق أن يسجل الغياب أيضاً، يسجله على شكل"هو" الذي يمثل في كل لحظة، المنظور الوحيد للإنسان مقابل من يحب.. لكي يكون(الواحد) حاضراً، يجب أن يكون(اثنين): العاشق والمعشوق/المحب والمحبوب، نتلمس. في النصوص ذلك(الغائب)، نراه.. مؤكداً في الحضور، بالمحبة حيناً، وبالعتب المر، .. حتى لو لم يسجل الفضاء الرمزي ذلك(الغياب) داخل(حقل التخاطب) أنه لا يدمر الآخر" المحبوب. "الهو" في قصائده: و"الهي" الغائبة- المعشوقة- (الحاضرة)- استحضاراً، تذكراً، استرجاعات.. إذاً.. كل نص، مشغول بمهارة معلم، و(عفويته) الظاهرية(المخادعة)، صيغت بمكر.. فكل نص هو المظهر المحوّل إلى أثر، حسب التقنية الخاصة بشفراته وإشاراته،(بسيمياء) علاماته..، إن القصيدة لديه، سيرورة متجلية، أثر لتكوين المعنى، والمعنى الآخر، سياق مجموعة أفعال تواصلية، أو حالات...، بين شخصين، حالمين، عالمين، محبين، مختلفين، تدفع إلى مشاركة أو شراكة وشركاء، .في الفعل التواصلي، المتوالد النامي، المؤثر عبر خطاب الجدل، السجال.. ذاتياً أو مع الآخر.. فالمتكلم دائماً هو مع آخر، حتى لو كان يبدو-ظاهرياً- أنه يكلم ذاته، متفرداً بها.. كل نص استمد تماسكه الدلالي-إذاً- من وجود بنية عميقة منطقية- دلالية تعمل في آن كبنية دلالية كبرى يمكن اعتبارها"قيمة" النص، مما تستتبع بالضرور الانتباه إلى الاستدلال للأدبية، في السرد، لأن-منتجها- يدرك ماذا يفعل!!، ولأنها، بالضرورة، (شعرية) النص، شكلاً وجوهراً انطلاقاً من خصائصه النوعية. هي التي تجعله يشتغل. في منطقة الشعور عند المتلقي، وتميز مبدعة: معلماً، سجّالاً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |