|
||||||
| Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ الزمن الدائري! ـ "صديء السماورُ، وألتقت عاماً فعام خيم العناكبِ، في الجيوبِ وفي الحنايا.." حسب الشيخ جعفر -1- ـ «.. إن الزمن الدائري يجد نفسه في القصيدة الدائرية/ أو المدورة.. ولكنه ليس زمناً عائداً إلى النقطة الأولى، متوقفاً عندها.. إنه يتقدم أبداً في دورانه، إنه شيء من حركة الكون- الدائرية..» * (ويكون التجاوز: 431- 474) ..... ..... "الصَغّارة"(23) في "شعرية" الراهن، لدى حسب الشيخ جعفر، نص مفتوح، هو مادة الاختلاف ومداه في الحرية، الأبعد.. على مستوى: التعبيري/ الإفصاحي، والخالقية/ التشكل، والقناعة/ الفكر، والحلم/ التخييل.. هو(نص) اختلاف ومغايرة لسُنةِ التسينيين، وسُنّة(حسب) ذاته، ليس(الستيني) فقط، وإنما(التسعيني) الذي عاد إلى(حكمة) الصوفيين، والنفاذ إلى روحية"الصنعة" التراثية، صياغة وبنية، وكأنه ينسج(سوناتات) الحكمة، في هذا الزمن الدائري، شديد التعقيد، كثير الحلقات، متسع التضادات والأوهام والإحباطات. (حسب) يخرج، ليس في شعره الأخير كله؛ (السوناتات.. الخ)، بل في(الصغارة) المحاوَرَة والمشهدية والدرامية، عن وعلى، (مألوفِهِ) ومزدوج المفارقة(الخروجية) في(الاختلاف) و(المغايرة)، يكمن في الفن ذاته، كنسق، حيث جَمَعَ بين(النثر) و(الكلام)، و(الحوار) و(الشعر)، كأشكال تعبير، وبين(الواقعي)، و(النفسي) و(الفكري) و(الفنتازي)، كحالات تعبير، وأوعية هموم، وسخريات أقدار، وكفاءة أحزان، وتنوعات صياغة، إنه(نص) يناهض(فتح) التفعيلة والغنائية(الملاذ) لكنه وإلى(غنائيةٍ) يخرج- تفيد بالفعل من روح التفعيلة والأوزان والذائقة الستينية، إلى حد، لكنها تخرج-أيضاً- على(التدوير) الشكلي، إلى"الزمن الدائري" العجيب!، حيث الغربة والحزن الكثيفان اللذان لازما نصوص الشاعر منذ(نخلة الله)(1964) (القصيدة)، تعمقان مسارهما في الحاضر، بعد أزمات حروب وحصار، وتفكيك بنى وعلاقات، وغياب، وبَيْنٍ، وفراقٍ أليم.. هذا النص، (تَمَثلٌ) للزمن الدائري، الغريب العجيب، على وفق تداخل أبنية وسرديات عدم، حوارات وشخوص، ووصفية مكان أليف- يبدو: واقعياً، هو نفسه المسمى(المعروف)، لكنه ليس كذلك في غرائبية ما يجري، ومتخيل ما يحدث، حيث(يجلس) الموتى/ الأصدقاء: الساخر، والقاص والشاعر، ثم المهاجر، بغلائل شفافة- كالأشباح- عند(مائدة) صديقهم الشاعر/ المحزون/ السكران/ المهزول الذي يماثل"تمثاله"، أو الذي يماثل"التمثال" الواقف في حديقة المكان الأليف المسمى(حديقة اتحاد الأدباء) !- وهو مكان واقعي-لكن استحضار الشخصيات حالة فنتازية- نص مكتظ بالشعرية، ومؤطر بالتقريرية السردية، ومشحون بواقعية(ظاهرية) خادعة، لكنه نص غرائبي/ سحري... يرسم مشهديته التخييلية بمهارة فنطاذية، تتجاوز حدود الوصف العياني، أيضاً.. -كما سيأتي لاحقاً في ثنايا النص- كامل النص متواطئ مع/ومنغمس بـ/ تلك المفارقة المؤلمة ذات(الفكاهة السوداء) حيث القنوط الإنساني المتهدم على(أكتاف الحارس الليلي) بما ينطوي عليه من مدلول مغاير، أو منفتح على موحى، هو و"صفارته"، يبدأ من المكان، /ويتيه في المكان/ مدورة لاز مكانية، تصير.. حد أن(أكتاف الموتى) المخمورين، الذين(يحضرون) مائدة الشاعر، ويجالسونه، بكأس مليئة، وقنينة فارغة، تحمل الضنى وإلى الهم المدور الأزلي تصير أيضاً، حد(القتل) الأمام ناظري السكير، كأن(الأصدقاء/ الموتى) يموتون ثانيةً! هؤلاء المرئيون اللامرئيين، هم في الآن ذاته، موجودون داخل الزمن الدائري وخارجه، مجايلون-في الوقت نفسه- أوجاعنا، وضحاياها.. معاً! وهناك(معهم)، أولئك(المجانين) الذين تكون- على غير العادة- نوافذ غرفهم، لا كفضاءات ملاذ، بل أفضية حبس، في مستشفى(ابن رشد) و(ابن النفيس) حتى، وهم ينطلقون، تالياً، نازلين، إلى حديقة"الاتحاد"، يرقصون بشعور منكوشة! ..... ...... ـ فنطازيا(الواقع)، في الزمن الدائري، تلك، هي: "الصفارة"! وكأنها-بالفعل- تمسك بنقطة(المدورة) في التجربة، وتدفع بها إلى مدى دائري أبعد! لا تحاصره في الزمنية، أو تحده بها، بل تخرج به إلى كيانية أخرى، وكون أرحب. ..... ..... كانت نصوص شاعرنا، حتى"كِران البور"(24)، حيث ما ينيف على المئة سوناتة، واستمرار مثيلاتها في المنشور تالياً بمجلة الاقلام(العراقية)، تنحاز إلى آلية اشتغال واضحة في الكتابة الشعرية، لكنها ليست تراتبية. فالنصوص تدفع بجوهرها، وشكلها إلى(معنى المعنى)، /الخانة الأخرى/ "الطيّة" / فمحمولات قصائد(الشيخ)، حتى"الحكمية"، منها، تنطوي على تنويعات موروث، ذكريات أسفار، حياة..(25). حتى في(الترجمات) وسرد(السيرة الذاتية)، الشاعر يُدوِّر زمنه، في ذاته، وفي الآخرين: ما ياكوفسكي، يسينين، بوشكين، بلوك، إخماتوفا، حمزاتوف، باثيو، والشهداء وكأنهم أقنعة لحياته وشاعريته ومعاناته. نص(الصفارة) إبداع معاناة، وتدوير ذات، في الآخرين، يبدأ بالتأمل، و(ينتهي) بالتأمل، في واقع الحال: لا ينتهي، بل ينفتح على فنطازيا، ودوال تشتغل في عقل المتلقي إلى أبعد،.. يتميز النص بتداخله الاجناسي، ففيه مقاطع سردية/ قص وحكي/ هي متن حكائي داخل المتن الحواري، والشعر، والاستعارات.. نقرأ الوصف السردي كما يلي: - ((لم يعد يجرؤ فيمد يده إلى المائدة، وقد انصرف السكير عنه إلى القنينة والقدح، يتلبث الحارس قليلاً حائماً هنا أو هناك، ورويداً يبتعد يائساً في الممر الضيق إلى أن يختفي صافراً صفيراً اعتيادياً بعيداً خافتاً. في هذه الأثناء تقترب الشاشة بحافتها السفلى من الأرض . لا شيء عليها غير العناق العاصف بين الزنجي والشقراء ، غير أن الزنجي لم يعد هو الزنجي نفسه ، بل هو هذا (الوجه الآخر) الغامض للسكير، متبدلاً متلوناً، إنهما الآن يبدوان، وقد إنشقت الشاشة عنهما، أو كأنما هي قماش شفيف تنتزع الشقراء نفسها إنتزاعاً من بين يدي الرجل، وقد بدا غريباً لا ملامح واضحة له، غير عابئة بتوسله وتشبثه، وهو يتوارى تدريجياً مفتوح الذراعين خلف الشاشة، التي لم تعد تضم بين نصفيها المنفرجين قليلاً غير الشقراء وحدها. تخرج الشقراء متحررة من الشاشة. سائرة في اتجاه تمثال الشاعر الأعجف! تعود الشاشة مثلما كانت منبسطة على أسوار المزاد، عالية عن الأرض قليلاً، خالية من أي منظر أو صورة، تقف الشقراء بين يدي التمثال ممتلئة العينين حباً ورغبة عارمة، مادة ذراعيها إليه، دون أن تلمسه، منتظرة التفاف ذراعيه ويديه من حولها، لم يزل السكير جالساً إلى مائدته غير عابئ بشيء، ولم تزل الشقراء منتظرة، وهي تبدو كالمنوّمة تنويماً، كالسائرة في نومها، أو في عالم آخر غير عالمها المعتاد، غير أنها يائسة الآن فقد ذهبت اندفاعاتها المشبوبة دون طائل هي ملتفتة إليه فتقع عيناها لأول مرة على السكير المتأخر المنفرد عند مائدته تقترب منه وقد بدا لها (هو) نفسه ، وقد جلس إلى المائدة، غير أنه جامد ، هو الآخر صامت لا يتحرك كالتمثال الحجري. تقف الشقراء متفكرة محزونة، وقد أدركت أنها عاجزة تماماً. من أن تحركه إلى ذراعيها الممدودتين، فهو منشد إلى مائدته متوهج العينين رغبة بالرؤى والظلال التائهة، تدير وجهها وتمضي في الممر الضيق الممتد خفيفة الخطى إلى الشارع، إلى المدينة النائمة.."(26). هل يترك الشاعر، هذا المشهد السردي عائماً، غائماً، في مدورة الزمان؟ كلا.. إنه يقطع على حوار مع النفس: -(السكير: (وحيداً محدقاً في الفراغ): ما من أحد، لا جلاّس لقد انصرفوا، انصرفوا من أعراضِ السُكرِ القرفُ وربيع الخمر، الإفلاسْ..) -ثم يتلو ذلك بسرد قصصي (حكائي): (فجأة تنفتح نوافذ الطابق الأرضي من المستشفى الخاص الملاصق لحديقة الاتحاد عن المجانين بأكاليلهم وأثوابهم الغريبة. يقتحمون الحديقة، يحيطون بالسكير المنفرد، دائرين من حوله راقصين، محتفلين حفلتهم الليلية المتكررة المعتادة.. السيدات بشعرهن الطويل المحلول، والسادة برؤوسهم الحليقة"(ص38) -هذا (الحرث المشهدي) في أرضية المخيلة، بألسنة متعددة: الحواريات الشعرية /السرد الحكائي/ يدفع بالنص إلى مرارة الموقف، حيث تتحرك الأشياء والكائنات إلى (نهايات) النص، لكنها تتحرك، حقيقة، إلى فضاءات مفتوحة حيث: - الشاشة غير الشاشة - السكير/ التمثال/ الشاعر/ القاص/ الساخر/ النادل/ المهاجر/ المجانين/ الزنجي/ الشقراء/ الحارس والصفارة: المكان وعناصره..، كلهم تغيروا.. ولأن الشاعر يحلم- دائماً- عبر نصوصه، بالتغيير، ويؤمن بالجدل، "فالديالكتيك" يتغير- هنا- تماماً كالنص وعناصره: شخوصه وأفكاره- بالضرورة- تماماً كتغير المجتمع، ومع تغير المجتمع والإنسان، .. -تحديداً- باعتباره ذاتاً! ولأن مدورة الزمن قاسية، الآن.. حيث انهيارات الإنسان أكثر من انبهاراته، وآلامه وخسائره أكثر من أفراحه وانتصاراته، وخيباته أكثر من بطولاته..، فالنص-عموماً- عند حسب الشيخ جعفر، و"الصفارة" -تحديداً- يبحث عن(الحقيقة الجمالية) ولكن عبر"المكابدة" في التأمل، والحياة.. لذا، فإن مقدار"العملية الإبداعية"، واستيعابها، يجعله قلقاً، وأحياناً غير مؤمن بما وصل إليه، أو حتى ما كتبه ظرفياً لصالح"الإعلامي" وليس لصالح المعرفي- الفني، فيسعى، إلى تجاوز موجوده إلى ما هو أثرى واغنى إبداعياً، وأعمق في سيرورة الإبداع، وجوهره، لا حوله ولا دعاية له، فيدخل محاريب التجاريب، ولا يتوقف عند إعادة صياغة الأساطير"تشعير الأسطورة" و"الحكايات" والأمثال والأقوال والحكم، أو"أسطرة" مواد الواقع، ليحيله إلى واقع النص،.. وعبر الزمن الدائري، في النص ذاته، منذ"نخلة الله" حتى"خيط الفجر" آخر قصائد"عبر الحائط.." أو"ذقون في الرياح" آخر قصائد"كيران البور" أو"الخواء" آخر قصائد"أغربة وأتربة"(27): ـ (صديء السماورُ، والتقت بين الزوايا خيم العناكب في الدخان الرخو كالغبش البليد وتخلل المقهى البلى، واحدودب الساقي الوحيد واستوحشت في ضوئه الخابي المرايا وخبتْ بأخيلةٍ لها، وتبدل المتعهدون! وطوى الردى صحفاً، وما انفك الضيوف يتداولون الرأي في أنبائها، ويخففون شاي الظهيرة في اختصام صديء السماور، والتقت عاماً فعام خيم العناكب في الجيوب وفي الحنايا!." ..... ..... ..... ..... ..... بين(الزوايا)، إذاً، و"الحنايا" (خيمت العناكب، بعد أن صديء السماور!) وذلك هو"الخواء" الذي يفرزه الزمن الدائري، فالعناكب خيمت، في الجيوب أيضاً، وتماماً، كما لمعَ النارَ في"الحداةِ"(28)(الليل والصموت) شَمَل الغلا، ... الزمن الدائري يكون من لمعة النار إلى الجفون المتقرحة، وإذا"خبا النهار" لم يعد ثمة من فائدة لهز الراقدين وإيقاظهم: "لعلنا لم نَصْحُ مذ صلى الولي بنا ونام!" إنّه التحذير... إذ لم يكن يدري بأن الجلود المتسخات هي (السنا)، هكذا جعل "الحداة" يتوجهون إلى ذواتهم، كأنّهم يديرون الزمن نحو الانكفاء. لغة تستند إلى الشروح والتفاسير وتعتمد عليها، كأنها مقدودة من معجم (ميت)، ومن كتاب الحكمة القديمة، ومكتوبة في زمن هجري عتيق! مناخ أبعد ما يكون ظاهرياً عن المعاصرة، روحاً ونفساً وصياغات، لكن (حسب) يخدعنا بمظهر "حكمياته" هذه، لأن نصه، الذي يقدم، في حاضرنا، يتموضع في (المعنى الغائر)، الذي في العادة، هو (جوهر الكلام) المضاد، في زماننا. إنه شعرية المعنى، في سياق زمن دائري(متخلف)، وكأنّه ما قبل المدنية!، ليضخ مدىً للتأويل، أبعد من ظاهر الحالة الصياغية، مهما تقيدت النصوص بقافية أو تربيع أو تثليث... لأن هذه النصوص -في الجوهر- تطلق "حكمتها"، ضد الزمن الذي خسر حكمته!... وهنا يكمن (وعي الضد). في المخالفة والمغايرة. ............... -2- ـ لم يعتبر الشاعر، القصيدة المدورة، لوناً أو تياراً ، بل هي -كأية محاولة- "ليست شكلاً نهائياً"، وبالتالي "سيجد الشعر منطقه الجديد في كل مرحلة"(29)، وهكذا يتخلق مفهوم (الزمن الشعري)، من وجهة نظر الشاعر، بحيث يعتبر (الشكل) هو (حركة التجربة بأبعادها كلها)... إن حركة التاريخ هي التاريخ نفسه، وإن تجربة الشاعر هي تاريخه الإبداعي، لذا فهو يحث نفسه دائماً، في بحث دائب، كي تكون قصيدته(اكتشافاً مستمراً) داخل حركة العصر وإنسانه المتعب، فنراه يجاهد في إيصال رؤاه وتداعياته كلها، وحسيته أيضاً، في الحركة الدائرية التي تتشكل منها(الجزئيات) بين(الواقعي) و(المتمنى)، بين(المتخيل) و(المحسوس)، بين(الماضي) و(المستقبل)، فتنبض نصوصه، وبالذات قصائده المدورة، بفيوضات الحياة اليومية، مشهديتها، واستعمالاتها، وكذلك: الحسية الغريزية! أما الانتفاض على الواقع المر، في شعر حسب، فقد تحول من(التحدي التحريضي) في(قصائد) الستينات، إلى(الحكمية،)، الغرائبية، التضادية، الرافضة، الآن.. (فالفنطازيا) و(الحلم) هما وسيلتاه في(الزمن الدائري) داخل بنية النص الذهنية، لأن الواقع ذاته فقد خواصه الواقعية فبات لا واقعاً.. وإذا كان(الاندماج بالماضي): بالريف/ بالمعشوقة/ ثم بالمدينة وصخبها(تجربة موسكو) لم يولد رفضاً لصوفية إشراقية بل منصة للركون إليها في تجربة الشاعر المضمخة بالألم والحرمان والغربة. وهكذا يدرك، بوعي شعري، أن(حصاراً) تطوقه به(معطيات) بيئته ومحيطه وظروفه، في سياق عوامل نموها أو انحدارها، ونتائجها وانغلاقها تماماً على الخيبة، لا يمكن أن تخلق نصاً متفائلاً- ثورياً- كما هو وهج قصائده الأولى. إنه الآن، وفي هذا الآن الصعب، حياتياً وثقافياً واجتماعياً وسياسياً، يحقق- بصعوبة- التوازن بينه وبين العالم/ المحيط.. عبر الإبداع الفني الذي هو نقيض(الغربة) و(الأسلبة) و(التغريب)، وتعويض عن الاعتيادي الذي كان يشتقه فناً. هل يقبض حسب الشيخ جعفر- الآن- على الألق الشعري(العجيب) الذي يكمن في(الشيء) (الاعتيادي)، كما قبض(فان كوخ) على جمالية ذلك الكرسي المهمل، ليحوله بالرسم إلى(أعجوبة) جمالية؟ أو ظل(مغترباً)، لأنه لا يملك حتى(الأشياء الاعتيادية)، ولا يهيمن عليها، لذا فهو يحس(بالغربة) تجاهها، كما تجاه الحياة والعمل والعلاقات، و(الثقافة) السائدة؟ حسب لا يمتلك(شيئاً)، لأنه لا يمتلك(الحاضر) كما لم يمتلك(الماضي) لأنه انتهى، لذا فهو يسترجع ذلك الزمن-شعرياً- يحوله من(زمن الواقع) إلى(زمن النص) وإن أضفى عليه ظلال كآبته وخيباته، وحزنه الشفيف أو المعتم... ذلك ما كان عليه"لون" أشعار(حسب) كلها.. لغاية أواسط السبعينيات.أما الآن وبعد مضى ربع قرن تقريباً على صدور ديوانه الرابع، وبعد حربين ضاريتين، ومجاعات وحصار وخيبات، الشاعر يعجز عن تحقيق أبسط أمنياته، واحتياجاته، ورغباته.. فكيف ينظر إلى(مدورة الزمن)، وكيف يعبر عن ذلك الزمن الدائري داخل النص؟! إنها فاجعة، من لا يملك سوى موهبته، وطاقته المحبوسة، لذا نراه يدير خط دائرته باتجاه الغور عميقاً في (الداخل)،.. (حركته) هي في(سكون المكان)، ولكن داخل(مسافات القراءة) وشعابها وتجارب أصحابها وأحوالهم، وأهوالهم، بخاصة أولئك(الزهاد) و(المتصوفة) و(الفقراء) و(العشاق) و(الشهداء) والمعذبين في الأرض. قد يقرأ عن الترف، ولا يعيشه.. فيحفر عميقاً في طيات الوجود النفسي، حيث رغيف الخبز أثمن من كأس العرق، وحيث عشاء الأطفال أهم من قميص نظيف. ـ صاح البهلول: (فأمنِنْ، وأزلْ عني الغشاوة أنتَ لم تفتأ تعض الخبز أو تلقى(الأداما). وأرى في القشرة العفراء ريّاً ونداوه قال: (فأتمم وأفدني... شحَ بالنصح الندامى)(30) ...... ...... ...... ـ (الشاعر) جرد من أية حالة تملك..، ولأن"الملكية، دائماً، تقف في وجه الكيان الإنساني- حسب سان جون بيرس في: مدارات- "إنما فخر الحياة في اقتحامها لا في استهلاك الشيء ولا في تملكه.." ولأن(الشاعر) لا يمتلك(الشيء) ولا يستهلكه، يقتحم الحياة عبر حكمة الزهاد، ومزدوج: البساطة والغربة.. (هو) ناءٍ، وتلك ميزة(أبطال) نصوصه الشعرية، وسردياته، في آن[رماد الدرويش] -مثلاً- ودائماً(البطل) يحب(المعشوقة) النائية(الملكة السومرية) أو(بطلات) حياته في موسكو، فالآخر المخاطب، غائب، أو مغيب، إلاّ في الذاكرة(الغنية)،.. ودائماً ثمة قصائد(الذكرى) "قهوة العصر" -مثلاً-(ص: 90)، و"غمامة من غبار" ، و"ورقة من بيت الموتى" و"سفيتلانا" حيث"الليل يطول ويشبع قلقاً حتى الصبح". ولأن"الريح" تدفع إلى حركة دائرية، ربما، أو إلى هلاك، فإن لها وجوهها في النصوص ففي ديوانه"نخلة الله" وحده يتكرر معنى"الريح" ورمزه ودواله، أكثر من(ستين) مرة: "يا حسرة في الريح" /"صوت في الريح"/ "عبارة الريح"/ "ذئاب الريح"/ "الحنين كالريح"/ "الريح كالسكين"/ "باب الريح"/ و"الرياح ترجع من رحيلها" .. الخ. (فالحسي مقترن بمعنى الحسي) فالصوت والمعنى متلازمان ولا تباعد بينهما.. لذا فـ(الريح) فاعل في الزمن الدائري، لأنها"فعل" متحرك، يختزن الطاقة ويعبر عنها(إن السماع مقترن حقاً بالنهم، وعند الإنصات إلى صوت الريح يكون الصوت غير مفكك، والريح هي التي تحدث الصوت، أي لا معنى لصوت مجرد). ـ وفي كل ذلك وقبله وبعده، يظل"الجمال" يسفر عن وجهه، حتى وإن من خلال غلالة الفقر: "الجمال الخالد" الذي أطلق عليه(بنجامين) مفهوم"الصورة الجدلية"، نجدهُ في نتاج الشاعر وتحديداً في تجاربه الشعرية الأخيرة ، حيث يسعى لأن يجعل " الجميل" مصنوعاً / بالرغم من جحيم القبح والخراب في الواقع(الواقعي)، /من عنصر أبدي لا يتغير، ومن عنصر نسبي(ظرفي) يشكل (الحقبة)، (الموضة)، (الهوى)، حتى لو كان ذلك غير مفهوم، وغير متكيف والطبيعة البشرية. ...... ـ والشاعر يتكل على وسائله الخاصة كي لا يجد نفسه بعيداً عن(الحداثة) نفسها، إن لم يكن في مواجهتها، ولكن القراءة الشكلية العجلى لقصار قصائده الأخيرة، توحي باحتماء الشاعر(بالنموذج) الفني القديم، ناسياً أو متناسياً، أن تفاعلية(الانفصال) عن مثل هذا(النموذج/ الفني/ القديم، قد بدأت في مطلع القرن الثامن عشر بفعل"النزاع" بين(القدامى) و(المحدثين).. نصوصه لم تنس: "إن الفن الطليعي يكوِّن نفسه" (هذه السمة المثولية الحضورية هي أساس القرابة بين الفن والموضة والجديد، وبين وجهة نظر المعدم البطال والعبقري الطفل، اللذين لا تتوفر لهما الحماية من أية إثارة تشكلها أساليب الإدراك المعتادة والتقليدية.. في نظر- بودلير، مثلاً، -تلتبس(التجربة الجمالية) بـ(التجربة التاريخية) في مجال الحداثة. ففي(التجربة الأساس) حول (الحداثة الجمالية) تأخذ مسألة(التأسيس الذاتي) شكلاً أكثر حدة بمقدار ما يقتصر أفق التجربة الزمنية على أفق الذاتية(Suhyectivite) المنفصلة عن مركزها، التي تنحرف عما اصطلح عليه الناس في حياتهم اليومية، ولهذا يحتل(الإنجاز الفني) الحديث-حسب بودلير- مركزاً فريداً عند تقاطع محوري(الوجود المؤقت) و(الخلود): " الحداثة هي الشيء العابر، الزائل، العارض إنها نصف الفن الذي يشكل الخالد الدائم نصفه الآخر" بعد، الآن، تحيل الحداثة، من وجهة نظر نصوص(حسب الشيخ جعفر) الأخيرة(31). إلى وجود(حالٍ) يذوب، ويفقد امتداد زمن الانتقال، الزمن الماثل، القائم، الممتد فوق عقود عدةٍ، المكون في الصميم من الأزمنة الحديثة، أي: (الزمن الدائري) الجديد والمحاصر، معاً. ذلك أن(الوجود) الحاضر لا يستطيع أن يعي(ذاته)، في مقابلةٍ و(مقارنةٍ) مع حقبة قد مضت ورميت، في(معارضة) صورة للماضي، وهو.. لا يمكنه أن يتكون إلاّ بكونه"تقاطع الزمن مع الأبدية"(32). ـ "الحداثة مشروع غير مكتمل"(33). فالحداثة" وعيها للزمن، وحاجتها أن تجد في ذاتها ضماناتها". هذا ما يبحث عنه شاعرنا، دائماً.. حتى في الانكفاء نحو لغة الزهاد، وتلك مفارقته الضدية، الأساس، في وعيه المخالف والمغاير والرافض للسائد الشعري والثقافي والحياتي. لكن"بفضل الاتصال المباشر بين الحاضر والأبدية، لا تتوصل الحداثة- التي يؤمن بها شاعرنا- بالطبع إلى أن تقتلع ذاتها من(وقتيتها) الحاضرة، ولكنها تتفادى الابتذال..، وكما عند بودلير، إنما تهدف(الحداثة) إلى أن تجعل، بنوع من الأنواع، (اللحظة العابرة) وكأنها(الماضي الحقيقي) لحاضر سوف يأتي! إنها(الزمن الدائري)، حيث يتداخل-فيه-: الماضي بالحاضر بالرؤى..، والحداثة، تثبت نفسها في"مدورة" الزمن- تأكيداً لقيمها- كما(الشيء) الذي سوف يصبح(كلاسيكياً) في يوم من الأيام. هذا المفهوم للزمن، المتجدد، يبرر القرابة بين(الحداثة) و(الموضة) بالنسبة إلى(النص المفتوح) في التسعينات، .. النص الذي زاوج فيه شاعرنا بين السردية، المبنى الحكائي، والغنائية، الشعر الذي داخل بنية الحوار، يشتق له تفعيلة وموسيقى، وأحياناً قافية: السكير: (مصفقاً بيديه، هاتفاً بالنادل): عَجّلْ بالخمر وبالمزّه عجل بالخمر كريم النادل: (مقترباً مبتسماً، مستبشراً بالخلاص): قنينةً، أستاذُ، تحملها معك؟ السكير: (مشيراً بيده إلى أصحابه الثلاثة): بل للضيوف كما ترى عجل بربك يا كريم! هي خطوة أخرى وتنعم بارتياح... وقبل ذلك قدم الشاعر وصفاً للمكان الأليف، (الحديقة الخلفية)، وحدد المسمى(حديقة اتحاد الأدباء) العتيقة المهملة، وممرها الضيق، وشجيراتها الواطئة، المتباعدة بأزهارها الحمر الكبيرة الذاوية، ووصف(المكان المجاور): "المزاد"، ولكن من خلال أسواره العالية وهي(تشف) عما خلفها من أثاث معروض للبيع،.. والمزاد خال الآن لا يضيئه غير مصباح واحد. الجانب الآخر: المستشفى(وهو مستشفى خاص بالمجانين من أصحاب الملايين) (مظلم) -الآن- و(مغلق النوافذ).. في(الفسحة الحجرية) الصغيرة من حديقة الاتحاد يقف تمثال الشاعر الأعجف المحزون متقوس الظهر ناتيء الضلوع بؤساً وهزلاً. والحديقة وهي كأية حانة صيفية أخرى، خالية إلاّ من السكير المتأخر، المنفرد عند مائدته، وهو يبدو نسخة ثانية من تمثال الشاعر المحزون. انفض السامرون، إذاً.. وعلى بعدٍ يلوح النادل كريم(وهو من أصحاب الحانة) السكير(الضيف) أمامه أو يرافق الكأس الملأى والقنينة الفارغة، والوقت جاوز منتصف الليل بساعتين في الممر الضيق، الممتد بين الشجيرات المزهرة، تتقدم(أشباح) الموتى الثلاث، وهم: الساخر والقاص والشاعر حيث يهدي(حسب الشيخ جعفر) هذا العمل إليهم، (في ذكرى: موسى/ ولطيف/ وسلمان ويقدم لمحاورته هذه بنص مستلف من أبي نؤاس، هو، هنا، مفتاح(المشهدية) كلها وموجهها في القراءة: "سهوتُ، وغرني أملي وقد قصّرت في عملي" وليس تحريفاً لقول أبي نؤاس، ولكن"سهرت" -لو جاءت- لطابقت المعنى أكثر ظاهرياً، لكن النص، ضمن الزمن الدائري الذي أخصبه، يجعل من"سهوت" ذات دوال منفتحة، وإلى أبعد، فالسهو/وإغراء الأمل/ جعل الإنسان(يقصر) في العمل!، وبذلك يفقد الفرصة التاريخية، وتدور عليه الدوائر، حتى يغلبه الحزن، وتغالبه الغربة، فيعيش مع(الأشباح) لأنهم(امثولته) في الماضي، ولذكراهم قوة اليقين، فيضفى على المكان(تغييرات) (مخيلاتيه) بحيث تبدو مستشفى ابن رشد لمكافحة الإدمان على الخمرة، مستشفىً خاصة بأصحاب الملايين، ومثلها مستشفى ابن النفيس الحكومية الخاصة بمرضى القلب، تماماً على نقيض(واقعيتهما)، وكأنما المرضى الذين يذهبون إلى تلك المستشفيات(الحكومية) هم(مجانين) بالفعل!.. إنه(أمكنة النص) بقدر ما تحمل من ظلال واقعية، فهي ليست كذلك،.. كما أن الأشخاص أصبحوا(أشخاص النص) (الأموات) الذين يشاركونه المائدة وكأنهم(أحياء): .. (وأسرع، فأنت(أبو المروءة) من قبل أن تقع النبوءة! وتطيح بالأرض الزلازل والسيول) هكذا(يقول) /الشبح/ الساخر وهو يحث النادل أن يلبي طلب(الأستاذ/ السكير)!، ويعقب (السكير) متذكراً بغموض: (إلاّ حكايات النساء)، وكأن حكايات النساء لن تطيح بها الزلازل، إنها(فوق أرضية) جزء من(الماورائية= الميتا)، فهي( في منجى من السيول) أيضاً، متضمناً(المعنى) الظاهري تشظيات إيحائية لمعان متوالدة..، وهي-في ذات الوقت- فكاهة سوداء، مفارقة ضدية، تعبير عن غربة في الحب والنساء، وإحالة إلى حرمان، وأذى من"كيد النساء" و"حكاياتهن" التي تظل-وحدها- ضد عوادي الزمن الدائري هذا، بل في صلب مدورته العاصفة، الفنطازية، اللامعقولة. هذا المشهد يكتمل بحوارية الشاعر، مترنماً، قارعاً المائدة بيده: (هات وأسكبهه مراراً صفق الديك وطارا) [قل رجاءً يا أبا نواس-أما تزالون- في هذا العالم الرابع غير المأسوف عليه، تكتبون القصائد المقفاة الموزونة؟ ألم تكتفوا بعد؟ لقد انفجرت قنبلة النثر الذرية وتطايرت أوزانكم في مهب الرياح العاتية! قططٌ، قططٌ، ولها ذنبٌ السكير: صبراً، صبراً، يا سلمان الشاعر: قطط، قطط.... ....] (فجأة ينضم إليهم المهاجر ممتلئ الجيوب كالمعتاد بأرباع القناني، ولا أحد يدري كيف جاء، أو من أين جاء ممتلئاً عافية، وهو يردد ضاحكاً فرحاً باجتماع الشمل حول المائدة: أيها الساهرون تحت الترابِ صحصح الليلُ في صحون الغرابِ) وهكذا، بين السخرية، والنسيج على منوال تأملاته، حكمياته، الأخيرة، يشتغل الشاعر على تضادات الحياة، وعلى لسان السكارى يطلق بلا حرج. شتائمه على الزمن الدائري، الخانق والمعذب، كسورة الماء حين تختطف الجسد الغريق، بأياديها المائية اللدنة، وتنزل به إلى قاع الاختناق والموت المائي. (المهاجر) يصرخ: (صفري صفارة العدم أنا في خمارة السُدُم) وكأن العالم انتهى،.. والزمن يضع في مدورته، هذه النهاية الفاجعة، حتى بالنسبة للمهاجر ممتلئ الجيوب بأرباع القناني! .... النص ممتلئ بالشطحات المخيلاتية، والانتقادية، التضادية الساخرة، والفلسفية الحزينة السوداء، أيضاً..، إلى جانب التوريات في كنايات الأقوال والجمل: (وأعذر فما في القِدْر باقٍْ ذهبت بها أيدي الرفاقْ) تأتي على لسان(النادل) حاملاً(صحن المزة): السكير(يكفينا الحُمص أَقواتاْ أسكرتَ الليلةَ أمواتا) على لسان كل واحد، يطلق النص دعاباته واختراقاته الجنونية، وأفكاره وهواجسه ومشاغل أبطاله وسخرياتهم، وألمهم القاني، وخساراتهم.. وعلى لسان كل واحد، يتكشف النص عن مستويات رؤى، وأبنية فكرية، وهندسة كلام، من (مضامين) (جد معاصرة)- كما تبدو، في نص حر مفتوح، بخاصة على لسان(الشاعر، صقيل الذاكرة، والمخالف في الصور والأقوال لمجايليه، حد إن"الصحائف الثقافية" تتخوف منه، والناشرين يتعوذون، وعبر أشعاره يضع وصمات عار هذا الزمن واصفاً بعض عفونته): ـ (مريخيّون يزوِّرون إجازات المرور وصرافون يتسلقون أعمدة الجرائد عبثاً أحدق في منديلي المبقع بحمرة الشوندر باحثاً عن آثار القبلات.....) أو على لسان(الحارس)، المنبه، اليقظ، الناصح، النذير، المهدد: ـ (قلنا وما سمعوا ونعوي قائلين يا عصبة المتعطلين الخاملين إن لم تفيقوا صاغرين بلا اتئاد سيهد إسوارَ المزاد صراخكم سيهد أسوارَ المزادِ يا عصبة المتشاعرين إن لم تفيقوا صاغرين... ...) ويحرك(الحارس) المشهد، ينظمه، بدءاً من إطلاق صفارته بصوتها المبحوح، وانتهاءً بتحريك ضوء مصباحه على الشخوص واحداً، واحداً، ونقلهم إلى الشاشة، حيث يقفون هناك مديرين ظهورهم إليها: (ينتزع الحارس بندقيته عن كتفه ويطلق، في اتجاه كل صدر من الصدور الثلاثة، إطلاقة واحدة.. تنشق الشاشة عن الظلمة الأبدية، فيختفي الأصدقاء فيما وراءها. تنغلق الشاشة من جديد، منبسطة على الحائط مثلما كانت، وقد ارتفعت بحافتها عن الأرض تعرض مشاهد الحانة العنيفة الصاخبة، ويبدو الزنجي والشقراء في منظر غرامي حافل بين جثث القتلى وحطام الحانة المتناثر على الأرض.. يتوارى المجانين غير عابئين بالشاشة ومناظرها، وقد أطفئت نوافذهم وأغلقت عليهم، يقترب الحارس من السكير، وقد أعاد مصباحه إلى جيبه، وتنكب بندقيته، يقف عند مائدته ويصب البقية الباقية في الأقداح الأربعة في قدح واحد، يتجرعه سريعاً، متناولاً شيئاً من المزة، يعيد القدح في هدوء إلى المائدة، ويتأمل النوافذ المظلمة والأشجار والممر الضيق الممتد بين الشجيرات..) السكير: (متغافلاً عن الحارس): لقد انصرفوا.. انصرفوا الأفق بعيد والريح تُعيد ضحكات الصحبِ، وما اقترفوا..) وبعد أن يتلمظ الحارس، ماسحاً فمه براحة يده، تذهب صرامته وجبروته، ولم يعد إلاّ حارساً اعتيادياً، من الحراس المكدودين، يشاطر السكير سهرته!، يشاطره(بقية) الزمن الدائري، ثم.. يختفي صارفاً صغيراً اعتيادياً بعيداً، خافتاً. وينفتح المشهد الختامي على المجانين يحيطون بالسكير المنفرد دائرين من حوله راقصين! ..... ..... ..... ـ (نص) ينثال فيه الشجن، من أوله إلى آخره. حتى ما يتبدى فرحاً عند(الأصدقاء الموتى) وهم يشاطرون السكير سهرته، هو مقارب حاد لوجعهم المعتق. في هذه الدورة الزمنية، الأصحاء يسكرون ألماً. والأموات يقتلون ثانيةً! والحارس يمضي مكدوداً، بعد أن"صحا" وهو يثمل! ليعود إلى(طبيعته الإنسية) بعد أن أصبح(قاتلاً) للموتى متلبساً صرامة الدور(الوظيفي!). ... إذاً، ولا على(السكير) حرج!.. أو على(المجنون!)، ما الفرق، هنا، فالسكران هو أكثر الناس صحواً، والمجانين هم الأكثر تعبيراً عن رفضهم، ضديتهم! كذلك يعطينا هذا النص الممتلئ، تلوينات حياة، وأفكاراً وصياغات ناقدة، "شعرية" الشعر القديم، وبنائيته، و"شعرية" النثر، أو"قنبلة النثر الذرية" حسب الشيخ جعفر لا يحتاج، هنا، إلى إعلان كفاءة، بالذات في الشعرية، وحداثوية المنحى، والمعطى. هنا، أراد فقط أن يكون"رديفاً" حقيقياً لأبي نؤاس، في سخريته، وحياته، وخمرياته، ووعي الضد لديه! من خلال إمساكه بالزمن الدائري، صاحياً!.. .... .... .... .... * حيث(الموجود) و(الوجود)، يلتقيان-هنا- في وضع مشترك، يتطلب النظر إلى(نص) اعتراضي، تقريب مشكلة الفهم، التي أصبحت(منفصلة) عن(قضية التواصل) مع الآخرين، ( قائمة في ارتباط الوجود بالعالم، في ذلك الاندماج الفاعل بين( الذات) و( الموضوع) خارج موضوع(التباعد) الذي قضى على(الذات) بأن تكون ذاتاً(شريدة) في عالمها الأرضي،. وعلى(الموضوع) بأن يكون(صنماً) فاقداً للحركة ونبض الشيئية فيه، كما رسمه(النص)- تمثالاً لشاعر أعجف. (إن النقلة في هذا المجال تعني التحول من حقيقة التواصل إلى الاكتشاف، ويكون العمل التأويلي بذلك مغامرة متواصلة تكفر بالمسبقات الفكرية والمنهاجية بعد أن كان تشريعاً لفهم وجود نصي مضى عصره وانقضى، كذلك يهدم الفكر فكره كلما سعى إلى تأسيس عصر جديد)(34) (فالموجود الذي يتساءل عن(الوجود) انطلاقاً من أوضاع ومشاريع محسوسة، يقارب(اللغة) لأنه لا يتشكل ولا يتمظهر خارج نسيجها..) من هنا يبني الشاعر(نصه) على أساس ما يقدمه من نسق يخترق فيه أنساقه السابقة، ويمنح الحركة في داخل النص ذلك الدبيب، نشداناً لعالم أفضل، لحياة صاحية، وليست سكرى. وإن هو آثار قضية(الوجود) المنسية، ليضعها في نقطة الضوء من منطقة اشتغال النص، حين أعاد(للموتى) قوة حضورهم، ليكونوا، أيضاً، شهوداً على هذا العالم الرديء، والزمن، الذي انهارت فيه(زمنيته) وتشاكلت مع مشهدية(الشاشة) التي يخرج منها(الممثلون)، كأنهم، مجانين عصر-مجنون أيضاً- لأنه عصر"الحانة" و"القتلى" و"الزنجي" و"الشقراء" (البغاء) والانتقام(العصبي) (العرقي). إنه عصر ذلك الزلزال الكبير، أو الاهتزاز، الذي أحدث شروخاً في(نظرية المعرفة التقليدية) كما أحدث شروخاً في(معنى الوجود) و(الماهية)، حيث تستلزم المواجهة(مقارعة) (الوجود) (بالوجود)... وهذا ما قدمه(نص: الصفارة)، مضافاً إليه، عنصر التخييل، وتركيب اللامعقول/والسوريالي/ في صورة(واقع النص)، لأن(واقع الواقع) لا يحتمل هذا التبديل، كونه(هو) أصلاً، في الحقيقة، والتشيؤ، هو في(جوهره) أيضاً. وإزاء ذلك، لابد للقارئ الساند، المعاضد، الناقد، لهذا النص، أن يفكر(بالكلام)، الماوراء ظاهر المعنى،(الكلام) الذي لم يقله النص جهاراً، وقاله مضمراً... وبما لم تكن"الحبكة" التي قدمها نص"الصفارة" إحترافية بالكامل، لكنها في نسيجها، تمظهرات علاقة/أو علاقات/ تثير أسئلة الوجود، باعتباره"مأساة ميتافيزيقية" لكن لها جذورها-موجودها الوجودي- في صلب الواقع، وهو التأويل الأكثر جاذبية وخطورة في فهم المستحيل الواقعي.. ومنعرجاته، وثنائيات الدال والمدلول، ومن ثم مدلول الدال ومدلول المدلول: (إن الشعور بالوضع والفهم معاً يعد من عوامل الوجود الأساسية، التي بها يكون وجود"الهُنا" ويتكشف الوجود- في العالم)(35) في آن. (وعندما يُبلَّغْ(الملفوظ)- من خلال عناصر النص ووحداته- يصبح مشتركاً بين المتلفظ والآخر المتلقي) وبهذا الفهم، يمكن لأي(نص جديد) أن يقدم حفرياته في المعاينة والكشف عند تأويل القراءة، لا(القراءة) النمطية، ومن خلال قارئ مساند/معاضد، ناقد، كي يستوعب جدوى الحكاية، التي أسست عليها(الحوارية/ المشهدية/ كنص"الصفارة"/ مداميكها، ورؤاها وفلسفتها. وهذا ما يعطي للزمن الدائري، كمفهوم، بعده(التطبيقي) في جوانية النص، وليس فقط في تمظهراته. كي ينغرس المعنى، الذي يقدمه(الملفوظ) في أرض التفسير والفهم والتأثير على المتلقي، ليجعله يشارك منتج النص في هموم نصه وتأويلاته. ـ .. إذاً.. ليس الشيء مجرداً من شيئيته، لذا فإن"ما وراء التكلم"إنصات لابد منه، يكتمل حين تتجسد(الظاهرة) بشيئيتها، واضحة، في المعنى، وفي المنطق، حتى لو بدت حالات عرض(هذا المنطق) لا واقعية... وأكيد، أن المتلقي، لا يركن إلى"اللاشيء"، بعد(سماعه) الصفارة!.. إن تأسيس(معرفة السماع) هنا، تمنح(الصمت) الذي يلي، طاقة(كلام). لأنه(خطاب) ينفذ إلى عمق النفس، المفجوعة، بخاصة، في زمننا- زمنها- الدائري. وهكذا تكون(الصفارة)- الفعل- لا- النص بمجمله- نذيراً للآتي. وهذا ما يجعل(النص) لسان تحريض،* ضد الزمن الدائري، وضد جوره!* |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |