|
||||||
| Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ هـموم مروان ـ (وأقسى من الموتِ، غدرُ..) شفيق الكمالي -1- ـ مداخلة: ـ أي فعل تضامن تاريخي تطرحه جدلية القصيدة التركيبية، المؤسسة على أفراح الشاعر الحزين(الثوري)، ضمن صبوات الخيال الشعري والحلم الثوري، معاً؟ المشكلة تكمن في مغامرة عصرنا: أن نتماسك حتى في أشد ساعات التفكك إثارة وفراغاً وفزعاً! تلك هي مشكلة الشعراء المهمومين أن ينظروا إلى الأجيال وأعماق الشعور، أن ينقبوا في أعماق الغد، ويترسموا الخطى مع عوالم كاملة، وأن يتخلق الشعر عندهم، داخل القصيدة،... تلك مهمة، وهَمٌ كبيران! مقدار(الشعر= الفن) داخل مبنى القصيدة، بمعنى القدرة على امتلاك الجمالي داخل اليقين اللغوي/ و(السياسي). وبمعنىً آخر: مقدار الفن في كل عمل يطمح أن يكون إبداعاً ومتجاوزاً، في حركة الثقافة والفنون والآداب، في حركة المجتمع.. وداخل حركة"الحداثة العربية"! من هذه الركائز(على وفق تصورات الشاعر الثوري/ المنتمي/ وموجهات رسالته في النص): - أن تكون القصيدة فعل تضامن تاريخي. - أن تحمل أفراح الشاعر الحزين. - أن تتوحد خيالات الشاعر في الحلم(الثوري). - أن تتماسك القصيدة في أشد ساعات التفكك إثارة. - أن تتعمق الشعور، وتنقب في أعماق الغد. - أن تترسم الخطى وتستشرف الأفق - أن تنطوي على يقين أيديولوجي، وجمالية فنية، متوحدة.. - أن تواكب(الظرف الثوري)، تعمقه، وتسبقه. هذه[الركائز] -أقانيم-، وهي في الجوهر، ضد محددات، مع أنها في الظاهر مع محددات، كأنها سلطة نص، تفرض هيمنتها، قبل أن ينتج نفسه. عند الشاعر المنتمي، في عصر التفكيك البنيوي(للوجود) و(للحاضر) و(للمستقبل)!- بخاصة في منطقة الصراع التاريخي حول"الطاقة"! -وقد يبدو هذا الاستظهار، خارج المتن النقدي، لكنه في صلبه ما دمنا ننظر في بنائية شعر، منتجه(سياسي)، كما يعطينا النص، وليس وهم الواقع. هنا، في هذا(العصر) اللغة، ليست(تمريناً) يضطلع به/أو ينجزه فرد/ ليست"عبارة" في اقتصاد ممفصل في أزمنة تشير إليها الضمائر، ..ليست(أيضاً) "حضورات مؤقتة" في(الاستعمال اللغوي، والاستعمال المعياري) -حسب كريستيفا- إنها هنا"وسيلة" /معول هدم/ وأداة تحريض في آن/ لكسر رتابة عالم(عربي) قديم، مؤدلج، ومحتمل، مُعَثْمَنْ، أو مفرنس، أو.. حسب حالة الهيمنة الاستعمارية، مصالحها، و(ثقافتها).. لذا تنشأ حداثتين- في اللغة واستعمالاتها، وبالتالي في الأجناس الأدبية والنصوص الجديدة/ وفي الحياة الاجتماعية والسياسية/ بهدف التغيير، الخروج من إطار أيقونية ذلك(العالم) ومحدداته/قيوده الفكرية وعلى مستوى الإبداع أيضاً/ هذا الخروج يسعى إلى رحابة تدمج الصورة بالمحيط، المركز بالفضاء،.. إنها دائماً تتحرر من"تحريرها" السابق/ من راهنية أصبحت ماض/في التجاوز/ كي تواكب متوالية حداثوية لا تنتهي عند حد، (ما بعد) الحداثة، بل تستمر إلى ما لا نهاية وإلاّ تبقى في عتمة أروقة"نظام عالمي" كيفما يكون دوغماتياً/ أو ذرائعياً.. المهم أنه يمثل(سلطة التخلف) التي يريد زرعها في قلب الوعي الضدي المتجاوز، لشل طاقة الحركة من التقدم إلى أمام وتحجيم إرسالها الإيجابي، وجعل إشاراتها وشفراتها ترتد إلى جدار ذاتها أو تحبس في بئر سحيقة من الإحباط.(نظام هيمنة استعمارية يريد إيقاف الحدث وسحبه إلى داخل ذاته. من هنا يضع(الثوري)- بمعناه: الانتمائي/ الجمالي/ الحالم/ و(الشمولي) التغييري، الحر،/هذه الركائز، لأنها تشكل في عقله وسلوكه وفكره: هيبةً وحضوراً، وخطورةً، متى امتلكها الشاعر امتلك أن يكون نصه شعراً محركاً، ودافعاً إلى أمام، ولو بمقدار عرض شعرة رأس! هذا لا يعني أن(يلتزم) شعاراتٍ، ليكون(سياسياً) -بالضرورة- بل شرطه أن يكون خارج تلك التحددية الوظيفية لآلية(السياسي) في(المنتمي)، شرطه يكمن، مثلما هو، شكله، في بنيته الجمالية، وتجاوزه. تلك هي الخاصية الأهم في تأثيره، وبالتالي في خالقيته الإبداعية: رغبته في اختراق المظاهر والمظهرية، في إلغاء المألوف والعادي والراكد، للوصول بنصه إلى يوتوبياه، إلى إلفة وليس معاداة، إلى واقع جديد يرفض سلب الواقع المعاش مثل قدر، السلبي في قيوده ونمطيته، الجديد في واقع محلوم به، ثم متحقق على مستوى النص، أولاً، كاستباق للتحقق على المستوى الاجتماعي/ الإنساني، من أجل(الأجمل والأروع والأفضل) في كل شيء، مجتمع جديد يقف على أرض غير متشققة، بقدمين حضاريتين، من دم الأرض هو ومن لحمها، من جهد البشر وكدهم يستمد العزم والعزيمة. تلك مهمة الشاعر(الجديد)/ (الثوري)، لصنع القصيدة المتجاوزة، النص الحر المفتوح، خارج(تلقائية) الملحمي- أو بتعبير هيغل- خارج"السذاجة!".. -فنحن نعتقد، على الضد من هيغل بأن الشعر الملحمي(ليس) -تعبيراً ساذجاً عن وعي شعب!-بل هو، بفنيته، وصياغته التركيبية العالية، نتاج وعي مدروس، ولخدمة هدفية ظرفية، مع ما فيه-على مستوى الجوهر- من قوة إشعاع على المستقبل. شعر يحتمي بالأنا الفردي، حين تكتمل فيه الحرية والمسؤولية ليندمج بالآخر، هذا"الأنا الفردي" الذي هو صفة الشعر الغنائي، مدموجاً بنضج الوعي في الشعر الدرامي، معاً.. نص/ يستند(على التطور الموضوعي وحضور ذاتية الفرد. في الآن نفسه) ومحموله- في تمظهره وتمفصله، يستدعي(الطية) -أيضاً- لا كخانة مهملة، بل كثنية تحتفظ بالمضمر المفاجئ، المتحرك داخل بنية النص، كأنه يجدد خلاياها. فالشاعر (الثوري) هو الذي لا تقيده قوالب(الانتماء) ولا قوالب( الصنعة)، إنه ضد أنوية الظرفي، لكونه يشتغل على منطقة المستقبل، وضده، حين يكون راهناً، ظرفياً، أي ضد قولبته، صحيح أنه يصنع(طرازية) لحلمه، لكن: في التحقق، لابد أن يتجاوز(الطراز، ويتجاوز(الباروك). ـ إذاً: .. هل يغتصب الشعر بكارة ما هو جوهري، ويدخل عليه بحس مشترك بالمواطنة، والعاطفة المطهرة، والنوازع الإنسانية، والهموم الجماعية؟ - هل يغتصب(الشعر المطلق)، الحرُ، المفتوحُ، بقيافة حريته ومداه، فينزع إلى استقرار الأرضي، أم يظل في إطار"ميتافيزيقيا الحضور، والولوج بالنص إلى عالم من التطلع الشمولي(الحلم/ المبتغى)؟ - هل يحطم الشعر، المظاهر الكاذبة(للحب)، (للعشق)، (للسياسة)، (للوجود)، ويتمظهر مع(جوهر) الحب/ العشق/ وممكن السياسة/ وغائية الوجود؟ - إذاً.. إلى ماذا ترمي هموم الشاعر، من وراء هموم القصيدة؟ تلك أسئلة، تتجاوز(أغراض) الشعر و(أركانه) حين قال الأولون أنه يركن إلى(قواعد) أربع: (الرغبة والرهبة والطرب والغضب)(36)، ويقوم على(أربعة أركان هي: اللفظ والوزن والمعنى والقافية)(37) وقال(بعض العلماء): بني الشعر على أربعة أركان هي: المدح والهجاء والنسيب والرثاء)(38) إن (هموم) الشعر، الآن، هي مباضع، تسعى داخل وهج المغامرة الشعرية لتنقية(الموجود) من كل شوائبه المتراكمة، وإزالة"طبقات" الأزمنة عنه، والوصول به إلى،(طبقة) -بقدر كثافتها- فهي هلامية/شفافة/ قد لا ترى أيضاً، من شدة تماهيها مع نفسها وعناصرها. مع أن(الثوري)- (المنتمي) يريد لشعره أن يكون"لحناً" مؤثراً، قوياً، في نشيد الفرح والحزن الإنسانيين. ..... ..... ..... -2- المحاور... ـ ليس عسفاً على"الديوان الذي نناقش(39)، أن نقدم له بمداخلة ذات طابع تنظيري، فذلك تحرير مستمد من(هموم) الديوان، فالشاعر(الكمالي) أسقط الحجاب عن نصف قلبه في"هموم مروان وحبيبته الفارعة" ثم في ديوانه اللاحق(القصيدة- الديوان: تنهدات الأمير العربي) أسقط الحجاب عن النصف الآخر من هم/هموم/ قلبه، ونثر انفجار غنائه البدوي، نثر المياه على ظمأ صحراوي، وحاول أن يترافع مع القصيدة عن الشعر، ومع الشعر عن الفن، ومع الفن عن الإنسان، ومع الإنسان عن الأمة، ومع الأمة عن الهم الكوني. - هل أصاب النجاح؟! ولكن ما الجدوى في هذا السؤال: النجاح؟، إنه نسبي، خداع بصري- هو- في رؤية صحراوية! (النجاح)، هو أن تمتلك القصيدة عناقاً شعرياً وتأثيراً في قلب المتلقي وعقله معاً، أن تكون ولادة ثانية، داخل مشاعر المتلقي واهتمامه، إن تمتلك فعلها.. إن شفيق الكمالي استطاع لحد كبير في(همومه) أن يتخطى(رحيل الأمطار) وأن يحقق فعل التأثير في المتلقي. لنتساءل، إذاً: كيف يكتب الشاعر؟ أتخيل ببعض التحرز، أن(الكمالي) يغني فترة، أو ينغمر بصمت مكثف، حزن أو سياسة أو امرأة، تلك هي(الحوافز)، وحين تتخثر التصورات تموت. من هنا فالشاعر لا يدعها تتخثر، بل تمور دائماً، تغلي، وحين يفتح شفة الورقة، ويقبلها، يدع أعماقه تتكل: إنه حداء البدوي الذي يرى المدينة سجناً، كذلك الحال مع(الكمالي)، أنه يرى في أفكاره(الشعرية) سجناً، يطلقها، كما البدوي في الصحراء، (يغنيها بصوت عالٍ)، بهمٍ يكتظ، وينوح معها! إنها مثل(دخانه) متحركة، وحين(تغلي) تنثال/ أو تندفع، إذ ذاك يرتاح الشاعر: "الآن يمكن أن أنام).. لكنه، أحياناً لا ينام، لأيام لا ينام، إذ تكون القصيدة، هي أرقه، طويلة، مديدة كتنهدات الأمير العربي، فيها شوق المحارب، فيها عشق العاشق، فيها ألم السياسي، فيها طموحات الثوري، وفيها حزن القبيلة. كل ذلك تتصدى له قصيدة الكمالي، ضمن تضمينات من الشعر العربي القديم(تناص حالات) وضمن تضمينات من الشخصيات العربية(تناص أبطال)، كأقنعة؟ كلا..، بل كمناخ، وتمثل وتناظر في الهموم والمنعطفات. ترى في القصيدة أكثر من(صوت)، ليست(تجريداً لغوياً)، بل(خطاب)، المتكلم -يلتقي- بالآخر، والسياق المجتمعي بالذات الفاعلة، هنا،(الصوت) دلالة، لنص منفتح، لا ينحبس في سجن دلالي واحد.. في القصيدة أيضاً، أكثر من زمن، أكثر من جرح وترى فيها(الحزن)، لكنها لا تتشاءم إنها(تبتنى) ذاتها، وتنبني على(حالتها)،.. ولو كان(الكمالي) شاعراً بلا قيود سياسية(مراكز سياسية) لأطلق لشعره كل الخيال، ولتوهج فيه العشق حدان يرى إلى"هموم مروان وحبيبته الفارعة". هموماً أكثر معاناة، ولكنه ضمن طقوس(السياسة) أيضاً يتوهج بهموم جديدة، ومتداخلة في الوجدان، معاً، فالهموم تخلق(لغتها). حيث يكون النص خلقاً جديداً للغة، ينتقل من(حيز الإطلاق) إلى(التخصيص)، بالرغم من أن(تعدد القراءات) يتبين، دائماً، ذلك(التوالد) في الدوال، والإشارات، فيبدو(النص) منفتحاً باستمرار، (ولا ينحبس في سجن دلالي واحد): (يمكن الخروج، بالنص، من قواعدية الدلالة الواحدة(رحيل الأمطار/ القصائد العمودية) إلى الإدلال، حيث يتخلص فاعل النص من منطق(أنا) الكوجيتو الديكارتي(أنا أفكر، إذن فأنا موجود) وينخرط في مجالات منطقية أخرى.. أن الإدلال-بخلاف الدلالة- لا يمكن حصره في التواصل والظهور والتعبير، وهو يضع الفاعل- سواء أكان مؤلفاً أو قارئاً داخل النص في صورة ضياع يبحث له عن المتعة، ويستدل(بارت) (بالنص الظاهرة) و(النص التكوين) كما ظهرا في كتاب(ثورة اللغة الشعرية) لجوليا كريستيفا(40). (إن"النص الظاهرة" مقترن بالملفوظ من حيث هو تركيب لساني(أصوات، ألفاظ، تراكيب..) ولا ينفتح على الأداء، وهو- باختصار- موضوع العلامية الخاص، في حين يتعمق"النص التكوين" ليشمل أدق العمليات المنطقية الخاصة بتكون ذات الأداء، إنه الموضع حيث يتهيكل"النص الظاهرة" فلا يمثل بنية بل تَبْنُينَاً لا يمكن تحليله بعلم النفس التحليلي، لأنه ليس مكمن اللا- وعي،.. لقد تجاوزت علامية الدلالة بالإدلال و"النص التكوين"- ضمن رؤية إبستيمولوجية- العلامية التقليدية التي تبحث فحسب في بناء الملفوظ، واكتشفت أن النص تناص، ذلك أنه يعيد توزيع اللغة، يتضمن أجزاء نصوص، أو خيالات نصوص.. إن التناص إقرار بأن للنص تركيباً خاصاً يختلف به مفهومياً عن(العمل الأدبي)، إذ يعرف العمل عند(بارت) بأنه موضوع محدد يستقر وجوده في موقع فيزيائي كأن يوضع على أحد الرفوف المكتبية في حين يمثل النص حقلاً منهاجياً، وإذا كان"العمل الأدبي" يتضمن النص وينفتح على المحيط التاريخي والمجتمع، فإن النص تركيب لغوي يعرف أساساً بالإدلال..)(41). ومع ذلك، فإن اللون واحد، من(الغزل الأموي) حتى(العطش) و(الاحتراق) وعبر(الحصاد) و(السفر عبر المفاوز) و(الموت والزنابق المرائية) و(نهر الكحل) و(شموع للخضر) و(الكلمات المباشرة) و(العودة إلى الخيمة الأم) و(العودة من الجبل القتيل- حتى يفقد الصوت صداه). وهل يفقد(الصوت) صداه، وتكون(مياه بني عذره) صرخة: (وا.. جميلاه!)؟ .... ..... نحن، إذاً، أمام نصوص تتوهج فيها السياسة والمرأة، والأمة... ويتوهج فيها التراث،.. هذا(التناص) يتم بحرقة العاشق للجسد، حتى لنكاد نرى (الجسد) يكتب(نصه) في(حسيات العشق)، تماماً مثل(لوحة) زاخرة بأدق التفاصيل، حتى تتبدى"ثيمات" النص في(الجسدي) (المتذكر) (المتخيل) (البدوي غثاءً) (العاشقي/ أو العشقي/ حرقةً) و(السياسي) حرصاً.. ثم.. نحن أمام تنوع في الإيقاع، يتناص مع تنوع في درجات الحرقة! يتشكل النص، إذاً، بهذا الفيض من(الأحاسيس)، وتتداخل فيه(الأزمنة) و(الأحداث) و(الأشخاص)- عبر قناة( المتكلم): مروان.. وهمومه(وعاء التعبير)، الذي يتجاوز -هنا- حدود(الأنا) -الفرد- إلى(الشاهد) و(العصر) و(الأمة)، ورمز رجولتها والمسمى: مروان/ الرمز، اللامعلوم/ إلاّ في(النص)، رمز العاشق(المستلب)/ المهاجر عنه/ الذي يعيش حالة استرجاع الذكرى، وميتافيزيقيا(الحضور)، بعد رحيل القبيلة، والحبيبة، بل بعد لظى الهجرة، وسعير اللوعة، والاشتياق تماماً كأنه واحد من(بني عذره).. إذاً، كيف نفهم هذا المزيج الحارق؟ المرأة/ التراث/ السياسة/ العصر/ الأمة.. عبر تلك(الحسية) العالية؟ لنعد ترتيب الأشياء/ الأسئلة/ الحالات: الأمة/ المرأة/ السياسة/ التراث/ العصر عبر بثينة جميل، وفارعة مروان، ومعاناة العرّجي، ويوسف والحمزة.. ..... ..... ـ إن"الأمطار" حين(رحلت)، رحل معها(تاريخ البدايات) و(تاريخ التكوين)، وتأثرات الغزل العباسي، ونزار قباني، والعذريين. وعاد لنا(الكمالي)، في(همومه) معافىً، تجاوز(انفاس) رومانسية القصيدة الخمسينية، ثم تجاوز(حصار) الشعار السياسي والتناول المباشر للقضية، الذي يكبل(النص) ويحد من إدلاله..، وتجاوز(صوت) القضية المباشر، فخرج عن(خيمة) العقائدي(المنتمي) إلى فضاء أرحب، في نص مركب، طويل النفس، هو بداية(القصيدة- الديوان): يمكن(أيضاً) أن نوحد قصائد الديوان في نص واحد ذي عناوين فرعية، .. وهي نقلة الكمالي في تقنية الأداء، ليصل بها إلى(القصيدة الديوان) في"تنهدات الأمير العربي"، وهي قصيدة طويلة من وحي غرناطة تتناص بالأمكنة والأزمنة والشخصيات والهموم، ذات أصوات لكنها في العلامة الجدلية بالتاريخ الشعري للكمالي، خطوة متقدمة جداً، ذات امتداد بالهموم ونفس متجاوز.. فإذا عدنا إلى(الهموم)، فلا بد أن نقف عند المحطات، التالية: 1- معنى(المرأة) يغمر القصائد كلها، ليس بمعنى(إنثوية النص)، بل بمعنى اندماج الأنثوي والذكوري، في إنثيالية عشقية، في خطاب بين عاشقين، معشوقين. 2- تداخل الأزمنة والأصوات، داخل طقوس العاشق/ ورحيل حبيبته/ وخيانة العشيرة. 3- تركيب القصيدة وتشكلها الجمالي(الصور، الأفكار، الرسم الخارجي(المشهدية)/ الحوار الداخلي(المنلوج)/ توحد رمز المرأة بالأرض/ 4- تمثل الأبطال(العشاق) (الحزانى العرب) من (نبع) التراث، لإغناء إيقاع القصيدة/ النص/ ومناخها، بتلوينات تبعد النص عن رتابة التكرار. 5- تماهي: فلسطين والأمة والحس القومي. 6- تجلي المعاناة الفردية، إزاء المعاناة الجماعية في(العاشق/ السياسي/ الثوري/ الحالم) 7- فضاء الصحراء، وحس البدوي وحرقته، ومناخه..، كعنصر إغناء للمشهدية، والأفكار. 8- ثلاثية: ثقافة الماضي/ التاريخ، الشعر، الأحداث،/ وعصرية الحالي/ واستشرافية الآتي. إذاً، هذا التداخل، في العناصر والخصائص، والخصال، جعل النص متمايزاً، لم يختلط فيه المنحول بالمنقول، ولا التاريخي بالجغرافي، ولا الشفاهي بالمكتوب، ولكنه امتحن صفات التميز في ذلك، واختارها في توليف هيكلية النص، إختزال تلك الأفضية، في خطاب، يتجلى فيه التنويع لكنه لا ينتهي إلى غلق المدورة، بل ينفتح حراً بما يختزن ويعبر من دوال. ..... ..... ..... -3- ـ الحب اللاهب ..... ..... ـ إن وجود سلسلة من لحظات الحضور، يعني أن هناك وعياً بالضرورة لشيء يتصف بالحضور، وإن ميتافيزيقيا المأساة لا تلغي وجود" دراما المأساة"، حين تتقاطع الحالة العشقية بين اللا والنعم. فتؤدي إلى مفارقات تتحدى تناسقها وتماسكها الفكري، في آن، وكأن النص يؤكدها ويزعزها في الوقت ذاته،... وتماماً، كما لو كان(دريدا) قد كتب معناه، كأن إطار تاريخ الميتافيزيقيا، هو ذاته إطار تاريخ الحالة/ اللاحالة: الحب، اللاحب: هو"تحديد الوجود بوصفه حضوراً" بمعنى إن كل الكلمات المتصلة بالأساسيات والمبادئ/ أو بالمركز، قد ظلت تسمى"ثابت حضور" سواء أكان اسمه: (الجوهر/ الوجود/ المادة/ الذات..) أو: (التعالي/ أو الوعي/ أو الضمير/ أو الله/ أو الإنسان...)(42). الحب/ اللاحب، مزدوج ثنائية، تتقابل وتتضاد مثل حياة وعدم/ وجود ولا وجود، هذه الثنائية، هي الاكتناه التام في سبع عشرة قصيدة أولها: "هموم مروان وحبيبته الفارعة" وآخرها: "احتراق".. وكأن جدلية الحياة/ والشعر/ تتحرك من(الهموم) إلى(الاحتراق) فتخطية أية سكونية مموهة، إنها(إطار) تلك الميتا..، إطار الحالة و"تاريخها" في آن. تحتفظ القصائد/ النصوص بحركيتها، بوصفها تعبيراً عن حضور، على المستويين(الفني) و(الوجداني)،.. وإن(تدفق) الكلمات في مجموع القصائد، يقترن بالأرض/ القضية/ المرأة/ بهذا الثالوث الأنثوي/ ولكن عبر حالة(العشق)..، يتلون ضمن طيف الكلام/ الكتابة/ النجوى.. كأنه كلام عاشق عذري، أو صوفي، يتوجه به إلى(الضمير)/ (الله)/ الإنسان(المحبوب)، إذاً، هو خطاب عاشق، يمد أواصره بحميمية من المرأة، حتى الوطن، (الأرض والقضية) ولكن، على الوجه الآخر، من حفريات النص/ الحالة، تأخذ مدىً تضادياً: من الحب إلى اللاحب/.. ثم، العودة إلى(الحب)، كأنه: المخلص. إنها"ثيمة" قديمة/ الحضور والغياب/ فيها مزدوج ثنائية، أزلية، إذ(حين ترحل الحبيبة) ماذا يتبقى لمروان/العاشق/ غير أن يحمل زاد الترحال كسيراً، يبحث عن ورق النسيان، ويقطع(البيد) التي متاهاتها دياره، حيث ترقص حوله(غيلان) الصحراء، يكاد يكون(المجنون) أو أي(شبيه)-أسطوري أو حقيقي- في تاريخ العشق، والفراق. لكن(الفتى) مروان، حتى وهو يركض في البيد، لا يدعه(شيوخ البدو) وشأنه، تماماً كالحالة المتكررة من التراث،.. بل-هنا- يوغلون في الإيذاء: أعادوه/ عصبوا عينيه/ سخروا منه/ ضحكوا/ وألقوا به في الجب/ وساروا: - (مروان تخلت عنه عشيرته) كما تخلى(أخوة) يوسف عنه، وألقوه في غياهب الجب، حسب النص القرآني، حسداً وغيرة انتفاعاً وانتقاماً.. و(الفارعة) رحلت، ولم تنتظر.. فيبقى مروان(وحيداً) في التيه، وليل التيه كهوف تفغر أشداقاً مرعبة، ويبقى في وحدته يبحث عن مأوى، فيروي أبيات (العرجي: الشاعر الأموي) حزيناً، ويتمنى.. يدخل النص-هنا- في تناص تراثي، فالعشيرة لم تستمع أشعار(العرجي)-أخوهم- حتى هدر(الأعداء) دم مروان/ دم الأهل- ضمناً- والعشيرة والأحباب- التناص، هنا، أخذ شكل التناظر: مروان= العرجي، مروان= يوسف.. ومروان تمزقه أسياف قبيلته(كبد الحمزة يؤكل نياً)- تناص آخر في الاستعارة والكناية(قصة هند التي مزقت كبد الحمزة وأكلته نياً، حين وجهت إليه ذلك العبد القاتل../ الوحشي) الغربة مقابل العشق الحب(مروان) مقابل اللاحب(العشيرة). الحالة- الحضورية- الآن، وثابت الحضور- الماضي- معادلة غير عادلة، كل طرف فيها هو النقيض: الحب/ اللاحب. يخرج النص من حاضريته، راهنيته، إلى أبعد: الفرد/ الشواهد التاريخية/ الحدث ومقاربة الماضوي/ بمعنى: استرجاع التاريخ للوعي الشعري، أو استرجاع الوعي للحادثة التاريخية وإسقاطها على الحاضر... حيث يضع الشاعر(قضيته) الذاتية، في(ظاهرها) داخل(جوهر) التناقض بين الحب ونقيضه اللاحب، العشق وهدر الدم. هنا(القناع) ليس الفرد وحده- مروان= العرجي، المعشوقة= الفارعة، يوسف وإخوته! والحمزة/.. تضاعيف الرحيل والوحدة/ استرجاع المشهد التاريخي: نرى مجنون ليلى(العامرية) وإن لم تكن الإشارة صريحة لهذا التناص، بل مضمرة..، وإن لم يصل الحال بمروان حد الجنون، فقد امتلك وعيه الكامل، ليحاكم عشيرته والحبيبة معاً، يحاكم(الرحيل)/ (الهجرة)/ (ليل الصحراء)/ ويقاضي كل(التخليات) عن النبع الإنساني: (الحب). وهذه المتوالية تمتد في الحاضر فارضة دوالها على تأويل متسع، يشتمل أبعد من(ثيمة) السرد الحكائي داخل بنية النص، أبعد من(مروان) الشخص/ و(همومه).. ..... ..... في نص/ قصيدة: (غزل أموي)، يصعد حزن العاشق الذي يسأل(سرب القطا) عمن(يعير) الحزين جناحاً.. فقد هده(البعد) وأرض اليمامة يباعدها القحط عن داره، وتنأى المسافات، وتستطيل السويعات، فالليل: ليل وليل وليله..، بهذا المد الزماني، يعطي النص لحالة البعاد مدى مضاعفاً، لا نهائياً.. ثم.. رغم(مناداة مروان)، تظل(الريح) تعب نداءه، ويظل قلبه (الموقد المستثار) فيصرخ بنداء العاشق الأزلي مطلقاً خطابه بكلمة: (أحبك..) وببرود ولامبالاة يأتيه الجواب: ماذا ويصرخ: فديتك وببرود يأتيه الجواب ثانية: ماذا فيبهت، تخنقه(العبرة)، ويقاوم ضعفه، يكابر، يهوى بقلبه جدار: ـ (نسيتِ إذن.. نسيتِ الذي باع قلب أمه ليعطيكِ أمناً، وخبزاً، وبيتاً..) هذا العقوق الفظ، كان(المقابل/ النقيض) للوفاء والتضحية.. إن يبيع العاشق(قلب أمه) من أجل حبيبة(تبيعه) النسيان!../ الهم/ الاستلاب/ كأن المعادلة الصعبة تتكرر- هنا- أيضاً: النقض ونقيضه: الحب/ اللاحب.. ومع ذلك، يحفر(مروان) اسم حبيبته في(فؤاده) ويعلقه(راية) فوق داره، ومع ذلك أيضاً: (لم تعرفه) الحبيبة.. هذا الإمعان في الإلغاء/ النكران/ الإزاحة/ الفقدان.. يشتغل عليه النص، كأنه"ثابت حضور" منذ أزل الحب إلى أزل اللاحب.: ـ (وما بين قيد الكرامة والحب/ ضاعت على القلب أفراحه.. نسيتِ إذن؟ وأشعلت كفي وعلقت قلبي. على جبهتي فما عرفتني أشاحت.. وأغمضت العين كبرا وسارت!) رحلت: في"هموم مروان" سارت: في"غزل أموي" والفعلان، فعل واحد، هو إلى: الفقدان، يصير، وينتهي.. تماماً، كما وقائع النصوص في أدبنا العربي القديم، (غير أن صفات التميز يمكن أن تمثل خطوط فصل)، لكن"الثيمة"، و"الوقائع" تكاد تنتمي إلى(شجرة) واحدة! هنا، الكمالي، يظهر( الفساد المنتصر) بالفقدان/ والهجر..، وكأن النص يشتغل على(محاكاة)- جوهر سردي قديم، مع مقارباته في الحوار، والنداء، والقطيعة.. خطاب/ أسلوب..، تماماً، يظهران هنا، كمقاربين، بقيمة تقابلية، مع تراث قصص العشاق، (العذريين- عندنا- وفي الغرب أيضاً) (بطل مأساوي)- مثل مروان- هو خسر(قضيته)، هل(الفساد المنتصر) هو وجه(الحضور) (الوجود)/ الحالي..، وكأن(الحب) هو حالة حلم/مخيلة/ مقابل ذلك: اللاحب. النتيجة، إن(المأساوي) قد يوجد(خارج المأساة)، فالهجرة/الرحيل القسري/ الذي يولد الهموم، سيتخذ(مأساويته) الأكبر، في "الاستلاب" الجمعي، على مستوى"الأمة/ القضية" فدون الحبيبة لا شيء يمنح الفرح لمروان، حتى(عندما يفقد الصوت صداه) من أثر(النداء) اللا مسموع، في(الغربة): ينادي والطريق طويل، ويغفو على راحة الأفق حيث استواء النهايات والتلاشي وموت الصدى في الخواء الرهيب، إنه(كيفية) الوصول إلى شاطئ(المستحيل). كيف الوصول إلى شاطئ المستحيل!؟ هنا، تستفيق(زهور الجحيم) وتمد(ظلال الفجيعة) جسراً! فكل"النهايات موت، وأقسى من الموتِ، غدرُ... ....... ........ -4- ـ المكابرة.. .... .... .... ـ (مروان) يكابر، يعي وجوده وواقعه، وحدود أزمته، ونكسة قلبه، وآفاق تراجيدية الحب، الحب بمعناه الأغنى: (تجاوز الفرد والحالة إلى الأمة والظاهرة). وكما قلنا، أنه ليس المجنون، وإن استلف النص، الحالةَ،.. من هنا، يتفصد وعي المكابرة بمحاكمة الأشياء والظاهرات ووعيها: "وأقسى من الموت غدرُ"/ الموت ليس المعادل الموضوعي للغدر، إنه هنا أقل شأناً.. فالغدر يحتكم إلى إصرارية تدخل"الوجود" في متاهة"حاضر" مخلوع، حاضر بلا قيم. إذ حين يغدر(الأهل) و(الأحباب)- هل ظلوا أهلاً وأحباباً بعد الغدر- هنا التوصيف(مجازي) وينطوي على سخرية سوداء مريرة!.. مروان، حتى حين يغدر(أولئك)- جميعاً- لن يطيل(النواح)- يحزن، ذلك أكيد، لكنه يكابر: - (ففي سفر أيوب زاد وبيت وفلسفة للرضوخ الذليل وبؤس القناعة!...) هذا الوعي(الضدي) لتلك(القناعة) المكرسة(بالصبر الجميل) و(صبر أيوب) و(بشر الصابرين) يرفضها النص، ويدين"فلسفة الرضوخ" و"بؤس القناعة"، وبالتالي يدين"صبر أيوب" في جانبه(المثالي) الأخرق..، (التحذيري)! (الرفض)، هو أول خطوات المشروع الضدي/الاختلافي/.. وبالتالي، فهو(المنصة) التي ينطلق منها النص في مواجهة(الرضوخ) إلى(سلطة الصبر) و(القناعة) القدرية.. فبهذا الرفض المكابر نتعرف على وجه مروان(الثائر/ الحزين) (المهموم/ الثائر)، فهو يدرك أن التي"ارتضت جليد الرتابة بيتاً" وهو أرادها: "نبعاً وظلاً" انتهت إلى"وعاء ودمية تنام في مخدع العار، والأفعوان على خصرها الرخو يلتف قيداً" أهي "عبوديتها" في مقابل"حبه" لها، الذي هو"قيده"!. وبين"العبودية" و"الحب" تكمن المفارقة الضدية، وتمتد مسافة المعاناة، المكابرة أو الخضوع، الوعي أو التواطؤ، الألم المجرح، أو الرضوخ.. وحين أسقط(القيد) مروان، رغم حبه لعشقه ولحبيبته، أسقطه بالفضيحة فرضى انحداره، سقوطه، ونحر طموحه، ولبس ثوب الفضيحة، بل لبس الفضيحة ثوباً، وسار مع الوهم(عبداً)، لعل.. لعل.. ماذا؟ لعل.. التوهج في مقلتيك، يظل مناري، وزادي، وعمري! .... ..... * من الهم إلى وعي الهم، إذاً.. مدورة تنطوي على النقائض، من الحزن إلى المكابرة،.. حتى رفض التخلي إذ.. رغم ما(ارتداه) من(ظل) الفضيحة، والسقوط والانحدار والعبودية، فهو(يتمنى): (لعل)/ التوهج في مقلتيك يظل مناري/ من المرأة/ الفرد/ المعشوقة، يمد النص دواله إلى أبعد"الفارعة" تكون الرمز للأرض، للقضية،.. في القراءة التأويلية..، أما(شكل) النص/ مباشرة/، فالفارعة، محبوبة، أوصلت المحب إلى(الفضيحة)؟ ..... ...... ـ في (الحصاد)0 يتحدى.. كمن يؤكد الوجه الآخر لوعي المكابرة، كمن يواجه الهزيمة بالذكريات: (كنتُ/ عرفت/ كدست/ ذبت/ حملت/ متوالية أفعال، ترفع أفضية النص إلى منصات أعلى، وأكثر شمولية وحسية: ـ (عرفت العذارى وسمرا وبيضاً ملكت وكدست شهد الشفاه جرارا وذبت على حلمة النهد خمرا وخمراً عصرت وخمراً شربت وخمراً نضحت على مخمل الجسد المستثار إعتلاماً، وكان الذبالة والليل والصوت والصمت والشيء والضد، كان الجميع، وكان هو، و"كان الحصاد دمي!) .... ..... ..... هكذا يجمع التضاد، هنا، مباشرة وبحدة، ابتداءً من (كنت)/ الماضي بديل (أصبحت)/ المهموم مروان(الحاضر)، وانتهاء بكنت(الجميع)، المجد و(الأنا): الذات، وكان الحصاد دمه في النهاية! إذاً، ماذا يعني(السفر عبر المفاوز) لدى الشاعر، غير المكابرة والتحدي، عبر امتلاك وعي السفر، وعي الرحيل، إذ حين يحمل الشاعر فؤاده ويسير مع الركب، يطوي القفاز، يفتش من زهرة قيل أن الذي يلامسها يستعيد الهوى، ويحيا مع العاشقين أميراً..، ويتمنى(مروان) أيضاً: (فليت التي تهت من أجلها تحس عذابي لعل.."سطيحاً" يزف البشارة أو عند"شق" يكون الجواب..!) وثانية يلجأ إلى التناص/ التراثي، التناص بالحالة والشخص(سطيح/ شق)، ويظل(التمني)، مرة أخرى، بديلاً عن"اللاحب"..، ومروان- هنا- (تاه) من أجل الفارعة التي لم تحس عذابه، والتيه، الذي يوحي، يدفع بالدال إلى ما هو أكبر من(الفتى/ بطل الرواية الغرامية هنا: مروان/ متاهة العاشق، موحى للأمة، الإنسان بين القضية وقيودها ومقيديها، بين البشارة(الفرح) و(الجواب)،.. وظاهر الظاهرة، في النص، يحيل إلى: الحب، الجنس، المرأة، كراهن نص، حضور، ووجود.. والعاشق( السارد العلم في الرواية الغرامية- هنا-) يتغنى بالجسد، بترفه وعطره وحرقته وناره، فهل نحمل(النص) أكثر من ظاهره، لتمد بالمعنى إلى الإنسان، الأمة، المسيرة..) حيث لا معنى للأغنيات، إن ظلت في حدود(نجوى المحب، (الثوري)، لا محض العاشق..، فمحض العاشق يكفيه هذا الخطاب، ولا يريد تحميله أكثر من معناه.. فالعبور من اللاحب إلى حالة الحلم والتخييل، (استرجاع الذكريات)، يتمازج عند(مروان) ليس في قول الناس:"في غرف الحقيقة تولد الأشياء"، ولكن في رؤاه، هو.. حيث الليل في شباك حبيبته ثملاً، وكان الفجر تحت الشرفة المغناج، مقتولاً.. الليل ــــــــــ ثملاً الفجر ــــــــــ مقتولاً في سيمياء اللغة، يعطي الميتا- لغوي، ماورائية المعنى، هنا فيحيل إلى فجيعة.. فمروان يتخيل، يسترجع، كأن حالة الاسترجاع هي التعبير عن وعي اللحظة، وتحدي القحط(العشقي) الذي يعاني منه، وهو بعيد عن(الحبيبة)، في أرض أخرى، حيث معارك سيناء والجولان أمام ناظريه، قحط(اللاحب)، فالحرب دمار، في العادة، بخاصة إذا اقترنت بالفجيعة: (جهاض الحلم/ والتمني/ إجهاض الانتصار المرجو، الشامل. "مروان" يتذكر، عله يعوض-في التذكر- عن ذلك(القحط الذي لا تقوى فيه"تلال الرمل" على الثلج الذي تمطى في عروق الصيف تنيناً.. الثلج ضد عروق الصيف! وحين تمجد اللقيا، يمر(الطائر الوحشي) فوق الطور؛ إنها الحرب إذاً، حيث"الرمل ممزوجاً بلحم الورد في سيناء، والشمس الحزينة رغوة تطفو على نهر الدم المطلول، قافلة طواها التيه، والصوت الذي دوى..." وتناءت مضارب مروان، واستدار الفرات إلى بيته متعباً، فالضفاف التي باركت ماءه عفر الفرس وجهها،.. ويطلق مروان سؤال المحنة: "من يوقد نار الحرب.." ويتداخل اللحظوي بالتاريخي، كأن"الحضور" هنا، متاهة، لا يرسخ قيافته غير المسند التاريخي: "يالشيبان/.."لكن" ذي قار" و"المثنى" و... لا فائدة، الحرب أوقدت جحيمها، إذاً.."وغارت مياه بني عذره.. وا.. جميلا.. ه".. وعلى الرمال، خطت أكف الرجال، على رمال وادي بغيض تحديداً، الذي نفى الطهر عن صخرة الزيف، خطت الأكف ألف اسم..، ولكن لم يعد عند(التي) تاجرت بالهوى، جرعة.. يا جميل! مروان XXX جميل الفارعة XXX بثينة رياح حمود XXX وادي العقيق XXX التراب.. ومازال(مروان) يرجو(وفاء) التي غلفت وجهها بالمساحيق، من أنكرت نفسها، ومروان/جميل/ "نائم": .. " يا جميل استفق، يا جميل.. زمانك ولى وها أنت في دفتر العشق رقم.. وذكرى" خيبة"العاشق"، وخيانة المعشوقة، تحوير بالنص القديم، إدانة لكل"حبيبة" تهجر، عنوةً، أو رغبة، تنأى، تتزوج، أو تمنعها العشيرة، هي في منظور(مروان) الحكم هنا والخصم، (خائنة)!.. وهجرها ليس عبثاً، إنه الإمعان في الأسلبة، أولاً تحوير(القصة) الغرامية القديمة، ثانياً، خذلان الحاضر، برمزه(المطلوب): الفارعة/ بثينة/ المحبوبة/ المطلوبة... ثالثاً، النص الذكوري، يعالج الموقف الأنثوي، بالإدانة تارة، وبالاعتراف مرة أخرى،.. ففي(نهر الكحل)، يتصاعد عذاب مروان، لأنه"الذي تدرين مازال الذي.." و(غاص الخنجر المسموم في القلب)-خيانة أخرى، إذاً..- ومثل(الحكيم) يطلق سهم كلماته فقط، هي(خلاصة) التجربة، وهي ناتج امتحانه الصعب: (أحقاً إنني الماء الذي روى؟) ويستعيد أقوال(الفارعة)، كونه: "خبز العمر والملح والماء الذي روى.." بهذه الحوارية بين الـ"هو" والـ"هي"، الـ"كانت: والـ"كانت"، يضع النص، في المقدمة حال الزوال/ الغياب/ بالرغم من الذكر والتذكر، والحضور.. لأن الخلاصة التي يعلنها، النص، تعميمية، هي ذروة الخذلان والإحباط: (كاذبة وجاهزة أحاسيس النساء هنا..) و(خر القيصر المغدور)! وبالرغم من هذيان العاشق المخذول، المغدور، المخدوع، فهو يخوض الخندق الملعون ويجوز حفاوز الصحراء(ظمآناً وحوله الماء)، لأنه"مرصود" لنهر الكحل-الكناية- "قرباناً"، و"للنجمة الزرقاء" -كناية أخرى- التي(تغفو بين نهدي) (الفارعة)! وبعصبيته، يمضي الفارس المكلل بالعار/المعصب بالعار/ -رغم عذابه- ليتحدى(المدينة) التي(تنام) للزناة، فيتجه إلى(القدري) (الغيبي)، (ينذر عينيه لهفة وألف شمعة للخضر..) كي لا يذل! ولن يُطفأ: "فالحياة أن أموت أو أميت" ويموت! فيوم التقى الفارعة، علم أنها مثله، وإن الزهور التي أينعت لم تزل غضة العود، ولكن هيهات: ففي(غوطة الشام) يناديها قلبه، وفي"قاسيون": (.. إلتقينا غريبين وكان اللقاء.. وداعاً) ويعبر العاشق بحالته من(الفردي) إلى (الرمز)، ومن(العشقي) إلى (السياسي) المباشر: (وكان السراج المدمى بمفرق عمان وجه الفدائي) ويتوجه الخطاب السياسي، بندائه المباشر إلى(الفارس اليعربي المعصب بالعار): هذي ممرات سيناء بحر من الملح/ والعطش الهمجي../ استفق.. ما بين غزة والغور تدمي النوازع والروح/يخبو صهيل الجياد التي أدركت مطلع الشمس يوماً) التخلي الحقيقي، إثر المأساة، وكأن الذي كان هو بعض ذلك(الوجود)..، هنا، لم يتصنع مروان الأحاسيس، ولا الأفعال.. إنما الأحاسيس جزء من الطبيعة، ومن الإمكان..، ولم تكن السياسة فمن الممكن هنا،(فالإمكان) لم يتحقق بما يوازي(الحلم)، ومذ ذاك سقط(الحالم) الثوري في الخيبة، والغياب..، وبالتالي، يتحول النظر، لديه، من العشق، إلى اللاحب، من الأمل والرجاء، إلى الغدر، فالموت. (الغنائي)-هنا- مجازي، لكنه(محاكاة) واقعية الواقع، لم يستطع(صدق) النص أن يعبث بالتاريخ، ولا بالوجود المرئي،.. لم يقدم نزوة رومانسية، ولم يعد تفسير الوقائع على هوى حلمه، فالبطل، الروائي، السارد، المحبط، هو الذي رأى، وهو شاهد خيبة عصره، فالقطيعة، أكبر من مظاهر الجمال، والخديعة أكبر من الفرح وأعمق تأثيراً. إن النصوص قدمت"روح" الملحمي، والمأساوي، في"فنطازيا" الواقع، و"ميتافيزيقيا الحضور" ليست علاجاً، فالماورائية، هنا، هي السقوط في بئر العدم، فالخيبة أشرس من(الحضور). لقد غاب(الحاضر) تماماً.. و(مروان) هو الشاهد على ذلك الغياب، هو(البطل) و(السارد)، وهو (الثوري) و(المهزوم) معاً. (الفارس المعصب بالعار)، إنه الخروج من(أناه) إلى الـ(نحن). و(النحن) جميعاً هم في الخيبة، والهموم، وليس مروان وحده!.. مع أنه، هنا، (قناع) الحالمين الثوريين، العشاق المحبطين، جميعاً: ففي(العودة إلى الخيمة الأم)، تتبدى المزاوجة بين(الأنثى العاشقة) ورحيلها-أيضاً- ثم(عودتها إلى الذاكرة)- وكأن هذا المخزون، الذي يستعاد هو"المخدر" الذي يقلل من وجع الإحباط، وجرحه..، إن ساعة(الفصل) أتت لتقسم دم العاشق/ قطرة للقتيل، وأخرى لقاتله/ ويندمج(مروان) وهمومه، بالذات الكبرى، .. و(التداعي) (الاستذكار) في هذا النص يأتي عبر" التي أقبلت تنضح الطيب بالهاشمي المقصب والطلعة العربية"، التي يلتفت لها(الشاعر) (بطل القصة الغرامية) (العاشق) من أول نظرة، وقلبه"على ملعب الشعب" -حيث الفعل السياسي هناك- التوزع هذا بين(القلب) وبين(الواجب) السياسي! أضعف قلب(العاشق مروان)، الذي-أيضاً- لم يعد إلى حبيبته"دمشق" (التي طرزت جبهة المجد بالياسمين زماناً)، لأنها نائية، أيضاً، كتلك التي عانقت جميلاً، وعانقت(العرجي) لكنها تركت"الظمأ" "العطش" ذروة معاناة البدوي، حين تم الإفتراق القسري، فأتى"الاحتراق" حين جف الجسد، وحين كانت"يابسة" كل عروق العاشق، والجسد أرض شققها الظمأ الكافر: "الجسد أرض.." بهذا التوصيف، تتجلى خلاصة معاناة مروان وهمومه، ففي(الاحتراق) يتوهج مروان-بحجم التضحية- حد الاشتعال! فأية معاناة يصلها(العاشق) المعذب بالمرأة والسياسة والجسد(الأرض/ الوطن) إنها معنى المرأة التي تغمر القصائد كلها، والأزمنة التي تتداخل ضمن طقوس العاشق ورحيل الحبيبة، وخيانة العشيرة، ومعنى (الصور) وهي تتحد(بالأفكار) و(الحوار الداخلي) معنى الابطال العشاق والحزانى الحالمون وهم يطلعون من ( التراث/ والتاريخ) ليتحدوا بهموم ، مروان، ويتماهى معهم... ومعنى دمشق، فلسطين، الأمة، العرب، حين يكون(الرحيل) تمامّاً، وتغييباً(للقضية).. أية قضية من الحب الذاتي، إلى الذات الجمعية. ـ ومروان يتذكر.. في خندق المعركة، تتقد اللحظة الوجدانية، فيتذكر مروان"سرير حبيبته حيث ناءت عوارضه بثقل الموج واخضلت بماء الورد أهداب التي كانت.. وما عادت غدائرها مثار الطيب.. إذ(كان فراشها المحموم اغوارا، على شطآنها يغفو..) هذا الـ"كان" -زمناً وذكرى-، يدفع بالعاشق(الغريزي هنا) لإستراجاع"الحضور": ليالي الوصال/ فخذ الحبيبة/ مخمل نهديها/ عشب إبطها/ ثم"مغارس الرمان"/.. (تداعيات)- هي التعويض عن حمى الحرمان/.. ماذا يرى عبر"خندق المعركة" سوى"جسد" المحبوبة! إنها صحوة(المشتهي) إلى(حاضر) غاب!.. فأسترجعه!.. حين: (الموت) في(الجولان) (فوق الرؤوس) (غيمٌ ينث دما!).. وتستمر(التداعيات)، استرجاع الحوار مع الحبيبة، إنه يريدها معه، هناك، كاملة، كأنه ذاهب إلى نزهة، ومع ذلك، هناك دائماً المضاد في المشهد، فالحرب موت وعدم، وبين التذكر والحلم، ثمة وعي اللحظة الساخنة: "تناديني ربى عمان.." و"في الوحدات أنياباً.. مزيجاً من سعال الموت والصرخات.." فيتحول نداء العاشق، من"هل تأتين" الموجه إلى الحبيبة، عبر الاستذكارات والحلم، ومع ذلك"صدته"!.. إلى(عمان): "يا عمان.. يا خبزاً تقاسمناه"، كأنها"التعويض" المعاتب، فـ"مازالت نواعير الفرات العذب دائرة، ومازلنا.." و"مازلنا.."، محمول تفيض بالكثير من الدوال، والموحيات.. "مازلنا"، المرتبطة مع حركة الزمن: "دوران نواعير الفرات"، اليقين الذي يخصب الديمومة، ويجعل السيرورة قانوناً في الأشياء. ذروة الهموم، إذاً، حين تتوحد حالة التذكر وتتداخل، بين هموم مروان/العاشق/ ومروان/المناضل/ المقاتل/ الثوري/..، وحين تكون خنادق المعركة هي وعاء التذكر، ومناخ اتقاد اللحظة الوجدانية حد الاشتعال. العاشق محاصر، بهمومه، وبالوطن الكبير النائي،.. ومع ذلك لا يبخل على"جلد" نفسه، و"جلد" حبيبته، حين المعاشرة، إّ تكون ممددة فوق سريره، يقضم نهديها "الندم المجدول سياطاً" فتغيب،.. محاق يبدأ من قدميها، فيكتمل الأبنوس، وتظلم روح العاشق(الحسي)! ومروان يتعذب.. لأنهم اتهموه! تقرأ في العشق، إذاً، وتراه في"هموم مروان": جسدياً، غريزياً، حسياً(وهو واحد في أوصاف)، واضح ومتفجر رغبة وشهوة..، مع مزيج من حزن وخيبات، وغدر نسائي، وندم، ومكابرة.. لكنه(النادم) الذي يعيره القوم لأن قميصه لم يقد من القلب(يعيره الحب)، أيضاً، ولم يقد من الكتفين(لما اتهموه).. لكن مروان نسج رداءه من زهر الطيبة والغفران... فاتهموه! والمتهم يتعذب، المتهم يتعذب عذابين: عذاب الهوى الذي(يسترجع) في الذاكرة، بعد أن نأى عنه، وعذاب الذي يحاصره القوم في حبه حتى لو كانت"أسواره عالية!" حالتا العذاب: النقيض ونقضه: العذاب- الاتهام..، لأنه ينسج من زهر الطيبة والغفران، رداءه.. يتهم!.. إن الاتهام المسبق، عن كل(تصرف) يقوم به مروان،.. لأنه هنا، يواجه الموت، والزنابق التي تنمو فوق الجسد، وفوق القبر، معاً، لأنها"مرائية".. فهل يجد مروان(هل وجد بالفعل؟) في(مياه بني عذره..) التطهر من الاتهام، للخلاص من العطش والموت؟(43) |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |