آلة الكلام (النقدية..) دراسات في بنائيّة النص الشعري ـــ محمد الجزائري

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:17 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ في الخرائب

ـ (لست في زمني،‏

لا طريق أعود به....)‏

ياسين طه حافظ‏

ـ ينجز الشاعر ياسين طه حافظ ديوانه الحادي عشر: (في الخرائب حِليْةُ ذهب)(1993) يقدم هذا المجموع الشعري/الذي قسمه إلى خمسة أقسام/ بمستهلات تناصية بعضها مستلف من آخرين. والبعض(كتابات شخصية)‏

في الاستهلال الأول يستلف من(جحيم دانتي) الأنشودة الخامسة عشرة:‏

- (كم أود أن أزيد من القول/‏

بيد أني لا أستطيع أن أطيل السير والحديث‏

فإني أرى هناك دخاناً جديداً، ينبعث من الرمال)‏

ثم يستلف في ثالث أقسامه من: (دليل) (روبرت فروست)- مقطعاً شعرياً وصفياً هو بوابة تنفتح على أسرار القصيدة:‏

-(إن هذه الطريق كانت طريق إمرئ عائد إلى بيته من عمله ذات يوم، امرئ سبقك ماشياً أو كان يئن تحت وطأة حمل باهظ من القمح، مدى المغامرة إنما هو مدى ريفٍ‏

انماثت فيه حضارة قريتين إحداهما في الأخرى.‏

وكلتاهما ضاعت..)‏

بمثل هذه(التناصات)/ (المقدمات)/ يؤكد ياسين طه حافظ شعرية الحالة ووجوديتها في آن، فهو من خلالها يكشف(العنصر الذاتي) بموضوعية/ رويَّ مضافاً إلى وجهة نظر) في شكل منطقٍ شعري/ خصوصي/ يتجه نحو اللسان ونحو الأفكار في آن.. تكمن تأويليته في دنوها الواضح من المتلقي، بلا ترميز غامض، وكأن نصه اللاحق بقدر ما يكشف، يحكي، ويؤكد، امتداداً وفضاءً مفتوحاً، عبر تلك الكوة المؤنثة في مقدمات النصوص الشعرية الموازية لها، والدافعة في ذات الوقت نحوها، إذا تفهمنا آلية الشاعر، منذ العنوان، حيث(يؤكد) حقيقة ماثلة داخل العنوان(الخبري) وفي(ثنائية) مفارقة، وكأَن وجود(حلية ذهب) داخل (الخرائب) "واقعة" حقيقية- موضوعية- راسخة،.. فالعنوان مفتاح النص، ثرياه، خلاصة، وبوابة يسندها دائماً بكوى وبوابات أُخر، من جحيم دانتي) إلى(ليزيستراتا) أريستوفانيس(ص:64).‏

هذا الولوج إلى(عمق) القصائد يمهده لنا الشاعر من خلال المواجيز(مواجيز المداخل/ التمهيدات)، وهي-هنا- ليست لعبة مثاقفة، بل روح وعي ثقافي، سنجده ميزة صياغة مدروسة لقصيدهِ، وكأنه لا يسجل إنثيالاته، عفويةً، بل(يعيد كتابتها) شعراً من داخل عقله قبل وجدانه، لذا تبدو، وقد اتخذت حالات الاستذكار والسرد في مبنى حكائي دال، هو خطاب الشاعر وخطاب النص في آن.‏

يجوس(ياسين) في(الذات)، ثم في(وصف المكان) من خلال(انطباع ذاتي).. لذا يدخل منطقة(الموضوعي) شعراً، كضرورة، يعتقدها لازمة في إيضاح(الفهم) لصياغةٍ، مستبعداً(الاحتمالية/ التأويلية).‏

فالخرائب، كما يوحي العنوان، فأوى(الكنز)، مكان اختباء،/(الحلية) ذاكرة حادة ضد اقتراف وإلغاء وغياب- وكأنها(عنقاء) تجلو عن نفسها، معدنها، داخل الخرائب(الإطلال) تماماً. كما(الدخان الجديد) -نص دانتي- إندثارة موضوعية لديمومة الحياة الفعل والأثر ومن خلال هذا التنويه بالاستلاف الطلي من جحيم دانتي وسواه، يقدم الشاعر حالات. حياة/حب/ خيبات.. ولكن بمتواليات شعرية معنونة ومرقمة، لكنها، لها نسيجها، لها نسيج يربطها من أولها إلى آخرها، وكأنها قصيدة طويلة مقطعة على صفحات الكتاب تحمل عنوانات فرعية وداخل بنية سردية، هي(أسلوبية صياغة) لا تنأى بنفسها عن تجربة الشاعر في كتابة القصائد(الطوال)/ أو: (القصيدة- الديوان)، فله(الحرب) و(ليلة من زجاج) و(عبد الله والدرويش) و(النشيد) أمثلة، لا للحصر..‏

وكما افتتح(الديوان) بعنوانه، قفله مفتوحاً على تذكّر أيضاً، فخاتمة القصائد هي(القصيدة) التي حملت عنوان الديوان!.. وهكذا أصبح(العنوان) هو(الفاتحة) و (الختام) أو هو الفاتحة المستمرة، في مدورة النص، حيث(البداية) مثل(النهاية)..، أو نقطة انطلاقها. ومهد للنص ذاته بهذه(الكتابات الشخصية) ذات الدلالة:‏

- (أأظل أذكر بيوتكم البعيدة‏

مثلما أذكر حلماً..‏

وهل يصدق الذين حولي، أني أعيش اليوم في تلك المصابيح؟‏

أيها السادة السُراة) (ص102)‏

ان تعلق الشاعر بتذكار ذهب(حلية)/ قرط.. (ظلت لصق أتربة الخرائب) توهج نار أسلاف الشاعر بداخله، واصفاً المكان، الغرف المزخرفة الكوى، الموقع الحجري، (القنديل الذي يرسم وردة في السقف).‏

هنا الشاعر يكسر رتابة المنظور بصرياً، يخترقه بالحركة(الزخرف/ الكوى/ الموقد/ القنديل/ الوردة/..) واصفاً ما تبقى من ذلك(البيت المنيف) الذي أتى(البرابرة الحفاة عليه سوى القرط) وهكذا، وبتوكيديته الحادة في العنوان، ومنذ العنوان، لا يلغي الشاعر الماضي، بل يحيله إلى(وثيقة) شعرية تذكرية وتذكارية، ثم كأنه يغلق الدائرة علينا منذ المقدمة وحتى النهاية أو يفتحها بالتأويل!‏

إذاً، الشاعر، لا يسعى إلى"زيادة القول" بل يقربه إلى(ذاكرة الحاضر) مستبقاً الكمال، وتحركه الإرادة الطيبة، مرات في الشعور بالخيبة والأسى، ومرات بتساؤلية تدفع ميزات النص إلى الظهور الواضح، عبر مزدوجات ثنائية: (العاشق/ المعشوقة- الحب/ الفراق- اللسان/ الأفكار).‏

في (أعداء) (ص8) يقدم هذا التضاد الظاهري، في مزدوج(هو/ هي) تقابلاً واقعياً رقابياً لكنه(مكنى) في(العنوان): (أعداء):‏

- (تغير كل شيء صارت الدنيا‏

بلاطاً، قلعة، مركز.‏

وصارت ترتدي الصبح، ومنذ الفجر‏

بزتها الرصاصية‏

تراقبني كشرطي‏

أراقبها كلصٍ حاصرته الشمس‏

يهون الأمر لو ساعة‏

ولو ساعات‏

ولو شهراً!‏

ولكني كذلك منذ أعوام‏

وأبقى بعدُ، أعواما‏

تراقبني،‏

أراقبها‏

وكل يلتظي حقداً على الآخر)‏

هل يكن للدنيا/ الرصاصية/ البلاط/ القلعة/ المركز/ أن تراقبه(كشرطي)، أو يراقبها(كلص)، حد أن تنتهي باللاشيء، بهذه العدمية التي يسببها الافتراق أو النأي، ففي"لاشيء" يدق الجرس ولا تفتح، ويمضي(عنها)، وهكذا ظلت بحجرتها-وحدها- (كأّن لا شيء..)‏

وفي(تحذير) (ص10) يظل الوجه يبحث عن عزيز، عن لذة وعن فرح، إنه أيضاً، النأي والفراق والقطيعة،.. الإحباط والبعاد.‏

وبالرغم من(محاولاته) البحث عن(ندى) في الريح(كما في الشباك) فهو يخاطب(الحب) والنهاية محذراً ارتقاء(الدود الذي يجري من الجدران والشجر!)‏

محطات، الشاعر، إذاً في(خرائبه) أو أطلال تذكره وماضيه-حيث الافتراق حالة بُعد عن.. يكون(المتذكر) هو بعض ماضٍ رحل. وهكذا يخفق(التخاطب) في مجموع القصائد-تقريباً- من إيجاد(الآخر)/ المعلن/ فتشبع(الخطاب الشعري)/السردي/ هنا، بهذا(الغياب) (الحاضر) دائماً.‏

(متكلم) و(غائب)/ (عاشق) و(معشوق): تلك هي(حالات) المزدوج الثنائي في مجمل قصائد الديوان، بل حتى في تلك القصائد( الطبيعية) التي يرسم فيها النص(انطباعيات) بطله، من خلال(المكان الأليف)، ففي(جولة)(ص11) -مثلاً- ينفتح النص على سؤال: (لماذا تهت منذ الصبح، أي الناس يعنيني؟) و(يتجول).. لكن الآخر يبقى(مبحوثاً عنه)، بعيداً، لأنه ذلك(الوجه الواحد الوحيد في هذه الأرض باستطاعته أن يمد الروح بالخضرة والشمس)‏

فماذا أعطاه الطواف؟‏

لا شيء.. أيضاً!‏

لأنه عاد إلى بيته يلفظ(جملته) وحده!‏

بمعنى، إنه يدُوِّر(خطابه) من ذاته إلى آخر غائب!.. ثم يعود به إلى ذاته، مثل حوار داخلي. وتلك أقسى حالات الوحدة!‏

ويوشك(الديوان) أن يجعل(كل شخوص) القصائد مختلفين، وكأن قصيدة(المختلفون) (ص: 13) هي قاسم مشترك، إنها(التضاد) في الجوهر، فعبر ذلك النسيج في الخطاب الشعري/ السرد/ المبنى الحكائي/ صياغة، تفصح(القصائد- النصوص) من خلالها، متنها الحكائي بتواصلية مدروسة ومحكمة. يكون فيها(المخاطب/ المعشوق) دائماً: النائي، والبعيد، المستحيل التواصل الآني معه، لكنه(حاضر) بحيوية العشق، وكأنه(يفوح) به و(يعط).. مع أن(الآخرين) (الجميع): (وجوههم تدعي ودواخلهم خربة!).‏

إن(نماذجه) تحدق بعض ببعض!‏

.... .....‏

ـ الديوان، إذاً.. لوحات من(طبيعة): بشرية/ وحياتية، واختلاجات، تتراتب صفحة، صفحة، مقطعاً مقطعاً، بقصيدة- كأنها واحدة- ذات عنوانات مساعدة، روي، قص..، قصيدة مديدة، وتلك هي(تحكمية) آلية الكتابة لدى(ياسين طه حافظ)، فشعره لا ينفلت عنه، بل يصاغ بوعي(موضوعي) حيث تجد تلك القرابة المتلازمة بين صفحة وأخرى، قصيدة وأخرى، بالرغم من(العناوين) الموحية، كلها(تتحدث) عن(النأي):‏

- وأنت تظل منفرداً‏

- وأنت هناك تنظر، وحيد فارغ الكفين)‏

(من: مصائر: 14)‏

- (التحلم أيها المقطوع‏

خلقت هنا لتقرأ، ثم تحلم، ثم تدفن خلف هذي الباب)‏

(من: أحلام: 15).‏

-(أُعاني الفقد‏

إلى أين أولي الوجه؟)‏

(من: ذئب: 16)‏

- (جئت من قرية ربما اندثرت ونموت هنا‏

نبتة سيئة.)‏

(من: البابلي: 19)‏

...... الخ ......‏

لذا لا نصطدم بتلك(الحكمية) التي تتخلل القصيد، داخل المشهد الوصفي، والموحى الكنائي: تأمل(السكين)- مثلاً- (ص: 20):‏

(وقفت أمامها‏

حدقت: لامعة وساكنة‏

وعزم حاسم فيها‏

ولم أشعر بخوف من صلابتها‏

ولم أركن إلى حذر..‏

فقد كانت مهذبة وسيدة وما كانت تراقبني..)‏

وصف ظاهري- موضوعي- معلوم، لكن الشاعر(يكني) السكين، سيدة مهذبة/ أو العكس، فهو يلعب بالتضاد- المضمر في علانية الوصف، مجاز القصيدة وتأويلها وفنها في(الموضوعي).‏

....... .......‏

ـ ويجلو الشاعر حالة(الحضور) (الغياب) في مزدوج ثنائية(الهو/ إلهي) في قصيدته(خيط من الحب في الظلمات) (ص: 23)، كأفضل مثال بارز لوضوح القصد، وعنه:‏

- (نلتقي‏

ونعيش معاً‏

ملكين غريبين في عزلة‏

نترقب فرصتنا للمرور وخلوتنا حينما يختفي الآخرون)‏

فيعزز الشاعر توضيحاته، في (الوصف) و(المعنى) في(العيون ظنون)، إذاً.. كي يتجاوز عالم الآخرين المتدثر بالوهم وطبقاته، .. يمر بهم، وحبيبته، يسيران معاً، يتحركان فيه، كما شجين: -(نسير معاً‏

ونتيه معاً)‏

مؤكداً تلك(الغربة) عن المحيط وعن الآخرين.‏

وهكذا، الشاعر، دائماً يصور حالات النأي، الحنين إلى الآخر، الاختراق والرغبة في التلاقي، بمعنى أن القصائد مشبعة بتلك(الإزاحة) التي فرضتها علاقات الخارج(ظروف/ تقاليد.. الخ)‏

على الداخل(الحب، سريته، خصوصيته.. وتمنياته)، ودائماً، هناك: حذر، من عيون ظنون، وتلك حالة مشاعة في(علاقات) النص، وشخوصه، ثمة خيط حب في الظلمات، و(الثنائي) دائماً، كأنهما من"سلالة" حب قديم مضت، غرقت في الزمان"‏

نلاحظ، هنا، روح(عقل) التوكيد: (سلالة) هي موحى لماضي، عراقةً وانتساباً) وهي هنا، "سلالة حب" وصفه النص بـ"قديم"، السلالة (مضت): تأكيد آخر على عدم آنيتها، إنها لا تنتسب إلى الراهن، ثم(غرقت)، وهو نأي آخر، عميق: (في الزمان) تأكيد آخر على بعدها:‏

سلالة حب- قديم‏

سلالة حب- مضت‏

سلالة حب- غرقت‏

سلالة حب- في الزمان.‏

هذه(المتوالية) من(التأكيدات) تنأى بالحب وبالمحب، لأن يكونا بعيدين يعبران إلى جهة في السكون! وتلك حالة تنطبق على قصائد الديوان جميعها، تقريباً..‏

حتى في(توسل) (ص: 25)، تزيد حالة الرغبة في إلغاء فجوة الإفتراق دون طائل، إنها تأكيد جديد على ذلك النأي، وذلك الغياب، وحضور المعشوقة، حيث(يتوسل) العاشق أن يمنحه وجه الحبيبة، (موسيقى الله) و(ساعة أمن)، وأن يغمره(بالرحمة) لأنه(محكوم بمفارقة الأحياء/ ومصادقة(الموتى)، ولأنه- لأن روحه، تفتقد(العبق المفقود).‏

(توسل)، إذاً.. تقرب، حيث العاشق يترجى متذللاً، أو طالباً العطف،‏

- والهامش اللغوي الإيضاحي في ذات الصفحة(25) توكيد آخر، مفهومي، موضوعي، يدخل نسيج الحالة ويضيء شعريتها.‏

وهكذا يستمر الشاعر في كشف منطقة اشتغاله(الشعري/ النوعي/ الخصومي) عبر ثنائية(العنصر الذاتي) هو- دائماً- (ظرف الخطاب) و(وجهة النظر) -الأحكام- حيث كما أشرنا يدخل بالضرورة ذلك المنطق في كل فعل للفهم، داخل نسيج قصيدة الديوان، لذا يلجأ الشاعر (العاشق، داخل النص) إلى استرجاع الطبيعة(المكان الأليف) للتشبث بالأمل، (لم يجف الورق) -في قصيدة (ورق: ص:41) و(الساق البضة) كتعويض بصري عن الحرمان، لدى رؤيته(تلك المرأة التي خطفت بعباءتها، دخلت في أول بيت.. كونها الشيء(البارد) الوحيد في تلك(الظهيرة) الساخنة، وإن(عقره) لا تزال(عالماً ناعماً)، و(طريق بهرز) تسلم ساق(البطل) للريح، وتسلم روحه لها.. الخ(45).‏

نرى، إذاً، إلى القسم الثالث من الديوان مكتظاً بتفاصيل المشهد الطبيعي، وبانطباعات الشاعر،‏

في القسم الرابع يصطفي الشاعر مجموعة أصدقاء ومناصرين أعزاء، وبطلهم بأن يصغوا إلى أقواله، ففي(الضوء يأتي آخر الأزمنة) (ص:66)‏

- (الجمال البدائي (يأتي) وينزل في ظلال النخيل‏

الجمال البدائي في غرفتي‏

زمن آخر لقراءة سفر قديم تضيع علاماته الناعمات‏

وترقد بين طحالبه..)‏

........ .........‏

و(هي):‏

(هي مخلوقة للغياب البعيد مكرسة للذهول المقدس)(ص68)‏

وفي(السيف) (ص 69): المهداة إلى أبيه بعد عام من وفاته، تأكيد آخر على تلك الخذلانات ومجاوراتها المتحدية، إنها حالات التضاد:‏

(ومقتنعين مخدوعين نمنح سطوة الفلوات بهجتنا،‏

ونستجدي على أروقة الموتى‏

حبابات نعيش بها‏

تعيش بنا... .....)‏

حيث(تناهى) له(الطيف) وهو: (عراء واسع حولي بلا سقف) /ولاح الأفق مثل السيف/ ما بينه وبين أبيه!‏

الشاعر، يسترجع، في(مرثية إلى يحيى جواد) غرفة يحيى المغلقة، متسائلاً:‏

(من يمد يديه ويشعل مصباحها!؟)‏

ينتهي وصفياً..، لذلك المناخ الخاص بالنحات والخطاط والكاتب القصصي المبدع يحيى جواد، الذي(انتهى)‏

(غرفةً في المحلة مطفأة..)‏

(يلذنا زمن مخجل تعرف الصالحية أسبابه(46)).‏

ومثل قصيدته الطويلة نسبياً عن يحيى، مرثية له ولنفسه وزمانه، تتبدى الموعظة أو"مسألة رشدي العامل" وهو صديق شاعر، غاب أيضاً، احتواه الموت، مستذكراً ذلك(الفتى الذهبي الذي يتوهج في الانتقال من الظل إلى الشمس) ويستذكر عافيته في ذروة نشاطه السياسي والفكري حتى ينتهي(كما انتهت القصيدة):‏

(ينام في سريره‏

عكازة تلامس الوسادة!):‏

يلجأ -هنا- (ياسين) إلى(إشارات) يوضح بها بعض مغالق القصيدة وتناصاتها، وكأنه يشتغل على عجل عن رشدي الذي كان وأصبح.‏

ثم في الثالثة"صوت في بابل" حيث يستذكر أيضاً حالاته وخسائره، والأسى المر، والضحكة الفاجرة!‏

وفي"مباهج الطرق الضيقة" (ص97) /الثنائية حادة وقوية بين أناه الشعري وبين(الآخر) من خلال نهايات(القصص).. و(الآخر) هنا كاتبة قصة تكمل نهاية الأولى، واضعاً العبارة كأنها حد حوار يصاعد بين نهايات القصص والوقائع والعتاب، والنأي المفروض القاسي، فالزمان يدور على(بطل) لم يعد بطلاً! قصص في الهواء! تعاسة شيخوخة وهلاك ضمير!):‏

[بيننا يتمدد مستنقع ليس يلمس وردَتهُ‏

غير من يتوغل فيه..]‏

قصة تكملين نهايتها.‏

هكذا اتضح اللغزُ. راوي الحكاية يقنِطُ،‏

يجمع كل الخيالات في زاوية‏

غصنك الذهبي يكلّلهُ الثلجُ واللمع في الفلواتِ البعيدةِ‏

- أو في المواقف-‏

يغرق. لا ضوء، بعد‏

أنتَ وحدُكَ تجلس منفرداً‏

وتحاول ترسِمُ رأسَ حصانْ.‏

[ترك الحلَبةْ‏

جاء ذاك الحصان إلى الغرفة الخالية.]‏

هذه قصة ثانية..‏

.. وهذه القصيدة، موارة، صاخبة، فيها من العتاب الحزين، بين ذاك الذي يرى(قصته- جثةً- تتمدد بين القصص)، وهو فزع لا يرى، صوتها المتفرد وسط البساتين يعرفه، صاح في الليل صيحته اختفى، بعده: (الماء معتكر وزهور الحديقة زائغة،)‏

لا يميز أسماءَها..(اختلطت كلها.‏

كلها علف(للحصان) الذي سوف يخرق باب السياج ليأكل ما قد يروق له:‏

هكذا تنتهي الكلمات..‏

وتبقى الستارة مرفوعة!.. (ص101)‏

....‏

هذه القصيدة، والتي قبلها(الوردة الورقية) (ص93) تشتعلان على منطقة واحدة، هي هذا العتاب القاسي/ الجارح/ بين محب مخذول، وبين محبوبة هجرته، إلى آخر.. تمتلئ القصيدتان بالرموز، والمفاتيح لتأويل القراءة. وهما ذروة معاناة النأي والافتراق/ كأنهما تتوجان"قصائد" الديوان، بديلاً وبدلاً عن: "في الخرائب حلية ذهب".. إذ لم يتبق سوى(الخراب)، بديلاً وبدلاً عن: "الحب"‏

وهكذا.. في الخامسة، إذاً، يقفل الشاعر دائرة حواراته، بالقصيدة- العنوان.. وكأنه يقفل دائرة الحب، الذي كان.. وأصبح (في الخرائب)!!.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244