|
||||||
| Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
(.. أيقتل الناسَ، الخجلْ) كاظم الحجاج ـ... (في علم تداول النص) pragmatisme، أو "جمالية التلقي، لا بد من (نشاط تعاضدي) Activite Cooperative، يعمل على حث المرسل إليه كي يستمد من النص ما لا يقوله! وإذا كان (الإنفتاح): (قابلية التأويل التي يكون عليها نص، أو انفتاحه على التأول) يدفع، ضرورةً، إلى فهم "العمل المفتوح" كما يصطلح عليه أمبرتو إيكو - (49)، فإنما يتم ذلك (رغبة) في النص، أو (متعة) به.. للاسهام في (تنمية) جمالية للتأويل والتلقي، من هنا ينبغي السعي لفهم (فعل القراءة)، عبر مسار تكوين بنية النص للوصول إلى فهم الكيفية التي تكونت بها بنيته، وبذلك نضع أنفسنا، موضع (القارئ المعاضد/ الساند/ أو الناقد) الذي يسعى في القراءة الثانية ليعرف كيف (يصنع) النص و (وصف البنية)، بمعنى (وصف حركات القراءة التي تقتضيها...) لكي (تلم القراءة بنشاط الانتاج أو التأويل النصيين نفسيهما). هذه المقدمة -مداخلة إنارة، وجدتها ضرورية، لتتبع سيرورة نص، هو مقارب كلامي لموضوعة (الحرب)، وخارجه في آن.. ليس بمعنى(التمرد) عليه، ولكن بمعنى: رفض نتائج الحرب...، التي جعلت الإنسان يفقد ذاتيته، إن لم يكن قد فقد كيانيته... هنا لاندخل في المسوغات، لسنا بصدد "سياسة" وأفعال وردود أفعال، وسؤال البدايات والنهايات.. فالحرب، دائماً، لا ناصر فيها ولا منتصر، بخاصة فيما يتعلق بالإنسان، لأنه في الأول والآخر، سيكون "خاسراً". القراءة، هنا، تتعلق بنص مركب عنوانه "أربعة وجوه بصرية تحت القصف" لكاظم الحجاج(50) هناك فكرة(تشتغل) بيد شاعر، لتصبح حكاية (عبر قص شعري). المبنى الحكائي تأسس على فكرة، على حادثة، على واقعة، أو لقطة أو خبر.. التقطها الشاعر في لحظة انتباه (لحظة تنوير المعنى) فصاغها فناً. مع ظلالها... سياجاً ضد عدم، ضد آلية موت. وتأكيداً على حياة . (حتى في بنية الموت- العفوي/ المجاني/ غير المحسوب!/ الموت تحت القصف العشوائي مثلاً) إحياء الواقعة هنا في المبنى الحكائي، اللغة فيه تمظهر الحدث، أو تمظهر حدث، مادته المدركة، إنها وسيط ومتوسط فيه، في آن. و (الأدب)، هنا، (أصبح لاحقاً لحقل وقائع، وهو معاً، حقل قابل للدرس من خلال "اللغة" و"الخبر") ما الذي تغيّر من كون (حادثة) بعينها (قصف يؤدي إلى موت مواطن أو طفلة) قد قدمت في بنية القصيدة، لا كإخبار، بل (كحادثة) تقطعت إلى (أسئلة)؟ مع (موجز نثري) يدخل في صلب البنية كإستهلال، فاتحة، إضاءة أولى: (الوجه الأول: حامل الخبز)، مثلاً، أو الطفلة (إهداء) أو الرجل الذي مات خجلاً) الذي تغير، بالدرجة الأولى، هو أنها لم تعد (حادثة) (بالمعنى الواقعي)، حادثة تعين بذاتها، حادثة تبدو للناس من خارجها ذواتهم، كشيء محدد، يريدون التعرف عليه وإستيعابه. - عند هذا الحد يمكن أن يقف نشاطهم كأن الحادثة (الواقعة)( قد شطرت بسلسلة من الأسئلة، إلى عدد من الأفعال، ومن هنا شعورنا، وكأنها تتكرر، تبدو وكأنها نتيجة لنشاط المجموعة البشرية، لنشاط (الإنسان).. لماذا حدث هذا الشيء أو ذاك، بهذه الطريقة، وليس بغيرها؟ السؤال يمثل تعاملاً مع (الواقع اليومي) قائماً على الإصرار... "الواقعة" أو "الحادثة": لا تبرز أمامنا كمعلومات ميتة، بعيدة عن مشاركة الإنسان، بل هي شيء مفترض في وعي الناس، والوجوه المادي للحادثة مسبوق بفكرة الإنسان عنها -إن كان يتوقعها- وعلى تحقيقها يترتب الإحساس البشري بها من خلال النص الإبداعي. وهكذا، فالحادثة المادية ذات المعنى المحدد، خبرياً، الخاصة بقصة (قصف مدينة) قد إندمجت في منظومة من الإحداثيات ذات المعاني المتعددة، والإمكانيات العديدة، فأنفتحت على أفق فني. تضيء الحالة (الحرب) ومضاد الفقدان فيها: السلام -البقاء أحياءً- أو بسالة الشجاعة! وهذا الشيء الواحد، متعدد المعاني والإمكانيات: موت حامل الخبز -مثلاً- أو الطفلة إهداء إكتسبت الآن أهمية جديدة، وحياة جديدة. عندما لم تعد (واقعتها-معلومة حدثها) حكراً لجهة محددة (جهة المعلومة/ الخبر.. اجرائياً): - (أحقاً أن الشيء الوحيد الواحد -بين المتعدد- يعني شيئاً آخر تماماً يختلف عما يعنيه (الشيء الواحد) بذاته! وعلى أثر التصور الأمثل لتنوع الحياة، ومجموعة احتمالاتها، فإن حقيقة (موت الرجل البصري الخجول) وبهذه الصورة بالذات، تثير الاهتمام - بالسببية- وتخلق بنداً فلسفياً: لماذا حدث شيء واحد بالضبطِ، هو الموت، من بين احتمالات عديدة متعددة؟! من هنا يلتقط المبدع -المأساة، التي تولد لتوها، عبر الأسئلة، مثل قدرٍ في منظومة احتمالات، أو.. "إن ذلك أشبه بمعادلة ذات مجاهيل متعددة، ومما يزيد في خطورتها - في ذهن المبدع معيد تشكيل الواقعة المادية/ الحياتية، شعراً- إنها تحل على حساب حياة الإنسان أو موته، وليس بأية طريقة أخرى..." وعلى وفق مقوم القص بزهد لغة، وبلاغة بساطة، يتأسس (كلام) القصيدة (أدبيتها) في نسيج مناخ شعري، وفضاء حرب، حيث تفتتن القصيدة بنموذجها (الإيجابي: البطل/ الشخصية)، حيث يتموضع المكان بالزمان الواقعة بالمشهد الأدبي. المنظر المحكي شعراً في ماهية حياة وتفعيل حرب، ولكن: ببلاغة بساطة: "عاد رجل يحمل الخبز لعائلته، فوجدها ممزقة تحت انقاض البيت" (حامل الخبز)، هنا، هو (حالة) من (أربعة وجوه بصرية تحت القصف) تنفتح على موحيات، على متواليات، نماذج بشرية، لا تنتهي:
ـ- كاظم الحجاج، الشاعر البصري، لا يرى فعل (الواقعة) عياناً، حسب، كونه ابن مدينة جنوبية (صامدة) هي البصرة، (محاصرة) من قبل (الحصار) بالقصف المدفعي، حسب، بل الفعل، بالنسبة إليه، هو (الحقيقة المطلقة) التي لا وجود لها في ذاتها، أو التي لا وجود لها إلاّ إذا تجسدت في عالم الواقع، إنها تظل رابضة في رحم الممكن ما لم يتفتق هذا الرحم عنها، ليفصلها على شكل (واقعة) مكتوبة! إنه (كشاعر المعلقات الجاهلي): يتوحد مع الفعل، بحيث يغدو كل منهما (علة) و (نتيجة) للآخر: (الإنسان مشروط بالفعل، والفعل مشروط بالإنسان... وكل من طرفي العلاقة (الفعل/ والإنسان) يقاس بالآخر،... بمعنى: إن الفرد (البطل، هنا) يتحقق داخل بنية النص، كما داخل بنية الحياة، بقدر ما يحقق من أفعال، وكذلك بالكيفية التي تحملها هذه الأفعال، وبالتالي فإن نوعية الفعل (القصف/ ومضاد القصف) تحدد الفرد وتتحدد به، إلى درجة أنها تغدو هوية له، صفاته المجردة، ويغدو هو، عالمها الشخصي الكياني لها) واستناداً إلى ذلك، لا تظل الواقعة في قصيدة (الحرب)، التي على شكل وشاكلة تجربة الحجاج -تماماً- كما في (المعلقة)- لا تظل مجرد استسلام أمام الموضوع الغني، فضلاً عن أنها ليست إستعصاء الواقع على الوعي، بل تغدو إنجازاً ذاتياً في واقع خارجي. إن شاعرنا يحاور مجاله بوجدانه، يمارسه بأرصدته الروحية! من هنا، لا تظل "وقائع" "أربعة وجوه بصرية تحت القصف" مثالاً، مجرد حكاية (حكايات) عن (القصف)، تتوخى أن تلقننا حكمة عن الحياة والموت، أو درساً عن الصمود والشهادة، والمقاومة، حسب، بل هي، في الحقيقة، "جملة لإصطراعات الشاعر مع شروطه" هذه "الاصطراعات" (التي يبسطها على شكل أحداث أو وقائع، ولذا لا بد من فهم الحدث، تماماً، كما لو كان مكافئاً خارجياً لصورة الروح، أو لزواية من زوايا هذه الصورة) الشاعر، هنا، يحيط بالحقيقة المادية، لأن (الحقيقة) عنده لا تتواجد خارج (الواقعة) بل هي (الواقعة) عينها، مثلما أن (الواقعة) هي (الحقيقة) التي تتذوب فيها، مما ينفي الحقائق الاستشرافية والمتعالية. هنا، يتأسس السرد الحكائي على سؤال.. إنه فاتحة القصيدة، فاتحة النص، القص، فاتحة الحدث، فحامل الخبز، يعود إلى بيته فلا يجد بيته! تلك هي (أرضية) الواقعة، "خبرها الموجز"، باختصار شديد.. ماذا حدث؟ ذلك أول ما يدور في خلده، فلا بد أن تنثال الأسئلة في ذهنه، إن ظل محتفظاً بتوازنه، بعقله!، وذهنه، خارج الشرود، من شدة الصدمة، أو خارج السيطرة: كل عائلته. كل عائلته، تماماً. التي كانت بانتظار الخبز.. هي، الآن، تحت الأنقاض لا أحد،.. لا أحد... مطلقاً... فمن كان ينتظر، ...(لا عيون!). "حامل الخبز" ،هنا ، كناية.. لا تحتاج إلى (مسمى)/ "البطل" في (شيئيته)، الثبات ضد الموت، وفي مواجهة الموت. إنه السائل الوحيد الحي المتبقي من الأسرة، هو.. إذاً، الباقي في التجربة! هو... (الشخصية)، وقد ارتقى بها الشاعر، من ماديتها، إلى علياء الفن. وبهذه التساؤلية المتتالية، الضاغطة، يتراكم النمو الهرمي في بنية النص (القصيدة القص) حد النهاية الفاجعة، المأساوية:... (لا عيون!) ينفتح النص، أيضاً، على موحيات، استعارات، واستلافات من... لأن منحى السؤال يغطي حاجة قدرية، وأمنية؛ أن يتحول (الخبز) (قُراناً) لتقرأ فيه (آيات: السكينة والسلام) وليأمن الأطفال، (عند القصف!) يحفر الشاعر عميقاً في متوالية الأسلئلة، وتمني الاستعارة (الخبزُ، قراناً)، والمدى المفتوح الذي يعطيه هذا السؤال، بين حدي (الموت) و (الحياة): (الموت- الحياة) أو (الحياة - الموت) متروك -كنصلٍ لامع- لك، كمتلقٍ: أن تضع (الوصف) المناسب لـ "حامل الخبز" كيف سيعيش، بعد فقدان أسرته بكاملها- إنه (ميت)، ظل حياً، كان يمكن أن يكون ميتاً، تحت الأنقاض، لكنه ظل شاهداً بدل أن يكون شهيداً، ونيابة عنه (عنهم)، الشخصية هي/ الـ(هو)و الـ(هم) معاً! وعلى المدى (القدري) لن يعرف الموت بالقرآن مصدراً، إنه، أيضاً في موعده يأتي: "ولكل أجل كتاب!"... وإن "آيات السكينة والسلام" -المتمناة- لم تعد القصف عن قتل الأطفال! (المادي)/ هنا/ تغلب على (الروحي)! (إرادة التعنية) على (الإيمان)، بالرغم من أن الجهة المتحاربة تؤمن بالقرآن أيضاً، وربما تتمنى (عوائلها) باسم الله -أيضاً، قراءة آيات السكينة والسلام، لكن "السكينة والسلام" إرادة، لا تمتلكها الشعوب!.. بل تمتلكها (المصالح العليا) لاشعال الحروب. وكاظم الحجاج في لجوئه إلى متوالية الأسئلة، يدفع (القص) ليكون (شعراً) منذ الاستهلال/ أو الموجز النثري: "رجل يحمل الخبز لعائلته،.,. عاد.. فوجدها ممزقة تحت انقاض البيت. هذا إختزال حدث، وفاتحة تنبيه للمتلقي، كي يتوغل- نفسياً ومشاركة- في نسيج الحالة/ الواقعة- وهو هنا "كموجز الأنباء": "موجز نبأ" (إفادة من آلية إعلام...) ينمو هذا الموجز قصاً شعرياً، مؤسساً على سؤال الكارثة. لينير لحظة التصادم =التضاد= الصراع، الفناء! عبر تتاليات صورة تفاصيل، من حياة يومية ومن تاريخ، أطفال يعودون مذعورين من مدارسهم، إلى بيوتهم، يحملون الحقائب، العبء، والخوف. الشاعر، قاصاً- هنا اختزل التفاصيل على وقف بنية قصيدة، ببلاغة بساطة، لا على وفق بنية رواية مديدة، لم يذكر المدارس بل اكتفى باعباء الحقائب- بديلاً موضوعياً/ كفاية اكتفى بكلام "الإبن" الذي نسي (شكل) الصف...، لكثرة انقطاعه عن المدرسة، تحت القصف وبسببه، الأكياس/ سواتر، تحجب الشمس في مدينة البصرة، مدينة الشمس والأنهار (صفتا حياة ورخاء وحضارة) تتحول نوافذ العشاق (موحى للشناشيل بكل تداعياتها من شناشيل ابنة الحلبي إلى شباك وفيقة السياب، إلى آسيا، إلى البصرة نافذة الشرق على الخليج، والمياه،...) تتحول إلى (مراصد نار!" من حالة الحب /العشق/ إلى حالة الحرب والموت، إذاً: جديد حالة المدينة، هي حالة الحرب...، وفي القراءة الثانية المفتوحة التي يتيحها النص، خارجه، تتشكل مقارنة (جبرية) في ذهن المتلقي، عن صورة "نوافذ العشاق" التي كانت "مراصد حب"...، والتي تحولت.. الموحى يمتد عميقاً إلى خصوصية مدينة المدن، وعمقها التاريخي والحضاري، والفكري... ومع ذلك -(ورغم أنف الموت)- بما فيها من حماسة وعصبية- لا يتوقف (العشار)... هنا يدفع الشاعر بحركية مشهد (نهر العشار) الذي يطل عليه في وقفته التمثال / الرمز/ الشاعر السياب، وموحى حياة النهر، (العشار)، تتجلى في الديمومة، ضد السكون، لأنه النهر الذي يحتضن مركز المدينة، ويسقي بيوتها ويروي بساتينها، وهو المحال الحامل لكل خيراتها. المفردة، هنا، مشبعة بموجباتها أيضاً، ذات علاقة تنمو من داخل النص إلى خارجه (عقل المتلقي) وفي نسيج المبنى الحكائي أيضاً، بدوالها وشفراتها، هويةً ومصيراً، خيراً وتاريخاً، وجوداً وجمالية مكان... ثم يأتي السؤال الأخير في المتن: لمن تحمل الخبز؟ مباشراً لحامل الخبز،.. لنا، من بعد، ..."لا بطن.." فالبطون "تغدت" [يستعمل الكلمة بعاميتها دون تنقيط الذال) -تغدت شظايا!- مفارقة حادة، مأساوية، صارخة، بين أن تتغذى البطون رغيفاً ساخناً، تتغذى بجحيم الشظايا، ...إذاً، من الحتمي بعد ذلك، أن تنطفيء العيون! (لا عيون...)، الشاعر يجعل السؤال "حاملاً" لا محفزاً فقط، مفتاح إدهاش وتحريض، حسب، ولكن مكافئاً موضوعياً، أداة ضغط نفسي وعقلي، في سياق نص ولغة. والبطل غير مسمى، لكنه معلوم شمولي، ينتمي إلى البصرة، إلى العشار، إلى "أم الدجاج" تحديداً، لذا فهو يكتسب هويته من فضائه، محيطه، ينطوي على تاريخية مكان وزمان لمن يعرف جيداً وحدات فضاء العراق، والبصرة بخاصة.. وعلى موحيات كثيرة؛ تاريخ- نضال (المدينة/ المحلة تحديداً)، وكدحها، بالرغم -من كونها مدينة النفط والماء والنخيل والميناء!! والقرينة (بالخبز) و (البطل) المفجوع بأسرته هو (حامل الخبز)، كأن البصرة -تحمل الخبز _ وهي مفجوعة!، لذا الدلالة الحسية تشتغل هنا على منطقة الشعر والتأويل وجمالية التلقي، (فالخبز أيضاً، موحىً مطلبي، نضالي، هو بالتالي رمز العيش الرغيد المستقر: الحياة الأمنة، المطمئنة، إنه ليس (فاكهة نادرة)، أو (نبيذ معتق).. إنه (الخبز: الكفاف اليومي) و (حامل الخبز) هو مواطن من حي كادح "أم الدجاج"، إذاً فهو امتداد لحامل السلة، في الميثولوجيا العراقية، (منذ سومر، قصة الخليقة) حتى أيام القصف! في القص الروائي المديد، ربما يتمكن قاص أو رائي من أن يوّلد من هذه (الواقعة): (حكاية حامل الخبز) كثيمة أساس عملاً كبيراً، طويلاً، إذا أراد التوغل في مجازات وكنايات وامتدادات تاريخ- حياتي، نضالي، ووصفية مكان/ فضاء الحديث (بيتاً/ محلة/ حياً/ مدينة/ وامتداداته عبر الفضاء الأكبر: الوطن، ... وعمقاً كاسترجاع في الزمن والأحداث إلى سنوات عمر حامل الخبز، منذ طفولته، حتى (لحظة) موت أسرته (تحت القصف)، في تقديم وتأخير أزمنة، (استرجاعات)... لكن السرد الحكائي في المتن الشعري لقصيدة (الحرب) الجديدة، في العراق، لا يحتمل ذلك كله، مع أنه يفيد من ذلك كله.. فالمبنى الحكائي يشير، هنا، لا يستطرد، أو يمتد،... إنه يقص بالمواجيز، بالأقاصيص، بالأسطر..، بالإشارات، وأحياناً بومض الكلام..، وإن بلغة مجرحة مثكولةٍ، مدماة، ورغم بساطتها ووضوحتها ومباشرتها و (خرافتيها) أو (لا معقوليتها)، فهي مكتظة فناً، وتحقق بلاغة بيان في بلاغة بساطتها. إن (البطل)/ الشخصية المتداخلة في متوالية (الأسئلة) في نص (الوجه الأول: حامل الخبز)، خلقت (الأسئلةُ هذه) جملة "مفاوضات" / "محاورات"/ مع الواقع، أجرتها "ذاتُ" لها درجة عالية من التحقق. إذ بعدما يستحيل الفرد (حامل الخبز) إلى (فعل/ شاهد). فإن هذا (الفعل) نفسه يغدو "عين" ذات الفرد، ولا يتبقى على الشاعر إلاّ إنجاز مجموعة أفعاله التي تشكل (ماهيته) في إنجاز كلي هو (القصيدة) يضمها جميعاً... من ناحية الترقيش على بياض الورقة، فإن العنوان، وهو (موجز) الواقعة، مبنطٌ أو "مرصوف" في تشكيله الطباعي/ اسمه/ بحرف أسود بارز، أكبر قليلاً من رسم ولون و حروف بقية المتن. الشاعر، بهذا، الترقيش، يجرنا إلى (انتباهة)/ بَصَرية/ وليست نفسية ضاغطة تأملية فقط، في استعمال نوع الحرف، وشكله، ومكانه، ورسمه، من (جسد) القصيدة- الفعل..، كي يكون العنوان "ثريا النص" بالفعل.. -2- - الوجه الثاني: الفراشة الخضراء
كون (الفراشات) هي (أرواح الأطفال) الطاهرة البريئة- في الميثولوجيا والمخيلة الشعبية-تزور أحبتها، أهلها، عادةً، بعد الموت، كلما اشتاقوا لها أو اشتاقت لهم، متجسدة بالفراشة. والفراشة الخضراء، هي الأجمل، والملفتة للنظر، والأحلى بين الكنايات.... لذا لا يقتل الأطفال في الجنوب، الفراشات، ولا يصطادونها، ولا يعابثونها... لأنها تشكل في مخيلتهم المعنى الكبير الذي ذكرناه، والمترسب في وعيهم نتيجة قصص الجدات أو الأجداد، أو الأبوين.. إن الفراشة، إذاً، هي "الزائر المحب، المحبوب" -روح الغائب-. -تصير: (تحول نوعي في الصيرورة من حبيبة حيّة، إلى فراشة حيّة، إنها -في النص- حياة أخرى، مضاد الموت الأرضي- خلود. - وعيناها: (الدلالة في العينين الخضراوين، أفق الرؤية، الأجمل في تكوين الصبية، وما تغتني به الخضرة من مداليل، وظلال موحية.. - تقتل/ تصير/ تتحول... بعد القصف، إذاً، إلى فراشة خضراء. مثل قطع سينمي، أوصلنا الشاعر إلى حالة قطع عنيفة/ حادة/ في : "تصير...)، لكن بشاعرية سرد، موجز، انتقالات بالصور، تنمو مع دراما ذاتها، لكينونتها، ثم صيرورتها الجديدة، مؤسسة على مكانية، زمانية، ذات جمال أيضاً، (من حدائق المنزل، فجراً، مبللة بالندى، حتى خضرة لون عيني اهداء، ثوبها، وشاحها، وتحولها -بعد القتل/الموت/ فراشةً خضراء، أيضاً. مشهد صاخب بالحيوية، هكذا يبدأ بنهوض الصبايا/ المرايا/ الندى/ الحدائق/ الفجر/ الوشاح/ القميص/ التحليق: (فراشة خضراء): إنها دورة حياة كاملة، تبدأ من نقطة ضوء - منفتحة على حياة، (إذ يسقط الندى)، حركية، ولا تنغلق في (خاتمة) تقليدية، بل تنفتح أيضاً على أفق حركي مديد: فراشة خضراء طليقة، حرة،... تلك خالقية جميلة لمعنى ودلالة (الشهيدة)/ الصبية الحلوة. الشاعر، يكمل السرد الحكائي، يعمق الشعرية في المبنى الحكائي، ولكن بفاصلة (صمت) أخرى.. (علاقة قطع) ثم (عبر) نداء مناشدة: جسد الآخرين، هو في (الواقعة) اطار تفسيري يحمل احتمالات ومضاداتها، صراع بين الموت، والحياة.. القتل/ والجمال.. الحالة والاستحالة/. الممكن والمستحيل/ القدري والمتمنى: - (يا فرق الإنقاد من يستطيع أن يغير اتجاه قنبلهْ؟ من يستطع أن يزيل الدمْ؟ وأن يعيد للقميص لونه المخضر؟) ولم يقل (لونه الأخضر)، وكأنه أخضّر أكثر بفعل عيني (إهداء)، دلالة قوة حضورها الحياتي ورمزية وجود الأطفال في عالمنا،فالحرب، هنا، محاولة لقتل المستقبل، /الطفولة مستقبل/ فالحاضر، ليس وحده المقتول/ أو المهدد بالقصف والإزاحة والدمار، بل المستقبل ايضاً... ذلك ما تعطيه القصيدة من قوة إيحاء.، وإن كان (مجملاً): يصير جميلاً/ حياً/ طليقاً، فراشة خضراء!.. السلام ضد العدم/ الأخضر ضد الأسود. ثم إطلاق السؤال الاستحالة في المقطع الأخير من النص/ وهو نص مكثفٍ بذاته أيضاً/ هو ليس خاتمة قص، بل انفتاح (آخر) على أفق مديد آتٍ. كان (السؤال) في متوالياته في نص "الوجه الأول: حامل الخبز" فاتحة قص/ وهنا في "الوجه الثاني" يعود الشاعر إلى صيغة (السؤال) الذي يدفع بالمعنى إلى واجهة الانتباه، لتصعيد جدلية السود، ودراميته، وحركيته... هل نستخلص "منجز" أفعال، في (الرباعية) عموماً؟ لنقف عند هذين الوجهين، لاحقاً... بعد استكمال تحليل النص كاملاً... - 3 - - الوجه الثالث: الرجل الذي مات خجلاً -(رجل كهل، بنى داخل بيته ملجأً، وحين ابتدأ القصف حاول دخول الملجأ، لكنه فوجيء بوجود نساء من الجيران... فخجل أن يقتحم عليهن، وبقي خارج الملجأ... ليطير رأسه كشهيد خجول!) بهذه (الثيمة) الحكائية (النثرية/ الخبرية) يقدم كاظم الحجاج لنصه الثالث: الوجه الثالث/ في الرباعية. إذ إنه يُدخل هذا "الموجز" ملصقاً نثرياً- استهلالياً- في بنية النص، ثم.. يترك (أيضاً) بياض الصمت أو "القول/ المضمر" مساحة نفسية غير مكتوبة بالأسود، لكنها "مكتوبة" بذاتها إنها، الذي نقرأه نحن في (البياض)، بعد أن يتركنا هذا الاستهلال/ الموجز/ الحاسم/ في الدهشة! ثم يبدأ إتمام (الخطاب الشعري)/ الحياتي) بنداء هذه المرة، ولجمهور معين ومحدد ومعروف هو جمهور "الميناء" (والميناء كناية للبصرة المدينة- الميناء، والتاريخ النضالي الوطني لعمال الميناء) إذ يوحي لنا الشاعر بماضٍ معروف في التاريخ الوطني العراقي، نتذكر: "اضراب عمال الميناء في انتفاضة تشرين 1952/ وتظاهرات عمال الميناء في وثبة 47- وضد معاهدة بورتسموث ومن أجل فلسطين في 48...، وتالياً.. في كل المراحل...) ونتذكر، أيضاً، "شهداء الميناء!" و "الميناء" المدينة، في ثورة العشرين (حزيران 1920)، وفي مقارعة العثمانيين والانكليز معاً... والحكم الملكي والعهود الرجعية، من ثم... إذاً، في التداعي الحر، الذي وضعنا به النص، إزاء حراس الماء، حراس الميناء/ الخطاب، هنا، مثل منشور سياسي: علني/ يضمر / روحية تحريضية/ يذكر...: - (يا عمال الميناء يا حراس البصرة هذا رجل ما كان يموت -كما شاهدتم- من غير عناء ما كان يموت بسيطاً جداً وخجولاً جداً لولا هذا الخجل البصري القاتل وكما لو أن الموت بلا رائحةٍ وبلا طعمٍ أو لونٍ كالماء! يا عمال الماء يا حراس الماء هذا رجل يعطي لكن لا يأخذ.... كالميناء!) "الرجل الذي مات خجلاً" إذاً، هو "الوجه الثالث" من رباعية الحجاج: "أربعة وجوه بصرية تحت القصف) مضمونياً؛ إن شحنة التحريض عالية جداً، موحية إلى أبعد، تختزل تاريخاً من التحريض والتمجيد والعطاء؛ بخاصة في الأسطر الثلاثة الأخيرة: - (هذا رجل يعطي لكن لا يأخذ كالميناء..) هذه "حقيقة" لا تنطبق على أي "ميناء"- وهذا توضيح استطرادي قد يبدو خارج النص، لكن له علاقة ببنيته: تراكمت في الذهن الشعبي عند أهالي البصرة، وعبر الحقب التاريخية كلها مفهومات بمثابة عهد، أو قانون سماوي/ (إن البصرة مدينة مظلومة أبداً، وإنها تعطي ولا تأخذ.)، فهي (الميناء) ومدينة (النفط) ومدينة (غابات النخيل) و (التمور) الأحلى، والأكثر تنوعاً وفرادة/ مدينة (البساتين) و (الثروة السمكية) وأنواع الزراعة المنتجة، باختصار أنها (مدينة خيرات)، لكنها تعطي، ولا تأخذ، فعمال النفط وعمال الموانئ، سكنوا ولحقب طويلة في (بيوت) من القصب/ أو اللبن/ أو الصفيح... وسط المستنقعات، والحشرات، والأمراض المستوطنة...، في حين كانت ميزانية الدولة العراقية منذ بداية الحكم الوطني- وبخاصة في العهد الملكي- تعتمد في جلها على وارادات (مصلحة الموانئ العراقية في البصرة)/ والسكك الحديد في المعقل/ ونفط الجنوب/ عدا عن تصدير "الحبوب" والمنتجات العراقية، عبر بوابة المياه (البصرة)، وأيضاً: حركة الاستيراد والأكثف والأغنى عن طريق بحرها وشطها وبرها وصحرائها! والمعروف أن (الميناء) بمعناه العام (التجاري والمالي) مصدر ربح يغذي خزينة الدولة/ أو الشركات المالكة، وهو بمصلحة تبادلية/ بعرف تجاري نفعي/ يغذي أصحاب العلاقة/ طرفي العلاقة: يأخذ ويعطي/ يعطي ويأخذ، إلا البصرة -الميناء: فكل عمرها تعطي ولا تأخذ...تخجل أن تطالب/ أو تأخذ... كذلك جاءت (المطابقة) الكنائية بين الرجل الخجول/ الشهيد الخجول/ والميناء!... في زمن لا مكان فيه للخجل، زمن تبادل المنافع، ثم تأتي المفارقة الضدية الأخرى: المطابقة والموحى أيضاً... حين يضع الشاعر فاصلة نفسية وعلاقة اشارية بين ذلك المقطع/ النداء.. وبين المقطع الحكمي التساؤلي، الختامي، حيث المخاطب (هنا) ليس عمال الميناء، بل الكهل الشهيد، نفسه: - (يا أيها الكهل الخجولْ أيقتلُ الناسَ الخجلْ ماذا... أتخجل أن تعيش - كما يعاش!- بلا خجل؟!) هنا... نموذج شهيد متفرد، رجل ميناء، مدينة، حالة استثنائية من براءة وطيبة، ونكران ذات، إيثار ثرِ، وخجل معطاء، في عالم (يعيش بلا خجل!) تكبر الكناية،... من (الفردي) إلى (الجمعي) من (الرجل)/ الكهل - إلى الميناء/ المدينة، والتاريخ. وذلك موحىً كبير في قص قليل -موجز- ومعبر وبليغ في بساطته الذكية. إنه اختزال لخصال مدينة وأهلها وتاريخها، في أسطر.. وإلى مساحات الصمت/ البياض... يلجأ الشاعر أيضاً، أولاً: بعد الاستهلال/ الموجز ثانياً: في نهاية المقطع/ النداء الأول حيث يترك فراعاً... ليبدأ النداء الثاني: ياعمال الماء/ بعد أن بدأ النداء الأول: يا عمال الميناء، ثالثاً: عند نهاية مقطع النداء الثاني وبينه وبين بداية المقطع الأخير (بفاصلة)/ علامة/ حيث النداء الثالث ( يا أيها الكهل) للرجل/ الشهيد. ... هذه الوقفات/ بالبياض وبالعلامة/ تغير حالة، تتحرك بعمق النص، نفسياً، تقطع على وقفة/ على صمت/ على تأمل/ أو "سحب نفسٍ" إنها ليست محطات استراحة، بين ثقل كثافي لأسئلة، لموقف، وأخرى... بل مد نفسي وتأملي للتضاد المشحون داخل الصورة، داخل الموقف، داخل الحالة. بخاصة وأن هذا النص مؤسس على (حوار) بين حاضر مدينة وماضٍ مشار إليه تلميحاً من خلال "واقعة" هذا الرجل الكهل الذي ترك ملجأه خجلاً، لأن شهامته ومروءته لم تقبل "مزاحمة" نساء الجيران، أو طردهن من الملجأ/ المكان الدافي/ الآمن/ الصغير/ كأنه رحم حنان، وحماية... هو خرج من (محمية) بناها بإنسانيته أولاً، ووهبها نفسه، بإنسانيته، تالياً...، فهل أكثر بلاغة من هذا النبل الصافي/ البسيط/ المتواضع، والخجول..؟! هنا "الخجل" كمفهوم /صفة/ يأخذ بعده الأثرى من بين خصال (البصري)، الخجل هنا كرم فائض عن كل الحدود،... وهي صفة في (البصري) مواطناً، وهو (الخجل- هنا) روح حضاري، أعطى أولوية المكان للسيدات!... وظل في الخارج، تحت القصف،.... حتى مات.. والخجل، هنا، هو التضحية... حد الشهادة! و..، المرادفات، المعاني، المتوالدة،.. تنبع من كلمة، وتتسع. إنه الخجل الخلاق، والخالق،... - 4 - - الوجه الرابع: وجهي أنا هذه المرة عنوان الشاعر، الوجه الرابع من (الرباعية) بـ: (وجهي أنا)، هو، على عكس الوجوه الثلاثة/ السابقة، لا يبدأ بقص (موجز/ خبري)، بل يداخل بين شخصية (البطل/ الشاعر، هو / وبين شخصية شاعر جاهلي... صديق!/ السارد، في هذا النص، ضمير المتكلم (أنا).. في مقابل تلك المفارقة (القول) للشاعر الجاهلي/ ولـ "صداقته" وكأنه يدمج زمنين، في الآن: -( قال لي شاعر جاهلي... صديق: حينما يبدأ القصف لا تنحن وإمنح الخوف بعض الرجولة مثل الصعاليك إذ يُقتلونْ وإنتظر لحظة الموت ... وسط العراء لا تنم في الملاجيء إذ إنها لا تليق بنا -معشر الشعراء- ولتقل مثلما قلتُ - قبل الممات- "لبث قليلاً يلحق الهيجا حَمَلْ لا بأس بالموتِ إذا الموت نزلْ. الموت مواجهة، إذاً.. إنجازاً، هو تجسيد البعد النفسي للبطولة، تناص (روحي) بين "الأجداد" و "الأحفاد"- معشر الشعراء.. إننا نموت مناجزةً، نموت كما نشاء لا كما يراد لنا أن نموت،... (القدر بعيد كل البعد عن الإنسان لدى الشعر اء الملحميين الذين لا يقبلون بالآلية الجبرية على الإطلاق، مما يعني أن المصير لا يقع خارج الروح، فقدر المرء هو مقدار ونوعية ما يمكن أن يحققه وينجزه...) (نحن نتحكم بموتنا.. الذي يأتي كلحظة في مشروع إنجاز الذاتية)، هذا البند الفلسفي، يوحي به النص، (فالإنسان ليس كائناً بائساً وتعيساً، وهو غير محكوم بقوة خارجية، خارجة عنه، كما هو الحال في الأدب الإغريقي، بل هو (بطل) نصه، بطل يصنع ماهيته بيده، وتحكمه قواه الداخلية قبل سواها... ففي المجتمع المناجزة، مجتمع إنجاز الإنسان لهويته عبرالصراع اليومي والصدام الدموي، لا نموت مناجزة وكفى، بل إن موتنا نفسه، ننجزه بإمكاناتنا الفاعلة، لا الكامنة، حسب...) إنها "حماسة" عصر بطولي!... تلكم هي فلسفة العرب منذ عصر الجاهلية الأولى/ الفروسية الأولى/ إذ لا بد من "تربية" الفارس على هذه الفلسفة..، وإلاّ فلن تكون هناك فروسية قط، فالتنصل التام الذي يبديه الإغريقي إزاء المصير ينتفي هنا، لأن الإنسان العربي في العالم الصحراوي ذاك، يغدو المصير عنده جزء من الهوية، وإنه ينتقل من وعي الذات إلى وعي الموضوع: "فإن كنت لا تستطيع دفع منيتي فدعني أبادرها بما ملكت يدي" إن منظومة (العربي) الفكرية في الفروسية، هي أن يحرض فينا حب الحياة ولا يبدي أي تخوف من الموت، بل يوجهه كذروة صراع، وكذروة حرية. (التصور الذي يقترحه هيغل للحرية -مثلاً- كان تصوراً بطولياً: إن الإنسان الحر هو الإنسان الذي لا يخشى الموت) إن التجلي المحسوس للحرية الخالصة -حسب هيغل- هو الموت/ ففي الموت، كل ما هو محدود، وبالتالي كل ما هو نفي، يُنفى بدوره! هذا (المطلق) هو، كذلك: نفي والذي هو (الحرية الخالصة)، في تجليه (الظواهري): (الموت والذات تبدو حرة ومتعالية على كل ضغط بقدرتها على الموت)(52) هنا، إزاء موت (القصيدة) في الإعتياد والسكون، لا بد من مناجزة بمستوى التضحية! هل الموت تضحية؟! أم أن حماسة الشاعر، تجعل من تلك المفارقة الضدية: (هو، صحبة الشاعر الجاهلي)و (قولة) الجاهلي، حكمة "الموت" جهاراً... نوعاً من المناجزة، والفخر... من يحب (الموت)؟ من يحب (الحرب)؟ أم هو (إسقاط) تناصي لمقولة شاعر صعلوك؛ "لا بأس بالموت... إذا الموت نزل" كأن (الفروسية) هي في (منازلة) الموت، أو كأن الموت يرى، ويستقبل، ويتبارى معه. هذه المبالغة، تخرج على بلاغة البساطة... إنها تعقيد لفكرة الموت (المجاني)/ أو المجازي... بخاصة، وإن الوجوه الأربعة، (تموت) تحت القصف، بمعنى أنها تموت خارج إرادتها، ومن دون (توقيت) منازلة، إذ كل الوقت، هو قصف، هو "موت" متوقع، وكل الأرض، هي ساحة قتال/ أرض حرام/.. لقد حول الشاعر، اتجاه القصيدة، كفعل ابداعي، إلى "اعلام"، (مادة تحريض/ فقط، أو إنه أراد الهزء بالموت، أصلاً، والسخرية منه، منذ البدء، حين "قال" له شاعر جاهلي (صديق)، أو أراد بالتقويل، تمثل الموقف (الفروسي، وليس بالضرورة (قولاً) واقعياً، فالنص هنا، يمضي، منذ البدء، في غور فنظازي، ولا بأس أن نرى إليه كذلك حتى في "الدعوة" و "الاستنتاج" وتوصيف " الموت" على طريقة "الصعاليك"! لكن شاعرنا أراد أسطرة السلوك اليومي لابطاله، بالذات بطله هو /الشاعر/ لجعل موته ذات معنى أكبر، من ذلك الموت المجاني، العفوي، موت المصادفة!.. إنه يفسلف سطوة الموت.. بالسخرية منه، وبأن "الموت" أيضاً، قدر يصنعه بطله. كأنه يرتفع بأبطاله إلى مصاف الخلود، من خلال "البطولة" التي يمنحها لأفعالهم، وإن كانت تلقائية، وبسيطة، ولا أدرية... كاظم الحجاج، يحاول هنا، جعل "الوجه الرابع" امتداداً لأولئك الأبطال (العراقيين)/ الأسطوريين منذ (مردوخ) بطل (قصة الخلق البابلية)، عبر كلكامش وعشتار، وإيرا(54) واترخاسيس، وآدابا...، حيث البطولة/ ترتبط/ بالشجاعة، والتضحية، والعشق، والحكمة...، وحيث يكون للموت معناه الجليل... والحجاج، لا يهمل هذه الحماسة، فله تجربة أخرى يلجأ فيها إلى (استعارة) القناع في قصيدته: "ما قاله هاني بن مسعود الشيباني في يوم ذي قار"، كما يستعير قصة الخلق والتكوين في ديوانه "إيقاعات بصرية"(53) عبر استرجاع المبنى الحكائي لخلق الأرض والسماء والبحار والموانئ والإنسان في مزاوجة يقظة مع (البصرة) وكأنها قاع الخلق الجديد والشناشيل، ورموز أخرى اكتنفت النص؛ "دلة" القهوة الكبرى للأب والرمز الأبوي للأسرة/ للعشيرة ربما أو لحس جمعي أكبر/ ساعة "سورين" التي اقتلعت بعد أن حل محلها شارع محاذٍ لنهر العشار، وكانت أثراً مهماً من آثار البصرة كونها "الثانية" بعد ساعة "بك بن" أهمية ودقة. المكان كمجاور موضوعي/ دال عن الزمان "ساعة"/ و "سورين" اسم بانيها! و "نضران" (مكان في البصرة) و "الحسن البصري" (الشخصية المعرفية الرمز)، و.. حتى "يبرق" البرقية الأخيرة من مقهى الأدباء، (كمكانية حاضر مؤثث بحالات القصف، ووجع الحرب... تلك تنويعات في خالقية شاعرنا...، هي، في "الحرب" وما يحيط بها، مثلت، أسلوبيةً، ومضموناً، منجزاً متميزاً، إتسم بوهجه وحرارته وسخريته العالية، وببساطة بلاغة، أو بلاغه بساطة. | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||