|
||||||
| Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ (هذه غابة الموت... لكنهم يعرفون الطريق) حميد سعيد -1- ـ -إضاءة الأساس: -عند حميد سعيد، يخرج الجنس (الغنائي) عن المحاكاة، فيغير النص مجرى (شعريته) بأكملها مثلما يتغير مجرى "جماليته" بأكملها... فالقطيعة الأساس، تكمن في وعي السياق، الأفعال، والوقائع. فهل يمكن للشعر أن يكون حالة توفيقية؟ (تلاحماً) بين (الذاتي) و (الموضوعي) في آن؟ ليخلق "فوضى في غير أوانها؟" (55). إنه يخرج بنتاجه من الأشكال البسيطة، باتجاه نظام بلاغة تستعين بالنثر وبالغنائية في آن في "ويكون التجاوز"(56) تمنينا على الشاعر أن يلملم تجربته بصورة أغنى، وليدفع كل قصيدة إلى (فعل) تتركه لدى المتلقي، بعد التلقي مباشرة، كي ينمو فعل القراءة بحيثيات تأويلية، فإبتعاد الشاعر عن (الصيغة السهلة) جعل نصه مؤهلاً لأن ينمو في مناخ جمالي/ وغنائية، ذات نفس حزين، ساد تجربته في ذلك الآن، كما تشي نهاية (القرصان والكلمة)/ آخر قصائد "شواطيء لم تعرف الدفء". تجربة دواوينه الثلاثة الأولى، نضجت في "قراءة ثامنة"، تخصيصاً، لتخرج من مناخات السياب والبياتي وأدونيس، والمنحى الصوفي، وليتوجه الخطاب داخل البنية الشعرية، بذلك الإرسال التمردي المجرح، بعد أن تلبست القصيدة عنده، (الشخصية التاريخية) إشارة، أو قناعاً، أو تمثلاً، في إطار: "تكنيك الإشارة"، مع إستبطان روح الفداء: (الغفاري، مازن أبو غزالة، سحيم، عمار بن ياسر، فاطمة البراوي، الحسين، طارق بن زياد، المهدي بن بركه، إبن زريق البغدادي، والعيار أبو يعلي الموصلي)، وفي السبعينات، نما الشك، بعد ذلك الموج العارم من الحزن والتشاؤم الستيني، ومع ذلك: "لم تعد الأرض تحمل إلاّ اليقين"(57) وفي محاولته تمثل (نقاء البدوي) عبر (صحراء) التطهير، شاكلته المرحلة، "والهزيمة" عنوانها الصارخ آنذاك، فتطاول -باللغة، وبالموحى- على وجعه وهو: "ظاميء عاش في زمن الماء" لأن "العروبة والأرض نار"(58) الماء/ والنار...، إذاً، ثنائية التضاد كذلك "الأغاني" و "الحرائق": ففي "ديوان الأغاني الغجرية" - الذي يهديه إلى: "فدريكو غارثيا لوركا"، وهو موجه قراءة تأويلية باتجاه جمالية التلقي، معاً... يشتغل على النمذجة، في تمثل حالات انسانية، ويقدم "ماريسا" العرافة الغجرية "مثيرة الشغب" والحالمة "بتغيير حياة أهلها"، تمازجاً مع رؤيا الشاعر الاسباني "بلاثا مايور" مروراً بشوارع "سلفادور دالي الخلفية" ووقوفاً عند "غرناطة" (المجد) الغابر، و (ولاّدة) الحب المتمرد، نقيض "وفيقة" السياب، (القروية)!... المنطقة الشعورية، التي اشتغل عليها (ديوان الأغاني الغجرية) هي البحث عن معادل موضوعي في المرأة ليكسه ذلك الحزن الاغترابي، الذي حمله الشاعر معه إلى أندلس لوركا، ولاّدة، "ماريسا"، لتضيء النصوص "فرح التجوال" جسداً ومقلة ووعياً في تلك الهموم/ واستحضار لوركا شاهداً على الديمومة، والحب، وبلاغة الموت! إذاً، بين "التذكر" و "اليومي" المعاش، اغتنى "ديوان الأغاني..." وفاضت الأغاني بالحنين، في استرجاعات عن: ساحة التحرير ببغداد، وأزقتها، وأيامها الساخنة، وغسان كنفاني، وحسين مردان، والمناشير، والوجوه الأليفة، إنه يسترجع "المكان الأليف" في قلبه، في داخل نصه، ليحمله فرحاً وذكرى حضور ضد "غربة" أخرى: و "يتعب البحر... ولا تتعب ماريسا التي تصعد من مملكة الماء إلى الشرفة،... من ساحلها البارد نحو النار..." و "ماريسا" التي علمها "الموت سجايا الحلم الفضي"، يبقى "قيثارها" في الشرفة بستان: "دم تطلع من وردته سبع يمامات/ ليأت غجر البحر...). فماذا يفعلون؟ (يأخذوا قمحاً، ثياباً، صحفاً..." و... "تفترع المدية وجه الماء..." "ماريسا" -قناع النص- هنا في اتجاه البحث عن (تغيير). لكن.. (المدية) هي سلطة القطيعة تتجاور وسلطة السلطة في الاقتلاع والإزاحة: (حكمت محكمة غير عسكرية.. بموت غير مؤبد، على ماريسا التي لاتتعب، وقال الحاكم العادل عند صدور الحكم: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى، حتى يراق على جوانبه الدم، الأسباب الموجبة: أ- ماريسا مثيرة للشغب ب- ماريسا حلمت بتغيير حياة أهلها الغجر..."(59) ملصق نثر، كتابة، هي إفصاح كلام، تجلو خطابها بالإضافة..، ولا تخلو من سخرية سوداء، مرة..، التماهي، هنا، بين "ماريسا" وبين "سارد" النص، ضد غربة، وضد قطيعة، وضد "موت" مقرر!... الماء... ضد النار، إذاً...، والدم، هو الحكم!... ... وينحو النص في "ديوان الأغاني"، نحو الاغتناء بالحالات: "مشروع كتابة موشح أندلسي عند السيدة" و"صيغة مقترحة للملحمة الغجرية..." و "ولادة في ساحة التحرير وأخرى في مخدع امرأة العزيز" (ص54-66)، وتعدد الأصوات داخل الميلودي الواحد، (قصيدة مباشرة) (ص: 23-27) ، وصف المكان/ وانتقالات الذاكرة/ الإفادة من "حركية" (المنلوج): لا ساكن، إذاً في الحاضر، لا ساكن في الحضور، والحالة/المرأة/ الذاكرة/ والحضور-الوهاج، "تفاصيل في صورة السيدة" (ص28). حصة (المرأة)- من ماريسا، إلى.. "المهرة.." التي يستبدل (لوركا) بها "بيت حبيبته، مرآة حبيبته، صندوق الزينة،..." "المهرة في الفلوات يطاردها الصيادون المحترفون سقط الصيادون المحترفون المهرة في الفلوات إذ تسكن قلبي إستبدل بيتك والمرآة وصندوق الزينة بالساكنة القلب... المهرة...." و.. يتجاوز حميد سعيد، محطات ضنكه المرحلية، سياسية المؤثرات، فضاء الصراع، إلى حلبة من الخروج الصاخب، والدخول الصاخب في التجربة "الغجرية"، والقناع، لإطلاق طاقة قلبه، وخطابه، من مكبوت الصراخ العالي، والصراع العالي: شعرية بنى محدثة، تتفاعل داخل أزمنة، وقيم جمالية وروحية، ورؤى مختلفة، تضرب أشواطاً في زمنين متناقضين، ماض، حاضر، بحثاً عن "رحابة"، هي حرية الخروج على "التابو"، (الوجداني) و(...). - وحين يتنامى الخطاب الجمالي في "حرائق الحضور" (1978) تصفو اللغة، وتتجوهر، أكثر: (هذه غابة الموت... لكنهم يعرفون الطريق من هنا يبدأون تجيء إليهم قراهم... تقول ادخلوا.. إن هذي الكروم لكم وهي تعرفكم، وتحس بكل المخاطر علمها الموت كل الذي تعرفون...) وفي (طفولة الماء...) يتوحد النص مع الحالة.. ينحني بالتجربة نحو حضنها. يأخذ من مائها ونارها عبر "شخصيات" ماثلة في وهج حاضرها: (العريف عبد العباس) الذي (دفع في طفولته الشر عن حقل والده، وتعلم أن يقنص الطير) وتحولاته حيث "ابتكار المحبة والغضب الحلو والمعجزات" مروراً بالولدالسبع الذي "يرى وطناً لا يفاجأ بالممكنات" و "يعرف كيف يبايعه، ويخاصم من باعه" إلى "منصور" الذي: "حين اذكره لا أراه وحين أراه يغيب عن الذاكرة" و "محمد البقال" (في زحمة المشردين) فأصبح "يدفع الليل" عن شمس العراق، و "علي بدر الدين"و "النقيب جلال"... و "الحلة" مسقط رأس الشاعر و"البساتين" و "عبد الهادي الصالح" الذي "يقترح النهر أخاً.. ويسمي الماء خليلاً.. والشهداء شموساً" ويخطط مدناً بين "قلبه" و "النصب" نصوص، تندفع بالبنية، إلى خطاب مرحلة، بحماسة، وبتفاؤل... شخوص "الواقع"، هم "شخوص النص"... رموزه، وأقنعته، في آن... في سرد حكائي، ينمو، أكثر، في "بستان عبد الله" ليكون "مملكة"، لها وضوحها: النص والحالة/ في المبنى الحكائي، السارد فيه، يصف، يحكي، ويسترجع الذكرى، فتأخذ القصيدة نسقها الصاعد، لغةً وأزمنة ومعايير، حتى تصل بعبد الله إلى أن: "يحلم بالمياه ويرى بلاداً لا يجوع الناس فيها أو يأكل الفقراء فضلة مترفيها.." الحلم، بالرفاه، والكرامة، هو المعادل الموضوعي، الذي يتبناه النص، كأمنية، ولكن الزمن، يأتي، بالكارثة...، (بالفوضى في غير أوانها): إذ (ماعاد بين الرصافة والكرخ جسر فمن يستطيع العبور الصبايا يردن الضفاف لملء الجرارْ والمها تجلب الماءَ كي تطفيء النارْ... إن الهوى غائب وبعيد المزارْ)(60) فماذا يتبقى من حلم "عبد الله" في تلك (الفوضى)؟.. حين يكون الأطفال أول الضحايا؟ "أشك بكل القصائد هل كان سقراط حقاً وهل شاهد قاتلُ أطفالنا حُلماً ذات ليلة صيف وهل ضمتْ المتاحفُ أشجار ماتيس هل كان (موزارت) طفلاً أشك بهذي الحضارة. من زهرة الشمس حتى نساءِ أفينيون من أذن فان كوخ حتى جنونِ دالي.."(61). ويستمر هجاء (حضارة الغرب).. بسبب النار، والدمار، والحصار، والفاجعة! أي حلم يتبقى إذاً؟ في جدل ثنائية الماء والنار، بل في مملكة الماء والنار؟ وعبر إشارات النص للإعلام من الفنانين والأدباء، والأماكن، واللوحات،... من رموز الغرب، وكأنهم "في الإدانة" معاً، كأنظمة الغرب، وهو (مكيال) تعميمي يضر بالنتيجة، ويرتد على قائله... وهو خلط، بين الأبيض والأسود، وكأن جدران بيتنا ليست من زجاج! متناسين البشر الذين تضامنوا مع شعبنا. 2 - جدل الثنائية - كل مرحلة تكتب نفسها...، والشاعر "صوت" مرحلته، وصوت هواه (لا يقنط،) ليس لأنه لا يقنط، ولكن لأن (نص) الآن، من وجهة نظره، هو: كذلك، إيماناً، وعلامة كلام، مكتوبة في التماهي مع حاضر، هو يراه، بعين، تختلف عن العين الأخرى... (إن بابل مسكونة بالوعود بابل... مسكونة بالوعود...)(فوضى: ص: 67) ... ومع ذلك فإن: (فقراء سومر يبدأون نشيدهم ليلاً فإن عاد النهارْ... صمتوا... وحل بهم دوارْ ماذا سيبقى... من تراتيل المعابد حين يدخل في حناجر منشديها النارُ...) هذا وجه المأساة...، واحد من وجوه ثنائية الحاضر، جدل الماء والنار، الوعد والدوار، والوجه الآخر، يأتي هكذا: (حين تدخل في حناجر منشديها النارُ تأتي من مسيل القارْ نذرٌ... لأُمِّ النهر... أبناءُ يقتلون العثارْ فقراء سومر يبدأون نشيدهم ليلاً يمدون النشيد إلى النهار..) ( إلى حكيم سومري: فوضى (ص:6) (بابل) علامة.. و (سومر) علامة، في النص الثاني، وإن العلامة لشيئٍ ما بإزاء الفكرة التي تنتجها، لذا لقد دعي موضوعها، ودعي مدلولها، والفكرة التي يعود التعبير، إليه، فضل توليدها... بابل/ وسومر، خلقتا، مخاطبة، وخطاباً، أقتفيته العلامة، التي ينشئها (المتلقي المعاضد) / القاريء الساند/، أيضاً، وليس النص وحده في القص، أو السرد، أو الإشارة... لا بد من خلق علاقة، مع المتلقي، من خلال تلك (العلامة)، والتأثيث الفكري، الذي يتبعها.. كي يخلق النص، بعلامته وعلاقته، مع المتلقي وفي ذهنه، تلك المعادلة، الأكثر اتساعاً من مداها في الكتابة، مداها في القول، ثم، مداها في الوعي. والشاعر يدرك، إن الحرب، هي النار...، لا تنطفيء بماء (عادية/ مألوفة)..، إنها ذات متوالية من الجوع، والخوف، والغضب، والاحباط، والكوارث، التي لا تعد ولا تحصى... صحيح أن الشاعر"المرحلي" يستجيب لدواعيه، في الحالين، مع، أو ضد: المرحلة، ونتائجها. لكنه، في كل الأحوال، لا يمكنه أن يجمِّل القبيح، أو يكتفي بأن يلعن الظلم أو يلعن العالم. فعبر اللغة، يمكن للنص، أن يجد موجهاته..، كذلك عبر علاماته، وأسهمه وإشاراته... هذا لا يعني أن الشاعر/ مولد النص/ لا يدرك كنه الحالة/ حرباً أو سلماً/.. فهو يميز بالحتم، بين الماء والنار، وإن جدلية هذه الثنائية، تتسع إلى جدليات. إن (تعبير) العلامة الأولى، يتجه صوب (تعبير) العلامة الثانية. (بابل) تعد. (سومر) تنشد... وثمة: ثنائية أخرى: الليل/ النهار. الصمت/ الإنشاد مرة، صمتوا.. وحل بهم دوار، وأخرى، ينشدون، حين يتحقق فعل التحفيز الخارق: (حين تحل في حناجر، المنشدين، نارٌ تأتي من مسيل القار، نذرٌ..) النص هنا لايخون وجهته، وإن بدا ظاهرياً، مثوِّر، محفز، لكن بسبب ماذا، وإلى م يتوجه، بالنذر...؟ إن النص، يضمر.. علامةً أخرى، غير "علامته" الظاهرة، يحدد "ملموساً" آخر، غير ما تعطيه (اللغة) في خارجها، "فالطية" خباء، تختزن الحالة، والجدل الأزلي بين الماء والنار ظاهر، بتعمد وقصدية، وهو فعلاً كذلك، موجود الحاضر، وداله معاً... ولأن (الفكرة، هي شيء) و "كل نظرية دلالية إذ تسعى إلى إخراج مدلول تعابير، فإنها تنحو إلى تحديد ثنائيات ضدية"... ولا نص بلا هوية، وبلا ثنائية، بلا معلن ومضمر. في (مملكة عبد الله)/ الديوان/ و (بستان عبد الله) النص، تصعيد الذروة في الحدث، من خلال السرد، واللغة الصافية الواضحة؛ والحماسية، في آن: "يدنو إليك الفجر عبد الله،.. خذ بيد النجوم إلى صباها... يدنو إليك الفجّر، هاهو في عيون الأقربين وفي مناها... .... يدنو، ويدنو، ثم يدنو.. وهذه بستان عبد الله قادمة أراها طلعت من الزمن الجديد يمامة، ومن الحدائق وردة، وطناً ومن قلبي قصيدة..." لكن في (فوضى في غير أوانها..) الحال تبدل، اللغة، لم تعد بتلك الرومانسية المتفائلة، لم يعد النص (يغني) بهذا التصعيد الرومانسي، لأن الحالة الجديدة، أدمت البستان وأحرقت المملكة، وجعلت الفقراء، لا يأكلون.. حتى من فضلة المترفين! وإذا كان الشاعر يدفع الموقف في (البستان) إلى نهايته" فهو في (الفوضى) يدفعه إلى (نهاية) أخرى... لا يستطيع أن يحيد عنها... إن "أسى الغرباء.. ينزل في بيوت الناس"،.. صحيح أن (بستان عبد الله) يقين الشاعر، ويقين المتلقي، في مرحلة الزهو،.. لكن "الأغاني البور"، أكلت مجد "السرور الصعب" و "ذاكرة الربيع".. وإذا كانت "بستان عبد الله" هي المنصة التي ارتقاها الشاعر للوثوب إلى "مملكة عبد الله" فإنه خلق علامة التعبير، الموحية، مذ جعل مسار النص يتجه إلى "عبد الله" المقاتل، ثم "المتأمل"، وهي ثنائية مزدوجة، تقابلية، وإن لم تكن تضادية.. سبع قصائد، (من ص7 إلى صفحة69) بدءاً من "إشراقات الشهيد عباس بن شلب" وانتهاء بـ "معلقة البصرة"، نمذج فيها "شخصيات" و "رموزاً" و "حالات" وأغنى البنية بتكنيك الإشارة إلى مرجعية "المعلقات" مرة، وتاريخ (المدينة/ البصرة) فالمربد، فالسياب..، بتدرج حكائي، يلامس الموحى الأبعد، من نهوض امرأة عباس، التي (يغطي غبار الطلع كتفيها فهي بدون يدين..) إلى موحى (الإسم/ المسمى: (عباس) شقيق الحسين في واقعة الطف بكر بلاء، الذي قطعت يداه وظل يقاتل" كما تروي أسطورة الواقعة، وبموحى آخر أسطوري/ واقعي هو: (عروس مندلي). هنا، حميد سعيد، يؤسطر نموذجه، وليس نصه، حسب، كي يوصل قناعته إلى يقين: "كل امرأة حملت كل امرأة تحمل بعد ستنجب ذات مساء ولداً يكبر في مدن الماء.." (نص) تلك المرحلة، مجاور لا يفترق عن الحالة، دوره يشتغل على تفعيل (الحماسة) في الحرب.. لكنه (نص) لم يحفر في عمق المأساة، بل إتخذ "الحرب" كأنها نزهة، إنه خلاف نص فتية التسعينات، الذي عبر عن ذلك (الهدم) الذي فكك البنية من داخل الإنسان وفيه. لا يستطيع، نص (فوضى في غير أوانها) وهو يتحدث عن (أطفال ملجأ العامرية) مثلاً، بذات العلامات، التي لجأت إليها نصوص الثمانينات، بالنسبة للشاعر ذاته. إذ أخذنا اشتغاله الشعري كُلاً. على وفق (الحماس) هو علامة النص آنذاك، وفحواه، ونهر غنائيته. فهو في "العصفور الأبيض" يلون مناخ الحلم، عبر (جندي) يتذكر "اجازته" بين الصحو والنوم، فالشمس -عنده- "نهر من القطن، نهر من الذهب/ وتصبح العصافير صفراء، سوداء، سوداء صفر،.. ثم أقبل ذلك العصفور: أبيض كالقطن ليسقط ثم يطير، في الموضع... والشمس عالية في السماء) (ص: 30-31) حميد، هناك، ينمزج "البطولة"، بأسطرة "الشخص" وأسطرة "الحالة" وأسطرة الزمن../ تلك "حرب"...، تبدو كأن لا خسائر فيها ولا فواجع!! في "فوضى..." ينشغل بالجماليات، فيدفع النص إلى قاريء مساند، يخلق في القراءة التأويلية، جمالية تلقي، وبسرد حكائي، مكثف ومنغمس بالوصفية معاً:
إنه، يصفو، يغمس نصه بوصفية، يخفف عنه ثقل العلاقات المرحلية، لا يدفعه إلى مباشرة، لكنه لايستطيع إلاّ أن ينوه بتجميل الواقع، ولو بحياء فذلك هم النص التحريضي، عادة، وهو (وجهة نظر) من خلال خطاب النص، بالواقع والمرحلة. الماء والنار.. علامتان.. و (في سبيل أن نستوضح الصلة القائمة على هذا النحو، بين المأثولِ (أو العلامة بالأعم) والموضوع، وبين المدلول والتعبير، ينبغي لنا امعان النظر في مفهوم الأساس، إذاً، لقد حدد الموضوع بصورة أدق على أنه (متضايف) العلامة)(62) إذ يمكن لعلامة (الماء) أن تكون مرتبطة بعلامة (النار)، التي تصير بالتالي علامة الموضوع (الحرب). في حين أن العنصر الثالث من (التضايف)، في موزاة التبعير، لا يكون هو (المدلول)، إنما (الأساس)، (فالعلامة ترجع دوماً إلى أساس- عبر موضوعها أو طابع موضوعها المشترك)(63) الوطن/ مملكة الماء/ الحضارة/..) في "رمل وحناء"، علامتان أيضاً.. لهما دوالهما وموحاهما، كأنهما (نص مفتوح) بالرغم من كثافة حضورهما الرمزي،... في النص، الاستهلال يبدأ هكذا "النار واطئة"... وبالمباشر، يُعلن خطاب النص "التصعيد": "ثم تصعد، ثم تصعد".. ويقدم السببية: "كان ليل الفاو يفترش الرصاصة"... في انفتاح النص على موحى المكان: الفاو، ميناء، هي حلق البصرة، هي بوابة الماء، هنا، أيضاً، هي حلق المدفع، بوابة الجحيم، لأن ليل المدينة- الميناء- ليل الماء- عملياً- يفترش (الرصاصة) . والرصاصة، معلوم، ومدلول، الحرب. ولأن (عبد الله) "بطل" الحكاية/ أو الرواية/ الذي هو، تماماً - من حيث الجوهر-مثل بطل الرواية الغرامية في قصائد النسيب والتشبيب، أو بطلها في "المعلقات"،... (يجيء من دمه).. الفعل، هنا: (يجيء)، يدفع إلى الحالة: "من دمه!" وهو لم يأت من (مكان)، بل من (موت). من إيحاء بالشهادة أو القتل... وكالعريس في التقاليد الشعبية العراقية "تصحبه الأغاني"، والأهازيج و كأنه، ذاهب إلى "عرس" بل إن النص اليومي بهذه الإشارة، وهي اشارة حماسية/ رومانسية، فالحرب/ النار/ ليست "ماءً" ولا "أغاني" مطلقاً بل سردية عدم ودمار. من أول النص، يؤثث الشاعر خطاب عبد الله، ونمذجته، أو أسطرته... وأيضاً من خلال الثنائيات: الرمل والحناء، تشتهر بهما (الفاو)... وورقة الحناء، حين تعجن بالماء، أو يعجن مسحوقها بالماء، يصبغ الشعر، واليد، وأية "نقوش" على الجلد، باللون الأحمر، وهو لون رديف للون الدم...، ولون النار...، إستعارة لهما، معاً... والموحى الآخر: فرحي، فورق الحناء، مثل الأس، تزين به "صواني" العرس والنذور، وكأن "عبدالله" مزفوف إلى حتفه عريساً!.. حيث (يجيء من دمه) وتصحبه الأغاني، الرمل توميء له، فيركض، وتركض الحناء (قبله) و (النخيل) وصاحباه معه، وأمه، تنخوه، تصيح، (هي ذي عباءتها، وهذا صوتها.) (انتظري)- أصيح- : "لقد أتيت". النص لا يكتفي ببطله (عبد الله)- المفرد- ولا بنخوة (أمه) بل يوسع المدى. يوسع الحشد: يوسع حشد الشهداء: "من كل بيت من كل أغنية يطل دم وتخرج بندقية" ويشرك العلامة الثانية/ ليس الحناء حسب، بل (ملح الفاو)..، إذ هو الآخر، يجيء من كل البيوت "محترقاً.. ويدخل في القتال" النص يستدعي كفايته التحريضية، بتلك الغنائية، والتناغم المتقابل: (أعرف رملها والماء كيف ينالها الأعداء) وفي المتواليات الميلودية (اللحنية): "النار توميء لي وهذا وجه أمي" وفي علاماته، وإشاراته، التي تنفتح على دوال" وبالأساس في جدلية ثنائيته المتصارعة: الماء والنار... ودائماً، ثمة "ثنائيات" في نصوص" المملكة.."، هي مرادفات تلك النثائية الجدلية: الماء والنار؛ "الأم/ والابن"/ المكان والفعل/ "الفرضة والشعيرة"/ الليل والصيادون/ حيث (الأسماك (تعود) إلى النهر، وعبد الله (يعود) إلى الدار...).../ الغالة والمكوار/ ووسط هذا الجو المحتدم، لا يغفل الشاعر، رومانسية المشهد، في المرأة الطالبة، العاشقة حين تغفو الزوجة -وحدها- في فضاء مكشوف: "ونجوم تفتح زيق إمرأة... يتبعها قمر غرٌ تغفو، فيفاجئها... وينام على شهقةٍ نهديها ويمد شعاعاً وقحاً من حقل الضوء إلى عينيها تستيقظ من دفء ليونتها تهرع نحو الشاطيء تبحث عن عبد الله..." ويقطع الشاعر مناخ الخدر الرومانسي/ المخيلاتي/ ولا يدفع النص إلى الاسترسال في ذلك "الخدر"!، إذ (تهرع) الزوجة..، صاحية، نحو الشاطيء، لترى إلى زوجها يتقدم وصحبه بحذر، وسط القنابل، يطلق اطلاقة تنوير، حذر تسلل الآخر إليه...ويتقدم ويتقدم بعده الأصحاب: -(تقدم.. وإحذر..) (تسقط قنبلة، قنبلتان، ثلاث... تقدم... تسقط قنبلة ويسود الصمت...) هذه النهاية، المفتوحة، تدفع النص المفتوح/ إلى وعلى/ دوال وموحيات وأسئلة، فتجعل القاريء المعاضد/ الساند/ يعيد كتابة النص، بعلاماته، ورؤاه، هو..، هنا (عبد الله) موصوف، بدون توصيف مباشر، موصوف بالفعل لا بالصفة: "تقدم.."، و في نطاق علاقة. بين الموت والقنابل. واضحة، واضحة النتيجة: تسقط قنبلة، ويسود الصمت. إذ، هو، هنا أيضاً، يجيء من دمه، يطلع إلى موته. يقدم لنا "صفة" من مدلول الفعل، كأنها "موناد"(64)، محض تصير شيئاً عاماً، كلما "تفكرنا فيها" كلما توغلت في إحساس القاريء الساند، الذي يؤول الحكاية، وينفتح على مضامينها ورؤاها ومداليلها... هنا (الصفة) اسناد عام، تلصق بالموضوع في نطاق علاقة. والجدل يكمن بالفعل، و (بالعلاقة): القتال- أو التقدم وسط القنابل الليل/ الصمت/ الموت..، وإن تبدت علامات أخرى، توحي.. بهذا المآل: (اطلاقة التنوير) مثلاً. الإيعاز الكلامي: "تقدم"!.... في "معلقة البصرة"، "وفيقة" تمثل "دلالية إلتزامية"، تسند (العلامة)، كون البصرة مدينة الماء، و (وفيقة) حبيبة السياب، (الشعرية)، التي نهض بها داخل النص، واستعارها حميد سعيد ليضع النص في مناخ التأويل..، (وفيقة) بموجب (التخييل) هنا؛ (بطلة رواية صغيرة) يرويها النص: ("تنهض. تقترب الآن تبحث عن مقعد فارغ جلست...) ثم تكون (علامة )الخطاب، وهدفه؛ فالنداء يتوجه لها: "يا وفيقة.." جئناك بالحب، وبالخجل المُر فاعتذري دوننا، واعذرينا.." فإذا كان (التعبير) عن الحالة، هو (الفكرة) التي تولدها (العلامة) في جدل الماء والنار، فإنما يمثل هنا (المضاف)- من حيث كونه- موضوع (متضايفه) الخاص، (دلالته الالتزامية)، إذ (البصرة) تحولت مدينةً (للنار)، بعد أن كانت مدينة (للماء). ووفيقة (رمز) السياب والذي أسطرها داخل نصوصه، باتت (علامة) الكلام، هنا، (جوهر) المخاطبة، وجوهر الفعل: الاعتذار... إنها، أيضاً، المقابل الحياتي لعبد الله، (المضاف والمتضايف)... لأنها تطل من (فضة الماء)، في الفضاء الخاص، الذي هو (وطن للقصائد: المربد/ المدينة/الحالة) الندب هنا مزاح، لأن (الجنود) مروا بجيكور، وانتشروا بين (شباك) وفيقة و (الأغنية) وأقاموا المتاريس، إنهم (حماة) البلاغة والحب والماء والسياب والشعر والمدينة والتاريخ. (التعبير) بعلامته، خلق علاقة، متسعها وافر ليكون محمول رموزٍ، وحالات، ودوال منفتحة على أمد أبعد، إذ: (بين البلاغة والقتلة تسقط القنبلة...)! والنص، يكتنز بالعلامات الأخرى، يشتغل في منطقة الإشارات، بكتنيك الإشارة، (النخيل) (الخليل- بن أحمد الفراهيدي)/ (الفتنة)- بعد مقتل عثمان- (الجمل)/ الحرائق/ الصيف لتكون محمولات المعلقة، متدافعة وغزيرة، وتحمل من الدوال (الالتزامية) ما يؤكد (الدلالة الأصلية) ولا يزيحها: (فالبلاد، التي ابتكرت كل هذا النخيل وعلمت العاشقين إقتباس طقوس الحرائق من صيفها للخليل ولهذا المساء الجميل ولطفل قتيل ينحني الشعراء وتنأى القصيدة عن خوفها...) وفيقة والمكان- البلاد-البصرة- وفضاء النص، ومؤثثاته، تحول إتجاه الكلام من الخوف الذي اعترى (كان يعتري) القصيدة-بمعناها الدلالي هنا- لدى (الشعراء) الذين جاؤا محملين بالخوف من الموت، والقنابل، كون المدينة ساحة قتال، أرض حرام...، إلى طمأنينة،.. تجعل القصيدة (تنأى عن خوفها).. لأن حاضر "وفيقة"، هو حاضر ثقة، إنها هنا (أم البنين) أم الشعراء جميعاً... في هذه البلاد، التي كل ذرة رمل بها، (مباركة)، ولوفيقة (أخوة) يحرسون صباها، بهم تتباهى،...، فينثال النص بالعلامات، غنية الدوال؛ بالرموز والأشخاص والأمكنة: أوروك، البصرة، لوح اليقين، دفاتر ريا، دم ريا، النشيد، (أو: دفتر نشيدها).. شاهدان، إذن، من عصرنا، حسب تخييل النص: وفيقة الشعر/ المدينة، عشتار ودم ريا (القرابين، الأضاحي، لانقاذ أوروك- البصرة)- الطفولة، والشهادة: (دمها خيمة تستضيف الأحبة تمسح بالطمأنينة أحلامهم فإن أقبل الليل.. تخرج من دمها نجمة على ضوئها يكتب الجنود رسائلهم إليكِ...) (ص: 65) إذ ذاك (يحلو السهر) عند وفيقة،/ و (السهر) و (يحلو) مفردتان (شائعتان) في التداول لدى البصريين، في الأغنيات، كما في الواقع الواقعي، هنا تحولتا إلى واقع النص، كموحى، (وفيقة) الدال، والرمز، والكناية.. كيما يغسل الشعراء أوجاعهم، ويستردون طفولة أوراقهم... ولأن مساحة الحدث، موضوع "الحكاية"، وتأويل القراءة، تنضب، جميعاً، على جدلية الماء والنار/ الشعر والحرب/ المربد والقنابل/ يستعير (النص) الخطاب الآخر، الموجه إلى: (الذين حرقنا أصابعنا، قبل أن تصل النار أبوابهم، لم نجدهم...) وهو، على الضد من (كاظم الحجاج) الذي يرسخ ثبات الإيجابي، حيث أدباء البصرة لم يغادروها، تحت القصف..، أكد (الإيجابي)، ولم يشتغل على (الإعلامي) أو (السياسي) المع والضد..، الموجود والغائب، الحاضر والنائي... فتلك (مواقف)تحتمل -أسبابها- النقاش، ووجهات النظر والجدل، أيضاً...، تماماً كثنائية الماء والنار، في حال إنفتاح الكلام على حرية، وأن يكون النص المفتوح، هو النص الحر، لا مقاربة الآيديولوجي الدوغماتي، ولا مجاوره الشعاري، الذي يغلق الباب دون الرأي الآخر، مهما كان موغلاً في الخطأ، أو أنه في الصواب. إن (العلامات) في أي نص هي، ما هي عليه، بازاء موضوعاتها..، ولا بد أن تغطي المقارب الكلامي، سياسياً أو فكرياً، ذلك حتمي، ولكنها، حين تتحول إلى "مضمون كلام"، حسب، تفقد فنيتها، ومرات تضعضع بنائية النص، وتفقده الكثير من خصاله الجميلة، وبالتالي تؤثر على (جمالية التلقي)، وتشوش (عقل) الشارح الحيادي، فالمواقف تتغير، والسلوكيات..، وهي (أشياء) خارج النص، في العادة، ومرات تتقاطع مع محمولات النص ذاته... وهكذا، لا بد من الإِشارة إلى (الاختلاف) في (المعنى) بين (الأساس) و (المدلول) و (التعبير).. بين (شعرية النص) وخطابه السياسي...، مادام النص، ذاته، ينطوي على (أفكار)، على (أفكار منتجة- تحديداً). ( وإذا كان الموضوع الحيوي- جدلية الماء والنار- يحفِّز العلامة، فإن للعلامة أن تنشيء -عبر الأساس- الموضوع المباشر، وهو داخلي، ومن الطبيعي، بعد هذا أن يستعين المرء بتعبير هذه العلامة دون غيرها، في سبيل أن يصف موضوع العلامة المباشر)(65) - 3 - ـ المتأمل يأتي القسم الثاني من "مملكة عبد الله"(66) عن "عبد الله المتأمل" -العنوان الذي يغطي ثمانية نصوص هي: القارعة/ فحل التوث/ المعضلة/ بيت كاظم جواد/ الطواويس/ موت المغني/ الضمير/ و.. غرفة.. في القارعة -مثلاً- (اليعسوب) يفضل (إغضاب الملكة) والمعني طائراً (خارج المملكة) ففي هذه الاستعارة من عالم النحل يمتلك الذكر فحولته فيتمرد داخل سطوة مبادرته، وخارج سطوة الملكة، في خروجه على الكسل، وليتبعه بعد ذلك: سرب النحل. رؤية، في تعميق ملاحظة الظاهرات الحياتية، واشتقاق أفعالها لخدمة نسيج نص شعري. بحث في وعن تضاريس غيرمكتشفة، أو هي غير موظفة شعرياً. ليخرج من مجهولها المخبوء من طيتها، ومضمرها، بالجوهر إلى فعل- حركة- في "فحل التوث" يرفض (عبد الله) أن تذهب "هيبة البستان" سدىً. إذ حين يذهب (فحل التوث) -بلا أثمار طبعاً- إلى (دكان النجار)، والأغصان إلى (حقل النار) يظل عبد الله، الذي تآخى مع هذه الشجرة، يستذكر تاريخها، خضرتها، ظلها الغامق في الماء، والمرأة والأطفال الذين يستظلون تحت فيئها في الظهيرة. في (القارعة) و (فحل التوث): التشكيلي/ الانطباعي/ يغلب على (الوصفي)، و الحكائي/ السردي... يغلب على (الغنائية). (جزئية) من مشهد الحياة، ومضة يلتقطها الشاعر ليغنيها بالدلالات، فتكون نصاً، وهذا القص، ينمو، مثل تقليد، في مجمل النصوص: ففي (المعضلة) يلجأ إلى الاستهلال القصصي، بفكاهة خارج تعقيد الحياة، وخارج تبسيطها في آن، وإن أوحت المنصات الأولى في تأسيس كلام النص، على ذلك التبسيط: (استدان من صديقه، اشترى بما استدان ثلاث شتلات من الراربخ غرسها في باحة البيت، استعار من جارته طاولة، أعد كرسياً من الحجارة؛ قال: انتهت معضلة الحديقة) الاشتغال على "اليومي" المتواضع، اللقطة الحياتية، وترتيبها داخل نسيج النص، محاولة للعبور من غنائية القصيدة المموسقة، إلى مقارب النص الحر المفتوح،.. وإن لم يتجاسر حميد سعيد على تقنية الموروث (الغنائي) في القصيدة، ليلغي (الوزن) كلياً، وليلغي (موسيقى التفعيلة)، لكنه اشتغل على "جوهر" قصيدة النثر، أو النص المفتوح، وإن بحياء، وتردد: ملتزماً بتلك الثنائيات/ التقابل والتناظر: في الليل والنهار/ في البيت والشاعر/ في الفندق والقطار/ في صوت من يحب/ في الأشجار/.. لكن "معضلة القصيدة" لم تحل!... في: "بيت كاظم جواد" يعاود الشاعر رسم المشهد الاستهلالي قصاً، كذلك تنبني (حكاية) النص، على "ذكريات" ، موشاة بالأفكار، والصفة والموصوف في متوالية: (الأصدقاء رحلوا، والقصيدة متعبة، والحبيبة غاضبة، والحديقة مهجورة، وزمان الهوى صار جد بعيد..). مناخ رثائي، يؤثث على جزئيات من مشهدية المكان الأليف، الذي بات معزلاً، ومكان وحشة،.. ثم الانتقال من المكان الأول، إلى الأمكنة الأخرى، وهي (بيت)، لكنه آخر، لا يستغني عنه (كاظم جواد): الحالة الفكرية التي تجمع/ قرطبة التي تجمع/ صخب الصحبة/ الغناء الغجري/ الحانات/ ثمالات الكؤوس/.. وثانية؛ إلى :الوحشة! إذ بعد غياب الصديق، من يتقاسم الوحشة مع الشاعر؟ إن نص: "بيت كاظم جواد" يحقق حداثته دون أن يسقط في اللعبة الشكلية"(67) -كما يرى الشاعر-.. لكن هذا النص في بساطته، يمكن له أن يؤسس منصة واضحة لأعمال حميد القادمة، إنه مقارب واضح للنص المفتوح، خارج أية (قواعد تنظيرية) يلطقها الشاعر عن تجربته، أو الآخر، الشارح، القاريء الساند، المعاضد، الناقد... لأن همها، هم "تركيبها" -بساطتها، وبلاغة البساطة التي أصبحت سمة من سمات مواجيز النصوص، أو القصائد القصار عند شعراء آخرين: البريكان/ الصائغ/ الحجاج/ سامي مهدي- تفرض الانتباه لمنطقة اشتغالها، ومنطق اشتغالها. فالتعبير -(باعتباره موضوع البلاغة التنظيرية)- هو بالتأكيد (ما توّلده العلامة في شبه - الذهن، الذي- يدعوه امبرتوإيكو-: (المتأوّل: interprete). (بيت) -كاظم جواد- وحده، هنا: "مدلول علامة" أو معناها...، من هنا نشأت فيه، أو على هامشه، تلك (المفردات/ والصور/ والصياغات) لترتفع منه، من (وحشة) مكان معلوم/ إلى (وحشة) فكرية (داخل) تأثيثات النص. وبذلك يكمن جدواه... وبين "فوز" و"موت المغني" (ص107).. حكاية العمر، شفافية من نثيث حزن، كأنها امتداد لبيت كاظم، وكأن (فوز) حبيبة عمره، وكأنه (المغني) الذي مات، فحين ينتدب النص "امرأة تستعيد نضارتها وتغادر رقدتها" يتناغم شجن عشقي، عذب، هو، خطاب عاشقة، بثقة إلى معشوقها/ بترنيمة كأنها "نيشد انشاد" النص: (يا صواحبه، لاتملن على النعش، هذا حبيبي... كنت اسمعه في العشيات تزهر أشجار روحي فيهرع كحلي إليه، ويضحك طيبي وأسكب حيث يمر حليبي...) لغة، شفيفة، بسيطة، غنائية، أقرب، أو أنها تتطابق، وقصائد يوسف الصائغ، في مرثياته إلى حبيبته التي رحلت، كذلك، هي (الترنيمة)، مقارب لغنائية شفيق الكمالي في غزله، أو بوحه، في (هموم مروان وحبيبته الفارعة).. المناخ واحد، واللغة، والغنائية... والجميع يتكئ، في ذلك، على روحية النصوص البابلية (العشتارية/ تحديداً) والتي، هي، في الميثولوجيا، النص الأم، لنشيد الإنشاد، أيضاً. (68) (لا توقظوا فوز من نومها أتعبتها المحبة هذي التجاعيد، لحن الغياب الذي مرَّ بين يديها وبياض الجدائل، لحن الوداع الذي ظل في شفتيها فلا توقظوها...) .. إن موت المغني، مثل سوناتة ثرة الغنائية، في رثاء العشاق. وآخر حالات عبد الله المتأمل قصيدة "غرفة" التي يفتح المشهد، ياضاً، باستهلال قصصي أخبار عن حالة (أنا ) المرسل لخطاب ذاته؛ مثل سارد خاص، يتحدث عن المكان: ( أفتح عيني.. مصابيح الغرفة مطفأة أغمضها... استحضر (ضوء) يفتح لي أفقاً فأغير ألوان الجدران استبدل وجه المرأة في اللوحة ثم أخفف من غلواء الكحل بعينيها..)(غرفة: 123-124) رسم المشهد، بحسب رغبة الأنا، استحضار ما يشبه الحلم، توقاً، إلى المرأة التي يريد، فتخرج له من المرآة، تضحك، يتساءل هل كانت تسخر منه، فيغمض عينيه، ويعود إلى النوم.. بديل متخيل عن جدب، امرأة بدلاً عن أخرى، حركة داخل سكون، المرأة، تخرج من اللوحة، ترتب أثاث غرفته كما يشتهي، تتحول (العلامة: اللوحة) من (سكون) إلى (علاقة) من (جماد) إلى (دلالة..) هنا، نمذجة (المرئي) و (اللامرئي).. تغييب الواقعي، وتغيير تفاصيله، ولكن (بالحلم)، وكأن "المرأة" -العلامة- الرمز، هنا، هي (الفكرة)، في تعبير متغير، من (اللوحة المرسوم/ الثابت، إلى "الحلم": المتخيل اللاواقعي. (الحركية) -داخلية هنا- وإن بدت بصرية.. لكنها نابعة من لاوعي بطلها، في إيجاد شريك، حيوي، آخر حياتي، يرتب (بيته/غرفته/ مكانه/ وطنه الأليف...) على هواه هو، وليس على هوى (أخرى) ثالثة، غير منظورة، لكنها (موجودة) في الهاجس. ليس لأن الرسم لايعطي هذه الحركية، من ساكن اللوحة إلى خارجيتها، يلجأ النص إلى التعويض، بل لأن الفنون المرئية- لم تقف أمامها ذات الحواجز التقنية القديمة- الآن بامكانك أن تحرك الصورة من اللوحة، بالتقنية، أو تحقق في متوالية صور، ما يعوضك عن حركة امرأة حقيقية، إنه اشتغال على "لوحة" ولكن ما بعد حداثوية . الشاعر، يشتغل على السوريالي، على لاواقعية الواقع، أولا معقوله، تماماً في دنو واضح نحو النص المفتوح... (وطن ينفخ في الصور تأتي الأشجار راكضة باتجاه حديقة بيتي سمك يطلب كتب الحب خيول تستعير ذاكرتي وأمي التي أماتها الحزن.. تذهب للمدرسة)(الطواويس: 99) في: (شاعر في نيويورك) يلجأ (فدريكو غارثيا لوركا)، منذ الثلاثينات، إلى نص لا معقول، السوريالية هي مناخ الصور، والأفكار معاً، والقصائد ليست طوالاً، لكنها مفعمة بالموقف والمخيلة، حميد، هنا، يتشبه لوركا... في محاولة لتجاوز غربة اللامعقول، إنه مراراً يستعين بالفنتازيا، ليكمل حالة التخييل عنده، ولتصل مداها السوريالي، أحياناً.. إنه نوع من التعبير عن الرفض، علامة وعي ضد، ولكن بحدود موضوعها، وليست شاملة. في "غرفة" يستبدل المنظر على هوى رغبته، بل حتى "الوجه" و "الكحل"، فتبتسم له "امرأة اللوحة" وتخرج من أسرها... في متوالية أفعال (أفتح، أغمض، أغير، استبدل، أخفف، أراقب) يمنح النص لنفسه، قدرة حركية، سيرورة لاستكمال تراتيبة المشهد، نموه، دراميته، وأن تكن هنا (دراما) مخبوءة: (استبدال) امرأة اللوحة بامرأة الحقيقة والواقع!.. الأفعال، تترك للخيال مساحة مفتوحة من الأضافة، نزيد بالأفعال فعلاً جديداً، آخر، نضيف (شيئاً) لأشياء الغرفة. هنا، (الشيء) يتأنسن، بالأفعال، بالبشري الذي (يغيِّر)، فلا تبقى على حالها، اللوحة /امرأة اللوحة/ الأثاث.../ الغرفة...هو، بالضرورة! رغبة مخبوءة، إذاً، خرجت إلى الواقع، على شكل حلم..، (ميتافيزيقيا حضور)، هي، إذاً...، أو (إعادة تفكير) و(إعادة كتابة) (ب) و(لـ) للمشهد!!، خارج مسلمات (المشهد) ذاته (الغرفة والوجود)... هنا، ما هو (ضمن) دائرة الوعي، يبدو على الضد تماماً، فالنص اشتغال وعي، لكن (أفعاله) الداخلية، المشهد وتغييره، إذ تبدو منجز النص، هي في الواقع منجز (لا وعي) المنتج، رغبته الباطنية، وهي كتابة لا تخضع لنظام، في العادة، لأنها خاضعة دائماً لتصحيحه، بذات الوسيلة: (اللاوعي) تماماً كما يشتغل (لا كان) -مثلاً- في (المركز) من منجزات (فرويد)، ويستعمله بوصفه وسيلته الفكرية الأساسية لتصحيح (فرويد) من الداخل هو: اللاوعي (اللاوعي الذي يظهر بوصفه نظاماً مستقلاً يتعارض مع نظام يتشكل (مما هو سابق للوعي)، وما هو ضمن دائرة الوعي!)(69) في حين، يقدم في (بيت كاظم جواد) مشهداً مقدوداً من الحالة، من وعي الحالة في حضور اللحظة، بحيث الأسود، هو الغالب، لأنه يرمز إلى الحزن والحداد، والرثاء في آن!: (معطفان على مشجب مترب الأرائك (سوداء) والقطط المستريبة (سوداء) والحزن أسود...) والنقيض، هو، وصف وصفات مضافةٌ، نابعةٌ، هي، من (صداقة)، لذا تحتفظ باشراقيتها، بلونيتها (المبتهجة) (الفرحة) وبدا لها المعرفي؛ (ليس سوى الذكريات مكللة بالمباهج ليس سوى ألق في العيون كتب فارقتها المنون الهواجس محمومة بالذي كان مهمومة بالذي سيكون..) تأثيث المشهد، هنا، معرفي... نابع من الوعي، وتأكيد الحضور، وليس تغييبه،.. من ثم مضاف إليه فيض حماسة، تستدعيها اللحظة، هول الصدمة، الافتراق الجبري، الرحيل من الذاكرة، بعد الوجود، تالياً... الآن، يقول النص: "من قال إن الموت موجود، إنهم يكذبون، لقد ابتكروا ذلك..." لكنه، بعد حين، و (الحين)- هنا- زمن النسيان، حين تبرد الجمرة، وتنطفيء نار الحرقة على الفقيد، يحل (ماء) التفكير: البرودة، إذ ذاك يُنسى (كاظم جواد) ويبقى بيته محض تلك القصيدة! إذاً، فالموت موجود!.. نحن نستدعيه- مع الأحياء أحياناً، لنميتهم وهم (أحياء!)، وعلى الضد نحيي (الموتى)، ولكن (بالتذكر)، الذي لا يحل محل (الواقع) و (الوجود). الموت فعل غياب. هنا، أيضاً، تكمن حالة (وعي) التفاصيل، وفهم توثيق الحالة (فقدان صديق شاعر) لا يموت في (الذاكرة) ولا يسقط من شجرة الحب، داخل نص الحالة، وليس خارجه: 1- "بلبل من زجاج" /جماد 2- "أعلمه في الصباح الرفيف/ فعل- حركة. 3- "امنحه بعض حزني، وأطلقه في الفضاء"/ فعل حركة 4- "وردة من غبار" / جماد -فنتازيا- 5- "تنفتح ليلاً" / حركة 6-"فأقطفها في النهار" / فعل 7-"امرأة من ورق"/ جماد 8- "أصير لها عاشقاً"/ فعل 9- "وأجني مفاتنها في الأرق-/ حركة. بهذه المتوالية / جماد- حركة/ والفنتازيا: (تحريك التخييل)، النص يشتغل على الغاء السكون، وهذه الحركية -في الجوهر- استعارة من النتاج الحضاري (السومري- البابلي)، حيث (الأثر) يبقى، في حركة الحضور، مادمنا نُفعلِّه بالنظر، أو الفحص، أو التأمل..، لأنه الموجود في وعينا أيضاً. وهذه (سمة) تغلب في "مملكة عبد الله"، تماماً مثل جدلية الماء والنار؟ 1- المرأة التي تخرج من اللوحة: (غرفة) 2- عبد الله الذي يزرع نبتة أخرى: (فحل التوث) 3- بلبل الزجاج/ وردة الغبار/ امرأة من ورق: (بيت كاظم جواد) 4- لعبة القماش العتيق/ نظارات الخشب: (موت المغني) 5 نثيث اللؤلؤ/ صفصافات الشارع: (اشراقات الشهيد عباس بن شلب) 6- تمثال بدر/ ابتسامته من البرونز: (صباح بصري) 7- كرات الطين التي ترسم دهشتها في الفضاء: (العصفور الأبيض) 8- للريح لون الغناء : (العصفور الأبيض) 9- الشمس نهر من القطن/ نهر من الذهب: (العصفور الأبيض ) 10- الرمل يومئ/ تركض الحناء والنخيل: (رمل وحناء) 11- اسألوا وردة المتدارك: (معلقة البصرة) 12- امرأة من الخشب اليابس تفصح عن عشقها بالوساوس: (الطواويس) 13- عشيق من القش والصمغ يشكو فراغاته: (الطواويس) 14- سمك يطلب كتب الحب/ .... (القارعة) ثم تلك الحركية في (اللون) المسمى والمجاز: حزن (أسود)، أرائك (سود)، زهور (بيض)، طيور (ملونة) عيون (ملونة)، كرات من الطين: صفراء/ سوداء/ سطوح المنازل (خضر)، (أبيض) كالقطن، شجر (أبيض)، أفق (أبيض)، العصفور (الأبيض) ذئاب (سود)، فرس (بيضاء). الزعل (الأبيض)/ (القمر) القروي/ الطلعة (الغضة)/ لضحكته (تتعرى) الألوان/ عاصفة (عمياء)/ (فضة) الماء/ تخرج من دمها (نجمة)/ الموكب (الذهبي)/ عصافير (الصباح)/ عرش (الظل)/ (ألق) في العيون/ سحرها (الخردلي)/ (خردل) (الضوء)/ (دخان) على الشرفة/ بلبل من زجاج (شفيف)/ (وردة) من (غناء)/ (بياض) الجدائل/ (هجر) الضوء ضحكتها/ أقام (حداداً) على مقلتيها/ (فضة) الماء على الشاطيء/ تفتح (للفرح) الفذ بوابة/ تشرق الشمس / يتحد العمر (بالضوء)/ مصابيح الغرفة (مطفأة)/ أضواء (كابيه)، ألوان (نابية)/... في "الحداثة"، (أزمة الفنان المعاصر ليست هي التحرر من التاريخ، وإنما أزمة الحالة التي يجب أن يتعامل بها مع التاريخ.)(70) |