|
||||||
| Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:17 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
القسم الثاني تفعيل الحمـاسة: ـ 1 - الإيجاز 1- « ليس الحب مستحيل ولا الجمال خدعة ولا ندى السحر خرافة... لكن يفيض مرقص البشر بالعنف والعويل » محمود البريكان من: "قصائد تجريبية" -1- الإيجاز، في بنائية القصيدة الحديثة، ليس (قصرها). بل ومضها، إيقاعها السريع، واكتفائها بذاتها في مقطع، في أسطر، ربما في كلمات، في دفقة، ولكن باكتمال معنى... في معمارية تامة. إنه سمة (عصر) تميز -أيضاً- بايقاعه السريع، واشاراته البرقية، وتنوع أغراضه، بما يعوض عن "الإطالة"و "المد" والروح الباروكي. "الإيجاز" كلام، مختصر، مفيد، تماماً، كما هو حال (قادة الأركان) حين يوجزون (الموقف) في مقرات الفرق والفيالق، موضحين، واضحين... ولكن بأقل ما يمكن من كلمات.. و "الإيجاز" ليس (القصيدة القصيرة)، التي لم تشغل المنظرين إلاّ بقدر انشغالهم بنقيضها "ماهية القصيدة الطويلة"، كما فعل هربرت ريد (الناقد الانكليزي)، في كتابه: (الشكل في الشعر الحديث)(71): "الشكل والمحتوى مندمجان في عملية الخلق الأدبي، عندما يسيطر الشكل على المحتوى.." - (.. اي: عندما يمكن حصر المحتوى بدفقة فكرية واحدة واضحة البداية والنهاية، كأن ترى في (وحدة بينّة).. عندها يمكن القول إننا أمام القصيدة القصيرة،...) في حين: - (عندما يكون المحتوى - الفكرة أو التصور الفكري- معقداً جداً لدرجة أن يلجأ العقل إلى تقسيمه على شكل سلسلة من الوحدات الجزئية، وذلك ليخضعه لترتيب ما من أجل استيعابه في إطار كلي، عندها يمكن القول إننا ازاء ما يسمى بالقصيدة الطويلة) وهي ليست النص المفتوح/ القصيدة النص، كما يدعوها أدونيس، كونها" امتداد لا ينتهي، يولد دلالات بشكل دائم"(72). الإيجاز، حالة النص الذي يمتلك أقصى كثافة ممكنة ممتلئاً بالفكرة أو الصورة / أو المشهد/ ، دون حاجة لأي اضافات،.. نص يمنح، في دواله، قدرة على التأويل، والقراءة التأويلية، بلا حاجة لافتعال ذلك، أو ربما لا يحتاج إلى أية امتدادات، إنه، هو ذاته في مبناه المكثف، نص خلق شكله والمعنى، في خلاصة، في إيجاز. فهل لجأ بعض شعرائنا المحدثين إلى هذا النبر الايقاعي، على وفق ضرورة (الحرب) ومقتضى سياقها أم أن ذلك امتداد لتجربة شعراء عرب وعالميين سبقوا إلى تفهم نبض العصر وإيقاعه السريع، فلجأوا إلى الكلام الوجيز المقتصر السريع الوصول إلى المتلقي وأدراكه؟ لغةً: وجز يجز وجزاً الكلام: جعله وجيزاً، وأوجز الرجل في منطقه كان وجيزاً، ووجز يوجز وجازة الكلام: قال في بلاغة... أي إختصره وحذف ما فيه من فضول وهذا الإيجاز، أو زهد الكلام داخل بنية النص، اللغة واللسان، مؤسس في الغالب على مبنى حكائي، وكأنه قص خبري، وهو هنا، ليس مقارباً لبنية التركيب اللغوي للبيت الشعري حتى لو تميز باكتفائه بذاته، كونه -أصلاً- سلمه في درج القصيدة كاملة، ولم يكتب لذاته. يشير د. علي الشرع في أطروحته عن (القصيدة الأدونيسية)، إلى بحث جاد في الشعر العربي القديم انجزه (رايموند. ب. شندلن) بعنوان: (التشكل والبناء في شعر المعتمد بن عباد)، وقف فيه عند ظاهرة (التأزم والإنفراج) أو (التحفز والتفريغ)، إذ تعني هذه الظاهرة: (أن البيت الشعري الواحد أو المقطعة الشعرية غالباً ما تتألف أو تتشكل من تركيبين لغويين، في الأول يستثير الشاعر توقع القاريء أو تحفزه، وفي الثاني يشبع هذا الشعور بالتحفز)(73). نقف، هنا، عند نموذج واحد من شعر محمود البريكان، وهو تفصيل من (قصائد تجريبية) نشرها تحت هذا العنوان، من قصيدة (القوة الطاردة المركزية)/ المقطع الأخير (ص80 مجلة المثقف العربي) وهي من نتاج الشاعر عام 1969، حسب تذييله القصيدة: - (ليس الحب مستحيل ولا الجمال خدعة، ولا ندى السحر خرافة.. لكن يفيض مرقص البشر بالعنف والعويل...) هذا (الإيجاز)،/ لا يزال شاعر كبير مثل يانيس ريتسوس يتعاطاه، كما كان يتعاطاه جاك بريفير في قصائده القصار، ورينيه شار، وهنري ميشو، وتعاطاه بول ايلوار، من قبل، واراغون وناظم حكمت في بعض نتاجهما...، ولا زال يتعاطاه سعيد يوسف، والبياتي. تبدو (البساطة) الظاهرية، خادعة في هذا النص، وفي تشكيل المعنى، والصورة، لأنها أس السياق الشعري عند البريكان، لكنها (بساطة) محسوبة، مدروسة، ممتنعة، تنطوي على موحيات وظلال وتنفتح على تأويل، خارج المعنى الدلالي-الظاهري- للمفردة: 1- ليس الحب مستحيل 2- ولا الجمال خدعة النفي، هنا، هو تأكيد.. الحب/ الجمال/ ثنائية توجه. طموحية البشر، ومسعى نضالهم وكدحهم. هذا الكلام (المؤكد)/ عبر نفي الاستحالة/ ونفي الخدعة: عن الحب والجمال، / سريع التوصيل، مؤسس على تالٍ معطوف. 3- ولا ندى السحر.. خرافة... ثم يأتي القسم الثاني، كأنه مصراع (البيت) الشعري، أو طرف المعادلة: مشيداً على حشدية متهد موجز بكلمتين: (مرقص البشر)/ الذي (يفيض) هنا فعل مضارع يدفع تلك الاستهلالية المنطقية الرافضة ب"لا" و"ليس"، وهو تنويع بالنفي (موسيقياً)، تأكيداً على ، وللمعنى الدلالي، في (الحب) وغناه، وتلقائيته، إنه "ليس مستحيلاً"... لكن البريكان يؤسس منصات منطقه على ثلاثية متصاعدة، كأنه يشيِّد منصات زقورة كلام، أو قاعدة (ملوية): ليس الحب مستحيل/ ولا الجمال خدعة/ ولا ندى السحر، خرافة. تبدو هذه الثلاثية من شدة بساطتها وإيجازها ووضوحها كأنها مسلمات، قواعد بنائية، ثوابت بمنصات. ثم ينطلق من هذه المنصات الثلاث إلى بنائية (هرم النص)، هذه البنائية المفتوحة النهاية، الموحية، واللانهائية أيضاً، تماماً كمنارة ملوية سامراء، مدورة. تصعد حلزونياً إلى العلا، كأنها لن تنتهي. لكن (قبل) التدوير التصاعدي، هذا، يغير (بنية) الصعود من أساس نافٍ، ومؤكد مضمر ضمن النفي، ثم تأتي (لكن).. بعد تلك (المنصات التأكيدية)، وكأنها تحرف (شكل) المعمار، من مربع أو مستطيل، إلى شيء آخر، يخرج بالشكل من (مكانية التأكد) عبر (النفي)، إلى (واقعية صاخبة)، حادة، و (مشهدية): 4- (لكن/ يفيض مرقص البشر...) - بماذا؟... ماذا يفيض؟ 5- بالعنف والعويل (إيجاز) كامل لمشهد عصر بكامله؛ حيث (البشر) هم (القاعدة)، والعنف والعويل هما (الحالة) فأي إيجاز لقسوة عصر بكامله قدمه النص باقتدار.. وبكلمات محسوبة، لكلٍ حيزها المكاني والدلالي في بنائية النص، و.. تناغماً مع سياق مدروس: إنه (نظام).. الإيجاز، هنا، هو: (نظام فن). كل مفردات (المقطع)، هي موجودات ذات حياة: الحب/ الجمال/ الندى/ السحر. وهي (موجودات) لا يمكن نفيها، لأنها (ثابت حضور). وهي في ذات الوقت (مضادات) حالة أخرى: البشر، فيها، منشغلون بالعنف والعويل. العنف والعويل، (مضادان) غير حيويين لتلك الشفافية في متوالية (الحب، الجمال، الندى، السحر). (العالم)، إذاً، لم يعد رومانسياً، وواقعيته تراجيديا، (فمرقص البشر)، الذي يفترض أن (يفيض) بالحب والجمال والوجد والندى، (فاض) بالعنف والعويل/ الدمار والمآسي/ الكوارث والخراب/ الحروب وويلاتها/.. القتل، والأسى. إذاً: ثنائية التدمير والبكاء، (العنف) و (العويل) هما دلالتان عن كل ذلك (الهدم) و (الخسائر)، التي تمتد بظلالها الدلالية من (الحسي/ الواقعي/ إلى (الشامل)/ المعنوي، إنه عالم الحروب والكوارث، إذاً، عالم الخسارات والحزان، عالم: السواد. حين نلاحظ تاريخ كتابة النص، تتبين لنا (علاقته ) بحالة(الستينات) من قرننا العشرين، حيث (الخسائر) سمة ذلك العقد، (بدءاً من نكسة حزيران) 1967 عربياً، وما قبلها.. حتى ثورات الطلبة عام 1968، في فرنسا والعديد من أرجاء العالم كرد على الفقدان، وتشبثاً بأمل جديد، حتى لو كان على حساب (قوة طاردة عكسية!)...، المهم: الرد على تلك الخيبات والنكسات،على ذلك العنف والعويل.. محمود البريكان، الشاعر العراقي، أدركط بقليل من الكلام، والإيجاز، ظاهرة عالمية شاملة. كأنه يقدم "قانون حياة" في نص يبدو من شدة وعي تركيبه وبنائه، نثرياًبسيطاً واضحاً، لكنه مليء بالغنى الجمالي والتركيبة، والذهنية، والموحيات والظلال والدلالات، في زهد لغة، وبلاغة بساطة.. مع قدرة عالية على التوصيل، لأي مدرك متلقِ، فالمبهم غائب في هذا النص، والواضح فني وثر وحاضر، هو "ثابت حضور"، تماماً، وهو قابل -في التحليل والدراسة والفحص- إلى حفريات قراءة تأويلية، لدلالاته وعمقه، حفر دائم في الغاطس منه، وليس في الظاهر للعيان، حسب. وتلك فرادة، قدرة شاعر يتحكم بكتابة نصه، وبوعي (صناعته) و (فنه). إنه يقدم -بيقين راسخ_(منظره) الشعري، من (وحدات وعناصر) تبدو قليلة، لكنها (تضيء) وذات أمد مفتوح. وبالتالي، فإن الشاعر، أسس رؤى، إنه رؤيوي، وليس وصفياً، منذ (العنوان) العريض للقصائد: (قصائد تجريبية)، إلى العنوان الأساس للقصيدة/: النص: (القوة الطاردة المركزية) وهو عنوان ينطوي على مفارقة (خطيرة)، في مجابهة النص المألوف، والاعتيادي، الذي يقدمه شاعر (عمودي) مثلاً. - والعنوان، أيضاً، ينطوي على المفارقة الخطيرة، في موازاة النص عالي التركيز الذي قدمه (المقطع الختامي) (موضع تطبيقنا). الشاعر، اسس رؤى، واضحة، في نمذجة نص، وفي نظرته إلى العالم، (رؤيته) وابصاره في آن)، دون أن يسقط النص -والفكرة- والعلامة، والعلاقة، في ضيق أفق (المحلي/ أو عادية (العادي) المحدود البعد،... مع أنه في المعاينة والتفكيك يتبدى لنا فضاء النص:، محلياً، عربياً ذا نفس إنساني ليس بمعنى (الكوزموبوليتانية)، ولكن بمعنى الشمولية الخلاقة، ذات الهوية: إن (النص) احتوى (وحدات شمولية) ذات ثبات، وعمق، إنساني (موجودة) في كل زمان ومكان وعصر، اختزلتها ثلاثية (الحب)(الجمال)و (الطبيعة)/ ندى السحر).. ووضع مقابلها، على وفق تقابل متضاد: ثلاث نقائض هي: (مستحيل)/ (خدعة)/ خرافة. وفي هذا -اللقاء المتضاد- بين مزدوج ثلاثيات، خلق معماراً فنياً متوازياً ومتقارباً معاً، ومتعادلاً في التحدي والمرادفة، لا يلتقط، منذ الوهلة الأولى، ولا يمنح نفسه بقراءة عجلى. بل في التأمل، والحفر عميقاً، والقراءة السائدة، من قاريء معاضد. وهو، أيضاً، وضع فاصلة نفسية، وانتقالية تغييرية، بين ثنائية الثلاثيات، وبين التحدي ومضاده، عازلاً المعنى عن التطابق، والمرادفة، ليكون (نقيضاً) وهذه (الفاصلة) هي: "لكن"!. النص خلق مفارقة مضمرة داخل ذاته، بَنْيَّنتِهِ. وغير معلنة داخل المتن في ظاهره، لكن إذا أضفنا لها العنوان، وهو "ثريا النص"، ومفتاحه- معاً، و"التاريخ" الذي ذيلت القصيدة به (1969)، يكون (العنوان) و(التاريخانية) رابطين أساسين لبنية النص /المقطع/.. فالمفارقة المضمرة، في النفي /والتأكيد عبر الثلاثيتين: أ-الحب ليس مستحيلاً. ب-والجمال ليس خدعة ج- وندى السحر خرافة/ "الطبيعة، تقطير الطبيعة، خلاصتها: الندى) الحب في مقابل مضاده: المستحيل الجمال في مقابل مضاده: الخدعة الندى في مقابل مضاده: خرافة وحين تصبح هذه (الوحدات الحياتية (العناصر/ الوجودية)- والجمالية والنفسية والوجدانية - "ثابت حضور" النص، فهي أيضاً، ثابت حضور" (الوجود)! وأيضاً على الضد، حين تصبح هذه (الوحدات) و(العناصر): صعوبات، إذ ذاك، لا يترك الشاعر الضفة الأخرى من معادلته سائبة، بل يغنيها بالنقيض، فتصبح (المعادلة) محتوية: (نقص النقيض)، = (نفي النفي)=إثبات -ثابت حضور =وجود وهي، في ذات الوقت، ليس النقيض التجريدي، بل (المسبب). النص، يشتغل، هنا، أيضاً، على (السببية) وليس على انغلاق. فهو، إذاً (قوة) (طاردة) (مركزية). هنا، يغذي (الشعري) متنه- يندد (فلسفي)، وبعد نظر! إن غياب الحب والجمال والندى، (سببه): انشغال البشر بالمعارك والحروب والكوارث (العنف) التي نجمت عنها/ الأحزان، (وبالعويل)! وهي حالة (فقدان) خطيرة، جمالياً، بيئياً، تكوينياً، نفسياً، أنسياً. هنا، أنسن الشيء (العنف) (العويل). إذ كيف (يفيض) (وليس يكتظ أو يزدحم -حسب-) القيض من الماء، الرواء، الأنهر، خارج الضفاف، خارج السدود، أي: خارج الحد. (مرقص البشر): (مرقص) -هنا- مشروط بالإنساني كافتراض- إنه مرقص بشر، لأن الرقص، هو لهم، حياة، تعبير عن فرح أو حزن عن إنسانية عن حالة، وعن شعور.. وهو ليس (مرقص) تجار حروب، أو قتلة!.. (بشر)- هنا، الجانب الآخر (المضطهد /البريء/ المعتدى عليه) بدليل (ما بعد) الكلمة. (يفيض) بـ (العنف) و(العويل) لكنه أيضاً (الجانب المعتدي/ الآثم) إنهم، معاً، في المكان المعتدي والمعتدى عليه/ سبب العنف وسبب العويل، والمعنف والباكي! وتلك مفارقة الجمع: البشر، داخليتها، القابلة للقسمة على اثنين: أبيض وأسود. خير وشر. حيث يفترض أن (يفيض) هذا (المرقص) بالسعادة، والفرح، والحب والجمال، والغناء، والأمسيات العذبة، نراه (يفيض) -بالعنف والعويل- هاتين المفردتين تختزنان تأويلات متوالية، وتنطويان على المتوالية السوداء: الدمار /الحروب/ الكوارث/ العسف/ القهر/ الاستلاب/ الأسى/ الفقدان/ الفواجع/ الخسائر.. الخ المفارقة الضدية، إن الفيوض هي: العنف والعويل، ولي الحب والجمال، وهنا، تعيدنا المفارقة في جوهرها إلى العنوان، الذي ينطوي على تأويل قراءة: "القوة الطاردة المركزية"، هل هي إذاً حالة العنف والعويل، القوة الطاردة المركزية، للحب والجمال والفرح.. في راهن تلك الستينات وإلى أمد أبعد، حتى نهاية القرن العشرين، وربما أبعد! نعم.. ربما، وكلا.. ربما.. وبين "نعم" و"لا" يظل النص يشتغل على جدلية التحريض والإثارة، وإن لم يقلها (مباشرة) أو مثل شعار، استشعر الشاعر هذه المفارقة الضدية -الحياتية- من الذات، إلى الجمعي، وارتقى بها من الواقعي إلى النص.. فتحولت من مفارقة واقع، إلى مفارقة (واقع -نص) إنها خلقت (شعرية) المكان /داخل شعرية النص) والموقف. النص، إذاً يمثل زمنية، بوعي، خرافيته المكانية أيضاً، فهو قاسم مشترك لواقعنا /العربي/ والعالم/.. تمثيل دقيق، ومكثف لحالة عصرنا، في بنائية، حداثة رؤى، ورؤية، وإيجاز، وصل درجة بلاغة البساطة، باقتدار. -3 - ـ (حين جاء المقاتل عند حدود الوطن تحول جسمه شجرة ..) ـ يوسف الصائغ .......... ـ في قصيدته (الشجرة) التي نشرها في جريدة (الثورة) مع رسم تخطيطي بريشته، يقدم يوسف الصائغ ليس مفارقة قراءة من نمط آخر، هي قراءة تعاضدية للوحة شعراً، والشعر رسماً، حسب، ولكن بذلك الإيجاز العالي، في خطوط الرسم، كما في خطوط الكلام، وبالفنتازيا. هذا الإيجاز يفيض بموحيات تتسع فتخرج عن حافة الرسم وأسطر النص المكثف الوجيز، بحيث تنمو في مخيلة المتلقي، رغم أنه (رآها) مرسومة أمام مقلته، بصرياً.. وقرائياً. لقد حسم (الصائغ) إنشغالاته وبحثه في معضلاته وخياراته، وهو أمر قد يبدو خارج النص- تلك الانشغالات التي اتخذت (شكل): قصائد غائمة، سود، مترددة، معزولة، قصيرة النفس، لكنها فنطازية: ـ (الليلة كان الكابوس مختصراً جداً مائدة وزجاجة خمر وثلاث كؤوس وثلاثة أشخاص من دون رؤوس!) أو : ـ (خيط من نمل أحمر يتحرك بين سريري والباب أنهض من نومي أسحق خيط النمل بأقدامي وأعود وإذ استيقط ثانيةً ألقى بين سريري والباب خيطاً آخر .. أكبر) فأصبح -الشاعر- بعد ثلاث سنوات من العذاب في حسم خياره النهائي، يسمع صوت نفسه كمن يتكلم في نومه: (أنا لا أنظر من ثقب الباب إلى وطني/ لكن أنظر من قلب مثقوب.. وأميّز بين الحب الغالب والحب المغلوب) وهكذا، شيئاً فشيئاً، (اندمج) الشاعر مع مشهد (الحرب)، لا يعني ذلك أنه مع ويلاتها، لكن قصائده فاضت بتلك المشهديات عن حالاتها، ونماذجها، بإيجاز شديد، وإيحاء غني، ومخيلاتية عالية. إنها (فنطازيا) تحمل مفارقتها، الدينامية. ـ (حين جاء المقاتل عند حدود الوطن تحول جسمه شجرة راسخ جذرها في التراب ومرتفع جذعها في السماء وأغصانها مثمرة..) بهذا المقطع، يرسم الصائغ المشهد الأول، وهو مشهد (سلامي)، اندماج الشخص بالشيء، المقاتل بالشجرة/ انسنة الكائن، والطبيعة، في مفارقة كنائية: الإنسان =شجرة. وإذ يبدو المقطع الأول معرف بنفسه، ومكتف بذاته، (التحول): حين تحول جسم المقاتل شجرة، بدت الأسطر الثلاثة، تحصيل حاصل، (جذرها راسخ في التراب وجذعها مرتفع إلى السماء وأغصانها مثمرة) وبدت، كأنها تفصيلات - لا ضرورة لها، فالشجرة بذاتها، تعطي ذلك. لكن (التحول) الثاني، يفيد من هذه الإضافات، فالمشهد الثاني، قدم انعكاسات تحولات (الحرب) على الشجرة: (المقاتل المكنى): (هبت الريح، لم تنحن شبت النار، جاء العدو، تبدلت الشجرة مدفعاً والفواكه صارت قنابل والأرض من دونها مقبرة..) تصعيد في المشهد، المليء بالاستعارات والكنايات.. الريح، هنا، هي الحرب (هبت= ابتدأت) النار.. (المعارك)= (شبت) (العدو) - جاء- .. إذ ذاك في هذا (المجيء)، تبدلت الشجرة (المقاتل المكنى) الذي توحد في الشجرة وتوحدت الشجرة فيه، في (تحوله) الأول.. تحول (جسمه).. هنا الشجرة صارت -مدفعاً الفواكه = قنابل الأرض= مقبرة إيجاز كامل. زهد في اللغة والصور. مخيلة عالية لدرجة الفنطازيا وينفتح النص على مناخات عدة: حوار داخلي، وهج، لحظات صمت، تحولات، موقف..، بسبب (توحد) تلك الثنائية الإنسان الشجرة، ثم العنصر الجديد (المكنى) -والأرض.. (الاسم) هنا.. لا ضرورة له، المهم (المعلوم) الرمز: الإنسان/ والشجرة. الإنسان/ المقاتل/ بكنيته والشجرة) برمزيتها، توحدا، إذاً الموصوف بفعله، والعلامة (الرمز) لتكوين (علاقة) هي (التوحد) ثابت حضور، جديد، وإن يكن مجازياً.. (توحدا) في (الانتماء) إلى (الأرض): الوطن، وصارت الأرض -(مقبرة للعدو).. فالانتماء -هنا من وجهة نظر النص أصبحت المعادل الموضوعي للقتال، وهو حالة التحول في التوحد، ثم في القتال). في نموذج هذا النص، أونموذجيته. يكتمل الإيجاز، في سرد حكائي وجيز، مكثف، دال، بأقل من يمكن من (تفاصيل) وأوسع ما يمكن من آماد تأويلية وموحيات. كثافة /روي/ زهد تفاصيل/ وضوح موقف/ =ثابت حضور ثلاثية: المقاتل /الشجرة/ الأرض. ألغى النص بنية انتظام هرم تراكمي كما في (القصائد العمودية)، وأسس: هرماً متصاعداً في وحدة موضوع. وتماماً، كما فعل البريكان، وضع الصائغ مشهداً أولاً تأسيساً مثابة انطلاق، مصطبة بناء تالي النص، وطوابقه، والنمو الذي جعل فيه للشجرة- جذراً في الأرض- واتساقاً مع السماء، لا حد له، ولا نهاية. التأسيس (لملوية) القصيدة، منارتها، مبناها المتصاعد، فالشجرة لا يقف نموها، في راهنيتها، إلاّ عند الموت/ تماماً كالإنسان. لم يلعب الشاعر بالكلمات، بقدر ما أتاحت له قدرة مخيلة، واقتدار عدة، لأن يشتغل على بنيته مشهد، حكائياً.. وبتشظيات المشهد، أبعاده الظرفية: الفواكه صارت قنابل.. حين صارت الشجرة مدفعاً.. المجاز الاستعاري دفع بالصور إلى ذروة هرم. لا إلى تراكم طبقات. وهو هرم أفاد من التخييل بالرغم من مظهريته الواقعية. حيث القراءة التعاضدية. تغني المعنى. فهذا الإيجاز المقتدر، هو نقيض (الإيجاز العاجز) والإسهاب المنفلت، غير المسيطر عليه. يخرج النص، أيضاً، من (واقعي الواقع) من حيزه المادي: شجرة فواكه، مدفع، قنابل، مقاتل، حدود، إلى تركيب آخر، معقد برغم من بساطته الظاهرة، ليصبح (واقعي النص) حيث الفواكه = قنابل، والشجرة= مدفعاً، والأرض= مقبرة. إنها المفارقة الضدية/ ضد طبيعة الأشياء. من سلام الشجرة والأرض، إلى قتاليتهما. دال جديد، وتأويل الحالة وتغييرها..، فالتخييل، هنا، جاء نتيجة، وليس هدفاً، الإيجاز بلاغة، والفنتازيا السوريالية، انتباهة فطنة.. لأن الشاعر استوعب مناخ التلقي فخلق جمالية تلقٍ، خاصة، في زمن الحرب تعتمد: الإيجاز. (قصة قصيرة جداً) هي (تحول) المقاتل والشجرة إلى (شجرة مقاتلة) نص لا يخسر الشاعر اندماجيته به، بمشهد، بحضور آني، بتاريخ. وفي المبحث الخاص بالشاعر (4-المعلم السّجال)، جئنا على ذكر نماذج أُخر، اشتغل فيها على هذه الخاصية: الإيجاز في بلاغة بساطة، وزهد لغة، وتخييل فنطازي: كنهه عن (الشهداء) الذين (ينزلون) يوم (إجازتهم) في قصيدة (إجازة).. حيث يظل (حتى) الشهيد.. وحيداً!.. لا مكان يتوجه إليه لقضاء (إجازته)، ويمضي ثانية إلى (الجبهة)!.. إنها مفارقة نص.. ضدي، لغة، وبلاغة، وموضوعياً، وإيجازاً.. ومعانٍ أبعد! - 3 - ـ ( في غرفة المستشفيات يغلق المريض باب جرحه ويطفئ الآلام كي.. ينام) - كاظم الحجاج .. في: "مجموعة قصائد قصار" تحت عنوان: "إيقاعات سريعة" في ديوانه "إيقاعات بصرية" لجأ كاظم الحجاج إلى الإيجاز جداً، بقص شعري. هذا نموذج ينطوي، أيضاً، على مفارقة سماها في عنوان القصيدة الموجزة، جداً: "تعتيم"، والمستلف من حالة الحرب، (التعتيم) - هنا- مجازي: (في غرف المستشفيات، يغلق المريض/ باب جرحه ويطفيء الآلام.. كي ينام!) انتهت القصيدة! هل انتهت حقاً؟ لنبدأ بالعنوان (ثريا النص/ الجزء المهم من المتن القصصي): (تعتيم)، إنه الفاتحة، الاستهلال، الذي يغطي مساحة (الفعل)، ويصف الحدث، بمفارقة ثقة (يغلق) المريض (باب جرحه)، وبطرافة، روح دعابة، حزينة: (يطفيء الآلام.. كي ينام!). العنوان، موحى وضعنا كله: (تعتيم)، في حالة "مونو دراما" (منمنمة) قصصية قصيرة جداً إيجاز لا اكثف منه ولا أشمل. فلو جردنا النص من الحالة العامة /الطارئة/: الحرب لأحتمل تأويلاً آخر: لكن (شيوع) مفردة (تعتيم)، كواحدة من "يوميات" حالة الحرب/ في الغارات عادة/ لأحتمل تأويلاً أشمل، فالمفردة هنا سحبت (التأويل) إلى ما تحتها: إلى النص، وما بعده. هذا النص يحتل أصغر مساحة على الورق. خمسة أسطر فقط في (أحد عشر كلمة) هي كل جسم النص/ القصيدة/ القصة/ اللقطة/ الواقعة/ الحالة.. وكل حضورها المادي/ الواقعي/ الوجودي/ الإنساني/ الغني بالتأويل. وأيضاً، بمهارة اقتدار نقل الشاعر، التجربة، من واقعيتها (واقعي -الواقع) إلى (واقعي- النص) بفرادة تناول، ومفارقة قراءة: (تعتيم). أي مريض بمستطاعه أن ( يغلق باب جرحه) و ( يطفئ الآلام..) ( كي ينام) ؟متوالية أفعال (يغلق/ يطفيء/ ينام) تنسحب الحالة، من الفعل الاضطراري، إلى النتيجة -ربما (النوم) هنا، كناية عن (الموت).. كخلاص نهائي من الألم. إنه إمكان آخر: في حالة المواطن الاعتيادي: يغلق باب داره /يطفيء الضوء/ كي ينصت إلى أصوات الغارة/ يحتمي بملجأ/.. ذلك هو (معقول) الحالة.. واقعها وواقعيتها. ربما يجافيه النوم، في تلك اللحظة المتوترة، ذلك أنه من الاستحالة أن يتمكن المواطن تحت ظرف (غارة)، وحالة (تعتيم) أن ينام! فكيف إذا كان هذا المواطن مريضاً، جريحاً؟ فيضطر إلى (غلق/ باب/ جرحه!). في حالة المواطن (العادي): الا مكان هو طبيعة حياتية عادية ومقبولة. وهي ردة فعل تفرضها حالة التحرز والاحتياط من مغبة الموت أو الأذى، على وفق (تعليمات) (الدفاع المدني!)، ربما هي حالة (نمطية) ومكررة يومياً، تحدث لكل الأسر والعوائل، أيام القصف، وهي مفارقة، أن يعتبر المواطن حالة (الغارات) و(القصف اليومي) و(التعتيم) اعتياداً! المفارقة الأخرى تكمن في تأويل تأويل واقعة النص، وليس في واقعية -الواقع، هنا، المريض لا يغلق باب داره، أو مستشفاه، أو باب غرفته في المستشفى، بل يغلق (باب جرحه)! وهو، لا يطفيء الضوء، بل يطفيء (آلامه!).. فهل بالإمكان /واقعياً/ إغلاق باب الجرح، من قبل المريض نفسه، وبتلك (البساطة)، أو (إطفاء) الآلام- ومن قبل المريض ذاته؟! نعم، في حالة إرادة استثنائية، يمكن أن تتحقق تلك المفارقة الضدية /اللاواقعية، وهذا "الامكان" هو إمكان استثنائي، خلقته قوة إرادة (مريض) (جريح) أيام الحرب! إنه ليس مريضاً عادياً. النص قال ذلك، بالإيجاز، بزهد لغة، بالمفارقة الضدية، بالبساطة أيضاً.. وبمخيلة سوريالية! وكان (العنوان) محركاً للنص، لمتنه وروافده، وللقص الشعري الموجز جداً. بأن يتحول إلى (متن) حياتي: "تعتيم" وليس "نوماً". بل جاء (النوم ) فعلاً مطمئناً وواثقاً في نهاية النص، وكأنه حتمية! أو قدرية. ولم يعطنا النص حالة فردية، مع أنه (تحدث) عن (شخص) واحد هو (المريض)، فبفعل أساس: (يغلق) ثم بفعل قال: "يطفيء" وثالث: "ينام.." أي بمتوالية أفعال تبدو حالة المريض حالة "تعميم"/ وليست "تعتيماً"..، بفعل الفضاء، ففضاء الحدث هو "غرفة المستشفيات" ولم يقل (غرفة) في (المستشفى)..، في "غرفة المستشفيات" مرضى، وليس مريضاً واحداً، ولأنها ليست حالة مرض اعتيادية، فالمريض يغلق باب جرحه!.. إذاً، فهو (جريح) وليس مصاباً بحالة جرثومية، أو عدوى.. الجرح، ينفتح على احالة، وتأويل، إنه من نواتج الحرب.. ثم لنتأمل هذا التقابل، والتماثل، بين: تعتيم/ تعميم.. ثم آلام/ ينام.، والأشياء: الأمكنة: غرفة /مستشفيات/باب/.. اللعب، هنا، على الجناس والطباق، والمجازات، الاستعارة، والكناية، ميزة قصار المقطعات، كون الايجاز يقتضي تكثيف الحالة، وتوسيع أفق العبارة، والدوال، إنها تكشف عن عناصر، علامات، علاقات، أوسع من مدارها الظاهري. ولدى كاظم الحجاج، الايجاز، والايجاز جداً بات أسلوباً، وليس ومضة خاطفة، تأتي في نص وتزول.. إنها تجربة تتكرر في نماذج أخر.. في (قصيدة): (انعكاس) المتكونة من أربعة أسطر فقط، بثمان كلمات، نقرأ: (صار النورس -وهو يطير وراء الموجة ظلاً أبيض..) بهذا المقدار اللوني، /التشكيلي، والايجاز، قص النص حالتين: حالة النورس، وتحوله حين يطير، وراء الموجة، إلى ظل أبيض.. هذه الصورة /الحالة/ اللقطة/ - عبر الصيرورة- واقعية جداً تتكرر مئات المرات أمام عين أي زائر للبصرة، وبالذات عند ضفاف ( شط العرب) ، لمجرد أن تراقب ( العين) - بوعي اللحظة- النوارس...لكن هذه (اللقطة) خرجت من المألوف الحياتي /الواقعي/ اليومي، بهذا الومض، لتكون وحدها نصاً مكتفياً بذلك، قصيدة قصيرة جداً.. وبأربعة أسطر، أيضاً، هاكم (قصيدة): (تصحيح): -(آخر ما يفعله المحررون -قبل النوم- في الجريدة أن ينكروا أخطاءهم!) .. ـ -هل النص، هنا، تأكيد لمعلومة /أو تأكيد لخبر، أو واقعة؟ إنه ذلك كله، وأبعد.. فقد حمل، أيضاً، مفارقة انتقادية، وطرافة، روح مداعبة.. فالنص لم يضع (الحالة الزمنية: قبل النوم!) بعد فعل الاستهلال والمشهد الأول للقصيدة: آخر ما يفعله المحررون، وكأنه حين وضعه بعد هذه الجملة، وقبل شبه الجملة (في الجريدة) - وهي المكان أيضاً - أراد أن يوحي بأن المحررين، ربما ينامون في الجريدة، وينامون -هنا- بمعنى دلالتها الأخرى، يسهون- والسهو يسبب الخطأ، فالجريدة ليست غرفة نوم وليست فراشاً، لا فندقاً ولا بيتاً.. كي ينام فيها المحررون، لكن (النوم) حمل تأويلاً، وموحى ما دام مرتبطاً (بالأخطاء)، فهو، إذاً، (نوم) مجازي.. ثم إن المفارقة الأساس تكمن في العنوان، بعلاقته مع النص، وتحديداً مع نهايته: انكار الأخطاء: "أخطاءهم"، فالتصحيح، عادة، هو تحاشي الأخطاء، وليس انكارها! فالشاعر، هنا، يشتغل على منطقة وعي لنصه، بقصدية كاملة، تبدأ من بنية النص القائمة على الإيجاز التام، وحتى اللعب على علامات التعجب!، حيث وضع العلامة، بعد كلمة "تصحيح!" (العنوان)، وكرر ذلك في نهاية النص بعد كلمة (أخطاءهم!).. إذاً، لا كلمة (تصحيح!) مع علامة التعجب- ولا (أخطاء!) المحررين مع علامة التعجب، أيضاً، هما معناهما الظاهر، بل موحى ظلالهما، ومعناهما الآخر.. الانتقادي، المضاد.. وتلك (حالة) تدفع إلى قراءة تأويلية، أبعد من حدود النص، وفعله، وظاهره.. إنه إيجاز يدفع إلى نص يكتبه القاريء المعاضد، ليتشكل من موحيات النص الأصلي.. وهذا التوليد في المعاني، يخرج بالإيجاز من حالته القاموسية، كونه ما قل من الكلام، الواضح، السريع.. فهو -هنا- "كلام" أغزر، بمتوالية توصيل تختلف من قراءة إلى أخرى، ومن قاريء إلى آخر.. إيجاز خصب، هو، يفيض بمعنى المعنى في آن. في نصه: "سيما" يلجأ كاظم الحجاج، ليس فقط إلى الايجاز الخصب، وموجز القص جداً، بل إلى (الهامش) الذي ينطوي، أيضاً على مفارقة تضاد، بين الحالة واللاحالة، وهو ليس هامشاً تفسيرياً بل إيحائياً، يدخل في صلب المتن ونسيج خطابه السردي: -("سيما" عروس البحر ترتبك المراكب حولها .. ويتيه نورس سيما.. إذا نطقت -ولو حرفاً- يصير الشعر أخرس) أما نص الهامش فهو: ("X" سيما فتاة أردنية ليست جميلة جداً!. (غير أنها جميلة جداً!") كما أن الشاعر يضع الاسم: "سيما" في أول القصيدة داخل هلالين، زيادة في التنبيه وكأنه اسم أجنبي يريد حصره بين أقواس للتأكيد.. في المقطع الثاني، وهو مقطع الحسم في التتالي: "القاعدة" ثم "الاستنتاج" يخرج بالاسم إلى فضاء أرحب، يكسر الهلالين، يكسر القيد التأكيدي، أو "الغرائبي" -موحى أجنبية المسمى - ليجعله مألوفاً عربياً، وجزءاً من جسم الفعل وحياته: إذا نطقت.. -ولو حرفاً-، هنا امعان في الايجاز جداً- ولو حرفاً- لكن "النطق" له رحابة أفق: (يصير الشعر.. أخرس!) لسان سيما، إذاً، أغنى من لسان الشعر، ولسان القصيدة، هنا سيما تخرج من الموجز إلى الرحيب، جميلة جداً وليست جميلة جداً.. ذلك لا يهم، فالتضاد هنا، يؤكد جماليتها.. في النطق، وبالهامش الساند، يتعمق موحى الايجاز، موحى النص. بساطة، تبدو مألوفة، لكن الاشتغال عليها لإخراجها -بتأكيد أسلوبية- وبهذا الثراء، يجعلها خارج المألوف، إنها صناعة نص، بفطنة اقتدار/ وبلاغة فن: ماذا تمتلك سيما غير النطق، أية سمات جعلتها جميلة جداً، خارج مواصفات الجمال الظاهري، المظهري، والمرهون باذا الشرطية: "إذا نطقت"، هل يكمن (جمالها). في (النطق)، والخطاب المنطوق، أو بطريقة النطق؟.. "عروس البحر"- وهي وصفية جمالية استثنائية - ترتبك المراكب حولها ويتيه نورس!، و(المراكب: جمع) و(نورس: مفرد).. المراكب لا أهمية لها عندها.. لأنها "ترتبك" حولها، تحوم، دون جدارة قيادة للفعل..، أما ذلك "النورس" فهو "يتيه!.. يخرج عن مداره، ومساره، وتحليقه! حركية عالية في المشهد، وما يضمر.. ذلك كله تجسيد في نص موجز جداً.. لكنه غني، يفيض ويتسع. وتلك ميزة في إسلوبية كاظم الحجاج، في قصار قصائده، أو مواجيز نصوصه الشعرية. في قصيدته القصيرة جداً: "تومان البصري"، فالشاعر يقدم تاريخاً كاملاً لشخصية معروفة جداً ونادرة، ومتميزة، عرفتها أجيال من أبناء البصرة، وتعلقت بها، لذا فالإيجاز، هنا، يتسع لمخيلة خارج النص، من قبل القارئ، المعاضد، الملم بخاصة بشخصية (بطل) النص: (تومان).. كما يتسع النص بحياة تومان ذاته، خارج سطوره. ولأن منتج النص (الشاعر) هو السارد العليم، المتكلم، يريد للبصرة- دون أن يسميها- ديمومة شباب، فلن "يصدق" "الاشاعة"- وهي بين هلالين كمفارقة كتابة- كون (تومان) بلغ السبعين! النص بخمسة أسطر أيضاً، لكنها حياة: -(لأنني أريد هذه المدينة دائمة الشباب فلن أصدق "الإشاعة" التي تقول: "تومان في السبعين!") و"تومان" هو مواطن بصري، كان يعزف الناي بأنفه، وهو يتقدم لوحة الإعلان عن الفيلم السينمي الجديد لدار العرض التي يعمل فيها، إنه خطاب متحرك، لا يكتفي بالإعلان العادي عن جديد السينما، جديد العروض، بل يقدم خطابه (الإعلان) بمهارة فذة: العزف على الناي بانفه!.. مرات يغني، ودائماً يداعب البصريين، ويرقص أحياناً! اختفى "تومان" من المدينة، فترة طالت، حتى أُشيع بأنه "مات"، لكنه لم يمت، بل ابتعد، فقد بلغ السبعين، ولم تعد "حركته" التي عرفها به أبناء البصرة، بنفس الخفة والمهارة، إنه أراد أن يبقى في ذاكرة المدينة وأبنائها، جزءاً من واقعها الحي. وتراثها (الشعبي) والإنساني، فتىً، أسود اللون، أبيض القلب والسريرة، فناناً، منح السرور لكل الناس، دون حدود أو شروط، وهو أيضاً، واحد من فناني "فرقة الخشابة" يقودها مع آخرين، تركوا تراثاً من الأغنيات، والايقاعات وفنون الرقص الشعبي وطقوسه- مثل رقصة الهيوه- والطقوس الاحتفالية التي يقدمونها صحبة الأعراس والأفراح حيث يشكل "تومان" وفرقته، مسرتها وفعلها المميز.. لم تغب -زمن الحرب- بل ترددت (إشاعات)- نتيجة شدة تعلق الناس بتومان وحبهم له- وخوفهم عليه من (القصف) العشوائي الدائم على البصرة، خافوا عليه من (الموت المجاني)، موت المصادفة، فظلت تردد بأنه نجا من الموت مرة، وأنه جرح فقط، ومرة تقول الاشاعات أنه مات،...، أو أنه (هاجر) إلى مدينة الناصرية لأن القصف طال بيته، كما طال أغلب بيوت المدينة وأحيائها السكنية، فهاجر مع من هاجر إلى المحافظات الأقرب، تحاشياً للموت (المجاني) اللامتوقع، والمتوقع في أية لحظة.. المهم، إن "تومان" هذا النموذج الفريد، كتب عنه العديد من الأدباء البصريين، القصص والقصائد، وجاء ذكره في "يوميات" و"مذكرات" وكتابات حرة، أخرى عن البصرة، وناسها، وتاريخها. لكن إيجازاً رائعاً، يختصر ذلك كله ببوح شعري مترادف مع متواليات: المدينة، شبابها، الإشاعة، العمر (تومان في السبعين)، يخلق، خلق بالفعل، مساحة عريضة من التداعيات عن المدينة وتومان، والسينما في البصرة، هذا التوحد في العمق من الأصالة والعلاقات. "تومان" -هنا- (علاقة)..، والنص لفتة وفاء لتأصيل تلك العلاقة المتميزة في ذاكرة المدينة وتاريخها، وحافز، يدفع القاريء الساند، الذي يعرف "تومان" أو سمع عنه، بالانفتاح على قراءة أرحب للنص، يمتد به من إيجازه العالي إلى غنىً، يتجذر في ماضي المدينة وتراثها، وعراقة أصالتها وفنونها، وعلاقات ناسها، إلى المستقبل، حيث تظل "العلامة" قرينة بفعل، بانسان، بمسمى.. فالشاعر لم ينف ذلك، بل عمقه، إذ لم يغفل مفارقة الكتابة، كما مفارقة الحدث، لذلك وضع كلمة "الإشاعة" بين هلالين، كما وضع عبارة "تومان في السبعين" بين هلالين -أيضاً- مع علامة تعجب!. بذلك، وبقصدية اشتغال، ينفي المعنى بمعنى آخر، فيضع إلى جانب المعنى (الظاهر) (معنى المعنى)/ (المضمر).. وتلك إفادة أخرى من موحى الإيجاز وفنيته، التي تقوم على تعميق دلالات النص، وبلاغة بساطته، اقتصاده، وشسوع قوله في آن. .. ـ توقفنا عند (تومان)، ذلك إنه (مدلول)، قدمه النص، على إيجازه، متضمناً المقدمات، هو كل ما تضمنته علامته من الوجهة الدلالية. بمعنى أن مفهوم المدلول- هنا- هائل الاتساع والإفاضة، احتوى ليس فقط على كلمات بسيطة، إنما أيضاً على مقدمات وحجج،: (لأنني أريد هذه المدينة دائمة الشباب/ فلن أصدق الإشاعة"..) في قراءة أفقية للنص.. النص يمتلك التساؤل، ما يقال بشان إشاعة، قابل للتصديق أو الرفض، والرغبة (لأنني أريد) والسببية، علامة وحجة، بمتسع إشارات. كي يكون "تومان" أصغر، أكثر فتوة، ليس في السبعين! إن محتوى النص، هنا، مماثل لمحتوى رغبة. ومضاد لمحتوى إشاعة. محرك وتحريضي على شيء يتعلق بمكان وتاريخ وفعل. "تومان" -وحدها- كمفردة ومسمى- تسوغ لنا التأويل، لأنها "مرجعية" النص يتكيء عليها كأنها "وثيقة" وهكذا يتحصل لنا، من إيجاز عالي، متسعة من الدوال والمعاني، بل متسعة من السرد والحكايات. الايجاز، لم يعد، هنا، محدودية كلمات، بل هو نمو طبيعي للإمكانيات المتضمنة حدساً، ورداً وعمراً في الكلام: تاريخ كلام. اقترن بتاريخ شخص وتصورات وذكريات. بين تصديق الإشاعة، والمقصد، مسافة السرد. وبين زمن الروي، وزمن "تومان" مسافة تخييل. إن (تصور) النص الاّ يكون "تومان في السبعين"، خلق علامة لتعبيره، إمكانية نوعية لخطاب (مدرك) من حيث كونه سرداً، لموضوع ممكن وكبير له علاقة بذاكرة جمعية. من هذه الوجهة، يكون "الايجاز" فاتحة كلام، وليس خاتمته... وبذلك، يضيء النص، مكانة الايجاز، وبلاغته في بساطته، ليس في نواياه، حسب كذلك قدم (قصة موجزة)، تحتمل الكثير من "الحكايات" عن "تومان" نفسه، عن (علاقة) النص، "تومان البصري"، وثرياه المضيئة. فالمفردة، استدعت عمقاً آخر، ففاضت عن حدود النص، وجعلت القاريء المساند يستغرق في استذكاراته. بهذا المعنى، يكون عمق (المسمى) ودلالته، مرتبطاً بمقصد النص وتوجهاته: تأكيد شباب المدينة، من خلال تأكيد شباب (علامة) النص/ بطل هذه القصة القصيرة جداً، الموجز السردي شعراً. نصاً حكائياً بخمسة أسطر، تجاوز فيه -بالتعاون مع القاريء المساند الحكاية النص- التسمية، إلى حياة. وهذا ما يبرر لنا الحديث عن فيوضات النص/ وإيجازه.. من خلال بطله ومسماه وحياته. -4- ـ (سقطت من عيون المها الحدقات -حينما قُصِفَ الجسرُ وانفرطت حلقات المحبين وارتاعت الأمهات) ـ سامي مهدي ... ـ في حنجرة طرية "يقدم الشاعر سامي مهدي: "رباعيات" (ص40-42)- وهي بطبيعتها، ومذ تعارف عليها واشتهر بها "عمر الخيام"، تكتفي بذاتها، في أغلب الأحيان، وتعتبر كل "رباعية" نصاً مستقلاً..، إلاّ إذا جمعها موضوع واحد.. كاشتغالات، اتخذت من "الرباعية" شكلاً، أو مقارباً فنياً: ـ (كم كنا نحلمُ كم كنا نرتابْ كم كنا نخشى أن نُطْرَد، أو نُهمَلَ عند الأعتاب؟!)(ص40) هذه الرباعية الأولى، لا علاقة لها بالرباعية(2)، أو (3).. إلاّ بالشكل، المعمار الفني، حسب: ـ (ناقوس الصمت يدقُ فترتجفُ الأحلام وتقلبُ أوراقاً تُركِتْ وطوتها الأيام..) .. وهكذا الأمر في بقية "الرباعيات" : (مقتولاً ماتْ مطعوناً بشعاع الشمس وجمر الكلمات)(ص41) .. والرباعية، لدى سامي مهدي نص مكتمل، مكتف بذاته، هو، من المواجيز البليغة، التي تعطي ما عندها، وأبعد، في الأسطر الأربعة.. باشتغال مدروس، وبقدر وضوح المعاني، لكن المدى مفتوح، عادة لما هو في صلب معنى المعنى المتولد..! إن مواجيز سامي مهدي تشتغل على تعدد دلالي، ومخيلة، ومفارقة واقع، واختلاف.. لتعميق فكرة تتجاوز السائد الصاخب، حيث الشعري يتمظهر في بناء ليس النهائي المحدد، وإنما هو (النهائي) المفتوح باستمرار على اللانهائي، في نص (مصمم) تماماً، ليكون ذاته. وقد سعى الشاعر في "حنجرة طرية" /الديوان/ إلى كتابة مواجيز، أيضاً، سماها "يوميات" عن "نزيف النار"- (كتبها) (في أيام ساخنة تحت ظروف ساخنة)(75)... ففي 23/1/1991 كتب: ـ (كفني هو هذا العراق وهو قبري وشاهدتي وهو ما ملكته يدي حين نحشر يوم المسَاق)(ص44) تكاد "اليوميات" هذه أن تكون صيغة خطاب مباشر، حول موضوعة محددة، كَنّاها الشاعر بـ "نزيف النار".. لكنه تجاوز، في بعضها، ذلك الخطاب، المباشر، إلى ما هو ميزة في نص سامي مهدي، القصير، المليء بالدوال: ـ (سوف ارتقُ جرحي غداً.. مثلما ترتق الأمهاتُ خروق الثياب القديمة) (6/2/1991) /ص45/ التقابل، بصيغة المقارب الحياتي الشارح والمفسر.. (أرتق جرحي)..، ليس الآن- بل في غد النسيان و(سوف) تشير بالسهم إلى ذلك.. /لكن كيف؟.. (مثلما) -(ترتق الأمهات).. مثلما (الماضي).. بمعنى أن الجروح، التي سيرتقها (أنا) المتكلم، ستصبح ماضٍ، وإن كانت في النص حالة مستقبلية (سوف أرتق)، اللعب على الأزمنة: ماضي، حاضر، مستقبل، وبالثنائيات، وبهذا التقابل، بين حالة -وحالة مقارنة، لا يتقيد النص بخطاب مباشرة/ أو بتقريرية، بل بفيوضات تمنحها (الصورة)/ أو الحالة"، الأخرى، جرح، ثياب قديمة، رتوق، أمهات، أو، إنه يستخدم (غنائية) نص قديم، كإشارة، في معنى جديد: ـ (سقطت من عيون المها الحدقات حينما قصِفَ الجسرُ وانفرطت حلقات المحبينْ وإرتاعت الأمهاتْ..)(14/2/1991) هذه (اليومية) -تشير أيضاً، إلى "الأمهات" مقابلاً موضوعياً، لإغناء الحالة (الروع والانفراط) بعد أن كانت "عيون المها" بين الرصافة والكرخ".. (يقتلن) العشاق، باتت (عيون المها) بدون حدقات!.. انطفأت المقلة /النظر/ التأثير على العشاق والمحبين/ لم تعد ثمة جميلات يعبرن الجسر، الذي قصف، فانقطع السبيل بين كرخه ورصافته..،.. فانفرطت "حلقات" المحبين، وارتاعت الأمهات، في النص الأسبق، "الأمهات" -مثال صبر- يرتقن خروق الثياب القديمة، يتجاوز (السارد) بهن كمثال، حالة "جراحه"، أما في النص الثاني، فهن مرتاعات، لأن الجسر قصف، قطعت، إذاً، بذلك الصلات، وغمرت الضفتين حالة من الفراق القسري، القطيعة الاجبارية، التي تفرض انفراط جمع المحبين.. وبالتالي، فالأمهات ارتعن، لأنهن الراعيات الحانيات على المحبين، العشاق، بناتهن، أو أبنائهن، حين يجف الحب، وتسود القطيعة،.. فالجسر صلة، كائن حي، ذكريات، وتواصلات إنسانية على مر العهود، وأيضاً، هو رمزه في كيانيته (جسر) -اتصال- وعلاقة وتاريخ حركة وحياة.. إنه علامة (شعرية) النص، وحين توقفت الحركة سقطت من عيون المها الحدقات..، النص بالرغم من هذه (القطيعة) مشبع بالحركة: (سقطت/ قصف/ انفرطت/ ارتاعت../ حدقات/ حلقات/ أمهات..). وفي ديوانه (سعادة عوليس) يدعو هذه المواجيز بـ "أوراق مقاتل"(ص93-103)، هي: (تدخين/ ليلة باردة/ الشقائق/ انذار/ هجوم/ سلام/ إجازة)، وهو يرتبها على نحو يدفع إلى "سعادة" حين تبدأ هواجسه، في إطار يوميات مروية قصاً مكثفاً، داخل بنية كل نص..، وكأنها في تراصفها تشكل "وحدة" موضوع، اختارت شكل "أوراق" يوميات/ نصوص قصار، مواجيز شعرية! تبدو كأنها "الأوراق" كاملة. لكنها (ظاهرياً) كذلك، فهي تخرج عن هذا (الكامل) ومنه، إلى مدى أرحب، إن هي تفاعلت مع مدركات قاريء ساند/ معاضد/ يعيد ترتيبها، مع دوالها، داخل عقله. فالقصيدة، عند سامي، هي ليست (خبرها) ولا (لغتها)، حسب، بل هي امتدادها في منطقة وعي المتلقي. ماذا نسمي نصوص، سامي مهدي، القصار.. في الايجاز؟ هل هي "رباعيات" - اتخذت، أو استلفت شكلها من تجربة آخرين، وغيرت في الخطاب؟ هي هي "يوميات" - كتبها تحت ضغط "نزيف النار"، أو أن ذلك كناية عنها؟ أم هي "أوراق" -تدخل في التسجيلي- النثري- لوقائع الواقع، أكثر منها شعراً؟ أم هي "جنس" آخر! أو خارج التجنيس، خارج الشعر، أم داخله؟.. وأين تكمن شعريتها؟ -بدءاً، لنعود إلى سؤال البداية: ما هو الشعر؟ -أهو ما كان يطلق عليه السابقون على الرومانطيقية اسم "الغنائي"؟ وقولة وردزوث الذي أعطى كامل الشعر تعريفاً قريباً مما كان يعرف به مترجم باتو: الشعر الغنائي بمفرده، هل هي معرضة للخطأ، لما أولاه، وردزوث (للوجدان والتلقائية) من أهمية كبرى؟ -أم هو تعريف (ستورات ميل) الذي يرى أن الشعر الغنائي هو (الشعر الأكثر سمواً وتميزاً عن غيره"؟! وأي (غيره) يا ترى؟ (ميل) الذي يهمش، بذلك التعريف، كل نوع من أنواع السرد والوصف، والخبر التعليمي، باعتبارها (ليست شعراً) وقد تبنى (ادغاريو) نفس الفكرة. فكان يرى أن "القصيدة الطويلة" -مثلاً- "لا وجود لها".. -ثم تولى (بودلير) (تنسيق) هذه الفكرة في (تعليقاته) على (بو)، فكانت النتيجة (الواضحة) لذلك التنسيق هي "الإدانة" القطعية (للقصيدة الملحمية)، (القصيدة التعليمية)، اللتين دخلتا، في الاصطلاح الذي أطلقه (جيرار جينيت): بـ "الشعر الخالص" (المحتشم/ والفاعل مع ذلك باستمرار) وبما أن (التمييز) بين (الأجناس) -يقول جينيت- بل وبين الشعر والنثر أيضاً، لم يُمحَ بعدُ، فإن (المفهوم الضمني) للشعر (يختلط) تماماً بالمفهوم القديم للشعر الغنائي) وبصيغة أخرى: (ما زلنا منذ أكثر من قرن نعتبر الشعر "الأكثر سمواً وتميزاً" بالتحديد هو نمط الشعر الذي ألغاه (آرسطو) من كتابه في (الشعرية)، بيد أن مثل هذا (الانقلاب) المطلق قد لا يكون دليلاً على تحرر حقيقي)(76) إن الشاعر، يلجأ في "أوراق مقاتل" -مثلاً- إلى إغناء تقاليد سرد، واظنه في إطلاق تلك التسمية لا يستخف بنصوصه، ولا بشعريتها.. فهو يصل بنصوصه إلى كثافة عالية جداً، وإيجازاً جلياً، مؤسساً مبناه الحكائي على هوى (قصة قصيرة جداً) هي (في الواقعة) لقطة حياة، أو (جزيئة) من (واقعة واقع يومي)، بذلك ينمي هذه (اللقطة) من شكلها الحياتي الاعتيادي، (الواقعي) إلى رتبة شعرية، فيخرج بالخبر، و(اليومية) إلى حيز (نص)، باقتصاد لغة، وتشذيب روي، تماماً كما فعل الحجاج والصائغ والبريكان: ضد (الكلام) ومع (اللغة)، ضد الفضفضة السردية- الروائية، ومع الروي المقتصد -الموحي، المشير. وأيضاً ببلاغة بساطة. إنه يتجاوز زخرف البديع، ثابت القناعة، والقص. يبدو نصه ضد المكابرة السلفية، لكنه، في الآن نفسه، مع استلاف تراث تجربة، نلقاها ممتدة منذ شعراء (المعلقات) (الذين هم -قصائدهم- في التجربة) وليس انتهاء بجاك بريفير، ويانيس ريتسوس وهنري ميشو. (اليومي) الذي يبدو اعتيادياً، يصوغه الشاعر بعناية فن: (أنا، والبرد، والليل، والبندقية والحنين إلى امرأةٍ، وفراشٍ، وأبهة منزلية.. وطويل هو الليل، والبرد يشتد بي فأخالف كل الأوامر أشعلُ في السر سيكارتين معاً وأعب دخانهما وأفتش في علبتي عن بقية..) (تدخين: ص95/ سعادة عوليس) انتهت القصيدة/ المروية..، بأسطرها الثمانية،. هي قصيدة (الومضة)/ (اللقطة) التي -في الحياة اليومية- شكلت (لحظة تنوير) لحالة سارد، يختزل رغباته في المكان، و(يتمرد) -على الأوامر- بسبب رغبة جامحة في التدخين فلا يدخن سيكارة واحدة، كما هي العادة، بل (يشعل) -في السر- سيكارتين معاً. هنا توالج زمان ومكان، رغبة وأوامر، مخالفة واستمرار، تتقدمها وصفية مكان وموجودات، واسترجاع حنين، إلى دفء عائلي. هذا التوالج في الزمان والمكان، أحدهما بالآخر، يوحي بالحالة، من علامة: (البندقية)، و(أوامر).. لا الزمان (مسمى/ محدد) ولا المكان، لكن (شيئية) تلك العناصر، الجمع كله، توحي بمسمى خارج التسمية، بمكان وزمان، هما من صنع (النص).. وفي (الشقائق)، يقدم السارد حالة (نقدية)، بقدر ما تبدو مضمرة، فهي معلنة.. جاءت بصيغة سؤال، لا يحسم الإجابة، لكنه -في جوهره- يجيب على نفسه: ـ (وفي ليلةٍ من ليالي الربيع الندية فكرت أن الشقائق مثل الرفاق وأن الرفاق شقائق مبثوثة في براري العراق وقاومت في النفس كل الهواجس كل المخاوف ثم احتكمت إلى القلب.. هل في السواتر هل في الحجابات متسع للنفاق؟) ( الشقائق/ سعادة عوليس /ص:97) ".. وفي" -الواو بخاصة- تدفع إلى امتداد روي، ثم (الربيع) المسمى، هنا هو امتداد "الشتاء" اللامسمى (في ليلة باردة..): الألفة هي الناتج، لكن (السؤال ) يؤكد (الهواجس) ويقلب المعادلة: هل في السواتر/... الحجابات.. متسع للنفاق؟ إذاً، النص، يقدم (النموذج) الموصوف: الرفاق.. شقائق. ويقدم (المحذور- الظاهر): النفاق.. الذي، عادة، يشوه النموذجي، والنموذج. ويقتل المعنى في مفهوم "الجندية": (المقاتل)! ألم تكن "الأوراق" - هذه، "سعادة" لعوليس آخر، أم أنها مسند كلام، يبوح باليومي، متحقق تجربة في المتحقق الشعري، شكل حساسية وذائقة لغة في تشكيلها من مفردات الواقع اليومي، ولكن في بلاغة بساطة. مبنية مؤسسة على سرد، توثيق ظرفية، فالأوراق تضمر، بالرغم من وضوحها التام، هيمنة على (اللقطة) وعلى (العلامة) وعلى (التعبير)، وهيمنة على الأدوات بآلية شعر، فاليومي أصبح شعرياً، والحقيقة هي ما تحقق في النص، بوحدة عضوية داخل بنية حساسة، بمعنى أن النص، بقدر إيجازه، اشتغل على وحدات صغرى، الأجزاء، ووحدة كبرى: (الظاهرة) أو (الحالة)، وأبعد: (الحرب) في علاقة جدل، وليس تراكماً شكلانياً. إن قصيدة سامي مهدي تنتمي إلى: البسيط الفني، البسيط الغني ببلاغة بساطة وذلك هو اقتدار الايجاز. .. ـ إذاً.. خارج المطابقة والتماثل، تشتغل نصوص الشعراء -في الايجاز- مرة على أساس (المقابلة بين الأفكار والصور)، وغالباً: على أساس: صياغة التجربة الذاتية، حيث النص (مرآة) الذات، والآخر، في ثنائية التقابل، والجدل، أو الصراع -أحياناً- بخاصة إذا كان (الآخر) المرفوض، لا الآخر (المرغوب/ المطلوب) المخاطب. في الايجاز، والمواجيز، معاً.. إمثولة استخدام الهواجس ومنبهات القراءة، وتوجهات إشارية.. يمكن أن تلتقي كخصال وخصائص والقصيدة الطويلة، وحتى الملحمة.. لكن، المرحلة التي أنتجت فيها النصوص القصيرة، هي مرحلة حرب، ونزف دائم للدم والطاقات والثروات، لذا فهي لا تغفل حجم الحزن والكارثة والأذى.. إنها تبحر في صدقها، وتعنونه بوضوح. ودائماً ثمة قص داخل بنية النص.. كأن السرد هو الملاذ والمهاد معاً.. ودائماً، ثمة تضادية بين الساكن والمتحرك، بين التفصيل والإنارة، كأن (لحظة) الوعي، هي لحظة التقاط الواقعة، ولحظة تنويرها في النص، في آن.. وبالرغم من الوضوح والبساطة الظاهرية في النسق العام للقصائد القصار، لكنها تمتاز باحالاتها وإيحاءاتها ودوالها.. وتوصل -في خطابها- بين المعنى ومعنى المعنى، وبين قاريء مساند، معاضد يدرك (التعاضد التأويلي)- أيضاً في الحكاية والنص الحكائي. والايجاز، هنا، على الضد من تجربة أدونيس، مثلاً، حيث ابتعد عن الأطر اللغوية والشكلية والتراثية، وغيب الحس الحكائي أو القص في قصائده القصار، فاعتمد على التركيز الفكري، بتخطيط واع لعمله.. كما اعتمد. في بعض نماذجه (البنية المسماة ببنية تتبع المنظورات..)(77). وهكذا.. يلتقي النص الموجز -العراقي- مع نص أدونيس، في (تلك التصورات التحتية) التي تتحرك وراء كل جزئية من جزئيات النص، وتكمن خلف التشكيل اللفظي البادي للعيان، وخلف الصور التي يقدمها النص.. إنها تلتقي بالموحى. أيضاً.. أي أنها نصوص موحية، إيحائية.. رغم وضوحها العالي وبلاغة بساطتها عراقياً- وفي بدايات نتاج أدونيس (فهي) تعتمد التخطيط الفكري، ولا تميل إلى البساطة بل إلى التعقيد، أحياناً. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |