|
||||||
| Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
ـ 3 - شعريـــة اللامباشـــر ـ (الخراب الذي فاجأ النص.. ما كان في النص..) - 1- ـ هل تصلح هذه المزدوجة (الخراب/ النص) سياقاً لتلخيص ما حدث، والتعبير عنه، مقاربة موضوعية خارج المطابقات الإعلامية/ التقليدية، بين مفهوم "أم المعارك/ المنازلة" ومفهوم "العدوان/ الدمار والحصار والأذى؟ وهل نستخرج من حدث مأساوي (جريمة ملجأ العامرية/ مثلاً) ما يمكن أن يتضمنه من (شاعرية) في ما هو (تاريخي/ تراجيدي)، ونستل من النص ما هو (شعري) في المعطى؟ حداثوياً، يمكن أن نستل (الأبدي) من الشأن (العابر).. فكيف يكون تشكل الشعر إن جاءت به آلية مقتدر، وهو يصدق في التعبير عن حدث، أو تفصيل، يحتوي تلك الإثارة السامية المختبئة في الواقعة؟ إن (الانجاز)- هنا- يستدعي (الفن) نفسه، تحت مهيمن ثنائية اتحاد بين (الجوهري) و(العرضي)، ولكن.. بتشبع تام لوعي (زمن) الواقعة. والحاجة لأن تجد في (ذاتها) ضماناتها لخلق (نص شعري). تلك هي (اسمة الحضورية) في النص، وفي فهم واقعة الواقعي لتحويلها إلى (فن)، وهي أساس القرابة بين (الفن) و(التجديد)، تتشكل-وبخاصة في مقابل (العدوان/ العسكري) بل تكمن في قدرة (اللامباشر) على (تفعيل) شعرية النص، حتى داخل (الخراب) كمحيط ضاغط/ مأساوي..، وبخاصة إذا أدرك الشاعر -وهو هنا منتج النص- بأن (حرب الصورة) التي تنبأ بها (بول فيرليو)، وهي موضوعة أثيرة في نصوصه الأخيرة، برهنت بأن (الجديد) اللامباشر، اشتغل على آلية متقدمة، وحقق نتائج خطيرة، إذ كانت (حرب الخليج- كما يسمونها) أو (العدوان الثلاثيني) -كما نطلق عليه في العراق- (حرباً موجهة بالالكترون من أقصاها إلى أقصاها لم يربحها ولم يخسرها رجال بل آلات). إذ ترجمت هذه (الحرب) حقيقة أن (السلطة) صارت (مدارية) -أي موصولة بالأقمار الصناعية التي تتكفل بالإيصال، موصولة بالتوجيه الفوري للصواريخ والمقذوفات. وبالتشويش الكهرو- مغناطيسي للموجات، من أجل شل الخصم.. الخ. ترى، إلى أية درجة يهم تشغيل (السرعة المطلقة)، علاقات (القوة) في العالم، وكذلك علاقات (القرب) من حيث هي (علاقات) تبعية للبعض بإزاء البعض الآخر.؟! إننا ندخل في ما كان (بروديل) يدعوه بـ "المدينة -العالم"/ (لوجستيك الادراك)/ (أتمتة الحواس)! يتذكر (فيرليو): أن الماريشال غريغتشو قد قال قبل هذه الحرب بعشر سنوات: (إن الحرب القادمة سيغنمها من يسيطر على الطيف الكهرومغناطيسي)، وهذا ما حصل: لا السيطرة على الجو أو البحر أو الجبهة، بل (تطويع الطيف)! (هذه) الحرب، إذاً.. شكلت تغيراً جذرياً في النسق/ النظام العسكري للعالم/ (فلا تتغير النظم السياسية وحدها، بل العسكرية أيضاً) مع (هذه) الحرب، (انتقلنا) من (حرب الردع)، بما فيه من ردع (القنبلة النووية) الذي يولد من قوة المتفجرات، إلى (حرب) يعتمد فيها (الردع) على (وسائل الاتصال)، على (الإعلام) الذي توفره (الأقمار الصناعية) و(انساق التشويش)، أي ما سيدعى بـ "أسلحة التواصل". بكلمة: ترجمت (حرب الخليج) تفوق (الأسلحة التواصلية): اللامباشر /على كل من (الأسلحة التدميرية) و(الردعية): المباشر.. بمعنى أن (النجاعة) الإعلامية التي حققتها -مثلاً- القناة الأمريكية (سي. أن. ان) في (تنويم) جماهيري/ وإلغاء لكل مراجعة أو قوة احتجاج، هي بداية انبثاق (أسلحة الاتصالات الضخمة) وانتصارها على (أسلحة التدمير الضخمة/ كالقنبلة النووية). من هنا يأتي الخطر الكبير الذي يتهدد (الديمقراطية) من جراء هذه (الهيمنة) و(الغلبة) للاتصال والاستعلام، لأن هذا لا يمكن ألاّ يهم (الإعلام المدني). نعم.. لقد رأينا بالفعل، حالة الخضوع والمراقبة التامة، التي اقتيدت إليها وسائل الإعلام المدنية /أو الجماهيرية/ في أثناء هذه الحرب عن طريق "CNN” بخاصة رأينا كيف صار (الإعلام الدولي) خاضعاً للتأثير، بل كيف صار معاقاً.. وما هذه إلاّ البداية!(...) مثلما شهدنا بين العام 1945 والعام 1950 نشوء (تركب عسكري - صناعي)، نشهد اليوم ولادة (تركب عسكري- إعلامي)، يلغي قدرات العين والحواس على المعاينة والإدراك، النظر والحكم، ستضطلع (الكاميرا) بدور (شاهد العيان!)، إذاً.. لنفكك آلية (الاتصال) البسيطة، المتواضعة، التي قادت (الحماسة) من خلال (الشعر) إبان الحرب.. ماذا نرى؟ هذه المداخلة تنأى عن متابعة -تفصيلية- لذلك الصوت (المتطابق) مع حماسة (الإعلام/ الكلامي/ العربي) بآليته المتخلفة، بالرغم من نبل المشاعر التي قادت (تلك الحماسة) على مستوى (التضامن الشعبيي) عربياً، التظاهرات، الوفود، اللقاءات، وتصعيد الأقوال، ثم (تدويل) الأزمة.. (فالعدوان) -حصاراً أم نيراناً، تدميراً عسكرياً مباشراً من خلال تلك التقنية الاتصالية، المدارية، العالية.. سيان! لأن حماسة الكلام، لسان إنفعالي ينطوي - في الصادق منه- على نوايا خيرة، ونبل مقاصد. هنا، لا يعنينا- أيضاً- الخطاب (النفاقي) الذي تربع على أغلب وسائل إعلام الحكومات (العربية)، حيث ظلت (المنظومات) الكلامية ، هي (البيان العام) و(اللسان)، و(الصياغات المتطابقة) التي خرجت من بيت (الإعلام الرسمي) المهدود، المتهالك، لتدخله من ذات الباب، في حين نأى الشعراء والمبدعون عن أنفسهم، (قبل) العدوان، وتوحدت (أصواتهم) في (صوت الحماسة)، واشتغلوا على تفعيلها، ولكن (أغلبهم) إنكفأ على ذاته (إبان) العدوان، وبخاصة حين (إنقطعت) السبل بين (الحدث) و(وعيه)! وبين (الواقعة) و(حقيقتها)، بين (الجوهري) و(العرضي)، بين (الإثارات) السامية التي تنبع من الإدراك الوطني، حصانة لصاحبها، وبين (الإثارات) و(المهيمنات) و(الإعلانات) العسكرية المخاتلة، المائلة، المنحازة، واللئيمة، التي تضج بها إذاعات (الحلفاء)، مدروسة وذكية! لقد (توقف النص)، ليصفن.. ويراجع جدواه تأملياً ووجدانياً، بضغط من ذلك المهيمن /الاتصالي/ الإعلامي/ الغربي/ الالكتروني/ البصري..، الذي (أتمت) الحواس، وحاول تعطيلها إنسانياً.. إذ لم يعد المواطن /الإنسان، هو الشاهد على الواقعة، بل (الكاميرا)- إنها (شاهد العيان) الذي أدى بالصورة، (قبل) و(أثناء) و(بعد) وقوعها! بخاصة في وسائل الإعلام والاتصال الغربية، الموجهة إلى العالم. وهكذا بحث (النص) عن جدواه، تأملياً، وكأنه (خارج الخانات)، كأنه في (خانة خاوية) يقف خارج المعايير، لذا استهوته (المراجعة)، بحث (الأسباب) (النتائج) في (سجال) ذاتوي مرير، ازدادت فيه النبرة المطلبية (بالتغيير) وإعادة النظر في آلية الحياة والمجتمع والهيكلية المؤسساتية الرسمية، ومفهوم الديمقراطية، والاتصال. -2- ـ لم يستطع الشاعر أن يعيش مع الآخرين يومه الطويل ذاك.. ولم يستطع أن يمتع النظر بغزارة.. كانت "عزلويته" قسرية، غلقت عليه، أحياناً، حتى قدرة النظر إلى أعماقه، سبرها، وإعادة اكتشافها، لأن ظلام ذلك اليوم الطويل، هيمن على أي بصيص، أو شمعة يوقدها المبدع داخل قلبه. لقد أطفأ كثيرون فوانيس كلماتهم، وأغلقوا بوابات الخروج على حصارهم، بعد أن عاشوا سنوات طويلة، وحقباً، يضخمون ذاتية الرغبة، في انتصار ملموس! .. إذاً.. أين كان الخراب.. كي يستجمع النص عافية الضمير، حصانة ضد الزوال؟ هل هو في الآخر/ العدواني، الذي دوّل القدرات التقنية، ووحد آليات الموت والعدم ليلقيها على بلد يسعى تواً للخروج من قماط التخلف، الذي تركته أربعة قرون عجف، من ظلام العثمانيين، وفترة متناوبة، من الغزاة، بعد سقوط بغداد على يد هولاكو. الآخر/ العدواني.. ألقى مازنته وحجم تدميره أضعاف ما ألقاه على (هيروشيما) و(ناغازاكي)؟ أم في ما تركه،.. داخل النفوس، في البنى الاجتماعية، في الروح، بعد أن حطم البنى الارتكازية، وما فوق الأرض من منشآت، ومعامل، وجسور، ولم يتوقف دون المدارس، والمعاهد، ودور العبادة، والآثار.. أيضاً.. من ثم.. في ما تركه، على مستوى العقل، وفي بنية الجسد؟! الإعمار، طاقة تحدي على وفق الممكن والموجود، والمناورة به، إلى حين.. وتلك سمة حضورية، في شعرية اللامباشر/ الحياتي..، خارج المقننات، إنها عمارة النفس، أولاً، قبل أن تكون إعمار ما هدمه العدوان. ضد الخراب الدائم، الموت والزوال، تصارعت النصوص.. بالرغم من صوت الأسى والمرارة الذي حل بها، نبرةً وتفاصيل، تتصارع النصوص متجهة بجذوة احتراقها، وألمها، نحو (الوطني) حصانة، وليس بالضرورة تتطابق مع (السائد) الإعلامي، داخل الشروط وخارجها.. (الفعل الأدبي) إذاً.. هو خليل تابع/ أحياناً.. وخليل/ تائه، أحياناً.. للفعل (الحياتي) وأحياناً: نذيره، والمبشر السابق المستبق. هو، هنا، في الشعر -تحديدا..، فالحالة، عموم الحالة، لم تنتج روايتها، بالكم والنوع، (رواية جاسم الرصيف، وقعت في 303 صفحات، قطعاً كبيراً، عنوانها: (تراتيل الوأد) صدرت عن دار الشؤون الثقافية العامة /بغداد في العام 1992.. في الذكرى الثانية للعدوان..) ومن عنوانها: الدال واضح وصريح!..، وهو الآن خارج ذلك السرب! ثم، في العام 96-1997، صدرت "الصلصال" لخفير عبد الأمير، و"رائحة التفاح" لأرادة الجبوري... كذلك لم تنتج مسرحها المنظور، إلاّ بعد حين .. وانتجت لوحاتها التشكيلية (الوصفية) نوعاً ما، حتى في فيوضات الرفض التي غمرت أعمال الشباب الثمانتسعيني، وهي ذات الحالة التي ميزت نصوص الشعراء الشياب.. وانتجت، شريطها الوثائقي، نوعاً وكماً.. (فيديوكاسيت- أكثر- من السينما) لأن "الفيلم الخام" والمعدات، توقف (إستيرادها).. وباتت متنحية، إزاء أولوية "الخبز" و"الدواء"! إذاً، وسط حرائق الحضور، وأوجاع الأسى، كادت رئة الثقافة والفنون، إن تتوقف إلاّ قليلاً، وشيئاً، شيئاً، بدأت تعيد فتح مساماتها، وتتنفس الهواء، وإن بجرعات! النص، مثل الإنسان: بالذاتي، قاوم، من داخله..، أو إنهار!.. أو هاجر.. أو مات. والمتبقي، قاوم من خلال حصانته، لأنها- في داخل وعيه ووجدانه، وحدها سقف حمايته ضد الانهيار والموت عرياناً: -(البدايات موصولة بالبدايات والماء بالماء والقمر الذهبي بتوأمه وجيبك ما زال يبني مدائنه ويدافع عنها.. تتوالى الفصول بين مقاتلنا ومقاتلنا. وطن طيب للأفول زمن لا يطول..)(87) .. - ونعيد قراءة سؤال الاستهلال: -هل (الخراب الذي فاجأ النص.. ما كان في النص)؟ ونركب أسئلة لاحقة: -هل الشكل المعلن لضرورة الوساطة بين النص (الذي كتب في زمن الحرب) وفعل الحرب، نص مجابهة، وفعل عدوان.. هو: شخصية الناقل الحاضر، السمة الحضورية للفريق /الفرد/ المؤلف؟ الذي هو في (المسار الجماعي) أو (المسار الاجتماعي الناقل) بشكل طبيعي للانفعالية اليومية، شأنه شأن كل علاقة بين الأفراد، والحكايات المنقولة، الأخبار، المعلومات الميدانية، المتداولة، المنابر السمعبصرية، أيام الكارثة؟ أو هو: الاستباق المتين اليقين، الذي يؤجج شعرية النص رغم الخراب الذي فاجأه؟ -وهل الناقل مطالب بأن يكون (حِرفياً) أو (حَرْفياً)؟ أم هو بالضرورة (تمثيلي)، إن كان منتج النص مبدع أثر، لا متتبع أثر؟ النص، في الزلزال، هو حامل أثقال الخراب، بأعمدة تمتد إلى جذر اليقين، كي يمتلك شعرية اللامباشر في القول واللسان،.. وتلك هي سمته الحضورية، في الفن، إنه لذة عرفان ذاتها من خلاله، بمعنى أن أوج اللذة أن يرى الشاعر إلى نفسه فعلاً وفاعلاً، في آن، لا متطفلاً على الحدث والواقعة والواقع، تماماً كما لو كان جسداً مصهوراً في جسد المعشوق، وليس نائياً، غريباً، عنه. هذا الالتحام الوجدي /الصوفي/ والوجودي/ يرقى بالنص إلى مرتبة شعرية متقدمة، إنه (خلاصة وطنية) - مضمونياً- وإن كان سجال ذاتٍ، تتأمل ولا تصدق حجم الدمار والفجيعة والقتل العمد، إنه إضاءة الروح إذ: (ليس من عتمة بين روحي وموعدها ليس كل الحدود حدودا وليس الملوك الذين يريدون قتلي ملوكا وليست ممالكهم غير الوان كابية في خرائط أسيادهم والذي في الرؤوس عفن أو حذاء عتيق كنتِ تستطلعين الطريق مطر أسود وخيول من القار في كل حقل حريق..)(88). .. هنا اللامباشر فعل، تتجلى شعريته، سمة حضورية، في نسيج الحدث، الحماسة المفتعلة نائية، لا موجب لها ولا وجود، لأن الشاعر اشتغل على تفعيل المفاهيم خارج المطابقات، ولأن (الفعل الحياتي) مهيمن، خلق (فعله الأدبي) الموازي والمقارب الشعري ودواله، (مطر أسود)/ خيول من القار/ حرائق الحقول/..) وهو مزدوج لوني يؤسس على نبرة موروثية تلخص الدمار /الخراب/ من وجهة نظر الوجدان الشعبي: النار والدخان/.. ولكن باستعارة الكناية اللونية، كونها (الحرب) هي نار ودخان =الدمار- الخراب. أما (الملوك) فهم مجاز، لأنهم ليسوا (ملوكاً) وممالكهم ليست كذلك، إنهم لطخة العار السوداء التابعة لخرائط أسيادهم، وما في رؤوسهم سوى العفن أو اليباس تماماً، كما نقول بالعامية الشعبية (رأسه يابس مثل حذاء عتيق)- كأنه كزار حنتوش يتحدث عبر نص حميد سعيد، لا بأس.. إن الشاعر، هنا، يمثل جوهر المعطى في الصورة، والمعيار الدلالي مستلفاً من الموروث الحكائي (الحكمي) الرافض، والشعبي في آن، أكثر من تمثله المباشر المنبري الصاخب في حماسة كلام، والذي لا يمثل أي مقارب فني لمعيار إبداعي متقدم. الشاعر، هنا، فَعّلَ الامباشر ليجعله أعمق في إشارته وسهمه إلى ذهن المتلقي وأغنى.. وهكذا يدفع بالحكمة إلى مكان الوهج، تماماً، كقوله: (الخراب الذي فاجأ النص ما كان في النص..) وحين يهدي قصيدته (سأبقى قريباً من البيت) إلى (الشهيد محمد علي الربيعي) فهو لا يقدم مرثية تقليدية، مباشرة، صادحة النبرة، بل مساءلة ذاتية تؤكد حقائق الانتماء: -(لا أريد لهذي البلاد.. سوى ما أردت لها وأريد لنفسي قليلاً من النوم أعطيت من فرحي كل ما كان عندي ومن قلقي كل ما أستطيع وقلت الذي لا يقال.. ............. ........) تماماً، كأنه يدافع عن نفسه، في حفرة الرحيل، الفراق القسري، الوداع، لأن صديقه ورفيق صباه ودربه، استبقه إلى (الشهادة)، مع اشتغال على الجناس والطباق والكنايات والدوال المفتوحة، لتصير القيمة المعيارية للنص حاملاً خصباً لشعرية القول/ الرثاء.. فكما واصل (البدايات) بـ (البدايات) و(الماء بالماء) استمر يطرح مزدوجاته، متناظرةً، في (الشكل) المعماري، في بنائية القصيدة ومنحاها اللامباشر: (للشجا برهة في الشجا والرجا في الرجا .... وخيولُ الأقارب داخلة في بيوت العناكب) وبالرغم من غرائبية الصورة ومناخها السوريالي، فالشاعر يقود نصه خارج الخراب، إلى إدانة الخراب..، وإن انفتحت صورة بيت العناكب، على (أمان)، كما (غار حراء)، لكنها أيضاً، توحي بالخراب، حين العناكب تغمر المكان المدمر، أو المهمل بخيوطها،.. (الدليل إلى صفوة القول ما كان منا كانت غزية تنزل حيث نزلنا فهل فتنتها المآثم، أو شغلتها المغانم، عنا..؟) وهو، هنا، يعمق شعرية اللامباشر بمسند شعري، بتناص، للانفتاح به على موحى دلالي، حيث (غزيّة) ذات الموضوع الذي طرقه الشاعر خليل خوري، قبلاً، في قصيدته المعنوية: (ما قاله دريد بصدد غزّية المتهافتة) مؤسساً إدانته (للخونة) على (القناع) والإحالة إلى ماض، إنكفاء نحو تمثيل الذات والتناص مع بيت (دريد بن الصمة): (وما أنا إلاّ من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد) يقول خليل خوري: (أكابر.. لكنني متعب من تخاذلها من تساقط أيامها في السقوط أشد خيول الرجاء أُخاتل كل الشراك اللعينة ينسجها حول روحي القنوط أدافع هذا التبدد مستوحشاً في عراء الرمال ألوذ بصمتي إذ يتهجمني قلقي واحتدام السؤال: لماذا غزّية هانت وماتت، ومن قبل كانت معين الإباء وسيف المضاء وعز الرجال؟ لماذا غزية خانت؟ .. لقد خاتلتني غزية، كانت معي ثم صارت عليّ سأثار منك لنفسك حتى تعودي النقية وحتى تكوني.. غزية)(89) نلاحظ اشتغال خليل خوري على المتواليات المتصاعدة، ينفتح بها، ويدور بها في حلقة، (تنحن) يغلقها باللوذ بذاته، بصمته.. (أكابر، الوذ، أدافع، أشد، أخاتل.) أو ترسم هكذا في متوالية لا تنتهي بالسؤال: (أكابر -أشد- أخاتل- أدافع- الوذ.) ثم بهذه المزدوجات المتضادة، المغموسة بالأسئلة بين صيرورتين: لماذا غزية (هانت- ماتت- كانت- خانت..) ويستمر خوري، بتحريك منطقة اشتغاله، بالتضادات المزدوجة: كانت معي/ ثم/ صارت علي وينتهي إلى إقرار مستقبلي، ومعالجة وحلاً: (سأثأر /منك/ لـ.. نفسك) الـ (س) والـ (ل)، هما مستهلان، وليس التعامل معهما، هنا، فقط كحرفين، لأنهما يقودان إلى حتمية: (حتى (تعودي) النقية وحتى (تكوني) غزية) والكينونة الثانية (تكوني)، هنا، بدالٍ آخر، أي بمعنى: تصيري، تتحولي، تعودي، وهو لم يرد تكرار (تعودي)، لأنه يلعب على الطباق والسجع: [تعودي- النقية / تكوني -غزيه]. .... قصيدة خليل، غنية، ويمكن الاشتغال على شعريتها طويلاً، فهي من النماذج الخلاقة والقليلة، النادرة، المكتفية بذاتها بفيض من الفن، والثراء اللغوي، وحسن تمثل التاريخي، والتناص مع الموروث وتحويله إلى (واقعة) حاضر، بغنى ودوال.. في حين يلجأ يوسف الصائغ -مثلاً- لتأكيد السمة الحضورية في سرد الواقعة الواقعية، إعادة تشكيلها، راسماً أبعادها في سؤال توكيد: (بلى.. كان يمكن؟ (.. أما كان يمكن إلاّ الذي كان؟) .. إذاً.. (غزيه) وما كان يمكن إلاّ الذي سيكون -(لا مناص سوى أن تخاف على صدق حبك يا صاحبي.. أو تخون؟) ترى هل (الصاحب) -هنا- هو (غزية) أخرى، الصحب، العشير، الانتماء؟ و(الصائغ) يرسم المشهد من منظور ذاتي ليساجله أيضاً، وكأنه يستذكر لذة الاعتراف بالأخطاء في أتون المحنة، كاشفاً عن حجم الاتساخ- إتساخ الروح من فرط النفاق. اللامباشر، هنا، هو الموحى المركزي، الرمزي، التأويلي، لأنقاض الشاعر، التي يقف عليها كمقارب فني لواقعي- دلالي مزدوج: غرفة النوم = القبر، إنها خلاصة (أنقاض(/ خراب الشاعر/ عزلته وموته في تلك اللحظة/ العزلة/ التي سببها الخراب: بمبنىً حكائي سردي: (ها أنا واقف فوق أنقاض عمري أقيس المسافة ما بين غرفة نومي.. وقبري! وأهمس: واأسفاه: لقد وهن العظم واشتعل الرأس واسودت الروح من فرط ما اتسخت بالنفاق) الخراب، هنا، داخلي، طال الروح، فأسودت، نفاقاً.، ثم يستمر- عبر الوصف السردي- يقص ما جرى: (في الساعة الثانية والثلاثين من بعد منتصف الليل بغداد نائمة، والهزيع ثقيل..) .. -يميل الشعراء الثلاثة، إذاً، إلى سرد حكائي، يستدلون به على السمة الحضورية في اللامباشر: سجال ذات، روح، آخر غائب، يستدلون به على أنفسهم، أيضاً وعلى (الخراب)، يفسرون دلالات النص بالموحى المرموز له، اسماً أو حالة، محاولة لإغناء شعرية النص، وخروجه من (خراب) الحاضر، باللغة، مكتفين، بالخراب الداخلي، تحريكه، لغرض التطهر منه.. لأنه طال الروح، فأسودت! -وبهذا النبر اللامباشر، اشتغل سامي مهدي على (يومياته) في ديوانه (حنجرة طرية) كما المحنا.. -أما مظفر النواب، فيميل إلى تفعيل الحماسة بالتحريض، والمناشدة المباشرة، والخطاب الصريح، دافعاً السمة الحضورية، إلى مشهد عريض يوحي ببشارة ما ستأتي به العاصفة: (الأساطيل.. أيه الأساطيل لا ترهبوها قفوا.. لو عراة كما خلقتم وسدوا المنافذ في وجهها والقرى والسواحل والأرصفة إنسفوا ما استطعتم إليه الوصول من الأجنبي المجازف واستبشروا العاصفة)(90) -في حين نرى إلى الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد، يشتغل على آلية المأثور الشعبي، فسيتدعي حكاية المخرز الذي ينسى تحت الحمولة على ظهر الجمل، فيظل منغرزاً فيه، وهو حامل أثقاله، وآلامه، دون شكوى.. معشقاً إياها بصبر أيوب.. الذي حتى صبره يصل إلى حدود، وهذا الصبر لا يصل /ليصوغ بعد ذلك في اللامباشر نهاية تتدفق شعرية، حين ينكفيء بالخطاب على نفسه، والعراق معاً، بعد أن (يموت) ويدفن: (وحين أغفو وهذي الأرض تغمرني بطينها وعظامي كلها بلل ستورق الأرض من فوقي وأسمعها لها غناء على أوراقها.. ثمل يصيح لي: أيها الغافي، هنا أبداً إن العراق معافى أيها الجمل..) إنها أيضاً، رثائية لخراب، لموت، لغفوة أبدية، وعظام كلها بلل..، لكن الشاعر يعود لتأكيد شعرية اللامباشر، بعد مفارقة العنوان، بمزدوج ثنائية موجعة، وكثافة قول وتقابلات وسؤال موجه إلى (مخلص) هو المسيح، باستعارة المسمى ورمزه: (هذي بلاد ماؤها يسفحْ وشعبها يذبحْ وطفلها يصيحْ تسمعها، يا سيدي، المسيح؟ نعيد تفكيك النص، على وفق التقابلات الثنائية: البلاد= الماء (المسفوح) الشعب= المذبوح الطفل= الصارخ بموحى ثلاثية: الحصار، القتل، الجوع.. وهنا، اللغة بموسيقى الكلمة، ومعناها، وموحياتها.. حماسة، تشتغل على (الرجز). .. ومن أمثلة شعرية اللامباشر في العنوان، قصيدة كزار حنتوش: (لا تأت.. إنما تعال) التي تستدعي -كأحالة- أغنية فيروز الشهيرة: "تعال ولا تجي"، ولكن في اللعب على التقديم والتأخير في الأفعال والطلب. هنا نص مشبع بمخزون الحزن الذاتي، المألوف واليومي، الخطاب فيه موجه إلى (جندي) سيأتي بعد (ثلاثة أيام)، والسارد، يحضر له: (البقدونس والبصل الأحمر واللوبياء) التي يحب، محتفياً به، ويكوي (السروال البني) و(ينسخ بعض قصائد رشدي العامل)- مثل منشور- وحين يصل إلى خطاب الآخر، يسقط في التناول المباشر، ومفارقة السذاجة، إذ (يسخر) من (فزاعات المستر بوش) التي لا تملك نفعاً أو ضراً، وكأنها (طائرات من ورق)- وهو استهتار بقوة العدو وآليته التدميرية، مصاغة على وفق سذاجة أعلام؟ -( هل يملك بوش المهذار أن يمنع هذا ها إني أدق الآس دقات الهاون تعلو هل يسمعها.. بوش) هذا التفصيل اليومي، الإنساني، لا يسمعه من قرر ذبح العراق، وتدميره.. -.. وهي على النقيض من (تحريضية) الشاعر مظفر النواب، أتت نصاً مكتوباً قبل وقوع الكارثة، بمثابة (هجائية) شعبية، ساخرة، تنشغل بتفاصيل يومية عادية، تصل حد السذاجة في خطابها، وعلى النقيض أيضاً نرى إلى (كلام موزون، أقوال عراقية، أقوال عربية، يليها قرآن كريم) لمحمد القيسي، كأنه يبدد أي شك بغدر الغادرين من العرب، والحلفاء. هنا (السخرية) تتبدى باللعب على مفارقة الكلمة، المفردة، وتضاد معانيها، والتناص مع موروث كلام (كالأمثال..) ولكن بصياغة واعية، تغني شعرية اللامباشر، وتدفع بالبسمة الحضورية للنص إلى مساحة الإدراك والوعي الجمالي/ السياسي في آن: (ماذا تقول هذه الأوراق؟ تقول عند الضيق يشق للعراق فجر الأغاني طريق) (فالصديق الذي يعرف عند الضيق) -حسب المأثور الشعبي- غائب، هنا، والقيسي يشتغل على حفريات المعنى، جوهر النص، إشارته السيميائية. وليس على حاضنته المباشرة. فكان (فجر الأغاني)، هو الفعل، (يشق).. ، فمنح المعنى بعداً دلالياً أوسع مؤطراً ذلك بمفارقة -مزدوجات -تفجر الحالة وتكشف حجم الإدانة العميق: (في يوم الدين سيقوم صلاح الدين وسيحصي كم شيخاً ورئيساً عربياً خذلوه حديثاً في حطين!) استحضار "صلاح الدين" الرمز بمعناه ودلالته، و"حطين" كذلك، ودفعهما إلى "حداثة" إلى فعل معاصرة..، هو فعل الحاضر، (ثابت الحضور) و(الوجود)، فتحول (صلاح الدين) الأيوبي، هنا بفعل (حياة النص) إلى كاشف يدين أولئك السقطة، معزراً في (توضيح الواضح) معنى المفارقة الضدية، منذ العنوان، مشتغلاً -ومشغلاً- كنص، من ثم، على معاني (رسم) الكلمة، تصويتها، (الغاز/ الغازي)، متسائلاً- مثلاً بادانة-: (من صادق الغازي من دون الغازِ للنفط والغازِ) إذاً، في الجناس، والطباق، استثمرت النص، وعديد النصوص، بديع البلاغة والبيان، القديم، لتوظيفهما في (نص الحاضر)، لإغناء المعنى، ومد النص إلى عمق من الإحالات والدوال الكيفية والنوعية، معاً، والشاعرة (دنيا ميخائيل).. وضعت نصاً معنوناً بلا لبس، صريحاً، هو "الحصار، عبر تكييف الحالة وتصعيدها من (الذاتي) إلى (الجمعي)، بوعي، لتعميق شعرية اللامباشر: -(لأني لا أجد المرايا التي أكسرها لذلك أنكسر لأني.. ولأنك لذلك لا أدري أيها الممنوع من الموت والحب والطحين اختبيء في قلب النخلة فالتمر لا يعرف الحصار والبحر إذا إنكسر ستخرج ملايين اللآليء تبحث عن فراغ الصدف) و(حيث تخرج المساءات من البحر مثل (ضجة مبللة بالبنادق) و(تتمنى) لو يعيد الطفل- الذي هو هي براءة- ترتيب حروف (حرب) إلى: (حبر) أو (بحر).. لكن يد الطفل لا ترتب الأحرف. كما تتمنى الشاعرة، بل تظل (كزهرة العباد.. نحو.. (لا وجود للشمس!) -تتجه!.. وهكذا، تحت (وابل أسئلة) تزدان (مزامير الغياب) وتعلو: -(هل ننفق ما تبقى من هواء، أم نظل خلف الزجاج منذ النهاية حتى النهاية.. ونرحل.. نحلم بنقطة التلاشي وانعدام الجاذبية..) ذلك هو بالضبط، إحساس جيل الثمانتسعينات، بخاصة، في موضوعة الحرب والهجرة، بعضهم رحل إلى "نقطة التلاشي وانعدام الجاذبية"، محققاً حلمه في (الغياب)، كالشاعرة، وبعضهم، ظل.. لكنهم- جميعاً- يحاولون، لأنهم يعتبرون (الحلم) من الألفاظ القديمة، فاليوم كل شيء على خشبة معلق /مصلوب تماماً/ كالسيد المسيح! .. إذاً.. (إن كل إفراط يتحول إلى خطيئة)- حسب: لوريس داريل-، وإحباط الشباب، الذين يحاولون الإمساك بسمتهم الحضورية، لكن (الغابة تهرول) نحوهم، فبدلاً من (فتحة القوس الأول.. وضعت الأشجار، وما أكملت القوس الثاني!!) في قصيدتها (الأشجار تموت بين قوسين).. ـ وهكذا يشتغل النص المفتوح على هوى وعيه، منتجه فيه متماهٍ تماماً، والمشكلة أنه يعي حالة تجاوزه، ولكن في شعرية اللامباشر، وذلك أفضل مراميه.. في حين يتناول حميد سعيد، وهو خير ممثلي جيل الستينات، استمراراً، موضوعة الحصار، على وفق تناص مع الميثولوجيا، ليكون المقطع نصاً مكتفياً بذاته: (عتمة تتصاعد من لجة في القرار فأملأي يا إنانا الجرار يبدأون الحصار فاملأي يا انانا الجرار املأي يا انانا الجرار) .. - وهكذا، تنحاز نصوص شعراء عديدين، من أجيال مختلفة، كما الشباب: (عدنان الصائغ/ أمل الجبوري/ ريم قيس كبه/ عبد الرزاق الربيعي/ محمد تركي نصار/ حسن النواب/ سلمان داود/ سعد جاسم/ عبد الزهرة زكي/ أحمد الشيخ/..) بخاصة، قصيدة النثر، أو النص الحر المفتوح، إلى اللامباشر، للتعبير عن هذا الأسى، و(العتمة) التي (تصاعدت) من (لجة القرار).. وهذا (الخراب الذي فاجأ النص).. فاشتغلوا على المفارقة الضدية، وقوة اقحام (التاريخي) في بنية النص، كما في: (بكائية لأمريء القيس) لعدنان الصائغ: (بكى صاحبي لما رأى الوطن -القلب تنهشه الطائرات وتنقر في نبضه قطعاً من ضلوع المنازل والشهداء فأدرك إنا إنتهينا إلى حجرٍ، سوف نحمله في المنافي رصيفاً لأزهارنا الذابلة يضيّق بين السطور وأحلامنا وإن الندوب التي خلفتها الحروب على جلدنا.. سوف تطمسها السافيات..) -وفي (بيننا كل هذا الفرات) تقدم أمل الجبوري، إحتفالية ألم وحكمة، وهي تعبر عن الحرب /القطيعة/ الفقدان/ الخراب/ من خلال فيوضات امرأة (أتعبها التوحد والافتراق): (طوفان مساجد انهمرت تنأى ترسم أناشيد العذارى والأرامل وتردد في الصلاة: إحذروا مأدبة النأي والغرباء فالليل وسادة النوم يطوقني لئلا يلدغني الحنين فالتواريخ جنوننا التواريخ جنوبنا..) وأمثال هذه الشاعرة النائية، التي تتحاشى (لدغة الحنين) نماذج في المشهد الشعري الجديد لم ترسم على الورق، بياض الحالة، بل رسمت تأويلات التضاد، في اللامباشر، تعبيراً عن (شعرية) مخالفة، مغايرة، ولكنها: ضد الرماد البارد. إشارات داخل نسيج النص: ـ - في أفق الفكر الفرنسي الذي يجمع الفلسفة بشغف دائم بالسياسة، وانخراط صارم في المسيرة العلمية، يتمتع (بول فيرليو) بمكانة بارزة: يُدّرس الهندسةالمعمارية منذ ثلاثين سنة، ويواصل نقداً للأسلحة، وبحثاً في السرعة، وتقصياً لآثارها في عمل الصورة، ولتأثيرها على نظمنا الإدراكية: الصورة -هي- موضوعه الأثير في نصوصه الأخيرة - وضع كتاباً بعنوان: "شاشة الصحراء" عن "حرب الخليج"! يعتبر فيرليو: ألاّ عدالة في هذا النمط من الحروب، ويعتبر تلك (النجاعة) الإعلامية في (تنويم جماهيري) وإلغاء كل مراجعة أو قوة احتجاج، هي ظاهرة تدجين وإخضاع تجد، هنا، في قاموس نظرية (الإعلامياء) نفسها ومفردات الإتصال كلمات بسيكولوجية، تجد، مثلاً "الإخضاع للتأثير" و"الإيحاء" أو "الإيهام" و"المفعول الإعلاني أو البشير" .. الخ، مفردات، لا تفهم خارج السياق بسهولة، فالإعلامات أو الأخبار عن وقائع (حرب الخليج) ما كانت في الحقيقة إعلاماً، أي أنباء موجهة لإحاطة الرأي العام بحقيقة المعترك، بل هي: إعلانات، إعلانات عسكرية مثلما هناك إعلانات سلعية، ترى إعلاناً وامضاً عن حمالة نهود لا لترى الحمالة! بل لتعرف أن هناك حمالة نهود جديدة، لسنا لنعلم عن الواقع، بل عن جديد تجلياته، إنه هناك يومض ويختفي، هو شيء أشبه ما يكون بالسحر. -إن (حرب الخليج)، هذه الحرب الإعلامية والصورية التي سيطر عليها (البنتاغون) سيطرة كلية، كانت لتجديد الإعلانات العسكرية: لا ترون الحرب، بل تحاطون علماً بواقعها الفريد، المتعالي. الإعلان عن أسلحة جديدة تتنافس في الفعالية، صواريخ فتاكة ومضادات صواريخ توماهوكس، وطائرات طيفية (شبحية).. الخ، ليست هذه إعلانات بل إيحاءات. إخضاع للمشاهدين، إلغاء للإعلام عبر صوره نفسها التي تحرف الإعلام إلى غابة إعلان. وهذا كله لا يمكن أن يوجد إلاّ بفضل (الفورية)، (الزمن الفعلي)، (السرعة المطلقة).. إننا دائماً في السرعة، في صميم موضوعها، أبداً.. إن العين هي العضو الأكثر تعرضاً في الجسم لتهديد التكنولوجيا، إنها مهددة لأننا نشهد تحولاً في علوم البصر. البصريات القديمة هندسية، لا يتدخل فيها الإنسان إلاّ قليلاً، من هنا، ندعوها بالسالبة، أما البصريات الحالية فتماوجية، كهرو -بصرية- بل حتى الكترونية بصرية. كنا عرفنا من قبل أتمتة الإنتاج ونحن منذورون اليوم لأتمتة الحواس. وهذا كله تعطيل أو تبطيل للإنسان. الآن، الكاميرا هي الشاهد على حدث أو واقعة، بخاصة تلك التي تقع خارج المحيط الشخصي، وتعرضها الأجهزة السمعبصرية.. |
|
| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |