آلة الكلام (النقدية..) دراسات في بنائيّة النص الشعري ـــ محمد الجزائري

دراسة ـ من منشورات اتحاد الكتاب العرب - 1999

Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:18 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية
 

ـ 8 - الجوائـــز

في العام 1997، يكون الجواهري الكبير قد شارف عمره القرن كاملاً..تصوروا رجلاً (عاش) القرن العشرين كله... بالطول وبالعرض...‏

والآن، الجواهري، يمضي ثلاث ساعات فقط، في صحوة حضور، ولكن بلا قراءة، فالعين كلت، ولا كتابة، ولا حركة...‏

من الصعب أن يكون الجواهري، في غير حيويته وطاقته وصوته المجلجل، وأصابعه التي تقرأ الشعر قبل فمه... حين يعتلي منبراً، أو تجمعه جلسة.‏

الآن، أصدر عن دار "الرافدين" خاصته كتابه الفريد: (ذكرياتي) بجرأين كبيرين، والآن، أصدر "كاسيتاً" ضم "العيون من أشعاره"‏

والآن، نال جوائز عديدة، ليس آخرها جائزة الشيخ "عويس" في الامارات... ولكن..‏

في 15 مارس 1976، وفي بغداد، تم تكريم شاعرنا الجواهري، في حفل حضره الأدباء الأفرو آسيويين لتسليمه (جائزة اللوتس)، وهي الجائزة الكبرى التي تمنحها منظمة اتحاد الكتاب الاسيويين- الافريقيين/... لشعراء وكتاب ومناضلين، تقييماً لآثارهم الأدبية، "التي تعكس الحقائق الموضوعية لعصرنا، وتعبر عن موقف نضالي ضد كل أنواع التفرقة العنصرية أو القومية وعدم المساواة الاجتماعية، وضد كل عدوان أو تسلل إمبريالي"‏

كما أن الجائزة تمنح لهؤلاء المبدعين عن آثارهم التي " تعبر عن أماني الشعوب في حياة أفضل من خلال القضاء على أشكال الاستغلال"‏

وقد أنشئت هذه المسابقة، منذ القرار الذي اتخذته (اللجنة التنفيذية) للاتحاد في اجتماعها بطشقند (23-24 أيلول 1968).‏

وتمنح (اللوتس) للأدب الافريقي الاسيوي، لثلاثة أنواع أدبية:‏

(الشعر: ديوان لا يقل عن 25 قصيدة) و (الدراما: مسرحية من ثلاثة فصول) و (الرواية: عمل لا يقل عدد كلماته عن 30 ألف كلمة)‏

وقيمة الجائزة: (500) جنيه إسترليني، تعطى مع شهادة تقدير وميدالية. تمنح لأفضل الأعمال المقدمة من الأنواع الأدبية الثلاثة خلال سنتين، كما تمنح الجوائز على أساس القيمة الأدبية والفنية الرفيعة، ومدى ما يحققه العمل من تعبير عن الواقع الموضوعي للعصر... الخ)‏

ومن الذين نالوا هذه الجائزة: الشاعر والسينمائي السنغالي (عثمان سمبين)، والشاعرة سونومين أورفال(منغوليا)، والدكتور طه حسين (مصر) ومحمود درويش (فلسطين) والقاص جيمس نجوجي (كينيا) والشاعر (توبون) (فينتام الجنوبية) وكاتب ياسين (الجزائر).‏

في داره -بمنطقة القادسية / حي الصحفيين/ بغداد، وفي مساء الأحد (ليلة عيد الفطر) الموافق 5-10-1975 أثر عودته من (براغ)، وقبيل سفره إلى موسكو لتلبية دعوة اتحاد الكتاب السوفيت،.. أقمنا معه حواراً، حضره الشاعر علي الحلي والشاعر منذر الجبوري...‏

ولأننا نعرف أبا فرات، يتوهج حين يتناول أصدقاؤه بالحديث حياته وشعره، وبخاصة حين يلمون بتفصيلات حبيبة إلى قلبه: ويسهمون في دفعه لأن يفتح شرفات نافذته ومصاريع قلبه وذاكرته، وحين ينطق بالحب، يكون لصوته رخامة الموسيقى وعمقها، ويتورد وجهه كلما داعبته بفيض "الذكريات المملحة"...‏

- ألا ترى يا أبا فرات أن جائزة اللوتس جاءت متأخرة؟‏

- والله، يا أخي، ماذا أعمل... أنت تعرف، أنها أكثر من متأخرة، ولكني لا أعلق على ذلك خشية أن يسبب كلامي حساسية!‏

- في حينه ناقشنا هذه المسألة نحن أصدقاء الجواهري وأحبته- وحتى بالنسبة لجائزة (نوبل) حيث رشح الدكتور طه حسين، لها من قبل الصحف والمجلات العربية إلى جانب اسمك. على أساس أن عربياً مثلك أو مثل الدكتور طه لا يخل ترشيحه بمستوى الجائزة، وحين تمنح "اللوتس" لهذا العام (وقد منحت لآخرين منذ العام 1971) فما هي تلك الأحاسيس التي تنتابك/ أو انتابتك/ كلما طرحت مثل هذه المسألة؟‏

الجواهري حين وصلتني الصحف، آنذاك، قرأتها مثل أي قاريء عادي، ولم أدر شيئاً عنها،... وفعلاً، انتابتني كل الأحاسيس التي تفضلت بها...‏

و "بيني وبينك" حتى في ذلك الوقت، لو منحوني الجائزة لأعتذرت، فأنا قاعد في مكاني، وجاءتني... فماذا أفعل؟.. كن أنت معي وتصرف!... سيقولون: إنك تتكلف!‏

- أما جائزة نوبل...، فأقول لك: إنها بعيدة عني!‏

( حرك الجواهري مقعده، وطقطق بمسبحته، وتحفز بإنتشاء ، وهو يشير بأصابع تتكلم: (أحكي لك الصدق): هذه الجائزة ذات مقاييس عالمية كمستوى الشعر و.. الخ، ونحن حين نقرأ النتاج العالمي" ندوخ!" -وأنا منهم!-‏

الحلي : لكن للجائزة مقاييس سياسية تتدخل فيها.‏

الجواهري : المقاييس السياسية مسألة أخرى، أنا أتحدث عن المقاييس الأدبية، يجب الاّ نكابر، -وهذا ليس عيباً أو نقصاً- فعدم منحنا الجائزة مسألة لها جذور عميقة، حضارية، ما ولدت، وما تفاعلت، وما أنتجت، والعبقريات المتوارثة هذه، في مثل مجتمعنا ليست مسألة سهلة، إنها تحتاج إلى تفاصيل.‏

الجبوري : لكن الجائزة منحت إلى مجتمعات نامية أو متباينة، أو أقرب إلى طبيعة مجتمعنا...‏

الجواهري : أقول لك، وأسمع هذه المسألة، كأرشيف أو كلفظة عابرة:‏

في براغ، قبل عام 64، وصلتني مجلة معروفة عندكم، أظنها "الأحد" أو غيرها، وفيها صفحة مطوية (مقلوبة)، وصلتني بالبريد على هذا الشكل، شيء لطيف...كان)، وكانت الجائزة ممنوحة لواحد من يهود الأرض المحتلة، تقول المجلة: "منحت، طبعاً، جائزة نوبل لكاتب من (اسرائيل)، وطبعاً، لم تمنح للعرب) التفت إلى: "طبعاً"... ثم يعدد الكاتب ثلاثة أسماء فيقول: هناك ثلاثة يستحقونها: نجيب محفوظ، وقال عنه أنه "يعمل في وظيفة كتابيه" ، قال: ويوجد (فلان) (يعني الجواهري) وهو مشرد خارج الوطن، وهناك الأديب الجزائري الشهير(ليس كاتب ياسين) وهو في السجن...‏

الحلي : مولود فرعون؟‏

الجواهري : كلا‏

الجزائري : بشير الحاج علي -الذي كان سكرتيراً عاماً لاتحاد الكتاب الجزائريين...‏

الجواهري : بالضبط... أحسنت!‏

وقال كاتب المجلة؛ تعطى لهؤلاء، وهؤلاء هذه حالهم!‏

هذا كاستشهاد، ولا أزال أقول (وعقب الجواهري بالعامية: ما ترهم، يعني كوة!)‏

- ما ترهم لماذا؟ كيف؟ الانه لا يوجد المستوى؟ أم لأسباب سياسية معادية للعرب؟ أم لصعوبات في ترجمة النتاج وتقييمه بحيث لا يفقد قيمته الفنية والابداعية، حين يدرس من قبل لجنة الجوائز؟‏

- بالضبط، آتي لك بمثال، هي نوبل "مو" أسطورة، إنها هيئة معينة، مثقفة، تقف وراء نتاج مرشح كدواوين الشعر، هؤلاء لا يوجد بينهم عربي واحد، وحتى لو وجد فماذا يفهم كيف يقيمك؟ صعوبة.. أليس كذلك؟!‏

- لماذا لا نقول الصدق، من يستطيع أن يقيمك بحيث يقدم النصوص بترجمة دقيقة فيها إبداع وصدق، إذ يبين لك كل ما فيها من بلاغة، مع المقارنات التي معها كمنافس، ومع اعطاء مقارنات دقيقة مع الآخرين (المرشحين) كيما تقتنع الهيئة بك وبنتاجك وبأعمالك، إذ لايمكن أن تأتي وتقول: رشحوا فلاناً!، إذ ذاك سيقولون لك: قدم الباقين ثم من يكون فلاناً، كيف... وهذه هي العملية... فكم يراد لها من جهد بل هي تحتاج إلى عقل خاص،.. فالمسألة، إذاً، ليست في "اعطنا نوبلاً" وكفى... (شنو هي نوبل برقية يعطيها وأنت كاعد؟)، إنها عملية طويلة تمر بمراحل حتى وإن كان التقييم ينصب على مجموعة شعرية صغيرة، فهؤلاء (اللجنة) لا يفهمون السياسة. ونوبل لا علاقة لها بالسياسة المحلية؟‏

أنا أقول: يمكن لهؤلاء أن يفهموا قصيدة (يوم الشهيد) مثلاً فيها عموميات، "تمام". ولكن من يفهم، أو يستطيع أن يفهم "هاشم الوتري" التي هي عندنا مثلاً شعرياً عالياً، ثم خذ "جعفر أبي التمن" وهي من ابدع ما عندنا. حسب مقاييسنا وأساليبنا، إن أولئك يفهمون قصيدة "شبح"‏

الحلي - "المقصورة" وحدها تستحق جائزة نوبل، فالشيخ والبحر لهمنغواي نالت الجائزة وهي بثمانين صفحة، فالعبرة بقيمة المضمون.‏

الجواهري : لكن "المقصورة" من يقربها لهم، وكيف.. ومن هم الذين يفهمونها، من الذي يستطيع أن يتكلم عن المقاييس في الشعر العربي؟‏

و "بعدين" حتى نوبل لا تهمني.... على اعتبار أن الإنسان "انتهى" وكل الدنيا "لا تلحق" بعد! هل تعلم بم أفكر؟‏

(الحكي بيناتنه): "أفكر بالعشرين ألف -يقولون- باون!.‏

الحلي : ثلاثون ألف دولار!‏

الجواهري : ها... ثلاثون ألف دولار؟ حبيبي... أتدري كم هي عظيمة؟ الآن... تضعها في الجيب (وأشار بيده ببراعة!)‏

أعطني فلوس نوبل وخذ جائزته!‏

(ضحك صاخب إمتد طويلاً!)‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | دليل الاعضاء | | جريدة الاسبوع الادبي | | صفحة الكتب | | صفحة الدوريات-مجلات | | فهرس الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244