|
||||||
| Updated: Wednesday, September 29, 2004 01:18 AM | ||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية |
|
الجواهري، مستوفز، دائماً، ومستفز، يمكنك بإشارة أن تثير فيه ما تثير بخاصة حين يتعلق الأمر بالخصوم، وهو بطبعه غير متفائل، في السبعين قال "كل الدينا بعد لا تلحق"، ماذا يقول في شيخوخته، غير أن يعتكف وسط عائلته، اعتكاف الزاهد، المتعب..، حتى أوان الرحيل؟ حين ذكرناه (بجائزة نوبل) كان رده: (كل الدنيا لا تلحق بعد..) هل هو تواضع الزاهد بالجائزة أم أن العمر لم يعد يستحق العناء.. أجاب مردداً بيتين من "اللامية":
(طول العمر مذوم) -يعلق الجواهري ويكمل:
وبحماسة يشرح: "يعني، أنا حين أقول لك بهذا المعنى: (أن تهزى بما يغري سواك إذ استطالا) فأعني أن المطامح للشباب في الأربعينات، وهذه تأتي بعدها، وتركب عليها أشياء كثيرة.. أما وقد بلغت هذه السن، فكيف تريدني أن أركب الآن؟ و.. بألم علق بالعامية: "والله شنو.. أخذتها من هنا...وفطست من هنا" -.. يعني.. (بحرقة يقولها).. والفضية تلون ملامحه، مع ألم بالغ،.. ويشرد عنا،.. ثم.. يفطن، ويردف: - والثانية- الدالية- الجديدة- التي ألقيتها في حفلة الرابطة الأدبية في النجف- ويتهدج صوت (ابي فرات)، تشعر أن معاناة السنين تتخثر في حنجرته لحظتها، ثم ينفث شعره كأنه ينفث ناراً تحرق "الأفاعي" التي حاولت منه "ثلماً" يعلو صوته، يعلو أكثر، يغدو مليئاً عنفواناً، ثم... كهدير نشيد جماعي يتصاعد بمطلع الدالية:
تحفز أبو فرات، كانت عروق جبينه (تدق)... نافرة بنبض حاد، وهدر الصوت الرخيم ثانية:
وثلاثاً...كرر البيت الأخير،... ثم... عاد ليتم به تصعيد الدالية:
وصمت.. كصمت البحر...، فقط صدى غضبه بتردد، يترجع في أعماقنا،... حتى نفض الجواهري حالة الصمت بقوله: (يعني.. كله ذو علاقة.. الآن يقول البعض: "متأخر... منتهي"... ثق حتى نوبل...ثق..) وينتهي الصمت، ثانية، سيد اللحظة.. كانت هذه الأبيات ذروة في التحدي، والغضب...، والجواهري يعرف أنه يصل ذروة التجويد حين تكون ذاته مركز القصيدة، حدثها، وفعلها الدرامي في آن... وكأن "الدالية"، بيانه، في آنه ذاك، فيستمر في الالقاء، كأنه -وحده ولوحده- يخاطب حشداً، يزيح عن صدره كابوساً:
يصمت لحظة، ثم يعلق: "كاشفة... وفيها ما فيها...على هذا النمط.. إنها "تسوي ما تسوي"، ويعود: ............. وهلهل صادحاً غردا
الحلي (مقاطعاً) : هذا البيت لم تقرأه في النجف.... الجواهري : لا ما قرأته وما أعطيته لأحد... لأن الحاقدين والناقدين و... اسمع، اسمع:
الجواهري : (بانفعال متصاعد): حندوله غير بشر... ساكت؟ ساكت... بعيد؟ بعيد.... كاعد هناك... يلحقوني، ويغمزون تحت السطور اليوم.. اليوم قرأت "تراث.." "غير الذين تبلدوا"... ألمن تقصد...(خو) اكتب تحتها: محمد مهدي الجواهري... لحظة صمت... (كان الجواهري منفعلاً أثر مقالة كتبت تعتبر الشعر العمودي (تراثاً) تجاوزه الزمن، وإن كتابة (تبلدوا..) (نقول هذا مع علمنا أن الشاعر يجتث جذوره من حقل التراث- كما فعل غيره- ولم يغرق فيه ليتآكل كما تأكل وتبلد غيره، لكنه يحقق تفجراً نوعياً في رؤيا البطل وموقفه من المجتمع والعالم...) (( من تعليق على كتاب طراد الكبيسي: مقالة في الأساطير جريدة الثورة -الصفحة الأخيرة- 5-10-1975) الجواهري : أنا مسرور جداً، في الواقع... إذ- إنني- أهكذا؟ كابوس على هؤلاء؟! ( كان الجبوري، قد أثار انتباه الجواهري عما كتب في الجريدة عن الأسطورة في الشعر...، وهو النص الذي ثبتناه في أعلاه... لكن الجواهري لا يحتاج إلى من يستذكر معه الأشياء، فهو مستفز، لذا كان جوابه: "خباثة"... ولماذا... وماذا بعد؟... إنه ليس نقداً، ولا استعراضاً لكتاب، إنه "شتم" أدبي، وهذه مسألة فيها مافيها... فيها مضاعفات... وأراد الجبوري أن يغير الموضوع، فسأل الجواهري رأيه فيما يسمى "الشعر الكوني"...، فأنكر الجواهري هذا المصطلح، وعاد ليشدد على الذين يمسون شخصه فيما يغمزون ويلمزون.. وقال : هذا وغيره... يلاحقني...ولكن ماهي النتيجة...غير أن يشتم الناس!" شتطلع هاي!.... هذا نوع من التعذيب.. وإلا تعال كي اشتمك حتى تنتج قصائد جديدة! أنا متألم من هذه الحالات... لست متألماً فيما يخصني كفرد، ولكن فيما يختص بغياب (المعارك الأدبية) الحقيقية، كما كنا نعيشها سابقاً... وأنت تذكر حتى أيام القاهرة، والسياسة، هناك معارك المازني وهيكل وشوقي والعقاد، أخذ ورد، ....مستويات عالية وحلوة... الجزائري - أذكر حادثة غمز د. سهيل ادريس للشعر العمودي ولك في مؤتمر الأدباء العرب ببغداد، وحين تناولته بالرد في قصيدتك: "يا ابن الفراتين"، لقد أثارك وأغضبك تنويه، فكان ردك عنيفاً وعاماً... الجواهري - حدثت اشياء كثيرة...، لكن الإخوان قالوا لي "والله أنت مالازم تنزل على الآخرين" أقول لك، عندك حياتي فأستعرضها: إنا لم أرد على الذين يشتمون؛ إشتموا، ولكن مرة واحدة رددت حين وجدت أن المسألة تجاوزت المعقول، فصارت الأشياء المنشورة من القبح، ولا أحد يرد... فاضطررت أن أرد بنفسي، وحتى هذه الفعلة لا زلت متألماً منها. كلامي مع د. علي جواد الطاهر، دائماً.. أقول له: أتعلم، ماذا يعجبني منك.. إنك حين تتكلم عني، تتكلم عني كشخص آخر... كأنه ليس أنا صاحب العلاقة والصداقة معك. يعجبني أنك "تنغزني" أنا "أريد" ، ... ولا أحب أن أصور كطابوقة "مرندجة وخلصانة من كل الجهات"... هذا النمط "اللطيف" في العرض" للإنسان ومعه أيضاً الصور التي لا تعجب فيه، أو حتى دون التي تعجب، هذا شيء بديع. والشاعر... (المفروغ منه) أن يكون نبيلاً... إستعرض كل الشعراء... تجد معهم البساطة وسلامة القلب و "الصعود والنزول" والطفولة والبراءة والابداع... فذ تاريخ العالم كله. واستعرض عباقرة الدنيا، حتى شعرائنا نحن العرب، خذ البحتري وحياته، المتنبي العظيم، فلن تجد بينهم من يجمع الخبث والإنسانية، هذا مستحيل، وما ثبت هذا في التاريخ!" الجواهري ، تماماً، هنا، كا يغالي، في الحساسية، يغالي في (نقاء) الشاعر/ الأمثولة/ النموذج... وكأن التاريخ لا يقدم أو لم يقدم الشاعر المزدوج، أو أن الحاضر لم يقدم هذا الازدواجي، بخاصة الذي يمتلك "سلطة" أو يشارك فيها، أو يحتمي تحت نظامها، تراه يقول (الشعر) من هنا، ولا يتوانى من جز الرقاب.. من هناك...، وقد يلتقي الجواهري، بهذا - هنا، ثم يختلف معه، هناك، والعكس صحيح... (فالتاريخ) المعاصر جعلنا نشهد (إلتقاء المتضادين)، حيث كانت أغلب (غضبات) الجواهري، وتحريك (صحبه) و(مريديه)، ولا نقول (تحريضهم) تنصب على شاعر حداثوي، أو آخر.. كان "الحداثة" هي "العدو" لشخص الجواهري، وليست الضد، أو الاختلاف، مع الكلاسيك. الجواهري لم يجهل هذا التضاد، وهذا الاختلاف، لكنه يفهم الأمر بفردانية العبقري، إنه يرى نفسه العالم، فلك ذاته، والعالم (يجب) أن يدور حوله... وإلاّ، فالغضب ينتابه عند أية إشارة (استفزازية)، و لو من بعيد،... وكما هو "يعترف" بالشعر الحديث، لا بسطوته، ولكن كمن يكره على شيء.. وباستمرار، ثمة مجاورة تلميحية تضعفه أو تقلل من شأنه: - (إنني أقرأ نماذج لا أريد أن اسميها (عراقية وغير عراقية) تعجبني كلماتها في الواقع، إنها "بداعة" إنماهي ليست باستقامة!... أي أنها (القصيدة) لا تكون كلها جيدة وبديعة بحيث تعطي صورة واحدة، إنها تجيء لقطات... ولقطات بديعة! ليس قصدي أن أمنح درجات أو أعطي درساً معيناً...) الجزائري .. أبا فرات، لو أن حفلاً تكريمياً أقيم في ذكرى المتنبي العظيم، في الكوفة (مثلاً) وأنت بهذه الحالة من (التوهج/ الغضب) فكيف ستنشيء قصيدتك في الأعز لديك؟ الجواهري :- الصاحب بن عباد قال: سأفرش له الأرض ذهبا.. لقد هيج عليه أربع مئة وخمسين شاعراً -أنا قرأت ذلك- وأقل شاعر من أولئك أفضل من كثير من مدعي الشعر في هذا الزمان... أربع مئة وخمسون من هذا النمط،.. لكن المتنبي راح للدنيا كلها...حتى في القصيدة (الدينارية)، هذا الشاعر، هذا الذي يخاف منه الخلفاء... ماذا سأقول فيه من جديد... أنا أذكرك... "تمام"، كما تفضلت، يمكن الجديد يأتي بالجديد... لكن خذ "الداليّة" التي ألقيتها في مؤتمر الأدباء العرب ببغداد: "ياابن الفراتين" -قسم المتنبي-، إن فيها كل شيء... كل شيء: (وراح الجواهري يترنم بتلك القصيدة، بشغف):
- الذاتي، هو وهجك في شعرك، لا قصيدة عندك، من دون ذلك..، أزمة اللحظة، اليوم، حتى الحدث، والمجتمع يمران من خلالك في القصيد -القصيدة تؤرخك، وتؤرخ بها... في الآن نفسه، وعبر تأزم نفسي، فالصورة التي يعطيها من ذاته هي (عصارة ذوات مجتمع وأناس) -كذلك يقول: "خذ" هاشم الوتري- إذ لمّا خلعت عليه صفات آخذها من نفسي، فالمثال الصارخ والمركز في نفسي، هو للناس، أو لما يجب أن يكونوا عليه، سواء أكنت هكذا أو لا..) لكن (الصور) التي يبتدعها، يقدمها (يخلقها) كما يقول الناس هي، ذاته، هي (هو) ما يجب أن يكون عليه، أو هي (هم)، مايجب أن يكون عليه الناس. إنها الصورة المثال، الإنسان على طريق الكمال، على صورة المثال. (حتى "يوم الشهيد" أنا ضالع عليها من نفسي، ليس بأنانية، بل كتعبير عن الذات بشموخ وسمو): (يوم الشهيد طريق كل مناضل وعرُ..) وهو يسجل التاريخ: "بك والنضال تؤرخ الأعوام"... وإن كانت "أنا حتفهم" مباشرة... لكنه في (المقصورة) دائماً يستشهد بهذا البيت كأنه يغني لنفسه بها -بصورتها-:
(يعقب الجواهري: بكل بساطة هذا نوع من الذاتية، أسوقه كمثال، إنها مركزه - وضمناً هي المثال الذي أريده للناس...) الخروج من الذاتي إلى الجماعي، ذلك ما يريده في المثال عن نفسه، وفي المثال من حكمته،
إن ذلك ليس "مطلقاً" ولكن "بآيةٍ" (جيب دليلك):
(في الأصل: أن يلتمع مطمع../ ديوان الجواهري ج3 ص 207/ بغدد: 1974)
(في الأصل: ردك عزم قضى../ المصدر السابق) (أنا خلعتها من ذاتي، فأنا أخذتني المغريات إلاّ قليلاً... وردتني كف القضاء...) قال الجواهري، والصفاء السعيد، يلتمع في عينيه، وصوته!... إنه ذاته، شاعراً أو شهيداً،.... |