الترجمة في خـدمـة لثقافـة الجماهيرية - سالم العيس

دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:54 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

- الفصل الأول -

أولاً- بواعث الترجمة: آ-المطلب والحاجة:‏

إنها من أهم هذه البواعث وأبلغها فعالية، وقد يكون هذا المطلب ديني أو علمي أو سياسي أو عمراني أو تجاري أو غير ذلك. فحركة النقل في الغرب كانت وليدة الحاجة لنقل علوم العرب المتطورة والتي كان يفتقدها. سواءً من علوم الفلك -الرياضيات- الهندسة المعمارية- الشعر -الأدب وغير ذلك، كما أن حركة النقل في العصر العباسي خاصة كانت أيضاً وليدة الحاجة فقد نقل العرب الفلسفة والطب وغيرها من العلوم التي كانوا يجهلونها. وهي التي دعت محمد علي إلى استقدام المترجمين من سورية ولبنان إلى مصر، وإرسال البعثات المصرية إلى فرنسا وأوروبا للتزود بالمعارف والعلوم الحديثة ونقلها إلى مصر واستقدام الخبراء والمعلمين لتطبيقها. وكان نتيجة ذلك صدور العدد الكبير من الكتب المترجمة إلى العربية والتركية كما سيأتي ذكرها فيما بعد. والحاجة أيضاً كانت وراء ماترجمه الموفدون من بلاد الشام وغيرها على تعدد مذاهبهم من كتب يونانية ولاتينية وإيطالية وفرنسية وانكليزية إلى العربية. فكانوا بحاجة إلى هذه الترجمات لنشر الدين المسيحي كل حسب مفهومه) لإيصال تعاليمهم وأصواتهم إلى الناس، وهناك أمثلة كثيرة أخرى تبين لنا مدى تأثير الحاجة في قيام الترجمة وتنوعها وأسباب نموها.‏

ب- التواصل‏

عرف الإنسان المتحضّر فضل الترجمة منذ زمان بعيد، فهي الجسر الذي تعبر عليه ثقافة الأمم بعضها إلى بعض فتزيد المعرفة وتعمق متعة الحياة في هذا العالم.‏

فهي عكاز التقدم والنهضة في كل بلد تخلف عن ركب الحضارة لسبب أو لآخر. إنها الرمز والطابع لحضارة العصر الذي تمثله كل أمة ناهضة. فقد ازداد هذا التواصل بشكل وفير وخاصة في العصر الحاضر بعد الترجمات الحديثة من علمية وسياسية وصناعية وأدبية التي تنطلق الآن قوية وعارمة مع صدور الجرائد والمجلات والقصص الرائجة المترجمة.‏

ج-خدمة المعرفة الإنسانية‏

إن الترجمة العلمية والأدبية هما اللذان يخدمان المعرفة الإنسانية، وفي حقيقة الأمر لا يستطيع المرء الفصل التام بين نوعي المعرفة العلمي والأدبي) والسبب في ذلك هو أسلوب المؤلف أو المؤرخ الذي يحتل وزناً كبيراً، فالمؤرخ أو المؤلف الحق هو من استوفى الشروط التالية:‏

-الإحاطة بالعلوم الحياتية بدرجة حسنة.‏

-القدرة على نبش واستيعاب الحقائق العلمية، تدقيقها وتحليلها في كفاءة وطول أناة.‏

-الأمانة في النقل التاريخي بكل تجرد.‏

-المقدرة على إبراز وعرض الموضوع، تنسيقه وتبويبه.‏

-أسلوب الكتابة مع السهولة -الوضوح والبساطة بعدم ترك المجال للالتباس.‏

تلك هي الصفات التي يجب أن يتميز بها المؤرخ الحقيقي، أما إذا أريد إضافة بعض الصفات الأدبية، على المؤرخ أن يقدم القدرة على رواية الماضي في سرد مؤنس، يتطابق مع الحياة التي يعيشها أهل زمانه.‏

أما المترجم الحق، هو من يلتزم بالحد المناسب على ضوء الشروط التي تقيد المؤلف الذي ينقل عنه، لتخرج ترجمته صادقة وصحيحة للنص الأجنبي، لايكاد أن يختلف مبناها عن فحواها. فلم ينقطع جهد الترجمة في أي زمن، فرغم أن الدول كانت في حاجة دائمة وماسة إليها، ورغم استحالة أقلام الترجمة في دور الحكومات من سد حاجتها في أعمال الترجمة، ورغم تأخر ظهور الهيئات والمؤسسات التي تعني بشؤون اللغة من ألفاظ ومصطلحات وتراكيب، فإن خدمة المعرفة الإنسانية لم تنقطع ولم يُعّطل دولاب العمل الفردي أو الجماعي في هذا المجال ومثال على ذلك صدور مؤسسات الطباعة المختلفة الخاصة التي أصدرت المجلات العديدة المتنوعة حملت قدراً كبيراً من عبء النهضة منذ أواخر القرن السابق وطيلة هذا القرن.‏

د- المواكبة والتغطية العلمية والأدبية والقانونية‏

للمصطلحات الجديدة ولكل رافد حديث‏

إثراءً للمكتبة العربية ونشراً لمختلف فنون المعرفة الحديثة بين جمهور القراء، من العرب، ورغبة في نقل الإنتاج الحديث إلى المجال العالمي، لابد من مواكبة الإنتاج العلمي والفكري المُترجمْ من اللغات الأجنبية الحيّة، لقد كانت الترجمة وماتزال دعامة من دعائم النهضات الفكرية والثقافية للشعوب، وبواسطة الترجمة بدأت النهضة العلمية والثقافية في عصور الإسلام الأولى، حيث أدرك الخلفاء حاجة الأمة إلى الغذاء الفكري من أية جهة ومن كل سبيل، مما أفسح المجال لتدفق روافد ووديان من مختلف الثقافات العالمية إلى النهر العربي، وهكذا أيضاً عندما نهضت أوربا من سباتها، رأت أن أجدى وسيلة لنهضتها أن تنحو نحو الترجمة، فاندفع الناقلون منهم يترجمون حسب حاجتهم من أمهات الكتب اللاتينية واليونانية وأيضاً أصول الكتب العربية التي ساهمت بمقدار كبير على ازدهار الثقافة الأوربية الحديثة.‏

لانخالف الحقيقة، عندما نؤكد بأن الترجمة هي متن المواكبة وشاهد عدل لعلاقة بريئة بين عقول أهل الأرض على اختلاف أممهم ومللهم ونحلهم. فعن طريقها تتناسق الأفكار والمعطيات العلمية والتيارات الأدبية والفلسفية والإيدولوجية بعضها إلى بعض لتكون فكر أو مصطلح متقارب أو واحد في نهاية الأمر. وعندئذ يمكن أن تنتفي مقولة الشاعر البريطاني راديارد كبلنج الذي كان يدعو للامبراطورية الانكليزية في القرن الماضي عندما قال: "الشرق شرق والغرب غرب لن يلتقيا. غير أن وسائل الاتصال الحالية على كوكبنا من مرئية ومسموعة ومنقولة تدحض هذه المقولة بنت زمانها.‏

كان لحركة الترجمة ومواكبتها للعلوم الحديثة أثر فعال في توجيه نشاط القراء، وتوجيه أسلوب الأدباء، يشهد بصحة ذلك الكتب التي ترجمها المترجمون من كتب وقصص وروايات وأدب وغير ذلك التي كانت تنقل أحياناً بتصرف وفق رؤية معيّنة، هذا بالإضافة إلى ترجمة ونقل أعمال كبار المفكرين بعد أن قدم لهم المترجمون مرات كثيرة، وعلى رأس هؤلاء: جان جاك روسو- والفيلسوف الانكليزي برتراندرسل- والكاتب الارلندي الساخر شو.‏

هـ- المتعة وصقل الذوق والخيال.‏

إنها أحد بواعث الترجمة، لقد مثلت ذوق الجمهور في السابق وسيظل يمثل دوراً رئيسياً في توجيه حركة الترجمة، وأبرز الإثبات على ذلك هذه الأعداد الضخمة من القصص البوليسية والغرامية التي نقلت أو ترجمت على مدى النصف الثاني من القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، لبّى خلالها الأدباء والمترجمون مطلب القراء الذين تمتعوا بشغف على هذا النوع من التأليف مما شجع الإنتاج ولكن حسب تغير ذوق القراء في تشجيع فن على حساب فن، أو علم على حساب علم آخر، فقد سادت في بادئ الأمر القصة المترجمة في أواخر القرن الماضي، ولكن مع تطور العصر وانتشار التعليم واتساع الثقافة ضعف اهتمام القراء بالقصص والروايات كما ضعف صدورها على صفحات المجلات والجرائد كما هو الحال اليوم. وتغيير الذوق الذي أوجب تغيير إنتاج المترجم ليتناول فقط القصة، لابل الشعر وغيره أيضاً، فشعر النصف الأول من القرن الماضي يختلف بموضوعاته وصوره وأساليبه عن شعر النصف الثاني من القرن نفسه. نعم لقد ساهمت الترجمة بتغيير الذوق والمفاهيم الشعرية لدى الجمهور وهو الباعث الأساسي لهذا التغيير، أما الذوق في هذا المجال فهو إحساس ذاتي يختلف باختلاف الأفراد ودرجات ثقافتهم، ولكن مهما اختلفت الأذواق فإن الذوق العام هو السائد لأنه يبقى الدافع الفاعل والمؤثر في كل حركة ترجمة.‏

و- الثقافة:‏

إن الثقافة هي من أهم البواعث إلى الترجمة، وتتميز بخصوصية تتعدى الحاجة والمتعة والبواعث الأخرى، بل هي خليط من كل منها. تتزايد أهمية الثقافة بتزايد انفتاح الشعوب بعضها على بعض، وهذا الانفتاح لايتم إلاّ بالترجمة، لأنه عن طريقها يتاح لكل فرد منا أن يقرأ بلغته علوم الغرب والشرق، واكتشافاته الحديثة، فأصبحت السبيل إلى الاطلاع على كل جديد في الفكر والعلم والفن والأدب.‏

أما عامل ثقافة الترجمة جاء متأخراً لأنه وليد ظروف تفترض مستوىً متقدماً من النهضة المحلية التي تمكن من التواصل العلمي عبر البلاد الأخرى، بينما لا يفترض ذلك في عامل الحاجة أو الذوق مثلاً، غير أنه بالمقابل إذا حاولنا. ترتيب هذه الدوافع أو العوامل بالنسبة إلى الترجمة حسب ظهورها وفعالياتها تصدر أمامنا عامل الحاجة، من حيث ترتيب تطور الترجمة عبر تاريخها الطويل أي من أوائل عصر الانحطاط إلى أيامنا هذه وسنستعرض باختصار مراحل هذا التطور وصولاً إلى النهضة الفعلية.‏

ثانياً- تاريخ تطور الترجمة:‏

1- تطور الترجمة قبل القرن التاسع عشر.‏

كان للسريان دور عظيم في نقل وترجمة علوم اليونان والهند وغيرهم إلى اللغة العربية بالنسبة لمطلع الإسلام، ولقد كرّس بعض علماء السريان حياتهم لتحقيق هذا الغرض، ولا يخفى على أحد صعوبة عملية الترجمة، لوجوب تحقق المعاني المقصودة بصورة تامة، وإيجاد المصطلحات المناسبة للمبنى من اللغة العربية، لأن أي تحريف أو خروج عن النص المترجم، قد يؤدي إلى معاني مختلفة ومغايرة للمعنى الأصلي.‏

عندما افتتح العرب الأندلس كان ينطبق على الغرب ماقاله -فولتي- من تفشي الجهل والأمية (1) (1) ولهذا مااستقر الأمر في الأندلس، حتى أقبل الأوروبيون على الأندلس يترجمون العلوم والفلسفة وعلم الفلك وعلم الجدل، والاجتماع، فنقلوا إلى اللاتينية أهم المصنفات العربية في هذه الفنون وفي المجالات الأخرى، وكانت مدينة طليطلة هي المركز العربي المهم الذي ارتاده الأوروبيون. واستمر تطور حركة الترجمة في التقدم خلال القرن الثالث عشر الميلادي، وحيث صادف خلاله نشوء الجامعات في أوروبا مما ساهم في زيادة الاقتبال على الانتهال من اللغة العربية، لاسيما بعد إنشاء الجامعات فيها، ويمكن أن نخص بالذكر جامعات باريس وأوكسفورد وبولونيا وسالونيكا. وقد استمرت هذه الحركة بين فتور ونشاط إلى منتصف القرن الثامن عشر، وكل ذلك كان يتم نقلاً من العربية إلى اللغة الأجنبية.‏

أما النقل والترجمة من اللغات الأجنبية إلى العربية فقد تم في إطار من شبه المعهد أو المجمع اللبناني الماروني- الروماني) لترجمة الكتب الدينية المسيحية من اللاتينية واليونانية إلى العربية، مثل كتاب التعليم المسيحي- وقوانين المجمع التريدنتيني ودستور الأمانة الارثوذكسية الذي طبع أول مرة عام 1566م ثم أعيد طبع ترجمته.‏

لعل هذه هي أولى الترجمات بالنسبة للغات الأوروبية(2) لأن أحداً في لبنان على مايبدو، لم يكن يعرف لغة أوروبية بدليل أن أحد البطاركة الشرقيين ميشيل رزي لم يجد في محيطه من يلمّ باللغة اللاتينية ليترجم له رسالة من البابا غريغوريوس الثالث عشر، ورسائل أخرى تلقاها من الكردينال- "كرافا" في شهر آذار سنة 1577م(3) فكان عليه أن ينتظر إلى حين وصول الأب البانو عام 1578م لترجمتها.‏

إن أولى الترجمات إلى العربية كانت معظمها دينية وبقيت كذلك حتى عصر محمد علي في القرن التاسع عشر، حيث سنأتي على ذكرها) ذلك أن مواضيع الترجمة والكتابة في كل عصر هي اهتمام وحاجات ذلك العصر. ولابد من الإشارة بأن معظم هذه الكتب منقولة من اللاتينية واليونانية وبعضها من الإيطالية.‏

من هذه الكتب نذكر:‏

- التعليم المسيحي للكاردينال بلارمين ترجمة يوحنا الحصروني، مطبعة سافري روما- 1613م.‏

- تاريخ المسيح، ترجمة بطرس مخلوف طبع في روما عام 1674م(4)

- السيف القاطع، وهو بمثابة جدل باليونانية لمكسيموس مرغونيوس المتوفى سنة1602م، ترجمة خريستو دولس- أسقف غزة، والمطران يواصاف بن سويدان العمراني طبع سنة 1696م.‏

- التعليم المسيحي ترجمه من اليونانية إلى العربية الشماس صفرانيوس، شماس كنيسة حلب طبع سنة 1740م.‏

- العشاء الرباني لافسترانيوس ارجنتس ترجمة مسعد نسو، طبع في بخارست عام 1747م(5) .‏

- كتاب سفر المزامير ترجم إلى العربية سنة 1610م.‏

- مرشد الزمان وقسطاس أبدية الإنسان، من تأليف الأب نيرنبرغ اليسوعي وترجمة بطرس فروماج وتنقيح عبد الإله زاخر، صدور 1733م-1734م.‏

- كتاب المزامير طبقاً لترجمة عبد الإله بن الفضل الأنطاكي- طبع عام 1735م.‏

- المرشد المسيحي، تأليف يوسف دوتركان 1585-1652) طبع 1738م.‏

- المرشد الخاطئ في سري التوبة والاعتراف تأليف الأب بولس سنيري بالإسبانية المتوفي عام 1691م وقد ترجم إلى العربية وطبع سنة 1747.‏

- مرشد الكاهن، تأليف الأب سنيري وترجمة بطرس فروماج، طبع عام 1760م.‏

- إيضاح التعليم المسيحي تأليف أحد كهنة باريس وترجمه الأب بطرس فروماج طبع 1768م. وهناك كتب أخرى ترجمت خلال هذه الحقبة لامجال لذكرها هنا.‏

أما المطابع التي طبعت تلك الترجمات في بادئ الأمر، كانت خارج لبنان، مثل فانو بإيطاليا- أو في روما- أو الأستانة- أو بخارست- أوغيرها، لكنها كانت جميعها تصل إلى لبنان مع غيرها حسب الطلب والحاجة.‏

ثم ظهرت فيما بعد مطبعة الشوير- ومطبعة القديس جاورجيوش للروم الارثوذكس التي أنشئت عام 1753م بسعي من الشيخ نقولا يونس الجبيلي المعروف بابي عسكر(6) .‏

إن أكثر مطبوعات هذه المطابع من كتب التعليم والجدل الديني والبعض منها في الأدب والتاريخ.‏

أما الترجمة في غير الناحية الدينية: فأول ماظهرت في عصر النهضة مصر ولبنان) في ظل ولاية -محمد علي-(7) ، فبعد أن استتب له الحكم في مصر، وضع نصب عينيه بناء دولة قوية وعصرية فوجه عنايته إلى الجيش أولاً فعزز أوضاعه واستقدم له خبراء فرنسيين وإيطاليين وأنشأ له في بادئ الأمر المستشفيات العسكرية، وعندما وجد بحاجة إلى كفاءات تساعده على بناء الدولة الحديثة، أرسل إلى فرنسا العديد من البعثات لتعليم أفرادها العلوم والفنون التي تحتاجها الدولة. وكان في غضون ذلك قد استقدم عدداً من المترجمين جلّهم من بلاد الشام(1) ، كما استقدم مع عودة البعثات بعض الخبراء الأجانب للتدريب والمراقبة لمدة محدّدة. وكان الجميع يشتركون في أداء الواجب، ونظراً لمتابعة إرسال البعثات مدة كافية فقد كان يعود أفرادها إلى مصر لمشاركة اسلافهم في العمل. ثم أنشأ محمد علي مدرسة الألسن في مصر، فخرجت عدداً من المترجمين الذين أدوا واجبهم في تنشيط حركة الترجمة والنقل التي أنتجت بكفاءة عدداً غير قليل من الكتب الأجنبية وخاصة الفرنسية منها. أما مواضيع هذه الكتب فكانت عسكرية- وطبية- وصناعية- وزراعية وغيرها مما له علاقة بعمل الدولة وحاجاتها.‏

ب- الترجمة في أثناء حملة نابليون بونابرت على مصر:‏

إن هذه الترجمة ولو سبقت عصر النهضة بمصر على عهد محمد علي، غير أنها لم تكن على درجة من الاتساع والشمولية كما أصبحت الحال خلال ولاية محمد علي، لأنها كانت في عهد الحملة الفرنسية ذات طابع رسمي، لسد حاجة أفراد الحملة، ولكن لايمكن نكران الأثر الذي خلفته تلك الحملة في نقل الترجمة، لأنها كانت بأشد الحاجة إلى مترجمين دائمين لنقل الأوامر عنها، ولترجمة المنشورات وتسجيل محاضر الدواوين، وليكونوا وسطاء في نقل الحديث المباشر بين الحكام والمحكومين، وقد استعانت الحملة في بادئ الأمر بأشخاص غرباء من مصر أحضرتهم معها حين قدومها، فكانت الغالبية من أسرى البحارة المسلمين الذين كانوا تحت أيادي فرسان القديس يوحنا بجزيرة مالطة. وقد ترجموا المنشور الذي أعده نابوليون بالفرنسية، وكان قد طبع على ظهر البارجة الشرق) في مطبعة عربية ليكون معدّاً للتوزيع على المصريين عند نزول قائدها نابوليون، وبعد التغلب على المماليك وفرارهم، بدأ نابوليون بوضع أساس لجهاز الحكومة الجديد اشترك فيه زعماء مصريون للاستعانة بهم في إدارة شؤون البلاد، وبالإضافة إلى ذلك، فقد عين كاتم أسرار وكتبة وتراجمة ملميّن بالفرنسية والعربية. وقبل أن نعود إلى الإسهاب عن الترجمة لابد لنا من إعطاء نظرة متسلسلة وكافية عن تطور الترجمة منذ الفتح الإسلامي وحتى الآن. ويمكن أن نستعرض في هذا المجال: الترجمة في عهد الأمويين- الترجمة في العهد العباسي- في عصر النهضة- في زمننا الحالي.‏

الترجمة في عهد الأمويين:‏

لم يغفل الأمويون عن الاهتمام بالترجمة، رغم انشغالهم بالفتوحات وبتوطيد أركان الدولة. ومع ذلك فقد خطت الترجمة خلال حكمهم الخطوات الأولى، فقد انصرفت إلى الطب والفلك والكيمياء وفن العمار للحاجة إليها في تلبية مستلزمات الحروب والفتوحات الوافدة التي تتطلبها الفتوحات والسكان في البلاد الجديدة- أما الذي دعا إلى ترجمة هذه الكتب هو الأمير الأموي- خالد بن يزيد بن معاوية الذي أخفق في نيل الخلافة فانصرف إلى العلم والاهتمام بالترجمة، وفي ذلك يقول ابن النديم: وكان خالداً يُسّمى حكيم آل مروان وكان رجلاً فاضلاً وله ميل ونشاط نحو العلوم. ولتحقيق هذه الرغبة أمر جماعة من فلاسفة اليونان الذين كانوا يقيمون في مصر ويجيدون العربية. فأمرهم بترجمة العديد من الكتب من اللغة اليونانية والقبطية إلى العربية(8) ، وكان هذا أول ترجمة في الإسلام من لغة إلى لغة.‏

كانت الكتب التي ترجمت لخالد بن يزيد المذكور تتعلق غالبيتها بالكيمياء. لأن خالداً كان يسعى لتحويل المعادن إلى ذهب.‏

يذكر الأستاذ محمد كرد علي(9) رئيس مجمع العلمي في دمشق سابقاً، إن خالداً استخدم أحد علماء مدرسة الاسكندرية -ايستوفن- في ترجمة بعض الكتب اليونانية الطبية إلى العربية أما المستشرق الإيطالي "نيلليننو" يروي أن أول كتاب ترجم من اليونانية إلى العربية كان كتاب "أحكام النجوم" المنسوب إلى الحكيم "هرمس".‏

ويذكر القفطي أنه في زمن مروان بن الحكم- 64-65- نقل أول كتاب طبي إلى العربية، من قبل كناش اهرن القس بن اعين، وقد احتوى على ثلاثين مقالة نقلها- ماسر جويه- الطبيب البصري من السريانية إلى العربية. وكان اهرن من الأطباء الذين عاشوا في الاسكندرية في زمن هرقل‏

610م-641م) وألّف كتاباً طبيباً باليونانية، ثم نقله إلى السريانية، حيث قام -ماسرجويه- بنقله إلى العربية.‏

ويروي ابن جلجل أن الخليفة الأموي عمر بن عبد العزيز-99-101-هـ وجد هذا الكتاب في خزائن الكتب بالشام. فأمر بإخراجه ووضعه في مصلاّه.‏

استمر النقل والترجمة في زمن الخلفاء الأمويين ولكن بالقدر القليل كما ذكرنا، ويذكر أحمد أمين أن من أشهر المترجمين في العصر الأموي كان -يعقوب الرهاوي الذي ترجم الكثير من الكتب الالهيات اليونانية إلى العربية.‏

أما كتب الدواوين في زمن الدولة الأموية قد نقلت من اليونانية إلى العربية، أيام الخليفة عبد الملك بن مروان، في سورية. وفي العراق من الفارسية إلى العربية على يد الحجاج والي عبد الملك.‏

أما الكتب القبطية في مصر فقد تُرجمت إلى العربية على يد عبد العزيز بن عبد الملك والي مصر حينذاك، وقد كان لهذه الترجمة والدواوين أثر كبير في دعم أسس الدولة العربية وأصبحت أيضاً اللغة العربية لغة الإدارة الرسمية في أرجاء البلاد، كما أن هذه الترجمات عزّزت وأظهرت فوائد الترجمة فأبرزت فوائدها لنشاط الحركة هذه التي لم تضعف بل زادت نشاطاً في العصر العباسي.‏

وقد روى ابن النديم أنه في زمن بني أمية نُقل الديوان في العراق من الفارسية إلى العربية بأمر من الحجاج. والمترجم هو صالح بن عبد الرحمن مولّى بني تميم وأصله من سجستان. وقد بذلت له الفرس مائة ألف درهم مقابل أن يظهر العجز في ترجمته ولكنه أبى ذلك. وفي عهد عبد الملك نقل الديوان في الشام من الرومية إلى العربية عن يد أبو ثابت سليمان بن سعد.‏

ج-الترجمة في عهد العباسيين:‏

ازدهرت الترجمة في العهد العباسي ازدهاراً عظيماً، كان العرب قبل العهد العباسي منشغلين بالفتوحات كما ذكرنا وبتوطيد دعائم الحكم، وما إن استقرت الأمور حتى جدّوا وراء العلم لبناء ونشر الحضارة العربية والإسلامية على المستوى الذي يتمشى مع اتساع البلدان المفتتحة ودائرة الخلافة. وهنا لابد من التوجه إلى تنشيط النقل والترجمة بالإضافة إلى العلوم الأخرى. فما أن انقضى عصر التابعين واستند المسلمون في ثبات ويقين إلى كتاب الله ورسوله، حتى جهدوا إلى تحصيل المعارف في شغف ونهم، فكان العصر الأموي يمثل المرحلة المبدئية، ثم انطلق المسلمون في العصر العباسي سعياً وراء العلم اعتباراً من ولاية الخليفة العباسي، أبو جعفر المنصور الذي كان بارعاً في الفقه متقدماً في علم الفلسفة والفلك وبما يتصل بمعرفة أحوال النجوم، ومشجعاً للعلم والعلماء ولاينكر فضل سابقه- خالد بن يزيد بن معاوية الذي كان يلقب بحكيم آل مروان كما ذكر سابقاً.‏

لقد كثر الجدل في عصر بني العباس بين أصحاب الفرق من المسلمين وبين أصحاب الأديان الأخرى، وكان المسلمون في هذا الوقت على علم بالمنطق اليوناني الذي ابتكره أرسطو(10) ممّا حدا بهم إلى ترجمة الفلسفة اليونانية بعامة ومنطق أرسطو بخاصة، لإيجاد وسيلة راسخة لدعم الرأي، وإسناد الحجة. كما أن اتصال المسلمين خلال هذا الزمن بالمعارف اليونانية أدى إلى تطور أساليب الكلام بحيث توفر المسند على تفنيد حجج الخصم بالأدلة القياسية مما مكّن المسلمين من الرد على المعارضين ودحض ادعاءاتهم.‏

ولهذا كانت الضرورة ملحة في استمرار نقل وترجمة علم الكلام عن أرسطو إضافة إلى اتقان الجدل والمحاورات لمجابهة فرق: 1-المجوس 2- والثنوية 3-والمجبرة 4- والحشوية 5-والسمنية 6-والمانوية.‏

كما لقيت حركة الترجمة في هذا العصر التشجيع المناسب من الخلفاء والوزراء وخاصة، في عهد الرشيد والمأمون- كما جرت الترجمة عن لغات عديدة تولاها لبنانيون ومصريون وسوريون ومسلمون أو غير مسلمين ممن كانوا يتقنون لغة أجنبية إلى جانب العربية وكانت الترجمات ركيكة خضعت لمدة غير قصيرة لكثير من التصحيح والتدقيق والمراجعة غير أن مالفت أنظار الخبراء الأجانب هو سرعة استيعاب الفلاسفة والعلماء العرب وحتى الأفراد المثقفين منهم جميع المعارف المترجمة، فقد تمكنوا من تصحيح مافيها من أخطاء عن طريق العقل السليم والمدارك الواسعة والتجربة العملية.‏

لقد تساءل بعض الباحثين والمثقفين فيما بعد عن مصادر اتصال المسلمين بالتراث اليوناني والجواب تضّمن الاحتمالات التالية:‏

1- عن طريق الفرق غير الإسلامية من مجوس- ومجبرة وغيرهم مما ذكر(11) .‏

حيث كان بعض رجال تلك الفرق على علم كامل بالفكر اليوناني وخاصة، المنطق والفلسفة، وقد ثبت تعمقهم بهذه العلوم فيما دار بينهم وبين رجال الإسلام من مناظرات، غير أن المسلمين استطاعوا التفوق عليهم بالاعتماد على علم الكلام) بالإضافة إلى علم المنطق والفلسفة والإلهيات.‏

2-مادار من مناقشات شفوية بين رجال الكنيسة وأصحاب التوحيد، فقد كان رجال الكنيسة على اتصال بالمعارف الخارجية عن طريق المدارس التبشيرية التي كانت ملحقة بالكنائس والأديرة، وقد تبين أن أشخاصها كانوا على دراية بالفلسفة اليونانية وبالطقوس الدينية فيها.‏

3- اتصال المسلمين بالحركة الغنوصية) التي تحمل في أعماق فلسفتها الكثير من عناصر الفلسفة اليونانية.‏

هذا وقد انقسم عهد الترجمة في العهد العباسي إلى دورين رئيسين:‏

يمتد من قيام الدولة العباسية إلى بداية عهد المأمون‏

132هـ،750م-198هـ،814م) والثاني يبدأ بتوالي المأمون الحكم ويمتد طيلة عهده. 198هـ،814م-هـ218،833م).‏

في عام 145هـ أسس أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء الدولة العباسية مدينة بغداد، وجعلها عاصمة الدولة الإسلامية بدلاً من دمشق. فسرعان ما ازدهرت وطغى نورها الفكري على نور البصرة والكوفة، كما تقدمت على دمشق. ولم يعد يباريها إلاّ القسطنطينية. فكانت قصور المنصور خلال الفترة 136-158- والرشيد 170-193- والمأمون 198هـ،814م-218هـ،833م وغيرهم في بغداد، ملتقى العلماء والشعراء بعناية الدولة، فكان للخليفة أبو جعفر المنصور شغف بالطب والهندسة والفلك والنجوم. وهو أول من راسل ملك الروم طالباً منه كتب- الحكمة- فبعث إليه كتاب أقليدس وبعض الكتب الأخرى(12) فجمع حوله صفوة من العلماء الذين يتقنون اللغات الأجنبية، وشجعهم على ترجمة الكتب العلمية المنتقاة، وفي سبيل ذلك أشاد ديواناً للترجمة. فنقل جورجيوس بن جبرائيل بن بختيشوع للخليفة المنصور كتباً كثيرة من كتب، اليونانية، وكان قد استقدمه من مدرسة جنديسابور حيث كان رئيساً للأطباء فيها، فجعله طبيبه الخاص.‏

واهتم الخليفة هارون الرشيد 170-193)، بترجمة الكتب الأجنبية، ووسع ديوان الترجمة الذي أنشأه المنصور لنقل العلوم. وبعد احتلال عمورية طلب من البيزنطيين تسليمه المخطوطات اليونانية القديمة. ومن أشهر الكتب التي ترجمت في عهد الرشيد كان كتاب المجسطي لبطليموس الذي معناه "الترتيب الكبير في علم الفلك". كما أمر الرشيد بتعريب الكتب التي وجدها في أنقرة وعمورية أثناء غزواته الصوائف) وعهد بها إلى يوحنا بن ماسويه، لأن هذا كان كبير المترجمين في عصره. ويقول صاحب الفهرست حول ذلك(13) كان يوحنا بن ماسويه مسيحّي المذهب سريانياً عيّنه الرشيد أميناً على الترجمة وعهد إليه ترجمة الكتب القديمة مما عثر عليها في بلاد الروم حين سباها المسلمون.‏

وحسب رأي محمد عاطف البرقوقي وأبي الفتوح محمد التوانسي أن يوحنا(14) هو الذي نصح الرشيد بإنشاء دار كبيرة ومتسعة للكتب وهي التي أنشئت فيما بعد وأصبحت تدعى دار الحكمة).‏

ومن المترجمين الذين خدموا الرشيد وابنه من بعده الحجاج بن يوسف بن مطر الذي نقل كتاب- إقليدس أصول الهندسة) على مرتين، المرة الأولى في زمن الرشيد وقد عرف بالنقل الهاروني، والمرة الثانية في زمن المأمون وعرف بالنقل المأموني، وكان عليه المعّول لأنه الأصح.‏

وكذلك عهد الرشيد إلى الفضل بن نوبخت الذي كان يتقن الفارسية بشؤون كتب دار الحكمة، كأمين لها، فكان ينقل ويترجم من الفارسية إلى العربية ما يتوفر له من هذه الكتب.‏

الدور الثاني ويشمل عهد المأمون ومابعده:‏

كان الخليفة عبد الله المأمون قد لبث في سدة الحكم عشرين سنة‏

198-218هـ) وكان رجلاً ذا أفق واسع مستنير حّر التفكير- محباً للعلم والحكمة، شغوفاً بالدرس والتدقيق والبحث والمناظرة، حيث كان يجمع العلماء ورجال الفكر المستنيرين ليتناظروا أمامه باشتراكه معهم.‏

تمثل الظاهرة القرآنية سبباً جوهرياً للتوجه نحو العلم، فقد دعا القرآن الكريم العرب، بوصفهم المنطلق في الدعوة الإسلامية إلى أمرين:‏

1- الأخذ بأسباب العلم والمعرفة وتيقظ العقل -2- تبليغ الدعوة الدينية فقد اعتمد المأمون هاتين الغايتين جاهداً لإنشاء بناء بشكل معرفي جديد ترتكز انطلاقته إلى المبادئ الدينية الإسلامية بعد أن وجد في المعارف الحاصلة في الأمم المحيطة بالجزيرة فائدة في توسيع الدعوة- فلابد لذلك من تعزيز النقل والترجمة التي برزت كعامل أساسي في العلاقة الجديدة، وكغاية عقدية تدعو إلى طلب العلم ولو كان في الصين. وأضحت الترجمة واجباً دينياً يخدم بها المسلم عقيدته.‏

مرت الترجمة في الفترة الإسلامية السابقة بمراحل أولية لا بأس بها فقد بدأت أولاها بعصر عمر بن الخطاب الخليفة الثاني محدودة، حيث حظر الترجمة في المستوى المعرفي والفكري التجريدي وأباح الترجمة في المستوى العملي، على مبدأ اجتهادي، أن القرآن والسنة هما أصلان جاهزان لا بديل لهما في تأسيس الأفكار والمواقف عند المسلمين. لذلك كان سبب المنظور من الترجمة أو أوجه التلاقح بين العرب والفرس أو الروم أو اليونان أو اليهود عقدياً محضاً.‏

أما العامل الأساسي الذي أباح الترجمة فيما بعد هو الحاجة الجديدة للدولة الإسلامية للاضطلاع بوظيفتها كما تفرضه هذه الحاجة، وسط تلاقح حضاري مفروض مقابل جهاز حكومي متطور عند فارس أو عند الروم، فتوسعت الترجمة فيما يتعلق بالإدارة ومتطلباتها. حتى جاء دور الخلفاء أبو جعفر المنصور وهارون الرشيد) اللذان بالتتابع فتحا باب التعامل مع سكان البلاد التي أسلمت أو أناس احتفظوا بدينهم. فأصبحت الجزيرة ثمّ الشام والعراق موطن الاحتكاك والتوالد الفكري، واحتفظت العواصم العربية بتقاليد معرفية موروثة ومختلفة من سريانية وهندية ويونانية وفارسية وحبشية وقبطية الخ... فأصبحت الترجمة حقيقة حضارية وواقعية، فقد بدأت فردية ثم أصبحت رسمية انطلاقاً من عهد خالد بن معاوية الأموي، ثمّ مزدهرة وموسعة في عهد المأمون.‏

أما فيما يتعلق باستنارة عقل المأمون وحكمته فلنستمع إلى المؤرخ القاضي- "صاعد الأندلسي الذي يصف لنا المأمون في كتابه طبقات الأمم) حيث يقول(15) : لما أفضت الخلافة فيهم إلى الخليفة السابع منهم، عبد الله المأمون بن الرشيد بن محمد المهدي بن أبي جعفر المنصور تمّم ما بدأ به جده المنصور، فأقبل على طلب العلم في مواضعه واستخراجه، من معادنه بفضل همته الشريفة وقوة نفسه الفاضلة، فداخل ملوك الروم وأتحفهم بالهدايا الثمينة وسألهم بما لديهم من كتب الفلاسفة. فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب- أفلاطون وأرسطوطاليس وأبوقراط وجالينوس وإقليدس وبطليموس وغيرهم من الفلاسفة. فاستحضر لها مهرة التراجمة وكلفهم بإحكام ترجمتها، ثمّ حض الناس على قراءتها ورغبّهم في تعلمها. فنفقت سوق العلم في زمانه وقامت دولة الحكمة في عصره وتنافس أولي النباهة في العلوم لما كانوا يرون من إعطائه لمنتحليها واختصاصه لمتقلديها. فكان يخلو بهم ويأنس بمناظرتهم ويلتذ بمذاكرتهم، فينالون عنده المنازل الرفيعة والمراتب السنية. وكذلك كانت سيرته مع سائر العلماء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين وأهل اللغة والإخبار والمعرفة بالشعر والنسب. فأتقن جماعة من ذوي الفنون والتعليم في زمانه كثيراً من أجزاء الفلسفة. وسنّوا لمن بعدهم مناهج الطلب ومهدوا أصول الأدب حتى كادت الدولة العباسية تضاهي الدولة الرومية أيام اكتمالها وزمان اجتماع شملها."‏

وأيضاً يقول ديورانت(16) إن أحد شروط الصلح يبن المأمون والامبراطور البيزنطي ميخائيل الثالث أن يتنازل هذا للمأمون عن إحدى المكتبات الشهيرة في القسطنطينية وكان من بين ذخائرها كتاب بطليموس في الفلك، فأمر المأمون بنقله فوراً إلى العربية.‏

أنشأ المأمون في بغداد -بيت الحكمة- الذي كان يحوي المجمع العلمي ومرصد فلكي ومكتبة عامة أقام فيها طائفة من المترجمين الذين أغدق عليهم الأرزاق من بيت المال.‏

وكذلك أرسل المأمون البعثات إلى بلاد الروم للحصول على الكتب، وحسب قول صاحب الفهرست: أن المأمون كان بينه وبين ملك الروم مراسلات عديدة وقد كتب إليه حول إرسال من يختار من العلوم القديمة وغيرها المخزونة لديه، فأجابه ملك الروم بعد تردد، فأرسل المأمون لذلك جماعة، منهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلمان صاحب بيت الحكمة فأخذوا مما وجدوا وما اختاروه، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل..‏

وعلى مايبدو أن المأمون أرسل أكثر من بعثة إلى القسطنطينية وبلاد الروم للحصول على كتب بحاجة إليها حيث يستفاد من أخبار حنين بن اسحق أيضاً أن المأمون قد أرسله للبحث عن الكتب النادرة في بلاد الروم.‏

إن مايميز حركة الترجمة في عصر المأمون أن هذا الخليفة أحسن تنظيمها وجعلها مرجعاً ومنشطاً رسميين في الدولة، وأنفق من أجلها الأموال الطائلة. وقد ساهم في هذا النشاط حنين بن اسحق الذي نال ثقة وإعجاب المأمون وجعله يعطيه من الذهب، كما يروي، زنة ماينقله ويترجمه من هذه الكتب إلى العربية مثلاً بمثل. وقد بقي قسم كبير من هذه الكتب إلى زمن أبي أصيبعة القرن السابع الهجري) التي رآها بنفسه وحدثنا عنها.‏

أما بيت الحكمة فكان بمثابة كلية علمية، قُسمتْ إلى أقسام متعددة منها:‏

- قسم الترجمة ويتألف من أقسام أصغر حسب اللغات الأجنبية السائدة حينذاك: اليونانية -والفارسية- والسريانية- والهندية.‏

-قسم التأليف.‏

-قسم للبحث الفلكي والمرصد.‏

وقد وضع هذا البيت بجميع أقسامه وفعالياته تحت إشراف عالم أو عالمين مع معاونين لهم، وممن تولى الإشراف على أقسام هذا البيت سهل بن هارون، الذي كان بالوقت نفسه أميناً لخزانة كتب المأمون الخاصة. وسعيد بن هارون الكاتب. ومن المنجمين في أيام المأمون حبش الحاسب المرزوي الأصل البغدادي الإقامة وله ثلاثة أزياج أولها المؤلف على مذهب السند- الهند. والثاني الممتحن وهو أشهرها وقد ألفه بعد أن رجع إلى متابعة الرصد، والثالث الزيج الصغير المعروف بالشاة، وأيضاً كتب غيرها.‏

ومنهم أحمد بن كثير الفرغاني صاحب المدخل إلى علم هيئة الأفلاك يحتوي على جوامع كتاب بطليموس(17) .‏

ومنهم عبد الله بن سهيل بن نوبخت بليغ القدرة في علم النجوم.‏

ومنهم محمد بن موسى الخوارزمي. ومنهم- اليهودي الذي كان في زمن المنصور وعاش إلى أيام المأمون وكان له خطٌ قويٌ في سهم الغيب.‏

ومنهم يحيى بن أبي المنصور الذي كان أيضاً رجلاً فاضلاً كبير القدر.‏

ومن الأطباء سهل بن سابور ويعرف بالكوسج وقد تقدم في الطب في أيام المأمون وأيضاً جبرائيل الكحال.‏

وقد رتب بيت الحكمة على مثال مكتبة الاسكندرية الشهيرة من حيث الوسائل وطرق العمل والغاية والهدف، وقد استمر هذا البيت في العمل بعد المأمون، وإن كان قد فقد الكثير من نشاطه حتى زمن ابن النديم صاحب الفهرست(18) ، في منتصف القرن الرابع للهجرة، علماً بأن ابن النديم ألفّ كتابه الفهرست عام 377هـ وهذا يدل على أن عمل هذا البيت استمر طوال عهد العباسيين، غير أن هولاكو دمره سنة 656هـ عند احتلاله لبغداد.‏

وقد اقتدى بالمأمون في ذلك العهد وبعده كثيرون من رجال الدولة وأهلها الميسورون فازدهر سوق الترجمة وتوافد على بلاد العباسيين من كل حدب وصوب، من أنحاء الجزيرة والعراق وبلاد الشام وفارس وفيهم من السريان والصابئة(19) والنساطرة واليعاقبة والروم يترجمون الكتب من اليونانية والسريانية والفهلوية والسنسكريتية والنبطية إلى العربية.‏

وحسب قول أحد الرواة الثقات: ممن اهتم بإخراج الكتب من بلاد الروم مثل: محمد وأحمد والحسن بنوا موسى بن شاكر المنجم، حيث لبوا كل رغبة، وانفذوا حنين بن اسحق وغيره من المثقفين إلى بلاد الروم ليجيئوا بطرائف الكتب والمصنفات في الهندسة والفلسفة والطب والموسيقى والحساب وكانوا يمنحون جماعة الترجمة مثل حنين بن اسحق وحبيش بن الحسن وثابت بن قرة وغيرهم نحو خمسمائة دينار في الشهر للترجمة والّلازمة.‏

وجاء أيضاً في كتاب -شمس العرب تسطع على الغرب- لمؤلفته الألمانية سيغريد هونكه(20) ، مايلي: إن أبناء موسى بن شاكر قاموا بإيفاد الرسل على نفقتهم الخاصة إلى بلاد الروم بحثاً عن المخطوطات الفلسفية والفلكية والرياضية والطبية القديمة. وكانوا يدفعون المبالغ الطائلة لشراء الآثار العلمية اليونانية وحملها إلى دارهم قرب باب التاج وهي الدار التي قدمها لهم المتوكل على مقربة من قصره في سامراء. وقد اتخذ المتوكل فيما بعد نفس طريقة المأمون فيما يتعلق بتجميع المترجمين وإرسال البعثات لتحصيل الكتب الواجب نقلها.‏

لم ينفرد ولدا موسى بن شاكر لوحدهم في هذا العمل، بل أصبح اقتناء المخطوطات وترجمتها إلى العربية هواية الأمراء والوزراء وميسوري القوم، فكانوا أثناء الترحال أو التجارة لا يتوانون في جلب مايروق لهم من هذه الكتب. ومن أشهرهم، الفتح بن خاقان- وعبد الملك بن الزيات الزير في بلاط بني العباس.‏

ولا يمكن نسيان الأندلس التي كانت موطناً للنقل والترجمة العلمية أو الثقافية إلى العربية بعد بغداد قبل أن تصبح موطن الكشف والإبداع في ميادين الآداب والعلوم والفنون.‏

فقد رعى حكام الأندلس حركة الترجمة وشجعوا عليها وعملوا على اقتناء الكتب ونقلها إلى العربية.‏

يحدثنا ابن أبي أصيبعة في حديثه عن ابن جلجل، أن أرميانوس ملك القسطنطينية 293-348هـ، 905-959م) عندما أراد أن يرسل هدية إلى الناصر عبد الرحمن بن محمد في قرطبة جعل من ضمن هديته- كتاب أدسقوريدس الذي يحتوي على وصف العقاقير النباتية باللغة الإغريقية فقدر الناصر هذه الهدية حق قدرها. ولما لم يكن في دولته من يحسن ترجمة هذا الكتاب من اليونانية القديمة إلى العربية، فقط طلب من أرميانوس الامبراطور نفسه أن يبعث إليه بمن ينقلها، فأرسل هذا الأخير إليه الراهب نقولا الذي وصل قرطبة عام 340هـ وقام بترجمة هذا الكتاب إلى العربية ولاسيما ما فيه من أسماء العقاقير.‏

الدور الثالث لحركة الترجمة -أشهر المترجمين-‏

اشتمل هذا الدور على الطبقة الثالثة من المترجمين ويبدأ من نهاية عام ثلاثمائة للهجرة. ومن بين المترجمين فيه.‏

- ابن يونس: ويروي القفطي أنه كان ببغداد في خلافة الراضي بعد سنة 932م-320هـ. حسان بن ثابت بن قره المتوفي عام 932م-360هـ.‏

- يحيى بن عدي المتوفي عام 974م-364هـ.‏

- أبو علي بن زرعة المتوفي عام 1008م-398هـ.‏

وكان أكثر ما يترجم من كتب هذا الدور، الكتب الطبيعية وكتب المنطق لأرسطو وأيضاً تفسير هذه الكتب التي قام بها الاسكندر الأفروديسي، بالإضافة إلى بعض الكتب الهندسية والعلمية.‏

وماهو جدير بالذكر، أن ما حصله العرب خلال تلك الأدوار من التراث اليوناني الثقافي وغيره، لم يصل إلى أوروبا إلا بعد حوالي أربعة قرون، أي بعد انحلال الدولة الإسلامية حيث بنى الغرب حضارته عليها وبعد أن أضاف العرب والمسلمون إلى هذا التراث ما ابتكروه ودققوه. ويثبت ذلك ما نجده حالياً مسجلاً للعرب والمسلمين في الكثير من دوائر المعارف العالمية كشاهد لفضلهم(21)

وقد برز في هذا العصر، ابن سيناء الفيلسوف والطبيب(22) والطبري الطبيب المشهور وأيضاً تلميذه محمد بن زكريا الرازي(23) . وفي تاريخ القفطي من الروايات ما يحقق شغف العرب والمسلمين بالعلم والمعرفة. منها:‏

حكى يحيى بن عدي قال: عرض عليّ شرح الاسكندر الافرودسي على كتاب: سمع البيان، وكتاب البرهان بمائة دينار وعشرين دينار فمضيت لإحضار الدنانير، ثم عدت، فأصبت القوم ووجدتهم قد باعوا الشرحين في جملة كتب على رجل خراساني بثلاثة آلاف دينار.‏

وحكى يحيى بن عدي أيضاً قال: ألتمست من إبراهيم بن عبد الله الناقد النصراني نصوص: -سوفسطيقا، والخطابة- والشعراء- بنقل حنين بخمسين دينار، فلم يبعها، فأحرقوها وقت مماته.‏

ويعلق القفطي على ذلك قائلاً: انظر مدى همة الناس في تحصيل العلوم، والاجتهاد في حفظها. وكان ذلك في منتصف القرن السابع الهجري، حيث كانت الحركة العلمية فتية ومزدهرة، رغم ما أصابها من تمزق وتدهور سياسي.‏

وعن ابن سيناء قيل: أنه لما قدم بخارى لعلاج السلطان نوح بن منصور قال: سألتُه الإذن في دخول دار كتبهم ومطالعتها وقراءة مافيها، فأذن لي، فدخلت داراً ذات بيوت كثيرة، وفي كل بيت صناديق كتب منضدة بعضها على بعض.‏

وجدت في بيت: الكتب العربية وكتب الشعر، وفي بيت آخر وجدت كتب الفقه. وهكذا في كل بيت كانت الكتب المفردة. وبجانبها طالعت فهرست كتب الأوائل.‏

الترجمة في بدايات النهضة الحديثة‏

أولاً- الترجمة الرسمية في عهد الحملة الفرنسية:‏

كان لهذه الحملة أثر بارز في نقل الترجمة، لأنها كانت بأشد الحاجة إلى مترجمين دائمين لتلقي الأوامر ونقلها إلى المراجع المختصة، ولترجمة المنشورات وتسجيل المحاضر في الدواوين، هذا من جهة، وللترجمة المباشرة في نقل الحديث بين الحكام والمحكومين من جهة أخرى، وفي بادئ الأمر استقدمت الحملة أناساً غرباء عن مصر أحضرتهم معها حين قدومها، وهم كما ذكرنا سابقاً من البحارة المسلمين الذين كانوا في جزيرة مالطة.‏

المترجمون الرسميون في عهد الحملة.‏

يمكن تقسيم المترجمين في عهد هذه الحملة إلى التالي:‏

1- الأسرى الذين كانوا في جزيرة مالطة(24) من عرب ومغاربة وأتراك، فقد أطلق رجال الحملة الفرنسية سراحهم بعد استيلائهم على مالطة ونقلوهم معهم إلى مصر.‏

2-المستشرقون الملمون باللغة العربية من رجال الحملة الفرنسية ومن أهمهم:‏

آ- جوبير Pierre amébeé jauper) 1779-1847) وهو أحد المستشرقين من علماء الحملة الفرنسية إلى مصر، تخرج من مدرسة اللغات الشرقية في باريز، وكان تلميذاً لفانتور، ولدي ساس وقد خلف فانتور بعد وفاته.‏

ب-فانتور-Venture قضى أربعين سنة من حياته في الشرق في السفارة الفرنسية في تركيا، عُيّن مترجم لللغة الشرقية في باريز، ثم مدرّساً في مدرسة اللغات الشرقية فيها أيضاً، وبعد مصاحبته للحملة إلى مصر أصبح كبير المترجمين فيها، وكان حاظياً على ثقة نابليون وتقديره ومن تلاميذه -جوببير ومرسيل.‏

ج-براسرفيش: وكان أحد أعضاء لجنة الترجمة بالمجمع المصري، وكان الجبرتي يسميه السيتوايان- أي المواطن) وعمل أيضاً في هذه الحملة ككاتم السر والترجمة للعسكريين وقد خلف جوبير في هذا المركز في عهد الجنرال -مينو-.‏

د- لوموكا Lomoca) وهو آخر عضو في لجنة الترجمة بالمجمع فقد اشترك مع زميله براسرفيش بترجمة أقوال المتهمين بقتل الجنرال كليبر، نقلاً عن سليمان الحلبي وزملائه بترجمة أقوالهم أثناء التحقيق معهم، وكان له جهود أخرى في ترجمة الوثائق الرسمية(25) .‏

هـ- جان روكيه: Jean roket): اشترك مع براسرفيش ولوموكا في ترجمة بعض أعمال المهتمين بقتل الجنرال كليبر.‏

و- كليمان: Kleiman) كان يقوم أحياناً بالترجمة في جلسات الديوان.‏

ز- بتروجيم وهناك مترجم ثالث هو أبو ديف، كما ذكر ذلك الجبرتي، وهو الذي وصف بالترجمة المباشرة في الجلسات الأخيرة في الديوان بعد أن تم الصلح بين الفرنسيين من ناحية، والانكليز والأتراك من ناحية أخرى. كما نقل خطبة- ستوف- بالافرنسية(26) . هذا هو أهم ماذكر من المترجمين المرافقين للحملة الفرنسية، وهناك مترجمون أخر ومنهم ثانويون عملوا بنقل الكتب والترجمة ضمن الدواوين.‏

الترجمة العلمية في عهد الحملة الفرنسية‏

كان المستشرقيون من علماء هذه الحملة هم الذين بدأوا في هذه الترجمة، يساعدهم مترجمون من السوريين، فقد أسس نابليون المجمع العلمي المصري أو ما كانت يُدعى أيضاً مدرسة العلماء في برّ مصر(27) ، وكان هذا المجمع يضم علماء متخصصين في: الرياضيات الهندسة- الفلك- الميكانيك- طبقات الأرض- المعادن- الطب- الجغرافيا- الآثار- الآداب- الفنون الخ..... ولابد من ذكر المختصين منهم في الترجمة- الطباعة العربية والفرنسية. وكانت لجنة الترجمة تتكون من:‏

فانتور- ماجيلان- لوماكا- جوبير- ده لابورت- ريج- براسرفيش- بيلتيت.‏

أما لجنة الطباعة فكانت تتكون من: مارسيل كمدير للمطبعة- وبونتيس Pontes وجالان Jallan وبودوان- وبسّون Besson. وأيضاً مكتبة المجمع فكانت عامرة بآلاف الكتب. وقد حددت أغراض المجمع في الأمر الصادر في 22/9/1798 بما يلي:‏

1- تقدم العلوم والمعارف بمصر.‏

2- دراسة المواضيع والأبحاث الطبيعية والصناعية والتاريخية المتعلقة بمصر، ونشر تلك الأبحاث.‏

3- إبداء رأي الحكومة.‏

وقد قسم المجمع إلى أربعة أقسام، وهي: الرياضيات- والطب- والاقتصاد السياسي- الآداب والفنون. وفي سبيل ذلك انتشر علماء فرنسيون في كل جهة من مصر للبحث والتنقيب، وكانت جهودهم مثمرة(28) . ومن بين أعضاء لجنتي الترجمة والطباعة المشرقية والمذكورين أعلاه، وقع عبء الترجمة العلمية على عاتق عضوين من أعضاء المجمع، وهما، المستشرق الفرنسي جان مارسيل، والثاني هو الأب أنطون رافائيل زاخور راهبة، المخلصي وهو العضو الشرقي الوحيد بمجمع نابليون. ولكون هذين الاثنين من أساطين علماء الترجمة والطباعة في بدايات النهضة لابد من إعطاء لمحة وجيزة عن كل منهما.‏

جان يوسف مارسيل: 1776-1854) كان على رأس المستشرقين من رجال حملة نابليون وأكثرهم نشاطاً، وكان جدّه المدعو مارسيل أحد القناصل القدامى من الشرق، ولد في باريز في عام 1776 فقد أباه وهو صغير، فكفلته والدته وألحقته بجامعة باريز حيث اختص بدراسة الرياضيات والعلوم وفي عمر 17 التحق بمعمل البارود وبعده أشرف على طبع مجلة مدارس المعلمين. واشترك مع سوارد Suard ولا كريتيل La cretelle في تحرير جريدة Jaurnal des nouvelles publiques وخلال حوادث الثورة الفرنسية ألغيت هذه الجريدة وفرّ محررها خوفاً من إلقاء القيض عليه. غير أنه عاد في عام 1790 لدراسة اللغات الشرقية، وقد تتلمذ على الأساتذة المستشرقين: لانغليس Langles وده ساسي‏

De sacy وفانتور Venture رُشح ليكون عضواً في اللجنة العلمية- ثم عيّن مديراً لمطبعة الحملة غير أنه فيما بعد قام ديزييه ومونج وهما أيطاليان باختياره دون الياس فتح الله كمدير للمطبعة وكعضو في لجنة العلوم والآداب. وأثناء وجوده في مصر أشرف على إخراج الصحيفتين الفرنستين Le courrier d'egypte la decade egyptienne وبعد عودته إلى فرنسا عيّن مديراً للمطبعة الأهلية التي سميت فيما بعد المطبعة الامبراطورية، كما صدر له كتاب وصف مصر(29) .‏

- الأب انطون رافائيل زاخور راهبة‏

إنه العضو الشرقي في الحملة، وهو من طائفة الروم الكاثوليك- ولد رافائيل في 7/3/1759 وتلقى العلوم الدينية في القاهرة ودرس اللغة العربية على آبائه. وخاصة على يد الأب اغاييوس في مصر وفي سن الخامسة عشر سافر إلى ايطاليا مع استاذه الأبّ المذكور لإتمام علومه الدينية في روما.‏

- المترجمون السوريون‏

كان السوريون أكثر شعوب الشرق الأدنى اتصالاً واختلاطاً بشعوب أوروبا المطلة على البحر الأبيض المتوسط، في العصور الوسطى وبدء النهضة، حيث كانت في ربوع تلك البلاد ميادين الحروب الصليبية، على أثرها قامت بعض الإمارات اللاتينية على شواطئ سورية. وبعد انتهاء الحروب الصليبية، وجد في سورية من المسيحيين وغيرهم من يعرف اللغة الفرنسية، وخاصة رحلات رجال الدين الذين كانوا يذهبون إلى إيطاليا أو إلى روما لزيارة مقر البابوية لتلقي العلوم الدينية، إضافة إلى الرحلات الخاصة أو الهجرات أثناء الضائقات المعيشية أو غيرها(30) .‏

وفي القرنين 17-18 اضطربت أمور الحكم العثماني وزادت سطوة الباشاوات الأتراك، على الأهالي في الشام، ونال في هذا الاضطهاد أيضاً الطوائف المسيحية فنزح الكثير إلى القطر المصري في أوائل القرن 18، وزادت هذه الهجرة عام 1725م- بعد نجاح هؤلاء المهاجرين، وتتابعت بسبب قوة الجذب- وقوة الدفع- ولم يمض وقت طويل حتى ازداد نفوذ هؤلاء المهاجرين المالي والاقتصادي، وتفوقوا على طائفتي الأقباط واليهود اللتين كانتا تحتكران الوظائف المالية في مصر.‏

ولا عجب إذا عرفنا نابليون أثناء إعداده للحملة على مصر أرسل إلى العالِمْ مونج والجنرال ديزييه في إيطاليا، بقصد التعاقد مع بعض المترجمين البارزين من الشرقيين المقيمين في إيطاليا، وكان منهم: إلياس فتح الله) و‏

يوسف مسابكي) و الراهب انطون مشحرة) ومن السوريين أيضاً(31) :‏

يوسف فرحات- وميخائيل كحيل. وفي عهد الجنرال مينو) عين له مترجمان سوريان هما القس رافائيل كترجمان كبير يساعده الياس فخر- وأيضاً يوسف باسيل فخر- والمترجم المدعو نصر الله الذي عين مترجماً للقائمقام بيليرد). ثم المترجمان السوريان عبود الصباغ وميخائيل الصباغ، وهما تلميذا إبراهيم الصباغ الذي كان طبيباً لدى ظاهر العمر.‏

وهناك مترجمون أخر: مثل نقولا الترك وهو المؤرخ الثاني للحملة باللغة العربية بعد الجبرتي- وأيضاً القس جبرائيل الطويل. الذي غادر مع الحملة إلى فرنسا لعدة سنوات وعين فيها أستاذ لللغة العربية في مدرسة اللغات الشرقية في باريز خلفاً للأب رافائيل زاخور ويعقوب بن يوسف عزيز الترجمان الحلبي الماروني(32) .‏

ولكن ما تم ذكره ليس ثبتاً كاملاً بأسماء المترجمين السوريين فهناك عدد كبير من القبط والمسلمين ومن بلاد الشام.‏

- الترجمة في عهد محمد علي:‏

آ- في مصر والشام:‏

بعد حالة من الظلام والركود العلمي والمعرفي، بزغت في الأفق العربي ومضات من نور في مطلع القرن 19 الماضي. فقد تحقق للعرب في كافة أمصارهم أن العلم هو مصدر القوة، وأن أوروبا بعد ضعفها بالأمس، قد امتلكت الآن القوة المادية والصناعية والعسكرية، بفضل تقدم العلوم فيها، وليس ممارستها للاستعمار والسيطرة والغزو، مستغلةً ضعف الشعوب والدول في القارتين الآسيوية والأفريقية، وبسط سلطانها على هذه الشعوب والدول بحجة تدريبهم وتثقيفهم وتنمية وعيهم للوصول إلى الاستقلال التام، ليس ذلك إلا لاستثمار مواردها الطبيعية واستغلال قواها البشرية، وجعلها سوقاً لمنتجاتها المصنعة، وانتشاراً لنفوذها السياسي وللسيطرة الكاملة.‏

لذلك للحفاظ على السيادة القومية والكرامة الوطنية، ولصون الذات الشخصية والهوية الثقافية، استقرّ في أذهان الطلائع العربية الطامحة إلى الحرية والاستقلال، ضرورة استئناف ما انقطع من تاريخها والتسربل بما يجب من أسباب المنعة والقوة لمعاودة السير في طريق التقدم العلمي، بنشر التعليم وإقامة الصناعات المختلفة لبناء إنسان عربي جديد بعد طول الاستعمار والتعتيم.‏

ولتبني وإبراز فائدة الترجمة نأتي بالإيضاح التالي: يقول علماء النبات أن النبات إذا طعم ولقح بنبات غيره، أنتج ثمراً أحلى من النباتين الأولين، فالتفاح إذا طعّم بالكمثرى جاء بفاكهة جديدة أطيب مذاقاً، ويقول علماء التاريخ والاجتماع والحضارة أن الشعب أو المجتمع أو الدولة التي تعيش وحدها، وتنطوي على نفسها ولا يصيبها أي تطعيم أو تلقيح من حضارة أخرى، يكون مصيرها الضعف والانحلال. وهكذا نجد توالي الحضارات القديمة التي كانت دائماً على اتصال ببعضها. فإذا ضعفت الحضارة القديمة قامت الحضارة اللاحقة، ولهذا لا نجد الحضارة في القديم وقفاً على شعب واحد دون غيره. بل تُشبه الحضارة دوماً الوديعة يتناولها الشعب القوى ليحميها وينميّها ويزيد فيها. وعند ضعفه وانحطاطه أو كلاله تتحول إلى الشعب الناهض حديثاً الذي تكمن فيه عناصر التجدد والقوة والإبداع، وهكذا دواليك.‏

إن طرق تطعيم الحضارات بين بعضها والبعض الآخر كثيرة ومختلفة، وأن اختلافها بحسب الزمن والعصر فقد يكون الاتصال بين الحضارات عن طريق، الرحلات أو الهجرة أو الحروب أحياناً، التجارة أو الزواج أيضاً، وغير ذلك من الطرق الحديثة. اليوم، و لكن نقل العلوم من حضارة إلى أخرى وترجمتها من لغة إلى لغة كانت ولا تزال هي الوسيلة المشتركة والناجحة. نعود إلى ذكر العرب كانت حضارتهم قبل ظهور الإسلام حيث كانت حضارة اليمن القديمة التي يمكن وصفها بالبدائية بالنسبة للحضارات التي كانت تجاورها كالحضارة المصرية أو الفارسية، ولكن ما انتشر الإسلام في سرعته المعهودة، حتى انشدَّ إليه العالم أجمع. وفي سنوات قليلة ورثت أملاك الدولتين المجاورتين المذكورتين، وسرعان ما تزاوج الشعب العربي مع شعب تلك المناطق الجديدة جنساً ولغة وحضارة.‏

رغم مرور القرن الأول للدولة الإسلامية الجديدة التي كان اعتمادها في بادئ الأمر على توطيد دعائم الملك، فلم تألو جهداً في عهد بني أمية في نقل علوم الفرس والروم وغيرهم. وقد بدأ العصر الذهبي للحضارة الإسلامية في عصري الرشيد والمأمون في الدولة العباسية حيث أقبل العلماء مدفوعين بتشجيع هذين العظيمين على الترجمة بشغف عن اللغات الأجنبية، ولقد تُرجمت كتب كثيرة في الطب- الفلك- الرياضة- الفلسفة- والجغرافيا وغيرها(33) . فانبعثت أشعة قوية ونفاّذة ملأت أوروبا بكاملها، وكانت مبعث النهضة الأوروبية الحديثة، أما السلاح القوي النافذ الذي ساعد على نقل الحضارة الإسلامية إلى أوروبا هي الترجمة وتكرار التواصل بواسطتها.‏

لقد حظيت الترجمة في مصر، خلال المرحلة الأولى من النهضة الحديثة، باهتمام كبير. فانطلقت في بادئ الأمر، على يد جماعة من السوريين واللبنانيين الذي بذلوا جهوداً عظيمة للتغلب على الصعوبات الناشئة من افتقار اللغة إلى المصطلحات والمدلولات الحضارية، واختلاف التراكيب بين العربية واللغات الأوروبية، بالإضافة إلى جهل المترجمين للعلوم التي ينقلونها، فلما عاد أعضاء البعثات المصرية من الخارج كان عملهم أسهل من عمل أسلافهم.‏

يمكن أن نعتبر عام 797م،181هـ السنة الأولى التي قضى خلالها محمد علي على المماليك. حيث انطلق منها لتنفيذ السياسية الإصلاحية التي تبناها محمد علي. وفي نهايتها أنشأ المدرسة الحربية الأولى لتعليم أولاد المماليك وعلمائهم في القلعة، وكانت اللغة الإيطالية هي التي تدرس في هذه المدرسة. وكان المربون قد استقدمهم من الأجانب كما مر ذكره(34) .‏

وفي عام 1809م إلى 1816م كان محمد علي يرسل البعثات إلى إيطاليا وفرنسا للتبحر في تعلم اللغات الإيطالية- الفرنسية- التركية للتمكن من ترجمة الكتب الأجنبية المطلوب ترجمتها، حتى ومن الحصول على ترجمات أمتن لغةً وأسلم تعبيراً، لم يتوان محمد علي من إلحاق بعثات من شيوخ الأزهر بالمترجمين لمساعدتهم على ضبط اللغة ووضع المصطلحات المناسبة. وصارت مشاركة الشيوخ في عملية النقل تقليداً خضع له جميع المترجمين، ولم يُعفى منه سوى خريجي الأزهر من أعضاء البعثات والخريجين.‏

لم يلاحظ في هذه المرحلة أي نوع من التخصص في الترجمة، فكان الطبيب يترجم في التاريخ والمتخصص في صناعة النسيج يترجم في الجغرافيا. والنصوص المترجمة لم تكن في جميع الحالات مأخوذة من كتاب واحد بل من عدة كتب، وقد تلحق بها فصول من كتب عربية الأصل.‏

بدأ محمد علي، في تشييد المدارس الواحدة بعد الأخرى، وكانت البعثات ترسل إلى أوروبا كمنهاج وسياسة لإحلال المصريين محل الأجانب. وهذا التشييد كان يرتكز على ركنين مهمين هما: البعثات والمدارس.‏

ب- المدارس:‏

1-1 مدرسة الطب البشري:‏

باشر محمد علي بإنشائها عندما بدأ بتكوين جيشه الجديد بعد عام‏

1815- وذلك اقتداء بالجيوش الأوروبية، وبدأ بنفس الوقت، بتعيين المترجين في المدرسة لترجمة الكتب الطبية أولاً، وكان أول كتاب ترجم في هذه المدرسة هو كتاب القول الصريح في علم التشريح)، من تأليف بايل Bayle قدم له "كلوت بك" وترجمه يوحنا عنجوري، وطبع في مطبعة المدرسة بأبي زعبل سنة 1832 بعد أن استعان المترجمون بالمصححين من شيوخ الأزهر. وضعت مصطلحات جديدة تؤدي المعنى وصالحة لتكوين أكاديمية فيها، بعد تكفل أمانة الترجمة، وبعد خمس سنوات من ممارسة الترجمة في المدرسة وتوفر المصطلحات طبع فيها قاموس.‏

-ألحق بالمدرسة تلاميذ لتلقي العلوم الطبية وتعلم اللغة الفرنسية عن طريق المترجمين. وكان الشيخ "رفاعة رافع" هو المدرس بعد عودته من فرنسا بهذه المدرسة التي خصصت لتعليم اللغة الفرنسية بناء على رأي كلوت بك)، الذي اختار بعد مرور خمس سنوات على فتح المدرسة، 12 تلميذاً من أوائل الخريجين لإرسالهم كبعثة طبية إلى فرنسا عام 1832. وبعد عودتهم كان لهؤلاء التلاميذ شأن كبير في التدريس وفي الترجمة والتأليف، غير أن إدارة المدرسة بقيت تحت مسؤولية الأطباء الأجانب حتى عام 1845، أي حتى أواخر عهد محمد علي، وقد تولى إدارتها بالتتابع: الدكتور كلوت بك- الدكتور ديفنو- الدكتور بوّن- وأخيراً عهد بإدارتها إلى أحد أعضاء البعثة المصرية الدكتور إبراهيم النيروي) ثم بعده الدكتور محمد الشافعي.‏

2- مدرسة الصيدلة:‏

انشئت عام 1245هـ،1830م بعد مدرسة الطب وكان مكانها القلعة، ألحقت فيما بعد بمدرسة الطب وكان المشرف عليها الدكتور لويس اليسّوندري-‏

3- مدرسة الولادة‏

وقد أنشئت عام 1246هـ-1831م. كان يرأس هذه المدرسة الدكتور كلوب بك ثم الدكتور برّون ومن المصريين فيما بعد علي هيبة أفندي) ثم عيسى النحراوي ثم أحمد الرشيدي من أعضاء البعثة الطبية الأولى.‏

4- مدرسة الطب البيطري:‏

وقد أنشئت عام 1247هـ-1832 م.‏

ترجم في هذه المدرسة كتب كثيرة فيما يخص الطب البيطري وكان مدير هذه المدرسة السيد هامون وخلفه السيد برانس Prince وبعد مغادرته عيّن بدلاً عنه أمين بك) وخلفه بعد عامين أحمد أفندي، ومنها أيضاً بعد عامين رقيَّ محمد أفندي العشماوي إلى وظيفة رئيس مدرسة الطب البيطري.‏

المدارس الفنيّة:‏

5-المدارس الزراعية: أولى هذه المدارس كانت مدرسة الدرسخانة الملكية سنة 1245هـ ، ومدرسة شبرا الخيمة عام 1248- والثالثة مدرسة بتيرواه عام 1251هـ-1835م وكان ناظرها يوسف أفندي الأرمني، الذي تلقى علومه بفرنسا- أما ناظر مدرسة الدرسخانة كان محمد أفندي الأدرنة الذي كان ملماً بالعربية- والفارسية- والتركية، ثم ناظر مدرسة شبرا وكان يقوم بالتدريس فيها أعضاء البعثة الزراعية العائدين من أوروبا.. وقد ذكر أيضاً أن الشيخ نصر أبو الوفاء الهوريني) كان مترجماً في هذه المدرسة.‏

6- المدارس الهندسية:‏

كان محمد علي يولّي هذه المدارس غاية التشجيع والتنظيم وقد بلغت خمسة في عهده، أُولاها مدرسة الهندسخانة بالقلعة التي أنشئت عام 1231-، وحسب قول الجبرتي، أن حسين الحلبي هو أول من ابتكر صورة الدائرة التي تدور بأسهل الطرق، ثم فيما بعد ابتكر دائرة أخرى، فراج أمره بسبب ذلك(35) .‏

ومن النوابغ الذين تعلموا في هذه المدرسة المهندس الكبير ثاقب باشا) الذي اشترك فيما بعد في إنشاء ترعة المحمودية وغيرها، ثم كان مفتشاً لعموم الوجه البحري، ومنهم أيضاً أحمد أفندي الأزهري الذي كان من كلية الأزهر حسبما ذكر لنا علي مبارك باشا، ثم دخل مدرسة المهندسخانة بالقلعة وتعلم اللغة الإيطالية وترقى إلى رتبة قائمقام واستمر في الخدمة حتى عام 1265هـ، وفي عام 1235هـ صدر أمر من محمد علي بتعيين الخواجه قسطي مدرساً بمدرسة المنهدسخانة(36) .‏

يرأس المدرسة الثالثة أمين سامي باشا) من كلية الأزهر، وقد عيّن لها مدرسون من الذين كانوا يدرسون الحساب والهندسة باللغتين العربية والإيطالية في القصر العيني، على يد المدرس الأجنبي المدعو الخواجة بسام التويدري).‏

والمدرسة الرابعة بدأت عام 1247- ودعى لها محمد علي باشا من انجلترا، وبعد سنتين من افتتاحها نقلها إلى القناطر الخيرية لسهولة العمل، وعين لها كمدرس بيومي أفندي بعد عودته من فرنسا، وقد نبغ هذا الأخير في دراسة العلوم الهندية(37) .‏

افتتحت المدرسة الخامسة عام 1834م-1250هـ في بولاق. وفي عام 1827م، 1242هـ تقرر الاستغناء عن المدرسين الأجانب وتعيين مدرسين مصريين بدلاً عنهم، فعيّن محمد بيومي أفندي) ومظهر أفندي- وبهجت أفندي- ولحق بهم أربعة من أعضاء البعثة الذين عادوا من فرنسا. وكان السيد لامبير ناظراً للمدرسة، ثم تعين البكباشي محمد بيومي أفندي- واليوزباشية:‏

أحمد طائل أفندي- وأحمد رمضان أفندي- وأحمد دوغلي أفندي- وأحمد قائد أفندي- يتولّون ترجمة الدروس التي أوكلت إليهم من قبل بركات الخديوي. وكان المصحح لهذه الكتب هو الشيخ إبراهيم عبد الغفار الدسوقي يساعده مبيضون لنسخ الكتب. أما المُصحّحون لهذه الكتب ومن أبرز المدرسين أيضاً السيد صالح مجدي- وعبد الله أبو السعود وهم من أنجح تلاميذ رفاعة في ترجمة الكتب المتعلقة بالفنون والعلوم في عصر محمد علي. وقد تتابع على إدارة المدرسة كل من آرتين بك- جاكيان أفندي- مع اشتراك شارل لامبير في الإدارة، وبقي كذلك حتى نهاية عصر محمد علي.‏

وفي سنة 1266هـ أي في أوائل عهد عباس الأول عين علي مبارك بك) ناظر للمدرسة التي ألحقت بها، فيما بعد، مدرستا التجهيزية والمبتدئان، غير أن المدرسة ألغيت بشكل نهائي في أيلول عام 1849م-1261هـ، أي بعد عشرين عاماً حافلة بالجهاد والعمل المتصل في سبيل النهضة العلمية في مصر.‏

2-المدارس الصناعية:‏

7-مدرسة الكيمياء: أنشئت عام 1831م-1247هـ بمصر القديمة لتعليم اللغة الفرنسية والصناعات الكيمائية وكان المدرس فيها: ايمو -وخلفه- روشيه.‏

8-مدرسة المعادن: أنشئت عام 1834م-1250هـ، وكان ناظرها الأول مصري يدعى يوسف كاشف وقد تولى إدارتها في وقت ما السيد لامبير.‏

9-مدرسة العمليات أو الفنون والصنائع: أنشئت عام 1836م-1252هـ، وكانت في بادئ الأمر، تعني بالناحية العلمية وفي عام 1844م-1260هـ حولت إلى ورشة صناعية وتولى إدارتها المهندس الانكليزي تيلر) ثم خلفه مهندس انكليزي آخر جون ماكنتون).‏

المدارس الحربية والبحرية‏

10-مدرسة أسوان: لتعليم الضباط، وقد استعان محمد علي بمجهود ضابط من ضباط نابليون القدامى وهو الكولونيل سيف) يعاونه عثمان نورالدين، وبعد قليل، انتقلت المدرسة إلى اسنا- وكان من بين موظفيها من يدعى أحمد أفندي(38) ) وقد نقلت هذه المدرسة إلى أخميم شمالاً ثم إلى النخيلة بمديرية أسيوط، وأخيراً نقلت إلى الخانقان) بالقرب من القاهرة(39) .‏

11-مدرسة أركان الحرب: أنشئت عام 1231هـ بقرية جهاد اباد) بالقرب من القاهرة وكان يديرها الضابط الفرنسي بلانات Planat يشترك معه بعض المدرسين الشرقيين والغربيين وكان الطلاب يدرسون فيها اللغات الفرنسية والتركية والفارسية إلى جانب المواد الحربية والرياضية ورسم الخرائط.‏

12-مدرسة المشاة البيادة): أنشئت عام 1832م-1248هـ، ثم نقلت في عام 1250 إلى دمياط وفي عام 1257- نقلت إلى زعبل واستمرت قائمة حتى نهاية عصر محمد علي. وكانت تدرس اللغات الثلاث المذكورة، فيما يقوم بتدريسها مصري من خريجي مدرسة الألسن ويديرها ضابط من جيش نابليون يدعى بولونيني Bolonini غير أن هذه المدرسة ألغيت في عهد عباس الأول.‏

13-مدرسة السواري: أنشئت في الجيزة عام 1830م-1246هـ ونظمت على غرار مدرسة سومور- الحربية بفرنسا، وكانت تدرس اللغات الثلاثة: العربية- الفرنسية والتركية- وكان مديرها يدعى قاران- الذي نظمها على غرار المدارس الحربية الأفرنسية، ثم خلفه فرنسي آخر يدعى واسيل بك)، غير أن هذه المدرسة ألغيت في عهد عباس الأول(40) .‏

14-مدرسة الطوبجية: أنشئت في طرّة عام 1247هـ، وكان يديرها ضابط إسباني يدعى الدون انطونيو دي سوجوبرا) وكان معظم التلاميذ من المصريين والأتراك مع عدد قليل من جزيرة كريت وكانت المواد الحربية والرياضية تدرس بالانكليزية للذين هم معدون للخدمة في الأسطول وللجيش اللغة الفرنسية أو الإيطالية، أما تدريس اللغة التركية كان لجَميع الطلاب على السواء(41) .‏

كان المترجم من الفرنسية فيها هو رفاعة الطهطاوي) أما المدير فهو -سكويرا بك- الذي خلفه في إدارة المدرسة مصطفى بهجت أفندي) الذي منح لقب -باشا- فيما بعد، يساعده مدرب فرنسي يدعى- برونو Brono ثم خلفه أحمد أفندي خليل، وأخيراً عاد برونو مديراً لهذه المدرسة حتى أواخر عصر محمد علي. وفيما بعد ألغيت هذه المدرسة في عهد عباس باشا.‏

15-المدارس البحرية: أنشئت المدارس البحرية في عصر محمد علي في الاسكندرية لإعداد الجيش في العمل بالأسطول البحري، ولكن ألغيت هذه المدرسة بعد عام 1252هـ-1836م، واتجه العمل والتدريب على ظهر بعض السفن المنصورة -عكا- جناح البحر)، وقد حلّ أعضاء البعثات المصريون الذين درسوا الفنون البحرية في أوروبا، محل الأجانب، فتولوا مهمات الأسطول البحري بالكامل وترجموا اللوائح والقوانين البحرية الفرنسية والانكليزية.‏

16-مدرسة الألسن: أنشئت في أول عام 1255هـ باسم مدرسة الترجمة، ثم تغير اسمها فيما بعد، فأصبحت مدرسة الألسن، ومقرها السراي) وهي المعروفة ببيت الدفتردار بحي الأزبكية قرب فندق شبرد، وقد أنشئت هذه المدرسة بناء على اقتراح قدمه رفاعة) إلى محمد علي باشا، وكان عدد التلاميذ في بادئ الأمر 80 تلميذاً ثم زاد حتى أصبح 150 تلميذاً، وكانت مدة الدراسة خمس سنوات زيدت إلى ستة. وكان التدريس في العربية -والتركية- والفرنسية مع الحساب والجغرافيا، والتاريخ)، وفي عام 1255هـ، 1839م اكتملت المدرسة وأصبح فيها خمس فرق، والمتخرجون من التلاميذ يترجمون كتب التاريخ والأدب. ويقوم على إدارة هذه المدرسة رفاعة رافع) وقد ألحقت فيها تعليم اللغة الانكليزية مع مدرس لهذه اللغة أما مدير المدرسة فكان العالم الكبير- رفاعة المذكور- الذي له ترجمات واسعة نأتي على ذكرها فيما بعد أما مهام المدير رفاعة كانت تشمل:‏

1-الإشراف على المدرسة من الناحيتين الفنية والإدارية.‏

2-تدريس التلاميذ مواد الأدب والشرائع الإسلامية والغربية.‏

3-انتقاء الكتب التي يرى ضرورة ترجمتها، وتوزيعها على المترجمين.‏

4-في كل عام كان يرأس لجنة امتحان التلاميذ في مكاتب المبتدئين بالأقاليم، وبعد الفحص يلحق المتفوقين منهم بالمدرسة التجهيزية الملحقة بمدرسة الألسن.‏

أما مدرسو اللغة الفرنسية هم:‏

1-السيد كوت، وبعد وفاته خلفه السيد اسكندر دوره. 2- بنيير.‏

3- السيد ديزون. وهو الذي اختير لمساعدة رفاعة ولأمانة المكتبة.‏

17- قلم الترجمة:‏

أنشئ لتعليم الطلبة اللغات الأجنبية في أوائل عام 1258هـ تنفيذاً لاقتراح لجنة تنظيم التعليم العامة، وتعليماتها بأن تكون التراجم دقيقة وصحيحة ومضبوطة، وسليمة من كل خطأ، مع التأكيد بأن ترجمة الكتب للعلوم والفنون ليست مقصورة على معرفة اللغة فقط، بل متوقعة على الإلمام الكافي بالعلم والفن الذي احتواه الكتاب المترجم. ولذلك أنشأت هذه اللجنة غرفة خاصة بالمترجمين وقسمت الغرفة إلى أربعة أقلام:‏

1-قلم ترجمة كتب العلوم والرياضيات ورئيسه البكباشي محمد بيومي أفندي. يعاونه ملازم متخرج من مدرسة الألسن، مع خمسة تلاميذ متخرجين من الأوائل.‏

2-قلم ترجمة كتب العلوم الطبية والطبيعية، ويشرف عليها اليوزباشي مصطفى واطئ أفندي، يعاونه ملازم مع ثلاثة تلاميذ أول.‏

3-قلم ترجمة المواد الاجتماعية أو الأدبيات، كالتاريخ والجغرافيا والمنطق والأدب والقصص والفلسفة والقوانين الخ. وقد عيّن له ملازم أول وثلاثة تلاميذ أول.‏

4- قلم ترجمة اللغة التركية، ويشرف عليه ميناس أفندي) وتحت أمرته أربعة تلاميذ.‏

عاشت هذه المدرسة (15) سنة، وفي زمنها الأخير بدأت تسيطر على شؤون الثقافة العامة في مصر، غير أنه صمّم على تصفيتها خلال عهد عباس، حيث نقلت عام 1265هـ إلى مكان مدرسة المبتدئان بالناصرة، فحرمت من مكانها كمدرسة للألسن.‏

-مما تقدم يتبين بأن الترجمة اتجهت في عصر محمد علي نحو خدمة المنشآت الحديثة من مصانع ومدارس وجيش- وأسطول- وإدارات، ولهذا نجد الكتب المترجمة في هذا العهد في تناولت:‏

1- الطب البشري والبيطري وما يتصل بها من علوم.‏

2-العلوم الرياضية من حساب وجبر وهندسة- وهندسة وصفية- وميكانيكا- وهيدروليكا- ومثلثات وهي نفس ما يدرس في مدارس الهندسة ومدارس الصناعة.‏

3-العلوم الاجتماعية والأدبية، كالتاريخ والجغرافيا، والاجتماع والجيولوجيا والفلسفة والمنطق الخ.. مما كان يدرس أو يترجم في مدارس الألسن.‏

وإذا دققنا النظر بقائمة الكتب المترجمة في مصر بعهد محمد علي، تبين بأنها كانت تختار من قبل واحد من هيئآت التدريس بالمدارس المصرية، أو لواحد من كبار المؤلفين عن مدرسة الطب في مصر، تقرر الرجوع إلى مصنفات الأساتذة: كلوكيه- بروسيه- الالمان- ماجاندي -روش- سانسون- وغيرهم من أساطين الطب الفرنسيين. وهذا يثبت ترجمة كتب كثيرة لأشهر مشاهير علماء أوروبا ومؤلفيها في الطب والهندسة والتاريخ والجغرافيا والسياسة والمنطق الخ... سنأتي على ذكرها فيما بعد.‏

يتبين لنا بأن رواد تلك الحقبة في عهد محمد علي أن طريق التقدم العلمي يكمن في ترجمة العلوم الحديثة إلى اللغة العربية، لذلك عملوا على بعث الترجمة وتعزيزها للمساعدة على تحديث البلاد ورفع شأنها بنقل كل جديد من الغرب. لاسيما ما هو صالح لتحقيق نهضة مصر، فكان التدريس واجباً بالعربية، فتمّ تأسيس الكليات العلمية مثل كلية الطب في القصر العيني عام 1826م التي في بادئ الأمر اختصت بالترجمة، وألَّف مديرها كلوت بك الفرنسي كتباً طبية باللغة الفرنسية للتدريس وطلب ترجمتها إلى العربية. كما ألّف أيضاً الدكتور فيجري كتاباً في النبات وطلب نقله إلى العربية، وتتالت أعمال الترجمة والتأليف بغرض التعليم والتثقيف بالعربية.‏

وخلال هذه المدة كان ينبري أصحاب الاختصاص للترجمة والتأليف إلى العربية، ومن أشهر الأساتذة العرب الذين نقلوا إلى العربية أم ألفوا بها: محمد علي البقلي- محمد الشافعي- علي رياض- محمد الدري- رفاعة الطهطاوي في الطب. ومحمد ندى في النبات والحيوان - ومحمد الفلكي ومحمد البيومي في الفلك والهندسة والرياضيات، ومن المترجمين من جمع بين التأليف والترجمة والتصحيح ومراجعة المصطلحات العلمية وتدقيقها مثل محمد عمر التونسي وإبراهيم الدسوقي، ومن المترجمين أيضاً، يوحنا عنجوري ويوسف فرعون.‏

ومن الجدير بالذكر أن هؤلاء الرواد قد وضعوا في مجال الترجمة العلمية، مصطلحات جديدة استناداً إلى الكتب العلمية القديمة التي راجعوا إليها واستنبطوا منها ما فيها من مفردات أو ألفاظ صحيحة. وقد عدل عن بعضها فيما بعد في الترجمة والتأليف واستعيض عنها بمصطلحات أخرى أكثر انطباقاً، غير أن الجهد الذي بذلوه قد آتى ثماره، لأنهم أوجدوا النواة الحسنة للغة علمية عربية الحرف والنطق. كما سهلوا الطريق إلى من جاء بعدهم لمتابعة المسيرة العلمية.‏

بدأت الترجمة هادفة القصد منها تحقيق وإنجاز مهمة، فقد صدرت ترجمة لكتب جمعت أجزاؤها من كتب كثيرة مختلفة، أو تُرجم جزء منها دون الباقي. ثم تابعت الترجمة بعيدة عن التخصص فكان المترجم الواحد يترجم كتباً لها موضوعات مختلفة، أو يترجم كتاباً في التاريخ أو الجغرافيا، وبعدها ينتقل إلى ترجمة كتاب في الكيمياء أو الهندسة أو النبات وكان تعليل ذلك إلى قلة المترجمين وإلحاح الطلبات في إنجاز المادة المترجمة لضرورة المصلحة. ولكن عندما قويت هذه الحركة وازداد عدد المترجمين، اتجهت الترجمة إلى التخصص، وعُيّن لكل قسم من العلوم في المدرسة مترجمٌ متخصص أو أكثر حسب الحاجة.‏

أما المشاركة في ترجمة الكتاب فكانت تتم حرصاً على سرعة إنجاز العمل في أقصر مدة، للكتب الكبيرة الحجم أو الأجزاء.‏

وبالنسبة للمستوى اللغوي فقد بذلت فيه العناية الفائقة عندما لوحظ الاضطراب في صياغة الجمل واختيار اللفظ، فعهد بالصياغة إلى علماء متمكنين في اللغة العربية كشيوخ الأزهر الذي سبق لهم أن أوفدوا مع البعثات لتعليم اللغة الأجنبية المراد النقل منها، والذين ساهموا إلى حد بعيد في إبعاد الترجمة عن القيود اللفظية البديعية التي بقيت قروناً طويلة تكبل النثر العربي ويعني بذلك السجع.‏

لاينكر أن الترجمة أغنت الثقافة العربية بشيء جديد بعد زمن طويل من الركود الفكري، خاصة وأنها ترافقت مع نهضة اقتصادية واجتماعية وعلمية، غير أن هذه الحركة لم يقيض لها الاستمرار بعد موت محمد علي، وإلغاء مدرسة الألسن وتشتت خريجيها وتحول المترجمين والموظفين إلى المصالح والدواوين المختلفة، واستمرت هذه النكسة مدة عهدي عباس وسعيد. ولكن هذه النهضة وإن ركدت مدة من الزمن بفعل التتريك، فإنها لم تمت، بل استؤنفت في عهد اسماعيل، حيث عاود التلاميذ نشاطهم في الترجمة وتأليف الكتب وإذا بالشجرة التي غرست في أيام محمد علي تعود لتكملة المسيرة الثقافية خلال عهد اسماعيل. ولكنها عادت إلى الركود والشرذمة بسبب الاحتلال البريطاني عام 1882.‏

ج- النهضة في بلاد الشام:‏

1- سورية: جاءت كلية الطب في دمشق التي تأسست في عام 1919م، لتخلف الومضات التي انبثقت على المستوى الجامعي في القصر العيني وفي الكلية الأميركية ببيروت حينذاك، فبدأت التدريس بالعربية منذ افتتاحها واستمرت بنشاط حتى اليوم، بعد أن تبعتها بقية الكليات العلمية باطراد ولاسيما كلية الحقوق. ولقد قامت كلية الطب بدمشق قبل الانتداب وبأمر من الملك فيصل الأول على أنقاض كلية الطب التركية بدمشق المنشئة بأمر سلطاني تركي عام 1901- والتزم أساتذتها منذ افتتاحها، بالتدريس بالعربية وبالترجمة والتأليف لرفدها وخاصة لإيجاد المصطلحات الطبية الملائمة، ويمكن القول بأنهم وفوا بالعهد ووضعوا مؤلفات قيمة بالعربية في مختلف الفروع العلمية.‏

لقد ركز هؤلاء العلماء بحثهم على إيجاد المصطلحات العلمية القديمة والحديثة لمواكبة التطور العلمي وإغناء اللغة العربية بالمفردات المعبرة حق التعبير. فبالنسبة للقديم استنبطت المصطلحات من الكتب الطبية القديمة مثل قانون بن سيناء- وكامل الصناعة- ومفردات ابن البيطار- وتذكرة ابن داود، وغيره، وبالنسبة للكتب الطبية الحديثة، فقد رجعوا إلى الكتب التي وضعت من قبل سواء في مصر أو لبنان أو في الدولة العثمانية، فأصدروا وترجموا الكتب العديدة، وجعلوا في نهاية كل كتاب جدولاً لمصطلحاته باللغة الأجنبية والعربية. وقد اشتهر منهم الدكاترة- حسني سبح- ومرشد خاطر- وأحمد حمدي الخياط- ومحمد صلاح الدين الكواكبي- وميشيل الخوري-، وقام كل من مرشد خاطر والخياط والكواكبي بإصدار النسخة العربية لمعجم كلارفيل) الطبي المتعدد اللغات الذي طبع بالفرنسية والعربية عام 1955. وبعد الانطلاقة الأولى لكلية الطب في أعمال الترجمة والنقل تتابعت دون هوادة حركة الترجمة في سائر الكليات والمؤسسات العلمية للدولة والخاصة فأغنت خزانة المكتبة العربية بالكتب الكثيرة المتنوعة مما أتاح للمواطنين وطلاب المدارس والجامعات الاتصال ومواكبة تطور العلم والمعرفة، خاصة بعد أن زخرت بطون هذه الكتب بالمصطلحات والمفردات المبثوثة أو المبتكرة أو المشتقة أو المعربة أو الحديثة.‏

ولابد من ذكر هذه الكليات التي تتابعت بنجاح في تدريس اختصاصاتها العلمية باللغة العربية، مثل: كليات الطب الأخرى- كلية طب الأسنان- كلية الصيدلة- كلية البيطرة- مدارس التمريض- وكليات الهندسة بأنواعها: المدنية والمعمارية والميكانيكية والكهربائية والنفطية والزراعية. وكليات العلوم بأقسامها: الرياضيات والفيزياء والكيمياء والجيولوجيا والنبات والحيوان بالإضافة إلى العلوم الاجتماعية والإنسانية كالفلسفة وعلم النفس وعلم الاجتماع وعلم السكان والاقتصاد والحقوق والتجارة والمحاسبة التي تدرس في كليات الآداب والحقوق والاقتصاد والتجارة. هذا بالإضافة إلى المعاهد الفنية أو الحرفية العديدة.‏

النهضة في لبنان:‏

فيما كانت مصر تنعم بالاستقرار السياسي والنشاط العلمي، وكان لبنان في ظل حكم الأمير بشير الثاني، الذي امتد من عام 1789م-1840م- يترنح بسبب الفتن والاضطرابات، وكان هذا الأمير في صراع مستمر مع مناوئيه في الداخل والولاة العثمانيين في الأطراف، وفي ظل ذلك الاضطراب لم يكن للحركة الثقافية أن تنشأ أو تزدهر، حيث لابد لازدهار الثقافة من الاستقرار. السياسي والأمني، وهذا لم يكن متوفراً في ذلك الوقت.‏

غير أنه في غمرة ذلك الاضطراب كانت الإرساليات الأجنبية في لبنان ساعية في إنشاء المدارس، وقد أحدث وصول المرسلين الأميركيين البروتستانت(42) إلى لبنان ومباشرتهم بتأسيس المدارس والدعوة لمذهبهم هزّة لدى الإرساليات الكاثوليكية، واحتدمت المنافسة بين الجهتين وتميزت بطابعها العملي وبتوخي الغلبة في مجال العلم من جهة وإثبات الطرق العلمية الخاصة بكل منهما. إن أول مدرسة أقامها الأميركيون كانت في بيروت عام 1835م، وبعد خمس سنوات تنبهوا إلى ضرورة فتح مدارس إرسالية في الجبل، فأسسوا في قرية عبيّة وسوق الغرب وأخيراً في بيروت. وبالمثل أقام اليسوعيون، بعد عودتهم إلى لبنان عام 1831م ، المدارس والأديرة في عين تراز وبكفيا وزحلة وبيروت وغيرها. غير أن الحوادث الطائفية عام 1860م أدت إلى هجرة الكثيرين إلى الخارج وخاصة إلى مصر وأميركا وإلى الساحل وبيروت.‏

كما أن الترجمة وإن ركدت خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر بسبب الاضطرابات فإنها شهدت تحولاً كبيراً خلال النصف الثاني منه، سواء في الإنتاج العلمي أو النقل، وكان العامل الفاعل لهذا التحول هو: انتشار المدارس والصحف والمجلات، التي اعتمدت على الترجمة فتعاظم دور الترجمة في إصدار الصحف والمجلات خاصة لنقل الأخبار السياسية والحوادث والنزاعات المستقاة من جرائد الغرب أو من المحيط. فأصبحت هذه الجرائد والمجلات أكثر صلة بمجلات الغرب، فنقلت الكتب والمقالات الأدبية والطبية والفلكية والاجتماعية، وأخبار المخترعات والمكتشفات الآثارية والنوادر الطبيعية والقصص القصيرة والطويلة المتسلسلة.‏

إنه ضيق رقعة لبنان وقلة عدد سكانه وضعف مواردهم وسياسة القهر الذي مارسها المستعمر العثماني حال دون إمكان استغلال هذه الانطلاقة الواسعة في لبنان، فقد هاجرت منه الصفوة المثقفة إلى مصر وشاركت المصريين في بناء نهضتهم الثقافية والحضارية.‏

ولابد من ذكر كبار المترجمين في هذه الحقبة الزمنية مثل:‏

أحمد فارس شدياق في -الجوانب الآستانة)، وفرح أنطون في- اتالا-نيويورك) ويعقوب صروف وجرجي زيدان في المقتطف والهلال القاهرة)، وإبراهيم يازجي، ونجيب الحداد وطانيوس عبدو بطرس البستاني في الجنان- وعزيز علي في جمعية العهد- ونجيب عازوري في عصبة الوطن العربي وفي مجلة الاستقلال العربي، وغيرهم الكثيرون الذين تنقلوا بين بيروت ودمشق والقاهرة، حيث كان يتمركز فيها غيرهم من الأعلام البارزين.‏

د- النهضة في الأقطار العربية الأخرى:‏

في الوقت الذي به كان الجهد منصرفاً في الشام ومصر إلى تعريب الكتب والتعليم وتعريب علم الدوائر والمؤسسات والترجمة إلى اللغة العربية عن اللغات الأجنبية، كان السعي في أقطار عربية أخرى إلى التمسك باللغة العربية والحفاظ على وجودها ومناوئة سيطرة اللغة الأجنبية عليها مثل تونس والجزائر والمغرب وبعد أن أخذ المستعمر الفرنسي بسياسة الادماج والفرنسة.‏

غير أن التمسك باللغة العربية كان جزءاً لا يتجزأ من التمسك بالأرض والحرية والاستقلال، وكان هذا الشعور المتوقد هو العامل الذي أذكى جذوة الكفاح الوطني لإحباط محاولات الاستعمار في إضعاف منطلقات اللغة العربية وإضعاف الشخصية الوطنية والذات العربية.‏

ففي تونس تصدى أساتذة الجامعة وطلابها لحماية التراث العربي والعمل على تقليص التبعية الثقافية بشكل متدرج يتوافق مع التخطيط التعليمي وحركة الترجمة، ومع تواكب النهضة العلمية المعاصرة، سواء عن طريق إنشاء جمعيات ثقافية قومية مثل الجمعية الخلدونية وجمعية قدماء الصادقية وغيرها التي توخت نشر مبادئ العلوم الحديثة بين الشباب بلغة عربية. أو عن طريق فتح مدارس حرة تدرس باللغة العربية. مما اضطر سلطات الاستعمار إلى تعميم برامج المدرسة الصادقية بفتح أقسام موازية لها بالعربي في عدة معاهد ثانوية حتى في المدرسة التي هي معقل التعليم الفرنسي. غير أن حركة التعريب كانت تفتقر إلى منهاج أكثر تنظيماً ودقة، ولربما كان يشفع بذلك ظرف النضال الوطني من أجل التحرر. وبالتالي ومع بداية الاستقلال اعتبرت اللغة العربية بنص الدستور لغة التعليم الرسمية.‏

أما في المغرب، الذي قضى أربعين سنة تحت الحماية الفرنسية، أمكن الحفاظ على اللغة العربية رغم جهود السلطات الفرنسية بفرض لغتها في الإدارات والمعاهد التعليمية، فثابرت جامعة القرويين على نشر العلم. وتدريس برامجها باللغة العربية في جميع معاهدها ومدارسها الابتدائية والثانوية. أما بعد الاستقلال فقد وضعت المغرب خطة لإصلاح التعليم بتعميمه خاصة في مجال الآداب والحقوق والعلوم الاجتماعية وغيرها باللغة العربية.‏

النهضة في الجزائر:‏

تعرضت الجزائر إلى استعمار شرس دام مائة وثلاثين سنة مارس خلالها سياسة تقوم على نشر الفقر والجهل وطمس الهوية الجزائرية، ولكن باءت هذه السياسة بالفشل، لأنها لم تكن واقعية بل إملائية تعارضت مع الجذور الوطنية للشعب الذي لم يخمد أواره في مقاومتها منذ أن تفتح وعيه، ولأن المثقفين المتمسكين بعروبتهم وأصالتهم وكذلك مختلف الجمعيات الوطنية التي تكونت مع الزمن في الجزائر لم تخمد في مقاومة خطط المستعمر، وبث الروح النضالية والوطنية في نفوس الشعب إلى أن انتصرت الثورة. وتحقق نيل الاستقلال عام 1962م وأصبح المجال واسعاً لنشر التعليم وتعريبه. فمنذ ذلك التاريخ والجزائر تسير قدماً وبدون هوادة في تعريب التعليم بمختلف مراحله وتسعى جاهدة لتأمين جميع احتياطات الدولة والشعب من مدرسين وكتب عربية مؤلفة أو مترجمة.‏

النهضة في العراق:‏

لم تصل خطة تعريب التعليم في العراق إلى نفس المستوى الذي وصلت إليه كل من مصر وسوريا ولبنان رغم الجهود المبذولة، ويعود ذلك إلى الاحتلال البريطاني. غير أن الجمهورية العراقية اتخذت عام 1976م قراراً بتعريب التعليم العالي بشكل كامل، ورسمت خطة متكاملة بأحداث الهيئات التعليمية الاختصاصية التالية:‏

الهيئة العليا للتعريب- مركز التعريب بوزارة التعليم العالي- والبحث العلمي- اللجان الجامعية للتعريب- الهيئات العلمية في الأقسام- لجنة المناهج العلمية(43) ، كما أحدثت وزارة الإعلام دائرتين إحداهما للتعريب والثانية للتعجيم، كما أصدرت عام 1977م قانون المحافظة على التدريس باللغة العربية.‏

وفي الأقطار العربية الأخرى كليبيا- والسودان والأردن والمملكة العربية السعودية والكويت وسائر دول الخليج العربي تبذل الجهود الصادقة لاستكمال تعريب التعليم بكل اختصاصاته ودرجاته، لأن كل خطوة يخطوه كل بلد عربي في تعريب التعليم ولاسيما التعليم الجامعي، تستدعي العناية الكاملة بترجمة الكتب المنهجية وامهات المراجع العلمية والثقافية وكذلك أهم البحوث والدراسات التي تحتوي على آخر ما توصل إليه العلم والتكنولوجيا لتكون بين أيدي المدرسين والدارسين والطلاب.‏

إن التأليف المستند على التعريب والترجمة يسيران جبناً إلى جنب، فالأول تأصيل والثاني تحديث، وكلاهما مكمل للآخر.‏

(1) انظر قول فولتي في تاريخ آداب اللغة العربية، لزيدان، الجزء الرابع ص370. وراجع أيضاً قول هوارتس في تاريخ العرب جـ2-ص157.‏

(2) راحع: لويس شيخو، الطائفة المارونية والرهبانية اليسوعية في القرن 16-17- والأب يوسف نصر الله في مجلة المسرة، السنة34، عام 1948) الجزء السابع.‏

(3) المرجع نفسه.‏

(4) إن يوحنا الحصروني- وبطرس مخلوف- وجبرائيل الصهيوني- جميعهم من تلامذة المعهد الماروني الروماني.‏

(5) راجع الأب نصر الله، ومجلة المسرة الذي أورد عدداً آخر من الكتب المترجمة عن اليونانية.‏

(6) المرجع نفسه بالإضافة إلى مطابع الملكيين في المسرة- 34عام 1948م جـ7- ص437-462. وكتاب حركة الترجمة في عصر النهضة ل. زيتوني -13-20.‏

(7) لقد بلغ مجموع ماترجم في لبنان 31 كتاباً، وماترجم أيام محمد علي 19913 كتاباً. انظر جمال الدين الشيال: تاريخ الترجمة والحركة الثقافية في عصر محمد علي. وراجع أيضاً جرجي زيدان: تاريخ آداب اللغة العربية جـ4-‏

(8) راجع ابن النديم: الفهرست ص352.‏

(9) راجع الفهرست لابن النديم طبعة القاهرة ص338 ومابعد.‏

(10) المجوس: كلمة إيرانية الأصل، كان فيها الكثير من المجوس وعددهم كثير غير أنها كادت تنقرض بعد استيلاء المسلمين على -فارس- وقد وردت في القرآن الكريم غير مرة وقد تركت بعض الآثار في الحركة الإسلامية حينذاك راجع الموسوعة العربية ص1653. وتطلق عامة على اتباع الديانة الزرادشتية.‏

(11) الثنوية: معناها في اللاهوت الاعتقاد بعدم الخير والشر معاً، كالعقيدة الزرادشتية وبالنور والظلام كمبدأين للعالم الموسوعة العربة والموسوعة الفلسفية).‏

(12) الدكتور عمر التومي الشيباني: مساهمة الإسلام في تطور التعليم العالي -ص40-41.‏

(13) حاجي خليفة: في كشف الظنون ص679- ابن أبي أصيبعة في عيون الأنبياء ج1- 123‏

(14) ابن النديم: كتاب الفهرست ص153-154. وص 124‏

البرقوقي: الخوارزمي العالم الفلكي الرياضي. ط1964-ص9-78.‏

- شحاده خوري: الترجمة قديماً وحديثاً ص36-37.‏

(15) صاعد الأندلسي: كتاب طبقات الأمم ص47- ابن النديم: كتاب الفهرست ص 352‏

(16) ابن أبي أصيبعة: عيون الأنباء في طبقات الأطباء ص260-‏

(17) الطبري تاريخ مختصر الدول ص 134-138.‏

(18) ابن النديم: كتاب الفهرست. ص355-357.‏

(19) الصائبة: قوم كان يسكنون حرّان بين النهرين وكانوا يعبدون الكواكب.‏

(20) سيغريد هونكه: كتاب، شمس العرب تسطع على الغرب) منشورات دار الآفاق الجديدة في بيروت الطبعة الخامسة- 1981-ص124.‏

(21) حسان بن ثابت بن قرّة: كان أديباً فاضلاً، عالماً بعلم الهيئة ماهراً بصناعة الطب -توفي ببغداد عام 653م-231هـ حسب الفهرست لابن النديم.‏

-يحيى بن عدي: أبو زكريا يحيى بن عدي المنطقي التكريتي، مذهبه نصراني يعقوبي طبقات الأطباء) توفي عام 974م.‏

-أبو علي عيسى بن زرعة: نصراني يعقوبي وهو أحد المتقدمين في علم المنطق وعلم الفلسفة وهو من النقلة المحورية الأساسية ولد ببغداد عام 942م ونشأ فيها وتوفي عام 1007م.‏

-مادة هذا البحث مستقاة من أماكن متفرقة من ضمن المصادر التالية: الفهرست لابن النديم تاريخ الحكماء للقفطي، كشف الظنون لحاجي خليفة، وعين الأنباء لابن أبي أصيبعة.‏

(22) ابن سيناء 980-1037) فارسي فيلسوف وطبيب وقد نقل اسمه إلى اللاتينية فكان Avicenna وهو أكثر الفلاسفة أصالة له كتابه المشهور الشفاء).‏

(23) محمد بن زكريا الرازي: ألفّ كتباً كثيرة وقد اشتهر في علم الفلسفة والطب. وظل الرازي في أوروبا حجة في الطب غير منازع حتى القرن 17. ولقد ترجمت كتبه إلى اللاتينية.‏

-دائرة المعارف الإسلامية.‏

(24) الجبرتي ج3- ص165-196 وأبو ديف كما يدعى بالعربية ) وهو تاجر فرنسي مقيم في القاهرة، كان يعرف اللغة العربية، فقد استعان به رجال الحملة في أعمال الترجمة: راجع :‏

Histoire Scintifique et Militaire De L'expédition Fr-en égypte.‏

(25) ترجم جوبير جغرافية الشريف الإدريسي نزهة المشتاق) إلى اللغة الفرنسية في مجلدين وطبعت في باريز عام 1836-1840 راجع لويس شيخو ج1- ص66. وانظر أيضاً الجبرتي ج3- ص123-125-130-134-139 وانظر أيضاً مجمع التحريرات) فيما جرى من أعلام ومحاكمة لسليمان الحلبي ص13-47-57. راجع أيضاً مجمع التحريرات.‏

(26) راجع جرجي زيدان في التمدن الإسلامي ج3- ص147 وما بعد. وراجع أحمد أمين في فجر الإسلام ص 195-196 وضحى الإسلام ج1-ص 263-273. وراجع تراث الإسلام في مواضع كثيرة.‏

(27) الجبرتي: ج3-ص30، انظر مجمع التحريرات- وراجع الرافعي: تاريخ الحركة القومية‏

ج1-ص119-120.‏

(28) راجع كانيفيه ص6، وانظر يوسف جبرا: تاريخ دراسة اللغة العربية بأوروبا ص 27-28 والرافعي ص140، المرجع السابق. وانظر الأب شيخو في: المخطوطات العربية ص 109.‏

(29) راجع الجبرتي: ج4- ص254 و ج3- ص145-149-88-189، وراجع أيضاً مراسلات نابوليون الأول 4-ت ص385_ وبشانلي ص 245-246-247.‏

(30) انظر الجبرتي: ج3-ص38 و 73، ونقولا الترك الذي ذكر عن الحملة الفرنسية، في مصر.‏

(31) تولى كثيرون من أسرة فخر مناصب الترجمة والقنصلية للدول الأوروبية في مصر، ومنهم يوسف باسيل فخر الذي كان قنصلاً للروسيا في مدينة دمياط في عهد محمد علي.‏

(32) الجبرتي: ج3-ص159- وميخائيل يزبك في تاريخ الشام ص1074- وقد ألف أيضاً ميخائيل الصباغ كتباً كثيرة في باريز، ترجمها إلى الفرنسية ده ساسي) وأهمها مسابقة البرق والغمام في سعادة الحمام، ونشره ده ساسي في عام 1805م وقد كان عنوانه بالافرنسية‏

La colombe messagere plus rapide que l'éclair plus pronpte que la nue‏

texte arabe traduit par de -sacy-)‏

(33) انتقلت الحضارة الإسلامية إلى أوروبا بواسطة الترجمة) عن ثلاثة طرق مهمة وهي:‏

آ- اتصال الأوروبيين بالمسلمين في الأندلس ومملكة الصقليتين.‏

ب- بواسطة التجارة.‏

ج_ بواسطة الحروب الصليبية.‏

(34) راحع أحمد أمين: فجر الإسلام ص195-196 وضحى الإسلام ج1- ص263-273 راجع تراث الإسلام في مواضع كثيرة. وراجع أيضاً جرجي زيدان : تاريخ التمدن الإسلامي ج3- ص147-162.‏

راجع فريديريك -ك2- في فصول كثيرة منه وخاصة المتعلقة بالجامعات الإيطالية.‏

(35) راجع الخطط التوفيقية ج15- ص5، عزة عبد الكريم: المرجع السابق ص360-361-362-368 عن وثائق عابدين.‏

(36) الخطط التوفيقية: ج9-ص41 عزة عبد الكريم: المرجع السابق ص369، عن وثائق عابدين‏

(37) انظر رفاعة مناهج الألباب ص251-260.‏

(38) لعله أحمد أفندي خليل الذي تولى نظارة مدرسة المدفعية وقد قام بترجمة الكثير من الكتب.‏

(39) عزت عبد الكريم: المرجع السابق ص388- عن وثائق عابدين.‏

(40) كتاب لامبير عمر طوسون- البعثات ص30/هامش1/ كانت هذه القرية تتكون من المدرسة ومن بيوت التلاميذ ومساكن منفردة لأركان الحرب وهي تبعد مسافة 400) متراً عن المعسكر العام وكانت مبنية على الطراز الأوروبي.‏

(41) راجع- تاريخ الترجمة في مصر في عهد الحملة الفرنسية وعهد محمد علي- جمال الدين الشيال ص24-28.‏

(42) أول من قدم منهم إلى لبنان القس اسحق برد والقس وليم غودل عام 1823- ولكنهما اضطرا إلى مغادرة لبنان نحو سبع سنوات ثم عادوا إليها واستعادوا نشاطهما، راجع حقي بك ج1-‏

ص354-472.‏

(43) الترجمة قديماً وحديثاً- شحادة خوري- دار المعارف- تونس ص85-87.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244