|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:54 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
قواعد
الترجمة
عام: بقيت الترجمة
إلى عهد قريب قطاعاً مجهولاً، ولكونها ثابتة على تقاطع العديد من علوم اللغات
الألسنية)، من منطق وفلسفة وتربية وعلوم وثقافة الـ.... لذلك توزعت مشكلاتها على
عدة اتجاهات، ولم تدرس ككل وبصورة مستقلة، وأهملتها هذه العلوم لضعف التواصل
والاتصالات فانطوت في زوايا النسيان، حقبة مديدة من الزمن رغم أهميتها. فإذا عدنا
بذاكرتنا إلى الوراء نجد أن التاريخ شهد حركات ترجمة قديمة وحديثة، كما شهد نشوء
بعض المدارس للترجمة منذ زمن بعيد، غير أنه لم يترك لنا أية نظرية معمقة ومفصلة في
فن الترجمة أو حتى دراسة شاملة لقواعدها ومشكلاتها. ومع ذلك لإنعدام أفكاراً
وملاحظات عابرة ومقتضبة وإشارات صدرت عن بعض الكتاب الذين ولجوا هذا الفن والذين
أشاروا على ما صادفوه من صعاب وإلى ما ابتكروه من أساليب. نذكر منهم على سبيل
المثال Ferdinand de saussure, هيرودوث- لوكريس- رينان- Sauvager- francois thurot مارتينيه- Weinreich-الخ. كما أن قواعد كل لغة
لها صلة وطيدة بعلم اللغات الذي يعتبر حديث العهد، والذي تولد في أوائل القرن
الثامن عشر، حتى أن مصطلح هذه الكلمة ولابد من ذكر أهم
القواعد التي ترتكز عليها الترجمة: 1-الاستيعاب الكامل لمضمون النص. 2- أهلية المترجم. 3- التخطيط والتنسيق. 4-الأسلوب. 5- الإبداع والدقة. 6- تعادل زمن الأفعال في اللغتين. 7- اللفظ والتراكيب. 8- المصطلح وحسن اختياره. 9-مواكبة مستوى اللغة المترجم منها في الإنشاء وانتقاء المفردات. 10-حرفية الالتزام بالترجمة مع التمكين دون الخروج عن الأصل. 11- أثر الترجمة. أولاً-
آ- الاستيعاب الكامل لمضمون النص:
إن العامل الأول
والضروري في كل ترجمة هو قراءة النص بكل انتباه ودقة حتى النهاية، ومثل هذا الأداء
يمكن من الوقوف على تدرج فكرة المؤلف وعلى كنه أسلوبه ومفرداته فإذا صادفت الغموض
في بعض الكلمات، راجع القراءة مجدداً وبعمق لتفهم المفردات الغامضة وللتمكن من
ربطها مع باقي الجملة أو النص المطلوب ترجمته. استخدام القاموس بكل
انتباه، هو يحوي مقابل الكلمة المطلوب ترجمتها أكثر من مرادف واحد، لذلك ينبغي
انتقاء الكلمة المنسابة بالمبنى والمعنى للكلمة المطلوب ترجمتها. إن أفضل ترجمة هي
التي تمكن من الوصول إلى معنى النص الحقيقي المترجم من حيث الجوهر والمبنى وضمن
الحدود التي تسمح بها مهارة اللغة المطلوب ترجمتها، وإن مراعاة الأفضلية في
الترجمة تستدعي نقل الفكرة الصحيحة الكاملة، والرجوع إلى الصيغة الأقرب إلى اللغة
الأساسية، وفي الوقت الأكثر تطابقاً مع اللغة الأخرى. إن الكثير من الكلمات
تغير المعنى في النص المطلوب ترجمته، لذلك يجب ترجمتها حسبما توحي إليه، مثال على
ذلك: (1) il lui a fait mal (2) il lui a fait du mal فهاتان الجملتان لهما
معنيان مختلفان، ففي الجملة الأولى فإن كلمة Mal تعني الألم
وترجمتها هي آلمه)، بينما في الجملة الثانية Du
mal تعني الضرر) وترجمتها أضره). وأيضاً في تقابل
المهارات والخصائص بين لغتين نأتي بمثل بين العربية والفرنسية: -فاللغة الفرنسية باعتبارها لغة منطقية وعقلية،
هي مجردة -بينما اللغة العربية مثل جميع اللغات السامية، هي واقعية ملموسة، عندما
يقول الفرنسي Quantite` des gens sont venues يترجمها العربي Adjectif بجملة واحدة:
واقعية: أناس كثيرون قدموا) -فهنا الاسم الموصوف المجرد لكلمة Quantite بالافرنسي، قابله
بالعربي صفة واقعية وهي كلمة كثيرون). مثال آخر في سياق
الأفكار: تستخدم اللغة الفرنسية الظرف Adverbe بينما يفضل في
اللغة العربي استخدام الحال) Objectif modal والمفعول المطلق، Complement
absolu أو أي عبارة مناسبة تعود غالباً إلى فعل Verbe من نفس مصدر الظرف
أو تبديله بنعت أو اسم يدل على حال: مثال -كان يأكل متمهلاً حال)Il mangeait lentement . -لقد أكل كثيراً المفعول المطلق il a
baucoup mangé). هنا نجد الكلمة
المجردة مثل الظرف فقد عُوضّت بعبارة ملموسة. لذلك بالعربي يفضل
غالباً استعمال الصيغة المعرفّة بينما في الافرنسي يفضل المبهمة مثال: خصص لهذا
البناء الأموال الطائلة: Il consacra cette constructian des sommes considerables . -ترنو الفرنسية إلى الوضوح، خلافاً للصيغة بحد ذاتها، ولهذا فهي
تكتسب الصفة التحليلية الإعرابية Analytique وهذا ما ميزها
كلغة ديبلوماسية، بينما العربية تصلح للتأليف والتركيب. -إن الفرنسية هي Parcimoniene أي شحيحة ومقتّرة،
وغير متسعة، بينما العربية هي رحبة ومتسعة، تتقن الأزمان في النحو والصرف، وتفخم
الكلام. -غير أن تلك الطريقة ليست مضطردة ففي الكثير من الأوقات تستعمل
الفرنسية الجمع بالوقت الذي تستعمل العربية المفردة مثل- فرن مقابل Boulangerie التي قد تشمل أكثر
من فرن- ثم رياح الإصلاح وأجواء العمل مقابل L’atmosphere
du travail le vent de la reforme أي ريح الإصلاح وجوّ
العمل. -فالعربي يميل إلى التكرار في كلمة صيغة، ويستعمل الكلمات
والعبارات المرادفة تقريباً، والعبارات المتماثلة الصوت Homophone لتعزيز الفكرة
وتقويتها، بينما في الفرنسية تبرز الصيغة مرفقة بظرف أو صفة مثال: -الانضباط التزام واع تماماً La discipline est
un engagement -إنها وهاجه ملتظية Pleinement conscient, elle est
brulante d’ardeur في الفرنسية حسب المفهوم الديكارتي، يتصرف غالباً حسب سلسلة أحرف
جر تابعة ومرتبطة ببعضها الديكارتي وبحرف جر رئيسي، بينما يفضل بالعربية استخدام
الجمل المعطوفة التي تسبق الشكل المتتبع مثال: سئم نقاشهم بعد أن Il les quitta et le soir étant tombé ennyé par leur
discussion participale- proposé plus tard -في الفرنسية فإن الجملة مع DوE مثل Plus
tard و Proposé هي مشتركة Participale بينما في العربية
بين الثلاث جمل C-b-a هي علاقة تضامن. -في الفرنسية تستخدم علامات الترقيم لغاية الوضوح أو كشف الموضوع،
ولكن في العربية الكلاسيكية لاتعرف مثل تلك الشارات، وتعوّض باستخدام حاذق لأدوات
الوصل أو الدعم أو الظرف . -مثال: -النشيط ينجح أما الكسول فيخفق -لا تكلمه فهو نائم ne lui parle pas, il dort. هذه بعض الخصائص
الأكثر صلاحاً في خطوطها الوجيزة، قد يكون البعض منها أكثر تأثيراً أو موافقة لدى مقارنتها بين العربي والفرنسي. أما
الخصائص الأخرى ستأتي مع رابطتها. أما مثل هذا الفرق في
بعض الخصائص بالنسبة لللغة الانكليزية نأتي على ذكر البعض منها. في اللغة الانكليزية
لا تسير الفكرة في الترجمة على نفس المسار الذي تسير بموجبه اللغة الفرنسية. مثلاً
بالانكليزية تبتدي الفكرة بحركة He swam) وهي بحد ذاتها
مفهوم ملموس يفسره الفعل، كما أن مركز هذه الحركة تابع لجار ومجرور Across)، أما في اللغة
الفرنسية فإنها تسبق الحركة إلى مفعول زمني Comp. Circonstanciel فتنتقل بشكل مجرد. ولكن عندما تعني
الكلمة الغرض) فإنها تبقى غير موصوفة ودون مفهوم، مثلاً في الانكليزية تشمل كلمة River معنى نهر وساقية)
بآن واحد، ولهذا يعتمد السيد جوردان) في ترجماته على التفصيل، حيث يعتقد أن كل
جدل يتعلق بالترجمة يجب أن يعوّض أو يعالج بالتفاصيل، ومنه يمر إلى الكل، ومن
العملي إلى النظري. التقيد
بنص الأمثال.
إن الأمثال هي وسيلة
تعبيرية مفضلة تتخللها الحكمة وتمكن من غور النفسية ومن الإجابة المتقضبة على فكرة
ما، بشكل متطابق ومؤثر ومفسر بأن واحداً، ولكن التقيد بالنص، فهي تنقل نفس الفكرة
من لغة إلى أخرى، كما أنها على جانب عظيم من الفائدة والذوق وفي جميع اللغات
تستخدم الأمثال بأكبر عدد منها، غير أنه ما يتميز في الترجمة هو النقل المقيد
والدقيق والمتكامل للفكرة من اللغة المترجم منها، ولكن في ترجمة ونقل الأمثال لابد
من توافر التطبيق كقاعدة خاصة. بالحقيقة يصعب في الأمثال بأشكالها تحويل النص أي
ترجمته كما هو إلى اللغة الثانية بنفس الاقتضاب -أو الصورة- أوالإيقاع الخ.... وأفضل طريقة لترجمة
مثل ما) إلى اللغة الأخرى هو أن تترجمه بمثل آخر متواز تماماً وإذا تعذر ذلك،
يلجأ إلى ترجمته كسائر النصوص، شريطة التقيد بعمق المعنى وبقدر الإمكان في
الصياغة. ثانياً-
ب-أهلية المترجم:
إن المترجم صوت لا
يخرس صداه، ولكنّ صاحبه لا يبرز كالمؤلف، كونه الواسطة أوالوسيط بين طرفين، يحمل
إلى الواحد أو الجمهور رسالة الآخر، ولكن هل يمكن للمترجم أن يكون مبدعاً، وهي صفة
يتوجب توفرها لدى المؤلف والشاعر والأديب، والجواب نعم يمكن للمترجم أن يكون
مبدعاً في اختصاصه عندما يكون متمكناً من اللغتين أو أكثر ومتعمقاً في المعنى
والمبنى، وقادراً على تطابق المعنيين بدقة وتصور مبدع ولغة فصيحة ومتقدمة. يقول الشاعر الفرنسي
الكبير "الفونس دي لامرتين" في قصيدته الشاعر المحتضر) "يمكن
تشبيه الشاعر بالطيور العوابر، لا تعشش على الضفاف ولا تحط على أغصان الغابة؟
وإنما تهدهد نفسها على متون الموج، ثم هي مغردة على بعد من الشاطئ، فلا يعرف الناس
من أمرها غير ما يسمعون من صوتها[2]). وهكذا الترجم الذي
يخرس صدى صوته. فهو وإن كان قادراً على الإبداع فهو لا يستوي مع المؤلف لكونه ينقل
خيال وتصور وبداهة وإبداع غيره، ولا يتعدى إبداعه مضمون اختصاصه. فإن وجب له
اعتراف، أو حق له تقدير فهو شكر على واجب مشمول بإطار اختصاصه. غير أن اتساع نطاق
حركة الترجمة في الوقت الحاضر، بفضل حاجة البلاد إلى الأخذ بأسباب النهضة في شتى
الميادين العلمية والثقافية، دعا إلى ظهور الكثرة من المترجمين، فوفر شيئاً غير
قليل من التقدير للمترجم القادر في هذا الفن قد يرضى صاحبه. ولذلك من شروط أهلية
المترجم: 1- أن يكون متعمقاً في جميع خصائص اللغة العربية من صرف ونحو
واشتقاق ومفردات وغيره، ومتقناً ومتعمقاً لللغة الأجنبية المراد الترجمة منها من
أفعال وأزمان وصور وغيره. 2- الأمانة في الترجمة والنقل. 3- الإحاطة بعلوم الحياة الأخرى إلى درجة حسنة. 4-القدرة على نبش حقيقة المعنى المطلوب وإيجاد المصطلح الموافق،
والتمحيص والتدقيق في صبر وطول أناة. 5-القدرة على التنسيق والربط بين المعاني والجمل. 6-القدرة على التعبير عن معنى الكلمة الأعجمية بكلمة عربية مطابقة
نصاً وروحاً. والمترجم الحق هو من
يلزم حدود الشروط التي تقيد المؤلف الذي يترجم منه. فتخرج ترجمته صورة صحيحة
وصادقة للنص الأجنبي[3]). وإذا كان الوطن
العربي يحتاج حالياً إلى حركة ترجمة نشيطة وفعالة، مثل الترجمة العلمية والأدبية،
وليس سواها، فهذا النوع من الترجمة يتطلب من المترجم أن يكون متقناً اللغة
العربية: صرفها ونحوها واملاءها وملماً ببلاغتها وبيانها، وأن يكون متقناً اللغة
الأجنبية التي يترجم منها، بل من الأفضل أن يكون متقناً أكثر من لغة كيما تكون
خبراته أوسع ومقارنته أفضل، أما الميزة الإضافية الأخرى للمترجم هي أن يكون مختصاً
في موضوع الكتاب الذي يترجمه. يتصدى كثيرون للترجمة،
فمنهم من أحسن وأجاد ومنهم من فشل وقد لا يزيد ذوو الكفاءة العالية والمقبولة أكثر
من 50%. وإن الرغبة الشخصية للمترجم في ممارسة الترجمة والانصراف إليها والمثابرة
عليها هي سر النجاح فيها، كونها إنتاجاً فكرياً يداني التأليف والإبداع، خاصة
عندما تكون رغبته صادقة وجموحة ليس فيها إكراه أو طمع أوخجل. إن المترجم المثقف
الذي لايعيش عصره الثقافي، لا يؤمن بالتواصل بين الناس ولا يتمتع بفكر نير متفتح
ومبدع فهو ليس مثقفاً ولا يستطيع أن يكون مترجماً، أومؤلفاً حتى ولا قارئاً
مكتسباً، لذلك مع المعطيات المعلوماتية المتزايدة في هذا العصر، ومع سرعة الاتصال
والمواصلات بين الشعوب لابد من إعطاء العناية اللازمة لتدريس اللغات في البدء من
الرحلة الابتدائية ومن ثم المتابعة حتى نهاية المرحلة الجامعية لتوفر الشروط
للمواطنين ولمواكبة العصر، وللنّابغه منهم اتباع أي ميدان من ميادين المعرفة. وهذا
لعمري ما أدركته الحكومات في وطننا العربي وباشرت بتنفيذه منذ زمن غير بعيد. ثالثاً-
ج- التخطيط والتنسيق:
إن التنسيق والتخطيط
في الترجمة يرتكز على المنطق اللغوي للمترجم، فاللغة ليست سوى للتعبير عن
المعاني، ومظهراً من مظاهر العقلية للشخص، فإذا كان التفكير صحيحاً وسليماً كان
التعبير عنه كذلك، مادام صاحبه يجيد التعبير ويتقن اللغة. أما إذا كان التفكير
فاسداً كان التعبير عنه فاسداً أيضاً. ولكن يبدو أن منطق اللغة هو أكثر عمقاً من
ذلك، لوجود تفاعل ومعادلة بين اللغة والتفكير، فاللغة المنظمة تعمل في تنظيم الفكر
والفكر المنظم يعمل في تنظيم اللغة، كما أن المتكلم إذا تحدث باللغة الفرنسية أو
الانكليزية خضع لمنطقها وطرق تفكيرها، كما يخضع لاختبار كلماتها وأساليبها وكيفية
التنسيق لموضوعه، مع روح المعنى والنص المطلوب ترجمته. وإجمالاً على المترجم أن
يحاول بأن يكون فرنسياً أو انكليزياً أو غيره مثلاً في تفكيره كما هو في لغته. أما القاعدة التي
يمكن استخلاصها من مسار التنسيق والتخطيط هي عدم وجود طرق وقواعد محددة بصورة
مطلقة وذات مرتكز في جميع حالات الترجمة. فالترجمة ليست مطلقة تسري ضمن قاعدة
واحدة على جميع أنواعها، لأن حركة الترجمة هي عالمية وفي أوسع الحدود ولها أنواع
كثيرة، ولذلك لا يترجم بنفس الطريقة أو المفهوم: الشعر- الرّواية- الفيلم- الترجمة
الارتجالية- الترجمة الكتابية- النثر- القصة الخ.... ولكن مايجب ذكره هو
أن سوسير Saussure صاغ بكل وضوح وبشكل
تخطيطي للجمل والبيانات اللغوية والعلاقات الثابتة التي تشترك فيها الإمارات
اللفظية سواء على الصعيد التركيبي أو المثالي. ومثل ذلك استحق أدمون كاري) أحد
الاعتبارات السامية، عندما بحكم مهنته، لاحظ عن طريق مطالعاته الكثيرة، أنه لابد
من التمييز بين اللغة الشفهية واللغة المكتوبة وصيغة كل منهما فوجد في الحالتين أن
الصيغة الشفهية هي المتقدمة على الصيغة المكتوبة، كما أنها تخضع أيضاً إلى قواعد
فيها بعض الاختلاف عن المكتوبة. وبما
أن الترجمة تتعلق بخواص انتقال المعنى من لغة إلى أخرى، فلا يجوز للمترجم التصرف
الخاص، أو التحديد غير المطابق عندما تعترضه الصعوبة في إيجاد المصطلح المناسب. بل
عليه تخطيط الموضوع وتنسيقه ثم ترتيبه إلى أفكار متسلسلة ومترابطة، كما عليه أن
يعرف الخطوط البنيوية التي تربط اللغتين ببعضهما، أي كيف أن يقطع المرء الساقية أو
النهر من شاطئ إلى آخر سباحة. أما في حقل الخبرات
قد نجد أن الخبرة واحدة، ولكن بخلاف التحليل اللغوي الذي يكون فيه الأمر مختلفاً.
فعلى المترجم أن يعرف كيف ينسق ويوصف الفكرة بشكل صحيح بين محيط يختلف عن محيط آخر
قد استوطنت فيه تلك الفكرة، وكيف يجب أن ينقل أو يوصف كلاماً دينياً مثل القرآن أو
الإنجيل بنقله من لغة إلى أخرى، وكيف يمكن وصف الصحراء بين السهول والجبال أو في
غابة الأمازون أو جنوب خط الاستواء، وكيف يمكن الترجمة إلى الإنكليزية كل من أنواع الخبز باكيت- فلوت- كورون-
فوغاز- الـ... سبق إلى السيد "مونين" أن جعل منها لائحة مربكة. مما سبق ذكره حول
التخطيط والتنسيق تناول المترجم نفسه، أما بالنسبة للتخطيط والتنسيق بين الأقطار
العربية في موضوع الترجمة لم يتوصل إلى نتائج أكثر فاعلية، فلا بد من تعبيدالطريق
للانتقال إلى طريق أفضل، لأن المعوقات لاتزال كثيرة بين الأقطار العربية، ومنها الأمية، وعلى الرغم من الجهود التي
تبذلها الحكومات والمنظمات العربية، في سبيل رفع المستوى الثقافي والتعليمي، في
المراحل الابتدائية والثانوية والجامعية، ومن ضمنها تعليم اللغات الأجنبية. وعلى أية حال، فإن
التفاوت بين البلاد العربية فيما يتعلق بمستوى الثقافة لا يمنع من القيام بمحاولة
إعادة التخطيط والتنسيق لمضاعفة النشاط الثقافي في مجمل الوطن العربي ككل وكوحدة
متكاملة تعبّد الطريق للانتقال بتدرّج إلى مستوى يواكب الأمم الأخرى ويعيد للحضارة
العربية مجدها، خاصة وأن آثارنا ومآثرنا وتاريخنا ولغتنا بمجموعها تؤهلنا لاسترجاع
مكانتنا العلمية والثقافية بالسرعة المناسبة إذا أحسنا التدبير والتقدير. ولا يمكن إغفال
الحكومات العربية فيما تبذله من الجهود لرفع مستوى الثقافة العلمية والأدبية وحركة
الترجمة، فقد أنشأت الكثير من المراكز والمؤسسات والمعاهد والأقسام وغيرها وأصدرت
التشريعات والتعليمات لتلبية حاجة رفع مستوى توسع دائرة الترجمة لنقل العلوم
والابتكارات المستحدثة، فهناك في كل دولة: -
مجمع علمي.. -
في كل وزارة دائرة أو قسم للترجمة بشكل متفاوت بين اختصاص كل وزارة ومهامها مثل:
وزارات: التعليم العالي- الثقافة- التربية. -الجامعات. -
الهيئات العامة أو العليا. -
المجالس العليا: للعلوم- للآداب والفنون بأنواعها. -
لجان التأليف والترجمة، والنشر. -
اتحادات الكتاب. -وغيرها.. غير أنها حتى الآن لم
تستطع أن توسع نشاطها بالنسبة للترجمة إلى أكثر من دائرتها، وفقاً لملاكها ومهامها
الأساسية والميزانية المخصصة لها. بينما الحاجة تستدعي
النهوض بالمستوى الثقافي لتلبية حاجات جميع فئات الشعب خارج أوقات الدوام الرسمي
وأوقات الدراسة، والعمل، وذلك بتبني الدولة: 1 - خطة قومية تشترك فيها جميع الأقطار العربية تتناول باختصار
الأمور التالية: آ - إحداث مؤسسات للترجمة
والنشر في كل قطر وخاصة في القطر العربي الذي لا يتوفر فيه مثل هذه المؤسسة. ب- إصدار التشريعات
اللازمة لتنظيم حركة الترجمة وزيادة الوعي الثقافي. ج - رصد المبالغ
اللازمة لتنفيذ هذه الخطة على مراحل مدة كل مرحلة 4 - 5 سنوات. د - تجديد المراكز
الثقافية في القرى والمدن وإنشاء مراكز جديدة في أحياء المدن لاستقبال المستمعين
أو الدارسين، تحتوي على قاعة للمطالعة وقاعة للدراسة كحدٍ أدنى. هـ - يُعين
دورياً مدرسون مأجورون لهذه المراكز
بعد الدوام الرسمي، كما "يعين قيم خاصة" لكل مركز. و - تطبع جميع الكتب
والنشرات على نفقة الدولة وتعار إلى المواطنين بشكل مجاني. ز - إنشاء هيئة عامة
في الدولة للنهوض بجميع الواجبات التي تتطلبها هذه الخطة[4]). رابعاً:
- د- أسلوب الترجمة:
لم يكن أسلوب الترجمة
قديماً بالأمر اليسير، فقد كان المترجمون آنذاك يرتادون أرضاً غير ممهدة، فكان
عليهم أن يستوعبوا معارف جديدة كل الجدة عليهم لم يألفوها سابقاً، بل كان عليهم أن
ينقلوها بعبارات وألفاظ مناسبة تمكن القارئ من فهمها ثم تلاوتها دون صعوبة. فكانت
الموضوعات بين يديهم لم تستقم ترجمتها منذ المرة الأولى، ولكن أقدامهم وقدراتهم الذهنية
على إدراك المعاني التي يتفحصونها، بالإضافة إلى إيمانهم بقدرة اللغة العربية على
التعبير، كانت تتغلب على الصعوبات العارضة. وما أثبت ذلك هو نقل المترجمين كتباً
في الفلك والرياضيات وعودتهم إلى إصلاح لغتها ثانية، ومن هذه الكتب نذكر: كتاب
"الأصول" لأقليدس في علم الهندسة، حيث نقله الحجاج بن مطر نقلين، الاول:
في عصر هارون الرشيد، والثاني: في زمن المأمون، وحسب قول ابن النديم، كان النقل
الثاني أصح وعليه المعّول، أما الكتاب الثاني للمجسطي، فقد نقله اسحق بن حنين
وراجعه ثابت بن قرة. ولكن اليوم بعد تقديم
سائر الفنون من: شعر وقصة ومسرح وكتابة ورواية وغيرها تطور أيضاً معها أسلوب وفن
الترجمة بمقدار محيطها العلمي والثقافي، غير أنه لا بد لها من أن ترتكز على أسس
ومبادئ أهمها: آ - أن يكون المترجم
متقناً اللغتين المنقول عنها والمنقول منها، وإذا زادت معرفة المترجم بأكثر من لغة
يسهل عليه الترجمة بحسن انطباق المعنى وإيجاد المصطلح. ب - أن يكون المترجم
عارفاً بالموضوع الذي يترجمه. ج - أن يكون عارفاً
بأسلوب المؤلف وإنشائه وألفاظه
وتصوراته وغايته. د - أن يكون مستوى
أسلوبه في وزن مستوى الموضوع الذي يترجمه. هـ - أن يتقيد بالأصل
ولا يعمل في أسلوبه حذفاً واختصاراً فيبتعد عن روح كامل المعنى وعمقه الذي يتبعه
المؤلف. ونظراً لأهمية
الأسلوب في الترجمة وفي الحياة الثقافية العربية، لذلك استدعت أن تكون موضع تقدير
ونظر الأدباء والمفكرين العرب، فتعمقوا الغوص في حيثياتها، وأهدافها؟ وشروطها وسعة
أدائها منذ القديم. ولعل من أبرز من تطرق إلى مثل ذلك هو: أبو عثمان الجاحظ، في
كتابه الحيوان، حيث قال: "ولابد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة في
وزن علمه في نفس المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول
إليها، حتى يكون فيها سواء وغاية الخ.... وهكذا نرى الجاحظ يشترط في المترجم أن
يكون ذا قدرة على البيان والتعبير لا تقل عن علمه ومعرفته وأن يكون متقناً اللغتين
المنقول منها والمنقول إليها على السواء. غير أنه استبعد أن يكون المترجم كذلك،
لأنه يصعب عليه جمع سوية واحدة بين لغتين[5]).
ومن المجيدين الذين أحسنوا أسلوب الترجمة هم: - حنين بن اسحق العبادي - يوحنا بن ماساويه- يختيشوع بن جرجيس-
جبرائيل بن يختيشوع- قسطا بن لوقا- محي بن هرون- يوحنا بن البطريق- ثابت بن قرة
الحراني- عبد المسيح بن ناعمة الحمصي- الحجاج بن مطر- يحيى بن عدي- عيسى بن زرعة-
جبرائيل الكحال- ماسويه بن يوحنا- حبيب بن بهريز- حبيش بن الأعسر الدمشقي- عيسى بن
يحيى بن إبراهيم. - عيسى بن علي- اصطفان بن باسيل- أبو بشر متى بن يونس -موسى بن خالد. ومن المترجمين: آل
نوبخت وابن المقفع من الفارسية - ومنكه من الهندية- وابن وحشية من النبطية. أما يعقوب بن اسحق
الكندي الفيلسوف العربي، فقد اشتهر بسعة علمه، وتبحره في مختلف فنون الحكمة،
فاختاره الخليفة المأمون لترجمة أرسطو، فكان بالوقت نفسه يترجم، ويُراجع ترجمات
غيره وينقحها. خامساً:
هـ - الدقة والإبداع:
إن هذا المنحى، الدقة
والإبداع، يدعو إلى الانفتاح على كل جديد والأخذ بكل مفيد وصالح بالتواصل مع
الثقافات الأخرى من غربية وشرقية، دون التنكر للثقافة العربية السالفة، تاريخاً
وفكراً وأدباً وقيماً، لهذا تتطلب الترجمة وحركة النقل والدقة والإبداع والأمانة
في كل نقل واقتباس أو تفسير. تتطلب الدقة التمسك
بأصالة اللغة العربية كمرتكز أساسي في كل ما يتعلق بالنقل والترجمة، وفي كل إنتاج
ثقافي لأنها ليست فقط مفخرتنا بتراث الماضي وتفتح بتراث الحاضر، بل لأنها أداة
التفكير والإبداع والتطور اليوم وغداً، ولأنها بالأخص هي الرابطة القوية بين أبناء
الأمة العربية، على اختلاف أقطارهم ومعتقداتهم ومذاهبهم الاجتماعية والسياسية،
والنهضة الحقيقية هي التي ترتكز على المجتمع السوي المبرمج بدقة وأناة في كل
الاتجاهات، سواء كانت سياسية أو فكرية أو ثقافية أو مجتمعية وغيرها، وهذا يتطلب
الدقة والإبداع، وخاصة في حال النقل من ثقافات الغير. للثقافة شأن خاص في
الإبداع ودقة الترجمة، فهي تتعدى خاصة الذوق أو المتعة أو الحاجة بل يمكن القول
بأنه يمكن أن ينتج منها خليطاً من كل منها نصيب. ولا سبيل إلى حسن
الترجمة إلا بالدقة والإبداع لأنها تتيح لنا أن نقرأ بلغتنا بشكل مفيد الجديد
النافع من اكتشافات وعلوم الغرب وحتى من علوم الشرق المستحدثة. ومعنى ذلك، أن عملية
الترجمة في بعدها الفني تتطلب الدقة التامة والإبداع فهي مزدوجة الفعالية: 1 - كونها عملية توسع أي وعاء لتلقي وترتيب الخبرات المنقولة عن
طريق الترجمة والنقل، وخاصة عند غياب المفردات في اللغة المترجم إليها، وتخلفها عن
مفردات اللغة المنقول منها. وهذه المفردات أو المحددات ليست بالسهل اليسير، لا بل
هي ضرورية كنظام كتابة وفكرة مطابقة بالمعنى والمبنى ونظام توثيق وتعليم. 2 - كونها عملية نقل علمي فعلي لا لفظي لهذه المفردات التي يتم
صياغتها وإنشائها كونها مهارات صدرت عن مخترعيها أو عن القائمين بها ليس بمجرد
رمزي أو لفظي أو شكلي، بل لأنها مهارات أوجدها أصحابها عن علم وكفاءة وتبصر فلابد
من أن تقابل بدقة وكفاءة وإبداع أيضاً كمساهمة فعلية في إنارة الفكر المتلقي الذي
بدوره سيقوم بنفس المهمة تجاه من حوله. وفي مجال الدقة
والإبداع، لا عجب أن نروي ما اشتكى منه فرح أنطون[6])
وما سبق للكتاب والمترجمين قبله أن شكوه، فقد تكلم عن صعوبة الترجمة الأمينة
اللائقة والدقيقة المضنية التي هي أصعب من التأليف وأضنى للقلب وأتعب للدماغ، جاء
في كلامه على ترجمته اتالا) يقول الشاعر:
حيث عانى الصعوبات في
تعريب رواية "اتالا" لأنه سبك معانيها بقالب عربي يليق بها، لتأدية
المبتغى منها، مع حفظ سلسلة أغراضها ومعايبها الأدبية والعاطفية وضبط أخلاق
أشخاصها ضبطاً يصون الصورةالتي رسمها لهم المؤلف، ويجعلها جميعاً مطابقة
لبسيكولوجيتها، ووضع مايلزم من استعارات ومجاز أجنبي في لفظ عربي، ومبنى متسلسل
ومطابق، وهذا وغيره مما يتحطم له قلب المترجم الناقل. وضرب هذا المثال، لا
يعني ، الإقلال من صعوبة الترجمة لنوع دون آخر من أنواع الكتابة، ولا أن نشير إلى
تقصير اللغة العربية في أي فن من فنون التأليف، بل لإثبات أن حسن سبك الترجمة يؤدي
إلى جمال اللغة. وهذا المثل ينطبق على
الترجمة العلمية والأدبية، ناهيك عن ترجمة المواد الصحفية مثلاً، التي تتطلب سرعة
في النقل وتفرض على المترجم أن يضع فوراً المصطلح المناسب للمعنى الجديد دون أن
يتوفر له الوقت الكافي للتفكير ومراجعة مانقله. فإن كثرة المعاني والمفردات التي
لا عهد للغة العربية بها، وضرورة المترجم نقلها بالمصطلح حيناً، وبالشرح والتفسير
حيناً آخر، جعلت النص المترجم يحتاج إلى الدقة والعمق حتى لا يصبح عسيراً على فهم
القراء. وإذا كان للمترجم الحرية في اعتماد الطريقة التي يراها مناسبة. فإن الصحفي
المترجم يجد نفسه مقيداً حول تقييم ماينقله إلى العامة. - وفي مجال الدقة والإبداع، لابد من التطرق إلى الترجمة) عن طريق
التماس بين اللغات: في حال التماس في
اللغات علينا أن نلاحظ التصرف الذي يجري ضمن مجال التدخل وعلينا أن نرصد التأثيرات
على ضوابط كلّ من اللغتين، اللغة المصدر واللغة الهدف، وفي سبيل ذلك مثلاً نستعرض
مادة أساسية لدراسة بنية الكلام،وذلك لأجل التحقق من الأساليب: الصوتية- اللفظية-
الصرفية والنحوية هل هي متينة وصحيحة. فعندما يستخدم الشخص
لغتين حسب أورييل وينريش Uriel weinreich) يدعى ذلك
ازدواجية اللغة)، أما الانزياح في اللغة Ecart فهو تشابك لغتين الواحدة
عن الأخرى، فيما يخص طريقة الإنشاء والتكلم بالنسبة للشخص المؤلف أو المترجم عنه.
مثال على ذلك: العبارة في اللغة الفرنسية Un simple soldat فالمترجم ينقل
ويحول هذه العبارة إلى نفس المفهوم في اللغة الإنكليزية كما يلي a
simple soldier بدلاً من كلمة a private فالسيد وينريش Weinreich علّق على هذا
المفهوم: بان مطرح التماس في
اللغات وهو المحط الذي به يتحقق "التداخل في الكلمتين ضمن تردد واحد"؟
وذلك في اللغتين الناقلة والمنقول إليها، وسواء ضعف أو اختفى هذا التداخل لأنه
يعتبر دوماً كلام فردي[7]). لماذا يجب دراسة "التماس في
اللغات" في علم الترجمة؟ لأن في الترجمة من لغة إلى أخرى يكمن توحيد المعنى،
وأيضاً في سبيل التحقق من أن أحد تلك المناهج يصعب الغور فيه ونقله من لغة إلى
أخرى. وبدون جدل، فإن مدى تأثير اللغة المترجم منها على اللغة المترجم إليها يكشف
الكثير من التداخلات الخاصة التي قد تأتي أحياناً من خطأ الترجمة، أو من التصرفات
اللغوية المكررة التي يتصف بها كل مترجم تذوق التعبير الجديد في اللغة المترجمة،
سواء في الميل نحو الاستعارة -أو الترجمة الحرفية- أو إيراد تعابير غير قابلة
للترجمة في اللغة الأجنبية- أو التمسك بالنص عن طريق ترجمة المفردات- أو بعبارات
استعراضية غير مترجمة. فالترجمة إذاً هي
التماس مع اللغات وهي ثنائية ولكن لها فعالية خاصة، بين اللغتين ومع ذلك توصف
وكأنها حالة محدّدة في كل لغة يصعب النقاش فيها عند تعدد الألسن. وقد أشار
"مارتينيه" حول ثنائية اللغة التي يمكن تسميتها بالثنائية المهنية
بقوله:إن الموضوع اللغوي الأساسي الأول أمامنا يجب أن يراعى فيه ثنائية اللغة
وذلك بمعرفة المدى الذي يمكن أن تصل إليه بنيتان في حال /حدوث تماس بينهما، وهل
يمكنهما البقاء سليمتين، وماهو معيار نفوذ الواحدة على الأخرى[8])
غير أنه يمكن القول بأن هناك الكثير من نقاط التأثير والنفوذ المتبادلة بينهما،
وإن حالة عدم الوجود تأتي بصورة استثنائية، وهذا الاستثناء فرض على متكلم اللغتين
أن يكون حذراً[9]) أما
مارتينيه فيعارض تلك الفكرة، ويعتبرها مضللّة لثنائية اللغة المهنية، لأنها تأتي
بألفاظ؟ يتكلمها العامة، بل يرى وجوب إدخال المترجمين في ثنائية اللغة المنفصلة عن
الكلام الدارج ليتحقق تكامل بنيتي اللغة، ويصبح الحظ أوفر عند تساوي اللغتين
بالتماس وبالآثار وهو ما يمكن تسميته بثنائية اللغة غير أن مارتينيه عاد إلى نفس
فكرته الواردة في كتاب واينريش حيث أهمل ووضع جانباً كل ما يتعلق ببعض المهارات
اللغوية التي رغم صعوبة التمرن عليها، تبقى متميزة بخواصها اللغوية. وهذا يعزز رأي هانس
فوغت Hans vogt الاخصائي أيضاً في العلوم
الخاصة بتنازع الألسن، وهنا يمكن التساؤل فيما إذا يوجد ثنائي لغة كامل) فهذا يعني إذا توفر بذلك
إمكانية استعمال أية لغة من اللغتين في أي موضوع كان، بكل سهولة، بنفس الضبط وبنفس
قدرة التكلم مثل مواطني اللغة أنفسهم، غير أنه يصعب ملائمة هذا الثنائي في اللغتين
لأن مظاهر التدخل هنا تصبح معدومة. سادساً:
تعادل زمن الأفعال في اللغتين:
لهذه القاعدة أهميتها
في الترجمة، غير أنها تدرس بالتفصيل في المدارس الرسمية والجامعات غير أنه في هذا
المجال لابد من التذكير حول القاعدة الرئيسية في هذا التعادل: - فالترجمة هي شرح
وتفسير، ما يقوله الآخر من لغة أخرى إلى لغة السامع أو المتلقي. بالنسبة للمترجم
فالفكرة مصاغة لا تعود إليه، وليس له أن يفتش عنها بل وأن ينقلها بلغة أخرى، وحيث
أنها تعود إلى منشئ النص لذلك يمكن القول إن الكلام في الترجمة يعود إلى المؤلف
والمترجم بآن واحد، كما لابد من الاهتمام بعنصرين هامين في الترجمة هما: الفكرة
وهي الموضوع والأساس والكلمة التي تساوي الشكل والصيغة ولا يمكن فصلهما لأنهما
مندمجان بدقة. فالأفضلية في الترجمة هي للجوهر أي الأساس، وقد لا تعطي ترجمة نصٍ
ما نفس المعنى الأصلي الوارد في لغة الأساس، وأيضاً قد نجد في فكرة ما إنها لم
تُتَرجمْ بجميع كلماتها، لماذا، ولأن دلالة الكلمات ليست واحدة في جميع اللغات
ولأن بنية الجملة -وتركيبها- ونحوها، ليس واحداً في جميع اللغات:[10]) هنا تعني طبقات La
nauvelle lois s'applique a` toutes les classes de la societé وهنا
صفوف Le directeur a felicité toutes les classe de l`école
classe. هنا في المثال الأول
تعني كلمة طبقات، وفي المثال الثاني تعني صفوف. وهناك أيضاً، كلمات
مفردة بالافرنسي لها عدة معاني بالعربي مثل كلمة Traitement يمكن أن تعني:
علاج-راتب- معاملة- وكلمة رسالة بالعربي، قد تعني: Mission
envoi-lettre بالافرنسي. إن أفضل طريقة
للترجمة أن لا ترتكز على المشابهة Similitude الكلية بين
اللغتين أو على محاولة إخراج عناصر كل منهما في قالب مشترك، لأن لكل لغة خصائصها
ومنطقها. بعد استيعاب الفكرة
وصياغة الكلمة لابد من إيجاد التعادل الزمني في اللغتين وخاصة في الأفعال، ففي كل
لغات العالم، يوجد ثلاثة أزمان:الماضي والحاضر والمستقبل. ولشرح هذه الأزمان
الثلاثة ومشتقاتها، رتبت اللغة الفرنسية ستة صيغ تتضمن عشرين زمناً صرفياً، ولكن
في اللغة العربية لا يوجد سوى زمانين صرفيين وهما: الماضي والمضارع. ولكن هذا لا
يعني أنه يوجد أزمنة في اللغة الفرنسية يتعذر ترجمتها إلى العربية، بل يمكن الوصول
إلى المعادلة المطلوبة بعد تركيب الزمن العربي الموافق. ولكن على المترجم قبل
القيام بصياغة الزمن العربي أن يراعي أهمية فعل الكون Verbe:
etre فإذا كانت جملة فعل الكون Etre تدل على الحالة الحاضرة،
تترجم إلى العربية بجملة اسمية، دون الجوء إلى الفعل المقابل، ولهذا يمكن استعمال
فعل كان ويكون) في العربي للزمن الحاضر وهما الذان يستخدمان كفعل مساعد ووحيد في
تركيب وتسمية الأزمان العربية دون التعرض إلى الجملة الإسمية.ومثال على ذلك: - يسير القطار في السهل عمل يقع زمن التكلم) - يتألم المريض منذ أربعة أيام Le
malade souffre depuis quatre jours. فهذا فعل يستمر في زمن
الحديث. - يذهب الكامل إلى المصنع كل يوم l’ٍuvrier
va a l’usiue ehaque jour. - اعمل صباح غد:Je travaillerais demain matin. فهذا يعني المستقبل
القريب والبعيد. لذلك فالمضارع
بالعربية يشمل زمناً مضاعفاً يدل على الحاضر أو المستقبل، فإذا أضفنا إلى ذلك
الماضي، نجد في اللغة العربية ثلاثة أزمان حقيقية. ومن جهة أخرى، تتوقف دلالة فعل
المضارع عن الزمن الحاضر، عندما تسبقه إحدى الأدوات س[11])
أوسوف). فعندها يدل على المستقبل. إن هذا الإدغام في
الأزمان الصرفية العربية هو الأكثر بروزاً في صيغة النفي بالحقيقة وفي اللغة
العربية يمكنالحصول على الأزمنة الثلاثة الحقيقية إذا ما استخدمنا المضارع بصيغة
النفي Forme négatve باستعمال Ne) كأداة نفي معها.
ولهذا يمكن استعمال لن-لم-لا في المضارع بصيغة النفي فخلال الأزمان الثلاثة
الحقيقية، أي، الحاضر والماضي والمستقبل، وبالاختصار أيضاً، من قاعدة التعادل: - إن الفعل العربي الذي يسبق الفاعل يتفق معه من حيث العدد. ومن
حيث الجنس. - أما الفعل الفرنسي في المصدر يترجم إلى العربي: سواء بـ في الافرنسي- عندما
يسبق النعت الإشاري Ce, cet, cette , ces) اسماً له مفعول
يوضح نظيره باللغة العربية هذا، هذه ، هذان، هؤلاء...الخ). في نهاية الجملة. - يوجد في اللغة العربية كما في الفرنسية كلمات لا تحقق المعادلة
تماماً في حال ترجمتها بتجاوز الحد، مثال: ذهب إلى أبعد من ذلك - يجب الانتباه إلى الأداة avec) مع) أو أي برفقة En
compagnie de أو Avec
بِ) بمساعدة A`
l’aide de . - يوجد أفعال بالعربي لها دلالة مزدوجة ومتنوعة، مثل الفعل: قام
بـ). قام بواجبه/ قام
بمظاهرة Il a fait accompli) son devoir) il a organisé une
manifestation - عند وصف الاسماء العربية لا يجوز بقاء اسم الشخص المفرد المؤنث
مهما كان الجنس في الاسم الموصوف الكتب الجديدة Les
nouveaux livres - يجب التمييز في الماضي الناقص L’imparfait بين الأفعال
المتعدية والأفعال المبنية للمجهول مثال:L’enfant était endormi ,
l’enfant dormait - أما اسم الفاعل Poarticipe
present بالافرنسي يترجم: بفعل مضارع مسبوق
بالضمير المناسب Les uns les autres . بالحال ماكان + المضارع، لم يكن + المضارع. - أما الطرف الافرنسي في الشكل المنتهي بـ أي Adverbe
de maniere ment) يترجم إلى العربية بالمفعول المطلق Il a
protesté energiquenent). أو بمصدر: لقد احتج احتجاجاً شديداً- لقد احتج احتج بشدة. - ترتكز الترجمة على الجوهر أي الفكرة والكلمة، وليس على المعادلة
الرياضية. - قبل كل اعتبار، إن الترجمة هي عملية تفكير وتدريب على النقل
والقياس لذلك لابد من تحقيق المعادلة على مستوى الجوهر أو على مستوى اللفظ أو
الشكل عندما يتوجب ذلك. سابعاً:
اللفظ والتراكيب
كان اللفظ ولا يزال
هو محور الحديث عن الترجمة والأصل فيها. فلابد له من أن يكون مناسباً للمعنى، وما
هو جدير بالذكر أن العرب لم يعربوا تقريباً، لفظاً أجنبياً واحداً واستخدموه كقاعدة في لغتهم، فقد استعملوا
كلمات وعبارات عربية خالصة لا تشوبها أية شائبة أعجمية، في الوقت الذي اتكأ فيه
الغرب بعمق عند نقل المعارف من أصولها اليونانية واللاتينية، حيث أخذوا حاجتهم
سواء كان لفظاً أو معنى أو مبنى، اذا لم يواكب الأسلوب
اللفظ والتركيب يصبح لفظاً، ولابدمن الباس المعنى في الترجمة حلة من لفظ يفي
بالغاية، فكان يكفي أن يقول المتنبي لفظة، دهشت بدلاً من "شدهت، كما يذكر ذلك
السيد أحمد حسن الزيات، ومما يعيب المترجم أن يستخدم ألفاظاً تجلب عليه صفة
"التقعر"، حين يغرق لفظه في الإغراب، ويمكن للفظ أن يضفي جواً مناسباً
ومقبولاً، وإن صح التعبير، حين يبقي المترجم الكلمة الأجنبية على لفظها، أو يترجم
لفظها بما يرادفه بعد أن يبقي الملحقات والزوائد الدالة على المعنى العلمي المطلوب
وليس في ذلك مايشين اللغة بل هو مايزيد في غناها وتطويرها، وفي بعض حالات الترجمة
يجده الناقل أن لا مناص منه إذا أريد مجاراة العلم والعلماء وهذا كله ليس بمنهج
جديد، بل هو متنح منذ القديم من قبلنا ومن قبل أوروبا وغيرها أيضاً، فقد سار عليها
الرازي وابن سينا والبيطار، من قبل، فقد نقلوا عن اليونان والفرس وأبقوا على اللفظ
الأصلي مع وجود المرادفات اللازمة في العربية. لابد لحركة الترجمة
من تحقيق الاكتمال الفني ومراعاة الدقة في حسن الأداء واللفظ والتركيب ودقة
المصطلح حتى لا تأتي الجملة أو بقية المواضيع ركيكة العبارة مضطربة التركيب. خلال القرن التاسع
عشر وبالأخص منذ زمن محمد علي حدثت تطورات فكرية في المشرق العربي ومصر أدت إلى
زيادة الاحتكاك بالغرب كما سبق ذكره، مما أدى إلى تطور واسع في ميدان الترجمة،
فأثقل على اللغة العربية وجود مرادفات ومسميات ومعان حضارية مستحدثة، لا يوجد في
اللغة العربية مايقابلها، فوعرت المسالك دون المترجمين، وزادت عليهم عبئاً جديداً
بضرورة تطويع اللغة العربية بالأسلوب واللفظ والتركيب الدقيق، المناسب كي تستوعب
هذه المعاني والمستحدثات الجديدة، بعد أن وأدها التتريك العثماني لمدة طويلة. لقد عانى المترجمون
الصعوبات المرة في الترجمة ولاسيما أولئك الرواد الذين نهضوا وتفانوا في العمل،
لتوسيع اتجاهات اللغة لاستيعاب وهضم كل جديد، وملاءمة كل مستحدث في سبيل مسايرة
ركب الحضارة أو اللحاق بكل ماهو مفيد. ولم تكن الصعوبة وليدة ضعف ملكة المترجم،
وإلا ما اشتكى منها "أحمد فارس الشدياق" وهو من أعلام اللغة علماً
واطلاعاً لأوابدها وشواردها. فقد قال يصف عناء الترجمة.
فلاعجب، أيضاً، أن
نسمع الشيخ إبراهيم اليازجي، وهو من كبار لغويي عصره يشكو من حالة الالفاظ
والتراكيب الواجب تداركها لمواجهة هذا السيل المتدفق من المصطلحات المستجدة الواجب
ترجمتها أو تعريبها، فهذا الإحساس لدى كل كاتب أو مترجم أصبح، حينذاك عاماً، خاصة
قبل وفرة القواميس والمراجع الأخرى. ولا عجب كذلك أن نسمع
فرح أنطون في مطلع القرن العشرين يشكو ما شكى منه الكتاب والمترجمون قبله، حيث
تكلم حول صعوبة الترجمة الأمينة اللائقة التي هي أصعب من التأليف وأضنى للقلب وللدماغ، وذلك بكلامه علي ترجمة
أتالا) بقول الشاعر:
وهذا القول ينطبق على
مدى المعاناة التي تصادف المترجم في إيجاد اللفظ العربي اللائق المراد من المعنى
تماماً. ومن مكونات اللفظ
والتراكيب والأسلوب، العبارة والحديث عن العبارة في موضوع الترجمة يقتضي الدقة،
لأن اللغة كما هو معروف كائن حي فهي في نمو مستمر، تتطلب أن يجمع إليها ماهو نافع
ومفيد، ونفض أو إهمال مايمكن الاستغناء عنه، مثل بعض العبارات المجازية التي أكل
عليها الدهر وشرب، كعبارة لايملك شرو نقير) وعبارة خاوي الوفاض) وغيرها. ففي أوائل العقد
الثالث من هذا القرن بدأت مجامع اللغة العربية تضطلع بدور كبير في الأخذ بيد
الترجمة على الطريق الصحيح فمكنت اللغة عن طريق ضبط مصطلحاتها وتنقيح عباراتها من
خلع ماكانت تتدثر به في القديم من سجع ومجاز وغيره، مما سهل عليها مواكبة حركة العلوم الحديثة،
وجعلها تصل الماضي بالحاضر تعلقاً بالمستقبل [4]) - شحادة الخوري: الترجمة قديماً وحديثاً، دار
المعارف سوسثر تونس/ص 185-186. -
المؤلف/ يقصد بذلك دعم وتطوير المؤسسات الموجودة في الدولة/ راجع ص 129-130-131/
من هذا المخطوط. [5]) الجاحظ: كتاب الحيوان، ج1 ص 75-76- -
سيغريد هونكة: شمس العرب تسطع على الغرب، ص 184. -
لطيف زيتون: حركة الترجمة في عصر النهضة- دار النهار ص121، ومابعد. -
أحمد عصام الدين- حركة الترجمة في مصر، ص 26-27- شحادة الخوري: الترجمة قديماً
وحديثاً، ص49، ومابعد. [7]) إن
ماييه وسوفاجيه Meillet, h. Sauvageat قد شعرا مسبقاً بمقدار هذه الحاجة إلى تمييز
استعمال اللغتين العاديتين، بالنسبة إلى الرجال المثقفين. اقرأ المادة التي تخص
ذلك في مؤتمر معهد اللغات عام 1934- ص7-9 -10-13- ثم مارتينيه في Diffusion of language ص7.2-3). [8])
واينريش: مؤلف ....ص1-"3" كل اغناء أواقفار بنظام معين يقود إلى إعادة
تنظيم جميع المعارضات القديمة المميزة في هذا النظام، وعند قبول أي عنصر أو معنى
سبق عرضه يضاف إلى إعادة التنظيم إلى النظام الذي استقبله راجع Vagh - في أي شروط ص 35). وقد أشار Bre`al-يربال) إلىهذه النقطة أيضاً.راجع: Semantique.) -
انظر راجع مونين ص 5و6 في المسائل النظرية في الترجمة). |