|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:54 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الرابع: الفاعلية والأثرالعام للترجمة في إحياء اللغة العربية: لا يعني هذا أن اللغة العربية كانت ميتة والفضل في إحيائها يعود إلى الترجمة والاقتباس من غيرها، كلا ثم كلا، فقد كانت اللغة العربية مشعل اللغات في القديم سواء في عصر الجاهلية، أو في عصر الإسلام وخاصة أنها لغة القرآن الكريم. ومايثبت ذلك تغلبها على جميع اللغات التي من حولها، رغم القاعدة والبنى المشتركة الموجودة فيما بينها مثل الآرامية والسريانية والكلدانية وغيرها. قد اضمحل شأن اللغة العربية في العصر العثماني المملوكي، ولم يعد يهتم بها إلا نفر قليل من علماء الأزهر والمساجد، وحتى هؤلاء العلماء اهتموا بالأمور السطحية دون الألباب لعدم إفساح المجال لهم في تطوير الحركة العلمية حينذاك، فغدت الكتب التي يقرأونها شروحاً أو هوامش أو تعليقات. أما المتون فقد أهملت وهكذا الأصول، وحتى أن أساليب الشروح والهوامش والتعليقات، وما صدر من كتب ورسائل ضعفت وانحطت انحطاطاً بالغاً، لما دخل فيها من ألفاظ عامية، وما أصابها من ركاكة في التعبير، أما السبب المباشر كان انتشار اللغة التركية بين العرب في كافة أقطارهم وفي جميع دواوين الحكومة، مما أضعف استخدام اللغة العربية لذلك كان المجال واسعاً لانتشار اللغة التركية في مصر وسائر البلاد العربية، وأصبحت هي اللغة الأولى يتقنها ويكتب بها رجال الحكومة والجيش والصفوة من سكان البلاد العربية. وإلى جانب اللغتين العربية والتركية كانت اللغة الفارسية، غير أنّه لم يكن هناك مبرر لانتشارها بل كانت مقصورة على بعض المثقفين الذين كانوا يتعلمونها لإشباع شغفهم الأدبي فحسب. ورغم تعميم اللغة التركية في سائر البلاد غير أن تأثيرها لدى العرب كان ضئيلاً، فلم تتأثر اللغة العربية بمفردات ومصطلحات ونماذج اللغة التركية، تأثيراً أمكن الاعتداد به إلا في باب الرسائل، لأن المثقفين والكتاب العرب استمروا على اتصالاتهم القديمة حسب النماذج العربية الأصلية، ولدى انحطاط الحكم التركي وتوسع الثقافة الأوروبية باتجاه الشرق اتجه العرب إلى اللغة الفرنسية والإنكليزية حينذاك، وخاصة اللغة الفرنسية التي وجهها إليهم بقوة محمد علي رئيس مصر الذي استطاع النهوض بحركة الترجمة بمصر وجعلها محور اهتمامه مع جملة مساعيه الاصلاحية التي قام بها أثناء حكمه(1) . إن كلمات اللغة تحيا بالاستعمال وتموت بالإهمال، ولذلك ضعفت اللغة العربية نتيجة وأيضاً ضعف حركة التأليف والنشر التي كادت تقتصر على بعض الشروح والتعاليق على المتون)، وأيضاً توالت على اللغة العديد من المحن خلال مدة طويلة، من حملات التتريك إلى غياب التعليم حيث تفشى الجهل والأمية في صفوف الأمة العربية، إلى أن ازداد التأثير العلمي الغربي بازدياد حركة الاتصال مع الغرب فبدأت حركة الترجمة ونشطت فيما بعد على التوالي بمراجعة معجمات اللغة كالقاموس المحيط للفيروز آبادي، ولسان العرب لابن منظور، ومترجمي اللغات في بدء عصر النهضة. وأيضاً بالعودة إلى الكتب القديمة كزيج البتاني، ومفردات ابن بيطار، وغيرهم. أما ما حمل المترجمون على هذه الترجمة ما وجدوه من ضعف اللغة، ولمسوا الحاجة إلى توليد الكثير من المفردات والمصطلحات لتضمينها المعاني الجديدة، التي لم تألفها العربية وهذه الأمور ومثلكها دفعت الكثير من الكتاب والعلماء إلى الاهتمام باللغة والتبحر في أصولها ومفرداتها، فتسابقوا إلى الترجمة والتأليف والإبداع، وتباهوا بسعة الحفظ والاطلاع والنقد والشرح مما ظهر نتاجهم في الكثير من آثارها. ولا عجب في ذلك، إذا رأينا الآن أن معظم علماء اللغة كانوا في ذلك العصر، من المشتغلين والمهتمين بالترجمة مثل أحمد فارس الشدياق الذي سعى إلى إحياء اللغة بشوق وإبراز الكثير من المفردات والمترادفات ووضع الألفاظ الجديدة في مجمل كتاباته. وأيضاًإبراهيم اليازجي الذي فضلاً عن عنايته، بالمصطلحات اللغوية الجديدة سعى إلى إحياء اللغة والتجديد فيها عن طريق نقد الأخطاء الشائعة في عصره، والعودة بالكتابة إلى طريقة العرب الفصحى(2) . كما جهد بطرس البستاني فأصدر معجم محيط المحيط) في جزئين، ثم اختصره في قطر المحيط ضمن جزئين أيضاً، وقد اعتمد في تأليفه على قاموس الفيروزبادي، ولكنه أكد فيه من ناحيتين، الأولى: استخدام ماهو مألوف من الألفاظ في شرح المفردات، والثانية: تصنيفه على الحرف الأول من الثلاثي بدلاً من الحرف الأخير. كما أصدر سعيد الشرتوني) كتاب أقرب الموارد إلى فصح العرب والشوارد)، في جزئين ألحق بهما ذيلاً، مستدركاً ما فاته فيها، وقد نسق معجمه هذا على طريقه "محيط المحيط". وأيضاً أصدر جرجس همام "معجم الطالب" وأصدر الأب لويس المعلوف المنجد، وهما معجمان مدرسيان مختصران. وجهد بعض الكتاب في تسهيل الكثير من الكتب والقواعد مما جعلها سهلة المراجعة والحفظ وعمل آخرون منهم على نشر المخطوطات اللغوية والتعليق عليها وتصحيح مافيها من أخطاء فقد ازدادت الاحتكاك بالغرب كما ذكرنا سابقاً، وتفتحت أعين العرب في المنطقة على الحضارة الجديدة بعد سبات، فكانت الترجمة إلى العربية جسراً عبرت فوقه حضارة أوروبا إلى العالم العربي وكانت الكتب والجرائد والمجلات سجلا ورسولا في هذا الاحتكاك ووعاء لنقل ما استجد في تلك الحضارة(3) . أما الشعراء فقد ابتعدوا في قصائدهم عن طريقة الأقدمين في تضمين وحشو القصيدة الواحدة أغراضاً عدة، فجعلوا القصيدة مقصورة على موضوع واحد، ولأبيات متتابعة وفقاً لتتابع المعنى ومبانيه. ومن آثار تأثير الترجمة على اللغة أنها جددت ملكة الكتاب والمثقفين بأن تغلبوا على ركود اللغة، وتفشي الجهل ودخول اللغة الكثير من الألفاظ العامية والأجنبية حيث شاع فيها السجع البارد أو المتكلف مع ضروب من الصنعة البديعية، كما شاعت نعوت التقديم والتبجيل التي أطلقوها على كل فرد وعلى سبيل المجاملة. وما إن أقبل القرن التاسع عشر حتى شهد كل من لبنان ومصر جملة من التطور العلمي والثقافي انتهت إلى تحول بيروت ثم مصر إلى مراكز للنشاط الثقافي والتجاري والاجتماعي. كان أثر الترجمة في مطلع النهضة سريعاً وجارفاً، فالعربية قبل النهضة كانت مجمدة حتى ومكبلة، فلما تدنت السطوة الثقافية لدى الأتراك وازداد اتصال المنطقة العربية مع الغرب أخذ الشرق بمجموعه ينهل من آثار الغرب فاستوت روحه واستعاد دفئه وتمكن من النهوض بعد الانحطاط ولبّى نداء أبنائه لتلقي ثمار الحضارة المجلوبة، وتهيأت مادته اللغوية والثقافية لاستيعاب المعاني والمصطلحات الجديدة وبأساليبها وتعابيرها. ومن آثار حركة الترجمة: - إن الباعث والمحرك للترجمة هو الحاجة سواء كان قديماً- حاضراً- أو مستقبلاً. وهذه الحاجة بازدياد دائم بسبب التطور السريع الواسع الذي تشهده مختلف المعارف والثقافات العلمية والتقنية، وبسبب انفتاح الناس على كافة الحضارات بعد أن تيسرت واتسعت وسائل الاتصال المرئية والمسموعة والمكتوبة. كان المترجمون حريصون على اللغة، فتجنبوا تعريب الألفاظ باشتقاق ما يناسبها ويقابلها، رغم أن تعريب المصطلحات العلمية الحديثة أي نقلها بلفظها إلى العربية هو الأسهل)، ولكن ليس الأسلم. فسلامة اللغة تكون بالحفاظ على صرفها وصيغها وأصولها. وكان حرصهم بدافع من شعورهم بأن اللغة العربية هي جامعتهم وحاملة هويتهم. إن حركة الترجمة غيرت نظرة العرب التقليدية، إلىتراثهم وخاصة منه الشعر) لقد كانوا شديدي الإعجاب بشعرهم ويرونه متفوقاً على شعر سائر الأمم. غير أنّم بعد نقل شعر الغرب وعلومه وثقافاته بدأوا يتذوقون الشعر الأجنبي المتطور وسائر نتاجه العلمي الحضاري. إن العرب عرفوا القصة عن طريق مجتمع القبائل ووقائعها وأخبارها، فقد حفظوا القرآن الكريم، وترجموا كليلة ودمنة، وتسامروا في ألف ليلة وليلة وأخبار المعارك البطولية، غيرأن تلك القصص كانت تتناول بالأكثر عامة الناس. أما المثقفين كانوا منصرفين إلى الشعر كمنزلة راقية، لذلك لم ينتجوا في القصة، ولم يطوروا ما أجادوا منها فلما دخلت القصة المترجمة في عصرنا الحالي استقبلها جميع الناس باهتمام كبير واختص المثقفون بقراءة الراقي والمفيد منها بكتابته ونشره. - وأيضاً المسرحية في اللغة العربية فهي آثار الترجمة كونها فن دخيل، وأغرب مافي دخول هذا الفن، استقبال الجمهور له واعتباره في مقدمة الفنون بدليل تعدد الفرق المسرحية في سائر البلاد العربية وخاصة في مصر وسورية ولبنان. - لم يقتصر أثر الترجمة على القصة والشعر والمسرحية فقط بل تناول كافة الفنون العلمية والثقافية وغيرها. - كان أثر الترجمة بليغاً ومفيداً في كل ما يتعلق بالحداثة أي في تناول ونقل كل ماهو جديد من اختراعات ومصنوعات ومؤلفات وخبرات وفي كل مايتصل بالعلوم الفنية والتقنية والرياضية وغيرها من الكثير الذي لا مجال لتعداده هنا وهي التي ساعدت سكان المنطقة على مواكبة حضارة العصر. آ- الفاعلية في الترجمة على ضوء نظرية هامبولا Humbolat)الألماني البروسي. حسب مونين Mounin. تعتبر البنى اللغوية ناتجة مباشرة من البنى العالمية الشخصية، هذا من جهة، ومن البنى العالمية الفكرية من الجهة الثانية. - يوجد أسماء وضمائر في اللغات لأنه يوجد كائنات حية في العالم. - يوجد أفعال في اللغات لأنه يوجد أمور ومشاكل في العالم. - يوجد أوصاف في اللغات لأنه يوجد كائنات قابلة للوصف في العالم. - يوجد ظروف مكانية وزمانية في اللغات لأنه يوجد صفات معينة للمشاكل والأمور بالإضافة إلى وجود وصف للصفات ذاتها في العالم. - ويوجد أحرف جر وعطف في اللغات، لأنّه يوجد علاقات منطقية ومأثورة ومستقلة كما يوجد -أزمان- أمكنة وظروف- تعاطف- تعاون- وتبادل معونات، سواء بعض الشعوب والكائنات الأخرى ومشاكلها في العالم. ليست الترجمة شرح وتفسير لمحتوى برميل لكمية من الليترات بل هي أعمق من ذلك، لأنّ جميع الألسن مشتركة بعضها مع بعض مادامت تتكلم. إن صعوبة الترجمة تنحدر من الوقائع الطارئة التي خلالها لا يقف المترجم على مضمون المحتوى للغة المترجمة فيعيبها بشكل كامل أو بجوانب منها، أوأن المترجم تنقصه المعرفة التامة لمصادر الصيغ والأشكال في المحتوى، أو النقص في مدى إعطاء التعبير اللازم في اللغة المقصودة، فسيء التعبير في مثل تلك الحالات. لأن غلطة الترجمة تعود إلى غلطة المترجم التي يتوجب عليه تجنب مثل هذه الأخطاء التي تتناول صيغة المحتوى-صيغة التعبير)، أما الصعوبات الأخرى في الترجمة يمكن إصلاحها من الناحية الجمالية فقط، وليس من الناحية اللغوية، فإذا لم توفق الترجمة في موضوعها الأساسي، فلأن المترجم لا تتوفر فيه الموهبة اللازمة. لذلك فقد أمكن تحقيق فاعلية الترجمة منذ صدور النظريات الفلسفية حول علم اللغة التي وصفها ويلهم Wilhem وفون هامبولت Fon hamboldt وأتباعهما، الذين أطلق عليهم اسم الكانتيون الجدد Ne`o -kantiens أوالهامبولديون الجدد Neo -humboldienst لأن تلك الفلسفة كانت ترفض أن ترى في اللغة آلة سلبية للتفسير، بل كانت تنظر إليها كمبدأ فعال يلقي حول الفكرة مجموعة من الأفكار المتبصرة المشبعة بالقيم. ويمكن تلخيص هذه النظرية بالقول:تتجسد فاعلية الترجمة في كل نظام لغوي يحتوي على تحليل للعالم الخارجي الذي هو ملك له والذي يختلف عن عالم اللغات الأخرى أو عن مواقف أخرى لهذا العالم نفسه. علماً أنّه منذ مئة سنة قد تلاشت الطريقة الخاصة بتفهم العلاقات التي تتناول خبرة الإنسان عن العالم المحيط به من جهة، وبين اللغات من جهة أخرى، فقد سبق لكاسير بتناول Cassirer "إن قال" ليس العالم هو الفكر والمفهوم) من قبل الإنسان الذّان يتمّان بواسطة اللغة فقط، بل عن طريق العيش تتمثل نظرة الإنسان لهذا العالم، باللغة واللسان(4) . ومع أن تلك النظريات قد أهملت من قديم، غير أنّها تحددت الآن عن طريق علماء اللغة البنيويون Linguistique structuraliste لأن الكثير منهم في العالم اعتمد النظرية الهامبولدتية Humboldtenne المعاد صياغتها وبنائها بموجب ترجمات وتحاليل مرضية. وقد اعتمدها أيضاً أولمان Ullmann في العديد من المواضيع، كما قد نوه عنها فون وارثبورغ Warthburg بنفس العبارة "ترييه Jost-trier" الذي بدوره عاد بها إلى المفهوم الذي دعمه هامبولت Humboldt القائل بأن المحتوى والصيغة اللغوية للحياة الروحية لدى الرجل يتكيفان تلقائياً وبالتبادل مع بعضهما، ولا يمكن اعتبارهما منفصلين، ولأن اللغة هي برهان الصيغة التي من تحتها يرى الإنسان العالم كما يرى الباب في داخل نفسه. وهذا ماقاله بنفسه أيضاًبأن) فاعلية اللغة هي النظام والأساس الذي يبتدع التيار المناسب تجاه ماهو مستهدف. ب - أقسام الترجمة: كانت الترجمة ولا تزال في خدمة الإنسان المتحضر، كونها الجسر الذي يعبر إليه ثقافة الأمم بعضها إلى بعض فتزيد من نصيبها من المعرفة وتعمق متعتها في الحياة، فقد أدرك الإنسان فضل الترجمة منذ زمن بعيد كما أدرك حقائق وجوده الثقافي. وقبل أن ندخل في تفصيلات هذه الحركة، لابد لنا من أن نبرز القسمات الرئيسة لها والتي يمكن أن تتألف من الأقسام الرئيسة التالية: 1 - الترجمة الأدبية. 2 - الترجمة العلمية. 3 - أشتات الترجمة، التي تجمع ماهو ليس أدبياً خالصاً ولا عملياً بحتاً. أولاً: الترجمة الأدبية: ويقصد بها ترجمة الآثار والمؤلفات الأدبية مثل الرواية والقصة والمسرحية والشعر والمقالات والدراسات ذات الطابع الفني الأدبي. أما كتب النقد الأدبي فهي تقع موقعاً وسط بين الآداب من جهة والعلوم الاجتماعية والإنسانية من جهة أخرى، سواء من حيث الأسلوب أو الموضوع فالحقيقة، أن الترجمة الأدبية تجمع تحت سقفها كل مايكتب بأسلوب أدبي أو يحمل طابع الأدب على أي نحو من الأنحاء، فالتاريخ علّم مثلاً حتى يأتي به القلم في هيئة أدب. ومن ذلك، تاريخ الطبري المعروف، فهو تاريخ علم). من ناحية بحكم مادته وهو أدب) من ناحية أخرى بحكم أسلوبه. وقد ينطبق ذلك على النص المترجم والنص المترجم عنه أداء وأسلوباً وتناولاً. ويعتقد أكثر الملمين بمشكلات الترجمة أن الترجمة الأدبية أصعب من الترجمة العلمية، ذلك أن النص الأدبي ليس فكرة أو جملة أفكار فقط بل هو ينطوي على إحساسات المؤلف الأديب وعواطفه وتخيلاته، كونه نصاً حاكه شاعر أو مثقف موهوب قصد أن يكون مثيراً للأحاسيس حاوياً على مجمل من الصورالبديعة الأخّاذة، فمن أجل هذا يتوجب على المترجم أن يأتي بنص مقابل يتوفر فيه، إلى جانب الأمانة في النقل، مايبرز النص الأصلي ولا يضعف أثره أو ينتقص من روعته(5) . هل يمكن تحقيق ذلك إلا إذا ترجم الأدب أديب، وترجم الشعر شاعر. ومما قاله الدكتور محمد عوض محمد: إن أول شرط يخطر إلى أذهاننا أن المترجم الذي يعمل بإنتاج ذات أثر أدبي، أن يحاكي الأثر المترجم وأن يكون هو نفسه أديباً متمكناً وراسخ القدم في التأليف الأدبي. ولا يكفي أن يكون ملمّاً أفضل إلمام باللغتين، لأن الأدب استعداد وسليقة تستند إلى تأصل في النفس، ولا تكتسب بالدراسة والحفظ فقط، وبهذا يتطلب ممن يترجم كتاباً في الطب أن يكون طبيباً، وممن يترجم الأدب والشعر أن يكون شاعراً، وهذا مما لا يمكن اشتراطه أو أن تجعله دستوراً علمياً ثابتاً نظراً لتشابك المصالح والأفكار بين الناس. ولكن لا يصح أن تجرد الأثر الأدبي من صفته الأدبية وتحوله إلى كلام عادي بعيداً عن كنه تسميته، بل ينبغي أن تبقى عليه رونقه وجماله وسحره وتأثيره، وذلك لتكسب اللغة العربية المنقول إليها أثراً أدبياً مدوناً يزيد في ثراء اللغة، زيادة تستحق التقدير. وفي مسرحية ماكبث) تأليف وليم شكسبير: يقول محمد فريد أبو حديد في المقدمة: إني أرى أن ترجمات الآثار الأدبية الكبرى إلى اللغة العربية ينبغي أن تضيف إلى التراث الأدبي العربي نبذة أدبية جديدة جديرة بأن تبقى لذاتها وأن تقرأ لذاتها كإنتاج أدبي عربي، فإذا لم تحقق الترجمة هذه الإضافة فهي لا تتعدى من أن تكون فقط تعريفاً بالأثر الأدبي الأجنبي، أو تسجيلاً له، وهنا نجد الفرق عظيماً بين أن تكون الترجمة قطعة من الأدب العربي وبين كونها تعريفاً بالأثر الأدبي مع بقائه بالوقت نفسه أجنبياً(6) . والذي يقطع به عن يقين، إن الترجمة الأدبية عندما تخطت البلاد إلى نقل العلوم المختلفة في سبيل توطيد كيانها، أمنت سبل انتشارها حتى أصبحت هي الغالبة على كل ما عداها من أنواع الترجمة المعروفة، ولا يعتقد أنه سينحسر مداها يوماً. ولكن هذه الحقيقة لا تلبث أن تطرح أمامنا علامة استفهام، وهي كيف يحدث ذلك والنقل من أدب إلى أدب أصعب كثيراً من النقل من علم إلى علم، والسبب في ذلك أن المشقة التي يتجشمها مترجم العلم هي البحث عن المقابل اللفظي، غير أن ذلك، بعد صدور المعاجم، تسهل معه الأمر إلى حد كبير وهانت مهمته غير أن الأمر يختلف مع مترجم الأدب لأن تركيب الإنسان المزاجي والعاطفي وخاصة تركيبه العقلي تختلف من بلد إلى بلد، وهناك أيضاً حقيقة أخرى وهي أنّه في أغلب الأحيان يصادف المترجم بعض المتاعب التي لا يدركها إلا من يعانيها وعلى رأسها ظلال المعاني عند إيجاد اللفظ، ودقة العبارة، واكتشاف ماخفي من فن صاحب النص الأصلي، ويجهد المترجم دوماً في نقل نص عبارة على غاية الرقة والإحساس بالذوق لقاء عبارة عربية أو غيرها، وبنفس المستوى الأدبي أو العلمي أو الفني، ومثال على ذلك: - ترجمة عنوان قصة للقصاص الفرنسي بلزاك: Le coeur d`une femme est une labyrinthe بعبارة: "قلب المرأة تيه" فلا يخرج عن معنى ولا يبتعد عن قصد. فإذا كان الحال هكذا بالنسبة إلى النثر، فكيف يكون بالنسبة للشعر الذي تطل ترجمته الرقيقة الوافية على المستحيل، أولاّ إذا كان المترجم شاعراً متمكناً من اللغة التي ينقل منها، وما أقل أن يكون(7) وكل مايمكن أن يصبو إليه الناقل هو أن يحتفظ بالمعنى، أما الوزن أو الموسيقى أو جمال اللفظ فكل أولئك غاية قد يجيدها المترجم أو ينقلها بحالة وسطى ويفشل بها. وعلى سبيل المثال لابد لنا من أن نذكر بعض الترجمات منها: ينقل لنا الدكتور أحمد مكي بعضاً من الأدب الإسباني فيقول في ترجمة لأغنية شعبية: "لا شيء يبقى في هذه الحياة القاسية، صالحاً كان أم شريراً وقبر موحش ولكنه يسوي بيننا جميعاً". فهذا الإسباني يرى في الموت طريقاً كلنا سنرده، فليس الغريب أن تموت ولكن الغريب أن تبقى. وهذه أيضاً ترجمات ثلاث، لثلاثة من شعراء الإنكليز الكبار في القرن التاسع عشر نقلها لنا الدكتور سيد نوفل، لنسمع معاً إلى "ورد زورث" من ترجمة الدكتورة انجيل بطرس: يخاطب وردزورث طائر الوقواق الصغير المغرد، ويرمز إليه الإنكليز "ببشير الربيع" فيقول: أيها الوقواق هل أسميك طائراً أو مجرد صوت ضارب في الأرض بينما أرقد على الحشائش أسمع وقوقتك الثنائية تبدو كأنها تنتقل من تل إلىتل في ذات الوقت عن بعد وعن قرب مع أنك تغمغم فقط للوادي عن ضوء الشمس والأزهار فإنك تأتيني بقصة عن ساعات حالمة).(8) ومن الأدب الإيطالي تنقل الدكتورة "سوزان اسكندر طرفا" من قصيدة شاعر إيطاليا "بترارك" وهو يتحدث عن الربيع، ويحيي في نفسه ذكرى حبيبته، حيث يقول: "تعود رياح الغرب ونسماتها الحلوة وصحبتها العذبة من عشب ومن زهر تنشد السنونوة وينوح البلبل إنه الربيع الناصع والقرمزي تضحك المراعي ويعود للسماء صفاؤها -يبتهج "جوبيتر" لرؤية ابنته -الهواء والماء والأرض ملأى بالحب -كل حي لحبيبة يأنس -أما أنا ويحي تعاوني أقسى الزفرات من التبصر في هذه المقتطفات نجد أن الشعر يمكنه أن يتحول إلى قول يريد أن يطل على الشعر المنثور ليعوض ما فاته من وزن موسيقي وجمال لفظ، فقد تعرض للشعر الغربي شعراء من الشرق سوريون ومصريون) ومكنت لهم موهبتهم البارزة نقل بعض الروائع من عيون الشعر الغربي إلى شعر عربي أخاذ وجميل. وفي هذا المجال نأتي على ذكر قصيدة لوردزورث بعنوان: صورة) ترجمها الشاعر المصري محمد الهمشري قال: وافيتها ببنانك المترفق هي وهلة الدهر مسرعة الفنا وكسوتها ثوب الخلود المطلق فجلوتها لبني الممات جديدة في كل ما مر من هذه الترجمة نجده بارعاً والفكرة فيها أصيلة، وفيها دلالة تمكن المترجم المتقن استخدام الأسلوب والوزن والقريض واللفظ الموسيقي المناسب. على أن الأدب بشطريه من نظم ونثر ليس شعراً كله، بل هناك المقالة، والرواية، والقصة القصيرة وفنون أخرى من النثر يفوق عددها عدد فنون الشعر يضيق هنا المقام التعرض لها(9) . وثمة قول لا بد من الإشارة إليه، وهو أن بعض الباحثين يرون أن ترجمة الآثار الأدبية هي أهم أنواع الترجمة جميعاً، لأنها تتبوأ أعلى مرتب في ثقافة الأمة وتراثها. غير أن هذا القول مدعاة للجدل، ذلك لأن العلم والأدب كليهما غصن في شجرة المعرفة الإنسانية، ولكل منهما منزلته وقيمته ونفعه، ومن المجازفة أو لا يصح تفضيل أحدهما على الآخر أو تقديمه عليه. وما يوجب التساؤل هنا، هل نفخر نحن العرب بما يضم تراثنا من المؤلفات العلمية، زمن رياضيات وفلك وطب وكيمياء وغيره بأقل مما نفخر بما يضم من أدب سواء كان شعراً أم نثراً، وهل نحن اليوم، أحوج إلى الأدب منا إلى العلم. فالجواب أن عناصر النفس البشرية جميعها من مقومات الإنسان، يصعب ترجيح عنصر على آخر. ولكن لنترك التفضيل والترجيح جانباً، ونعتبر أن لكل من العلم والأدب دوره وخصائصه وميدانه، ولا بد لنا من أن نتلمس بين النصوص الأدبية والعلمية وترجمتها فروقاً نذكر منها: إن النص الأدبي يكاد لا يتغير على مضي الزمن، فهو يحتفظ بقيمته الأدبية على الرغم من ارتباطه بمكان وزمان معين، فإننا نقرأ اليوم لزوميات المعري وأيضاً مسرحيات شكسبير وغيرها من عيون الأدب الشرقي والغربي، لا كما نقرأ نصاً يخاطب أشخاصاً مضوا، بل نقرأ هذه الروائع الأدبية بوصفها تخاطب الفكر والعاطفة والخيال وتثير فينا من الأفكار والتخيلات ما تثيره نصوص أدبية مستمرة لم يجف مدادها. وأما النصوص العلمية فإنها بتطور العلم، ضمن معطيات ونتائج تخسر من علميتها وتحتفظ بقيمتها التاريخية، فهي تمثل ما أنتجه العقل البشري في حقل العلم. ثانياً- إن النص العلمي يعتبر عند ترجمته مصطلح دقيق وعبارة واضحة تؤدي المعنى المقصود أما النص الأدبي يحتاج إلى اللفظ المختار والعبارة الجميلة، وهذا ما يفيد بأن المعرفة ليست كافية في الترجمة الأدبية بل لا بد من توافر الذوق الأدبي والموهبة الصادقة ولكن هل تبلغ الترجمة مستوى الأصل المترجم، ربما، ولكن ذلك صعب، ولكن قد يتيسر الأمر مع المترجم المختص ذي الخبرة والثقافة العالية ولهذا قال المثل الإيطالي: الترجمة خيانة لأنها لا يمكنها أن ترقى بالنص إلى مستواه الأصلي مهما بذل من جهد وعناية وفي جميع الأحوال لا مندوحة عن ترجمة الآثار الأدبية، لأنها الوحيدة دون سواها من الفنون التي وعاؤها اللغة. فبقية الفنون مثل الموسيقا والتصوير والنحت مثلاً هي لغة جميع الناس، ولكن الأدب يتعذر فهمه إلا عن طريق اللغة، ولهذا نرى روائعه منتشرة في جميع اللغات.(10) إن أقصى ما يتطلع إليه المثقف أن يكون النص المترجم مضاهياً للنص الأصلي روعة وجمالاً واتقاناً، لينقل إلى العربية أثراً أدبياً مؤثراً وممتعاً بحد ذاته وليس باهتاً للنص المنقول، ونأتي بمثل على ذلك قول حافظ إبراهيم عندما وصف أثراً أدبياً مترجماً: "فجاء الأصل والترجمة كالحسناء وخيالها في المرآة "ويقصد بذلك الشبه والتطابق، فالأدب بداهة وفطرة ومراس معاً، فمن رغب أن يترجم الأدب وجب أن يكون هو نفسه أديباً أو أن تكون ثقافته مؤهلة لترجمة النصوص الأدبية، وأن تكون الأمانة رائدة، والذوق السليم مرشده. وإن صح القول بمثل ذلك في الأدب عامة، لا يصح في الشعر لأنه يعلو على الأدب بصورة عامة، بفنونه المختلفة سواء من حيث النغم أو الإيحاء أو الرمز أو القاعدة.. إذ قال الحافظ حول ذلك: والشعر لا يستطاع أن يترجم ولا يجوز عليه النقل، ومتى حوّل تقطّع نظمه وبطل وزنه وذهب حسنه وسقط موضع العجب فيه) ومنه أن ترجمة الشعر تحدٍ لا يفوز في حلبته إلا المهرة المبدعون.(11) . ثانياً -الترجمة العلمية: يقصد بالترجمة العلمية ترجمة كتب العلوم الأساسية التي لها طابع علمي بحت، مثل كتب الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم الأرض الجيولوجيا) وعلم الحياة البيولوجيا) وعلم النبات وعلم الحيوان، كتب العلوم التطبيقية: مثل: الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض والعلوم الهندسية بجميع تفرعاتها والعلوم التقنية بكل أنواعها.. الـ. كما هو شأن المترجم بصورة عامة يشترط في مترجم المؤلفات العلمية أن يكون متقناً اللغة العربية واللغة الأجنبية المترجم منها، ويفضل أن يكون مختصاً في المادة العلمية التي هو مزمع على ترجمتها، بمعنى لا يترجم الطب إلا طبيب ولا يترجم كتاباً في الفيزياء إلا متخصص في علم الفيزياء. بالإضافة إلى ذلك يشترط أن يكون المترجم المختص ملما ومتقناً للغة المنقولة منها وأن يكون حسن التعبير والأداء ومتمكناً في موضوعه. فلا بد من توفر التكوين الفني لدى المترجم إلى جانب التكوين اللغوي، ولا بد أيضاً من تضافرهما لبلوغ الهدف وتحقيق الغاية المنشودة، قال الدكتور محمد عوض محمد: إن الترجمة الفنية، أي الثقافية والعلمية، لكي تكون عملاً ناجحاً مثمراً ونشاطاً ثقافياً مجدياً، لا بد لها من مترجم له الصلاحية والقدرة التامة من الناحية اللغوية والفنية، علماً بأن المقدرة اللغوية تتنوع بتنوع اللغات، كما تتنوع بتنوع المادة العلمية التي تتناولها الكتب أو تعالجها البحوث والمقالات. إن المترجم الحق، هو من يلتزم الحد ويحسن سبك المعنى على ضوء الشروط التي تقيد المؤلف الذي ينقل عنه، فتخرج ترجمته صورة صحيحة ومطابقة للنص الأجنبي، لا يفرقه عنه أو يكاد غير رداءة اللغة. لم ينقطع جهد واستمرار الترجمة العلمية عن صدر الزمن، فقد كانت الدولة في حاجة دائمة إليها في مختلف نواحي عملها، فالعمل الفردي قد سبقها وأتقن مبادئها وسار بها شوطاً بعيداً قبل ظهور الهيئات والمؤسسات التي تعني بشؤون الترجمة إلى العربية وسنأتي في نهاية هذا المؤلف على ذكر العديد من الترجمات العلمية والأدبية مع ذكر المترجمين وذكر عناوين الكتب التي قاموا بترجمتها. ونقتطف هنا طرفاً من مقال في هذا الشأن كتبه محرر مجلة المقتطف الدكتور يعقوب صروف في العشرين من هذا القرن حيث يقول: "الخطط التي جرى عليها المترجمون والمعربون الأولون الذين نقلوا علوم اليونان والهند إلى العربية مثل: حنين اسحق العبادي ويوحنا ما سوية السرياني، والذين أيضاً كتبوا في هذه العلوم من أبناء العربية أمثال ابن سيناء وابن رشد والرازي والفارابي(12) . يبدو للعيان أن الترجمة العلمية هي أيسر أنواع الترجمة إذا قام بها شخص خبير بالمادة المنقولة وبالمصطلحات المتصلة بها. ليس من العسير أن يترجم كتاباً في التشريح مثلاً من كان عالماً باللغتين المنقول منها والمنقول إليها، وكان مختصاً في علم التشريح ولا بد أن يضع نصب عينيه حسن تأدية المعاني بوضوح بعيداً عن كل لبس، وأن يتدبر الألفاظ المناسبة والقادرة على الأداء الواضح، وإن يصوغ كلامه صياغة مقبولة، بلغة عربية سليمة ميسورة، بدون تعقيد أو صنعة أو تكلفة وليس المطلوب البتة الافتتان في صوغ العبارة أو زارفة الكلام أو اختيار اللفظ المناسب، لأن قارئ الكتاب العلمي المترجم إنما يهمه أن يفهم المعنى بأدق لفظ وأوجز عبارة. ولأن المعرفة العلمية تخاطب العقل ولا تخاطب الشعور أو الخيال.(13) . إن الكتاب العلمي بكل محتواه يشتمل على أرقام وجداول وصور وأشكال ورسوم مختلفة ينبغي تعريبها بأسلوب يتجانس مع النص المترجم إلى العربية، ورغم تنوع الألوان والصور في النصوص العلمية، فإن تعريبها لا يقتضي من الجهد ما تقتضيه ترجمة النصوص الأدبية. أما الذي يبرز أهمية الترجمة العلمية، كونها تتناول بالدرجة الأولى ترجمة أمهات الكتب في كل علم. وأبرز مثال على صحة هذا المسعى هو قيام الوزارات والمؤسسات في الدولة بترجمة المؤلفات الجمة التي تحتوي على المناهج العلمية، من رياضية وطبية وتقنية، وعلى البرامج التعليمية لاستيعابها وتعميمها على الجهات المعنية للعمل بموجبها. أما ترجمة العلوم الاجتماعية والإنسانية، فإنها إلى جانب لزومها إلى الشروط السابقة الواجب توفرها في ترجمة الكتب العلمية والتقنية، تحتاج إلى صياغة جيدة وإلى أسلوب متكافئ يشد القارئ ويشبع ذوقه اللغوي ويحببه قراءة الكتاب المترجم. ومن هنا يجدر بمترجم كتب العلوم الاجتماعية والإنسانية أن يجمع إلى إتقان اللغتية والاختصاص في المادة المترجمة، حسن انتقاء الألفاظ وحسن سبك المعاني والشرح. يجب أن يكون عمل الترجمة متصلاً مع كل علم لمسايرة ما ينكشف فيه من جديد سواء من الناحية النظرية أو العملية. ذاك أن ما يجد في مراكز البحوث والمختبرات من كشوف وإختراعات تجعل المعلومات العلمية متجددة باستمرار. ومن مقتضيات الترجمة العلمية أن تترجم البحوث والدراسات العلمية والأطروحات المميزة وليس فقط الكتب والمؤلفات، لأن مثل هذه البحوث والدراسات تمثل كل مستحدث في ميدان العلم وتحمل الأفكار والنظريات الجديدة والمبتكرة للعلماء، وآرائهم وتجاربهم، وخاصة العلماء الذين يعملون في الجامعات ومراكز البحوث والمختبرات العلمية في الدول المتقدمة. غير أن هناك جانب في الترجمة العلمية لم ينهض به أحد ويحتاج إلى زيادة الاهتمام رغم وقوعه في حالات خاصة، ذلك هو ترجمة الأطروحات أو الرسائل العلمية التي يعدها الدارسون العرب في الجامعات الأجنبية والتي يمنحون على أساسها الشهادات العليا، كشهادة الماجستير أو الدكتوراه. وما أكثر الدارسين العرب الذين نالوا الشهادات العليا بامتياز وشرف في أكبر وأعرق جامعات العالم، ولا تزال تقبع طروحاتهم في الزوايا، باللغات التي كتبت فيها من انكليزية أو فرنسية أو المانية أو روسية، لا يقرأها طالب أو مدرس، ورغم أن بعض المؤسسات الثقافية تنبهت إلى أهمية هذا الموضوع، فوضعت لها المؤسسة الوطنية للترجمة والتأليف والتحقيق، غير أنها تحتاج إلى اهتمام أكثر(14) . يراد بالترجمة العلمية هنا، التعبير عن معنى الكلمة الإعجمية بكلمة عربية موجودة أصلاً في معاجم اللغة مثل كتاب وقلم) أو غير موجودة ولكن ممكنة الاشتقاق مثل السفينة المدرعة في لباس من صفائح من حديد تقيها قنابل العدو، فهي بمثابة درع لها. وفي مجال التعريب فإن أقرب تعريف له، هو: نقل الكلمة الأعجمية إلى العربية أما على لفظها دون تغيير- مثل -تلفون- أو بتغيير قليل ليسهل النطق بها من قبل الناطق العربي مثل تليفيزيون. أما في مجال الترجمة العلمية، لا بد من ذكر الكلمة التي تقسم إلى حرف واسم أو فعل. فبالنسبة للحرف لا يوجد صعوبة في ترجمته، إلا ثلاثا بقيت على حالها، فهي حروف إضافة عندما تكون جزءاً من علم مثل: دي الفرنسية وفون الألمانية وأف الانكليزية. والمثل لثلاثتها هو: فردينالد دي ليسبس - وفون كرام، والبرنس أف ويلز. أما الأسماء الأعجمية تقسم إلى ثلاثة أنواع: إعلام وأسماء معان وأسماء ذرات. فالإعلام تعرب كما هي ويحتفظ بأصلها قدر الإمكان وإن أجرى بعضها على الأوزان العربية مثل: اسكندرية- قسطنطينية- وديموستينوس. وأسماء المعاني الأعجمية تترجم بمرادفاتها إلا حيث لا يوجد مرادف عربي لها فتعرب كلها كما فعل القدماء السلف حيث قالوا سفسطائية نسبة للسفسطة. وأسماء الذوات تترجم بما لها من مرادفات عربية، سواء كانت حديثة الوضع كأسماء العناصر التي اكتشفت حديثاً مثل: الاوكسجين، والصوديوم، والفسفور الخ.. او آلات مثل التلفون والطوربيد- أو علوم حديثة كالجيولوجيا والبيولوجيا فإذا لم يسبق أن عربت يستحسن العدول عن ذلك اسوة بالسلف، مثل جغرافيا وموسيقي الخ.. والأسماء العلمية الجارية على نظام مخصوص لا بد من أن يذكر به نوع المسمى أو جنسه أو تركيبه الخ.. فيجعل تعريبها كما هي، اسوة بالأوربيين، فيقال: الكبريت وهو حامض ويقال المتر والكيلو وهما قياس ووزن.(15) لأن عددها اليوم بالآلاف، كما أن لها مفهوم مقابل فيصح استعمالها كما هي. وفيما يتعلق بالأفعال فإنها تترجم بأفعال عربية تؤدي المعنى، ولا داعي للتعريب إلا عند الاشتقاق من اسم أعجمي مثل "كهرب" من الكهرباء واكسد "من أوكسيد، وعلى هذا المسار سار القدماء فقالوا هندسي من هندسة -وجوهر من جوهرة- وقرطس من قرطاس وكلها أفعال مشتقة من أسماء أعجمية معربة. وفيما يتعلق بالترجمة العلمية لا يجوز أن ننسى دور الاستشراق في نهضة الترجمة في جميع البلاد، وإن كان له "نزعة مؤذية" حسب رأي البعض، فقد تضاءل كل أثر له غير صالح تجاه أثره العلمي، لأن العلم بطبيعته يأبى إلا أن يكون مثمراً ومفيداً. وسبق أن قال الغزالي: طلبنا العلم لغير الله فأبى إلا أن يكون لله). لم بعد يمكن للمرء أن يغض النظر عن مآثر الاستشراق التي تتضح بشكل واضح وجلي في الميدان العلمي، وهي "المعاجم" التي أصبحت الموآزر والمفيد في ترجمات العلوم والأدب العربية، وتلك هي إحدى الوسائل المشكورة في تمهيد السبل لهذه النهضة. فالحديث عن الترجمة العلمية "يفيض متعة ومعرفة" ولا مناط لصاحبه من أن يغوص للفظ والعبارة والتركيب والأسلوب. وبقدر ما يكون اللفظ مناسباً والعبارة سليمة والتركيب صحيحاً والأسلوب سلساً، بقدر ما يستطيع النقد أن يحكم بالتقدم أو التأخر بالازدهار أو الانحطاط، بالامتياز أو القصور للعمل المترجم بين يديه. أما اللفظ فهو عبد عصره يكيفه هذا وفق مناخه الفكري، وما احرز من تقدم على طريق الحضارة. ونضرب مثالاً علمياً حول ذلك، لفظ Quantum اللاتيني ومعناه مقدار والذي يجمع على Quants أي مقادير، وفي هذا المعنى أصبح مستعمل في الانكليزية وكان اللفظ الانكليزي Quantity بمعنى كمية، وجمعه Quantities بمعنى كميات، والتفتيت كما يعلم من نتائج النظرية النسبية لانشتين. العبارة تصبح سليمة على أساس من اللغة والذوق وموآلفة العادة، على حين قد لا يتأثر التركيب بغير الأولين. ويقصد بذلك الاعتبار اللغوي نحوا وصرفا ثم الذوق بعد ذلك. إن الوجه الأخير من سلاسة الأسلوب، هو الحديث عن عناصر الترجمة العلمية، ولفهم الكلام يجب أن يكون اللفظ محدداً والعبارة مألوفة والتركيب سهلا. ونسوق فيما يلي ترجمات أو مقتطفات من مترجمات علمية من القديم ومن أيامنا هذه. حيث من خلالها يتضح مدى تقدم الترجمة في هذا القرن. من ترجمة محمود سامي البارودي لرسالة "السحر الأبيض والأسود" عن الانكليزية، نأتي على قطع منها: إنه مهما نسبه الجهل قديماً وحديثاً إلى كلمة السحر من غلط التأويل، فإن معناها الحقيقي هو العلم الأعلى أو الحكمة المؤسسة على قواعد الدراية والتجارب الرياضية، ففن السحر هو في استخدام المرئيات أو القوى الروحانية لإدراك بعض الأغراض المقصودة. ويترجم اسماعيل مظهر قول الأستاذ "بنيامين" كدّ صاحب الكتاب المعروف في التطور الاجتماعي إن الروح الحربية التي تملكت زمام المدينة في عصور الوثنية هي التي شكلت تاريخ الغرب برمته، فخرجت الشعوب الغربية من تلك الحروب، حروب التدمير والتخريب، بمدنية هي أغرب ما وصل إليه الإنسان في تاريخ الدنيا. وما من ثمرة من ثمار هذه المدنية وما من نظام من نظاماتها الاجتماعية أو شكل من أشكالها. إلا وجدت للروح القديم أثراً كبيراً فيه(16) . من كلمات العالم الألماني الكيماوي النابغة فرديريك برجيوس صاحب جائزة نوبل لعام 1931 والذي حول خشب الغابات إلى سكر، والفحم الحجري إلى زيت معدني، يقول العالم الفذ، بترجمة الأستاذ عوض جندي(17) . الخشب مادة أولية قديمة العهد، يستخرج منها الآن بالكيمياء الصناعية مواد تقوم مقام الكثير من الأشياء الطبيعية، ومنها وقود المحركات الميكانيكية وطعام الإنسان والحيوان، ثم الثياب وأجزاء الطائرات. ويقضي العلم العصري بأن العناصر الأصلية الموجودة في كل نبات حي، يشبه بعضها بعضاً، بدت لنا ذات أشكال مختلفة كل الاختلاف. ونقل الدكتور عثمان أمين كلام فيلسوف انجلترا القرن الثامن عشر "جون لوك" وهو يقر بما للفيلسوف الفرنسي "ديكارت" من فضل على الفلسفة، قال: بعد أن عكف الناس على تعلم الفلسفة وتعليمها طبقاً لمختلف المبادئ طوال هذه المئات من السنين، نهض في ركن من أركان العالم شخص غير وجه الأمور، وشرع يبين أن جميع من سبقوه لم يفهموا من مبادئ الطبيعة شيئاً، ولم يكن ذلك ادعاء ولا غرور بل يلزمنا أن نقر أن هذا الفيلسوف الجديد قد منحنا، للنظر في الأشياء الطبيعية، نوراً أكثر مما منحنا الفلاسفة الآخرون عن بكرة أبيهم. ومن مترجمات علم التاريخ، ينقل الدكتور محمد غلاب نص وصية الملكة ماري أنطوانيت ملكة فرنسا إبان الثورة الفرنسية، وهي وصية وضعتها صاحبتها في صورة رسالة إلى أخت زوجها اليزابيت، كتبت تقول: "إنما إليك أيتها العزيزة أكتب للمرة الأخيرة، فلقد حكم عليّ منذ هنيهة، ولكن بالموت المخجل، لأن ذلك مقصور على المجرمين، بل بالرحيل للالتقاء بشقيقك.. نعم إنني أشعر بأسف عميق لفراق ولدى البائسين، ولا سيما أني علمت في أثناء نظر القضية أن ابنتي قد انتزعت منك، فوا أسفاه على هذه الطفلة المسكينة.. الخ. وتقصد الملكة بعبارة "بالرحيل إلى الالتقاء بشقيقك الإشارة إلى مصيرها المحتوم، فهو قد اعدم قبلها. ولفتّة أخرى إلى قادة الرأي القائل بعجز العربية عن أداء رسالتها العلمية في العصر الحاضر أن يعدلوا عن تشويه وجه حقيقة أقر بها الغريب قبل القريب، فهذا جورج سارتون يقول: "إن بعض العلماء يجربون أن يستخفوا بتقدمة الشرق للعمران، ويصرحون بأن العرب والمسلمين نقلوا العلوم القديمة ولم يضيفوا لها شيئاً ما.." إن هذا الرأي وأنه لعمل عظيم جداً أن ينقل العرب إلينا كنوز الحكمة اليونانية ويحافظوا عليها، ولولا ذلك لتأخر سبر المدنية بضعة قرون". ولم يكن سارتون وحده الذي غمره فيض هذه الحقيقة اللؤلؤى فغسلت فؤاده من العصبية العمياء، فهذا دي فو يقول: "إن الميراث العلمي الذي تركته اليونان لم يحسن الرومان القيام عليه، أما العرب فقد اتقنوه وحفظوه، وعملوا على تحسينه وإنمائه، حتى سلموه للعصور الحديثة". ويقول سيدلو: .. وإن إنتاج أفكار العرب والمسلمين يشهد بأنهم أساتذة أوربا في جميع فروع المعرفة". وما هي إلا مقتطفات ثلاثة من الأفلام النزيهة، انبثقت انبثاق الزهر من الاكمام ولئن زاد اليوم الاعتراف بفضل العرب في هذه الناحية، فلأن للحقيقة العارية اليوم نصيباً أكبر من اهتمام الناس. (18) . ثالثاً- اشـــــتات الترجمة إن الترجمات المشتتة التي ظهرت خلال القرن العشرين كثيرة جداً ومتنوعة تجمع ما هو ليس أدبياً بحتاً ولا علمياً خالصاً، نأتي على ذكر بعضها ضمن جدول الترجمات في نهاية هذا المؤلف: حيث حفلت هذه الحقبة بأعمال كبار في الترجمة، سواء في نطاق العلوم الإنسانية أو مجال الفنون- الحضارات- التاريخ- الاجتماع- والمعارف العامة وغيرها.. الخ. (1) ر. تاريخ الترجمة جمال الدين الشبال، ص ص 215-224. (2) حركة الترجمة في عصر النهضة -ل. زيتوني. (3) ر: حركة الترجمة في عصر النهضة، ل. زيتوني. ص ص 156-157-159-160. (4) كاسيرر: في علم الضمائر المثالية - جريدة علم النفس 1929- ص92.ثم مونين Mounin) /أنظر المسائل النظرية في الترجمة ص 39-43- المصدر نفسه. (5) ر.الترجمة قديماً وحديثاً: شحادة خوري ص 95-97. (6) وحركة الترجمة في مصر أحمد عصام الدين - ص 70-71. (7) طه حسين من أناتول فرنس. (8) عدد مجلة الهلال نيسان عام 1976 ص12.، حركة الترجمة في مصر في القرن 20- أحمد عصام). (9) حركة الترجمة في مصر أحمد عصام الدين ص78-79 (10) الترجمة قديماً وحديثاً -شحاده خوري ص98-99 (11) شحادة خوري -المرجع نفسه ص99 (12) مجلة المقتطف عدد شباط عام 1918 ص72 (13) الترجمة قديماً وحديثاً ص92-93 (14) الترجمة قديماً وحديثاً ص94-95 (15) مجلة المقتطف -عدد شباط 1918- ص73 ولا حاجة إلى ترجمتها (16) حركة الترجمة في مصر -أحمد عصام الدين ص90-93. (17) حركة الترجمة في مصر -أحمد عصام الدين ص90-93. (18) المرجع السابق ص94-95-96-97 |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |