" المعذب " في الشعر العربي الحديث فـي سوريا ولبنان من عام 1945 إلى عام 1985 - ماجد قاروط

دراسات جمالية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:55 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
-نموذج المعذب في الشعر العربي الحديث:

-نموذج المعذب في الشعر العربي الحديث:

إن الشعر العربي الحديث يمتد زمنياً منذ ظهور المدرسة الكلاسيكية الجديدة أو المدرسة الإحيائية مروراً بالمدرسة الرومانتيكية حتى ظهور شعر الحداثة بصورته الراهنة.

لقد تجلَّى مفهوم /المعذب/ بغزارة وبصورة تصاعدية في النص العربي الشعري الحديث نتيجة للظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي عانى منها الوطن العربي ونتيجة للتطورات المذهلة التي شهدها القرن العشرون على أكثر من صعيد/علمي، وسياسي، واقتصادي،.../ حيث تسارعتْ التطورات في هذا القرن تسارعاً لم تشهده القرون السابقة، فوقف الفرد عامة والفرد العربي خاصة مدهوشاً أمام تلك التسارعات والظروف، فكان لهذا الأمر أثره في الذات التي عجزتْ عن التلاؤم مع معطيات الواقع، وتجلّى هذا العجز بصورته المرعبة في نص الحداثة الشعري) الذي مازلنا نعيش إنجازاته حتى الآن.

-النموذج المعذب في الشعر الإحيائي في سورية ولبنان:

كانت المدرسة الإحيائية محاولةً لإعادة التوازن إلى النص الشعري ومنها بدأ الانطلاق إلى عوالم أخرى في القصيدة العربية، تجسّدتْ فيما بعد بظهور المدرسة الرومانتيكية ثم المدرسة الحديثة، حيث نهلتْ هذه المدارس من التراث العربي وفجَّرتْ طاقاته، كما أنها عَنِيَتْ بقراءة النتاج الشعري الغربي بمختلف تياراته، وقد ظهرت المدرسة الإحيائية في مرحلة من التأزمات السياسية والاقتصادية في سوريا ولبنان، الانتدابات، الاحتلالات). أثَّرتْ في البيئة الاجتماعية بشكل عميق، وانعكستْ على الأدب عامة وعلى الشعر خاصة، حيث ظهر المعذب اقتصادياً واجتماعياً في القصيدة الإحيائية، ومن ثم المعذب أخلاقياً.

أما موضوعات /المعذب/ فقد عكست قضايا الفقر واليتم والتشرد ومناقشة مسألة الموت من خلال الرثاء والثشاؤم والاغتراب.

إن  اليتم حالة من الحالات المؤلمة على الصعيد الإنساني، عبَّرت عنها المدرسة الإحيائية تعريةً منها للجانب الجشع من المجتمع، ففي قصيدة للشاعر خليل مردم بعنوان اليتيم الجائع) يصف الشاعر طفلاً متشرداً في جوف الليل فيقول[1]):

نال الضنى من جسمه مانالا

 

طفلٌ بجوف الليل يبكي عارياً

كالفرخ ريعَ لكاسرٍ قد صالا

 

ماراعه إلا دنوِّي نحوه

منه الدموعُ فما استطاع مقالا

 

ساءلْتُه ماخطْبه؟ فتدفقتْ

إن فقدان ذلك الطفل مصدرَ الحنان والمصدر الاقتصادي الذي يؤمِّن له حياته، قد أدَّى به إلى هذه /الصورة/ من العذاب التي حاكى الشاعر أطرافها، ثم إن عذاب هذا الطفل ينطوي على الخوف، خوفٍ من المجهول القادم كالفرخ ريع لكاسر) نظراً لانعدام ثقته بكل مايأتي وبكل مايحدث، فكلُّ شيء يتحرك حوله يوحي بالرعب الذي تربَّى وتكوَّن لديه نتيجة انهيار قاس لكل مصادر الحنان، فجعله هذا عاجزاً في نهاية المطاف حتى عن التعبير عن الصورة القاسية التي وصل إليها فما استطاع مقالا).

إن هذه الأبيات لاتصوَّر حالة فردية خاصة، بقدر ماتصور ظاهرة ممتلئة بالخوف على المصير الإنساني بسبب انعدام مصادر الاطمئنان والاستقرار بما فيها المصادر الاقتصادية.

وللشاعر /خير الدين الزركلي/ قصيدة في هذا المجال يصف فيها لاجئاً:[2])

 

وقلبُ من هذا، الذي يوجفُ؟

 

دموعُ من، تلك التي تذرف؟

إليه من يرحمَ أو يرأفُ

 

إنْ كان إنساناً فهلاّ صغى

من ناصرٍ يعطف أو يُنصِفُ

 

أمْ ليس في الناس لمستنصِفٍ؟

ثمة حالة قهرية سلبية استدعت بكاء ذلك الشخص /اللاجئ/، فهو ليس لاجئاً عادياً، بل هو إنسان اضطر مرغماً إلى القيام بفعل يوحي بالضياع وبالهرب من وضع غير آمن، وهذا بالضبط مايثير استنكار الشاعر لجملة الظروف التي أسهمت في بلورة هذه الشخصية فيدعو المجتمع ببعض فئاته إلى موقف أكثر إنسانية من المشكلة المطروحة في الأبيات التي يعاني منها امرؤ ما، لأن معاناته وتشرُّدَه لن ينتهيا إلا بموقف اجتماعي أم ليس في الناس لمستنصف).

إنَّ ظهور هذا /المعذب/ في النص آتٍ من أسباب اجتماعية أخلاقية، تتعلق باستعداد ذلك الشخص المسبق لدخول حالة التأزم النفسي، حيث نحن أمام امرئ تعرض لموقف عصيب لا يزول إلا بزوال المسبب، ولكنه ليس موقفاً ينطوي على الديمومة والاستمرارية مدى الحياة ناجماً عن وجود خلل نفسي متأصِّل فيه.

لقد طرحت المدرسة الإحيائية إلى جانب الفقر والتشرد جوانبَ أخرى لغربة الإنسان، تتمثَّل بالاغتراب القسري عن المكان نتيجة وجود ظروف سياسية تتعلق بالانتداب والاحتلال، وهو اغتراب عانى منه خير الدين الزركلي) نفسه حيث يقول في قصيدة له بعنوان قصيدة نجوى)[3]):

إن حلّ لم ينعمْ وإن ظَعَنَا

 

إن الغريبَ معذبٌ أبداً

لهممْتُ أعبدُ ذلك الوُثَنَا

 

لو مثّلوا لي موطني وَثَنا

إن شعور الزركلي بالغربة القسرية عن الوطن آتٍ من أنه فقد في الوطن الجديد مجملَ العلاقات الاجتماعية ذات الرابط الحميمي، وقد أخذ الوطن في البيتين السابقين سمة أعبدُ ذلك الوثنا) عند الشاعر لأنه ارتبط بكل ما هو خيرٌ ومعِطاء الأم، الأرض) ، الأمر التقديس الذي جعله يرى الوضع الجديد قبيحاً إلى حد سبّب له الألم والحزن.

وهكذا فإن /المعذب/ الذي طرحه البيتان يرتبط بمعنى /القلق/  و /الألم/ و /عدم الاستقرار/ في البيئة الاجتماعية الجديدة.

إن كل مايسود في الوطن من علاقات سلبية وإيجابية، هو في نظر الشاعر /جميل/، والبيتُ الثاني يرسِّخ هذه الفكرة بعمق، فيكتسب البيتان قيمة جمالية هامة.

أما الاغتراب الذي طرحه محمد البزم) فيختلف عن اغتراب الزركلي) ذي الظروف السياسية، لأن البزم) طرح الاغتراب الاجتماعي الذي ينبثق عن العلاقات الاجتماعية الفاسدة، ثم يتَّسع ويزداد حدة وقسوة إلى حد فقدان الأمل والموت مع تراكم السنين، حيث يقول في قصيدة له بعنوان /الغريب/:[4])

في أذاه قبل العدى أترابُهْ

 

بات في أرضه غريباً تبارى

إلى فجوة الفناءِ اغترابُهْ؟ مدور)

 

كيف لايغتدي غريباً، وقد حُمَّ

إن المعذب الذي صوَّره البيتان يستند إلى خلل في طبيعة صلة الأفراد بالشاعر، إذ يتّبعُ الأفراد سلوكاً اجتماعياً مخالفاً لسلوكه يعود عليه بالأذى والضرر، فكان لابد من إعلان القطيعة مع قبْح ذلك السلوك.

يتفاوت الاغتراب حدة بين البيتين الأول والثاني، فالغريبُ في البيت الأول -كما رأينا- يرتبط بالعلاقات الاجتماعية، في حين أن الاغتراب في البيت الثاني مرتبط بالموت والنهاية. ويشكّل هذا الاغتراب على الصعيد النفسي حالة أكثر رعباً من الاغتراب الاجتماعي السابق، حيث /الغربة/ الناتجة عن الشعور بالنهاية تنطوي على تأزم نفسي كبير، فكيف إذا اجتمعت هاتان الغربتان معاً، في ذات الشاعر، ويبدو من سياق البيتين أن الغربة الأولى أفضت إلى الثانية.

إن الغربة الاجتماعية بتراكمِ سلبياتها أدَّتْ إلى فقدان الأمل بالواقع وبالمستقبل فانتهى الأمر بالشاعر إلى التفكير بالعدم لفقدانه الثقة بالواقع، وفقدانه التوازن، وهذا ماتشير إليه الحياة الاجتماعية للبزم، الذي "برمَ بالناس وكرهَ المجتمع فقد لقيَ الشقاء منذ شبَّ، واكتنفتْه الهموم منذ دخل الحياة الاجتماعية، ولقى الحَسَدَ والضغينة والخلُق الفاسد"[5]).

وما دمنا في الحديث عن الغربة والموت، فإن المدرسة الإحيائية قد طرحت الموت طرحاً مغايراً لأشكال الموت وأنواعه في الشعر الحديث، حيث ظَهَرَ الموت في الإحيائية في قصائد الرثاء والحكمة، وفي بعض القصائد حيث ارتبط الموت /بالسراب/ الذي يُفضي إلى /الخديعة/ و /عدم الثقة/ بالآتي:

نقف في البدء عند قصيدة للشاعر بدوي الجبل بعنوان /السراب المظلم/ يقول فيها:[6])

بالوهم من نشوةِ السقيا ويُغريهِ

 

حَنَا السرابُ على قلبي يُخادعهُ

أهوى السرابَ وأرجوه وأُعليهِ

 

فكيف رحتُ؟ ولي علمٌ بباطلهِ

رمالُها السمرُ من تيه إلى تيهِ

 

ويْح السراب على الصحراء تسْلِمُهُ

لقد اقترن العذاب في الأبيات السابقة بالخوف من المستقبل، ذلك أن كلمة سراب، وهي مفتاح الأبيات توحي بذلك المستقبل القاتم، ثم إن السراب في ذاته يفضي إلى معنى /الآتي/ ولكن بالصورة السلبية هنا، وقد انطوى هذا العذاب بالضرورة على التشاؤم والريبة.

إن الأساس الجمالي الذي ارتكزت عليه الأبيات يقوم على توصيفٍ خارجي للسراب، فالسراب من الناحية الواقعية لايختلف كثيراً في المعنى عما أتت به المقطوعة الشعرية السابقة، من أنه -عادة- موجود في الصحراء وأنه يخدع الناظر إليه فيظنه ماء.

كما أن العذاب القادم من السراب قد انطوى أيضاً على الضياع الذي أبرزه البيت الأخير من تيه إلى تيه)، فبدا أن ثمة خللاً ما في الواقع أدّى بالشاعر إلى الضياع وإلى عدم الثقة بالعالم المحيط به.

في قصيدة أخرى لبدوي الجبل تظهر عذابات الشاعر أقوى وأعتى من الموت، ففي قصيدة بعنوان /ثكْل الأمومة/ وهي في الرثاء يقول[7]):

أمرُّ من كلّ حتف بعضُ ما أجدُ

 

ما للمنيةِ أدعوها وتبتعدُ

والواردون أحبائي ولا أردُ

 

ظمآن أشهدُ وِرْدَ الموت عن كثَبٍ

بالجمر من نفحات الجمر يبتردُ

 

علّلتُ بالصبر أحزاني فيا لأسى

إن جوهرَ العذاب في الأبيات السابقة ينطلق من الموت المعنوي) في قول الشاعر أمرُّ من كلّ حتف بعض ما أجد)، ذلك أن هذا الموتَ أقسى من الموت الفيزيائي، حيث يتمنى الشاعر أن يموت ميتةً واحدة الموت الفيزيائي) إلا أن هذا بعيد المنال عنه.

ولعل الحياة اليومية بمشاكلها الاجتماعية وعلاقاتها السائدة، تفرض على الشاعر عذابات متكررة وقاسية، لايبالي بعدها بذاك الموت الذي يشكِّلُ النهاية الحتمية لكل إنسان، فالصبر لم يعد يضاهي حجم العذاب، كما أن عذابات الشاعر تنطوي على الكثير من التشاؤم والحزن.

ولابد من الإشارة إلى أن الموت المعنوي المطروح في الأبيات قد اتسع مفهومه واتخذ أبعاداً كبيرة في الشعر العربي الحداثوي في سورية ولبنان، لهذا فإن للمقطوعة أهمية كبيرة جمالية تنبع من كونها حالة جنينية أساسية لتطور مفهوم الموت في مراحل الشعر اللاحقة وتطور مفهوم المعذب) جمالياً في القصيدة الحديثة.

بيد أن صورة الموت بقيت مادية عند البزم حيث يقول في قصيدة بعنوان على قبر فتى)[8]):

وياموتُ ما أقسى بناتك عادياً

 

فيادهر ماأقسى جنانَك فاتكاً

فمخلبُك المشؤومُ مازال دامياً

 

وماابتدعتْ كفَّاك في الناس فتكةً

حيث يرتبط العذاب في البيتين بالخوف من الموت الفيزيائي) من خلال وصْفِ أثره المشؤوم على الناس، إذ أن الشاعر يستخدم غرضاً من أغراض الشعر العربي القديم في تجسيد هذا الخوف من صروف الدهر باعتماده على الحكمة).

لم يخرج الموت في الأبيات السابقة عن سماته المعتادة، كالبطش والوحشية، ذلك أن تشبيهه بالوحش الكاسر ذي المخالب والأنياب، هو فرضيةٌ فنية شعرية ساندتْه لمدة زمنية طويلة، حتى أصبحتْ تلك الفرضيةُ قانوناً ونظاماً يستحيل العدول عنه، كما أن البزم قد فرَّغ شحنته النفسية في البيتين السابقين بشكل بلاغي متوارث، فالشاعر في المدرسة الكلاسيكية أخذ على عاتقه "أن يضع في ذهنه النماذج الفنية القديمة، لأن الإبداع -لدى الكلاميين- أقلُّ أهمية من السعي إلى الكمال المعهود سابقاً.

وما الإبداع لدى الكلاسيين سوى اكتشاف الأفكار المناسبة والمطابقة لمقتضى الحال. أما الخيال فيقتصر عمله عندها، على زخرفة الأسلوب بالمحسنّات البديعية والبيانية"[9]). وتتوضح الحكمة التي تنطوي على الموت في البيتين التاليين لبدر الدين الحامد، من قصيدة بعنوان /نعمةُ العيش/ [10]):

إن بَعْد النعماء شرَّاً وبيلاً

 

نعمةُ العيش لاتدوم طويلاً

واسألِ الدار كيف تغدو طلولاً

 

انظرِ الورد كيف يذبل نضْراً

إن الحكمة تُقدِّم فائدة فكرية أخلاقية، فعندما نقول كما أرادت الأبيات إن الموت نهاية كل كائن حي) فإننا لانستطيع أن نقف من هذا الكلام موقفاً جمالياً لأن القضايا المجردة لاتدخل في نطاق الأحكام الجمالية، ولهذا فإن /المعذب/ لم يتوضَّح في البيتين، ولم تتوضّح علاقة الشاعر بالموت أيضاً، حيث تنطبق المقولة السابقة إن الموت نهاية كل كائن حي) كما هو ملاحظ من خلالها على الكائنات جميعها لتشكِّل حالة عامة لامفرَّ منها.

ننتقل إلى موضوع آخر من موضوعات المدرسة الإحيائية في سوريا ولبنان يتعلق  بالمعذب)، فالتشاؤم يشغل حيزاً كبيراً من حياة المعذب المبنية على الصدامية.

نبدأ بالوقوف عند الشاعر خليل مردم) الذي "افتتح حياته بالحزن، والفاجعة، ففقد أبويه في مطلع عمره، وراح يسير في الدنيا يتيماً وحيداً يعتمد الحذَرَ والصمت والصبر في حياء وخجل وتردد وقلق، فانطبعت شخصيته بذلك وعاش كل عمره قليل الكلام شديد التأمل، هادئاً متزناً، ووراء ابتسامته حزن قديم عميق، يستشفه الذين عرفوا نشأة الشاعر وتمرَّسَه بالصبر والسكون[11]).

يقول الشاعر في قصيدة بعنوان شؤم على شؤم)[12]):

بدهري إلا ازددتُ شؤماً على شؤمي

 

لعمرو أبيك الخير ما ازددتُ خبرةً

تظلُّمَ غيري أو قراراً على الظلْمِ

 

يخيّرني أمرين لاخير فيهما

فمن لي بأن أقْضي حياتيَ بالوهمِ

 

شقيتُ وكم تشقي الحقيقة أهلها

لعل اكتشاف جوهرِ العلاقات الاجتماعية، وتعاظُم الوعي لجملة الأحداث التي تجري على أرض الواقع ينبئ بكارثة نفسية، لم يجد الشاعر حيلةً في التصدي لها، بل ازداد شؤمه شؤماً، وغابت الطمأنينة عن صلة خليل مردم بالواقع، ويبدو أن تصوُّر الشاعر للواقع يخالف مايحدث في الواقع فعلاً، فمَعَ تراكم الزمن وتراكم الخبرات المعرفية يزداد عذاب الشاعر حدّة.

إن البيت الأول يشير إلى تفاوت مستوى الشؤم بين مرحلة وأخرى تبعاً لإدراك الشاعر لجوانب سلبية أخرى في  المحيط، إذ أن المضمون الذي طَرَحَهُ خليل مردم) في المقطوعة السابقة مناسب تماماً للظروف الاجتماعية التي عاشها والتي أشرنا إليها سابقاً.

ويبدو أن البيت الثاني يشير إلى وضع من أوضاع السلطة القمعية، القائمة على الظلم، غير أن تلك السلطة يمارسها الدهر بتقلباته وأحداثه التي لايستطيع الشاعر أن يلاحقها ويقف مذهولاً أمام وطأتها، فليس له إلا الوهم أقضي حياتي بالوهم)، فالوهمُ حالة سلبية بخلاف الحلم، حيث الوهم قائم على الخديعة والزيف، بيد أن الحلم بالإمكان تحقيقه، ثم إنه يعمل على تفريغ شحنات مكبوتة، ويؤدي وظيفة نفسية هامة.

ومن القصائد التي عبّرت عن التشاؤم من صروف الدهر قصيدة للشاعر /محمد البزم/ بعنوان /طرابلس الغرب/ يقول في مطلعها[13]):

وتمطر أصناف البلايا سحائبُهْ

 

دع الدهرَ تنمو بالرزايا مصائبُهْ

تروح بسعدٍ أوبنحسٍ كواكبُهْ

 

فما الدهرُ إلا مرُّ يوم وليلةٍ

ويعدو علينا صرْفُه فنواثبُهْ

 

تطاردنا خيلُ الزمانِ بلا ونى

بقايا خميسٍ أسلمتْه كتائبُهْ

 

تقارعنا الأيامُ حتى كأننا

فالدهر هو المفتاح والبؤرة التي يدور حولها النص، وهو مصدر العذاب، والشكوى والأنين، بما يحمله من أحداث قهرية تصيب الشاعر بالكثير من الأذى والضرر، ولايستطيع بعدها أن يفعل شيئاً إزاء صروفه، ولقد اعتمد الشاعر على بنية النص العربي التراثي في نقْل شكواه وعذاباته، حيث بدا واضحاً الاتكاء على الموروث الفني القديم في تبيُّن الحالة.

إن الألم والشقاء من الموضوعات الهامة التي جاءت بها المدرسة الإحيائية في إطار الحديث عن مفهوم المعذب، وتوزَّعَ الألم والشقاء بين الحزن المرير واليأس والقنوط، حيث نتوقف في البدء عند الشاعر خليل مطران وهو يقول[14]):

أداريه فليغررْك بِشري وإيناسي

 

فإن تَرَني والحزنُ ملء جوانحي

يحجَّبها برداي عن أعينِ الناسِ

 

وكمْ في فؤادي من جراحٍ ثخينةٍ

طلاقَة جوٍّ لم يُدنَّس بأرجاسِ

 

إلى عينِ شمسٍ قد لَجَأْتُ وحاجتي

مكايدَ واشٍ أو نمائمَ دسَّاسِ

 

أُسرِّي همومي بانفرادي آمناً

لعلَّ العزلة هي فسحة الأمل الوحيدة بعيداً عن كل ماهو قبيح في المجتمع الذي هو مصدرٌ من مصادر الحزن والألم، إذ تحكُمُه العلاقات الأخلاقية الفاسدة، ومادامت هناك فسحة أملٍ أسرِّي همومي بانفرادي آمناً) فإن المعذب) في النص مازال في صورته الجنينية، وهكذا كان شأن المعذب) في المدرسة الإحيائية) عامة.

يعرض النص في البداية حالةً مزْرِية تنتاب الشاعر، ملْؤها الألم والحزن والجراح، ورويداً رويداً يتراجع الألم أمام العزلة كعالمٍ للطمأنينة والاستقرار، حيث العزلة هي أحَدُ جوانب العالم المثالي عند مطران في هذه الآونة، لأنه لايستطيع أن يقوم بنفي القبْح) عن الواقع بمشاكله الكثيرة وظروفه المضنية.

كذلك فإن محمد الفراتي) في قصيدة /يامن يشاطرني الأسى/ يمزج بين الأسى والتشاؤم من جهة وفسحة الأمل من جهةٍ أخرى فيقول[15]):

تئةً بقلبي كالهضاب مدور)

 

نَهَدَتْ صخورُ الصبرِ نا

مُ بها فتغرق في الشعاب مدور)

 

تهوي فترتطم الهمو

ولَعَ المضلَّلِ بالشرابِ

 

ولعَ الشقاء بمهجتي

جي الوهم تلمَعُ كالشهاب مدور)

 

آمال نفسي في ديا

لَقَضَيْتُ من ألمِ العذاب

 

لولا مغالبَةُ الهوى

دونَ العشيرةِ والصحاب

 

يا مَنْ يُشَاطِرني الأسى

في الأبيات حالتان مختلفتان تماماً، تبدأ الحالةُ الأولى من البيت الأول وتنتهي في البيت الثالث، ويحدث انعطاف في البيت الرابع ومايليه باتجاه حالة أخرى مغايرة لسابقتها. أما الحالة الأولى فهي تصوير قاتم للحياة التي يعيشها الشاعر، بيد أن الحالة الثانية تصوير جميل لتلك الحياة فمنْ  يقرأ نَهَدَتْ صخورُ ناتئةً بقلبي) ويقرأ آمالُ نفسي في دياجي الوهم تلمعُ كالشهاب) يدرك الفارق بين الحالتين، فالعذاب لم يكتمل لظهور الأمل بشكل مفاجئ في النص.

مما سبق ندرك أن المعذب) في الإحيائية لم يصل إلى المستوى المطلق من العذاب، وذلك بسبب وجود الروابط الاجتماعية من جهة وبسبب وجود فسْحة الأمل من جهة أخرى.

أما على الصعيد النفسي فإن أنا) الشاعر الإحيائي تتقاطع مع أنا) بقية أقرانه من شعراء هذه المدرسة من خلال النصوص التي تناولْناها، وهي تتقاطع مع أنا) شعراء العصر العباسي بشكل عام؛ أما الوعي الجمالي لهذه المدرسة فيرتكز على الموروث العربي القديم وعلى البلاغة العربية عامة وعلى الاستعارة منها خاصة، تلك الاستعارة التي:

"تحاول إعطاء معلومة تفوق المعلومة المنطقية"[16])، فالشاعر الإحيائي يقوم كما أشرنا سابقاً بتفريغ شحنته النفسية بشكل بلاغي متوارث، وهذا لايعني مطلقاً أن الشاعر الإحيائي لم يتفاعل عبْر وعيه الجمالي مع القضايا والأحداث على أرض الواقع في بدايات هذا القرن، بل إنه تأثر بالأحداث السياسية المتمثّلة بالانتداب والثورات والاحتلالات المتكررة للأراضي العربية، كذلك بالظروف الاجتماعية التي ترافقت مع هذه القضايا والأحداث، وهذا ماانعكس في نصوص خير الدين الزركلي) على الصعيد السياسي خاصة، وكذلك عند بقية الشعراء الإحيائيين ولكن بصورٍ متفاوتة؛ فالعملُ الفني الأصيل "هو ثمرة استيعاب الفنان للواقع وأفكاره ومزاجه وموقفه من الأحداث الجارية، في منتوج العملية الإبداعية- أي العمل الفني الذي هو أيضاً وسيلة لتعبير الفنان عن نفسه وطريقة لتصوير الحياة الواقعية"[17]).

إن اتكاء المدرسة الإحيائية على التراث قد أثَّر بالضرورة في لغة النص تراكيب ومفردات، ذلك أن المُطالع لشعر محمد البزم يشعر "أنه في محراب الشعر القديم، إذ تكثُرُ فيه الألفاظُ الصعبة والعبارات المجازية والصور القديمة الجاهلية والأسلوب الفخم"[18]) حيث "عاد الشاعر محمد البزم بالشعر إلى أنماطه الأولى فاهتم بجزالة اللفظ ورصانة الديباجة ونادى بالمتنبي ملكاً على أمراء البيان.. وطالب الشعراء باحتذاء نُسُجه اللغوية"[19]) كذلك كان شأن الشاعر /محمد الفراتي/ أيضاً حيث لم يتخفف إلا قليلاً من لغة النص العربي القديم.

على صعيد النظام الموسيقي، فقد رسًّختْ القصيدة الإحيائية قوانين النظام العربي القديم الذي أسهمت البيئة الاجتماعية الجاهلية في إنجازه، تلك البيئة القائمة على الرتابة والسياق المادي للحياة، فجاءت القصيدة بغنائيتها لتخفِّفَ قليلاً من وطأة الظروف وقسوتها فقد "حفلَ إيقاع الشعر بحيوية وتنوُّعٍ هما نقيض الرتابة المباشر، بل ربما كانت الحيوية المنبعثة من تنوُّعِ الإيقاع صورةً لحنين لا واعٍ لرفض الرتابة بالغناء، الغناءِ المرهف، المنسربِ، المائجِ، الراقصِ، الصاخب أحياناً، والهاجز الراجز أحياناً"[20]).

بعد أن انتهينا من الحديث عن ملامح /المعذب/ في المدرسة الإحيائية في سورية ولبنان، نقف على أعتاب مرحلة جديدة ومدرسة جديدة ظهر فيها مفهوم /المعذب/ بجلاء تماشياً مع ظروف العصر وتعقيداته، فعصرُنا "عصرُ الخوف لأنَّ الخوف أصبح منعكساً شرطياً... ترتكز قاعدة كثير من التربيات على الهجوم والدفاع. ويسرف الإنسان في تعلم كيفية قهر نفسه وتعلَّمِ الكبت، وإخفاءِ أفراحه ودوافعه وغضبه باسم أوامر ترتكز، غالباً، على رمل الأعراف العابرة المتحرِّك.. ويتألم الإنسان لأن به عطشاً إلى شيء آخر، حتى لو لم يكن غير الظمأ إلى أن يكون ذاته، أصيلاً، متحرراً مما هو فيه"[21]).

إن اغتراب الفرد في هذه الآونة يرتكز على الدهشة المباغتة، فهو لايستطيع أن يلاحق مايجري من تطورات متصاعدة تحيط به، ولايستطيع أيضاً أن يجد حلاً لخلاصه الوجودي بسبب التأزم عبر القلق الذي أسهم المجتمع بظروفه في تكوينه وتعميقه، فجاءت القطيعة بين الفرد وبيئته حلاً مرّاً لامفر منه، فـ "كثيرٌ من الناس في عصرنا غير متكيفين، وعدمُ التكيُّف يعني التناقض، والتناقض يعني التمزق وهذا يعني الحصر. والتناقض التالي هو أحد أكبر التناقضات: إن الإنسان ممزق بين حقيقة ماهو عليه)) وبين مايعتقد أنه عليه)). إنه ممزَّق -والحال هذه- بين ميوله العميقة وبين سلوكه الخارجي"[22]).

ولمَّا كان الفنان من أكثر الأفراد صدامية مع الواقع نظراً لطبيعته النفسية والفكرية، فإن حالاتٍ مثلَ القلق والاغتراب والسوداوية تظهر لديه جلية، وتختلف هذه الحالات من فنان لآخر تبعاً للعناصر المكبوتة في اللاشعور وتفاوتها من هذا إلى ذاك، فإذا كانت المكبوتات ضخمة ظهرت في العمل الفني بمظهر حاد يوازي ماترسَّب في اللاشعور، والتحليلُ النفسي لهذا العمل يضيء جوانب كثيرة من هذا الأمر، فيُبرز ذلك التحليل مسألة توازن الأنا) لدى الفنان مع الواقع، و"قد لايُقدِّم التحليلُ إلى الفن سوى مساهمة)) من ميدان سيكولوجيا)" الهو ومفعولاته على "الأنا" ويبقى مابعد "الهو" وماقبله.

فما بعد "الهو" أي عملُ الفنان، تابعٌ لسيكولوجيا) "الأنا" لعلم الجمال. وماقَبْلَ "الهو" أي الموهبة والعبقرية، هو ضربٌ من الماقَبْلِ المطلق، لغزٌ غريب"[23]).

و-النموذج المعذب في الشعر الرومانتيكي قبل عام 1945:

لقد توضَّحت معالم المدرسة الرومانتيكية لدى بعض الشعراء قبل عام 1945، أي في النصف الأول من القرن العشرين ومن هؤلاء شفيق جبري، والياس أبو شبكة، وإيليا أبو ماضي.

ومن الموضوعات التي ظهرت في أشعارهم وارتبطت بالمعذب كقيمة جمالية الاغتراب، والتشاؤم، والمعذب والمرأة، والعدمية، والمازوخية).

يتوزَّع اغتراب هذه المرحلة على نوعين، اغتراب عن القيم الاجتماعية وهذا مايظهر عند شفيق جبري، والاغتراب الوجودي وهذا مايُلاحظ عند إيليا أبو ماضي) في قصيدة الطلاسم).

نقف في البدء عند قصيدة عزلة النفس) للشاعر شفيق جبري من ديوانه نوح العندليب) حيث يقول:[24])

تذكّرني نفسي وهيهات ماأنسى

جراحاً أمَضَّتْ جانبيَّ فما تُؤْسى

ويؤنِسُني هجْرُ الديار وأهِلها

فلستُ أرى في الناس قاطبةً أُنسا

ومايئِسَتْ نفسي من الدهر إنما

تنكَّرَتِ الأخلاق فاختارتِ اليأسا

تجافَتْ عن الدهماءِ لمْ تحتفلْ بهم

ترى عبْسهم بشراً، وبشْرهم عَبْسا

فما ألِفتْ في الليل بارقَةَ الدجى

ولاهِيَ نَاغَتْ في رفيفِ الضُحى الشمسا

يشير الشاعر في النص إلى بناء غير سليم للقيم الاجتماعية، فيضطره هذا إلى بناء عالمٍ جديد له قائم على الاغتراب والعزلة.

إن المغترب المعذب) في النص ينطوي تحت المغترب قيمياً) عن السائد في المجتمع، حيث يصرَّح الشاعر أن همومه وعذاباته لاتتعدى ذلك الاغتراب القيمي إلى اغتراب وجودي كوني ومايئسَتْ نفسي من الدهر)، إذ تمَّ التركيز على مظاهر الخلل في البيئة المحيطة تنكّرَتِ الأخلاقُ فاختارتِ اليأسا).

أما على الصعيد النفسي فما زال هناك تقاطع بين أنا) الشاعر وأنا) شعراء آخرين ذلك أن شفيق جبري) ما زال متأثراً بالمدرسة الإحيائية الجديدة وبالنص الشعري القديم تركيباً ومفردات يؤنسني هجر الديار، تجافَتْ عن الدهماء، بارقة الدجى).

يأخذ اغتراب شفيق جبري منحى آخر هو من السمات الأصيلة في الشعر الرومانتيكي، ويتجلَّى هذا المنحى في الاغتراب عن المجتمع بالهرب إلى أحضان الطبيعة والتغنِّي بعناصرها الغمام، الطيور، البان) فمِنْ قصيدة "ليتني" نختار هذه الأبيات للشاعر يتغنى بعناصر الطبيعة ويبث شكواه لها بنبرة من الحسرة والتشاؤم فيقول[25]):

ليتني ياحمامة البان غرِّيـ

د أغنِّي كما يغنِّي الحمام مدور)

فأناجي الضياءَ في وضَحِ الصبـ

ح ونجوايَ في الظلام الظلامُ مدور)

وأبثُّ الغمام ما يُقلِق الفكـ

ـرَ فيأوي -لمَا أبثُّ- الغمام مدور)

نبدأ من حيث انتهى البيت الثالث، ذلك أنَّ الخلل الذي أفضى إلى العذاب هو مايُقلِق الفكر)، وبالضرورة فإن ذلك القلق ناتج عن عدم الاستقرار وعدم الطمأنينة في المحيط، فكان لابدَّ من التمنِّي ليتني ياحمامة البان غرِّيد) للتعويض عن القلق والغربة فالمناجاة والغناء والتغريد هي أفعال تعمل على إقامة التوازن مع البيئة الخارجية، ثم إن الهرب إلى  الطبيعة ببراءتها وفطريتها، هو ذاته الهرب والانتقال إلى عالم متوازن، بل إن الطبيعة تدخل في نطاق العالم المثالي الذي ينشده الفرد الرومانتيكي.

أما أكثر النصوص تعبيراً عن الاغتراب بمظهره الوجودي فهو نص الطلاسم) للشاعر إيليا أبو ماضي) إذ تعالج قصيدة الطلاسم) وجودَ الإنسان منذ ولادته، إن وجهة نظر  الشاعر تنطوي على مرارة الصورة التي تقوم على وجود الإنسان القسري على ظهر هذه المعمورة وضياعه إبَّان تلك القسرية، يقول إيليا أبو ماضي في هذه القصيدة:[26])

جئتُ لا أعلم من أين ولكني أتيتُ

ولقد أبصرتُ قدامي طريقاً فمشيت

وسأبقى ماشياً إن شئتُ هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لستُ أدري؟

يُبرز النص إشكاليةَ وجود الإنسان منذ أن وُجد على ظهر هذه الأرض، حيث أفضتْ هذه الإشكاليةُ إلى اغتراب الشاعرِ وشعورهِ بالعذاب نتيجةً لإحساسه بأن سلطةً عليا تجبره على السيرورة داخل النظام الحياتي الذي لا يد له فيه، ولم يُستشر في اختيار هذا النظام واتباعه بل أُجْبِرَ على اتباعه والعملِ بأحكامه وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت) فلا مفرَّ من هذا الأمر مطلقاً.

ينطوي الاغتراب في النص على السوداوية والضياع ويتجلَّى هذا الاغتراب في حالته القصوى عبْر التساؤل كيف جئتُ كيف أبصرتُ طريقي؟ لستُ أدري)، فهناك تساؤلٌ عن جوهرِ الوجود، وكان جواب هذا التساؤل بالنفي، ومن ثمَّ عدم الإدراك لماهية هذه الحياة لستُ أدري)، ومن هنا يظهر الاغتراب بصورته القصوى إضافة إلى الضياع والسوداوية، ويزداد هذا الضياع والسوداوية في المقطع عبْر كثير من التساؤلات التي تستفسرُ عن طبيعةِ وجود الإنسان[27]):

أجديدٌ أم قديم أنا في هذا الوجود

هل أنا حرٌّ طليق أم أسيرٌ في القيود

هل أنا قائدُ نفسي في حياتي أم مقود

أتمنى أنني أدري ولكنْ...

لست أدري

يرتكز المقطع السابق كما أشرنا على التساؤلات المكثَّفة التي تُعمّق الاغتراب والضياع، كما أن القلق الموجود في المقطع لاينطوي في إطار القلق الاجتماعي بالضرورة، بل هو قلق من المصير الإنساني في هذه الحياة برمَّتها، حيث تدور التساؤلات المطروحة في المقطع حول محور واحد، وهو مامدى تملُّكِ الإنسان لذاته في هذه الأرض؟، ويأتي النفي أيضاً بـ لستُ أدري)، ثم تتشعَّبُ عن ذلك المحور قضيةٌ طالما وقف عندها الفكر الديني ألا وهي، هل الإنسان مخيَّرٌ أم مسيَّرٌ، وبذلك يُعْتَبَرُ نصُّ الطلاسم) من أكثرِ النصوصِ في هذه المرحلة الزمنية تجسيداً لمفهوم المعذب)، لما يطرحه من قضيةٍ على قدر كبير من الأهمية ومخالفة للقضايا التي طرحتها المدرسة الإحيائية الجديدة والمدرسة الرومانتيكية.

أما صورة المعذب عند الشاعر الياس أبو شبكة) فقد بدت واضحة، إذ قيست بالصور الموجودة عند شفيق جبري) حيث خفَّفَ هذا الشاعر من سمات المدرسة الإحيائية في أكثر من منحى من قصيدة له بعنوان شهوة الموت) من ديوان أفاعي الفردوس) اخترنا البيتين التاليين، يقول فيهما[28]):

صرتُ أمقت الصفاء

صرت أعشق الكدرْ

غيرَ مشهد الدماء

لا أحبُّ في الصورْ /1929/

يعرض البيتان السابقان صورةً من صور المعذب)، هي أقرب إلى /المعذب المازوخي/، فكل شيء يدعو إلى الأمل والخصب محجوب عن حياة الشاعر، بيد أن هناك متعةً وتلذذاً بالشقاء والألم والنظر إلى أي شيءٍ يوحي بالموت.

إن البيتين السابقين يقتربان من حيث دلالتهما الجمالية من المعذب المازوخي)، ولكننا ندرك بعد قليل أن الشاعر يطرح علاقته مع المرأة بصورة حميمة كمخلِّص من العذاب وذلك في القصيدة ذاتها[29]):

جمّلي لي الجسدْ

واسكبي لي الرحيقْ

لاتفكِّري بغدْ

قد يجي ولانفيقْ

مالنا وللأبدْ

إن سره عميقْ

إن المرأة) ردة فعل على حالة مشوهة، وهي إعادة لتكوين الحياة بصورة جديدة، حيث يقوم الشاعر بذكْر صور الخلق التي تقوم بها الأنثى فيقول اسكبي لي الرحيق)، جمِّلي لي الجسد)، حيث يقوم الفعلان اسكبي، جمّلي) بعملٍ خلاَّق على الصعيد النفسي وهو إعادة التوازن للذات بعد أن أصابها التشوه.

في قصيدة أخرى بعنوان /صلاة/ ندرك كيف تظهر الأفكار الأولى لحالة العدمية الآتية من ضياع الحلم، ففيها يخاطب الشاعر الله المطلق)، عسى يحظى ببعض الراحة، غير أنه في قرارة نفسه مؤمن بأن اللّه لايصغي إلى نجواه وخطابه[30]):

تُرى مشيئتُك العليا تناديني

بثورة النار في تلك البراكين؟

ربَّاه هل ينتهي حلمي ببارقة

من اللهيب، ويخبو الطين في الطين..؟

وهل أرى زاحفاً في الليل ملتهباً

بجمرة السخط في أيدي الشياطين..؟

أدعوك والظلمةُ الحمراء تحرقني،

فلا تجيب، وتلوي لاتنجّيني.

تبرز مظاهر العدمية) كأحد تجليات العذاب) في تراكيب متعددة في النص، ينتهي حلمي ببارقة)، يخبو الطين في الطين)، فلا تجيب)، وتلوي لاتنجّيني)، وتبرز -إضافة إلى العدمية- مسألة التشاؤم التي تنبئ بتأزم في الحالة، حيث عملت صورة جمرة السخط) على مضاعفةِ حالةِ التأزمِ عند أبي شبكة، لأن السخط) في ذاته أمر يوحي بعدم الاطمئنان والاستقرار، وعندما أُلحِقَ ذلك السخط) بمفردة جمرة) ازدادت فعاليته ودوره في بيان البناء النفسي للشاعر، وكذلك فقد عملتْ صورة الظلمة الحمراء) العملَ ذاته في الصورة السابقة، فالظلمةُ تنبئ بسوداوية وتشاؤم، وعندما أُتبعت بمفردة الحمراء) اكتسبتْ معنىً أكثر عمقاً ودلالة.

ويبدو أن بوشكين) من أكثر الشعراء الذين تأثر بهم الياس أبو شبكة) ولاسيما من خلال قصيدته الغجر)، إذ يعرض بوشكين في ديوانه لقضية الحرية) في وجه الحصار) الذي يفرضه الواقع المحيط، وقد بدا هذا التأثر على أكثر من صعيد، فالحلم بالحرية بإلحاح، واقتران هذا الحلم بالمرأة والحب وبالأجواء الرومانتيكية الهرب إلى الطبيعة، التلذذ بالألم، العزلة) ظواهر رأيناها في المقاطع السابقة عند الياس أبي شبكة).

وهذه الظواهر لها مايماثلها بشكل كبير في قصيدة الغجر) لبوشكين وقصائد أخرى متعددة[31]):

صوتي، الذي يضفي الحب عليه الوهن والحنين،

يشقُّ ظلام المساء والهدوء الحالم..

شاحباً بجانبي، محترقاً،

الضوءُ الواهي يغيب بعيداً..

ومن قلبي

تموج هناك القصائدُ الرشيقة وجداولُ الحب

التي تهمهم وتغنِّي وتذوب

وتندفع، حافلةً بكِ، بالهوى الطاغي.

يبدو لي أني أرى عينيكِ، مضيئتين، متوهجتين،

تقابلان عيني.. أرى ابتسامتكِ

أنت تحدثينني وحدي:

صديقي يا أعز الأصدقاء...

إنني أحب.. إنني لكَ.. ملككَ

يعرض النص السابق لبعض القضايا النفسية التي تشير إلى انقباض الحياة الوهن، الظلام، الشحوب، محترقاً، الواهي)، ومن ثم يعرض الحلم) في وجه ذلك الانقباض من قلبي تموج هناك القصائد الرشيقة وجداول الحب) ويقترن ذلك الحلم بـ المرأة) بكل ماتحمله من معطيات الحياة، وهكذا يرتكز الحلم على قدر كبير من الحرية بالضرورة لاعتماده على التنفيس والتفريغ).

ويبدو أن الرؤيا العامة بين الشاعرين تتشابه إلى حد كبير، انطلاقاً من الظواهر التي أشرنا إليها سابقاً حالة الحصار، الحلم، الميل إلى التشاؤم، التمرد، البحث عن الحرية، الخ...)، يقول بوشكين) في قصيدة الأسير)[32]):

أسيراً، أقيم وحدي في برج حصين،

مدفوناً في صمت وظلام إحدى الزنزانات

في الخارج، في الفناء، وفي حركة وحشية جنوبية،

ينقضّ رفيقي، النسر، على فريسته.

ثم إذ يترك بقايا الوليمةِ الملوثةِ بالدماء،

يحدِّق فيَّ، بصرخة حزينة،

صرخةٍ هي أكثر شبهاً بنداء أو دفاع-

إنه الوقت))، قائلاً إنه الوقت))، فلنفرْ!

اقترن كلانا بالحرية، ولهذا فلْنمْضِ بعيداً

حيثُ سحبُ العاصفة تَشَرَّدُ بجرأة،

حيث تندفع البحار الهائجة لتذوبَ في السماء

حيث لايجرؤ على المغامرة غير الرياح.

وأنا...!))

حيث الحرية) هي المطلب الأساسي في النص أمام الحصار برج حصين)، وهذا الأمر لايختلف كثيراً عن مطلب الياس أبي الشبكة) في قوله هل ينتهي حلمي ببارقة)، ولاتختلف الرؤيا العامة لـ مدفوناً في صمت وظلام إحدى الزنزانات) لـ بوشكين) عن رؤيا أبي شبكة) في قوله: أدعوك والظلمة الحمراء تحرقني).

ثمة إحساسٌ عند الشاعرين بفقدان الحرية، وبحالةِ الحصارِ المتفاقمةِ، ومن ثم فإنَّ هناك دافعاً للتمردِ على هذه الحالةِ، فالتمرُّدُ عند أبي شبكة) يرتكزُ على الخروجِ عن التقاليد الدينية التي أنجزها المجتمع واحتفظ بها في ذاكرته، غير أن تمرد بوشكين) هو تمرد على الحصار بمعانيه المختلفة حصار الواقع، حصار السلطة، الخ..).

إن الرؤيا العامة للشاعرين تُبرِزُ قضية الحصار، وتُبْرِزُ بالضرورة قضية البحث عن الحرية كمعادل للحصار.

 



[1]) مردم. خليل /د.تا/ الديوان، قدم له جميل صليبا، مطبوعات المجمع العلمي العربي بدمشق ص280.

[2]) الزركلي، خير الدين، 1980 الأعمال الكاملة ط1، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص333.

[3]) الزركلي، خير الدين، الديوان ص21.

[4]) البزم، محمد /د،تا/ الديوان، ج2، شرح سليم الزركلي، عدنان مردم بك، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والعلوم والآداب، ص105.

[5]) الدهان، سامي /د.تا/، الشعراء الأعلام في سوريا، ط2، دار الأنوار، بيروت، ص52.

[6]) بدوي الجبل، 1978، الديوان، ط1، دار العودة، بيروت، ص402.

[7]) المصدر السابق، ص297.

[8]) البزم، محمد، الديوان /ج2/ ص163.

[9]) عزام، محمد 1989، الأسلوبية منهجاً، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ص171.

[10]) الحامد، بدر الدين، 1928 الديوان، مطبعة الإصلاح، حماة، ص137.

[11]) الدهان، سامي، الشعراء الأعلام في سورية، ص86-87.

[12]) مردم، خليل الديوان، ص255.

[13]) البزم، محمد الديوان، ج1، ص64.

[14]) مطران خليل، 1967، الديوان، ج1، ط3، دار الكتاب العربي، بيروت، ص17.

[15]) الفراتي، محمد 1959-1958) الديوان، ج1، المطبعة السليمية، دير الزور، ص70.

[16]) تادييه، جان إيف، 1993، النقد الأدبي في القرن العشرين، تر: قاسم مقداد، وزارة الثقافة، دمشق ص295.

[17]) أوفيسيانيكوف، 1981 أسس علم الجمال الماركسي اللينيني، تر:: جلال الماشطة- دار التقدم، موسكو، ص153.

[18]) نشاوي، نسيب، 1980، مدخل إلى دراسة المدارس الأدبية، مطابع ألف باء، دمشق ص122.

[19]) المرجع السابق، ص43-44.

[20]) أبو ديب، كمال 1974 في البنية الإيقاعية للشعر العربي، دار الملايين، بيروت، ص43.

[21]) داكو، بيير، 1981، الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث ج2، تر: وجيه أسعد وزارة الثقافة- دمشق ص47-48.

[22]) داكو، بيير 1981،  الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث ج1، تر: وجيه أسعد -وزارة الثقافة- دمشق ص15.

[23]) كوفمان، سارة 1989، طفولة الفن تر: وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق ص12.

[24]) جبري، شفيق 1984 ديوان نوح العندليب) شرحه وأشرف على طباعته قدري الحكيم -مطبوعات مجمع اللغة العربية- دمشق ص1.

[25]) المصدر السابق، ص103.

[26]) أبو ماضي، إيليا د،تا) الديوان، دار العودة، بيروت، ص193.

[27]) المصدر السابق: ص193.

[28]) أبو شبكة، الياس، 1962، الديوان أفاعي الفردوس)، ط3، دار الحضارة ص75.

[29]) المصدر السابق، ص76.

[30]) المصدر السابق ص93-94.

[31]) بوشكين، 1982، الغجر، ط1، قصيدة /مساء/ تر: رفعت سلام، دار ابن خلدون بيروت، ص70.

[32]) المصدر السابق، ص69.

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244