" المعذب " في الشعر العربي الحديث فـي سوريا ولبنان من عام 1945 إلى عام 1985 - ماجد قاروط

دراسات جمالية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:56 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
الباب الأول نموذج المعذب فــي الشعر الرومانتيكي فــي سوريا ولبنان

الفصل الأول

تجليات المعذب في الشعر الرومانتيكي

مــــــــدخل:

عوامل نشأة الرومانتيكية وارتباطها /بالمعذب/:

لقد وُلدت الرومانتيكية كمنهج للأدب مع انتصار البرجوازية، وجاءت ردة فعل على الكلاسيكية التي كانت منهج الأدب في عصر الإقطاع والملكية الاستبدادية، وكانت بالنتيجة أدب بلاط خالياً من المضمون الفردي.

وراح الفرد في المجتمع الأوروبي الغارق في الصراعات الطبقية، يبحث من خلال أحلامه عن عالم مثالي يُجسّد فيه حريته بالشكل الأمثل، ويبحث عن ذاته المشتتة، عبر تأملاته المضنية والطويلة.

إن من أكثر النماذج الفنية تعبيراً عن /المعذب/ في التيار الرومانتيكي الأوروبي، شخصية //فرتر// في //آلام فرتر// للشاعر الألماني //غوته//، حيث "أحرز //فرتر// خاصةً، بدءاً من 1780 تقريباً نجاحاً من أكثر النجاحات التي شهدها تاريخُ الأدب حدة وديمومة، ولقد وجد الناس فيه عواطف كان الأدب المعاصر يعرضها منفصلة بعضها عن بعض، ويُعبِّر عنها تعبيراً ناقصاً في الغالب، فإذا بها تتجمَّع فيه وتنبعث ببلاغة شعرية: كحبِّ الطبيعة العميق، والكآبة، والهوى الذي يصطدم بقوانين الحياة القاسية، والحقد على التفاوت الاجتماعي، والشعور بالمصير الفاشل، شعوراً يفضي بصاحبه إلى الانتحار[1])؛ فمن المعروف أن فرتر الشخصية الرئيسية في القصة تَعَرَّضَ لانكسارات عديدة كان أهمها انتكاسته على الصعيد العاطفي في سن مبكرة انتكاسةً أغلقتْ قلبه عن الحب بعد شرلوت) التي أحبَّها بكل عمق وإخلاص.

إن آلام فرتر "ثورة على العقل في ركونه واستسلامه، ودعوة إلى الطبيعة، إلى القلب الذي يعتبره جوته مصدر المقدسات ومنبع كلِّ قوةٍ وفضيلةٍ في الإنسان، وقد كانت /فرتر/ في دعوتها هذه، الأثر الفني للحركة الأدبية الناشئة في ألمانيا على غرار الرومانتيسم الفرنسي، وإن كانت تَفُوقها في الثورة والعنف وفي الدعوة إلى تثبيت حق العبقري في المخالفة والاستثناء والشذوذ[2]).

لقد كانت قصة /آلام فرتر/ انعكاساً لشخصية /جوته/ المغتربة المتمردّة، ولعل تمرَُد /جوته/ لاينطوي على فعل ثوري، بل هو معارضة لمجموعة من الأطروحات السلبية في المحيط وكفى، أو هو شجْبٌ للظروف الموضوعية التي جعلتْ منه معذباً.

ويبدو أن بعض الرومانتيكيين في أوروبا منهم //شاتوبريان// قد رأوا "أن التمزُّق والعذاب من نِعمِ المسيحية، وينتشر هذا الشعور بالانحلال والانهيار، ويصبح نبعاً في قلوب المعذبين، ينهلون من مائه الدامي ويتلذذون بغرائبه ومفارقاته"[3])، إذْ لازال مفهوم /العذاب/ عند هؤلاء يقترن /بالألم/، ولابد من الإشارة إلى أنَّ الألم ولاسيما المعنوي منه حالةٌ جوهرية عند /المعذب/ الذي حدَّدْنا  سماته في بداية البحث، بيد أن ذلك /الألم/ ليس كل شيء في /المعذب/، بل ينطوي تحت معطيات أخرى أساسية تُبْرِزُ هذه القيمة الجمالية وتمِيزها من القيم الجمالية الأخرى.

أما ظهور المدرسة الرومانتيكية في سورية ولبنان فكان في العقدين الثاني والثالث من القرن العشرين، في وقت شهد فيه المجتمعُ العربي تحرُّكاتٍ هامةً على الصعيد السياسي خاصة وظهرت الأفكارُ الأولى حول إعادة النظر في البنية الاجتماعية العربية التي تعاني قصوراً في ميادين العلم والثقافة والنهضة الشاملة.

ولاريب أن نشأة الرومانتيكية) في الشعر العربي الحديث قد نَتَجَتْ عن عوامل عديدة، جعلتْ هذا التيار يقف في الاتجاه المعاكس للتيار الإحيائي في الشعر، لأن الإحيائية) لم تعد تستجيب -برأي الرومانتيكية) على الأقل- لمعاناة الفرد وتأزماته التي خلفتها الحرب العالمية وما رافقها من إحباطات وتراجعات أثرَّتْ في الفرد العربي، الذي خرج من كابوس الاحتلال العثماني حديثاً ومن هذه العوامل:

1-العوامل الاجتماعية والسياسية.

2-العوامل الذاتية -النفسية.

1-العوامل الاجتماعية والسياسية:

إن الظروف التي رافقت نشأة التيار الرومانتيكي في المجتمع العربي وطَّدَتْ انتماءه الاجتماعي الأصيل وولادَتَه الشرعية من البيئة العربية، ولايضيره تأثره بالغرب، لأن العوامل التي أسهمتْ في ولادة التيار الرومانتيكي في المجتمع العربي تختلف عن عوامل نشأته في أوروبا بشكل جزئي أوكلي، ثم إن الفترة الزمنية التي ظهرت فيها الرومانتيكية) في أوروبا ليست المرحلة ذاتها التي ظهرت فيها الرومانتيكية في الشعر العربي الحديث، وهذا عائد بالضرورة إلى التحولات التي طرأت على المجتمعين العربي والأوروبي، فمن المعروف أن الرومانتيكية) في الأدب الأوربي جاءت "نتيجة حتمية للغات التي انفصلت عن الأصل اللاتيني كما كانت نتيجة ظهور الآداب القومية في أوروبا، وماحدث بينها وبين اللاتينية القديمة من معارضة ومقارنة، وقد شجَّعَ على ظهورها ميلُ الأدباء في التخلص من الكلاسيكية التي سيطرت على الأدب اللاتيني وقيَّدَتْه بالأصول والقواعد القديمة"[4]).

لقد قَويَ التيار الرومانتيكي في المجتمع العربي في فترة مابين الحربين وذلك لعاملين هما "شدَّة التأثر بشعراء الرومانسية الفرنسيين والإنكليز والألمان، وخيبة الآمال العربية التي كانت معقودة على اشتراك العرب في الحرب العالمية الأولى ضد الدولة العثمانية برعاية الحلفاء وبخاصة بريطانية وفرنسا، فإذا العرب يقعون تحت الانتداب، ويعانون سلسلة من المشكلات المعقدة سياسياً واجتماعياً واقتصادياً وفكرياً وحضارياً وإنسانياً، فيدور شعراؤهم في دوامة من الخيبة واليأس والتمزق والقلق ويسيطر عليهم جو الكآبة والحزن، فينزع جمهور كبير منهم منزع الرومانسية التي تتسع للبكاء والأنين ومعاناة الأسى والمرارة والهم، وازداد الألم والشقاء، والفناء في قلب الطبيعة، والبعد عن المجتمع ومفاسده ومظالمه وأدرانه، والتغنِّي بالعزلة والغربة"[5]).

كان شعور الفرد متجهاً إلى الثورة والتمرد والخروج من دائرة العلاقات الاجتماعية السياسية الفاسدة والهرب من الانتكاسات إلى عالم يتَّسِمُ بالبراءة والفطرية، فيخلق عالماً له مفرداته ولغته الخاصة ويتعامل مع الأشياء الخارجية تعاملاً ذاتياً، حيث تبدو "الرومانتيكية هي التعبير الأكثر أهمية في الأدب الحديث عن الباعث الأول على الثورة؛ صورة جديدة ومطلقة للإنسان، وهي تربط هذا على نحو مميز بعالم مثالي، ومجتمع إنساني مثالي. يبدو الإنسان في الأدب الرومانتيكي وللمرة الأولى كَمَنْ يتولَّى خلْق ذاته"[6]).

أضفْ إلى ذلك أن ظهور الرومانتيكية في الشعر العربي المعاصر ارتبط "بالتحولات الاجتماعية التي طرأت على المجتمعات العربية في مرحلة مابين الحربين، والتي تمثلَّتْ في نشوء البرجوازية التجارية وانتشار الأفكار الليبرالية نتيجة اتساع فئات المثقفين من أبناء البرجوازية الصغيرة، وتَصاعُدِ النضال الوطني من أجل الاستقلال والتحرر من السيطرة الأجنبية"[7])، وبَدَتْ رؤيا البرجوازي الصغير قاتمة للمستقبل، ونَفَرَ من واقعه المفعم بالعلاقات الاجتماعية الفاسدة والأمراض التي ينتجها الواقع.

"وقد مثَّلَتِ الطبيعة دوراً هاماً في امتصاص هموم الشاعر البرجوازي الصغير، القلق والثائر، القلق على وجوده من كونه مشوَّشاً وغير ثابت، والثائر على واقعه السلفي، المتخلِّف والاستبدادي، لأن في ذلك جميعاً مقتلاً لتوثُّباته الصاعدة والحاملة طموحات طبقته في الانفتاح والحرية.

من هنا يمكن أن نفسِّر الهجمة التي شنَّتْها جماعة الديوان على أحمد شوقي)) صديق القصر)) والشاعر الرسمي للبلاط الملكي المستبد، القائم على دعائم الإقطاع"[8]).

2-العوامل الذاتية- النفسية:

لقد كان موقف المدرسة الإحيائية من الظواهر التي تناولتها في الشعر ذا طبيعة موضوعية، في الشكل الغالب، فمحاكاةُ الأشياء لم تكن لِتضيفَ تصوُّراً أو موقفاً جمالياً جديداً، حيث تغيب الرؤيا ذات الأبعاد النفسية العميقة، كما يتلاشى الموقف الذاتي في الموقف الموضوعي العام، وقد جاءت المدرسة الرومانتيكية لتكسر ذلك الموقف الموضوعي وترفع من شأن الذات التي تنظر إلى المحيط نظرة تختلف عن بقية الذوات، فظهرت النزعة الفردية بارزةً فيها.

إن أهمية ظهور المدرسة الرومانتيكية في الشعر العربي تنبع من أن الشاعر الرومانتيكي يرسم الخطوط العريضة والملامح المميزة للغته الشعرية التي تختلف عن لغة رفقائه من الشعراء الرومانتيكيين، حيث يتم إسقاط الأشياء المحيطة والظروف والتقلبات على الذات نفسياً، وهذا الإسقاط يختلف بالضرورة من شاعر إلى آخر تبعاً للاستعدادات النفسية لدى ذلك الشاعر، فقد يكون تأثير البيئة والظروف في الشاعر عنيفاً، لأن هذا التأثير يصيب أماكن حسَّاسة ويصيب أشياء مكبوتة في اللاشعور، وهذا يظهر بجلاء في اللغة الشعرية، وقد "كانت الثورة الرومانتيكية من القوة بحيث مسَّتْ جوانب النفس الإنسانية فَتحَلَّل الرومانتيكيون من الأصول والقيود والأغلال وكل مايمتُّ إلى ذلك بصلة، وقصدوا بذلك تحرير العبقرية البشرية حتى أصبح الأدب عامة والشعر بصفة خاصة- عند الرومانسيين تغريد طائر أو خرير مياه أو دوي رياح أو قصف رعد، ومن ثم فالشعر عندهم لايخضع لأي قيد، ولايدين لأي منهج من المناهج الفكرية، وإن كان لابد من منهج فهو منهج السليقة الحرة، والطبع الوثاب، والإحساس المنطلق والشعور المتدفق، الأمر الذي حدا بالشعراء الرومانسيين أن يزعموا أن أروع القصائد ما كانت أنَّات خالصة أو عبرات صافية"[9])، وبما أن الرومانتيكية تيار يسم معتنقه بالفردية فإنه يشكّل حركة معاكسة تماماً للتيار الإحيائي وذلك لغياب تلك الخصوصية عن النص الشعري في المدرسة الإحيائية، حيث بَدَتْ معالجةُ الظاهرة) في المدرسة الكلاسيكية عامةً، سواء أكان ذلك على صعيد الشكل أم على صعيد المضمون، غير أن الشعر الرومانتيكي يتطلَّع بكثير من الأهمية إلى الفردية ومزاجيتها في العلاقة بين الفنان والقضية التي يتناولها، لذلك فإن "الفردية هي الكلمة التي غلب استعمالها في وصف المزاج الرومنطيقي، إذ يُنظر إلى الرومانطيقي بصورة عامة، على أنه الفنان الذي حطَّم قواعد نظام راسخ وتحرَّرَ من قيوده. والمقصود بكلمة الفردية هالةُ الحرية التي يغلف بها الفنان نفسه، ونشوة التحرر والثورة التي يعيشها. ولكن قبل أن يبلغ الرومنطيقي هذه التجربة الذاتية، كان عليه أن يمرَّ بتجربة أطول وأعظم خطراً وأعني بها تجربة العزلة، وهي عزلة من نوع خاص كان لها أثرها في تكوين أمزجة كبار الفنانين المحدثين"[10]).

لقد اقترنت كلمة //الفردية// عند الرومانتيكيين بـ //الحرية//، بيد أن المدرسة الإحيائية في الشعر لم تمنح الشاعر القدر الكافي من الحرية، فهو -على الأقل- يفتقد الحرية الفنية، إضافة إلى أنه محكوم بقوى خارجية يسعى إلى تلبية متطلباتها، و"لمَّا كانت الاتباعية الجديدة تلتزم بضوابط اجتماعية، وأعراف جمهورية وقوانين سنَّها الأقدمون وارتضوها لأنفسهم فإن الرومانتيكية على العكس من ذلك تصرُّ على الادعاء بأن التجربة الذاتية هي الأساس، وأنه لاقيود على العبقرية. وتعلن أنها حركة تمرد على القيم السائدة والعهود البائدة"[11])، ثم إنَّ محاكاة الأشياء في النص الإحيائي قد حتّم على الشاعر معرفة الأشياء فقط، غير أن الحرية الفردية في المدرسة الرومانتيكية قد أسهمت في إيجاد العلاقات بين الأشياء ولم تكْتفِ بمعرفتها ونقْلها كما هي، ذلك "أن الفنان لايعرف الأشياء بل هو يعرف العلاقات"[12])، وهذا يؤدي بالنتيجة إلى اختلاف الوعي الجمالي من شاعر إلى آخر عبر نظرته إلى الأشياء والمحيط، كذلك فإن "الرومنطيقية تطرح قضية العلاقة مع الآخر بكثير من الاهتمام والإلحاح. فالرومنطيقي الذي ينطلق من الأنا) يتمسك بحريته بل بحقه في الاختلاف عن الآخرين، كما يعتبر الفرد قادراً على التميز والإبداع دون الخضوع لأحكام الجماعة، وبما أنه يرى الفن إلهاماً، إذن لابد أن يكون الفنان متميزاً متفوقاً، وهذا التميز يولّد لديه الشعور بالانتماء إلى عالم أسمى، والغربةِ عن العالم الذي يعيش فيه.

يعزِّز هذا الشعور بالغربة انتماؤه إلى عالم الحلم والخيال والشعور بدونية عالم الواقع، لذلك كان تصوير الغربة من الموضوعات العزيزة على قلب الشاعر الرومنطيقي"[13]).

حين نتحدث عن الحلم والإلهام والخيال في التيار الرومانتيكي في الشعر فإننا ندرك أن "طريقة تفسير الأعمال الفنية مقتبسة من طريقة تفسير الأحلام، وهدفهما واحد: اكتشاف العتيق تحت مايبدو جديداً. إنها تتيح أن نفهم موضوعات الأعمال الفنية المقتبسة من الذاكرة الجماعية أو الفردية"[14])، حيث أصبح النص الشعري الفني) حلماً في المدرسة الرومانتيكية، وبالضرورة فإن كل نص شعري أصيل هو حلمٌ، بغضِّ النظر عن نوع المدرسة التي ينتمي إليها، ولعل وجود الحلم في ذاته كافٍ للقول: إن هناك علاقة تضاد بين الشاعر الرومانتيكي والواقع، فيأتي الحلم تعويضاً عن ذلك التضاد، ويجيء النص الشعري ليفرِّغ الطاقات المكبوتة في اللاشعور، وهذا التفريغ هو أيضاً من المهمات الأساسية للحلم، ويخلق التضادُ والصراع عند الفنان أيضاً حالةً من التوتر النفسي الذي يهدف إلى توازن أنا) الفنان مع الواقع المحيط، فيُشتَق "التوتر إذن من المجال السيكولوجي ثم يؤثر بالتالي في كل مظاهر هذا المجال، وليس التوتر مجردُ حالات سلبية، بل إنه يمدُّ القوى النفسية الإيجابية بالطاقة التي تساعدها على إعادة التكيف في المجال السيكولوجي، ويحدث التوتر نتيجة لوجود أهداف تتطلب تصرفاً معيناً من الفرد بهدف تحقيقها، إلا  أن وصول الفرد لهذا الهدف لايعني أبداً وصوله لحالة من الجمود في مجاله السيكولوجي"[15])ويتفاوت هذا التوتر بين الزيادة والنقصان مساعداً على إغناء القدرات الإبداعية حتى نقطة معينة "فإذا زاد التوتر عن هذه النقطة أو عن هذا الحد الأمثل وكذلك إذا قل عنه أصبح معوقاً للقدرة، أو على أقل تقدير لن يكون له بها ارتباط أو لعله ارتباط ضئيل جداً، لايكاد يكفي بالمرة لنمو وخصوبة القدرات الإبداعية"[16]).

ويرتبط الحلم بالإلهام ارتباطاً وثيقاً، فهما يعملان ويساعدان على توليد آلي عفوي للنص الشعري، فالإلهام يعيش في قلْب الحلم النص الفني)، والإلهام بطبيعته حالة نفسية تنتاب المرء من دون تدخُّلِ العقل بشكل مباشر، وهذه الحالة النفسية هي مصدر اللغة الشعرية العفوية، حيث تتقدم عناصر اللاشعور إلى مرتبة عليا، وتتراجع القواعد والأحكام التي يسيطر عليها العقل، والتي تقف حائلاً دون خروج كتابة ميكانيكية متواترة ومتصاعدة، وهذا الأمر لايعني عدم وجود رومانتيكية عقلانية، إلا أن تلك الرومانتيكية" تستلب شيئاً من الحلم، وتميل إلى التشاؤم في لحظات إلى حد الابتئاس المدمِّر، بسبب ماتقف عليه من تفصيلات الواقع والدخول في الجزئيات والتوقع القائم على التجربة التي -لايخاف منها الشاعر-، لذلك فالعاطفة الجموح هنا ملجمةٌ بالعقل، الذي يمرِّرها بنسب مختلفة بين حين وآخر، وهو في عملية التنوير والإيقاظ، وحتى المبالغات هنا تكون من مواد أولية موجودة حقيقة في الواقع، أما في الرومانتيكية الثورية، فإنها أكثر تفاؤلاً، وإن مالت أحياناً إلى اللاجدوى من أي شيء أو من أي فعْلٍ منقذ، لأن للعاطفة دوراً أكبرَ، وأهمَّ، وعملُ الرؤيا في الواقع يكون في مستوى النظرة الكلية"[17])ويؤسس العملَ الفني الحلم) الفرد المبدعُ المشبع بمجموعة من التناقضات الاجتماعية، حيث تحاول أناه) أن توازن بين لاشعوره الممتلئ بالمكبوتات) وبين الأنا الأعلى)، أي المجتمع الذي يحتوي عادات وتقاليد وقيماً لاتُناسب غالباً تطلعاته، حيث النصُّ الفني هو التوازن المنشود.

فـ "الفردُ الذي هو عضو في جمع، يتعرض تحت تأثير هذا الجمع لتغيرات عميقة تطال نشاطه النفسي. فعاطفيته تتضخم تضخماً مسرفاً، بينما يتقلص نشاطه الفكري وينكمش، وتضخُّمُ الأولى وتقلُّصُ الثاني يتّمان باتجاه يتماثل كل فرد في الجمع مع سائر الأفراد وهذه النتيجة الأخيرة لاسبيل للوصول إليها إلا بإلغاء جميع أشكال الكف الخاص بكل فرد وبالعزوف عما هو فردي وخاص في نوازع كل واحد"[18]) وقد يكون التغيير العميق الذي يحدث في المجتمع لصالح الفرد ورغباته وهذا الفرد مستبعد من دراستنا، لأن الفرد الفنان) الذي نتناوله يشغل الألم والعذاب حيزاً كبيراً من طبيعته النفسية، ومن جهة نظر نفسية أيضاً فإن "أول شيء تشخَّص به حالة الفنان الصحية أنه عصابي neurotic، وقد ذهبت محاولات التحليل النفسي المبكرة لتناول الفن -كما يقول ترلنج- ذهبت إلى أنه مادام الفنان عصابياً فإن محتوى عمله الفني عصابي كذلك، وهذا معناه أن هذا المحتوى لايرتبط بالواقع ارتباطاً صحيحاً[19]).

أما الخيال الذي يطرحه النص الشعري الحلم)، فيتيح لنا أن ندرك العالم على نحو جمالي، لذا فهو يعمل على تركيب العالم بشكل جديد.

لقد اعتنى الرومانتيكيون عناية فائقة بالخيال وهم يسقطون العناصر الخارجية على الذات، "وقد شُغِفَ خيال الرومانتيكيين بتصوير مرحلة الطفولة لأنهم كانوا يمجدون حياة الفطرة والبراءة ونقاوة القلب والسريرة ووجدوا من ثم في الطفولة تعبيراً عن الدهشة وتجسيداً لإدراك العالم على نحو سحري"[20]) ولهذا الخيال عند الرومانتيكيين خصائص تتمحور في التفات الشعراء إلى أكثر مظاهر الحياة إلفاً واعتياداً، يصلح مادة يشكِّلها الخيال فيما يُبدع من قصائد ومايفرز من صور. ولهذا الوجه مايقابله متمثلاً في اتجاه الأدباء إلى المعجب والخارق والمعجز الذي يجاوز عنصري الزمان والمكان، ويعلو على الطبيعة والمدرك الحسي المعتاد"[21]). ويتجلى هذا الخيال الرومانتيكي في الصورة الشعرية التي تعدُّ "تحقُّقاً جوهرياً للخيال"[22]).

مما سبق ندرك أن المعذب) كقيمة جمالية قد تبلور في المدرسة الرومانتيكية في الشعر العربي الحديث، وهذا عائد إلى السمات الموجودة في هذه المدرسة، كالفردية والعزلة والاغتراب والتمرد والاستلاب، حيث ترتبط هذه السمات مباشرة بتجليات المعذب)، وتشير أيضاً إلى المضمونات الأساسية للشعر الرومانتيكي وتتمثَّل "في محاولة التعبير عن الحركة الداخلية عند الشاعر، بخاصةٍ مشاعر القلق والتشاؤم ومحاولة الاستمتاع بالجمال في الطبيعة وعند المرأة، والإحساس بالتناقض بين الرغبات الداخلية وبين العالم الخارجي المجتمع، القيم السائدة.. الخ) واستخدام الشعر للتعبير عن هذه المواقف والتأثر بالشعر، الرومانتيكي العالمي.

كل هذا قدَّمتْه النزعة الرومانتيكية في الوقت الذي كانت فيه الكلاسيكية مثالاً شبه تام للواقع الخارجي بجميع قيمه الثقافية والاجتماعية والسياسية"[23]).

إن ذلك التبلور قد رافقه تطور ملحوظ في النص الشعري فنياً، وذلك لاختلاف الفهم، وتطوُّرِ الوعي الجمالي عن سابقه في المدرسة الإحيائية أيضاً، فارتسمت ملامح جديدة للغة شعرية تمتلك القدرة على خلق الصورة الجديدة، والقدرة على الإيحاء والتعبير، وتكثيف اللغة وتشعُّب الدلالات والاحتمالات للصورة الشعرية، فقد "تطوَّر مفهوم الرومانسية واتسع ليصير علماً على الأدب الجديد النابع من الوجدان الفردي، والرافض للقواعد الفنية المتوارثة.

لقد صار الشعر إلهاماً لامحاكاة، وصارت عواطف الأديب أو الفنان هي موضوع تجاربه الأدبية، وأصبح حراً في ابتداع وسائله الفنية وتحقيق عالمه الأدبي، غير ملتفت إلى الماضي"[24])، لذا فإن الشاعر الرومانتيكي ذهب إلى بناء عالم مثالي، لأن الزمان غريب عنه، والمكان لم يكن أبداً لِيشبعَ رغبته، لأنه موبوء بالمفاسد والشرور، لهذا كانت الطبيعة هي المكان الذي يقرّبه من المثالية المنشودة بحكم تكوينها الفطري الذي يقترب من فطرية الطفولة وبراءتها، إذاً هناك حنين عميق ولاشعوري إلى الطفولة، حيث يختفي التعقيد وتزول الشرور التي فرضها المجتمع، ووطَّدَ دعائمها.

ولعل الرومانتيكيين بشكل عام كانوا "سجيني العشق الديني، يحلمون بالسفر وبالصبغة التاريخية والمحلية والمناطق الغريبة.. وهكذا فهم يُظهرون الرباط العميق الذي يجمع التوق إلى عالم آخر، والتوق إلى عالم موجود في مكان آخر"[25])، لأن عالمهم الواقعي مصدر عذاباتهم واغترابهم، وينعكس ذلك على النص الشعري الذي يَبْرزُ فيه الهم كعامل أساسي في بناء القصيدة لديهم، فلم يكن الهدف الفني غايتهم على الرغم من التطور الملحوظ في فنيات النص الرومانتيكي، فأصحاب الفن للفن أدركوا أن "الرومانسيين يتخذون على الرغم من إعجابهم بمذهبهم الفني، من الشعر وسيلة لاغاية، فالشعر عندهم وسيلة للتعبير عن الذات، أما هم فإنهم ينظرون إلى الشعر على أنه غاية في ذاته"[26]).

وتعمّقَ الهم والعذاب رويداً رويداً عند بعض الشعراء الرومانتيكيين فكان تأزمهم النفسي كبيراً، أودى بهم في نهاية المطاف إلى الانتحار، وإلى الشعور بالعدمية كعبد الباسط الصوفي -على سبيل المثال-، الذي ازداد شعوره بالخيبة وهو يستنتج من الواقع أشياء مؤلمة ومأساوية، "ومن الصحيح أنه كلما ازداد تطور الشعور لدى الشخص دقةً يشتدُّ فهمه واستخدامه للعالم الخارجي، ولكن من الصحيح أيضاً أنه كلما غامر أكثر بالخروج من نفسه بهذا الشكل يتعرض أكثر لردود فعل داخل شعوره وهو يخبرُ حالات ذهنية وانفعالية تكشف حساسيات خاصةً وبذلك تزيد إدراكه لنفسه ولتميُّزه حدة"[27])، بيد أن بعض الرومانتيكيين أيضاً لم يتعمق لديهم العذاب فيصبح قيمة جمالية بارزة ويتخذ منحىً نفسياً متأزماً، حيث يمكن اعتبار نزار قباني) واحداً من شعراء المدينة الحديثة فلم يثبت أنه صُدم بالمدينة، بل "الثابت أنه فرح بها، معتنق لرموزها، ومعانيها مصور لنهر الحياة فيها، وإن كان معنياً على وجه الخصوص بقطّاع المرأة، والطبقة الارستقراطية، ومن هنا فإن نزاراً يتمتع بوعي محدث منذ البداية، وظل هكذا متعشقاً للمدينة حتى وقعت المواجهة بين الشاعر وبعض الشعراء المهتمين بالدراسات الأدبية، الذين هاجموه في حمْلته على الشكل الاجتماعي للأمة العربية، فاتخذت المدينة في شعره شكلاً سلبياً، وفي هذا لايخرج عن الوعي المحدث، بل يعمّق الوعي المحدث"[28]).

لم تسلم المدرسة الرومانتيكية من الانتقادات والاتهامات، شأنها شأن بقية المدارس الأخرى، حيث يشير صاحب كتاب شعر التجربة) إلى هذه الانتقادات والاتهامات فيقول: "إن التهم الرئيسية التي وجِّهت إلى الشعر الرومانتيكي هي أنه ذاتي عاطفي، يعتمد أسلوب التضخيم والمبالغة ويفتقر للشكل. فيما يتعلق بالتهمةِ الأولى أعتقد أنني قد قلت مافيه الكفاية للتدليل على أنه خطأ تاريخي أن نتهم الرومانتيكيين بالذاتية. إنها إساءة لاتجاه التفكير الرومانتيكي. ذلك لأن الذاتية لم تكن برنامج الرومانتيكية بل هي شرْطها الذي لابد منه"[29]).

وكما أن الرومانتيكية في أوروبا ظهرت كحركة مضادة للكلاسيكية، كذلك حدث الأمر ذاته في أدبنا العربي الحديث، وفي الحالتين فإن النتيجة الاجتماعية بتقلباتها وأحداثها قد هيأت لظهور التيار الرومانتيكي ولمعارضة التيار السابق المتمثل في المدرسة الإحيائية، أي أن المصادفة لم تلعب دوراً يُذكر في الانتقال من مذهب إلى آخر، وهذا يعني أن الرومانتيكية أيضاً لم تلغ الإحيائية من الوجود إطلاقاً بل أضافت إليها أشياءً جوهرية وأبعدتْ عنها الأشياء التي اعتقدتْ أنها غير صالحة زمنياً، لأن تطوُّر القيم الفنية في مرحلة معينة لايلغي ما سبقه بل يضيف إليه قيماً تناسب البيئة والزمن، وإلا فهناك خلل في هذا التطور.

إن المدرسة الإحيائية تُشَكِّل بالضرورة في زمن معين وظروف اجتماعية خاصة) حالةً مشروعة لابد منها كي تكون أساساً للتيارات التي جاءت بعدها، فقد ارتأت المدرسة الواقعية في أوروبا أن الرومانتيكية لم تعد تلبيِّ متطلبات الظروف والمجتمع فخرجتْ عنها، وهاهي "الواقعية تنبثق عن الرومانسية وتنتقم من أمها) هذه دونما شفقة، وتجلدها جزاء موقفها المستهتر) بوقائع الواقع الموضوعي. والحقيقة هي أن اقتراب الفن من استيعاب هذه الوقائع العادية لم يصبح ممكناً إلا بعد أن رفعت الرومانسية وجهة نظر الفن إلى نطاقات كونية. والآن عندما تتجه عين الفن من جديد إلى الواقع الأمبريقي فإنها ترى فيه شيئاً مختلفاً وبطريقة أيضاً مختلفة عمَّا كانت تراه واقعية القرن الثامن عشر، تلك الواقعية المهذّبة والعقلية"[30]).

بعد أن توقفنا عند نشأة المدرسة الرومانتيكية في الشعر العربي الحديث في سوريا ولبنان، وتبيَّنا عوامل النشأة والسمات والانتقادات التي وجهت إليها، وأدركنا ارتباط هذه السمات بالمعذب، سنستعرض في الصفحات القادمة صور ذلك المعذب) وأشكاله، كما أبرزتْها المدرسة الرومانتيكية في الشعر في سوريا ولبنان.

تجليات المعذب في المدرسة الرومانتيكية:

1-النموذج المغترب العدمي:

إن الجانب القيمي هو أكثر الجوانب بروزاً في النموذج المغترب العدمي)، إذ يبدو الواقع بمعطياته السلبية سبباً رئيسياً في اغتراب الفرد عن القيم السائدة في بنية المجتمع ويمكن أن يتسع هذا الاغتراب ليصبح اغتراباً كلياً عن الحياة، ومن ثم يسيطر الشعور بعدمية الاستمرار والتواصل مع المحيط، حيث يبلغ التأزم النفسي أقصاه، في تلك المرحلة.

وإذا كنا في الحديث عن النموذج المغترب العدمي) كأحد تجليات المعذب في المدرسة الرومانتيكية، فلا بد من الوقوف قليلاً عند مفهومي الاغتراب) و العدمية) توضيحاً للدراسة ومدخلاً لها.

إن المغترب) ليس معذباً بالضرورة، ولكن المعذب) مغترب لامحالة، فالصعلوك في العصر الجاهلي مغترب بطولي)، وأبو ذر الغفاري في العصر الإسلامي مغترب بطولي) أيضاً، ولعل سمات المدرسة الرومانتيكية تتلازم و المغترب) لاسيما المعذب منه، ذلك  أن العزلة المترافقة بالأنين والشكوى والكآبات، هي عزلة المغترب المعذب وليست عزلة المغترب البطولي).

إن "كل مجتمع يريد من الفرد أن يتماثل في المعايير العامة، بينما يسعى كل فرد ليتماثل في معاييره الذاتية. ولايعود الإنسان يدرك ماذا يحدث، بل لايعرف المغزى من وجوده. فتطفو عندئذ مشاعر العزلة، والقلق والتخلي والنبذ، والشد، والاغتراب”[31]) حيث يعيش الفرد تناقضاً بين ذاته المفعمة بالخلاص مما هو سائد وبين المحيط الذي ينتج إشكالياته، مما يجبره على الأنين والحسرة والهرب إلى أحضان الحلم، وقد "انتقلت عدوى الغربة)) أو الاغتراب)) أو الانفصال)) من اللاهوت إلى الفلسفة، وخاصة أقسامها المتعلقة بالحق والأخلاق، وذلك أواخر القرن السادس عشر وبداية القرن السابع عشر، أي في أجواء الصراع اللاهوتي -اللاهوتي، والصراع العلمي- اللاهوتي"[32])، حيث تطوَّر مفهوم هذه الغربة رويداً رويداً مع تقدُّم الزمن و"اكتسب مفهوم الاغتراب أوالاستلاب) حق الوجود الفكري الراسخ، منذ أواخر القرن الثامن عشر، ومايزال حتى يومنا هذا، بين المفاهيم الفكرية البارزة في الفلسفات المعاصرة، وفي علم الاجتماع"[33]).

ويشير الناقد حنا عبود إلى منابع الغربة في حياة الفرد من خلال تساؤلات عديدة فيقول: "ثم من يستطيع الادعاء أن منابع الغربة غير متوفرةٍ في حياتنا؟ من يستطيع أن يلغي دور الإحباطات الكبرى التي يواجهها الفرد في مراحل حياته؟ إن في حياتنا ضغوطات -لو انتبهنا إليها- تخلق الإحساس بالغربة، أكثر بكثير مما نسميه الحياة الصناعية المعقدة)"[34]).

ويتابع الناقد القول: "وقد تنبع الغربة من البيئة، فيحسُّ الشاعر كأنه ليس من هذا العالم المجنون. إن العالم لدى الشاعر يجب أن لايكون حسبما ترسمه تصوراته، فإذا قارن بين مايتصوره وبين مايعيش فيه انتابه الهلع من هول المفارقة. ففي هذا العالم المأفون المدان لايشعر المرء بألفة معه"[35]).

من اللافت للانتباه في حديث حنا عبود) عن الغربة قوله: وقد تنبع الغربة من البيئة))، إنَّ قد)) هنا حرف تقليل إشارة إلى أن الناقد يرى أن هناك غربة لاتأتي من البيئة وليست وليدة من المجتمع، وربما يقصد الغربة الروحية ‎[36])، غير أننا نتصور أن جميع أنواع الغربة ذات منشأ اجتماعي بما فيها الغربة الروحية، فلا يمكن أن تكون الغربة الروحية ذات منشأ ذاتي محض ولابد لها من محرِّض خارجي مهما تكن صفته، وهناك تداخل بين أنواع الاغتراب التي لايمكن أن تؤدي بالضرورة إلى تكوين مغتربٍ معذب) في بعض الأحايين، فهناك الغربة عن المدينة والوطن وعن الدار.. الخ" إذا ماأردنا التعرُّف على ظاهرة الغربة والحنين إلى الوطن في ضوء مايراه المحدثون نجد اختلافاً بين النظرتين، فهناك من يقول: إن الحنين إلى الوطن يتولَّد أساساً من خلل في الخيال عند الإنسان، وهو ينتج عادة من اتجاه العصارة العصبية في اتجاه واحد بعينه في المخ، ومن ثم لاتتولّد من جراء ذلك إلا فكرة واحدة بعينها، وهي الرغبة في العودة إلى الوطن، والحنين الدائم إلى العودة، وفي ضوء هذا يراه البعض //مرضاً ريفياً// يتمكَّن من الإنسان حتى يجد نفسه عائداً للعيش في ظلاله ويتحقق هذا أروع مايكون التحقُّق عند الذين أبعدوا ظلماً عن الوطن، وهناك نظرة تقول بأنه مرضٌ محبَّبٌ للذات، وكثيرٌ من الشعراء يؤججون هذا الجانب ليشتعل الشعر عندهم، على أن صورة المكان لاتكون هي الملمح الرئيسي في عملية التذكُّر، ذلك لأن الذي يسيطر على الشاعر أساساً هو فيض ذكرياته عن طفولته وعن شبابه الذي عاشه في الوطن، وقد يكون الأمر أمر حبِّ ذهب ولكن مازالت له بقايا داخل النفس"[37]).

ويقول الدكتور عبد الله عساف) في الرومانتيكية والاغتراب "ومن الأمور التي يجب ملاحظتها في الرومانتيكية إحساس الشاعر الدائم بالاضطهاد والاغتراب بسبب بعد الشقة بينه وبين المجتمع وموقفه السابق من الواقع، ولابد من التذكير بأن علاقة الإنسان بالمجتمع في مفهوم البرجوازية، ليست علاقة تفاعلية، وإنما هي علاقة صدامية دائمة تتمثل في رغبة الفرد المستمرة في التخلص من القيد /المجتمع"[38]).

أما العدمية فهي "تردِّي قيمة الأهداف العليا"[39]) والعدمي من آمن بسقوط جميع الأشياء من حوله، فلا طائل من الحياة ومن الاستمرارية ذلك أن الموت هو الملجأ الأخير للذات المخرَّبة حيث تتعرض غريزة الحياة لأقصى أنواع الهزات النفسية التي تتراكم زمنياً.

ينصهر المعذب) و العدمي) في بوتقة واحدة، فالعدمي قطعاً /معذَّبٌ مغترب/، لهذا فإن صفة الانسحاق أكثر ماتتبدى عند العدمي).

أما حالات النموذج المغترب العدمي) كما طرحتها المدرسة الرومانتيكية في الشعر العربي في سورية ولبنان فهي على الشكل التالي:

أ- النموذج الوجودي المغترب روحياً:

يظهر الاغتراب الروحي الذي ينطوي على القلق الوجودي في نصوص الشاعر عبد الباسط الصوفي)، حيث قام المجتمع بتعزيز ذلك الاغتراب، ومع "مرور السنين أصبح اسم الشاعر عبد الباسط الصوفي) يستعمل عند شعراء الشعر الحديث خاصة رمزاً من رموز الضياع والقلق والعدمية، وكناية عن الموت الانتحاري في تفجُّر العمر وزهوة الشباب”[40]).

لم تنشأ ظاهرة العدمية) عند الصوفي إلا بعد أن سقطتْ لديه جميع الاحتمالات الممكنة للعيش، وتكونت لديه منذ سن مبكرة حالة جنينية تنبئ بنهاية مرعبة: "فنتيجةً لإسرافه في مطالعة الكتب الفلسفية، سنة الشهادة الثانوية، ثم بعدئذ في السنوات الأولى لدراسته الجامعية، ونتيجةً لحالة الإحباط العاطفي التي عاشها مع حبيبته ونتيجة لحياته الأسرية والاجتماعية المغلقة، مضافاً إليها جميعاً فقره المادي، مرَّ عبد الباسط بأزمة نفسية مرضية تبدّت على شكل سهر لليل بأكمله دون قدرة على النوم وحساسية مفرطة تجاه كل شيء سرعان ما تندفع وتعبر عن نفسها بالبكاء، وألمٍّ لايحتمل في الرأس، وتوتر عاصف بالأعصاب كأنها أضحت أسلاكاً كهربائية ماإنْ يلتقي سالبها بالموجب حتى تتوهج"[41]).

وتوَّج الصوفي) حياته بالانتحار الذي يشكِّل نهاية مثاليةً للمغترب العدمي، فيبدو أن هناك سبباً واحداً لانتحاره "وهو وقوعه فريسة اضطرابات نفسية قاسية في أجواء غربته وعزلته، أدت به إلى القضاء على حياته قد ينضاف إليه سببٌ آخر، هو حالة المرض المستعصي التي سبقت عملية الانتحار، إذا صحَّ وقوع مثل هذا المرض، دون أن ننسى أن فكرة الانتحار كانت تراود عبد الباسط وقت مبكر"[42]).

لقد تطوَّر الأمر بتفكير الصوفي) المرعب إلى حد صار معه "أول شاعر عربي معاصر، بخاصة في القطر العربي السوري، ألحّت عليه المشكلة الميتافيزيقية مشكلة الوجود"[43])، ومن ثم انعكست هذه المشكلة سلبياً في نفسية الصوفي فلم يكن هناك متسع للصراع وللأمل فكان الموت هو الملجأ الأخير "وليس لتجربة الموت والرفض والانسحاق الشامل، وإيقاع الرعب والقلق المتيافيزيقي المتوتر الحاد عند الصوفي، سوى تأويل إطلاقي واحد وحيد ضمن شبكة العلاقات الاستاتيكية اللامحدودة: مواجهة العدم والفراغ العام بكل جرأة وذهول وتجرُّدٍ وتوتر إنساني حاد في ممارسة إبداعية إطلاقية مغامرة.

إن الرعب أسطورة القرن العشرين الساحرة وفلسفته الحقيقية الواقعية، يصير لدى الصوفي) انفتاحاً وتفتُّحاً فراغياً على عالم اللاشي: العدم، حيث ترقص الشمس معولة على جنازة الحرية ويهيم اللامعقول في دنياه المعقولة) الفسيحة"[44])، والجدير ذكره -قبل أن نبدأ بالوقوف عند نص شعري للصوفي- أن شاعرنا قد عانى الغربة معاناة محرقة "فهو منذ مطلع شبابه يواجه غربتين، نفسية واجتماعية فمن الناحية النفسية كان عاجزاً عن الارتواء يحسُّ قصوره الذاتي، فيخرج إلى الضوء، ويتوجه إلى الحب، وفي الحب يسقط ولكنه ينهض، ويتدفق في نهر الآخرين، ولكنه يشعر بالحصار"[45]) ويتوضَّح هذا في قصيدة له بعنوان غربة الروح) يقول فيها:[46])

أعود إلى الناس بعد اغترابْ

طريداً، أحشرج بين الشعاب

وظليَ يطفر فوق الترابْ

أعود إلى الناس، بعد النزوح

وتخطفني لمحات السرابْ

ويمضغني الصمت، حتى أبوح

فأهوي إلى الأرض، من غير روح

وروحي ترفرفُ فوق السحاب

حيث تأخذ الغربة في النص منحى ذاتياً يتدرج نحو العدمية، ولم ينشأ هذا المنحى إلا بعد عجزٍ عن التواصل مع الحياة ومقارعة ألوان العذاب والإحباط فيها، وتبدأ حياة الشاعر بالتصاعد نحو تساؤلات مرعبة ومدمِّرة عن جوهر وجود الإنسان ومصيره، وتختفي لدى الأنا) مقومات التوازن، وتتسع بالتالي دائرة الاغتراب من الحيز الاجتماعي إلى الحيز الكوني، فمنذ مرحلة الطفولة بدأت تتراكم عند الشاعر معطيات الاغتراب الذي تطوَّر فيما بعد إلى العدمية، وكان الفقر والعادات الاجتماعية المحيطة والبيئة الأسرية المحافظة والاختناق العاطفي سبباً في الكبت الذي بلغ أشده في لحظة الانتحار، حيث تعرَّضت غريزة الحياة لانتهاكات مؤلمة، ومالبثت أن سقطتْ أمام غزارة المكبوتات.

إن العودة إلى الناس في قول الشاعر: أعود إلى الناس بعد اغتراب طريداً) ليست عودة حميدة ولا هي بعودة حقيقية، إنها رجعة من غيبوبة ومن اغتراب إلى اغتراب آخر، لأن الناس المجتمع) همٌّ من همومه وعائق كبير يقف حائلاً دون خروجه من كآباته، ثم إن هذه العودة قهريةٌ أعود طريداً).

إذ إن الطرد حالة معنوية تنبئ بأنّ المكبوتات تريد أن تظهر على أرض الواقع، غير أن المجتمع لايسمح بذلك، فتظلّ هذه المكبوتات تطارد الأنا) إلى حد الإرهاق، فتشعر الذات بعدمية تحقيق الرغبة ومن ثم يجيء الاغتراب الذي يتحول مع ازدياد الإحباطات وازدياد الشعور بالعدمية إلى اغتراب كوني ذي سمات مرعبة تخطفني لمحات السراب)، فالصوفي لم يقل يخطفني السراب) بل أصرّ على وجود لمحات) التي تفرض تحولاً على الصعيد النفسي باتجاه العدمية السراب) الذي لاح في الأفق كنتيجة نهائية لتراكم الصور القاتمة في مخيلته، التي أرادت عالماً مثالياً يقوم على تغيير جذري في معطيات الوجود، ومن هنا ظهرتْ ملامح الاغتراب الروحي) والقلق المتعاظم القائم على تأزم نفسي هائل، ثم إن تكرار تركيب أعود إلى الناس) آت من الرغبة في تحقيق حلمه بالعودة إلى مجتمع مثالي ذي علاقات مختلفة عما هي الآن، وتجلَّى ذلك التأزم النفسي في النص في أحشرج بين الشعاب)، فالفعل أحشْرجُ) يوحي بصوت متعب ويدل على صراعٍ نفسي كبير أدَّى إلى عملية الحشرجة)، وعندما ارتبط ذلك الفعل بـ الشعاب) ازدادت الحالة سوءاً، لاسيما أن /الشعاب/ تشير إلى حالة من التبعثر والضياع و /الشعاب/ يتم إسقاطها نفسياً -ضمن السياق الاجتماعي لحياة الصوفي- على أنها الانكسارات التي رافقت الشاعر طوال حياته القصيرة، وسببت له الاغتراب الروحي، وترافق هذا الاغتراب في النص بالانطوائية والعزلة والصمت كما في يمضغني الصمت)، فالصمت تعطيلٌ للإرادة عن فعل الكلام، وغالباً مايتَّسِم الكئيب بالصمت الذي هو حالة عدوانية هنا بوجود الفعل يمضغني)، ثم يأتي البوح)، غير أن ذلك البوح) ليس مخلّصاً من عدوانية الصمت بل هو حشرجةٌ أيضاً، ولايؤدي وظيفة نفسية تفريغية أو تصعيدية. وتُتَوَّج الحالة المتفاقمة في النص بالسقوط المفجع في أهوي إلى الأرض من غير روح) تعميقاً لقضية الغربة، وإيذاناً بتهاوي الجسد خالياً من كل أملٍ.

كثر في النص استخدام ياء المتكلم ظلِّي، تخطفني، يمضغني، أهوي، روحي) تثبيتاً للغربة الذاتية لدى الشاعر، وتعميقاً للعزلة لديه، وكثر أيضاً استخدام حرف الربط الواو)، فلم يقلل هذا الاستخدام من شأن الحالة، حيث يدور النص حول بؤرة نفسية واحدة متماسكة.

تتوضَّح في قصيدة الطريق) لعبد الباسط الصوفي ظاهرة الاغتراب الروحي) التي تنطوي على القلق الوجودي) أيضاً، وتظهر في هذه القصيدة عدمية الصراع مع معطيات الزمن وتبرز العبثية واللاجدوى في مواصلة مسيرة الحياة يقول الشاعر في الطريق):[47])

عبثاً أنظر في الأعماق، لا أبصر شيّاً

والمدى الشاحب، مامات رؤى في مقلتيّا

هكذا أمضي مع الدهر، ولا أشكو المضيّا

أتخطَّى الزمنَ الموغِل إيقاعاً خفيّا

أنا لاشيء، ولاشيء وجود الكون فيّا

تنطلق العدمية في النص من العبثية واللاجدوى في استشراف كل ماهو جميل عبثاً أنظر في الأعماق)، وبالضرورة فإن تلك اللاجدوى في الاستشراق أسهمت في إنجاز نموذج المغترب العدمي) في الأبيات، لأن القبح حالةٌ متفشية ليس في المجتمع والواقع فقط، بل في تركيب الكون كله، إذ يبدو أن هناك حالة نفسية متطورة عن حالات أخرى متأزمة من عدم الثقة بالواقع إلى عدم الثقة بالذات إلى عدم الثقة بالحياة كلها)، ومن ثم نحن إزاء بناء نفسي يعوم في بحر من القلق المزمن إزاء هذا الوجود.

أشرنا قبل قليل إلى أن العبثية هي مفتاح النص وهي مفتاح الغربة أيضاً، فالأبيات محكومة بفعل العبث)، ثم توالت التركيبات التي أدَّتْ إلى تعميق هذا الفعل لا أبصر شيا، هكذا أمضي مع الدهر، أنا لاشيء ولاشيء وجود الكون فيّا)، ومنذ البداية يوحي النظر إلى الأعماق في عبثاً أنظر في الأعماق) باحتمالات متعددة على صعيد المعنى، أول هذه الاحتمالات يفضي إلى معنى النظر إلى المستقبل) أو النظر في الأفق)، ويظهر أنه مستقبل منعدم لاوجود له، ولم يعد الزمن قادراً على التحرُّك نحو ذاك الأفق المستقبل)، وثاني هذه الاحتمالات: يحيل على معنى نفسي عميق، وهو النظرُ إلى الذات) الفارغة المظلمة المغتربة، حيث الأنا) استنفدت كلَّ وسائلها لتلبية مايلحُّ عليها، ولكنها لم تتمكن من فعل أي شيء يعيد إليها استقرارها، ولعل تركيب المدى الشاحب) جامع للاحتمالين السابقين غير أن الاحتمال النفسي يفرض إيقاعه أكثر، فالمدى الشاحب ينمّ على رؤيا فردية خاصة بالصوفي، ولايمكن أن يكون ذلك المدى جميلاً إلا إذا حملته أنا) مستقرة.

في البيت الثالث يطالعنا تركيب هكذا أمضي مع الدهر) الذي يسم الشاعر بالعشوائية وبالتيه في وجوده وفي تحرُّكه على ساحة الحياة، لأنه غير مطمئن وغير واثق بخلاص بعيد أو قريب، كما أن مفردة هكذا) في ذاتها -وضمن سياق النص وحياة الصوفي- تُوَضَّح النتيجة النفسية والمآل الذي آلت إليه حياة الصوفي)، وتشير هذه المفردة من زاوية أخرى إلى مرحلة لاحقة لأخرى سبقتها، فهي نقطة انعطاف بين هاتين المرحلتين، حيث المرحلة الأولى السابقة) هي الزمن الذي تجمَّعت فيه المكبوتات بأنواعه، أما الثانية فهي الزمن الذي حدثت فيه ردة فعل الشاعر على هذه المكبوتات التي تجلت على هيئة  ضياع وتمزُّقٍ وجوديين.

ويستمر هذا التمزق في قلب الوجود ليبلغ في البيت الأخير ذروته، لأن هذا البيت يُشَكِّلُ نموذجاً مثالياً للمغترب العدمي القلق وجودياً)، فهنالك نفي لـ أنا) الصوفي أنا لاشيء) وهنالك نفي أيضاً للكون بكل علاقاته عن ذات الشاعر لاشيء وجود الكون فيَّا) وهذان النفيان كافيان لإقامة العدمية وصولاً إلى الانتحار، إذ تبدو العدمية في هذا البيت مقترنة بفقدان قيمة الذات بشكل مطلق، ويخرِّب هذا الفقدان كلَّ شعور بالبقاء وبالاستمرارية، فيتحقق الانسحاق الشامل.

تتصاعد الحالة في النص بدءاً من نقطة العبث في البحث عن الذات وتنتهي بتلاشي الذات، وتدمير الكون في داخل تلك الذات، ولعل الحياة القصيرة التي عاشها عبد الباسط الصوفي 1931-1960م) كُثَّفت في الأبيات السابقة عبر التصاعد الذي رأيناه في الحالة والذي ييتناسب وتفاقم الأزمة النفسية لديه، وكلُّ ذلك في ظل مجتمع يعاني ويلات المرض والحروب الحرب العالمية الثانية، نكبة فلسطين، العدوان الثلاثي على مصر، الخ....).

ب- النموذج المغترب قيمياً الواقع الاجتماعي):

أشرنا في بداية الدراسة إلى أن الظواهر الاجتماعية الفاسدة تنعكس سلبياً على نفسية المعذب، فلا يقوم بعد هذا الانعكاس بأي فعل ثوري من شأنه أن يغيّر بنية المجتمع كما يفعل التراجيدي)، ويشعر بعدمية الحل وباغترابه عن تلك الظواهر.

تُشكِّل نصوص الشاعر وصفي القرنفلي) نموذجاً للاغتراب القيمي، فهو إضافةً إلى عرضه لنصوص شعرية تصطرع فيها "أنواء ميتافيزيقية، هي جماح تمرُّده، ووثاقه الوجودي الحازم، وغناؤه للعالم الآخر الرحب، الموجود تارةً وجوداً صوفياً بشكل ما، والمنفي لدرجة الطرد، والنفي، والرفض تارةً أخرى"[48]) فإنه عرض نصوصاً أخرى تعبِّر عن المعذب المغترب عن واقعٍ أليم، مليء بالمفاسد والشرور، وبالأفكار البائدة، وتمرد على واقعه الاجتماعي هذا، وهو "كما تمرد على واقعه الاجتماعي الذي هو حصيلة تراكمات كثيرة من جملتها الجانب الفكري والموروثات الشائهة.. كذلك تمرّد على المعتقدات التي أرادها المستغلون أن تكون أداة في يدهم"[49])، واشتدت عليه وطأة الحياة منذ سن مبكرة فازداد اغترابه اغتراباً، إلى أن وصل إلى حالة يرثى لها، حيث "طاردته الحياة من مهنة المسّاح).. الجوال التي شكا منها الكثير في شعره حتى أُقعد إلا عن رفيف العين لاغير، طوال أكثر من ست سنوات، لايملك غير القدرة على البكاء الأخرس كلما زاره صديق، فكان ذلك أقسى جحيم يمكن أن يتعرض له شاعر لاقدرة له إلا بالكلمة.. وقد حُرم قُدرتي الحركة، والنطق"[50]).

يقول الشاعر في قصيدة له بعنوان جحيم المساحة)[51]):

أنا ميتُ الشباب، في غربة العيش، رفيقَ الوحش، ظلَ القفار

أنا في هذه المساحة) كالمحكوم بالموت في أمةٍ كالضواري

***

بتُّ واللّه أشتهي الشمس أن تشرق يوماً، ومقلتي في الفراش

نسبق الشمس أن تطلَّ، ونسري في ضمير الدجى سريٍّ المواشي

***

بتُّ واللّه أشتهي الناس، ناس المدن، تروي لنا حديث الحياة

كلّ ماحولنا جماد، وناس، ببغاء، في شهوة السائمات

تشهد العلاقة بين القرنفلي والواقع تردياً ملحوظاً، فيبتعد المجتمع بقيمه عن احتياجات ورغبات الشاعر، وباتت الغربة عن تلك القيم سبباً رئيساً في الغربة القيمية ووليداً شرعياً لها، ومن ثم كانت سبباً في انعدام الخلاص من الأوضاع والعلاقات السائدة.

تختلف العدمية في نص وصفي القرنفلي) عن عدمية الصوفي) في نصيّه اللذين وقفنا عندهما سابقاً، فالعدمية في الأبيات السابقة تبرزُ من خلال العلاقة المباشرة بالمجتمع، وتوحي بعدم وجود حلٍّ لما يحدث في المحيط، أما عدمية الصوفي) في نصيّه السابقين فتتسع لتأخذ منحى وجودياً مرعباً على الرغم من أن المجتمع وظروف الصوفي العصيبة كانت سبباً وأساساً لانطلاقه إلى تلك العدمية المرعبة.

نعود إلى أبيات القرنفلي لندرك أن ضياع الشاعر كان متلازماً مع فقدان الثقة بالأفراد ونسري في ضمير الدجى سري المواشي) وفقدت الحياة حيويتها وحركتها بزوال الإخلاص والأخلاق السامية كلُّ ماحولنا جماد، وناس، ببغاء)، ولابدَّ من البحث عن عالم جميل يعوِّض عن اغتراب الشاعر وعن قبْح الواقع، فلم يتعدَّ هذا البحثُ المضني الاشتهاء والحلم أشتهي الشمس أن تشرق، أشتهي الناس تروي لنا حديث الحياة)، ذلك أن العيش في مساحة) مخنوقة يفرض على الأنا) تفكيراً ينطلق من الفراغ ويصبُّ في فراغ، ويتراجع فعْلُ الذات) باتجاه العدمية أنا ميت الشباب).

في مرحلة الشباب تكثر احتياجات الأنا) وطموحاتها، ثم تتخلى عن طموحاتها إذا ماتعرَّضتْ لحالة من الحصار، فيتلقف اللاشعور تلك الاحتياجات ويخزّنها، والشهوة) المطروحة في النص السابق تعني أن الأنا) لم تتنازل عن رغباتها للمجتمع، ولكن أرجأتْ تحقيقها مجبرة، فعندما شعرت أن هذا الإرجاء سيطول انسحقت واغتربت.

يطرح النص المدينة) كمعضلةٍ وعقبة في البيتين الأخيرين، فهي حلقة سلبية أساسية من الحلقات التي تُطْبِق بخناقها على الشاعر، حيث هنالك قصور في تفكير الأفراد الذين تسيطر عليهم ذهنيةٌ مريضة كلُّ ماحولنا جماد، وناس، ببغاء).

يزاوج القرنفلي) في لغته بين المفردات التي تدل على الفردية أنا ميت، أنا في هذه المساحة، بتُّ، أشتهي) وبين المفردات والتراكيب تشير إلى صيغة الجمع نسبقُ الشمس، نسري، كلُّ ماحولنا)، بيد أن هذا الجمع يمكن أن يحال على احتمالين: أولهما: أن استخدام الجمع آتٍ لتضخيم ذات الشاعر وتضخيم غربتها وشعورها بالعدمية. ثانيهما: أن الجمع يدل على الكثرة وبالتالي يؤدي معنى التشتُّت النفسي والتبعثر، لأنه ليس من المنطقي أن يكون جميع الناس غرباء عن  المدينة، لذلك فإن التشتت حقيقةٌ ترتبط بالشاعر، حيث يؤدي تركيب كل ماحولنا) معنىً فردياً كل ماحولي)، و نا) الدالة على الفاعلين ذات مرجعية نفسية عميقة، وهي مجموع اللاشعور+الشعور) اللذين يصطرعان في ذاتٍ) واحدة هي ذاتُ) وصفي القرنفلي.

وكذلك فإن مفردة المساحة) تحمل إيحاءً نفسياً واسعاً، إذ تشكِّل في النص سجناً نفسياً أكثر منه مكانياً، فهي ساحة للصراع، الذي مالبث أن تراجع أمام وطأة الاختناق والموت أنا في هذه المساحة كالمحكوم بالموت).

مما سبق ندرك أن القيم التي طرحها وصفي القرنفلي) في المجتمع والتي جعلتْ منه معذباً، ترتكز على الشعور بأن الأفراد في الواقع قد فقدوا جوهر الإنسانية الحقيقي القائم على الحب، وفقدوا الود والبراءة والحميمية أشتهي الناس ناس المدن، تروي لنا حديث الحياة).

والشاعرة هند هارون تصرّح بمصدر غربتها وضياعها، كما فعل من قبل وصفي القرنفلي؛ فتراها تقول في قصيدة لها بعنوان أين الصحاب)[52]):

عبثاً ألوب.. ونفسيَ الظمأى.. تحنّ إلى الصديقْ

عبثاً أحاول... أن أضمَّ الصحبَ.. في تلك الطريقْ

الدرب خاوٍ.. حيث لاخلٌّ.. أراه.. ولا رفيقْ

الدربُ... يشهد أنني.. ماخنْتُ.. ميثاقي الوثيقْ

أُبدي الوفاء.. وأنثني.. أَلْقى.. التنكُّرَ والعقوقْ

أعطي من القلب... المحبَّةَ. ثم أغدو... كالغريق.

في الأبيات السابقة محاولة دؤوبة من الشاعرة للتواصل مع الآخر الصديق)، إلاَّ أن المحاولة لاتكلَّلُ بالنجاح، فثمة تناقضٌ قيمي بينها وبين الآخر، حيث يشهد الواقع سلسلة من المفاسد الخلقية تعرضها الشاعرة في النص، وتتمحور هذه المفاسد حول فقدان الإخلاص والوفاء حيث لاخلٌّ، ألقى التنكر والعقوق) وذلك ينعكس أيضاً بشكل سلبي على المحبة كقيمة سامية في المجتمع وعلاقات الناس بعضهم ببعض أعطى من القلب... المحبة، ثم.. أغدو.. كالغريق).

إن العبث) الذي جاءت به هند هارون في النص يتضامن مع اللاجدوى)، ولايؤدي معنى اللانتماء) إلى فكر أو قومية أو تحزُّب ما، إنه عبثُ البحثِ عن معايير في الواقع تتوافق مع ذاتها، حيث يتولد الشعور بعدمية إيجاد معايير كهذه، وينشأ بعد ذلك الاغتراب عن المجتمع، لذا لم تستطع الشاعرة الاندماج مع الآخر على علاّته وعلى سلبياته، لأن تلك السلبيات فاقت الحدود، وذلك بحكم تربيتها الاجتماعية أُبدي الوفاء، ألقى التنكُّر والعقوق).

من زاوية أخرى تفيد عبثاً) المكررة مرتين في مطلع الأبيات الإطلاق مفعول مطلق)) وتدل على التشتت والضياع، وقد ازدادت قوتها بحكم تصدُّرها للأبيات ثم إن الأفعال التي رافقتها لاتدل على اليقين والثقة بالنفس ألوب، أحاول)، فقد عزّزت التيه والضياع والشعور بالاغتراب.

تُكرر الشاعرة استخدام بعض المفردات ومرادفاتها ضمن تراكيب النص وتستخدم الطريق ومعانيه أضمُّ الصحب في تلك الطريق، الدرب خاوٍ، الدرب يشهد).

إن إصرار الشاعرة على الطريق) نقطةُ انعطاف في مسيرتها النفسية، ففيه يحدث اللقاء مع الآخر أوْ لايحدث، إنه لقاءٌ على صعيد القيم وليس لقاءً مادياً جسدياً، والطريق) هو خط الهجوم الأول الذي تواجهه الأنا)، لأنه مسرح للعمليات الاجتماعية بمختلف أشكالها. ويرتبط التكرار السابق بتكرار آخر لمفردة الصديق) ومعانيها نفسي الظمأى تحن إلى الصديق، أضمُّ الصحب، حيث لاخلٌّ، لارفيق).

إن الصديق مصدر من مصادر الحميمية والطمأنينة ويعزَّز الاستمرارية في الحياة، وهو من العوامل الهامة في استقرار الأنا) إذا تطورت العلاقة معه ليصبح خلاًّ)، وهكذا يشكل البحث عن الصديق) في النص السابق بحثاً عن قيمة اجتماعية إيجابية، بل عن عالم أكثر إنسانية ومرونة.

لقد كثر في النص أيضاً استخدام صيغ النفي والتقهقر لاخلٌّ، لارفيق، ماخنتُ، التنكر، العقوق، الغريق، أنثني)، ولعلها صيغٌ تفسِّر تراجع الأنا) وانغماسها في الحزن والغربة، فحرفُ النفي لا) ضربة مؤلمة للشعور بالأمل وبالوصول إلى نتيجة سعيدة، وجاء الفعل أنثني) ليسوق لنا كيف حاولت الشاعرة إضفاء بعض المرونة على سلوكها كي تتواصل مع الآخر، إلاّ أن ذلك الآخر رفض حبل التواصل، ويمكن أن يؤدي الفعل أنثني) معنى التورية) التي قامت بها أنا) الشاعرة لاستقطاب الصديق والخليل بشكلٍ لاتصبح معه التورية) تنازلاً من الأنا) عن حقوقها.

جـ- علاقة المغترب العدمي بالمرأة:

"لقد فهم الرومانطيقيون الحب على أنه شعور سماوي أخوي، يعتمد على صفاء الروح وطهر المشاعر يتخذ حالة من الشرود، وأحياناً أخرى حالة من الوصال اللاوعي وثالثة يتخذ لغةً غير مفهومة لأن أصحابها هم أيضاً عاجزون عن ترجمتها، وقد اتخذ لدى البعض نوعاً من أنواع العبادة الخالصة تطوَّرت فيما بعد إلى حالة صوفية خالصة"[53]).

كانت المرأة عند نديم محمد) مخلِّصاً لا يُنال، وكانت عند علي دمر) أحد جوانب حرمانه واغترابه عن المجتمع، غير أن هذا الحرمان يتراجع عند عمر أبي ريشة) فقد "عاشت المرأة في حياة عمر بكل عطرها وطيبها، وعاش شعره يتلفّت إلى شذاها وهمسها، فكان له معه انتصارات تركتْ على هيكله الشعري كتابات كثيرة كالأساطير في ملاحم الهوى والحب، وخلَّفتْ في قلبه وجسمه جراحات باسمة وقاتمة رسمها عمر كأمير في الحب"[54]).

أما موقف عبد الباسط الصوفي) من المرأة فإنه يشير إلى أن "نزق الصوفي يسعى إلى البديل، وثورته الداخلية، تبحث عن واحة تستظل بها، يبترد في ينبوعها ويطفئ نيران إحساسه في صفائها وصدقها، ولذلك كان يتوجه كرومانتيكي أصيل إلى الطفولة حيناً والطبيعة أخرى والمرأة ثالثة، وهذه هي منابع الحلم والعودة عند الرومانتيكين عامة، وموقف الصوفي من الحبِّ تجسيدٌ عنيف للتطرف، لذلك كانت المرأة تأخذ وصفاً متأرجحاً مقلقاً في شعره فهي مرة معبودة يسجد لها، وأخرى شيطانة رجيمة آثمة يصبُّ عليها أقسى لعناته، وهي مرة معشوقة منقذة تمنحه الجرأة والحياة والتفتح، وأخرى جسد يُشْتَهي ويخون حيث يترك للشاعر الجراح والشحوب والانهيار، وموقف الصوفي من المرأة له نفس الناظم يحمل آراءه وأفكاره وتصوراته تجاه العالم وموجوداته وأحداثه"[55]).

والكبتُ بشكل عام هو القاسم المشترك الذي يجمع بين الشعراء الرومانتيكيين في موقفهم من المرأة وبمقدورنا أن نستوضح هذا الكبت من خلال دراستنا للنصوص الشعرية.

تتوزع المرأة في نصوص الصوفي بين الأنثى الحبيبة) و الأم) حضن الطفولة والحنان.

1-الأنثى الحبيبة:

تحدثنا آنفاً عن موقف الصوفي من المرأة ورأينا ترجُّحَ موقفه منها ونقف عند قصيدة له بعنوان ذهول) يقول فيها:[56])

من تكونين؟ كيف أشرقت في عينـ

ي خيالاً؟ وكيف أظلمْتِ عمقاً    مدور)

ما شكا الفجر من فتونك إطرا

قاً ولا غصَّ من حيائِك شوقاً             مدور)

أمسكَ الجرحُ بسمةً في شفاهي

ثم أغفى وذاب أفقاً فأفقاً

يطرح النص المرأة على أنها منقذة من العدمية، وأنها أملٌ، غير أن السياق الاجتماعي المعيش، الذي فرض على الصوفي وشكّل غربته حال دون إتمام عملية الإنقاذ وهذا ماتجسد في الأبيات من خلال تركيب أمسك الجرح بسمة).

على الرغم من أن الجرح) معرف بأل) التعريف، إلا أنه بقي في حيِّز المجهول والإطلاق والاحتمالات وبوسعنا أن نستنتج أن الجرح) هنا هو مجموعة من المكبوتات وأصناف القمع والغربة التي تعرَّض لها الشاعر فجاء تكثيفاً لها.

يشهد البيت الأول ثلاثة تساؤلات من تكونينَ، كيف أشرقتِ، كيف أظلمتِ)؟ وتحمل هذه التساؤلات استغراباً جميلاً مدهشاً من الشاعر، فإشراقُ الأنثى في ظروف تدعو إلى العدمية يخفِّف من الألم والعذاب، ولكن الصوفي) أدرك أن ذلك الإشراق لن يدوم ولن يُكْتَبَ له الاستقرار نتيجة الموانع الخارجية البيئية، ذلك أن الأسئلة الثلاثة تعبير عن مسيرة حياة مصغّرة، فالسؤال الأول من تكونين؟) آت للتعريف بالأنثى وكشْف الستار عنها وعن ماهيتها، أما السؤال الثاني فلاحقٌ للأول كيف أشرقت؟) ثم يجيء السؤال الثالث كيف أظلمتِ؟) ليشير إلى العدمية وانكسار النفس بعنف.

لم يأت الإغفاء في تركيب أمسك الجرحُ بسمةً في شفاهي ثم أغفى) بمعنى النوم، بل جاء ليعزِّز كلامنا السابق في أن الجرح) مجموعة من الكبوتات، فالإغفاءُ جاء بمعنى الترسُّب)، أي ترسُّب) تلك المكبوتات، وهذا مايفرضه سياق الأبيات بإلحاح، ثم إن الذوبان في ذاب أفقاً فأفقاً) لم يأتِ بمعنى الانعدام) بل بمعنى التفشِّي)، أي تفشى الجرح وترسَّب.

2-الأم حضن الطفولة:

للمرأة الأم) نصيب في شعر عبد الباسط الصوفي) فهي الحضن لكل خير وعطاء، وأما رحيلها فرحيلٌ للأمل كله، وبدايةٌ للشقاء والعذاب، فنراه يقول في قصيدة له بعنوان أم)[57]):

أنا قربَ السرير، أنسج يا أمَ.

أمانيَّ من شحوب المساء                 مدور)

وغداً أنزوي، وتمشين للقبر

وتصحو الخطى، على أشلائي   مدور)

أيُّ نجمِ، هناك في الأفق النائي

ترامى... على ذيول السماء؟   مدور)

أين كفاك؟ لوّحي بالدعاءِ

السمح، أو فامسحي نزيف الدعاءِ        مدور)

اسْنديني، هنا تكفكفَ فجرُ

الروح، وامتد عالم من شقاء   مدور)

وهنا في انسراح دنياك جفّتْ

أغنياتي، وأُجفِلَتْ كبريائي

وبعينيَّ مابعينيك يا أمُ

جراحٌ تنام خلف الدماءِ                   مدور)

وتحاملتُ للسرير، وضلّتْ

رعشاتي على ضلوع الشتاءِ

يضع عبد الباسط الصوفي الأم) مقابل العدم، لما تحمله من معان تصبُّ في نهر الحياة، فمجرّد ذكر الأم هو حنين خفي إلى الطفولة، وتحديد المكان في بداية الأبيات أنا قرب السرير) وارتباطه بالأم يوطِّد الحالة اللاشعورية) بالحنين إلى الطفولة والماضي البعيد.

إن سياق الأبيات يفضي إلى انهيار شديد وتدهور نفسي باتجاه العدمية، لأن الإحساس بديمومة الأم كعامل من عوامل الخلاص قد تضاءل وغداً أنزوي، وتمشين إلى القبر)، حتى أن تلك العدمية قد انسحبتْ على الأم ذاتها، حيث انعكس شعور الصوفي) بهذه العدمية على ماحوله وبعينيّ مابعينيك يا أم، جراح تنام خلف الدماء) فأصبح كل مايفعله هباء منثوراً، ويحيل على عمل عبثي أنسج أمانيَّ من شحوب المساء) وبالتالي يحيل على الاغتراب، لأن الأم تحمل قيماً سامية عليا الحنان، العطاء، الخير، الرحمة، الخ...)، وإن رحيل الأم يعني رحيلاً لتلك القيم العليا مضافاً إليها تلك القيم التي رحلتْ عن المجتمع، والتي أشرنا إليها سابقاً.

لم تستطع الأم كبديل للتناقضات الموجودة على ساحة الواقع) أن تخفِّف من نزق الصوفي) وصراعه الداخلي المرير، وهذا ماصوَّرته اللغة المستخدمة في النص، فالتوليد الذي شهدته الصورة الشعرية جاء تعبيراً عن الحالة وموضِّحاً لجزئيات الحدث النفسي تصحو الخطى على أشلائي، هنا تكفكفَ فجرُ الروح)، وإنه لمن الأهمية بمكان أن نقف عند تركيب جراح تنام خلف الدماء) فنستخلص منه الأبعاد النفسية لحياة الصوفي)، وقد خصَّصْنا هذا التركيب بالاختيار لما يحمله من غرابة وطاقة نفسية إيحائية عالية.

يظن المرء لأول مرة أن الدماء) هي الجراح) ذاتها أو أن الدماء وليدة من الجراح، بيد أن الجراح أضحتْ في قاموس الصوفي) تعني المواقف السلبية الحادة التي هزتْ كيانه، مضافاً إليها مختلف أنواع الكبت والحرمان الاجتماعيين، فالرؤيا التي تقوم عليها حياة الصوفي) لاتؤمن بمستقبل مشرق أو خلاص قريب بل تقوم على اللاجدوى وعلى الموت الذي يلف الحياة.

قبل أن ننتهي من الحديث عن المغترب العدمي) نشير إلى أن هناك شعراء آخرين في المدرسة الرومانتيكية قد طرحوا المغترب القيمي) ومنهم الشاعر علي دمر)[58])الذي تعرَّض في حياته لنوعين من الحرمان: الأول عاطفي والثاني إنساني محض يعتمد على استعباد الفرد للفرد الآخر، لذا فإن سمات المعذب) عنده تنطلق من هذين النوعين من الحرمان.

أما الشاعر اللبناني الأخطل الصغير) فإن مفهوم المعذب) بوصفه قيمة جمالية لم يتبلور في نصوصه، حيث يعرض الشاعر في قصائده للمغترب بمفهوم المهاجر)[59])، إذ يشكل الاغتراب عن الوطن مكان النشأة) انعكاساً سلبياً على الذات، فالفرد تربَّى على مجموعة من القيم الاجتماعية وعايش ظروفاً تختلف عن تلك التي سيراها في الغربة.

إن المغترب المهاجر ليس معذّباً بالضرورة إلا إذا توافرت عدة شروط في الهجرة: الصفة القهرية للهجرة، ديمومة الهجرة، تأزم الحالة النفسية للفرد المغترب، فقدان الأمل بالعودة، ومن ثم العجز أمام وطأة القيم الجديدة.

ثم إن اللغة التي جاء بها الأخطل الصغير) في حديثه عن الاغتراب كما في قصيدة المهاجر) تعود بحاملها الاجتماعي إلى عصور سابقة في تاريخ الشعر العربي، فهي على الصعيد النفسي تُظهر تقاطع أنا) الشاعر مع أنا) شعراء آخرين إن كان في المدرسة الإحيائية أو في النصوص الشعرية القديمة الشعر الجاهلي، الشعر الإسلامي).

كما أن الشاعر عمر أبا ريشة) لم يتوضَّح عنده /المعذب/، ولم يظهر في نصوصه ويمكن رد ذلك لظروفه الاجتماعية، أما ما نراه من تشاؤم في بعض قصائده فمردُّه إلى التأثر بالأدب المهجري والثقافات الغربية ومسايرة الركب الرومانتيكي، فحياةُ عمر أبي ريشة تكاد تكون مستقرة إلى حد كبير، ومن هنا لايمكن أن يكون عمر أبو ريشة معذَّباً حيث تألق هذا الشاعر في إبراز المفاهيم الجمالية المشرقة الجميل، البطولي،....).

وكان هناك شعراء واكبوا المدرسة الرومانتيكية والمدرسة الحديثة في الشعر إلا أنهم حافظوا على طابع المدرسة الإحيائية ومنهم محمد الفراتي، وبدر الدين الحامد، وسعيد قندقجي حيث طرحوا في بعض قصائدهم مسألة الاغتراب القيمي)[60])ولم يكن مفهوم /المعذب/ أساسياً في قصائدهم.

2-النموذج السوداوي المازوخي:

إذا كان الجانب القيمي هو البارز في النموذج المغترب العدمي)، فإن الجانب النفسي هو الواضح في النموذج السوداوي المازوخي).

إننا الآن أيضاً أمام مصطلحين هما السوداوية) و المازوخية) ولابد من الوقوف عندهما لبعض الوقت "فالتعريف الشائع للمازوخية أنها البحث عن اللذة بواسطة الألم، وقد يكون هذا الألم جسمياً كأنْ يعذِّب الإنسان نفسه، أو أن يعذبها بواسطة الآخر، وقد يكون الألم وجدانياً، فتنبعث عندئذ أعراض شائعة جداً كالحاجة إلى أن يشعر بالصَّغار، وأن يحط من قدره وكالحاجة إلى أن يضع نفسه في موضع أدنى) من الآخرين، وأن  يمضي مغلوباً والحاجة اللاشعورية إلى الإخفاق وإلى معاقبة النفس وإلى أن يكون موضع العقاب لابدافع الإحساس بالعدالة بل ليكون موضع الغفران فيما بعد، أي، أن يكون مجدداً موضع الاعتراف والحب"[61]).

والمازوخية) بعكس السادية) التي تعني التلذذ بألم الآخرين "بيد أن المازوكية ليست سوى لون من ألوان السادية الأولى، لذة الأم للذات، والثانية لذة الألم للآخرين ومن الممكن أن تنقلب المازوكية إلى سادية في أي لحظة، كما أن من الممكن أن تنقلب السادية إلى مازوكية في أية لحظة، بل يمكن أن تتجلى الظاهرتان في نشاط الفرد الواحد، وبقدر مايكون الفرد متطرفاً في مازوكيته يكون متطرفاً في ساديته، ليس باعتباره شاذاً وإنما باعتباره ذا شحنة عصبية شديدة الحساسية"[62]).

ويتابع الناقد حنا عبود) توضيح العلاقة بين السادية والمازوخية في كتابه النحل البري والعسل المر) حيث يقول: فعندما "لاتجد السادية موضوعاً تتجه إليه تنقلب إلى الذات لتجعلها فريستها. ولكن عدم وجود موضوع خارجي أمر مستحيل، كلُّ مافي الأمر أن الموضوع الخارجي قد يكون من القوة بحيث يسبب إحباطاً شديداً، لأنه هو الآخر سادي النزعة، في هذه الحالة تسمى السادية باسم آخر هو المازوكية التي ليست أكثر من حالة آنية من حالات السادية، وبما أن المازوكية حالة من حالات السادية فإنها أيضاً سلاح من أسلحة الدفاع عن الذات، فالمذنب أو المقصِّر أو المتخاذل أو العاشق أو.. عندما يفشل في تحقيق مشاعره السادية أو عندما يكون الموضوع أكبر من طاقته، أو عندما لايحقق بالسادية مبتغاه، ينقلب على نفسه يعذبها أو يؤنبها، أو يجعلها ضمن كابوس معين كنوع من التطهير"[63]).

من المفترض أن نشير إلى مسألة على جانب كبير من الأهمية، وهي أن المازوخي) في ذاته لايشكل معذباً، إلا إذا كانت الحياة الاجتماعية والأجواء العامة للشاعر المازوخي) ذات طبيعة تحيل على قيمة المعذب) كظاهرة جمالية، أي أنه يتوجّب على المازوخية أن تترافق بحياةٍ سوداوية أو مغتربة أو معدومة حتى يتحقّق شرط العذاب، فالآلام والتلذذ بها لايصنعان عذاباً، بل لابد أن تكون تلك الآلام موجودة في حضن السوداوية.

والاغتراب والاستلاب من التجليات التي تتلازم وقيمة /المعذب/، وأن تصبح تلك التجليات متأصلة وتشغل حيزاً كبيراً من حياة الشاعر إلى حد نفسي متأزم، وعندها يصبح للآلام وضعٌ آخر "فعندما تنتهب نفسَ الشاعر الآلام، يجد عوضاً عنها تلك اللذة التي يستمتع بها وهو في نشوة الوحي، وفي هذه النشوة يكمن مرض الشاعر ودواؤه ولابد أن يعني هذا أنه بسبب تلك الآلام كان الوحي، ومع الوحي كانت النشوة، أي أن المعاناة كانت السبيل إلى الوحي، أي الإبداع وكان الإبداع وسيلة لإخضاع تلك الآلام والتلذذ بها، فلولا الآلام ماكان الوحي ولولا الوحي ماكانت اللذة، فإن كان هذا ليؤكد شيئاً فإنه يؤكد تلك العلاقة السببية بين عصاب الفنان وقدرته على الإبداع"[64]).

أما السوداوية) فهي مرحلة متقدمة من التشاؤم) فلا يشكِّل التشاؤم في ذاته سمة من سمات المعذب إلا إذا تضخم وصار قريباً من الهاجس وتطبع فيه الشاعر، فالسوداوي يتوقع أسوأ الاحتمالات في الأفعال عبر الأحداث التي تجري وستجري على أرض الواقع، وينظر إلى تلك الأفعال دائماً على أنها مصائب وويلات ويغيب التفاؤل عن دائرة تفكيره، ولاتنشأ السوداوية مصادفة أو عن عبث، بل تتأسس على جملة من الظروف والصدمات القاهرة للفرد، وغالباً مايكون المجتمع سبباً رئيسياً في تلك السوداوية.

وقد تكون الحوادث التي تصيب الحياة الأسرية من وفاة أو فقدان لعزيز سبباً من أسباب تلك الظاهرة النفسية، وربما تنشأ السوداوية أيضاً من تفكير المرء بالجزئيات التي يقوم عليها تركيب هذا الكون والتدقيق والتمحيص في خوافيها، فيقعد عاجزاً عن ملاحقة المجهول والغامض منها ويتداخل القلق بالسوداوية، بل إن السوداوي قلقٌ بالضرورة، ولكن القلق ليس بالضرورة سوداوياً إلا إذا تعاظم لديه القلق وصار يشغل حيزاً هاماً من طبيعته النفسية، أما صور السوداوي المازوخي) في المدرسة الرومانتيكية فقد تجلّت على الشكل التالي:

أ- صور الحرمان العاطفي:

نستهل حديثنا في هذا الجانب بالوقوف عند الشاعر نديم محمد)، الذي يبدو أنه تعرّض في سن مبكرة لانتكاسة عاطفية، إضافة إلى الكبت الذي رافقه طوال سن المراهقة وهو في أوج نشاطه وحيويته، فكانت تقاليد المجتمع وتزّمت أفراده عامل قمعٍ واحتباس لقدرات الشاعر ورغباته، وقد أشار إلى ذلك في مقدمة ديوانه فراشات وعناكب فقال: "واستعرَ جحيمُ الكبت في صدري حتى أحسست له مخالب ونيوباً تجرح وتمزّق وانهملت على جراحاتي لسعاتُ الحبِّ فكانت هذه ضرماً فوق ضرم"[65])- وتعرض أيضاً لهزتين عنيفتين أسهمتا في تعميق البعد السوداوي لديه إذ يضيف قائلاً "وجاءت وفاة والدي هزةً مادت بها الأرض من تحتي، وقصفاً تخلَّعت منه أعصابي، وانفجرت بعد سنين أكبر حادثة مدمرة في حياتي هي: فجيعتي بأخي الصغير"[66])- ويتابع أيضاً قائلاً "وعشتُ لأرى القبح النفسي، وأشهد الكره الرخيص، عشتُ لألمس الكذب في القول والغشّ في المعاملة والسرقة، عشت، لتصدّع قلبي وتطرف عيني مناظر الخيانة وتجارة المبادئ وبطولة الجبناء"[67]).

ومهما يكن مصدر السوداوية وسببها عند أي شاعر كفرد من الأفراد، فإنها تعمُّ لتشمل كل مناحي الحياة لديه، وبمعنى أوضح: إن السوداوية الناتجة عن انتكاسة عاطفية -على سبيل المثال- أدى أحد الأفراد تؤدي بذلك الفرد إلى فقدان الثقة بالآخر، حتى لو كان ذلك الآخر مصدر خيرٍ وعطاء، وربما يتطور فقدان الثقة ليشمل الحياة برّمتها بحيث يصبح لاشعور الفرد بؤرةً ومصدراً للخلل والقلاقل وتقوم الأنا) بتحويل كل مالديها إلى صور قاتمة قبل مرورها إلى اللاشعور، الذي اعتاد على مثل تلك الصور.

يقول نديم محمد في قصيدة /النشيد الأول/ من ديوان /آلام/:[68])

وأفاقت من غفْوها آلامي

 

هبَّ من وحشة السنين غرامي

ري وسهم ممزِّق وضرام؟مدور)

 

أيُّ ذئب مهمهم الشدْق في صد

ينهش الحسَّ بالنيوب الدوامي

 

هدرةٌ في جراح نفسي وجوعٌ

كالثعابين في الرمال الظوامي

 

وتفحُّ الأوجاع ملء ضلوعي

حي فينشى بالخمر جرحُ غرامي مدور)

 

فدعوني أعصرْ من الخمر في جر

جاءت كلمة غرامي) مفتاحاً أساسياً للنص، وارتبطت تلك الكلمة بذكرى لاتخلو من الألم والحزن، ومن ثم الحرمان فتقطّعت السبل بين الشاعر ومصدر راحته وطمأنينته متمثلاً بالأنثى، وانسحبت تلك القطيعة إلى حياة الشاعر كلها لتملأها عناءً وسوداوية وتجلّت، مظاهر المازوخية بدءاً من البيت الثاني وانتهاءً بنهاية البيت الرابع، ذلك أن هناك مبالغة في توصيف ألم الذات، ويبدو أن هناك صورة قاسية لتعذيب تلك الذات هدرةٌ في جراح نفسي، جوع ينهش الحسَّ، ذئب مهمهم الشدق في صدري، تفحُّ الأوجاع ملء ضلوعي..).

لقد بدت الأنثى عند نديم محمد) من خلال النص مخلَّصاً، ولكن لاينال فأوجد لها معادلاً وأقنع نفسه أن ذلك المعادل قد ينقذه مما هو فيه، وتمثل بالخمرة أما مهمة الخمرة فتنحصر في إيجاد التوازن لـ أنا) الشاعر، ولايتم التوازن إلا بنسيان المشكلة والانتقال إلى أجواء وعوالم أخرى حيث تهيء الخمرة لوجود تلك العوالم إلا أن اللاشعور) يظل محتفظاً بالمعضلة الموجودة عند الشاعر الحرمان العاطفي)، وليس بالإمكان التخلص منها، لأن المعادل الموضوع لها لايؤمن جانبه.

من الملاحظ في النص أن الهوة) كبرت بين الفنان الشاعر وبين الحفاظ على ذاته مستقرة، واستفحلت الحالة والأزمة فجاء تركيب جوع ينهش الحسَّ) ليشدَّ إحساسنا إلى قوة تلك الهوة، فالجوع ضد الشبع، لذلك فإن نهاية هذا الجوع هي الموت الأكيد وهو ظاهرة ضد الطمأنينة والاستقرار والحياة، فيأتي مرتبطاً ارتباطاً مباشراً بالهوة التي تفصل الشاعر عن مبتغاه من جهة وصار يؤدي معنى الكبت) من جهة ثانية.

إن الكبت) في الأصل هو منع رغبة من الرغبات أن تتحقق على أرض الواقع، فينشأ الجوع إلى إشباع تلك الرغبة، ويصبح مزمناً كلما امتد الزمن وبالفعل فإنه مزمن عند نديم محمد) بما أنه ينهش الحس) لديه، والكبتُ دافع لاشعوري بعكس الكبح) الذي يدل على قوة الإرادة عند شخص ما أو على عدمها.

كان الفارق الزمني في النص واضحاً بين لحظة الكبت ولحظة خروجه على شكل حلم النص الشعري أو الشحنة التفريغية)، فالبيت الأول يؤسّس لهذا الفارق الزمني هبّ من وحشة السنين غرامي، وأفاقت من غفوها آلامي) ولعل تلك اللحظة الأولى هي الصدمة أو بداية تكوين المشكلة الحرمان العاطفي)، ثم إن الجواء المطروحة في الأبيات تعمّق الإحساس بالحرمان والسوداوية ومن ثم الموت، فهي قريبة من الجواء الصحراوية التي تشعر المرء بالجفاف واضمحلال المياه وقحل الطبيعة ووجود الذئاب والأفاعي، وغابت عن الجواء معطيات الخصب الانفراج، كوجود الماء والأشجار، حيث يحيلنا تركيب سهم ممزّق) على وجود صراع ومعركة قاسية بين نقيضين، فتحول الصراع الكائن بين الشاعر واستقراره العاطفي إلى صراع كائن مع الحياة، لأنها مصدر كل الشرور والمتاعب التي تحدُث له، حيث تصاعدت الحالة الشعورية في النص من الاستيقاظ إلى الصراع مع العناصر التي أفاقت لدى الشاعر، الآلام، هدرة الجراح، الأوجاع، الحس) وما رافقها من صور حركية هبّ غرامي، سهم ممزَّق، جوع ينهش الحس) وانتهت تلك الحالة بمحاولة الشاعر إيجاد معادل لحالته -كما أشرنا سابقاً- ليقيم توازنه، وتمثل بالخمرة والظمأ إليها في البيت الأخير فدعوني أعصر من الخمر في جروحي فينشى).

استخدم الشاعر في لغته تراكيب ومفردات قاسية ذئب مهمهم الشدق، ضرام، هدرة، ينهش، النيوب الدوامي، الظوامي، الخ...) فبسط هذه المفردات والتراكيب كردة فعل على فعل قاس، لذلك لم يكن استخدام تلك اللغة عشوائياً، ولعل الجرح العميق الذي يحمله نديم محمد) يحتاج إلى ردم، فجاء الأسلوب ليحاول ترتيب الأشياء المفقودة لديه وسدَّ الثغرات ما أمكن ذلك، ولذا جاء موحياً بالسوداوية على صعيد الحالة ومعززاً لمظاهر المازوخية، فالاحتمالات التي يوحي بها النص عبر صوره  تصبُّ في إطار السوداوية والشعور الحاد بالألم، وكمثال على ذلك يضعنا التساؤل في أيُّ ذئب مهمهم الشدق في صدري) أمام احتمالات، إلا أن هذه الاحتمالات جميعها تصبُّ في معنى واحد وهو التآكل الحاصل لذات الشاعر.

صحيح أن أي) أداة استفهام تفيد التكثير والاستفسار عن المجهول غير أن اقترانها بكلمة ذئب)، قد صبَّ جميع الاستفسارات في منحى تلك الكلمة وأبعادها انتكاسات متكرِّرة، ضغوطات نفسية، صدمات يومية، غذابات دائمة، إلخ)..

وأخيراً فإن نديم محمد) تعامل مع مفردات الخارج تعاملاً ذاتياً كشاعر رومانتيكي، بإسقاطها على الذات بصورة عميقة ذئب، سهم، نيوب، ثعابين)، فصارت كأنها من مكوِّنات جسده ودمه، ولكنها مع مرور الأيام تحوَّلت إلى شيء خبيث يهدم ذاته وإحساسه، فالشاعر فاقدُ الثقة بالخلاص، وقد ارتبطت سوداويته ارتباطاً عميقاً بالضياع، فكانت الخمرة ملجأه الأخير، عساها تنسيه ولو لبعض الوقت كآبات هذا العالم وكوارثه، إنها وجهة نظر فيما يحدث حوله وقد حافظ على هذه الوجهة في معظم نصوصه الشعرية، ولعل السوداوية بمصادرها وأشكالها تعدّ وجهة نظرٍ قهرية، لا يستطيع المرء الإفلات منها، فتصبح سلطة قمعية تمنع المرء من إدراك متطلباته.

ويظهر الصِّغار) كأحد مظاهر المازوخية في بعض نصوص نديم محمد) الأخرى، وهو صغار مرتبط بالعلاقة مع المرأة، تجسيداً لحالة الحرمان العاطفي لديه، وقد ترافق هذا الصغار باستخدام قاس للجسد بالتعامل معه بصورة غير مألوفة، وإضافة إلى ذلك دخلت المرأة إلى حيز الألوهية لديه إذ يقول في قصيدة له بعنوان النشيد السادس) من ديوان آلام[69]):

وأهوي إلى قرار مهين مدور)

 

فاسأليني ذلّي ألمٌ جناحي

بظفري.. وألقها في أتون مدور)

 

اسأليني إحراق نفسي أمزّقها

فؤادي.. وأعطهِ للمنون مدور)

 

اسأليني موتي أسلُّ من الصدر

يشهد النص استخداماً قاسياً لأجزاء الجسد قرباناً للمرأة حيث تكمن الظواهر المازوخية) في هذا الصَّغار أمام الأنثى إلى حد تأليهها.

ويترافق هذا الصغار والخضوع بمبالغة كبيرة في وصف الهلاك الجسدي إلى مرحلة الانعدام، إن هذه المبالغة ردة فعل على الهوة العميقة الحرمان) التي تفصل الشاعر عن الأنثى) كصورة من صور الكبت الرئيسة لديه، ومن ثم مهدّ لظهور السوداوية.

إن الطلب من الأنثى -من خلال الأبيات- أن تتمنى أي شيء له صلة بحياة الشاعر، هو في ذاته محاولةٌ للتوازن ولو بشكل نسبي، وذلُّ النفس وإحراقها وتمزيقها أعمال على قدر كبير من الأهمية، لما تحمله من الاستقرار والراحة في وجه الحرمان).

وللشاعر قصائد أخرى كثيرة في هذا الجانب[70]) تتحدث عن علاقته بالأنثى وما الأثر الذي تركته الأنثى في نفسيته بعد غيابها.

ثمة فوارق جوهرية بين وضع المرأة عند المغترب العدمي) وبين وضعها عند السوداوي المازوخي)، من خلال النصوص الشعرية، فـ السوداوي المازوخي) يعرض أثر الحرمان العاطفي على نفسيته مباشرة، فيصف جزئيات حالته ويتلذذ بآلامه لذلك تظهر سمات المازوخي) عند هذا السوداوي)، حتى أن المتلقي لأول وهلة يظن أن الشاعر يعرّي ذاته إلى أن يصرح أن حرمانه العاطفي هو سبب تعريته لذاته، بيد أن المغترب العدمي) يصرح بالأنثى ويصف اغترابه عنها مباشرة، كما لاحظنا في نص الصوفي) الذي بعنوان ذهول) حيث يتراجع توصيف جزئيات الجسد وتتراجع أيضاً المبالغة في وصف دقائق الحالة النفسية.

ب- صورة الكآبة:

في هذا الجانب يحطُّ بنا الركب في لبنان، حيث "جاء صلاح لبكي) والشعر في لبنان في أزمة انتقال وتطُّورٍ أثارتها فئة من اللبنانين قد تغذوا بثقافة أجنبية في هذا البلد نفسه أو في البلدان الغربية، وراحوا يرون في الشعر غير ما كان يراه اللبنانيون قبل الحرب العالمية الأولى، وقالوا: إن الشعر الخطابي ليس شعراً فقضوا على المدح والرثاء والفخر، وقالوا: إن الشعر حديث نفساني وحوار داخلي وصنيع فني هدفه الجمال ومنبعه الإيحاء واللاوعي، واشترطوا فيه الصفاء والإخلاص والموسيقى"[71])، ويبدو أنَّ الشاعر قد وجد في هذه الآراء ضالته، فأدرك أن احتياجاته النفسية تتلاءم معها في وضع بيئي متأزم على مختلف الصعد.

ومال إلى استخدام الرمز كوسيلة لتعميق الحالة النفسية والتمويه على العجز في المحيط حوله، فالشعر لديه "سكبُ روحٍ موجعة، بنغم موجع. وبينا يعاني عقل) معضلة الخلق المنحوت، ينبسط صلاح لبكي في حياة داخلية مرسلة تتحقق في صوت، ولكنه صوت لا يبلغ الصراخ لأنه لا يتعدَّى دائرة الأنين"[72]).

إذا ما أردنا أن نضع معياراً لسوداوية صلاح لبكي) كما جاءت في نصوصه الشعرية، فإن الكآبة الصادرة عن الأنين هي الشائعة في قصائده وهي الأساس والمعيار للسوداوية لديه، فـ "الكآبة حالة وجدانية سببها ألم معنوي، وتتجلى الكآبة بنحول في قسمات الوجه وانخفاض في نقاط التقاء الأعضاء وبطء في الوظائف الإعاشية وانطواء على الذات، الخ. وقد تكون الكآبة ناجمة عن صدمة انفعالية. تخلق دموعاً تنسكب مدراراً، كما تسبب البلبلة والهياج"[73])

نقف عند مقطوعة لصلاح لبكي) من قصيدة بعنوان سويداء) يقول فيها:[74])

يغمر الوحي قلوب الأنبياء

 

يغمر الحزن فؤادي مثلما

خطبتني وأقامت في سمائي

 

فالكآبات على أنواعها

حملتها لي أنفاس المساء

 

فإذا ما ذهب الفجر بها

ذهبتْ أو لا على حد سواء

 

أنا قد أصبحتُ حزناً فهي إنْ

إن الحزن والكآبة ظاهرتان نفسيتان، غير أن الحزن وحده لا يصنع معذباً) إلا إذا ترافق بظواهر نفسية أكثر حدة، حيث الكآبة) لا بد لها أن تنطوي على الحزن، بيد أن العكس ليس صحيحاً، وهي حالة وجدانية تؤدي إلى تعطيل إرادة الفرد المصاب عن القيام بعمل فعَّال على ساحة الواقع، إلا أن الحزين ليس بالضرورة معطل الإرادة، فالكآبات التي وردت في النص ساندت الحزن) بقوة لإظهار السوداوية في أكثر صورها قتامة، ولكن الحزن) في البيت الأخير قد صار مرضاً واستحوذ على زمن الشاعر كله وقد ضاهى بعنفه الكآبات) المطروحة، لهذا فإن زوال هذه الكآبات أو بقاءها لا يؤثر في تلك السوداوية بحسب قول الشاعر، ثم إن الكآبات) بأنواعها والكآبات التي ذكرها الشاعر في قوله: فالكآبات على أنواعها خطبتني) هي محاولة لتضخيم الألم، وقد تبّدى هذا التضخيم في قوله: أنا قد أصبحت حزناً) ولذا فهو بالنتيجة مظهر من مظاهر المازوخية؛ ولكن مازوخية صلاح لبكي لم ترق إلى مازوخية نديم محمد، ولا بد هنا من الإشارة إلى أن المازوخية) كسمة من سمات المعذب تتفاوت من شاعر إلى آخر ومن نص إلى آخر فالمازوخية عند نديم محمد) ترتكز على توصيف الألم انطلاقاً من جزئيات الجسد، أما صلاح لبكي فيصف الألم والكآبة بشكل عام، ومن هنا يصبح مظهر المازوخية واضحاً عند الشاعر الأول.

ومن اللافت للانتباه في نص صلاح لبكي) صيغة جمع المؤنث السالم لكلمة كآبة) حين يقول فالكآبات على أنواعها) حيث نتبين أن مصدر السوداوية عند الشاعر ليس كآبة واحدة، أي صدمة واحدة، بل صدمات عديدة وإحباطات متنوعة والهدف من هذا الجمع هو المبالغة في الحزن، وقد تجلت هذه المبالغة أيضاً في استخدام الشاعر لمفردات وتراكيب تدل على الاتحاد الحاصل بين ذات الشاعر وحزنه يغمر الحزن فؤادي، الكآبات على أنواعها خطبتني، أصبحتُ حزناً، فالأفعال يغمر، خطبتني) تدل على التعشق والتداخل أو الاندغام، وللشاعر أيضاً قصائد يجمع فيها الكآبة) على كآبات) تعميقاً للسوداوية وللألم، ففي قصيدة له بعنوان وبي سأم) يقول:[75])

وبتُّ، وصدري بها مخصبُ

 

أنا اليوم صنوُ الكآبات باتت

سبيلٌ وليس له مسربُ

 

فما للسرور إلى خاطري

حيث بدت الكآبات حالة متأصلة وطبعاً من طباع الشاعر في هذين البيتين، وأدَّى اسم الفاعل مخصب) عملاً فعالاً في تعميق حالة السوداوية والشعور بالألم، وجاء اسم الفاعل هذا ليحمل معنى مغايراً لما نختزنه في ذاكرتنا حول مفهوم الخصب) الذي يعني الولادة والعطاء والخير، فجاء معبراً عن منحى سلبي لاقترانه بالكآبات، فانزاح عن دلالته المعجمية وصار ذا خاصية تتعلق بفردية صلاح لبكي) واحتياجاتها النفسية، وصار الإخصاب) حالة خبيثة توحي بتعاظم السوداوية وبالشعور بالإحباط وبتعطيل الإرادة.

ج- تمجيد الألم:

إن تمجيد الألم) أحد أبرز مظاهر المازوخية، غير أن هذا التمجيد عند بعض الشعراء الرومانتيكيين ينقلب إلى سخرية مرة من واقع الذات، وتتحوَّل هذه السخرية بالنتيجة إلى شعور بأقصى أنواع العذاب النفسي، وهذا ما حدث مع الشاعر عبد السلام عيون السود) أحد رموز المدرسة الرومانتيكية، حيث يطلُّ هذا الشاعر بمرضه المميت ليضفي على العالم جواً من السوداوية والضياع "ولا شك أن ترسُّخ المرض في قلبه هو الذي أسبغ على شعره، هذه القشعريرة الرومانتيكية الأسيانة، فهو دائماً يهفو إلى مرفأ الخلاص، ويرسل أغنيته في الظلام ويبحث عن طريق النهاية، وقد لعبت المأساة في شعره، كإنسان ممزَّق وضائع وقلق، دوراً كبيراً"[76])

إن انطواء الشاعر على ذاته وتخبطه بها، لم يتح له إقامة أيِّ جسر أو علاقة وطيدة مع المحيط، ولكن المحيط غالباً ما يكون سبباً رئيساً في مرض الفنان، بل هو مرضه الحقيقي.

ولعل الجوهر الذي قامت عليه قصائد عبد السلام عيون السود) هو البحث عن كينونته الضائعة التي لم يستطع أن يدركها، فهو دائماً يطرح التساؤلات العميقة التي تتحول في أحايين كثيرة إلى طروحات وجودية مرعبة، مما أدى إلى وجود تلك الصبغة السوداوية التي تتحرك في جو مشبع بالسخرية المرة من الوضع الذي آل إليه، فنراه يقول:[77])

تفور فتملأ نفسي اضطرابْ

 

تباركتَ يا جرحُ، إن الدماء

وتنفص لي كبدي في الإهابْ

 

وتعصبُ لي جبهتي بالسعير

سياطاً.. وخلف الحراب حرابْ

 

تلفت فإن وراء السياط

عطاشاً: ألا قطرةٌ من شرابْ

 

وهذي العروق أفاعٍ تفحُّ

حيث تتجلى مظاهر المازوخية في الأبيات على النحو التالي:

1- تمجيد الألم تباركت يا جرح)

2- تعذيب النفس إن الدماء تفور، تعصب لي جبهتي بالسعير)

3- المبالغة في وصف الألم الوجداني وهذي العروق.. أفاعٍ تفح)

والأبيات بشكل عام تدور حول الجرح) كمحور للنص، فالفاعل في تعصبُ، تنغص، تلَّفتْ) عائد على ذلك الجرح.

إن مباركة الجرح توحي ضمن سياق النص بوجود حالةٍ من حالات الخلل النفسي القصوى، فزمامُ الأمور أفلت من يدي الشاعر، ولم يعد يستطيع أن يتحكم بذلك الجرح بأبعاده النفسية التي ربما نشأت عن مرضه الجسدي الذي نشأ بدوره عبر معاناته الاجتماعية، وما كان من عبد السلام عيون السود) إلا أن يلجأ إلى السخرية المرة عن طريق تمجيد، ما هو قهري الجرح).

أما الأبيات الثلاثة الأخرى بدءاً من البيت الثاني فتشهد صورة الانكسار والخضوع لأفعال سلبية على الصعيد الحياتي تعصب لي جبهتي، تنغصُ لي كبدي) ويكاد يكون الفعل الطلبي تلّفتْ) أكثر الأفعال تعبيراً عن الخضوع، إذ إنه يحمل طلباً للتخفيف من وطأة المعاناة وذلك بأن ينظر الجرح -كحالة سلطوية- إلى أحوال الشاعر تلفَّتْ فإن وراء السياط سياطاً، خلف الحراب حراباً، العروق أفاع تفح)، ونظراً لوجود شعور خفي بعدم الاستجابة فقد جاءت السخرية المرة بتمجيد الجرح والألم) ومن هنا يصبح التمجيد) ذا دلالة معاكسة لمعنى المباركة)، إذ يدل على الرفض المبطَّن للمعطيات التي كونت التأزم النفسي عند عيون السود)، ومن ثم كونت السوداوية والكبت لديه.

إن النص بمجمله يحيل على وصف يتجاوز الأنا) إلى منطقة الكبت، فالسياق لا يجعلنا نشعر بفارق كبير بين الدماء التي تفور) وبين المكبوتات) التي تتحرك باتجاه النور، فلم تتجاوز المسألة إطار الحلم عند الشاعر ألا قطرة من شراب)، وكأن الشراب) هو الرغبة أو الرغبات التي بقي الشاعر عاجزاً عن تحقيقها، ولذا كان هذا الحلم وهذا التمني المعادل الوحيد لسلطة الجرح وكان الانسحاق هو المستقبل الذي ستؤول إليه حياة الشاعر بعد ما حدث من أحداث تنم على إحساس قاتم بالخلاص.

لقد تحدَّثنا في النموذج المغترب العدمي) عن الشاعر عبد الباسط الصوفي) مطولاً ورأينا اختلاف أنواع الاغتراب لديه، غير أننا نلمح بين حين وآخر قصائد للشاعر تحمل صورة السوداوي المازوخي) كأحد تجليات المعذب في المدرسة الرومانتيكية، ونلمح في هذه القصائد إحساساً بأن الشاعر لم يعد يتأقلم إلا مع الأحزان والآلام وهذا ما جعله يرفع من شأنها ويرسِّخها كحالة مستمرة في حياته، فيقول مخاطباً الفجر[78]):

عدْ فلن تسمع من ثغري نشيداً عبقرياً

أنا أهوى ظلمة الأسداف تدمي مقلتيا

وأحبُ الوتر المحروم يذوي في يديّا

لا يشكل عالم الظلمة عند الصوفي عالماً مثالياً على الرغم من الحب القائم بينهما، لأن هذا العالم قد تراكمت معطياته السلبية فصار يشغل حيزاً كاملاً من حياة الشاعر المشبعة بالسواد، ويبدو أن هذا الحب جاء ليفرِّغ بعض العناصر السلبية المتراكمة عن طريق النص الشعري، فكان الاتجاه إلى تعذيب وتمجيد الألم حالة تمويه على الوضع النفسي للصوفي، وليس حالة إرادية كاملة فالفعلان أهوى، أحب) لم يأتيا لبلورة مفهوم الجميل) على الرغم من أنهما في ذاكرتنا الجماعية يحملان حالةً إشراقية بشكل عام، بل أتيا لتعميق القبح والانسحاق ومظاهر السوداوية عند الشاعر.

ولعل تمجيد الألم في النص يتلازم مع تعطيل الإرادة أيضاً، فـ الظلمة التي تدمي المقلتين، والوتر المحروم الذي يذوي) معضلتان ليس بوسع الأنا) صدَّهما، وما كان للشاعر إلا أن يأتي بفعليْ أهوى، أحبُّ) تورية لعجزه عن الصراع.

ويتبنى فكرة تعطيل الإرادة بشكل واضح في النص تركيب لن تسمع من ثغري نشيداً عبقرياً)، حيث يخاطب الشاعر هنا الفجر بالمعنى النفسي كسمة من سمات الإشراق والتفاؤل.

د- الملامح النفسية لتصوير المكان والزمان:

من سمات الرومانتيكيين أنهم يقومون بإسقاط عناصر الخارج على الذات بحسب أحوالهم النفسية، بيد أن الشاعر المعذب في المدرسة الرومانتيكية عادة ما تكون عناصر الخارج مصدراً من مصادر عذاباته.

إن أكثر ما يشغل المعذب الرومانتيكي مسألة المكان والزمان، فهو غريب عن كليهما، ويتعامل معهما حسب إحساسه المشبع بالسوداوية وفقدان الأمل، فالزمان عنده طويل أو قصير حسب مرجعيته النفسية في الذات الشاعرة، كذلك فإن المكان ضيق أو متسع، حسب تلك المرجعية أيضاً وعلى أي حال فإن الطول والقصر والضيق والاتساع عند هذا المعذب تشكِّل بمجملها حالة إرباك له، فلا الاتساع محمود، ولا الضيق محمود، ولا الطول بنافع، ولا القصر ذو جدوى، حتى الطبيعة بفطريتها وبراءتها لا تشبع ذواتهم، ومن المؤكد أن الرومانتيكيين غير المعذبين ينظرون إلى الطبيعة بوصفها مكاناً) نظرة أكثر تفاؤلاً من الرومانتيكيين المعذبين، فالسوداوية عند المعذبين يمكن أن تتعمَّم لتصيب الأماكن جميعها بما فيها الطبيعة.

إن القِلق وجودياً إلى حد التأزم النفسي-على سبيل المثال- لا يفرّق كثيراً بين الأماكن، ذلك أن سوداويته تشمل حيزاً كبيراً من المكان والزمان في أي آن.

لقد أشرنا فيما مضى إلى الصبغة السوداوية التي تنطوي عليها القصائد عبد السلام عيون السود)، عبر تساؤلاته المرعبة عن ماهية وجوده، وتحوَّل الزمان عنده من ساعات ودقائق إلى زمن نفسي خاص به.

يقول عبد السلام عيون السود في قصيدة أين)[79]):

ولم أجدْ مستقراً

 

عامان، كالدهر، مرّا

يدور رعباً وذعرا

 

أنّى اتجهتُ فليلُ

أستغفر التيه.. حشراً

 

وقيل.. لوّح أفقٌ

لنحن أعمق غورا

 

لنحنُ أبعد مرمى

سفحتُ روحي، شعرا

 

على جبين الليالي

عصاي الريح أدرى

 

فأين يا أين ألقي

يتكئ النص على الليل) ببعده المعنوي الذي رسخه الشاعر، فاقترن بالإحباط والتشاؤم الذي يغطي المكان والزمان، فضلاً عن أن ذلك التشاؤم قد اتسع ليصبح صفة جماعية لنحن أبعد مرمى)،

من البداية يطالعنا النص بوجود وطأة زمنية عامان كالدهر مرا)، وهي ذات مرجعية نفسية تشفُّ عن عدم الوصول إلى حل يؤمِّن الاستقرار والطمأنينة للشاعر، فإذا بثبات الألم يأخذ حيزاً زمانياً لا يطاق وإذا نحن أمام زمن نفسي لم يتوافر له انفراج أو اختراق لينقل عيون السود) مما هو فيه إلى رغباته.

لقد بدت الصورة أكثر رعباً في البيت الثاني وأكثر إحساساً بالألم وبالسوداوية أنّى اتجهت فليل)، وانزاح الليل عن طبيعته الحسية الواقعية ليصبح مقروناً بالحصار الذي لا مفر منه والمتصف بالديمومة، وتحوَّل من كونه فترة زمنية معلومة إلى هيئة مكانية متشحة بالسواد، حيث اتخذت الرؤيا الموجودة في الأبيات سمة الكابوس) الطويل الأمد، لأن المستقبل واقفٌ لا يدع مجالاً للحديث عن أفق، ولن يجدي نفعاً الحديث عن أمل قريب، لأن الأشياء المحيطة سوداء ومترسخة في العقل الباطن.

إن المرض الذي أصاب عبد السلام عيون السود) منعه من ممارسة نشاطه العادي في البيئة الاجتماعية، ومع تراكم الزمن واستفحال القطيعة، تحولت تلك البيئة إلى مصدر من مصادر الضياع والغربة والقلق منطوية تحت شعوره الحاد بالسواد الذي يكلل كل شيء، ومن ثم تخلخل الزمن عنده وانقلب إلى صورة مفجعة، وما قوله لم أجد مستقراً) إلا حالةً من حالات الفجيعة التي أدّت به إلى الغربة والانطواء.

تتراجع مظاهر المازوخية في النص كثيراً، غير أننا نرى تركيباً يوحي بالقسوة في التعامل مع الذات سفحت روحي شعرا)، إلا أن هذه القسوة ليست ذات دلالة سلبية، بل تحيل على شدة التفريغ النفسي عن طريق الشعر، ثم إن الشعور الحاد بالرعب والذعر وبأن جميع الأماكن ليل) أمر يدل على المبالغة في تعذيب الذات مبالغة تتفاوت من نص إلى آخر عند عيون السود) حيث رأينا في نص سابق له كيف يمجِّد الألم بصورة قهرية ويعرض أثره المفجع عليه.

نعود للحديث عن الصبغة النفسية للمكان والزمان في الأبيات لنقول: إن الأفق) المنشود في النص هو الحشر) ذاته وبينهما يقع التيه)، فالأفق مكان يوحي بإشراق المستقبل عادة، ولكنه صار قبراً عند شاعرنا ونهاية غير طبيعية أيضاً، ويبدو التيه ) أكثر جلاء في البيت الأخير فأين يا أين ألقي عصاي؟).

إن الشاعر هنا لا يعمل ماذا يفعل بكيانه، فجاء باسم الاستفهام أين)؟ في مطلع البيت ليستطلع عن شيء مجهول ثم نادى هذا الاسم مرة أخرى يا أين) لأنه أدرك أن لاجدوى من هذا السؤال، ولا جدوى من البحث عن خطاه وأين وجهتها لابتعادها عن درب الاستقرار.

فتوقف أخيراً عند الإجابة غير القاطعة عن رحلته عبر تعبير الريح أدرى)، فمفردة أدرى) ليست جزماً بالوضع النهائي للشقاء عند الشاعر، حيث تعطي هذه المفردة أكثر من احتمال لذلك الوضع، وعلى الرغم من أن الشاعر يدرك سلفاً استحالة الإجابة عن التساؤل الذي جاء به فأين يا أين)؟ نراه يلجأ إلى إحدى مكونات الطبيعة لتعميق مصابه والتأكيد أن الحل في يد قوة مترجحة غاشمة، وهنا المفارقة، ومن هنا تكتمل في هذا البيت العناصر التي تخوِّله أن يكون حصيلة للتخبط والتشتت بما يحمله من سخرية تنطوي على الشعور  القاتم باستمرارية الحياة وذلك عبر تساؤل لا يخلو من الغرابة والطرافة فأين يا أين ألقي عصاي؟). وجواب الريح أدرى) هو ممكن السخرية، فالريح مصدر التبعثر والعشوائية، ولا طائل من الثقة بها.

إن الشاعر عندما قال الريح أدرى) منح التحكم بمصيره لشيء خارج عن إرادته هو الريح)، وهذا لأنه عاجز عن التحكم بمجريات الأمور، ولقد جاءت كلمة عصاي) مطابقة لمعنى حالي) أو نفسي) والتقدير فأين يا أين ألقي بنفسي)، وبشكل عام فإن بناء الحالة قد اعتمد على الحوار الداخلي الممتلئ بالسخرية المرة وقيل.. لوَّح أفقٌ.. أستغفر التيه.. حشراً)وهي سخرية ناتجة عن عدم الثقة بالذات المريضة التي أوقفت الزمن الزمن النفسي) تمهيداً للموت والعدمية.

لقد أشرنا مسبقاً إلى أن /المعذب/ لم يتبلور في نصوص الشاعر عمر أبي ريشة) أو في نصوص الأخطل الصغير)، فالحزن والبكاء كظواهر نفسية لا تشكل سمات المعذب السوداوي) إلا إذا كانت مستقرة ودائمة في النفس البشرية وذات جذور راسخة، بيد أن تكل الظواهر مؤطرةٌ ومحدودة زمنياً عند شاعرنا أبي ريشة وتزول بزوال المسبِّب لوجودها، وعادة ما تظهر السوداوية عند أبي ريشة في قصائد الرثاء[80]) ومطالع بعض القصائد لتشير إلى أن السوداوية ظاهرة غير أصيلة عند الشاعر، فهدف هذه المطالع فني ويسير على منوال القصيدة الكلاسيكية في الشعر العرب القديم، حيث يفرض غرض القصيدة الرثاء) على المطلع أن يكون ذا منحى تشاؤمي ولعل اللغة المستخدمة في هذه المطالع تحيل على لغة النص الشعري القديم من حيث استخدام التراكيب والبناء النحوي والصورة الشعرية الخ...

 



[1]) تيغم، بول فان، 1981، الرومانسية في الأدب الأوروبي ج1، تر: :صياح الجهيم، وزارة الثقافة، دمشق، ص48.

[2])  ورد، نخلة 1955، مقدمة آلام فرتر) تر: نخلة ورد- مطبعة الشرق، حلب، ص16.

[3]) را: مكاوي، عبد الغفار 1972، ثورة الشعر الحديث، ج1، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، ص54.

[4]) مشوح، وليد 1993، دراسات في الشعر العربي الحديث، دار معد للنشر والتوزيع، دمشق 129-130.

[5]) أبو حاقة، أحمد 1979 الالتزام في الشعر العربي، ط1، دار العلم للملايين، بيروت، ص192.

[6]) ويليامز، ريموند، المأساة الحديثة، ص90.

[7]) شريف، جلال فاروق، 1985، الرومانتيكية في الشعر العربي المعاصر في سورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص55.

[8]) جابر، يوسف حامد 1991، قضايا الإبداع في قصيدة النثر، ط1، دار الحصاد للتوزيع والنشر، دمشق، ص59.

[9]) مشوح، وليد، دراسات في الشعر العربي الحديث، ص130.

[10]) فاولي، والس 1981، عصر السوريالية، تر: خالدة سعيد -دار العودة- بيروت، ص25.

[11]) فريجات، عادل 1978 الآداب الأجنبية، ع2، مقالة الرومانتية) السنة (5) اتحاد كتاب العرب دمشق، ص186.

[12]) إبراهيم، زكريا، 1966، فلسفة الفن في الفكر المعاصر، دار مصر للطباعة، القاهرة، ص35.

[13]) سعيد، خالدة 1979، حركيَّة الإبداع، ط1، دار العودة، بيروت، ص50.

[14]) كوفمان، سارة، 1989، /طفولة الفن/ تر: وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق، ص88-89.

[15]) الملا، سلوى سامي 1972، الإبداع والتوتر النفسي، دار المعارف، مصر، ص27.

[16]) المرجع ذاته، ص215.

[17]) الخواجه، دريد يحيى، 1981، الصفة والمسافة، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص411-412,

[18]) فرويد، سجموند، 1979، ط1، علم النفس الجمعي، تر: جورج طرابيشي، دار الطليعة، بيروت، ص31.

[19]) اسماعيل، عز الدين، 1963،التفسير النفسي للأدب، دار المعارف مصر، ص28.

[20]) نصر، عاطف جودة، 1984،الخيال، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ص248.

[21]) المرجع السابق، ص258.

[22]) المرجع السابق، ص261,

[23]) الشريف، جلال فاروق، 1976، الشعر العربي الحديث، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص105-106.

[24]) المقالح، عبد العزيز 1985، الشعر بين ا لرؤيا والتشكيل، ط2، دار طلاس للترجمة والنشر، دمشق، ص439-440.

[25]) آلكية، فردينان، 1978، فلسفة السوريالية، تر: وجيه العمر، وزارة الثقافة، دمشق، ص24.

[26]) مشوح، وليد، دراسات في الشعر العربي الحديث، ص134.

[27]) كوليير، غراهام، 1983، الفن والشعور الإبداعي، تر: منير صلاحي الأصبحي، وزارة الثقافة، دمشق، ص53.

[28]) أبو غالي، مختار علي، 1995، المدينة في الشعر العربي المعاصر- عالم المعرفة- عدد 196، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت، ص97.

[29]) لانغيوم، روبرت، 1983، شعر التجربة، تر: علي كنعان، عبد الكريم ناصيف، وزارة الثقافة، دمشق، ص32.

[30]) غاتشيف، غيورغي، 1990، الوعي والفن، مجلة عالم المعرفة، ع146، تر: نوفل نيوف، مرا: د. مسعد مصلوح، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، ص256.

[31]) داكو، بيير، 1990، علم النفس الجديد، ط1، تر: سامي علام، دار الغربال، ص45.

[32]) عبد الجبار، فالح، 1991، المقدمات الكلاسيكية لمفهوم الاغتراب، ط1، مؤسسة عيبال للدراسات، قبرص، ص11.

[33]) المرجع السابق، ص3.

[34]) عبود، حنا، 1982، النحل البري والعسل المر، وزارة الثقافة، دمشق، ص77.

[35]) المرجع السابق، ص78.

[36]) إن معنى الغربة الروحية هنا يوازي الغربة الناتجة عن القلق الوجودي، أما عن تداخل أنواع الاغتراب فالغربة المكانية تولِّد غربة نفسية، والغربةُ الناتجة عن القيم الاجتماعية هي الأخرى تولِّد غربة نفسية.

[37]) بدوي، عبده، 1984. عالم الفكر مجلد، 15 الغربة المكانية في الشعر العربي) الكويت ص33-34.

[38]) عساف، عبد الله، 1996، الصورة الفنية في قصيدة الرؤيا، دار دجلة، القامشلي، ص73.

[39]) بارت، رولان، 1992، لذة النص، ط1، تر: منذر عياشي، مركز الانتماء الحضاري، باريس، ص81.

[40]) اسكاف، ممدوح، 1983، عبد الباسط الصوفي، اتحاد كتاب العرب، دمشق، ص106.

[41]) المرجع السابق، ص58.

[42]) المرجع السابق، ص102.

[43]) الشريف، جلال فاروق، الرومانتيكية في الشعر العربي المعاصر في سورية، ص180.

[44]) ميخائيل، امطانيوس، 1968، ط1، دراسات في الشعر العربي المعاصر، المكتبة العصرية، بيروت، ص106.

[45]) خنسة، وفيق، 1981، دراسات في الشعر السوري الحديث، دار الحقائق، الجزائر، ص111.

[46]) الصوفي، عبد الباسط د-تا) آثار عبد الباسط الصوفي- وزارة الثقافة، ص121.

[47]) الصوفي، عبد الباسط، آثار عبد الباسط، ص31.

[48]) الناعم، عبد الكريم، 1973، الموقف الأدبيي، ع10-11، مقالة شيء من عالم وصفي القرنفلي) اتحاد الكتاب العرب دمشق)- بمناسبة مرور أربعين يوماً على وفاته)، ص59-60.

[49]) المرجع السابق، ص60.

[50]) المرجع السابق، ص61.

[51]) القرنفلي، وصفي، 1969، ديوان وراء السراب، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق ، ص11 هناك كسر عروضي في قوله/ أمة كالضواري/).

[52]) هارون، هند، 1977، ديوان سارقة المعبد، دار الأنوار للطباعة، ص237.

[53]) الأيوبي، ياسين، 1980، مذاهب الأدب، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ص119.

[54]) الدهان، سامي، الشعراء الأعلام في سورية، ص335.

[55]) خنسة، وفيق، دراسات في الشعر السوري الحديث، ص105.

[56]) الصوفي، عبد الباسط، آثار عبد الباسط الصوفي، ص78

[57]) الصوفي، عبد الباسط، آثار عبد الباسط الصوفي، ص7-8.

[58]) يقول علي دمر في قصيدة دوزنة):

مآس لاتحبَّر في مقال

 

نظرتُ لواقعي ففزعتُ منه

إلى كون زهي في خيالي

 

رنوتُ لواقعي فهربتُ منه

                1959/ ديوان المجهولة / مطبعة الإصلاح، بيروت، ص9.

[59]) يقول الأخطل الصغير في قصيدة له بعنوان /المهاجر/

أشجاكَ أنك رائح لاترجعُ

وهواكَ والأوطانُ بعدك بلقَعُ

متلفِّتٌ.. ماتبتغي؟ متوجعُ

ماتشتكي؟ متنصت ماتَسْمَعُ

1972، الديوان، ط2، دار الكتاب العربي، بيروت، ص29.

[60]) يقول سعيد قندقجي:

وأرى الناس ليتني أكتم الجرحَ بصدري كأنهم ديدان

لاتلمْني إذا قسوتُ وما كنت ظلوماً وحوليَ الذئبان

ليس ينجيك خافقٌ يعزف الطهر على سمعهم ولا الإسان

د-تا) ديوان رحلة الضياع، منشورات دار الثقافة، دمشق، ص50.

[61]) داكو، بيير، 1985، تفسير الأحلام، تر: وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق، ص97.

[62]) عبود، حنا، النحل البري والعسل المر. ص59.

[63]) المرجع السابق، ص60-61.

[64]) اسماعيل، عز الدين، 1963، التفسير النفسي للأداب، دار المعارف، القاهرة، ص29-30.

[65]) محمد، نديم، 1985، ديوان فراشات وعناكب، ط2، دار الحقائق للطباعة والنشر، بيروت، ص9.

[66]) المصدر ذاته، ص11.

[67]) المصدر ذاته، ص12.

[68]) محمد، نديم، 1985، ديوان آلام، ط2، دار الحقائق للطباعة والنشر، بيروت، ص13.

[69]) محمد نديم، ديوان آلام ص43-44.

[70]) من هذه القصائد قصيدة /النشيد التاسع/ من ديوان آلام ص 95

فيجري في القلب من ألف ناب مدور)

 

يا شعوري يا حية تنفث السم

فيك حزني وطال فيك عذابي

 

كبرت فيك علتي وتناهى

دمائي وأطعمتك شبابي مدور)

 

وأكبّت عليك روحي فأسقتك

لم ترعه بعاصف أو شهاب؟مدور)

 

أيُّ عرق لم تلتهمه وعظمٍ

من الجسم غير جلدٍ خراب مدور)

 

شهدَ الحب ما تركت لأثوابي

واعصرِ السم ناقعاً في شرابيمدور)

 

أعطني في الهوى شراباً حميماً

ومزّق بمخلبيك رغابي مدور)

 

واخنقِ الشهوة البريئة في نفسي

 

[71]) لبكي، صلاح 1981 مقدمة المجموعة الكاملة - المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت ص 7.

[72]) كرم، أنطون غطاس 1949 الرمزية والأدب العربي الحديث، دار الكشاف، بيروت ص 174.

[73]) داكو بيير، الانتصارات المذهلة لعلم النفس الحديث ج2 ص 292-293

[74]) لبكي، صلاح، المجموعة الكاملة / ديوان أرجوحة القمر/ ص 56

[75]) لبكي، صلاح، المجموعة الكاملة، ديوان سأم) ص 123

[76]) عيون السود، عبد السلام 1968، آثار عبد السلام عيون السود) من مقالة بعنوان شعر الشاعر الأسطورة)، للشاعر ممدوح اسكاف، منشورات وزارة الثقافة دمشق ص 116.

[77]) المصدر السابق /قصيدة وراء السراب/ ص 77.

[78]) الصوفي، عبد الباسط، آثار عبد الباسط الصوفي ص29

[79]) عيون السود، عبد السلام- آثار عبد السلام عيون السود ص33

[80]) يقول عمر أبي ريشة في رثاء حلمي الأتاسي:

ما أروّي به غليل جراحي

 

كان لي في قرارة الأقداح

في حياتي، حناجرُ الأتراح

 

ربّ نجوى على الطلا همستها

ب وأرخت على دجاه صباحي مدور)

 

لطمت في ذهولها جبهة الخطـ

ـه حنين الأشباح للأشباح مدور)

 

وسمت بي عن عالم، ملءُ جنبيـ

ـم إزاري ولا العزاء وشاحي مدور)

 

سلوةٌ سلها العياء فلا الحلـ

1947 الديوان /دار مجلة الأديب/ مطبعة الكشاف ص 88-89

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244