|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:56 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
الفصل
الثاني
السمات الفنية للمعذب
في الشعر الرومانتيكي التجديد في
القصيدة الرومانتيكية:
"إن التجديد في الشعر عملية معقدة
ومتشعبة، ولها أكثر من بعد واحد، بالإضافة إلى أنها ككل عمليات الحمل والولادة
خاضعة لعوامل الزمن والتهيؤ"[1])، ومن المفترض أن ينطلق ذلك التجديد من البيئة
التي تغيرت شكلاً ومضموناً في القرن العشرين، ومن تطور المدارك المعرفية للفنان
عبر التراكم الزمني الطويل، لهذا فقد كان فهم الرومانتيكيين للواقع مغايراً للفهم
الكلاسيكي. ففي التيار الرومانتيكي يمكن القول:
"إن جميع القيم التي ألحقت بالخارج ردّت إلى الداخل، وأصبحت خصائص له"[2])بخلاف
المدرسة الإحيائية في الشعر، التي وقفنا عند خصائصها الفنية سابقاً، وقد كان
"ابتعاد الرومانطيكيين عن الوسائل الفنية التي استخدمتها الكلاسيكية قد أكّد
بشكل استعراضي الطابع الابتكاري التجديدي لطرق الإبداع الفني التي كونوها والطابع
الابتكاري الذي اتسم به فهمهم لأهم قضايا الفن وعلاقته بالواقع"[3])،
حيث يبدو - من خلال نظرة شاملة لشعرنا العربي الحديث أنّ "الرومانتيكية هي
الطابع العام لظاهرة الشعر الحديث، وهذه الرومانتيكية هي السبب المباشر في ثورة
الشكل والمضمون التي حققها هذا الشعر، سواء كانت رومانتيكية تقدمية أم رجعية وهي
في جميع الأحوال ظاهرة صحية لأنها تعبير واقعي عن تطلعات البورجوازية الصغيرة
المتناقضة المتضاربة"[4]). لم تكن البنية الفنية التي طرحتها
المدرسة الشعرية الرومانتيكية في سورية ولبنان ردة فعل عشوائية على البنية الفنية
السابقة، بل إن العصر بإنجازاته المذهلة والمرعبة معاً، ومن ثم البيئة التي تربى
الشاعر على قيمها وتقاليدها، وكذلك الفهم الجديد للعلاقات والتحولات التي تجري على
ساحة الواقع عبر وعي جمالي متطور، كل ذلك ساعد على بناء حالة نفسية متأزمة وجديدة
للشاعر العربي الرومانتيكي وأسهمت هذه الحالة بالضرورة في إنتاج بنية فنية ملائمة
ومختلفة عن سابقتها، لذا فإن المدرسة الشعرية الرومانتيكية في سورية ولبنان،
مؤسَّسة على حامل اجتماعي أصيل، على الرغم من بعض التأثر بالمدرسة الرومانتيكية في
الغرب، حيث اقتصر ذلك التأثير على الاستفادة فكرياً من العقلية الرومانتيكية
الغربية -إن صح التعبير-، ولم تتوغل هذه العقلية مباشرة في الشعر الرومانتيكي
السوري واللبناني لما أشرنا إليه سابقاً حول مشروعية القصيدة الرومانتيكية العربية
وأصالتها في مرحلة معينة من شعرنا العربي الحديث. لقد تجلَّى التجديد في القصيدة
الرومانتيكية العربية في الصورة الشعرية، فقد تناولت النزعة الرومانتيكية في الشعر
العربي الحديث "موضوع الأخيلة والصور التي اعتبرتها أهمية عظمى للتعبير عن
المشاعر المتضمنّة التجارب النفسية، عبر قنوات الصراع الداخلي الذي تعاني منه
الذات المبدعة، وهي نظرةٌ تختلف عن نظرة البلاغيين القدامى الذي تعاملوا مع الخيال
في إطار الإدراك الحسي، والتصوير المجازي"[5]). إن الصورة الفنية الأصيلة من خلال رؤياها
الشاملة "ليست مجرد جمع أجزاء متفرقة وعناصر تكوّن بدورها هذه الأجزاء)، بل
هي عالم فني خاص له علاقاته المكانية والزمانية وسواها من الصلات بين الظواهر
المصوَّرة"[6])، وجوهر تلك
الصورة يكمن بالتأكيد" فيما تختاره العبقرية من مضامين مرئية يفتّش عنها في
الطبيعة الخارجية، انطلاقاً من حالات النفس إلى توحِّد بين الحالات الداخلية
وتمثيلاتها الخارجية"[7]). لعلنا في دراستنا للخيال الشعري عند
المعذب في المدرسة الرومانتيكية في سورية ولبنان، سنقوم بتناول الصورة الشعرية من
حيث قدرتها على التعبير عن الحالة، كذلك سنتناول الطاقة الإيحائية لها، كما
سنتناول أخيراً حالة الخلق الجديدة للصورة، مستفيدين من المخزون النفسي الذي
جمعناه حول كل شاعر من الشعراء. لقد استطاع الخيال الشعري في
الرومانتيكية -بصورة عامة- أن يخفِّف من وطأة العقل على القصيدة، ونعني هنا بـ
العقل) الميل إلى الفكرية المحض التي قامت عليها معظم النصوص في المدرسة
الإحيائية في سورية ولبنان، ذلك أن "العقل يحدِّد، ولذلك فإن جوابه يحدِّد،
حين نحدد شيئاً ننفيه- بمعنى أننا نحصره داخل هذا القوس: التحديد، وننفي ماعداه،
التحديد نفيٌ، كما يقول سبينوزا: حين تحدِّد اللَّه تنفيه، لأنك تساويه بالأشياء
المحدودة، وتحديد الإنسان أو الوجود ينفي ماهية كل منهما."[8])وهذا
الكلام لا يعني مطلقاً أن الخيال الشعري غير مضبوط بقوانين معينة، فإذا غالينا في
استخدام الخيال الشعري بدرجة كبيرة انقلب إلى وهم، فالوهم سلسلة من الصور لا تخضع
في نفسها لقانون خاص أو عام بينما يخضع الخيال لقوانين محددة، وعلى أبسط المستويات
نحن نصف شخصية ما بأنها من نتاج الوهم وليس من نتاج الخيال عندما لا تكون لها أية
علاقة بواقعنا المباشر أو الفني. ونصف فعلاً) بأنه وهم عندما يبدو أنه من
المستحيل تحقيقه، أو عندما يحطِّم قوانين الطبيعة الخارجية، ولا يكشف في الوقت
ذاته عن قوانين أخرى بديلة"[9]) من السمات الفنية الأخرى للقصيدة
الرومانتيكية الغنائية أيضاً، أنَّه: "إذا كان حضور الشاعر في القصيدة
الغنائية يجعل هذه القصيدة درامية، فإن حضوره في القصيدة الدرامية أو السردية
الرومانتيكية يجعلها غنائية. فالشاعر يتخذ اسم الراوي أو البطل وشخصيته في الدراما
والقصص الرومانتيكي للسبب ذاته الذي يعطي اسمه وشخصيته للراصد في الشعر الغنائي
الرومنتيكي- وذلك لكي يعطي للقصيدة معنى"[10])،
ويبدو أن هناك فارقاً كبيراً بين الشعر الغنائي والملحمي، حيث يقول هيغل) في فن
الشعر) "الشعر الغنائي هو على النقيض من الملحمي، فمضمونه هو الذاتي، العالم
الداخلي، النفس الجياشة بالعواطف، والتي بدلاً من أن تبادر إلى العمل تقيم في
داخليتها ولا يمكن أن يكون لها بالتالي لا شكل ولا هدف سوى سكب الذات والتعبير
عنها"[11])ويتابع
هيغل) في كتابه فن الشعر) الحديث عن الفارق بين الشعر الغنائي والملحمي فيقول:
"صحيح أن الشعر الغنائي يشتمل على مواقف محددة لتستطيع الذات الغنائية أن
تقبس من مضمونها عدداً وفيراً من العناصر لتؤالف بينها وبين مشاعرها وعواطفها، غير
أن الداخلية هي التي تحدد شكل الغنائية النمطي، فتستبعد بالتالي التصور المبالغ في
عيانيته الواقع الخارج. وبالمقابل، يقدِّم لنا الأثر التمثيلي الشخصيات وتطور
عملها في واقعيتها الحية، فيغيب بالتالي وصف الأماكن والمظهر الخارجي للأشخاص
وطبيعة الحدث بما هو كذلك، وتوضع الشدة الرئيسية على الدوافع والغايات الداخلية
التي تحفِّز وتحدِّد الأعمال الفردية أما في الشعر الملحمي فيتسع المجال، على
العكس، لا للواقع القومي الذي به يرتبط العمل فحسب، بل كذلك للظروف والوقائع
الخارجية، والداخلية، بحيث يمكن القول إنه يشمل كلية ما يؤلف حياة البشر
الشعرية"[12]). قبل أن ننتهي من هذا التمهيد، لا بد من
الإشارة إلى أن الشاعر الرومانتيكي حين يهرب دائماً من خلال حلمه إلى عالم مثالي،
فإن ذلك يعني أن هناك شحنة تنفيسية متواترة وكبيرة عند ذلك الشاعر عامة وعند
المعذب خاصة)، حيث تبدو الشحنة عند المعذب) متعاظمة لما يحمله من تأزم نفسي،
وتظهر هذه الشحنة في الحلم) أي الصورة الشعرية) لما تحمله من رؤيا وتكثيف وقدرات
إيجابية، "وهذا لا يعني مع ذلك أن الحلم يقول الحقيقة قولاً كما هو بالنسبة
إلى الشعور، فقد يكون الحلم على العكس تماماً، ضرباً من الخديعة، ذلك أن العوامل
اللاشعورية التي تتجلى في الحلم تتدخل وفقاً للحالة الشعورية، وهذه العوامل
اللاشعورية هي في ديالكتيك مع هذه الحالة الشعورية وليست في مطلق تصورٍ لذاتها"[13]). أ- الخلــــــق:
إن "من أولى المهام التي تنفّذها
الصورة الفنية أنها تجسِّد تجربة الفنان وتبلور رؤاه وتعمق إحساسه بالأشياء
وتساعده على تمثل موضوعه تمثلاً حسياً، كما تساعده على التواصل مع العالم الخارجي
والاتحاد به"[14]) حيث كان
تواصل الشاعر الرومانتيكي مع الواقع وإحساسه به مختلف عن سابقه الإحيائي، وانعكس
هذا بالضرورة على الصورة الشعرية عبر عملية الخلق)، أي التوليد) الذي شهدته
الصورة في المدرسة الرومانتيكية، ذلك أن الصورة "هي شكل إدراك الحياة في
الفن، خلافاً لشكل الانعكاس الواعي للحياة في المجالات الأخرى للإدراك الاجتماعي
الشكل العلمي -المنطقي)"[15]). لقد تعززت عملية الخلق) في الصورة في
نصوص العذاب الرومانتيكي، إذ يبدو أن التأزم النفسي الموجود عند /المعذب/ بشكل عام
يظهر بحدة في البنية الفنية عامة، وفي الصورة الشعرية خاصة، ومن ثم فإن الخلق)
يفصح عن قدر كبير من الحرية التي يمارسها الخيال الرومانتيكي للشاعر، ذلك أن
الصورة الكلاسيكية ظلت تحتفظ بالقواعد البلاغية الصارمة للشعر العربي القديم، وهذا
لا يعني بالضرورة أن الشاعر الرومانتيكي قد تخلص من تلك القواعد كلية، إلا أنه
تخفف منها إلى أن جاءت مرحلة أخرى من مراحل تطور شعرنا العربي تمثلت في الشعر الحر
وقصيدة النثر. لقد أرتأت هذه المرحلة أن البلاغة
العربية أصبحت عائقاً أمام تطور القصيدة في هذه اللحظة من الزمن، كما أن تلك
الرؤية انطلقت من الواقع العربي المعاصر، الذي يشعر فيه الفرد بالإغتراب والموت
والاستلاب وضروب القمع، فلا يجد حريته في عالم الخيال والصور والأحلام، وكلما كان
الخلق)، في الصورة الشعرية حاملاً لعناصر نجاحه فإنه ينبئ من زاوية أخرى بقدرة
الحلم النص الشعري) على تفريغ أكبر طاقة نفسية سلبية ممكنة، ونعني بكلمة سلبية)
الطاقة المكبوتة في اللاشعور، ولما كان في النص الشعري هو الحلم فـ "إن الصفة
الرئيسة للأحلام تكمن في تحقيق رغبات"[16])مكبوتة
في لاشعور المرء عبر مدة زمنية طويلة، و "قد يحدث ألا يوفِّق عمل الحلم كامل
التوفيق في خلق تحقيق لرغبة، فتنتقل رسالة من الوجدانات المؤلمة من الأفكار
الكامنة إلى الحلم الظاهر. وعلى التحليل أن يبين في هذه الحال أن هذه الأفكار
الكامنة كانت في الأصل أشد إيلاماً بكثير من تلك التي يصاغ منها الحلم الظاهر،
وعندئذ نسلِّم بأن عمل الحلم لم يدرك هدفه، تماماً كما أن النائم لا يطفئ عطشه
عندما يرى في الحلم أنه يشرب. فمهما يحلم النائم بأنواع الشراب، فلا مناص له من أن
يستيقظ ليشرب إن يكن ظمآناً حقاً."[17]) نبدأ الحديث عن الخلق) في الصورة
الشعرية في نصوص العذاب الرومانتيكي بالوقوف عند الشاعر عبد السلام عيون السود)
إذ يقول في قصيدة له بعنوان وراء السراب)[18]):
تظهر العدمية في النص كأحد تجليات
/المعذب/ الذي وقفنا عنده في حديثنا عن صور المعذب في المدرسة الرومانتيكية، حيث
تعمَّقت تلك العدمية بفضل التكرار المتواصل لمجموعة من الصور الشعرية التي عملت
على إسقاط العناصر الخارجية على الذات بصورة حادة، فعلى الرغم من أن الصورة في
الأبيات السابقة حافظت على وجود أداة الشبه كأن) والمشبه والمشبَّه به كأن
الفضاء ضريح يضيق) فإن التركيب العام للصورة قد اخترق فلسفة البلاغة القديمة، حيث
بدا استخلاص وجه الشبه بين مفردة) الفضاء ومفردة ضريح) عائداً بشكل محض على
الطبيعة النفسية لعبد السلام عيون السود) التي ترى السواد على كل شيء في المحيط
الخارجي. إن التقاء الحقلين الدلاليين الفضاء،
ضريح يضيق) لتكوين صورة شعرية يبرز التكثيف المتولِّد عن تلك الصورة، وبالضرورة
يبرز الخلق والتوليد في تلازم هذين الحقلين وكذلك ينمُّ على التوتر النفسي الحاد
عند الشاعر، وكل ذلك آت ضمن السياق العام للنص، وسياق الحياة الاجتماعية لـ عيون
السود). لما كان الفضاء) عنصراً خارجياً موجوداً
في الكون حولنا، فإن إسقاطه على الداخل داخلياً في النص تمثل في ضريح يضيق)، لهذا
فقد صار الفضاء الخانق جزءاً لا ينفصل عن كيان الشاعر. تظهر في النص صورةٌ أخرى كأن الهواء
عواء ذئاب)، حيث جاءت هذه الصورة كسابقتها محافظة على أداة الشبه والمشبَّه
والمشبَّه به، غير أنها فرضت جواً أكثر سوداوية وميلاً إلى القطيعة مع الوسط
الخارجي، وأحدثت، لدى المتلقي دهشة قائمة على بناء علاقة بين الأجزاء المتباعدة في
الطبيعة ومن ثم إسقاطها على النفس ضمن سياق يوحي بأن تلك الصورة قد صعدّت الحالة
النفسية التي تشتد تأزماً، لهذا كانت الغرابة والمتعة حالتين لاحقتين للدهشة. لم تكن الغرابة في صورة كأن الهواء عواء
الذئاب) إلا احتياجاً ملحاً لردم الثغرة مع الواقع وحالة من حالات التنفيس القاسية
عبر الحلم)، فالانعطاف الحاد الذي قامت به مفردة هواء) باتجاه عواء ذئاب) جعل
من تلك المفردة تخرج عن معناها المعجمي الذي نحتفظ به في ذاكرتنا، ذلك أن الذاكرة
الجماعية تعودت أن يقترن الهواء) بأشياء محددة ومعروفة، بيد أنها لم تعود على مثل
هذا اللقاء بين الحقول الدلالية، ثم إن عواء ذئاب) ما كان أبداً عنصراً خارجياً
عن ذات الشاعر، بل هو مظهر من مظاهر الكبت والحرمان، ولهذا فإن الهواء) أصبح
داخلاً في البنية النفسية المتهدِّمة للشاعر. أما المتعة في الصورة السابقة فآتية من
عدة مصادر، أولها التكثيف الموجود، وثانيها: الأشياء الجديدة التي يكتشفها المتلقي
-وهو صاحب المتعة حين يقوم بإسقاط هذه الصورة على الواقع المحسوس وعلى ذاته. يحمل البيت الثالث صورة مركَّبة ترتكز
على صورة متولدة من سابقتها على النحو التالي:
حيث تتنازع مفردتا يحشرج- مختنقاً) على
تركيب شعاع ضئيل) لإقامة الصورة الشعرية في البيت؛ واللافت للانتباه في هذه
الصورة المركبة أن كل صورة جزئية متولِّدة فيها تشكل حالة نفسية أكثر تأزماً من
الصورة التي سبقتها وذلك على النحو التالي:
وهذا الأمر يشير إلى بذور التداعي المبني
على الكتابة الآلية، وهذا لاينم مطلقاً على أن التداعي السابق يسيطر عليه اللاشعور
بشكل مطلق، بل إن الشعور تدخَّل في عملية تنظيم الصورة حتى لاتنقلب في نهاية الأمر
إلى هلوسة، حيث "الصورة الشعرية ينبغي أن لا تنفصل عن التفكير الكلي الشامل.
إنها وإن لم ترتبط فيها المفردات المكانية والزمانية ارتباطاً منطقياً فإن هذا
الارتباط مايزال ولا بد أن يكون -خاضعاً لمنطق الشعور"[19])أما
مظاهر تدخُّل الشعور في الصورة المركَّبة السابقة فتتوفر في العلاقة الوطيدة بين
الشعاع) و الضباب)، كذلك بين اختناق الشعاع) وبين الحياة شعاع ضئيل)، إلا أن
أهم ما يمكن أن يقف عنده المرء هو صورة شعاع يحشرج)، فثمة ابتعاد كبير بين
المفردتين الحقلين الدلاليين) اللتين كونتا الصورة انطلاقاً من الانتماء المكاني
لكل منهما، بيد أن العدمية وعدم الثقة بالمستقبل والاستسلام للواقع، كل ذلك شرَّع
مثل هذه الحشرجة التي انتابت الشعاع) الذي يرمز لكل أمل وكل عطاء، وشرَّع أيضاً
الغرابة التي تلفُّ الصورة لأن "ما يميز الرومانتيكي- على وجه التحديد إنما
هو النزوع نحو الغريب، وغير المألوف، أو هو الرغبة فيما هو ناءٍ أو قصي)) في
المكان والزمان"[20]). ونلمح بين حين وآخر مقطوعات شعرية للشاعر
عبد الباسط الصوفي) تحمل من الخلق والتجديد شيئاً كثيراً، حيث آمن هذا الشاعر
"بالحرية كشرط أساسي للعمل الأدبي والفني، وفي رأيه أن الجمال والحرية
مفهومان لا ينفصلان، وكل منهما يلازم الآخر تلازماً هو التعليل الحقيقي لطبيعة
الأدب والفن"[21])، يقول عبد
الباسط الصوفي في قصيدة له بعنوان وحشة)[22]). الليل... مكدودُ الفضاء، مروَّع الأشباح،
مغلقْ ورفيف قلبي، كالطفولة كالصدى النشوان،
مطلق يفتح النص آفاقاً أخرى للعدمية والاغتراب
عند الصوفي عبر تلاحق الصور الغزيرة التي تجسد ما آلت إليه الحالة النفسية لديه؟،
فالليل هو المحور الذي انبثقت عنه ثلاث صور:
كذلك فإن تركيب رفيف قلبي) في البيت
الثاني قد انبثقت عنه ثلاث صور:
إن حالة التوليد القصوى في البيت الأول
كامنة في الصورة الليل مغلق)، فالصورتان الأولى والثانية الليل مكدود الفضاء،
الليل مروَّع الأشباح) تمهيد لهذه الحالة النهائية من خلال الصورة المركَّبة، ولا
بد من الإشارة إلى أن هاتين الصورتين أيضاً تحملان من الابتكار والخيال الشيء
الكثير، بيد أن التصاعد العام حتَّم أن تكون الصورة النهائية خاتمة ملائمة لذروة
الأزمة النفسية. ويبدو أن الصورة الليل المغلق) تحيلنا
من جهة أخرى على تعطيل الإرادة واختفاء الصراع الذي أوجده الشاعر كحلٍّ للمعضلات
التي تواجهه، فلم يعد هناك إيمان بأن ثمة صباحاً يلوح في الأفق، ومن البدهي بعد
ذلك أن يصبح الليل مغلقاً. نتحول الآن إلى الصور في البيت الثاني،
فالمرء يظن للوهلة الأولى أن هناك تناقضاً وانفصاماً عضوياً بين البيت الأول
والثاني على صعيد الحالة، ولكن الأمر غير ذلك، لأن البيت الثاني يعبِّر عن ضعف
الذات أمام مستوى السوداوية بأشكالها، وعن مدى الانسحاق أمام الليل المغلق)، فحين
يشير الشاعر إلى أن رفيف قلبه كالطفولة، فإنه يبين مدى وهنه قدّام الليل المغلق)
شكل من أشكال السلطة). نعود إلى تحليل الصور في البيت الأخير،
فقد خفَّفت هذه الصورة من استخدام عناصر الطبيعة والمحيط ولجأت إلى استخدام عناصر
لها صلة وثيقة بالذات وبالماضي رفيف قلبي كالطفولة)، فالعزلة وأنواع الاغتراب
التي يعيشها الصوفي فرضت عليه عودة مؤلمة إلى الذات واستخراج آلامها وذكرياتها،
حيث كان الحنين إلى الطفولة ولا زال أحد المنافذ التي يميل إلهيا الشعراء عامة
والرومانتيكيون منهم خاصة من أجل التخفيف من قسوة المستقبل والواقع، والحنين إلى
الماضي هو سمة من السمات النفسية التي تتصف بها الشخصية الانتحارية، كما هو الحال
عند شاعرنا الصوفي) وكذلك الشاعر خليل حاوي) في مدرسة الحداثة. إن التفكير بالطفولة هو تفكير بالحرية
وبالفطرية التي نادت بها صورة ورفيف قلبي كالطفولة )، والذي رسخ هذا التفكير
بالحرية هو الصورة النهائية في البيت ورفيف قلبي مطلق)، فمفردة مطلق) تثير لدى
المتلقي حالة لانهائية من الحرية التي تعني هنا تحقيق جميع الرغبات المكبوتة في
اللاشعور، ومن ثم فإن الخلق في الصورة هو بالتأكيد وعي جمالي متطور عن سابقه، وهو
يظهر خبرة الصوفي المعرفية التي أخذت أبعاداً مرعبة وجديدة في آن. ولعل حالة الخلق) في البيت الثاني جاءت
ملازمة لحالة التداعي الكتابة الآلية) وتعزيزاً لمسألة الحلم)، وأهميتها هي
تفريغ شحنة نفسية تخفِّف من الأزمة النفسية، وهذا الأمر من المهمات الأساسية للفن،
لأن الفن "يريح الإنسان من كل ما لا يقدر على فعله وتحقيقه على وجه ثانٍ، إما
لمانع أخلاقي أو لعائق مادي بحت”[23]) إن الخلق) الناجح في القصيدة الفنية
الذي يأخذ بعين الإعتبار الظروف الموضوعية والذاتية للشاعر، إنما هو توليد أصيل،
ويقوم بتمييز أنا) الشاعر من بقية أشكال الأنا) الأخرى للشعراء. ب- الإيحائية:
"يلعب الإيحاء دوراً بارزاً في رسم
الفروق الفاصلة بين النص اللغوي العادي وبين النص الشعري الإبداعي، لأن الإيحاء هو
الذي ينقل النص من صيغة المباشرة أو التقريرية إلى أفق أرحب وأوسع، حيث يمنحه
القدرة على تجاوز الإطار المحدود لمجال التواصل الفوري، بين الناطق والسامع،
ويمكنِّه من حفر خندق سري داخل النفس الإنسانية، أي داخل ذات القارئ المستهلك
للنص، بجميع ما تحمله هذه الذات من مستويات الوعي واللاوعي، فيتحوَّل النص الشعري
نتيجة هذا الفعل الكيماوي السحري من الانغلاق إلى الانفتاح"[24]) ولعل الإيحاء على صلة وثيقة بالغموض
الشعري خاصة، والغموض في الفن عامة. "ويعتبر الغموض أباً للإيحاء،
باعثاً له، دون أن يعني ذلك، انفصالاً أو استقلالاً فهما يسلكان درباً واحدة،
الواحد إلى جنب الآخر، وقد يندمجان معاً فتصبح الكلمة الغامضة أو الصورة الغامضة
هي ذاتها مثار وحي وتأثير على الآخرين"[25]). إن دراستنا للإيحاء سوف تنطلق من قدرة
الصورة الشعرية بما تحمله من تكثيف وخصب على نقل الحالة النفسية لشاعر العذاب
الرومانتيكي، كذلك بما يكتنفها من رمز، "فالرمز إيحائي بجوهره، وأعني بإيحائي
أنه لايقف على قدم الأشياء المادية ليصورها، بل يتعداها لينقل التأثير الذي تتركه
هذه الأشياء في النفس بعد أن يلتقطها الحس. فهو لا يعبر عنها بقدر ما يعبر عن
الأجواء الضبابية المبهمة التي تسربت إلى أعماق الذات المتفرعة المتباعدة الأطراف
والأصول"[26]) إن جميع الدلالات التي ينجزها شاعر
العذاب الرومانتيكي عبر الإيحاء تنصبُّ بالضرورة في إظهار حالة التأزم النفسي،
وتتفاوت القدرة الإيحائية من شاعر إلى آخر حسب تفاوت التأزم النفسي بينهما،
وبالنتيجة هناك تفاوت في مستوى العذاب، وبالضرورة أيضاً يرتبط مفهوم الإيحاء
"بتعددية دلالات الصورة، وباتساع مناخها، وهو لا يرتبط بالبناء وطرائق
تركيبها فقط، وإنما يرتبط أيضاً بالمضمون، وبعلاقة التفاعل بين عناصره من جهة،
وبينها وبين عناصر البناء من جهة أخرى"[27]). كما أن الإيحاء على صعيد اللغة هو عملية
انزياح تقوم بها الصورة الشعرية بمفرداتها ودلالاتها، والشعر بطبيعته "انزياح
عن قانون اللغة، بالنسبة للنثر العلمي أو اللغة العادية التي في درجة الصفر، لأن
الشعر هو تحطيم اللغة العادية، وإعادة بنائها، بعد ذلك، على مستوى أعلى"[28])
ولا يحدث الإيحاء في الصورة إلا بحدوث فعل الانزياح الذي يرتكز على ظروف مرحلته
الزمنية والاجتماعية. يتفاوت مستوى الانزياح الانحراف) في
الشعر بين مدرسة وأخرى، فلم تجد المدرسة الرومانتيكية) في الانزياح الذي حضنته
المدرسة الإحيائية) ما يلبِّي احتياجاتها ومتطلبات شعرائها تبعاً للوعي المعرفي
لأولئك الشعراء، بيد أن البلاغة العربية القديمة التي ارتكز الإحيائيون على بنيتها
الفنية قد مهدَّت للانزياح الشامل الذي شهدته القصيدة الحديثة "فالاستعارة
مثلاً يمكن أن توصف بأنها انحراف موضعي من اللغة العادية، أما الانحراف الشامل
فيؤثر على النص بأكمله، ومثاله معدَّلات التكرار الشديدة الارتفاع أو الانخفاض
لوحدة معينة في النص، مما يعدُّ انحرافاً شاملاً ويمكن رصده بشكل عام عن طريق
الإجراءات الإحصائية"[29])ومن ثم تخلت
الصورة العربية في المدرستين الرومانتيكية والحديثة عن تلك الاستعارة إلى حد كبير،
وانطلقت إلى مساحات أخرى في الخيال وفي النفس البشرية، حيث "أحسَّ الشعراء
المحدثون بأن الصورة الشعرية التقليدية القائمة على التشبيه والاستعارة ووسائل
البيان العربية الموروثة ليست كافية لأن يمتلك الشاعر الأشياء امتلاكا تاماً، ولأن
يقبض عليها ويتوحَّد معها، فعمدوا إلى جعل الصورة الشعرية ضرباً من المفاجأة ومن
الرؤيا القائمة على التغيير الجوهري في نظام التعبير فمنحوها بذلك غرابة مدهشة،
والغريب جميلٌ، لكنه متعب، فهو يحتاج في فهم الشعر وتذوقه وتقديره والتفاعل معه
إلى كدِّ الذهن واللجوء إلى ضروب التأويل والتصور والاستبطان الداخلي لا سيما حين
يحذف من القصيدة كلُّ تسلسل منطقي[30]). وعليه فإن التجديد في الصورة الشعرية في
المدرسة الرومانتيكية يفتح أمام الإيحاء دلالات جديدة ومتنوعة، خاصة فيما يتعلق
بالصور المتراسلة التي تعتبر "نمطاً آخر من التركيبات الفنية التي شاعت في
القصيدة الرومانتيكية، كما شاعت في القصيدة المعاصرة، وينحصر مجالها في نطاق
الحواس إذ تحوِّل الإدراكات من واحدة إلى أخرى، فبدلاً من أن نسمع الصوت نراه
النغمة الخضراء)) وبدلاً من أن نرى اللون نسمع إيقاعه سندسي الصوت)) وهلم جرا،
وتكون النتيجة الطبيعية لهذا التحويل أو التداخل وحدة بين الحواس تتشابك على
رحابها المشاهد والألوان والمسموعات والمشمومات، تتناغم وتتحاور، وتؤكِّد في هذا
التناغم والتحاور كلية الرؤيا البشرية، وشموليتها وجدلية عناصرها المشكلِّة
لها"[31]) النص الأول في حديثنا عن الإيحاء اخترناه
للشاعر نديم محمد) من قصيدة النشيد الثامن) من ديوان آلام) يقول فيه واصفاً
نفسه[32]):
تنطوي السوداوية في النص على العدمية،
حيث أدرك الشاعر أن الحياة مصدر الشرور والمآسي والويلات، فتراجعت دوافع الصراع
أمام وطأتها، وكان الانسحاق هو الوضع النهائي الذي عبَّر عنه نديم محمد) في النص. تشتمل الأبيات على الكثير من الصور
الجزئية التي تنقل للمتلقي الحالة النفسية للشاعر بتفاصيلها، فالبيت الأول يعرض
صورة مركبة تنطوي على صور جزئية ينبثق بعضها من بعض، ذلك أن صفعة الحياة على
خديه) وهي صورة جزئية قد لفتت الانتباه إلى تنامي الحالة النفسية المترديَّة عند
نديم محمد)، إذ توحي مفردة صفعة) بالشدة والعنف اللذين تمارسهما الحياة على ذات
الشاعر، وقد أسهمت هذه المفردة كحقل دلالي مرتبط بحقل دلالي آخر هو الحياة) في
إخصاب الصورة في سياقها النصي والاجتماعي الذي يحيط بالشاعر، ودخلت هذه الصورة
الجزئية ضمن الصورة المركَّبة وهي صفعة الحياة تكوي عروقه بالشفاء)؛ فلقد أصبح الفعل
تكوي) ذات دلالة نفسية مرعبة، لأن صفعة الحياة) هي التي تقوم بذلك الفعل الذي
يشير إلى مقدار الألم وإلى تعطيل الإرادة، وعليه فإنَّ مفردة الضحى) في النص
أصبحت تدل على زمن نفسي، وبالضرورة فإن هذا الزمن الضحى) أسود، بل إن وجوده لم
يعد متوافراً في حياة الشاعر، فالضحى في ذاكرتنا يدلُّ على الإشراق، بيد أن هذا
الإشراق بعيد المنال في النص. كذلك فإن البيت الثاني يفصح عن صورة
مركّبة تنطوي هي الأخرى على صور جزئية، فصورة الرغاب الدكناء تصفّر) تشتمل على
صورتين: الأولى الرغاب الدكناء)، والثانية الرغاب تصفرّ)، وإن إلحاق كلمة
الدكناء) بـ الرغاب) قد أزاح هذه المفردة الأخيرة عن معناها المعجمي وفتح لها
أبواباً وعوالم من الإيحاء، فـ الرغاب) الموجودة في الأبيات غير مستعدَّة لأن
تتحقق على أرض الواقع لارتباطها بالحقل الدلالي الدكناء). إن الرمز الذي توحي إليه الرغاب) قد
تبدّل عما هو موجود بين عامة الناس، وأصبحت الرغبة في النص مشوهةً في سعيها إلى
الظهور. كما أن الصورة الجزئية الأخرى الرغاب
تصفرُّ في صدره) زادت من إخصاب الصورة المركَّبة الرغابُ الدكناء تصفرّ)، فالاصفرارُ
علامة من علامات الشيخوخة والعدم، وعندما انصهرت هذه الصفرة بالرغبة، أوحي إلينا
بأنَّ ثمة حاجزاً منيعاً الأنا الأعلى) حال دون تحقيق الرغبات، فبقيت مكبوتةً،
لهذا فمن البدهي أن تصفرّ مع مرور الزمن، وبما أن الاصفرار يقترن بمرحلة الشيخوخة
فإن الرؤيا المستقبلية لتلك المرحلة لابد أن تكون قاتمةً، ونلاحظ في البيت أيضاً
الصورة المركبة الأوسع من سابقتها الرغاب الدكناء تصفّر كالحيات)، فقد دخلت على
هذه الصورة مفردة جديدة الحيّات) المقترنة بكاف التشبيه. إنّ ذكر الحيّات) يوحي إلينا باحتمالين
يمكن أن يدركهما المتلقي على النحو الآتي: 1- الاحتمال الأول للصورة: هو أن اقتران
الرغبة بالحيّات يوحي بأن المكبوتات تفعل فعل الحيّات) في تحرُّكها ضمن
اللاشعور)، كي تظهر في الواقع وتتحقق فيه، لذلك فهي تنهك الذات وتضعفها. 2- الاحتمال الثاني للصورة: هو أن اقتران
الرغبة بالحيّات الصفراء يمكن أن يعزِّز ماذكرناه سابقاً، من أن الرغبة قد تبرد
وتتراجع تماشياً مع المدة الطويلة التي كبتت خلالها، وما ذكر الحيات الصفراء إلا
للتعبير عن هذه البرودة وعن شدة الاصفرار الموت، الشيخوخة)، وعليه فإن أمامنا في
هذه الصورة إيحاءين احتمالين) مما يحقق سمة هامة من سمات الفن القائم على
الاحتمال. في البيت الثالث نطالع صورة الشعور
المسعور)، حيث لم يصبح هذا الشعور مسعوراً إلا لأنه تعرّض لاهتزازت من الخارج،
فتراجعت إثر ذلك الذات متخبِّطة، لذا ألحق هذا الوضع النفسي الأذى بالجسد
وبأعضائه، واستمرَّ الشاعر عبر مفردة المسعور) في الترميز إلى الصراع الداخلي
العنيف، فأظهرت هذه المفردة حجم العبء الملقى على عاتق الأنا)، وتجدر الإشارة إلى
أن لفظة الشعور) في الصورة لا تعني الأنا) مطلقاً، بل إن الشعور) هنا يرادف
كلمة الإحساس) إلى حد كبير. كذلك فإن صورة الشعور المسعور) جزئية
بالنسبة للصورة المركبة الثانية الشعور المسعور يلتهم النذر المبقّى)، فقد جاء
الفعل يلتهم) ليضيء عمل الشعور المسعور) من جهةٍ، ويوحي بالعذاب والاضمحلال
والفناء من جهة ثانية، وتكتمل هذه الصورة بصورة كلية مع انتهاء البيت عند تركيب
أعظم جرداء) الذي رسّخ فكرة القحط والفراغ والانهدام على الصعيد النفسي. لقد بدت صورة الشموخ الكسيح) في البيت
الخامس محمَّلة بالكثير من السخرية المرّة، فارتباط الكسيح)بـ الشموخ) أودى
بالمعنى الحقيقي للشموخ الذي احتفظنا به في ذاكرتنا على أنه يعني الإباء والمجد
والسمو، ولكنه في الصورة السابقة أوحى بالضعف والانكماش وانقراض الحركة والصراع،
فجوهر هذه الصورة قائم على التناقض، لأن كلَّ حقلٍ دلالي فيها مختلف في المعنى
المعجمي عن الحقل الآخر، إلا أنّ اندماج حقليهما الدلاليين لتكوين صورةٍ شعرية
رجَّح فكرة الموت كنتيجةٍ خرج بها المتلقي من هذه الصورة. ولعلّ تلك الصورة جزئية أيضاً من واحدة
أخرى وهي الشموخ الكسيح ينشب كفيه احتماءً بنجدة الأعضاء)، إن غزارة الصور
الجزئية يفضي إلى احتمالات إيحائية أكبر ضمن الصورة المركّبة، فعادة ما يمتاز
تلاحق الأخيلة بالتكثيف وارتفاع مستوى الرمزية في القصيدة، فالشموخ الكسيح حين
ينشب كفّيه يوحي بالضرورة بمحاولة فاشلة لإعادة خلق الذات المشوَّهة، لأن سيطرة
الحقل الدلالي كسيح) على الصورة بكاملها أدَّى إلى عدم جدوى تلك المحاولة، وهذا
ما رسَّخه البيت الأخير في صورة بعضه لحد بعضه)، فـ الهاء) عائدة على ذات
الشاعر، ثم إن الانطباع العام الذي يخرج به المرء عبر ملاحظاته للصورة السابقة
ينمُّ على تآكل الذات بصورة متزايدة على الصعيدين الجسدي والنفسي، وقد جاء تكرارُ
مفردة بعضه) مرتين في الصورة واستنادها على مفردة اللحد) ليجعل الإيحاء منصبّاً
على بؤرة واحدة تتمثل بـ القبر) ومعطياته، لأن بعضه) الأولى والثانية في الصورة
هما القبر) بشكل أو بآخر. يمتاز الشاعر عبد الباسط الصوفي) بقدرةٍ
كبيرة على الإيحاء عبر عفويةٍ واضحة وتكثيفٍ كبيرٍ في الصورة الشعرية، واستخدام
موفقٍ للرمز المنطلق من الإيحاء، بيد أننا رأينا في دراسة سابقةٍ للشاعر نديم
محمد) أن الصورة لديه تقترب من الذهنية، وتتكرُّر بكثرة في ديوانه آلام)، وهذه
الذهنية ترتبط بالحالة الانفعالية الكبيرة عند الشاعرنديم محمد). يقول الشاعر الصوفي) في قصيدة له بعنوان
في ظلال الفجر).[33]): ارسمي لي في خشوع الصمت أشباح مصيري وأدفني في معبد الآلام أشلاء غروري ضاع في وجداني الليل فهل ضاق ضميري؟ إن العدمية أحد تجليات المعذب الأساسية
في النص، وهي بالتأكيد تفرض الغربة والسوداوية على الأبيات أيضاً. لقد لاحظنا سابقاً أن العدمية لا بد لها
أن تنطوي على الغربة والقلق، غير أن العكس ليس صحيحاً، هذا لأن الشعور النفسي
المزمن بالموت يولِّدُ تجليات أخرى للمعذب. لقد اختزلت تجربة الصوفي) الحياتية كلَّ
أنواع العذاب على مختلف الأصعدة. فقد عانى الاغتراب بأنواعه، وعانى الموت بألوانه،
ورفض قيم المجتمع لهذا لم تستطع آلام) نديم محمد) الحياتية على الرغم من شدتها
-أن توازي كارثة الصوفي) وصدمته بالحياة. وقد نجح الشاعر الصوفي) في تجسيد هذه
التجربة عبر استخدامه لتقنيات فنية خففت من تقنيات المدرسة الإحيائية واستطاع أن
يفجر مشاهد جديدة من ظلال الخيال وإيحاءاته فـ "مايهم في شعر التجربة هو أن
يكون الظرف قادراً على إيقاظ استجابة طازجة، أي أن يتخطّى الصياغة. وهذا يفسّر سعي
الشعر الحديث الدائب بحثاً عن مشاهد جديدة أو عن منظورات على الأقل) ليستنبط منها
معاني جديدة، تميزها من التفضيل الكلاسيكي للمشاهد والمعاني التقليدية"[34]) نعود إلى أبيات الصوفي) السابقة حيث
افتتحها الشاعر بفعل الأمر ارسمي) ذلك أن المخاطب أنثى)، إلا أن هذه الأنثى ليست
مساعداً على الخلاص ضمن الأبيات، فمهمة الفعل ارسمي) هي أن يكون مفتاحاً للنص،
وشروعاً في توصيف الذات، إذ يدور النص في مجمله حول تعرية الحالة النفسية للشاعر. في البيت الأول تستوقفنا صورة أشباح
مصيري) إن المصير) سمةٌ مستقبلية، بيد أن الشاعر استخلص رؤيا قاتمة لذلك
المستقبل، وحتَّم على ذاته نهايةً غير سليمة، فالخاصية التي ترافق الأشباح) تختزن
الرعب والخوف، ثم إن هذه المفردة الأشباح) أفادت في نقل صورة الذات وهي في طور
التلاشي، لأن الأشباح) في الأصل أشياء غير مجسَّدة تماماً. من المفترض هنا أن نشير إلى أن الصورة
الشعرية بحقليها الدلاليين، تقدِّم لنا مرتكزاً على قدر كبير من الأهمية، وهو أن
أحد الحقلين فيها يتفوق على الآخر، ومن خلاله نستنتج الإيحاء النفسي النهائي
للصورة، فعندما نقول: أشباح مصيري) فإن أشباح) كحقل دلالي أقوى من مصيري) كحقل
دلالي آخر، والنتيجة النهائية لإيحاء هذه الصورة على الصعيد النفسي يبرز لنا الموت
والفناء. أما إذا قلنا: شمس مصيري) فالمعنى يتغيَّر تماماً، لأن شمس) كحقلٍ
دلالي سيطرت نفسياً على الصورة بشكل مطلق، وسيطرت بالطبع على الحقل الدلالي
مصيري)، وقد رأينا أيضاً فيما سبق أن صورة الشعور المسعور) التي جاء بها نديم
محمد) توحي بتآكل الذات لأن الحقل مسعور) تفوق على الحقل الشعور)، ومنه استنتجنا
الإيحاء النهائي للصورة، لأنه لو قلنا: الشعور الجميل) لكان هناك اختلاف في
المعنى والإيحاء، إذ إن الحقل الدلالي في الصورة، والذي يشير إلى حالة نفسية سلبية
الموت، الغربة، المسعور، الأشباح، الأنقاض) هو الحقل الراجح في الصورة الشعرية
وهو يؤثِّر في الوضع النهائي للإيحاء. ثمة صورة أخرى من الصور التي توحي
بالعذاب في النص هي أشلاء غروري)، فالغرور حالة إرادية تقوم بها الأنا) شعوراً
منها بتفوق الذات على الآخرين، وهي بالنتيجة دافع لمواصلة الحياة اليومية، ولكنَّ
إلحاق هذا الغرور) بمفردة من قبيل أشلاء) ينهي تلك الحالة ويدِّمرها، وينقل لنا
الإيحاء بوجود عائق نفسي ذي جذور عميقة، ويبدو أن الصورة -من خلال التناقض الموجود
فيها- عملت على إضاءة البيت كاملاً عبر فعل الخصب الذي قامت به، ونعني بالتناقض أن
مفردة الأشلاء) بما تحمله من إيحاء بالتشظي وبالتمزق تختلف عن مفردة غرور) بما
تحمله من شعور بالسيطرة وتفُّوق الذات وثقتها بنفسها. ولعل البيت الأخير يحيل القارئ على
احتمالات إيحائية متعددة، فمن خلال صورة ضاع في وجداني الليل) يستطيع المرء أن
يتبين مدى انشغال الشاعر بالزمن من ناحية، وأن يدرك مقدار التيه والضياع عند
الصوفي) من جهة ثانية. ثم إن الصورة ضاق ضميري) تزيد من الطاقة الإيحائية للبيت،
بحيث تحال الأبيات على النص المفتوح). إن الضمير على علاقة وثيقة بالقيم
الأخلاقية النبل، الخير، الحق، الوفاء، الخ...) لذا فإن وجود تركيب ضاق ضميري)
يوحي بأن الشاعر يعمل على تأنيب ذاته، بيد أن السياق العام للنص لا يوحي بأن
الضمير) الذي طرحه الصوفي. يعني ذلك المكان الجامع للقيم الأخلاقية الجميلة،
فتأنيب الذات يشير إلى أن هناك فعلاً مشيناً لاترضى عنه الأنا الأعلى) وهذا مخالف
لسياق النص. لقد أسهم الإيقاع الموسيقي للأبيات في
تسهيل نقل الإيحاء إلى مجالات أوسع، فإضافة إلى موسيقا بحر الرمل الخارجية والتي
تمتاز بغنائيتها، فإن التقطيع الإيقاعي للمفردات داخل البنية اللغوية واضح، ولن
نتعمق هنا في دراسة الموسيقا وأثرها في نقل الحالة النفسية ونرجئ الحديث عنها إلى
فصل الحديث عن التنويع الموسيقي. أما الشاعر اللبناني الأخطل الصغير) الذي
لم يتبلور في نصوصه الشعرية مفهوم المعذب) بشكل واضح، فإنه ظل متأثراً بإنجازات
المدرسة الإحيائية في الشعر وذلك في نصوصه التي تعرض للألم والمتاعب والأحزان التي
لم ترق إلى آلام/ المعذب/، لهذا فإننا قلما نعثر في تلك النصوص على قدرات إيحائية
كبيرة، على الرغم من أن الجواء العامة لقصائد الأخطل الصغير) هي جواء رومانتيكية
من حيث التركيز على عناصر الطبيعة ببراءتها وفطريتها هرباً من المجتمع، وبالضرورة
فإن الرومانتيكيين ليسوا جميعهم معذبين. يقول الشاعر الأخطل الصغير)[35])
في قصيدة سلي الليل): قسمتُ فؤادي بين بؤسي والهوى فهذا له شطرٌ وهذا له شطرُ حياتيَ، هل ثغرُ البنفسج يفترُّ كعهدي، وهل يجري كعادته النهرُ وهل يذكر الصفصاف إذ نحن عنده وفي أذن الظلماء من همسنا نقرٌ سقيت مرارات الحياة فلم أجد كمثل الذي يسقيه من كفك الهجر ينطوي النص على حالة من حالات الألم الناتجة
عن الحرمان العاطفي، ولم يتطور ذلك الألم ليصبح عذاباً نفسياً عميقاً، ذلك أن
اللغة في النص تحال على لغة القصيدة / الإحيائية/ التي لم يتبلور فيها مفهوم
المعذب أيضاً، ومن ثم فإن الإيحاء النفسي للصور والتركيبات لم يبرز /المعذب/ كسمة
جمالية بارزة في أشعار / الأخطل الصغير/ عامة، وفي النص السابق خاصة. إن صورة هل ثغر البنفسج يفترُّ) وتركيب
هل يجري كعادته النهر) يقومان بعمل إيحائي واحد، وهو عودة الاستقرار، أو الأمل
بعودته، حيث لا يعود هذا الاستقرار إلا بحضور الأنثى، وبانتفاء صفة الغياب)، وهذا
الموقف لا يفصح عن تأزم نفسي يمكنه أن يضع الشاعر في نطاق العذاب، كما أن الصورة
وفي أذن الظلماء من همسنا نقر) توحي بالعلاقة الوطيدة بين الشاعر ومحبوبته في
الزمن الماضي). كذلك فإن لغة النص لا تخلو من الترهل
والتكرار مما ضيَّع فرص الإيحاء وقوته، فعلى سبيل المثال، إن الشطر الأول من البيت
الأول كاف للتعبير عن الحالة، ولم يكن الشطر الثاني إلا الشطر الأول ذاته من حيث
المعنى، وهذا لايعني قطعاً أن تدَّني مستوى الإيحاء في إظهار مفهوم /المعذب/ ينفي
صفة الشاعرية عن الأخطل الصغير أو غيره من الشعراء، فنحن ندرس ظاهرة جمالية عبر
تجليها فنياً، وربما لا توجد هذه الظاهرة عند شاعر ما، ومن البدهي ألا تُظهِرَ
الفنِّيات عند ذلك الشاعر مفهوم/ المعذب/ لأن هذا الشاعر يعرض لقيمة جمالية أخرى
تراجيدي، بطولي، جميل، الخ...)، وهذا الأمر ينطبق على الشاعر عمر أبي ريشة) الذي
لم يتبلور لديه مفهوم /المعذب/ بشكل واضح، وكذلك الشاعر نزار قباني)، غير أنهما
يظهران قيماً جمالية أخرى في نصوصهما كالبطولي والجميل. ج- التعبيرية:
قبل أن نتحدث عن مفهوم /التعبيرية/ لابد لنا أن نشير إلى أن الخلق الشعري
والإيحائية والتعبيرية تتداخل فيما بينها في النص الشعري الواحد، فالتوليد الجديد
في الصورة يرافقه بالتأكيد إيحاء جديد ورمز جديد أيضاً، ويرافقه أيضاً تعبير متميز
عن الحالة النفسية. "إن التعبيرية تنفّذ المعاني التي
تتضمنها تسميتها، يعني، أنها تعبِّر عن انفعالات الفنان العاطفية بأي ثمن"[36])،
وهذه التعبيرية بصورتها الانفعالية تظهر في فن الشعر عبر لغة النص عامة، وعبر
الصورة خاصة، و التعبيرية) كمصطلح ترتبط في الأصل بفنون أخرى غير فن الشعر، إنها
ترتبط بالفنون الجميلة الرسم بأنواعه، النقش، النحت، الخ...) ويبدو أن هناك علاقة وثيقة بين التحول
التعبيري والتحول الرمزي "فهما ينبعان من تربة مشتركة -من حياة الإنسان
الذاتية في المجال العريض المكوَّن من تفكيره وإحساسه، لذا فإن مصطلح الرمزي)
يستعمل أحياناً بمفهوم عام جداً لتحديد تلك الخواص في عمل من الأعمال التي لها
علاقة بعالم الفنان الداخلي، بما فيه الإحساس والتفكير كلاهما، إذا شاهدنا أنه حين
ينظر الرسام أو الشاعر أو الفنان إلى العالم فإنه يضفي عليه شيئاً من ذاته - إنه
يسبغ على الواقع المادي للشيء من الواقع النفساني الذي يتخذه هذا الشيء في شعوره
الخاص. ولكنَّ الفكر والإحساس حدثان مجردان وغير
ملموسين في حياة النفس ولكونهما كذلك فإنه ليس من وجود محسوسٍ لهما، لذا لا يمكن
أبداً للشكل واللون أن يكونا نسخة طبق الأصل عن الأفكار والإحساسات وإنما يستطيعان
فقط التلميح إليها بصفة متطابقة"[37])،
ومصطلح التعبير) مصطلح عائم، أي أن هناك تفسيرات متعددة له، وهو يختلف من
الفيلسوف إلى منظر علم الجمال إلى معتنق المذهب الكلاسيكي في الفن إلى معتنق
المذهب الرومانتيكي في الفن أيضاً إلخ..، فعلى سبيل المثال يربط بنديتو كروتشه) أحد منظِّري علم
الجمال الحسي بين التعبير والحدس ويعتبرهما شيئاً واحداَ فيقول "نستطيع إذن أن
نضيف، إلى التعاريف المختلفة التي وصفنا بها الحدس منذ البداية، هذا التعريف
الجديد: المعرفة الحدسية هي المعرفة
التعبيرية)). فالحدس المستقل تجاه الوظيفة العقلية، المنفصل عن التمييزات اللاحقة
التجاربية، عن الواقع وغير الواقع، وعن تكوين الزمان والمكان أو إدراكهما - وهما
عمليتان لاحقتان أيضاً، هذا الحدس أو الامتثال يمتاز مما نشعر به ونلقاه من سيال
الحس أو من المادة النفسية، بوصفه صورة)) وهذه الصورة المختارة هي التعبير
فالحدس إذن هو التعبير دون سواه، ولا أكثر ولا أقل))"[38]) كذلك فإن دراستنا للتعبير الشعري في نصوص
العذاب الرومانتيكي ستنحو المنحى النفسي أيضاً، فقدرة الشاعر الرومانتيكي على
التعبير بصيغته الانفعالية) من خلال الصورة يأتي من التركيز على توصيف الحالة
بجزئياتها، وأما الفوارق الجوهرية بين الإيحاء) و التعبير)، فتكمن في أن
الإيحاء) سمة فنية تتعلق بالمتلقي، أما التعبير) فسمة تتعلق بالفنان، وبمعنى أوضح،
إن التعبير هو الانعكاس المباشر لانفعالات الفنان في اللوحة الفنية القصيدة
الشعرية، الصورة الشعرية، لوحة تشكيلية، لوحة سوريالية، لوحة تكعيبية، إلخ...)،
وأما الإيحاء فهو حالة تأتي بعد إنجاز اللوحة الفنية، وهذه الحالة خاصة بالمتلقي
ووعيه، فهو يقوم بإعادة قراءة اللوحة من خلال بنيته النفسية ومداركه المعرفية
ليستخلص منها الاحتمالات التي ينطوي عليها العمل الفني الأصيل عبر دلالاته ورموزه. النص الأول للشاعرة هند هارون) بعنوان
الرؤى القدسية)[39]): ألقيت بالهم الجريح.. وروضتي الغنّاء.. حوَّلها العذاب... طلولاً.. ألقيتُ بالحزنِ العميقِ... ونجمتي.. الوسنى.. تحاكيني أسى.. وذبولاً وضممتُ.. في الليل المقيم وسادتي أطبقت.. جفناً مثقلاً... وكليلاً وحنا السريرُ على حطامٍ هاجعٍ يغفو لينهض في الصباح عليلاً عطف السرير.. على بقيَّة مهجةٍ كادت تودِّعُ،... قاتلاً وقتيلاً وتصاعدتْ في الليل آهةُ مغرمٍ شقتْ إلى قلب السماء سبيلاً إن عنوان النص الرؤى القدسية)، وسياقه
يوحيان بأن هنالك علاقة صوفية بين الشاعرة وبين مخلِّصها من العذاب، وهذا ما يشير
إليه البيت الأخير من النص، بيد أن ذلك المخلِّص بعيد المنال، فالحالة التي تعرضها
الشاعرة مكتظَّة بإنجازات العذاب وتجلياته، حيث نرى منذ بداية النص أن هناك صورة
نفسية غير مرضية لحياة هند هارون)، إذ يتجلَّى الحزن في القصيدة مرات عديدة وكذلك
الهم والعذاب. يبدأ النص بالفعل ألقيت) الذي يعبِّر عن
القهرية في عملية الإلقاء) فهذا الفعل ليس من إرادة الشاعر، ولم تشأ القيام به،
بل أجبرت على فعله قهراً، والذي زاد الطين بلة أنَّ فعل الإلقاء) كان على الهم
الجريح) وذلك في قول الشاعرة: ألقيت بالهم الجريح)، فلم تكتف الشاعرة بذكر مفردة
الهمِّ) مستقلة، بل أصرت على أن تلحقها بمفردة الجريح تعبيراً منها عن التشوه
الذي لم يسلم منه الهمُّ) أيضاً. إن روضتي) في تركيب روضتي الغنّاء
حوَّلها العذاب طلولاً) ليست روضةً مرئية تشاهد بالعين المجرَّدة، ذلك أن هذا
الحيز المكاني الروضة)، أسقط على الذات فانقلب من معناه المكاني إلى معنى نفسي
عميق يعبِّر عن الأشياء الجميلة في حياة هند هارون) التي تؤمن لها الاستمرارية في
الحياة قد اضمحلت وآلت إلى اليبس والقحط. وتكرِّر الشاعرة الفعل القهري ألقيت) في
تركيب يتشابه مع ذلك الذي رأيناه في مطلع البيت الأول، ألقيت بالحزن العميق)، ثم
إن الشاعرة تقوم بتعميم حزنها وألمها على العناصر الموجودة في الكون كالنجوم مثلاً
في قولها ونجمتي الوسنى تحاكيني أسى وذبولاً)، فمفردات الوسنى، أسى) هي ذات جذور
نفسية عميقة عملت على تشكيل اللوحة الشعرية الممتلئة بمعطيات السواد والإحباط،
ولعل الشاعرة لم تصف النجمة أنها وسنى إلا لأن حالتها النفسية تقتضي ذلك، كذلك فإن
هذه النجمة لم يلفّها الأسى والذبول في اللوحة الشعرية إلا لأن الشاعرة تنطوي
نفسياً على ذلك الأسى وعلى ذلك الذبول. يتلاحق التعبير عن الحالة النفسية في
الأبيات، فالبيت الرابع يشهد حالة من التعب التي تنتاب هند هارون) ساعة النوم،
وذلك في قولها أطبقتُ جفناً مثقلاً... وكليلاً)، فالجفن لم يثقل إلا بالعذابات
اليومية ولم يتعب إلا من صور الإحباط والحرمان التي تجعل من الواقع كله صورة سوداء
قبيحة. لا يؤدي النوم عند هند هارون) وظيفةً
مشجِّعةً قائمة على استحضار الراحة والاستقرار وتوازن الذات، بل إن الذات المحطمة
والمنكسرة على الصعيد النفسي ستستفيق ذاتاً مريضة، لأن العلة ما زالت موجودة في
أعماق النفس يغفو لينهض في الصباح عليلاً) لابد أن نشير إلى أن البيت يشير إلى
محاولة لإيجاد بقعة ضوء عن طريق تركيب تصاعدت آهة مغرم) لتضعنا أمام جواء صوفية
هدفها الاتحاد والوصول إلى الحضرة الإلهية، غير أن تلك الجواء لم تخرج عن نطاق
الحلم الصوفي. ظلت لغة النص عند هند هارون) متأثرة
بلغة النص الإحيائي))، ومن ثم فإن مفهوم /المعذب/ لديها لم يرتق إلى عذابات /عبد
الباسط الصوفي/ ولا حتى إلى/ نديم محمد/ بيد أنه موجود بالتأكيد، ولكن من الطبيعي
أن يتفاوت ظهور القيمة الجمالية من شاعر إلى آخر. لقد تعمَّق العذاب عند /هند هارون/ بعد
وفاة إبنها /عمار/ في ديوانها الثاني عمار في ضمير الأمومة) الذي لا يدخل في
حيِّز دراستنا، لأنه صدر بعد عام 1985) وهو الحد الزمني الأقصى للدراسة، تقول
الشاعرة في قصيدة لم أذهب إلى داره)[40]): أتُراك تسكن في الضريح..؟ لا يا بنيَّ... وألف لا... سُكناكَ في قلبي الذبيح لا لستُ أقدر أن أضم ثراك في اللحدِ أخشى الظنون تشوب أعماقي وتغيّر النعمى بأشواقي أولستَ منتشراً بآفاقي؟ وعلى رحاب اللَّه في البعد...؟ وتتفاوت قدرة نديم محمد) على التعبير عن
الحالة بين نص وآخر، فنراه في نص من النصوص يميل إلى التعبير المكثف عن حالته،
ولكنه في نص آخر يظهر على غير ذلك، حيث تتراجع التقنيات الفنية للقصيدة بشكل عام،
تتراجع القدرة التعبيرية على تجسيد اللوحة الشعرية التي تعكس صورة الحالة، ويقع
الشاعر في إشكاليات فنية متعددة الترهل، والتكرار، وتعاظم الذهنية)، يقول نديم
محمد[41]):
ينطوي العذاب في النص على كثير من
السوداوية وحالات الألم التي يعانيها نديم محمد)، وهذا ليس بجديد على شاعرنا الذي
انكفأ على ذاته في صراع مرير مع ألوان الألم. المقطوعة تعمل على التقاط جزئيات الحالة
المتردية عند الشاعر دمع منثَّر، أنين مفتَّت، رجعٌ محطم، احتضار، أجرّ جثة
نفسي)، فمن البيت الأول باستطاعتنا رؤية هذا الأمر، إذ يتلازم الدمع مع الصحارى
تعبيراً عن العدمية المنطوية على الضياع والتشتت، ولعل الدمع) الذي يصور الألم
والحزن في النص قد اكتسى حالة متصاعدة وعبّر عن تأزُّم نفسي كبير عندما جاء ملحقاً
بالصحارى التي تعكس بدورها مسألة التيه والضياع. وهكذا فإن الشطر الأول) من البيت جاء
ليعزِّز الشعور بجوهر العلاقة بين نديم محمد) والمحيط. كما أن الشطر الثاني من البيت الأول
يطالعنا بصورة أنين مفتَّت في الصباح)، فالأنين وحده كاف لأن يعبِّر عن الآلام
والإحباط، بيد أن إدخال مفردة مفتَّت) عليه أضاف عملية التهديم على الألم والحزن،
ثم جاءت مفردة الرياح) في نهاية هذا الشطر لتعبِّر بشكل نهائي -مع الصورة
السابقة- عن العدمية، وهذا الموت توطَّد في صور ومفردات البيت الثاني أنا رجع
محطم)، حيث تعمَّم الفناء على بقية أجزاء المحيط الصبح، المساء) فالمكانُ الذي
يتواجد فيه الشاعر والذي يتحدث عنه سيصاب بالنهاية بالموت لامحالة، وكأننا أمام لوحة
فنية تجسدُ صورة الموت بأبعاده. يبدو أننا سنقف بعض الوقت عند صورة أنا
ميت أجرُّ جثة نفسي)، حيث تحمل هذه الصورة خصباً كبيراً في التقاط دقائق الحالة،
أما عوالم نجاح هذه الصورة فتحدَّد فيما يلي: 1- الطرافة القادمة عبر التناقض الموجود
فيها الحركة) من خلال الفعل أجرُّ) الموضوع مقابل الموت) من خلال تركيب جثة
نفسي). 2- القدرة الإيحائية للصورة. 3- التوليد الذي شهدته الصورة، إذ قلَّما
نشاهد تركيباً على هذه الشاكلة في شعر العذاب الرومانتيكي في سورية ولبنان. 4- الصورة في ذاتها تعبير ساخر مرٌّ
معاً، عن الخلل النفسي لنديم محمد)، وعن عدم قدرته على التوازن أمام مصاعب
الحياة. وأخيراً بوسعنا أن نقف في البيت الأخير
عند صورتين، أولاهما السماء تدجو وتنهار) والثانية صدري ينهدّ تحت وشاحي)،
فالصورة الأولى تشير إلى لوحة مشبعة بالحركة، إلا أن هذه الحركة ليست فعلاً قائماً
على الصراع ومقارعة المصاعب؛ إنها حركة الموت داخل الذات، وكذلك كانت الصورة
الثانية. إن الفعل تدجو) توليدٌ جديد على صعيد
المفردة آت من كلمة الدجى)، وهو منطلق الحركة في اللوحة الصورة الشعرية وأساسها)
ولعلَّ السماء) عند ارتباطها بالانهيار تحوَّلت من عنصر خارجي مرئي إلى عنصر ذاتي
محض، من خلال إسقاطها على الذات، وهذه السماء المنهارة مهدت لانهيار وتهديمٍ آخر
وصدري ينهدُّ تحت وشاحي) وكلُّ ذلك يعكس صورة السقوط التي ألمت بالذات. رمـــــــز المـــــــرأة:
إنَّ الرمز هو صورة الشيء محوَّلاً إلى
شيء آخر، بمقتضى التشاكل المجازي، بحيث يغدو لكل منهما الشرعية في أن يستعلن في
فضاء النص. فثمة، إذاً، ثنائية مضمرة في الرمز وهذه الثنائية تحيل على تقويمين
جماليين متماثلين. مع الإشارة إلى أن هذا التماثل هو الأساس في التحويل الذي يجريه
المبدع. أي هو الأساس في جعل الثنائية واحدية في الرمز"[42])،
فقد كان الرمز كسمة أساسية من سمات الفن الأصيل موجوداً في المدارس الشعرية بمختلف
اتجاهاتها، غير أن الوعي الجمالي المختلف من مدرسة إلى أخرى يفضي بالضرورة إلى فهم
مختلف لاستخدام الرمز في النص الشعري، فاستخدام الرمز في القصيدة العربية القديمة
ينطلق من القوانين البلاغية المتمثَّلة بالاستعارة والكناية والتشبيه البليغ
والتشبيه التام الأركان إلخ...، أما المدرسة الرومانتيكية العربية عامةً فقد
تجاوزت إلى حد ما تلك القوانين واعتمدت على الطاقة الإيحائية للصورة بحاملها
الاجتماعي الجديد، حيث يحضن الرمز تلك الطاقة الإيحائية من خلال إسقاط العناصر
الخارجية على الذات. أما الخلاف بين المدرسة الرومانتيكية
والرمزية فـ "يتمثَّل في اتجاه الشاعر في الأولى من الذات إلى العالم في حلم
جميل هادئ، ينقله إلى الماضي البعيد والمستقبل المنتظر والطبيعة الوارفة والحبيبة
الجميلة، وفي اتجاه الشاعر في الثانية من الذات إلى الذات نفسها، والبحث في
زواياها المظلمة عن الماضي والحاضر والمستقبل والوجود، وجوهر الذات الفعلية، أما
الخلاف الآخر بينهما فيتمثَّل في رفض الرمزية لمصدر الشعر الرومانتيكي القائم على
الإلهام ومجانية الخيال، واعتبارها أن الجهد الشاق والاعتناء الشديد في صياغة
القصيدة واختيار المفردات هو مصدر الجمال الذي تتحلى به، وغاية الخيال الرمزي سبر
الغامض ومحاولة استخراجه وتنظيم صور النص"[43]). أما أهم العوامل النفسية التي هيَّأت
نفوس بعض الأدباء العرب لتقليد مذهب الرمزية فتنحصر في "الكبت السياسي
والاجتماعي الذي عانته البلاد دهراً طويلاً، في ظل الاستعمار التركي الغاشم ثم في
ظل الاستعمار الأوربي الخبيث، وكلاهما ضغط النفوس ضغطاً عنيفاً، وجلب عليها من
وسائل الظلم والعسف وأسباب القهر والإذلال وما تعجز الأقلام عن وصفه وبلوغ مداه، وكلاهما
كان يعمل على كتم الأنفاس وإخماد الحريات"[44]) وأما الأغراض التي تناولتها الرمزية في
الأدب العربي فتنحصر في أربعة أغراض: "أوَّلها: تيسير التعبير عن المعاني
التي لا يتسنى التعبير عنها بطريق مباشر، وإن كانت هذه المعاني ممَّا يدور في عالم
الحس. وثانيها: إرضاء الحاسة الفنية الجمالية
التي لا تصطدم بالعرف الجمالي الأدبي. وثالثها: إظهار البراعة والذكاء . ورابعها: اتخاذ الرمز تقية لدفع الأذى
والضرر"[45]) لقد أشرنا سابقاً إلى القدرة الإيحائية
للرمز وأنواعه، غير أن استخدام الرمز لا يتكلل بالنجاح دوماً، فقد يفقد خصوبته في
السياق لوقوعه في إشكالات فنية ولغوية متعددة فينقلب إلى استعمال ذهني جامد لا
إشعاع له على أرجاء النص، "فحين لا ينقلك الرمز بعيداً عن تخوم القصيدة،
بعيداً عن نصِّها المباشر، لا يكون رمزاً، الرمز هو ما يتيح لنا أن نتأمل شيئاً
آخر وراء النص، فالرمزُ هو، قبل كل شيء، معنى خفي وإيحاء، إنه اللغة التي تبدأ حين
تنتهي لغة القصيدة، أو هو القصيدة التي تتكوَّن في وعيك بعد قراءة القصيدة. إنه
البرق الذي يتيح للوعي أن يستشفَّ عالماً لا حدود له، لذلك هو إضاءة للوجود
المعتم، واندفاع صوب الجوهر"[46]) والرمزية الشعرية تظهر على وجه الخصوص في
"الشعر الغنائي، كما تظهر في الشعر التمثيلي، وهي في الشعر الغنائي تسعى إلى
خلق حالة نفسية خاصة"[47]) وبما أن النص الشعري ضرب من الحلم فإن
"هذه العلاقة الدائمة الثابتة بين عنصر الحلم وترجمته نصفها بأنها رمزية، على
اعتبار أن العنصر نفسه رمز لفكرة الحلم اللاشعورية"[48])
وعليه فإن رمز المرأة في نصوص العذاب الرومانتيكية يقوم بوظيفة نفسية حيوية في
القصيدة الشعرية. إن وجود المرأة في القصيدة هو الحلم)
بوجودها حقيقة وبالتواصل معها، فيفرِّغ هذا التواصل شحنات الكبت الناتجة عن
الحرمان العاطفي. لقد أصبحت المرأة أحد مكونات العالم
المثالي البعيد المنال الذي يسعى إليه الرومانتيكي المعذب، فمكِّونات العالم
المثالي المنشود تتصف بقدرتها على تخليص الشاعر من معوقات الحياة، ويختلف وضع
المرأة الحبيبة من شاعر إلى آخر من شعراء العذاب، ولكنها بشكل عام تشكَّل مخلِّصاً
بعيد المنال، بل إن المرأة عند بعض هؤلاء الشعراء أحد مكونات العذاب من خلال
ابتعادها وغيابها عن ساحة حياتهم. إما لظروف اجتماعية خاضعة للتقاليد وللعادات
وإما لظروف شخصية محض، يقول علي دمر) في قصيدة غيبوبة الحلم)[49]): قبل رؤياكِ ما شعرتُ بعمري كنتُ محواً وها أنا كالوليد كالذي زار كوكباً من جديد فهو في عالم بديع فريد كلٌّ خوفي من السقوط من الصحو لدى يقظة الفراق المريد مدور) ترمز المرأة في المقطوعة إلى صورة من صور
الانبعاث والخلق لحياة جديدة يحلم الشاعر بإنجازاتها، ومن ثم فإن عدم وجود الأنثى
يعني عدم وجود الحياة إطلاقاً، إذ إن الشطر الثاني من البيت الأول كنت محواً وها
أنا كالوليد) يفصح عن العدمية في حال غياب الأنثى، ويوضِّح غياب الزمن الجميل
بغياب الأنثى. ويبدو أن حضورها هو الولادة الأولى
والحقيقية للشاعر، حيث يصبح للأشياء معنى جديد فريد، وتنقلب عناصر المحيط من حالة
سكونية قبيحة إلى حالة حركية، وهذا ما أشار إليه الشاعر في البيت الثاني كالذي
زار كوكباً جديداً) تصويراً للأنا المستقرة بوجود الأنثى، وتتجلى وضعية الاستقرار
بأبهى أشكالها في الشطر الثاني من البيت الثاني فهو في عالم بديع فريد)، فقد فتحت
المرأة أمام علي دمر) آفاقاً جديدة ونقلته إلى عوالم أخرى لم يكن أبداً يحلم بها. أما البيت الأخير فإنه يعرض وجهاً من
وجوه الخوف الذي يتمثل بالسقوط من حافة الحلم، فنحن أولاً وأخيراً أمام حلم)، لأن
السياق العام لحياة الشاعر قائم على الحرمان العاطفي، وما النص الذي أمامنا إلا
لحظة تفريغ نفسي ضرورية عن طريق ذلك الحلم). في النص بعض المفردات التي تنقلنا إلى
جواء صوفية تبرز مسألة النشوة التي تعتري الشاعر في لقائه بالأنثى، وهي بالضرورة
جواء النشوة عند المتصوفة القدماء، ومن هذه المفردات محواً)، فالمحو يرتبط عند
الصوفي بالفناء ويمهِّد للاتحاد بالذات الإلهية، كما أنَّ المحو) يرتكز على تصعيد
الحالة الوجدانية عند الصوفي) بعد صراع طويل مع النفس). كذلك فإن مفردة الصحو) تنقلنا إلى عوالم
الصوفية، فلطالما سمعنا بالسكر والصحو والغيبوبة عند المتصوفة، ذلك أن المتصوفة
يمرُّون عبر حياتهم بمراتب ومجاهدات نفسية حادة، وهم في طريقهم إلى الذات الإلهية،
ولذا فإن المرأة في النص رمز من رموز النشوة الصوفية. سوف نقف في حديثنا عن المرأة في شعر نديم
محمد عند المرأة الحبيبة المخلِّصة، وعند الأم حضن الطفولة ولمسة الحنان الأولى
-يقول الشاعر في هذين البيتين[50]): فاذكريني... يثب إليَّ شبابي ولِعابي.. وزهرتي... ومجوني اذكريني ينشفْ على محجريْ الدمع ويهمدْ في جانحي أنيني مدور) ندرك أن مفتاح البيتين هو فعل اذكريني)
الذي ألحقت به ياء المؤنثة المخاطبة دليلاً على أن المنادى أنثى، فمجرَّد أن تذكر
هذه الأنثى الشاعر أو تلمِّح باسمه تعود حياته إلى زهوها وشبابها، فالفعل الذي
تقوم به الأنثى) في البيتين السابقين هو إعادة الخصب لنديم محمد، ومن ثمَّ تكوين
ولادة جديدة وانغماس في السعادة والاستقرار، لأن الشباب، الزهوة، اللعاب، المجون)
حالات تشير إلى أن هناك انغماساً في الحياة، وهي حالات لاحقة لوجود الأنثى)، بل
إن المرأة عند نديم محمد شرط ورمز من الرموز التي تساعد غزيرة البقاء على
الاستمرار والديمومة والانتعاش وتعمل على توازن الأنا). في البيت الثاني نشهد حالة مماثلة للبيت
الأول أو مكمِّلة لها، فالفعل الذي تقوم به الأنثى الذكرى، اذكريني) يسقط عن
الشاعر كلَّ إحساس بالحزن والكآبة وتجلياتها من دمع وأنين. إن الفعلين ينشف، يهمد) الواردين في
البيتين يوحيان بمقدار العمل الخلاَّق الذي تقوم به الأنثى) بتأثيرها في نفسية
الشاعر، ذلك أن الفعل الأول ينشف)، يوحي بانقطاع مطلق للدمع والأحزان، كما أن
الفعل يهمد) يوحي ضمن السياق أيضاً بالراحة والطمأنينة التي تحملها الأنثى، ولعل
الفعلين السابقين نحوياً) جاءا جواباً للطلب، أما فعل الطلب فهو اذكريني) لكلا
الفعلين، ولا يتحقق ذلك الجواب إلا بوجود فعل الطلب حتماً، لهذا فإن غياب الأنثى
وتمنُّعها عن التلميح باسم الشاعر يلغي جميع معطيات الحياة المستقرة، ويقول نديم
محمد في الأم)[51]) أين أمي.. يداكِ؟ ادنيهما مني دعي راحتيك في راحتّيا مدور) أمِّ لا تذهبي.. يطف شبح الموتِ وينقضُّ في الظلم عليَّا مدور) إن التساؤل أين أمي؟) هو في ذاته بحثٌ
عن وضعٍ أكثر أماناً من الوضع الحالي للشاعر، ومن البدهي أن يكون هذا البحث
منصبّاً على حضن الطفولة والحنين إليه، ذلك أن الحضن مصدر الهدوء والاستقرار. لقد شكَّلت الأم رمزاً من رموز الأمان
عند نديم محمد)، بيد أننا سنشهد عند بعض شعراء الحداثة الخلل في العلاقة مع هذه
الأم. ونعود إلى البيتين السابقين لنشير إلى أن الاستفسار المتمثل بـ أين أمي؟)
جاء نتيجة لحالة سابقة على الاستفسار ألا وهي صورة الضياع والتشتت. في البيت الثاني ترمز الأم إلى الحياة في
وجه العدمية، أما ذهابها فهو توطيد لحالة الموت الأولى الموجودة عند الشاعر،
فالفعل لا تذهبي) المسبوق بـ لا الناهية) ينبئ بإصرار على حضور الأم بما تحمله
من سمات الخير والعطف والعطاء. هناك نتيجة مرعبة يعبّر عنها الشطر
الثاني من البيت الثاني، ذلك أن هذه النتيجة آتية إذا تغيَّب شرط الحياة وجود
الأم) الذي يشكل معادلاً حيوياً في وجه الانسحاق والغربة، فالفعل ينقضُّ) رمز
لمقدار سطوة الواقع والظروف على الشاعر، ويعكس الحاجة الملَّحة للفعل الخلاَّق
الذي تقوم به الأم. أما الشاعر صلاح لبكي) فقد كان، شأنه في
الحديث عن المرأة الحبيبة شأن علي دمر) و نديم محمد)، إذ نرى حالة إشراقية جميلة
آخَّاذة تأتي بها المرأة الحبيبة يقول صلاح لبكي)[52]): قبلكِ كان العيش يا حلوتي ‘ن طاب حسَّاً مفعماً بالشقاءِ كأن شتائي مالئاً مهجتي كآبةً تغمر وجه الشتاءِ إن المرأة عند لبكي)
رمز من رموز التحول من حالة الموت إلى حالة الحياة، من الماضي الممتلئ بالشقاء
والكآبات، إلى الحاضر الجميل بوجود المرأة، ويبدو أن تركيز صلاح لبكي) على
التأزمات النفسية الشقاء، الكآبة) إنما هو تعريةٌ لظروف ذاتية اجتماعية، وما مجيء
المرأة الحبيبة إلا تخفيفٌ من ذلك التأزم، بل إن المرأة التي أتى بها صلاح لبكي)
في البيتين ليست بعيدة المنال كبعدها عن نديم محمد) و علي دمر) قياساً للحياة
الاجتماعية التي مر بها الشاعران الأخيران ومعاناتهما من الحرمان العاطفي، الذي
وقفنا عنده سابقاً في حديثنا عن تجليات المعذب في المدرسة الرومانتيكية في سورية
ولبنان. |