" المعذب " في الشعر العربي الحديث فـي سوريا ولبنان من عام 1945 إلى عام 1985 - ماجد قاروط

دراسات جمالية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 
التشكيل اللغوي:

التشكيل اللغوي:

إن الشعر نوع معقد من البناء اللفظي حيث يشير ويمساط) إلى أن بعد الترابط المنطقي في بناء الجملة الشعرية يكون بفعل "تقنيات تضمين مختلفة مما يؤدي إلى خلق بعدٍ إضافي للتطابق مع الواقع  هو البعد الرمزي أو التناظري analogical [1])ذلك أن طريقة البناء اللفظي للنص الشعري هي من الأساسيات التي تقوم عليها القصيدة، إلا أنها ليست هي اللغة الشعرية، وبالضرورة فإن الخلخلة في بناء اللغة تنعكس على القضايا الشكلانية.

إن اللغة الشعرية لشاعر ما هي مصطلحٌ شامل ينطوي على بناء الجملة نحوياً وصوتياً، كما أنه ينطوي على التقنيات الفنية المتعددة الصور الشعرية، والموسيقا، الخ..) وإذا كنا تحدثنا عن الصورة الشعرية عبر قضايا الخلق والإيحائية والتعبيرية، فإن حديثنا عن اللغة الشعرية سينطلق من البناء النحوي وبناء المفردة، ومن ثمَّ إسقاط هذين البناءين على الذات، وقد آثرنا أن نضع للفقرة عنوان التشكيل اللغوي) على عنوان اللغة الشعرية) تماشياً مع حديثنا عن البناء النحوي وبناء المفردة، ذلك أن اللغة الشعرية - كما أشرنا - مصطلح شامل، وأما حديثنا عن التنويع الموسيقي فإننا سنرجئه إلى فقرة التنويع الموسيقي.)

مما سبق يفترض أن  نحدِّد العلاقة بين الشاعر واللغة في عملية الإبداع، حيث "تراوحت النظرة إلى هذه العلاقة بين فريق يرى اللغة مجرد وسيلة في يد الشاعر إلى شيء وراءها، إلى الفكرة المطلقة عند هيجل وإلى السلام المخلِّص عند شوبنهور وإلى الكشف عن مضمون اللاشعور والتخلُّص من ضغطه الذي يثير الاضطراب في الحياة النفسية عند أصحاب التحليل النفسي، وبوجه عام هي مجرد وسيلةٍ عند من عنوا بالمضمون في العمل الفني دون الصورة، وعلى الضدِّ من ذلك هي غاية الفنان عند فريق آخر من الباحثين من أمثال ريتشاردز وجان بول سارتر J. P. Sartre والواقع أننا هنا بصدد مشكلة على جانب من الأهمية، لما نلمسه في آثار الشاعر من استخدام اللغة استخداماً خاصاً خاضعاً لتنظيم، يبدو في أجلى مظاهره في الشعر المنظوم المقفى، ولا يمكن إغفاله في حالة الشعر المرسل"[2])

ويبدو أن تلازم الشكل والمضمون في العمل الأدبي الفني الأصيل حالةٌ على قدر كبير من الأهمية، فالمضمون الجميل عندما لا يظهر عبر شكل ملائم يفقد حيويته، وكذلك الشكل، فهو عندما لا يحمل مضموناً ذا فائدة اجتماعية يفقد حيويته وأصالته، فـ "عمل الكاتب لا يقتصر على أن يخلق  في تصويره عالماً خيالياً مبتدعاً) من الحوادث والنماذج، أن يبتدع وينتقي تفصيلات جميلة، إنَّ عمله يتركز كذلك في أن يصوغ هذا المضمون الجميل كي ينقله إلى القارئ، ومن أجل أن يصبح هذا المضمون الجميل بكل تفصيلاته عملاً أدبياً فنياً يجب أن يتجسَّد في الكلمة، ويجب أن يأخذ شكله النهائي في السرد اللفظي"[3])

إن اللغة الشعرية في التيار الرومانتيكي قد نالها التمرد على القواعد السابقة والانفلات من الضوابط، تبعاً لاختلاف الوعي الجمالي للشاعر الرومانتيكي عن سابقه الإحيائي، إلا أن الشعر الرومانتيكي لم يتوصل إلى "الهيمنة على الشعر العربي المعاصر بصورة مطلقة، فقد استمرت الكلاسيكية الجديدة كتيار قوي له ممثلون بارزون إلى جانب الرومانتيكية، ويرجع ذلك بصورة رئيسية إلى أن النزعة الرومانتيكية ظلت في إطار الشكل العمودي الذي هو بالأصل المقوِّم الأساسي للكلاسيكية ولم يستطع الشعر العربي الحديث زحزحة هذه الكلاسيكية عن مواقعها إلا عندما تصدَّى لهذا الشكل"[4])

أما عن علاقة اللغة) بـ الشعرية) ضمن إطار النص فمن المفترض أن نشير إلى "أن اللغة فعل يشير قبل أن يعني، يشير إلى أن أحداً يتكلم ويفترض في نفس الوقت دائماً، وجود متلقٍّ، وبعد أن يتمُّ الاتصال تصبح اللغة كالنقد، ومعنى الكلمة، هو سعر)) هذه الكلمة، ولا قيمة لها إلا من خلال عملية التبادل، وتنتفي الرسالة العادية حينما يتحقق هدفها وهو الفهم، أما الرسالة الشعرية، فعلى العكس، فهي تسعى إلى الاحتفاظ بمبدأ الغموض) ambigute لأن للكلمة الشعرية عدة معان، فهي تشبه شيئاً ما باعتبار أن أي شيء هو ملتبس)، والكلام الشعري يُنتَج)) أكثر مما ينقل، فبيتٌ جميل من الشعر لا يظل مجرد مؤشر إنما يتحول إلى واقعة أو حدث Fact"[5]).

ولقد بدا مصطلح الشعرية)) موافقاً لمصطلح الأدبية) ثم صار يوازي معنى الجمالية)، فهذا ما جاء به الشكلانيون الروس، حيث راحت "الشعرية تحوز على سمة العلمية أو بالأحرى تصبح علم الأدب) حالماً تبتعد عن الأدب بوصفه واقعه لتقاربه بوصفه منطوياً على قوانين، ويكون هدف الشعرية أو علم الأدب) هو اكتشاف هذه القوانين، وليس على الشعرية أن تنهي مطافها باكتشاف هذه القوانين، ولهذا فليس هدفها الكشف عن القوانين فحسب، ذلك أن استراتيجيتها تتمثل في مرحلتين:

مرحلة الاكتشاف ومرحلة استثمار هذه القوانين، واستخدامها مادة أولية وليست نهائية في دراسة النصوص[6])، والشعرية من جهة ثانية هي شيفرة تبرز تقليات وظروف ونتاجات المنظومة الاجتماعية من زمن إلى آخر وفي عصر ما. "وطالما أن الشعرية شيفرة تعبِّر عن ميول عصر خاص، فإنها تغذِّي الفن الإبداعي بتقديم القواعد التي يحطمها هذا الفن لصالح الأصالة"[7]).

إننا حين آثرنا مصطلح التشكيل اللغوي) على مصطلح اللغة الشعرية) وذلك باقتصارنا على دراسة البناءين النحوي واللفظي، قد قرَّبنا دراستنا من الأسلوبية البنيوية، وتسمى هذه الأسلوبية أيضاً الأسلوبية الوظيفية) "وهي ترى أن أساس الظاهرة ليس فقط في اللغة، وإنما أيضاً في وظائفها وعلاقاتها، وإنه لايمكن تعريف الأسلوب خارجاً عن الخطاب اللغوي كرسالة، أي كنص يقوم بوظائف بلاغية"[8])، غير أننا لانعني بتلك الدراسة البنيوية دراسةً شكلانية للنص قائمة على عزل النص عن منظومته الاجتماعية كما يفعل الشكلانيون وعلى الاقتصار فقط على ما يحمله النص من ظواهر لغوية تعكس ظواهر نفسية واجتماعية، بل إن السياق الحياتي للشاعر يفرض ذاته على الدراسة ويفرض بالضرورة الأسلوب الذي ينطوي عليه كل شاعر على حدة، "وبما أن الأسلوب باعتباره بداية أساسية للعمل الفني ولإبداع الأديب بشكل عام يعتبر كذلك منظومة معقدة، فمن هذه المنظومة يجب قبل كل شيء فرز مجموعة وسائل اللهجة.

أما المواضيع والأفكار والشخصيات فإنها تنكشف في البيئة المحدَّدة للهجة، وفي جوٍّ من هذه المواقف العاطفية أو تلك من موضوع الإبداع ومن مختلف جوانبه، ويظهر العالم العاطفي للروي وللفعل الدرامي وللكلام الشاعري، بالدرجة الأولى في النغمة الأساسية التي يمتاز بها العمل الأدبي كوحدة متكاملة"[9])، وقد أظهرت اللغة في شعر العذاب الرومانتيكي المستوى الدرامي الذي كان خافتاً في النص الإحيائي، حيث ظهرت ملامح الصراع عبر إنجازات اللغة وطريقة تركيبها في القصيدة، من تعظيم لشأن الأنا) في صراعها مع المحيط إلى الصراع الداخلي المتأزم إلى صراع مع الوجود في بعض الأحايين.

وأخيراً لا بد من القول إن اللغة في ذاتها "طبيعة بنائية structural فهي نظام Systeme أو مجموعة من الأنظمة المحكمة التي تتكامل مع بعضها في نظام كلي، فمن النظام الصوتي إلى النظام الصرفي إلى النظام النحوي.. تتشكَّلُ اللغة وتعرض نفسها كتربة خصبة لفاعلية المنهج البنيوي، وهذا ما يفسِّر النجاح الباهر للبنيوية في ميدان علم اللغة على وجه الخصوص"[10]).

النص الأول للشاعر عبد السلام عيون السود) من قصيد صلاة) يخاطب فيها والده[11]):

ودمي.. أين دمي؟ هل غالهُ الموت.. فأصغى؟

لم أحيا؟ أنا للزنبق... والزنبق أغفى..

شدّني الشوك إليه، مدَّ للمشدود كفا

وقِني.. ربُّ.. ترنَّحتُ.. فلم ضيقتَ بابكْ؟

بلّلَ الدمع نجاواي.. ولم أسمع جوابكْ

لقد جاء الموت) محوراً رئيساً في النص، وتفرَّعت عنه صور العذاب الأخرى كالاغتراب والسوداوية.

إن الظاهرة اللغوية الأكثر جلاءً في النص عملية الاستفهام، إذ نطالع في بداية الأبيات الاستفهام الإنكاري أين دمي؟) فهذا الاستفسار لم يخرج من إنسان يجهل موقع دمه أو لا يدرك حالته، بل هو سؤال امرئ موقن بالمآل الذي وصل إليه على الصعيد النفسي، حيث يشكِّل الضياع والتشتت ومن ثم مرحلة الانعدام الصورة النهائية لذلك المآل).

لقد جاءت أداة الاستفهام أين) بين لفظتي دمي) حيث دمي) الأولى توحي إلى القارئ بأن هناك حديثاً عن الدم)، ولكن هذا الحديث قد انقطع عند أين دمي؟)، لأنه لا مجال للاسترسال في الكلام في وضع ينبئ بالإحباط والحسرة والتأسف على شيء ضاع وتهدّم، ومن ثم فإن هذا الانقطاع يبرز ملامح المستوى الدرامي القائم على صراع مع الذات ومع الخارج.

يأتي الاستفهام الآخر هل غاله الموت؟) لتوضيح الحالة الأولى من التيه والتشتت، ويصرّح بالموت) نتيجة لعدم جدوى الحياة من ناحية أخرى.

إن الأبيات تشهد موقفاً قهرياً سلطوياً) يمارس على ذات عيون السود)، ويجعل الأنا) دائماً في موقف حرج، فالفعل أصغى) صورة من صور الطاعة القهرية للموت، ولهذا فإن الاستفسار هل غاله الموت؟) قد تخلّى عن طبيعته الاحتمالية التي تأتي عبر الجواب، فالمرء في حالة السؤال لا يتوقع جواباً محدداً إلا أن هل) عندما جاءت في سياق مبني على أساس قهري أسهمت في تعزيز موقف الموت العدمية) الذي يخرج به المتلقي، وعليه فقد جاء السؤال لم أحيا؟) خلاصة لتراكم الانكسارات، وأنواع العجز عند الشاعر ولا نعني بكلمة سلطوي) -من خلال حديثنا- فئة أو أفراداً يقومون بفعل قمعي)، بل هي تلك الحالة النفسية القهرية التي سيطرت على الشاعر.

وكما أن الفعل أصغى) تجلٍّ للطاعة القهرية للموت، كذلك فإن الفعل شدّني) في تركيب شدَّني الشوك إليه) صورة من صور السلطة النفسية التي تحدُّ من فعل الصراع) عند الشاعر إلى حد كبير، ثم إن مفردة الشوك) عبر التركيب وعبر السياق الحياتي للشاعر الذي وقفنا عنده سابقاً في حديثنا عن تجليات المعذب في الشعر الرومانتيكي، توحي بأن الرضا عن الواقع الذي أسقطت عناصر أحداثه سلبياً في ذات الشاعر مفقود، حيث تكونت رؤيا قائمة على أن ما يحدث في المحيط يتداعى وينهار وهكذا يسهم في تداعي وانهدام الذات، لذلك فإن الموت ضرورة ملحّة في نهاية المطاف.

إن السؤال الأخير في النص يرتكز على مخاطبة المطلق المخلّص اللًّه)، وذلك في قول الشاعر لِمْ ضيقت بابك؟)، حيث أصبحت الثقة بالخلاص مهتزة، مما يعزِّز السوداوية وفقدان التوازن والثقة بجميع الأحداث والأمكان والعلاقات، إذ ينطوي هذا التساؤل على عملية تنفيسية لتفريغ شحنة من شحنات كثيرة في أعماق الشاعر.

إن التراجع إلى أعماق الذات ومخاطبتها بصورة مهموسة توضَّحا عبر الكاف الساكنة) في مفردتي جوابك، بابك)، فقد أدت هذه الكاف) دوراً حيوياً في إضاءة الحالة تماشياً مع معطيات النص الأولى، فتلك الكاف) أوحت بالتعب والإنهاك والقنوط توازياً مع سطوة الحياة على الذات الشاعرة.

ولقد ابتعد الشاعر قدر الإمكان عن التركيبات النحوية الجاهزة التي تختزنها القصيدة الإحيائية، والتي تنمّ على موقف جمالي مسبق، وفضَّل تجزيء هذه التراكيب بما يتناسب مع حالة التشتت ، وعمد إلى الوقف بين تركيب وآخر، ولا نقصد بكلمة عمد) هنا الحالة الناتجة عن عمل ذهني محض قائم على إتمام التراكيب والمفردات وإعمال العقل فيها بصورة كبيرة، بل إن ذلك الوقف والتجزيء قد صعّد الموقف الدرامي وارتكز على الموقف النفسي تجاه المحيط، ويتوضَّح هذا الوقف وتجزيء التراكيب والحذف فيما يلي:

 

              وقف صمت)

ودمي                           أين دمي؟

              زمن طويل

              وقف صمت)

أين دمي                        هل غالَه الموت؟

              زمن طويل

 

              وقف صمت)

لِم أحيا؟                         أنا للزنبق

              زمن طويل

              وقْف صمت)

وقِني.. ربُّ                     تر نحتُ

              زمن طويل

              وقْف صمت)

ترنحتُ                                    فلِمْ ضيقت بابك؟

              زمن طويل

وهذا لا يعني مطلقاً فقدان الوحدة العضوية في الأبيات، فالعائق على المستويين الاجتماعي والنفسي موجود في الأبيات ويتصاعد إلى أن وصل في نهاية النص إلى مخاطبة اللَّه) كطريق أخيرة للخلاص، وكلٌّ ذلك عبر حامل لغوي يرتكز على حامل اجتماعي أصيل.

لقد كان الوقف الذي أشرنا إليه سابقاً مكمِّلاً للحالة النفسية ومكملاً للوحدة العضوية للأبيات أيضاً النص الثاني في دراستنا للتشكيل اللغوي للشاعر وصفي القرنفلي)، إذ يعتمد هذا الشاعر في تعبيره على "لغة منتقاة، مترفة، يَفُردُها فيبدو اللفظ كائناً حياً يتحرك من خلال وضْعِها وبنيتها الفنية، فالنور، والأطياب، والبخور، والتمتمة، والعطر، والمفردات المترفة الشفافة إحدى أدوات تعبيره الجمالية"[12])، وأما طريقة نظمه للقصيدة، فإنه على ما يبدو "كان ينظم القصيدة على دفعات، وكان ختامها يشكل هماً بالنسبة له، كوصول للذروة التي ترفع القارئ إلى حيث يرضى الشاعر عن عطائه، وسكبه، وكثيراً ما يبدو الختام منفصلاً، مستقلاً عما سبقه، وبالرغم من أنه لا يخرج عن حدود الفكرة، فكثيراً ما يفقد ذلك الحبل السري الواصل -بينه، وبين ما سبقه - بوشائج غير منظومة ولكنها تحسُّ"[13]).

من قصيدة للشاعر القرنفلي بعنوان سراب) اخترنا هذه الأبيات:[14])

نفضَ اليأس، في دمي، عنصر الموت، وذرَّ الصحراء، في أهدابي

قتلَ الشعرَ، في فمي، ولواني عن صحابي، فملَّني أصحابي

صبغَ الأفقَ، بالدجى، وأتى الخمر، فصبَّ الظلامَ في أكوابي

النص يتخذ من مفردة اليأس) مفتاحاً له، فجميع الألفاظ والتراكيب الأخرى ومن ثم الحالة الشعرية تتوالد عن هذه المفردة الرئيسية، وتجلَّى في النص- بناء على ما سبق- المعذب العدمي) الذي فقد كلَّ ثقةٍ بالمحيط وباستمرارية الحياة.

أول ما يلفت الانتباه في النص هو الأفعال التي تقوم بعمل تحويلي جذري من حالة إلى أخرى، فالفعل نفضَ) في تركيب نفض اليأس) يشير إلى انتقال حاد من حالة السكون إلى حالة الحركة، ولكنَّ هذه الحركة ليست إيجابية لاقترانها باليأس)، ذلك أن اليأس تحرَّك، فنفضَ الموتَ والفراغ في كل مكان، فأصبحت الذات بعد ذلك غير قادرة على فعل الصراع الإيجابي الموجود عند البطولي)، ثم أتى الفعل ذرَّ) لتعميق سابقه نفضَ)، وارتبط هذا الفعل باليأس والصحراء معاً تعبيراً عن التحوُّل إلى مرحلة الانسحاق الشامل الذي بدأت تشعر به الأنا) في مسيرة حياتها، ذلك أن الصحراء واليأس يوحيان بالجفاف والقحط والموت المؤكد.

وأما الفعل قتلَ) في قتلَ الشعر) فيعمل عملاً حاسماً في نقل الحياة بحركتها وحيوتها إلى الموت بسكونه ورعبه، إذ هو أبعد الشاعر عن كل عزيز عليه الشعر، الصحاب)، وما دام النص يطرح أن الشاعر على علاقة جيدة مع بعض شرائح المجتمع وليس كلها متجسِّدة بالصحاب)، فهذا ينبئ بأن يأسه المميت قد تداخل مع قلق وجودي كبير، ناتج عن تراكم تصورات سلبية لأساس الحياة وجوهرها، وعن رؤيا قاتمة لمستقبل الذات ومسيرتها، وعلينا أن نؤكِّد أن ذلك القلق له مكوناته ومنطلقاته الاجتماعية أيضاً الظروف المحيطة بشاعرنا) ويجيء التركيب صبغَ الأفق بالدجى) ليعمّق إحساسنا بالسوداوية ويعمِّمها على كلِّ أشكال الحياة والعناصر حول الشاعر، وذلك عبر الفعل صبغ)، إذ طالما لاحظنا أن الشاعر الرومانتيكي يعمم سوداويته على المحيط.

لقد اقترن الأفق) عند الرومانتيكيين) بالمستقبل)، فعندما قال الشاعر: صبغَ اليأس الأفق) فذلك يرجع إلى رؤيا قاتمة للمستقبل، وتعممت تلك الرؤيا حتى على الأشياء الخاصة جداً بالشاعر، والتي يظنُّها مخلِّصة لبعض الوقت ألا وهي الخمر)، إذ وصلت طلائع الانسحاق إلى أقداح الخمر، فانتهى عمل المخلّص هذا، ولم يعد للذات سبيل للبحث عن مخلِّص آخر.

ظلت لغة القرنفلي) على صعيد التركيب تعاني ترهُّلاً في قصائده عامة وفي هذا النص على وجه الخصوص، ففي الأبيات الثلاثة السابقة ندرك أن تركيب نفضَ اليأس في دمي عنصر الموت) يقترب إلى حد بعيد من معنى تركيب ذرَّ الصحراء في أهدابي) لأن الصحراء كما وضَّحنا سابقاً- ترتبط بالموت ارتباطاً وثيقاً في ذاكرتنا، مما أدَّى إلى بقاء الحالة في مستوى واحد دون تصاعد درامي، فالأفعال التي ذكرناها نفضَ، قتلَ، صبغَ، ذرَّ) لدى ارتباطها باليأس)، فرضت من الناحية النفسية جواً من تعطيل الإرادة، بيد أن وصف ذلك اليأس اقترب من الوصف الذي اعتدناه للعناصر الخارجية الأشجار، السماء، الأرض، الجبال) وكأن اليأس) قد بدا عنصراً خارجياً عن ذات الشاعر، غير أن السياق الحياتي والاجتماعي للقرنفلي) قد شرَّع هذا الوصف وأكسبه حاملاً اجتماعياً أصيلاً.

نقف الآن في هذا الصدد عند نصٍّ للشاعر عبد الباسط الصوفي)، فعلى "صعيد بنية القصيدة تتحقق لديه نظرية الوحدة العضوية) في كثير من قصائده متأثراً في ذلك باستجابة الرومانسيين لهذه النظرية التي نقلها العقاد) في كتابه الديوان واستوحاها من أرسطو، أو كولردج أو الشاعر الانكليزي سبندر)[15])، ولقد تجاوز عبد الباسط الصوفي) التركيبات الجاهزة التي وقفت عندها المدرسة الإحيائية الجديدة مطولاً، وخفَّف من نظام الجملة الذي يراعي العروض ويخضع له بصورة كبيرة.

من قصيدة له بعنوان خيبة) اخترنا الأبيات التالية، إذ يقول فيها:

كلاّ.. وأجفل صوتها الرعديد في الشفتين: كلاّ

من أنت؟‍ ذاك الشارد الهيمان، تطوي العمر ظلا

من أنت؟‍ صوتٌ شاحب النبرات، مجهولٌ أطلا

عينان غائرتان حدّقتا، وماضٍ قد تولى

شبحٌ يمر على الوجود، يداعب الزمن المملا

ليلٌ من الأبد الطويل، وصورة بلهاء تُتلى

دعْني.. فثغرك ميت الأسرار، مقرور، تدلَّى

وخطاك هدَّتها الرياح، ولا أحبك أن تزلاّ

الآثار ص86

يظهر النص دهشة الآخر الأنثى) من الحالة التي آل إليها الشاعر والتي تنطوي على المعذب العدمي)، وتكمن تلك الدهشة من الصورة المشوَّهة التي آل إليها الشاعر على الصعيدين النفسي والجسدي.

يبدأ النص بأداة الزجر كلا) ذات البناء الصوتي المميز، حيث حدث وقف زمني بين كلاّ) والتركيب الذي يليها وأجفل صوتها الرعديد في الشفتين)، و كلا) تشكِّل موقفاً رافضاً لوضع الذات الشاعرة؛ وتكوينها الصوتي جاء أعلى من التكوين الصوتي لمفردات التركيب الذي يليها بشكل عام والذي يوحي بالحسرة والاستغراب، ثم حدث وقف زمني آخر بين تركيب وأجفل صوتها الرعديد) و كلا) الثانية التي تؤكّد الأولى، وتصرُّ على رفضها لتعطيل الإرادة وللتشويه الموجود عند الصوفي).

إن الوقف الزمني الذي أشرنا إليه والذي تكرَّر مرتين قد حقق وعمّق دهشة الآخر، الأنثى) من حالة الشاعر، لأن الدهشة تترافق عادةً بالصمت والتأمل الشديد لظاهرة غريبة جديدة، وبالضرورة فإن البيت الأول قد اخترق نظام التركيب الذي تقوم على أساسه المدرسة الإحيائية، فلم يجعل من النظام العروضي الخليلي غايةً، بل وسيلةً لإظهار الحالة الشعرية التي تتصاعد منذ البيت الأول، ولعل ذلك الاختراق يلغي تقاطع الأنا) الذي رأيناه عند مجموعة من شعراء الإحيائية مع الأنا) الموجودة عند الكثير من الشعراء.

في البيت الثاني نقف عند التساؤل من أنتَ؟!) إذ يوحي هذا الاستفهام بالعديد من الاحتمالات في الإجابة، ويحمل أيضاً في طياته الاستغراب والسؤال عن المجهول والحسرة الخ..، وإذا ما أردنا إسقاط ذلك الاستفسار على النفس، فإننا ندرك أن هناك ضياعاً واضمحلالاً للذات أمام الضغوطات وتضخُّم المكبوتات.

يأتي الاستفهام ذاته في البيت الثالث من أنت؟!) وتأتي الإجابة عنه صوت شاحبٌ النبرات)، حيث يشير هذا التركيب الأخير إلى عملية تعطيل الحواس، إذ تداخلت مفردة الصوت) التي ترتبط بحاسة السمع مع مفردة شاحب) التي ترتبط بحاسة البصر)، ويتماشى هذا التعطيل مع تعطيل الإرادة عن عمل قائم على الصراع، طالما لمسناه عند عبد الباسط الصوفي) في قصائده.

ومن التراكيب التي يجدر بنا أن نقف عندها ليلٌ من الأبد الطويل)، فـليل) مفردةٌ نكرةٌ تفيد الإطلاق وتوحي بالرعب والحزن، ثم جاءت مفردة الأبد) لتقوم بزيادة مساحة الشعور بذلك الرعب، على الرغم من أنها جاءت معرفة بـ أل التعريف)، لهذا فقد عزَّزت التنكير الذي يحيط بـ الليل).

يفاجئنا الفعل دعني) في البيت السابع بالقطيعة بين الشاعر والأنثى، وهو بالضرورة انفصال عن تحقيق رغبة هامة من الرغبات التي تنقذ ذات الشاعر ولو بشكل نسبي من الانكسارات العديدة، فالشعور بأنَّ الثغر ميت الأسرار) ينم على عجز عن التواصل مع الأنثى، لأن عدمية الصراع صبغت كل شيء لدى الصوفي، وغيّبت عن ناظريه الأمل وكلَّ سبيل إلى النور.

أما البيت الأخير فيطالعنا بالفعل هدّتها) في تركيب وخطاك هدَّتها الرياح)، فهو يختزن منحى مرعباً على الصعيد النفسي وخللاً في العلاقة مع الظروف الموضوعية، وأخيراً فإن تركيب لا أحبك أن تزلاّ)، وعبر الفعل تزلُّ) يدل على مرحلة قبل السقوط مباشرة، ويُعبِّر عن انحدار إلى مستوى نفسي أكثر تأزماً من المستوى السابق، بيد أنَّ سياق النص قد أبرز السقوط المرعب بأعمق صوره تركيباً ومفردات الشارد، تطوي، الرعديد، شاحب، مجهول، غائرتان، تولّى، شبح، المملُّ، ليلٌ، بلهاء، ميت، مقرور، هدَّتها)، وقد شكَّل البيتان الأخيران نتيجة وذروة للحالة النفسية التي تصاعدت، ومن ثم انهارت الذات بانهيار العلاقة مع المرأة).

نقف أخيراً في حديثنا عن اللغة الشعرية عند الشاعر صلاح لبكي) في نص له بعنوان الانتظار) من ديوان أرجوحة القمر) من مجموعته الكاملة لندرك مدى تأثره بالمستوى اللغوي الذي ساقته المدرسة الكلاسيكية الجديدة)، إذ يقول[16]):

لقد تعبَ الليلُ ممَّا يعي

 

فمالكِ يا عينُ لم تهجعي

وأحنى على الجبل الأصلعِ

 

فصعَّدَ في السهل أنفاسهُ

بلحنٍ منَ القاتمِ المفزعِ

 

وأغمضَ عينيه مستأنساً

ويبكي على هادئ الأربعِ

 

ينوح بعيداً ويشكو جوىً

يرفُّ فمالكِ لم تهجعي

 

لك اللَّه يا عينُ، جفن الصباح

برى من فؤادي ومن أضلعي

 

وفي النفس شوقٌ إلى طيفها

 

لنا أن نتساءل بعد قراءة النص، هل تبلور في النص مفهوم المعذب)؟

إن النص سردٌ حكائي لحالة من حالات الهوى والغرام عند صلاح لبكي) عبر القول المنظوم)، ولم تنته تلك الحالة نهاية سليمة، بل ظل الشاعر يعاني ألم الشوق والحزن لغياب التواصل مع الأنثى).

أما من حيث بناء الجملة الشعرية لغوياً، فهناك خضوع صارم لقوانين القصيدة القديمة، ومن هذه القوانين أنَّ صدر البيت الأول من النص يفترض أن ينتهي بكلمة تراعي القافية والروي في عجز البيت، فمفردةُ تهجعي) جاءت نهاية لصدر البيت الأول، تماشياً مع كلمة يعي) التي جاءت في نهاية العجز إنجازاً للروي والقافية.

كما أن النصَّ مفعمٌ بالتركيبات الجاهزة، ابتداء من تركيب فمالك ياعين لم تهجعي)، إذ يعود هذا التركيب إلى مرحلة متقدَّمة من القصيدة العربية القديمة، وكذلك فإنه يحمل وعياً جمالياً سابقاً على لحظة إنجاز النص، ولهذا فإن المتلقي لا يندهش له، لأنه مختزن في ذاكرتنا مدة طويلة من الزمن، كما أن هذا التركيب على المستوى النفسي، يقاطع أنا) صلاح لبكي مع أنا) الكثير من الشعراء الآخرين في شعرنا العربي القديم، وفي شعر المدرسة الإحيائية، فهو ليس تركيباً أصيلاً ينطلق من بيئة الشاعر ومن بنائه النفسي الحقيقي.

ومن التركيبات الجاهرة أيضاً صعدّ في السهل أنفاسه، القاتم المفزع، ينوح بعيداً، يشكو جوى) وهي كذلك لا تختلف عن التركيب السابق من حيث مرجعيتها وحاملها الاجتماعي الذي يعود إلى قرون سابقة من تاريخ الشعر العربي.

أضف إلى ذلك أن النص يشهد تكراراً وترهلاً على صعيد المفردات والتراكيب من حيث المعنى ، فـ ينوح بعيداً) لا تختلف كثيراً عن يشكو جوى) وهي لا تختلف كثيراً عن الفعل يبكي).

وعليه فإن مفهوم المعذب) لم يتبلور عند صلاح لبكي بوضوح من النص السابق على الأقل) ومن خلال اللغة الشعرية، إذ تقترب الأبيات من القول التزييني العائد إلى بنية النص الشعري القديم، فكثيراً ما نرى هذه الأبيات في افتتاحيات القصائد المطولة في المديح والرثاء، والهجاء الخ..) حيث لا نجد همَّاً واضحاً يمكن له أن يتعمق ليدخل في نطاق /العذاب/.

النص المفتوح والنص المغلق:

قبل أن نقوم بتحديد جوهر هذين المصطلحين، علينا أن نحيط بالأمور والعناصر التي رافقت وجودهما، فلقد كان ولوج المدرسة الرومانتيكية في الشعر إلى الداخل وإلى أعماق الذات سمة بارزة من سماتها، وبذلك حدَّت من وصف الموضوع العناصر الخارجية) الذي قامت على أركانه المدرسة الإحيائية، والذي يعنينا هنا أن ولوج الرومانتيكية في أعماق الذات، يفتح في النص الشعري احتمالات متعدِّدة، فأعماق الذات الإنسانية عالم مجهول ممتلئ بالنقائض والصراعات، على الرغم من أن علم النفس لم يألُ جهداً في البحث عن أسرارها.

من البدهي أن تظهر تلك الصراعات والنقائض في الشكل الفني، إذ غالباً ما ندركها في الصورة الشعرية، التي يمكن لها أن تفضي إلى احتمالات إيحائية ودلالية، وكذلك فإن للرمز دلائله التي تضفي على النص احتمالاتٍ إيحائيةٍ أيضاً، لهذا فإن النص الشعري الذي تتوفر فيه مثل تلك الإحتمالات ينتمي إلى ما يسمى النص المفتوح)، وأما النص المغلق) فيمكن للمتلقي أن يمسك بأطرافه بسهولة، حيث تضمحلُّ فيه الاحتمالات الإيحائية والدلالية بشكل عام.

إن الكلام السابق يشير إلى أن تعدد الإيحاء في النص الشعري الرومانتيكي، قد عمل على التقليل من النظام الذي قامت عليه النصوص الإحيائية عبر صورها المعتمدة على قانون البلاغة العربية.

ولعل النص المفتوح) -إذاً- هو النص القادر على أن يوحي للمتلقي باحتمالات عديدة للحالة، إنه لا يقدِّم نفسه مباشرة للمتلقي، غير أن النص المغلق) ذو احتمالات محدودة للحالة، قد تتقلص إلى الاحتمال الواحد، فهو سهل التفكيك، باعتباره إما قائماً على البلاغة العربية بصورة صارمة، وإما هو قولٌ منظوم ينطوي على سرد خالٍ من التقنيات الفنية.

لم يتبلور النص المفتوح جيداً في المدرسة الرومانتيكية، فمقوماته قد اكتملت في مدرسة الحداثة الشعرية، حيث تشكِّل المدرسة الرومانتيكية، الجسر الواصل بين النص المغلق) و النص المفتوح)، ففي دراستنا سندرك هذا الأمر تماماً.

نبدأ دراستنا بالحديث عن النص المفتوح) ونتوقف عند نص للشاعر عبد السلام عيون السود) بعنوان متعب) يقول فيه:[17])

أنا يا أختُ متعبٌ، وسلِي الريحَ.. سليها، تجبكِ عن إعيائي

وأنا أنتِ، في انفلاتِ الأعاصيرِ، بدنياي، وامتدادِ شتائي

شفَّني الدربُ، فارتميتُ على الدرب، مصيراً، معصَّباً بدمائي

كيف أحيا، يا أختُ، أدركني الليل، ودبَّ الصقيع في أعضائي

وتهاويت مثقلاً، ناء بالعبء، فألقى يديه: خيطي عناء

بُنيَ النص على مساعد واضح مفتاح النص) هو المرأة الأخت)، ولكنها في الأبيات لم تقم بعمل حيوي في الاتجاه النفسي، بل إن تأزم الشاعر وشعوره بالفناء لم يضمحل بوجود الأنثى، فانتقل حزنه وألمه إلى ما حوله، فانتابه إحساس بأن المرأة التي بثَّها شكواه في النص مثله تماماً تعاني وتبكي، ويمكن أن تكون تلك المرأة الأخت) شكلاً تزيينياً، ليس هدفه إلا كونه مفتاحاً للنص وتمهيداً لوصف المعاناة والهموم.

لقد أقام الشاعر علاقةً كبيرة بين الريح وبين سبب إعيائه وذلك عندما طلب من تلك المرأة الأخت) أن تسأل الريح لتجيب عن سبب مرضه، وهنا يمكن للمرء أن يتساءل ما علاقة الريح بمرض الشاعر؟ وأنَّى لهذه الريح أن تدرك سبب وهنه؟، لهذا فإن المرء أيضاً يضع احتمالات متعددة قبل الإجابة عن ذلك السؤال.

 

إن أحد الاحتمالات التي يضعها هذا التساؤل هو أن الريح) ذات ارتباط وثيق بالتهديم والتخريب وإلحاق الضرر والأذى بالأشياء، ومن ثم تعمل على قلقة الراحة والطمأنينة، إنه مجرد احتمال، ذلك أن الريح ليست في كل الأحوال عامل تخريب، ولكنَّ السياق النفسي للنص يُبَشِّر بهذه الريح المخربِّة.

أما الاحتمال الآخر لمشروعية ذاك التساؤل فآتٍ من أنه يمكن للمرء أن يسقط الريح) على النفس، وبشكل مباشر على الذات الشاعرة، وبوسعنا أن نقول: إن الريح في النص مصدرٌ للضياع والتشتت مهدِّدَةً بذلك غريزة البقاء عند عيون السود)؛ يرسِّخ البيت الثاني وأنا أنتِ، في انفلاتِ الأعاصير) الطبيعة الاحتمالية لإظهار المستوى النفسي الذي ذكرناه سابقاً، فمفردة انفلات) على قدر كبير من الأهمية من حيث دلالتها النفسية، فالانفلات يحدث دون رقيب، أو دون رادع، ومن ذلك يبدو أن تركيب انفلات الأعاصير) قد أسهم في بناء حالة احتمالية مشابهةٍ وفعل قريب لفعل الريح)، بل أشد وطأة منه.

إن الأعاصير)- عبر احتمالاتها ودلالاتها- تنطوي على مجموعة الضغوط التي يمارسها المجتمع على الشاعر)، وتنطوي أيضاً على المكبوتات التي تقوم الأنا) جاهدة بإرجائها كي تحقق حالة التوازن، وربما تنطوي أيضاً على مرض القلب الذي أصابه، وعليه فإنَّ الاحتمالات تتعدد لمفردة الأعاصير) في هذا البيت، وكذلك تتعدد الاحتمالات لتركيب امتداد شتائي)، وهكذا فإن اللوحة النص الشعري) متعدِّدةٌ الدلالات والاحتمالات الإيحائية، ينتج عن ذلك أن هذا النص ينتمي إلى النص المفتوح)، إلا أنَّه من المفترض أن نقرِّر أن جميع تلك الاحتمالات تصبُّ في حيز التدهور النفسي وفي الشعور بالنهاية المحتمة، ذلك ما ظهر في تساؤل الشاعر الاحتمالي كيف أحيا؟).

لقد كان) الليلُ في جملةٍ أدركني الليل) حاملاً بين طياته حالات متعدّدة، فجاءَ بمعنى الموت)، أي أدركني الموت)، وربما أوحى بالكآبة والسوداوية وتعطيل الإرادة، لأن جملة دبّ الصقيع في أعضائي) تُرسِّخُ فكرةَ تعطيلِ الإرادة في ذلك الحيز الزمني)، ومن ثم توحي بالموت وبانتهاء الرغبة وبانتصار السلبيات السائدة، لذا فهو انتصار للقبح المحيط، ولنا أن نشير إلى أنّ المفردة في النص قامت عن طريق قدرتها الإيحائية الرمزية بفعلٍ حاسمٍ في تحويل القصيدة إلى نص مفتوح).

نتابع الحديث عن النص المغلق)، والنص المفتوح) ليحطّ بنا الركب عند قصيدة الشاعر علي دمّر) بعنوان وداعاً) من ديوان غيبوبة الحب)، يقول فيها[18]):

ليذهبْ هواكِ الحلو في طيّ غيهبي

كما غابَ نجمٌ في الظلام المطْبق

كما مرّ حلْم في كرى الشوق باسماً

كما لاح طيف في الخيالِ المحلّق

أقامِ بروحي طيف أنسٍ ونشوةٍ

وودّع يأسي بابتسامةِ مشفِقِ

سعدْتُ به حيناً قليلاً ولم يدعْ

سوى فضْله في كأس راحٍ معتق

تذوقتُ منه حلوَ ما كنتُ أشتهي

وغادرَ بي مرّ الذي كنت أتقي

وما بين لقياهُ وبين فراقه

سوى لمح برق في دياجي التشوُّقِ

هو الأملُ المرجوّ قد لاحَ واختفى

فيا حزنُ ذوبْني ويا نارُ أحْرقي

منذ البداية يستطيع المرء أن يمسك بأطراف النص بسهولة، ولا يجد حاجةً في أن يعمل فكره في استخراج طاقات احتمالية للنص، ذلك أنها غير متوفرة، فنحن أمام توصيف لحالة فراق بين الشاعر ومحبوبته بالمعنى التقليدي الموروث ليس إلا.

تنبع تقليدية النص من أن الأبيات تختزن كماً كبيراً من التركيبات المألوفة، والتي عايشها العقل العربي سنوات طويلة من تاريخ شعرنا العربي ليذهبْ هواك، طيّ غيهبي، الظلام المطبق، لاح طيف، راح معتّق، لمْح برقٍ، دياجي التشّوق، إلخ..) ولم يتمكن الشاعر من إسقاط هذه التركيبات على أرض الواقع من خلال خلخلة بنائها بما يتلاءم والطبيعة النفسية لفرد القرن العشرين، ولم يفجّر فيها أية طاقة روحية أو فكرية جديدة بوسعها أن تقوم بفعل إيحائي يرتكز على حامل اجتماعي أصيل، حيث يبدو لنا في النص أن هناك بيئة اجتماعية لا تنتمي إلى بيئة وظروف القرن في أي حال من الأحوال.

 

لقد انعكست هذه التركيبات الجاهزة سلبياً على بناء الصورة الشعرية التي أفصحْت عن احتمالات محدودة في الإيحاء، وغابت عنها أسس الخلق والتعبير عن الحالة، فالصورةُ الشعرية ليذهبْ هواكِ كما غاب نجم) قدّمتْ للقارئ احتمالاً واحداً ليس أكثر، ذلك أن تكوين هذه الصورة لم يشهد انزياحاً مُطَّرِداً مع الانزياح الذي شهدْتهُ البيئةُ الاجتماعية والظروف المحيطة، شكلاً ومضموناً، حيث سارت تلك الصورة على منهج البلاغة العربية القديمة، ثم إن هذه الصورة مع مرور الزمن ومع اختزالها الطويل في ذاكرتنا من خلال تكرارها أو تكرار نمطها، انقلبتْ  إلى قول منطقي عادي أحادي الرؤيا.

وتأتي جميع الصور في النص على شاكلة الصورة الأولى هواك كما مرّ حلمٌ، ليذهبْ هواكِ كما لاح طيف) حيث لم تخلُ هذه الصورة من التكرار الأحادي للمعنى الذي يشابه معنى الصورة الأولى ويقترب من بنائها نحوياً على الشكل التالي:

 

أداة الشبه الواحدة

كما

كما

كما

الفعل الماضي المتكرر

لاح

مرّ

غاب

الفاعل المتكرر

طيف

حلم

نجم

وكذلك نشهد هذا في التركيبين التاليين: سوى فضلة في كأس راحٍ معتق) وفي سوى لمح برق في دياجي التشّوق)، وبهذا فقدَ النص استطاعته وقدرته على التكثيف. واستخدم الشاعر أيضاً المزيّنات البلاغية كالطباق كما في حلو، مزّ) ولقيا، فراق).

وعليه فإن النص السابق ينتمي إلى النص المغلق) لانكشافه على المتلقي بصورة مباشرة، واختفى عمل الصورة المُخصب الذي يشعّ على أرجاء النص متكاملاً مع الصور الأخرى لتشكيل لوحة فنية متكاملة.

أما على الصعيد النفسي فإننا إزاء حالة متكررة، لطالما شاهدناها في نصوص أخرى تتقاطع مع هذا النص، إذ لا تملك الأبيات السابقة خصوصية مرتبطة بـ ذات علي دمر) الحقيقة، فحياة العذاب وأنواع الحرمان التي عاشها لم تظهر بالشكل الفني اللائق.

 

نتناول نصاً آخر ينتمي إلى النص المغلق) للشاعر صلاح لبكي بعنوان هدوء) يقول فيه[19]):

رضيتُ بالأفراح لم أجزعِ

 

رضيتُ بالآلام يقْظى كما

تنساب في صدري وفي أضلعي

 

يقظى فإن أثقل جفني الكرى

وهمْسُها الأخرسُ في مسمعي

 

فملءُ أحلامي أشباحُها

غداً، تنبثق الآلام في مضجعي؟

 

هل بَعْدَ أن أبلغَ رمسي

تُغري به الإنسانَ يا مبدعي

 

مزعجة حلْمَ الخلود الذي

والمُغرِقُ الأفراحَ بالأدمع

 

فالشاعرُ اليائسُ من عيشه

إلى عناقِ الجدَثِ المفزع

 

يمضي كَمَنْ فكَكْتَ أغلاله

رضيتُ بالأفراح لم أجزعِ

 

رضيتُ بالآلام يقظى كما

تنطوي الأبيات على الألم والحزن لتنبئ بـ معذب سوداوي)، لم تستطع فنّيات النص أن تظهره بشكل واضح.

ينكشف النص أمامنا بدرجة كبيرة، فالمحور الذي تدور حوله الأبيات هو الألم)، وأما جميع الصور اللاحقة بهذا الألم فذات قدرة إيحائية محدودة، لأن المرء يستطيع أن يؤطّر النص بأبعاده كليةً.

إن صورة همْسُها الأخرس) هي الصورة الوحيدة الأكثر إيحاءٌ في النص ولكن دلالاتها اضمحلت لوقوعها في سياق متراجع فنياً، فظهرت هذه الصورة كأنها بنية فنية مستقلة بذاتها.

تقترب الأبيات الثلاثة الأخيرة من القول المحض المنظوم، أي من النثرية، فالوزنُ الخليلي لم يستطع أن ينتشل تلك الأبيات مما هي عليه من نثرية، فليس كلّ قول منظوم شعراً بالضرورة، ثم إن القول العادي -بطبيعته- ذُو احتمال إيحائي واحد، ولعلّ تركيب الشاعرُ اليائسُ من عيشه يمضي كَمَنْ فككتَ أغلاله) هو نتيجةُ وحكمة استخلصها الشاعر من مسيرة حياته، والحكمةُ في هذه الفترة الزمنية من القرن العشرين لم تعد صالحة للتعبير عن حالة تأزم قاسيةٍ، ومن ثم فإن الحكمة لا تمنح المتلقي في معظم الأوقات موقفاً جمالياً من العناصر الموجودة في المحيط ومن التحركات ومن الظروف ومن الظواهر، وهي أقرب إلى الفلسفة الفكرية المجردة التي تعتمد على العقل بشكل جوهري، وعلى أساسيات منطلقة من المقدمات والنتائج وتبتعد عن فلسفة الشعر الفن) التي تعبّر عن موقف انفعالي من ظواهر الحياة.

نضيف إلى ما سبق أن توارد معاني الأفكار الواحدة في النص عبر التراكيب والمفردات المتواترة التكرار قد أسهم في تراجع القدرات الاحتمالية للحالة التي ينشدها النص الفني)، فقد كان بمقدور الشاعر الاكتفاء بذكر مفردة صدري) وحذف مفردة أضلعي) والعكس صحيح، وذلك في تركيب تنساب الآلام في صدري وفي أضلعي).

*التنوع الموسيقي:

في دراستنا للإيقاع الموسيقي وتنويعاته في المدرسة الرومانتيكية سنقوم بالتركيز على التأثير النفسي الذي تقوم به البنية الموسيقية، وعلى مدى استطاعتها نقْلَ الحالة الشعرية إلى عوالم وأجواء أخرى، غير أنه من الأهمية أيضاً أن نشير إلى أن الموسيقى وسيلة هامة في نقل إحساسات الشاعر، ولكنها ليست غاية، وإلا قضَتْ على بقية العناصر التي قام النص الشعري على أساسها، لأن الكثير من التركيبات في الجملة العربية تسير على عروض الخليل، ولكنها -بالنتيجة- ليست شعراً وتظل في إطار القول المنظوم.

أما عن علاقة الإيقاع) بـ الوزن)، فبعضهم يفرّق بين هذين المصطلحين ومنهم الدكتور نعيم اليافي) الذي يرى أن "للوزن صورته الجاهزة العامة الإعلائية في الأذهان ولدى الشعراء، وعلى امتداد العصور. وغير ذلك الإيقاع الذي لا يتكرر وفق نمط معين، بل على العكس يتباين ويأتي بصورٍ لا حصر لها، ويختلف من عصر إلى عصر، ومن شاعر إلى شاعر، ومن قصيدة إلى قصيدة"[20]).

لقد حافظت القصيدة الرومانتيكية العربية في سورية ولبنان على نظام القصيدة العمودية، غير أن هناك شعراء حاولوا تسخير هذه البحور كوسيلةٍ تتماشى مع ظروفهم الاجتماعية والأوضاع المحيطة سياسياً، واجتماعياً، وثقافياً، الخ..) وكان أن اعتمدوا على البحور ذات الوزن الواضح كبحر الخبب فعلن، فعلن، فعلن، فعلن)، وعلى التفعيلات غير الكاملة للبحور الطويلة الكامل، الطويل، البسيط) عبر مجزوءاتها ومنهوكاتها، حيث رأوا أن البحر القديم بتفعيلاته الطويلة لم يعد يلبي طموحهم النفسي والاجتماعي، كما أن بعض النقاد قد وقفوا الموقف ذاته من هذه البحور، واعتبرها آخرون شيئاً دخيلاً على الحياة المعاصرة ومن هؤلاء النقاد صاحب كتاب قضية الشعر الجديد) الأستاذ محمد النويهي) الذي كان موقفه حاداً من بحور الخليل، إذ يقول:

"فالبحر العربي المأثور ذو موسيقى حادة بارزة، شديدة الجهر، عنيفة الوقع على طبلة الأذن"[21])، ويشير النويهي) أيضاً من ناحية أخرى إلى أن "الوزن في الشعر ليس شيئاً زائداً يمكن الاستغناء عنه، وليس مجرد شكل خارجي يكسب الشعر زينة ورونقاً، وطلاوة وحلاوة.[22]).

كما نريد من هذه الدراسة أن نتبين عمل الإيقاع في إظهار المستوى النفسي، فإن ذلك ينطلق من أن "الإيقاع من بين جميع العناصر الجمالية في العمل الأدبي هو أول ما يدخل ميدان الفعل، لأنه كأنما يعطينا إشارة بأن شرارة النشاط التشكيلي قد انطلقتْ، ثم يهيئنا حالاً لموجة معينة"[23]) وعلى مستوى آخر فإن "وظيفة البعد النفسي للإيقاع تكمن في ترجمة المعنى الداخلي، أي من طبيعة عمق الانفعال الذي من شأنه أن يحدد جمال الصورة الشعرية التي تستكمل شروط نموها بتأثير الانفعال على خيال الشاعر"[24]). حيث من البدهي أن يتجلى ظهور الإيقاع في الكلمات ذات التأثير النفسي الانفعالي) العالي لأن، "المصدر العاطفي للإيقاع، أساسُه اختيار الكلمات من حيث كونها تعبر عن قيمة التأثير الذي تحدثه في أذواق المتلقين، ومن أجل ذلك تكون وظيفة الكلمة في مدلولها الإيقاعي، هو إحداث استجابة ذوقية تُمتّع الحواس وتثير الانفعالات"[25]).

لقد انقسم الشعراء الرومانتيكيون في سورية ولبنان إلى فئتين، فئة تخلّت إلى حدّ ما عن النظام الذي سارت عليه بحور الخليل بشكلها الصارم أي استخدام التفعيلات الكاملة التّي ترتكز على موروث بلاغي يحافظ على إيقاع صوتي حاد للمفردة)، وفئة أخرى حافظت على ذلك النظام متأثرة بالمدرسة الإحيائية، إذ عاصر بعض الشعراء المرحلتين الرومانتيكية والحديثة في الشعر وظلوا محافظين بشكل كبير على لغة المدرسة الإحيائية، لهذا فمن الصعب إدراجهم في قائمة الشعراء الرومانتيكيين، وأخذت الموسيقى عندهم -بشكل عام- تتجه إلى كونها غاية وليست وسيلة.

نستهل دراستنا عن الموسيقا بالوقوف عند الشاعر عبد الباسط الصوفي)، فـ "قليلاً ما يستعمل عبد الباسط البحور الرباعية التفاعيل كالطويل والبسيط، وإنما يعمد على الأغلب إلى استعمال ما كان منها ثلاثي التفعيلات، ويميل إلى المجزوء منها اغناء للزخم الموسيقي”[26])، وهو يميل في القصيدة الواحدة إلى التنويع في القوافي وإلى الحفاظ على حالة التداعي الكتابة الميكانيكية الآلية)، وبذلك يستخدم الوزن على أساس سليم كوسيلة جيدة للتعبير عن الحالة.

إن شعر عبد الباسط الصوفي "لا يمثل النزعة الغنائية بمعناها الرومانسي المتعارف عليه، وإنما يمثل هذه النزعة الغنائية بمعناها الحقيقي، وهو صلاحيته للغناء بحناجر المغنين وأصواتهم"[27])، وهذا لا يعني بالضرورة أن إظهار البناء النفسي -الذي تقوم به الموسيقا- مضمحلّ، بل إن الإيقاع عند الشاعر يساعد على إظهار المستوى الدرامي أيضاً.

من قصيدة نشيد) اخترنا الأبيات التالية:[28])

الريحُ سكرى، يا حبيبُ، فهل أنام على الدروبِ

وعلى الجبين أناملي، كالنار، راعفة اللهيب

وتنهّدْتْ شكوى.. وغار الليل في الصوت الرطيب

                       ***

هذيانُ هدبي.. والفراغُ يموج بالصورِ الغريبهْ

والأفق يطويه الجناح، وللصدى دُنيا رحيبهْ

وفمي على الشَفقِ الخضيبِ، يذوبُ ألحاناً خضيبهْ

                       ***

ينطوي النص على المغترب المعذب) الذي يعاني الكثير من السوداوية والضياع أيضاً، والنص من مجزوء الكامل متفاعلن متفاعلن، متفاعلن متفاعلن) وقد تمّ استخدام جوازات هذا البحر متفاعلن، متْفاعلاتن، مُتفاعلاتن) كما أن القافية قد اختلفت في الأبيات الثلاثة الأولى عنها في الأبيات الثلاثة التالية، وإضافة إلى الوزن الخليلي) الذي تنتمي إليه الأبيات، نرى أن هناك إيقاعات داخل التفعيلة الواحدة، إما أن تكون ناتجة عن الحروف المشددة أو عن حروف العلة، الخ..، وكلّ ذلك يؤدي بالمتلقي إلى أن يشعر أن هناك ضغطاً ما على حرف معين استوجب ظهور فاصل زمني أو وقف فترة صمت) بين حرف وآخر، فالريح سكـ) وتقطيعُها /ْ/ْ//ْ)، فضلاً عن أنها ذات وزن عروضي متْفاعلن)، فإن الضغط على الراء) في لفظة الريح) عبر إلحاقها بالياء حرف العلة)، قد شكّلَ فاصلاً زمنياً وصمتاً، كذلك فإن الألف المقصورة في سكرى) قد عملت على إقامة فاصل زمني بين الريح سكرى) ويا حبيب).

إن الريح) كمفردة يمكن أن تَرِدَ في أي نص شعري أو نثري، فمِنْ أين تنبع خصوصيتها في النص؟

إن الريح) تتناغم مع حبيب، الجبين، الخضيب) وتتناغم هذه المفردات بالنتيجة مع الكلمات المكوّنة للقافية الدروب، اللهيب، الرطيب، الغريبة، رحيبه، خضيبه)، كما أن الألف المقصورة في سكرى، شكوى، الصدى) تنمّ على تشكيل إيقاعي آخر، يفيد إطلاق الحالة إلى مجالات أوسع عبر تكرارها، حيث تؤدي إلى تعميق حالة الضياع والتشتت، فالتركيبات في المقطوعة توحي -في الأصل- بذلك الضياع، وكذلك فإن ورود حرفي النون+ الألف) بصورة متلاحقة في مفردات متعدّدة في النص قد عمل على بناء إيقاع آخر غير الذي رأيناه في مفردات شكوى، سكرى، خضيب، رطيب، الخ..) ومن تلك المفردات التي جاءت فيها النون، الألف) أنام، أناملي، النار، الجناح).

في قصيدة، أخرى للشاعر نديم محمد) من مجزوء الكامل أيضاً نرى اختلافاً كبيراً في موقع الإيقاع عن ذلك الموقع الذي رأيناه في قصيدة عبد الباسط الصوفي)، على الرغم من أن القصيدتين من مجزوء الكامل، يصف نديم محمد) في قصيدته ناعورة) بعد وفاة والده بدقائق، ولكنه -بالنتيجة- يصف ذاته، وهذا ما سنراه في سياق النص[29]):

نغمٌ كريح القبر، يُغثي الروح، أسود كالمنون

رخْوُ السمال، أبحُّ، تمضغه حلاقيمُ السكون

ينهالُ من قلب الظلامِ، صديدَ جرحٍ من قرون

وينوح من ناعورةٍ حمراء، من صدأ السنين

مغروزةٌ، كالبومة الصمّاء، في جرفٍ حزين

تُعلي وتبْسط من جناحيها، كأشرعةِ السفين

ظمأى كشِدق النار، تعزفُ بالحواصلِ والبطون

للوهلة الأولى يظن المرء أن الشاعر يصف ناعورة ما، بيد أننا ندرك بعد قراءة النص -عبر سياق الموقف موت والده)، وعبر السياق الحياتي لنديم محمد- أن الشاعر يصف ذاته المنطوية على الكثير من الاغتراب ومن السوداوية.

النص عروضياً -كما أشرنا- من مجزوء الكامل، وأكثرُ ما يميز استخدام المشتقات الصفات المشبهة باسم الفاعل، وصيغ المبالغة، الخ..) والتي ولّدتْ إيقاعاً يوحي بشدة التأزم أسود، رخو، أبح، صديد، الصماء، حزين، ظمأى، إلخ..) حيث تسيطر هذه المفردات على جواء النص بوقع مميز كما أن الاستخدام المتكرر للمفردات التي تحتوي على حروف المد، وبشكل غزير، قد أسهم في بناء منظومة إيقاعية أخرى كاستخدام حرف المد الواو) في ينوح، ناعورة، مغروزة، البومة، البطون، المنون، السكون، قرون) وتناسب بعض الكلمات إيقاعياً في صدر البيت أو عجزه مع القافية.

إن الذي يلفت الانتباه في النص أيضاً كثرة استخدام المضاف والمضاف إليه، وهذا أيضاً بدوره يؤسّس لوجود إيقاع آخر كما في ريح القبر، رخو السعال، حلاقيم السكون، قلْب الظلام، صدأ السنين، أشرعةِ السفين، شدْقِ النار).

لقد تكاملت كل الأشياء السابقة كي تمنح إيقاعاً واضحاً، ثم إن ذلك الإيقاع قد ترافق بوجود قيم فنية أخرى قائمة -بشكل خاص- على بناء الصورة الشعرية التي اعتمدت على الخلق كما في نغم كريح القبر، رخو السعال، صدأ السنين، مغروزةٌ كالبومة الصماء، ظمآى كشِدق النار، الخ..) فبدتِ الحالة باجتماع الإيقاع والصورة والبناءين الصوتي والنحوي) تُعبّر بوضوح عن مدى الانسحاق الذي أصاب نديم محمد).

 

 

كما شهدت المدرسة الرومانتيكية استخدام المخمّسات في بعض الأحايين كقول هند هارون) في ديوان سارقة المعبد)[30]):

عجيبُ.. وجْدُ أعماقي

 

غريبٌ أمرُ أشواقي

ودمّي.. فيضُ أحداقي

 

تصارعني.. أصارعها

 

وحزني قائمٌ.. باق..

 

تنطوي المقطوعة على المعذب السوداوي) وعلى استمرارية الشقاء والألم عند الشاعرة.

النص من مجزوء الوافر مفاعلتن، مفاعلتن)، والذي يلفت الانتباه أن الشطر الأول من البيت الأول يطابق الشطر الثاني من حيث عدد المفردات والتوزيع الإيقاعي لهذه المفردات أيضاً، هذا يؤدي بالنتيجة إلى تركيبة نحوية واحدة وفق ما يلي:

 

 

الإعراب

التقطيع العروضي

مفردات الشطر الثاني

مفردات الشطر الأول

خبر مقدم

فعولن

عجيبٌ

غريبٌ

مبتدأ مؤخر

فعْلُ

وجْدُ

أمرُ

مضاف إليه

مفعولن

أعماقي

أشواقي

وهذا يعطي بالضرورة إيقاعاً واحداً رتيباً لا يضفي على الحالة أي نوع من أنواع التأزم المتصاعد من جواء إلى أخرى.

في البيت الثاني يلاحظ المرء أن هناك مفردتين في الشطر الأول هما تفعيلتا البحر الوافر أو هما، شكّلتا، وطابقتا، تفعيلتي، مجزوء البحر الوافر تصارعني، مفاعلتن)، أصارعها، مفاعلتن). ولم تؤدّ هاتان الكلمتان وظيفة هامة على صعيد الحالة، فذكر إحدى الكلمتين كافٍ لأن يدلّ على أن هناك حالة صراع تفرض وجود نقيضين، لأن الشاعرة عندما قالت، تصارعني) فهذا يعني بصورة بدهية وجود حالتين متضادتين، وكذلك مفردة، أصارعها) التي تعني الشيء ذاته، وهكذا فإن هناك حالة واحدة في الأصل قبل وجود البنية الموسيقية.

لقد استخدم بعض شعراء العذاب في المدرسة الرومانتيكية الموسيقا كغاية فتراجعت الحالة لديهم تراجعاً ملحوظاً، حيث سنقف في هذا المجال عند قصيدة لـ علي دمر) بعنوان ورقات) يقول فيها:[31])

ورقاتُ جوابكِ بين يدي

تقتات وتنهل من كبدي

في كلّ نهار.. أو ليلٍ

أتلوها في فرح الولدِ

يطويني الحرفُ وأنشرهُ

يشعلني يحرق لي جلّدي

يشربني الحرفُ وأشربهُ

وكلانا بعد الشرْب صدي

يمتاز البحر المتدارك بموسيقاه الخارجية الواضحة، وهذا يعود إلى طبيعة تركيب تفعيلته /ْ/ْ) أو ///ْ) أي حركة +سكون) أو ثلاث حركات+ سكون).

وعلى الرغم من الإيقاع البارز للبحر المتدارك في الأبيات، فإن الموسيقا ذات هدف تزييني محض.

يُعزّز مقولتنا هذه أن الموسيقا -كما أشرنا- مستخدمةٌ كغاية لبناء منظومة لغوية تقوم على انتقاء المفردات وعلى انتقاء عكسها على صعيد المعنى بصورة لا تكترث للحالة أو تكترث لتعميقها، ومن ذلك على سبيل المثال تراكيب يطويني الحرف وأنشرهُ، يشربني الحرف، وأشربُهُ)، حيث لم تُعمّق هذه التراكيب الحالة، بل إن هناك استخداماً غير موظف للبلاغة القديمة في رصد الحالة، كاستخدام الطباق نهار، ليل)، يطوي، ينشر)، الشرب، صدي) وعليه فقد تمّ تسخيرُ الموسيقا لخدمة هذه المكونات البلاغية المكوّنات الشكلانية)، دون الاكتراث لرصد مكوّنات الحالة) ولـ علي دمر) قصائد أخرى يعتمد فيها بشكل كبير على لغة النص الشعري القديم، لذلك فإن موسيقا هذه النصوص تُحال على مرحلة تاريخية اجتماعية سابقة.

إن البيت الأول من النص السابق قد كثف الحالة الشعرية بمجملها، فمِنْ هذا البيت ندرك أن هناك شوقاً إلى أنثى ما، ومنه ندرك أيضاً أن هناك قطيعة مع امرأة ما، ومنه كذلك نستطلع أجواء الحرمان التي يعيشها الشاعر الخ..، أما بقية الأبيات فلم تستطع أن تولّد حالة متصاعدة جوهرية، كما أن الموسيقا في البيت الأولى كانت عاملاً واضحاً في إتمام حالة التكثيف، مما يبرز مقولتنا حول التزيينية التي أصابت الأبيات الأخرى.

من أكثر الشعراء الرومانتيكيين الذين تبرز لديهم البنية الموسيقية كظاهرة جلية في نصوصهم الشعرية، الشاعر عمر أبو ريشة)، حيث نرى الأستاذ سامي الدهان) يقول في كتابه الشعراء الأعلام في سورية) متحدّثاً عن الموسيقا عند أبي ريشة: "هذا هو التركيب الموسيقي في شعر عمر، يزحف به على قواف مختارة وألفاظ مصطفاة فتحسُّ بالأنغام تتساوق، يجر بعضها بعضاً بسلاسل دقيقة من أصوات خفية مهموسة هي سر النجاح في شعر عمر، لذلك كان في بدء حياته الشعرية يصلح منشداً اكثر مما يصلح شعره متلواً مقروءاً -إذا صح التعبير- فيسكر السامع ويطرب لعمر متغنياً بشعره"[32]).

إن عمر أبا ريشة) ينوّع في استخدام البحور الموسيقية التي تعتمد على المجزوءات والبحور ذات الموسيقا الواضحة، كالبحر المتدارك، ومجزوء الوافر، والرمل.

من قصيدة بعنوان ما أوجع) من ديوان غنيت في مأتمي) اخترنا هذه الأبيات[33]):

غصصي، لا تسكر آلامي!

 

صاحٍ وكؤوسي لا تشفي

ما تخجل منهُ أيامي

 

أستعرضُ أيامي، فأرى

أحلامي، تَقْتُل أحلامي

 

فجفوني لا تعرفُ إلا

نقلتُ عليها أقدامي

 

ودروبي لا تذكرُ أني

في الوهج من الشفقِ الدامي

 

صاحٍ وأحبك يا دنيا

مني.. وتثاؤبَ أصنامي!!

 

ما أوجعَ نفرةَ أهوائي

أشرنا في أكثر من موضع إلى أن المعذب) كقيمة جمالية لم يتبلور في شعر أبي ريشة)، تبعاً للحياة الاجتماعية والظروف التي عاش في كنفها الشاعر، بيد أننا نرى بين الفينة والأخرى نصوصاً تحمل طابع العذاب لديه، إلا أن هذا العذاب لا يأتي بالمعنى الذي وقفنا عنده في بداية الدراسة، بل يأتي بمعنى الألم المؤطّر) بفترة زمنية محددة)، وهكذا كان الأمر عليه في النص السابق.

الموسيقا التي جاء بها البحر المتدارك واضحة في الأبيات، ويظهر لنا أن استخدام ياء المتكلم) قد عزّز موسيقا المتدارك باتجاه استعمال الجواز فعلن)، ذلك أن هذه الياء إضافة إلى أنها تُشكل وقفاًْ) فإن لها وقعاً مميزاً أيضاً على المتلقي كؤوسي، غصصي، آلامي، أيامي، جفوني، أحلامي، دروبي، أني، أقدامي، أهوائي، مني، أصنامي)، كذلك فإن استخدام أداة النفي لا) المتكررة، يبسط في الأصل حالة إيقاعية تعمّق نفْيَ الأشياء الجميلة التي يريدها الشاعر عبر سياق النص لا تشفي، لا تسكر، لا تعرف، لا تذكر) حيث توضّح الإيقاع الناتج عن هذه الـ لا) التي أسهمت في خلق فاصل زمني فترة صمت) سيطر على سمع المتلقي.

ويبدو أن ورود حرفين في النص ثانيهما ألف ممدودة) قد عمل على تشكيل إيقاع ذي مستوى واحد من التناغم، كوجود لا) في آلامي)، ووجود يا) في أيامي) ووجود ما) مرتين، وظهور لا) أيضاً في الا) وفي أحلامي) المكرّرة مرتين، وظهور ها) في عليها، ودا) في أقدامي)، وصا) في صاح) ووا) في أهوائي) وثا) في تثاؤب) وأخيراً نا) في أصنامي)، وكلّ ذلك أظهر الجواز فعْلن) على أنه المسيطر على مسيرة النص عروضياً.

المعجم اللغوي

من المفترض أن يختلف المعجم اللغوي عند الشاعر الأصيل[34]) عن باقي لغات الشعراء الآخرين، حيث يؤدي هذا المعجم بالضرورة إلى انفراد ذلك الشاعر بخواص تميزه من أقرانه من الشعراء، وبالتالي لا يمكن لـ أناه) أن تتقاطع مع أنا أولئك الشعراء.

ولعل ذلك المعجم أيضاً يفرض مفردات خاصة بالشاعر الأصيل، لذلك سوف نتوقف عند مفردات المدرسة الشعرية الرومانتيكية كما تجلت عند شعرائها في سورية ولبنان ومدى توظيف تلك المفردات وتطورها الدلالي وكثرة استخدامها عند هذا الشاعر أو ذاك، وما هي المفردات التي يكررها الشاعر خدمة للحالة الشعرية؟ الخ..

يْكثر الشاعر عبد الباسط الصوفي من المفردات التي تدل على العدمية، ومن ثم على القلق الوجودي فناء، ظلمة، محروم، يذوي، أشباح، ادفني، أشلاء، ضاع، القبر، شحوب، السراب، الوهم، الشحوب، لا شيء، سأمضي، دامي)[35])، حيث تنطوي هذه المفردات أيضاً ضمن سياق النص على الغربة والسوداوية.

أما الشاعر علي دمر فينطلق معجمه اللغوي من المفردات التي تدل على الحرمان العاطفي والكبت بصورة رئيسة، ثم تتشعب تلك المفردات لتشمل التعبير عن الموت دُفنتُ، رمس، الموت، الردى، مستحيل، الكبت، نار، نخشى، خائف، الدموع، تخيب، خابت، الشوك، حطاماً، أحرقته، الأرق، السأم ضيّعتَ،، قلق، ففزعتُ، هربتُ، ضللتُ، ذهبت، لهيبه، لاعج)[36]).

لقد وقفنا مطولاً عند المعجم اللغوي للشاعر نديم محمد) عبر مجموعته آلام) ومجموعته فراشات وعناكب)، حيث أشرنا إلى أن شاعرنا يستخدم المفردات ذات البناء الصوتي الحاد والقاسي، والتي تتماشى مع التراجعات الحادة والقاسية على عدة صُعدٍ الانتكاسات الاجتماعية، المرض، القطيعة مع الواقع) كما في أبحُّ، تمضغه، حلاقيم، ينهال، صديد، شدق، مكشّرة، ملاغم، المحموم، أمرٌّ، تنفث، تلتهمه، تُرِعهْ، اخنق، أهوي، أمزّقْها، أزج، أكابد، أنين، مصها، انهرّتْ، عجاف، مرير، ساحق، تدبُّ، صفعة، تكوي، المسعور، جرداء، الكسيح، ينشب، قطيعة، اجتناب، يدمي، تشهاق، إغماء، وحشة، ذئب، هدرة، ينهش، النيوب، تفحُّ، أعصر، المهدور، تصعير، انسفاح، الصقيع، يزأرن)[37]).

كذلك فإن بعض المفردات عند الشاعر نديم محمد) تتلازم مع الحرمان العاطفي، حيث استعرضنا سابقاً رمز المرأة عنده، وماذا تعني بالنسبة له؟

كما أن عبد السلام عيون السود) يُشابه إلى حد ما الشاعر نديم محمد) في مجال استخدام المفردات القاسية، بيد أن عيون السود) يعتمد على المفردات التي تقترن عادة بالنار وبالغليان وبالضياع، ومن ثم تأتي مفردات السراب والليل كما في الظلام، تفور، اضطراب، سعير، الجحيم، ضئيل، السراب، أغفى، الضياع، التيه، يسفح، نغيب، الظماء، ليل، غام، غارت، الريح، طويتُ)[38]).

أما الشاعر صلاح لبكي) فيعتمد على المفردات التي تفضي إلى تعطيل الإرادة والإرهاق ومفردات النار أيضاً، كما في تعب، ينوح، يبكي، سأمّ، كآبات، أرهق، نتلظى، الوقيد، الضرام، الويل، أغمض)[39]).

كما أن مفردات العذاب واليأس والشكوى ترد بكثرة عند الشاعرة هند هارون) في ديوانها سارقة المعبد، وتشتد وطأة هذه المفردات حدة على الصعيد الصوتي بعد وفاة ابنها عمار وذلك في ديوان عمار في ضمير الأمومة) الذي لا يدخل زمنياً حيز دراستنا، ومن مفردات الشاعرة في الديوان الأول نجد عذابي، بأس، جرح، ينزف، الأسى، الدمع، حزني، أوهَنُ، الغريق، خاو، الغدر، أكفان، بكاء، الهم، ذبول، كليلاً، حطام، آهة)[40]).

ولعل مفردات الشاعر عمر أبي ريشة ترتبط بالاغتراب وبالمرأة من قريب أو من بعيد ويستخدم أيضاً المفردات التي تعتمد على العناصر الموجودة في الطبيعة، وارتباط هذه العناصر بالأنثى ومن مفرداته نرى الغيمة، نجمة، اهوائي، غصص، الشموع، الفتون، غربتي، ألقاك، الحب، غرباء، الشوق، الألم، موعد، غوايات، اشتهت، لا تخجلي، سكران، موسم، الورد، جوع، حرمان)[41]).

ثم يأتي الشاعر وصفي القرنفلي) بمفردات تصبّ أولاً وأخيراً في خانة الموت والفناء، ومن هذه المفردات اليأس، أفرغتُ، أنقاض، ميت، القفار، الألم، رماد، الموت، الصحراء، قتلَ، الدجى، الظلام)[42]).

لقد تغيرت وتطورت الكلمة دلالياً في المدرسة الرومانتيكية، ومن ثم فإنها ساعدت على إقامة انزياح هام بفعل الصورة الشعرية التي تتضمن حقلين دلاليين، وضمن الصورة المركّبة من عدة صور جزئية، ثم إن بعض المفردات حافظت على طابعها الموجود في المدرسة الإحيائية في الشعر، حيث بقيت داخل الاحتمالات المحدودة التي تحملها الصورة الشعرية في هذه المدرسة، ولعل الصورة في المدرسة الرومانتيكية قد مهدّت لظهور صورة شعرية في مدرسة الحداثة، تعتمد على الكلمة بطاقاتها الإيحائية الكبيرة عبر الرمز والتطور الدلالي للمفردة).

 



[1]) جفرسون، آن- روبي، ديفد 1992 النظرية الأدبية الحديثة تر: سمير مسعود -وزارة الثقافة- دمشق ص 144، القول لـ ويمساط) من كتابه الأيقونة اللفظية غير مترجم إلى العربية)

[2]) سويف، مصطفى، الأسس النفسية في الإبداع الفني، ص 185

[3]) فينو غرادوف، مشكلات الشكل والمضمون، ص 130

[4]) الشريف، جلال فاروق، الرومانتيكية في الشعر العربي المعاصر في سورية، ص 57

[5]) تادييه، جان إيف، النقد في القرن العشرين، ص 281، القول مأخوذ عن بول فاليري).

[6]) ناظم، حسن 1994، مفاهيم الشعرية ط1 المركز الثقافي العربي بيروت -الدار البيضاء، المغرب، ص 69.

[7]) شولز، روبرت، 1984، البنيوية في الأدب تر: حنا عبود اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص 192.

[8]) عزام، محمد، 1989، الأسلوبية منهجاً، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق، ص 110.

[9]) خرابتشنكو، ميخائيل، ذات الكاتب الإبداعية ص 168.

[10]) حسن، عبد الكريم 1990 المنهج الموضوعي ط1 المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت ص 163.

[11]) عيون السود، عبد السلام، آثار عبد السلام عيون السود، ص 81

[12]) الناعم، عبد الكريم، الموقف الأدبي، ع 10-11 ص 58.

[13]) المرجع السابق، ص 58.

[14]) القرنفلي، وصفي، ديوان وراء السراب، ص 44

[15]) اسكاف، ممدوح، عبد الباسط الصوفي، ص 225.

[16]) لبكي، صلاح، الآثار الكاملة، ص 16.

[17]) عيون السود، عبدالسلام، الآثار، ص 41

[18]) دمر، علي، غيبوبة الحب ص70-71

[19]) لبكي، صلاح، المجموعة الكاملة، ص45

[20]) اليافي، نعيم، الشعر العربي الحديث ص163

[21]) النويهي، محمد، قضية الشعر العربي ص94

[22]) المرجع السابق، ص38

[23]) غاتشف، غيورغي /الوعي والفن/ عالم المعرفة/ ع146 ص65

[24]) فيدوح، عبد القادر، الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، ص461

[25]) المرجع السابق ص448

[26]) اسكاف، ممدوح، عبد الباسط الصوفي، ص211

[27]) المرجع السابق ص72

[28]) الصوفي، عبد الباسط، الأثار/ ص47.

[29]) محمد، نديم، فراشات وعناكب، ص91.

[30]) هارون، هند، ديوان سارقة المعبد ص116

[31]) دمر، علي، ديوان غيبوبة الحب، ص38.

[32]) الدهان، سامي، الشعراء الأعلام في سورية ص324

[33]) أبو ريشة، عمر، ديوان غنيت في مأتمي ص63-64.

[34]) لا تعني الأصالة هنا ذلك المفهوم السائد الذي يربط كلمة أصيل) بكل ما هو قديم في التراث، بل نعني بالأصالة الانطلاق من حامل اجتماعي متين ومعاصر للشاعر، وتفجير طاقات فكرية وروحية في التراث بصورة جديدة.

[35]) انظر آثار عبد الباسط الصوفي ص5-7-20-28-29-30-31

[36]) انظر علي دمر ديوان حنين الليالي) ص19- وغيبوبة الحب) ص30-79-80-84-85-89-90

[37]) انظر نديم محمد ديوان فراشات وعناكب) ص34-91 وديوان آلام) ص13-34-36-41-43-44-53-54-58-61-59-85

[38]) انظر آثار عبد السلام عيون السود ص33-41-45-58-77-78-81

[39]) انظر صلاح لبكي الأعمال الكاملة ص16-74-123-257-258

[40]) انظر هند هارون ديوان سارقة المعبد ص40-41-146-158-187-188-224-237

[41]) انظر ديوان عمر أبي ريشة غنيت في مأتمي) ص46-63-64-67-68-69-127-128 وديوان من وحي المرأة) ص89-117-118-149

وديوان من عمر أبي ريشة) ص24-45

[42]) انظر ديوان القرنفلي، وراء السراب) ص43-44-211

/html>
 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244