" المعذب " في الشعر العربي الحديث فـي سوريا ولبنان من عام 1945 إلى عام 1985 - ماجد قاروط

دراسات جمالية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

الفصل الأول

تجليات المعذب في شعر الحداثة‏

لقد تمثّل الحامل الطبقي لشعر الحداثة بالبرجوازية الصغيرة، حيث تعرّضَ أفراد هذه الطبقة للكثير من الأزمات والإحباطات على غير صعيد، ومن تلك الأزمات نكبة فلسطين. ومجموعة الاستقلالات المزورة ، والانقلابات العسكرية الديكتاتورية التي تبعتها، وما سببتْه من عدم استتباب الأمن لشرائح المجتمع قاطبة. مضافاً إلى ذلك كله المعاهدات والأحلاف الاستعمارية في المنطقة، كحلف بغداد ونظرية الفراغ، ووضع الحكومات الجديدة المتعاملة مع الاستعمار، والمتآمرة على شعوبها في سورية ولبنان والأردن والعراق، مع ما خلفه هذا الوضع من شعور بالخجل، وإحساس باليأس والضياع، وسط زحام الآمال العريضة عند شريحة البرجوازية الصغيرة، التي أدركت، وهي المأزومة من جرّاء الوضع الجديد، أنها صاحبة المصلحة الحقيقية في تغيير أنماط العلاقات السائدة، وإحداث بدائل لكل المعوقات المنتشرة على أرض الواقع، وسط الاهتزاز العام الذي يحكم بنية المجتمع حينئذ.(1)

نتيجة لكل ذلك بدأت الأحلام التي يحملها بعض أفراد هذه الطبقة بالسقوط الحاد، وانتابهم شعور بسوداوية المستقبل وعدميته، وقد جاء شعر الحداثة شكلاً من أشكال التعبير عن تلك المشاعر القاتمة، فتناسبت اختراقات هذا الشعر على صعيدي الشكل والمضمون) مع التغيرات المذهلة والسريعة التي شهدها القرن العشرون علمياً وسياسياً واجتماعياً.‏

إن الانكسارات الحادة والتغيرات المذهلة التي شهدها الفرد، أسهمت في بلورة نموذج /المعذب/ بشكل واضح في شعر الحداثة، حيث عاش الشاعر /المعذب/ في أجواء وعوالم أكثر شمولية من شعراء المرحلتين الإحيائية والرومانتيكية، وكلّ ذلك انطلاقاً من تأزمه النفسي العميق الذي سبّبه تفكيره المرعب بواقعه الأليم، فبدا أن "أيديولوجيا الشاعر الحديث تنبع أساساً من إحساسه الذاتي بالقضايا الكيانية الكبرى، لذلك فهو لا ينحصر في أطر سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية وإنما يكتسب أيديولوجيته في الإطار الحضاري الشامل لمأساة الإنسان"(2) .‏

لقد امتلكت البرجوازية الصغيرة عبر تاريخها وعبر نسقها الفكري مؤهلات جيدة ومرتعاً خصباً كي تجعل من أفرادها معذّبين، لا سيما أولئك الذين يملكون حساسية مفرطة تجاه ما يحدث على أرض الواقع، فـ "الأسس الأربعة المكوّنة لأهم مرتكزات النسق الفكري البرجوازي الصغير، وهي الانتقائية، واحتقار النظرية، والتذبذب، والدعوة إلى التقنية، تساعد أبداً على استمرار الخلط الفكري، ومن ثم فإن البرجوازية الصغيرة على الصعيد الفكري تبقى أسيرة محورين رئيسين، وهما السقوط من ناحية والانتظار من ناحية ثانية: السقوط وهو العجز عن تكوين نظريتها الخاصة، وهذا شيء موضوعي، ثم انتظار من يمدّها، من البرجوازية أو الطبقة العاملة، بما يلائمها كحل خاص بها"(3) .‏

ولا بد من القول بعد هذه الوقفة: إن التوتر والألم في الشعر العربي الحديث عامة وفي الشعر العربي الحديث في سورية ولبنان خاصة ظواهر أصيلة، تستند إلى حامل اجتماعي أصيل أيضاً، لذا فإن "هذا التوتر أو الانخلاع الذي أخذ يعيشه الشاعر المعاصر، إلى حدٍ بات من الممكن عنده القول بأن القصيدة المعاصرة هي قصيدة الأزمة، أو قصيدة الإشكال، هذا التوتر وهذا التأزم، لا يمكن القول بأنهما مستوردان من الغرب، كما زعم بعض أعداء الشعر المعاصر، بل هو انعكاس لأم صميمي بين أفراد الجنس البشري بعامة، وهو في الوقت نفسه نتاجَ الذعر الذي يثيره واقعنا الاجتماعي الخاص، وواقعنا التاريخي المهزوم، هذا الواقع الذي أخذنا نعيه بشيء من العمق نتيجة لانتشار المدارس والجامعات والصحافة ووسائل الإعلام والكتب وسواها من أدوات التوعية"(4) .‏

ولهذا فإن استشراف المستقبل يكون عادة قاتماً عند شاعر الحداثة، فهذا المستقبل -كزمن نفسي- سيأتي بالكوارث والويلات وبمزيد من الرعب والأسى ولذا "أخذ الشاعر المعاصر يعيش خواء العدم وسقم الوجود، وأصبحت الوظيفة الأساسية للشعر تجسيد المتعارضات، والبذرة التي تطلعه هي الانشراخ، انشراخ الوجود إلى ناف ومنفي، وانشراخ الكينونة إلى حضور وغياب يضرب الحصار حول أسوار الروح الذي لايمتاز بأي حصانة إزاء القلق، وراحت المأساوية تنكشف في هذا الشعر الأصيل، مضاعفةً مأسوية وجودية وتاريخية ولا سيما لدى السياب) والحاوي) وهيمن إحساس الموت على الأول هيمنة قلّ نظيرها في هذه الآونة، بينما هيمن وجدان الخيبة على الثاني(5) .‏

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الشاعر العراقي بدر شاكر السياب) من أكثر الشعراء العرب الذين تبلور في شعرهم نموذج المعذب).‏

لقد كان السياب غريباً في المدينة وهو ابن الريف، إنها تقوم باضطهاده سياسياً وتجعله تابعاً مهاناً، وتضطهده اجتماعياً لأنها تجعل منه عبداً محروماً، ويبدو أن تجربة الحزب الشيوعي قد جعلت بدراً مضطهداً ومشرّداً، ولكنها حوّلتْ إحساسه الفردي إلى شعور بفاجعة المجتمع وتوسعت دائرة الإحساس بالموت لديه، إذ كان الموت فيما سبق موته وموت أمه أما فيما بعد، فقد أصبح الموت موت الآخرين عامة، لهذا فإن ردة فعله الواضحة على قبح الظروف الموضوعية والاجتماعية هي العودة إلى الماضي إلى جيكور)، وإلى أمه الحضن الأول، كحالة من حالات البحث عن الحرية المفقودة، وكذلك البحث عن صورة مثلى للتوازن النفسي.‏

ففي قصيدة أفياء جيكور) تصويراً لكل ما هو جميل في الماضي الذي يعادل قُبْحَ الحاضر:(6)

نافورة من ظلال، من أزاهير‏

ومن عصافير..‏

جيكور، جيكور، يا حقلاً من النور‏

يا جدولاً من فراشات نطاردها‏

في الليل، في عالم الأحلام والقمر‏

ينشرن أجنحة أندى من المطرِ‏

في أول الصيف‏

يا باب الأساطير‏

يا باب ميلادنا الموصول بالرحم‏

من أين جئناكِ، من أي المقادير؟‏

من أيّما ظُلَمٍ..؟‏

وأي أزمنة في الليل سرناها‏

حتى أتيناكِ.. أقبلنا من العدم..؟‏

أم من حياة نسيناها‏

جيكور مسّي جبيني فهو ملتهبٌ‏

مسّيه بالسعف‏

والسنبل الترف‏

مدّي علي الظلال السمر، تنسحب‏

ليلاً، فتخفي هجيري في حناياها‏

يعرض النص لصورتين متناقضتين، حيث تجسد الصورة الأولى الماضي الطفولة، ساحات جيكور) بكل تفاصيله الجميلة التي تفضي إلى الحميمية التي يفتقدها الشاعر الآن في ظل الظروف الموجودة، فالفراشات والأزاهير والعصافير والأحلام والقمر على صلة وثيقة بجيكور المنبع الرئيسي لحالة التوازن، وحالة البحث عن الذات.‏

أما الصورة الثانية فهي صورة الحاضر الذي يقف حائلاً دون تحقيق رغبات الذات ظلم، العدم، ملتهب، هجيري) لهذا فإن الحنين إلى الماضي هو حنين إلى الحرية، ولذلك فإن الرجوع إلى جيكور وتصوير الأماكن والعناصر بشكل جميل، آتٍ لردم الهوة التي نتجتْ عن الواقع.‏

إن جيكور كما يعرضها النص أصبحت تاريخاً، بيد أنه تاريخ ممتلئ بأشكال الحياة الجميلة، ومن ثم فإنه من الطبيعي أن يُسقط هذا التاريخ على الحاضر الممتلئ بأشكال الحياة القبيحة، وبالضرورة فإن هذا الإسقاط هو اسقاط لأشكال الحرية على أشكال القيد المتمثّله بالاضطهاد والاستلاب وتغييب الذات الحقيقية عن ساحة الفعل الحر.‏

إن الظواهر السلبية التي عاناها السياب في المدينة كالاضطهاد والاستلاب، قد أظهرت في النص تجليات متعددة للمعذب، كالمغترب، والعدمي، وما ينطوي تحت تلك التجليات من حالات الضياع والقلق، حيث شكّلت المفردة في النص رمزاً يوحي بتلك الحالات، فـ الهجير، الظلم، العدم) هي معطيات الواقع، ذلك أن الهجير) والظلم) تكثيف للصراع الداخلي لدى الشاعر من جهة، والناتج من جهة أخرى عن صراع مع قيم المجتمع.‏

لقد كانت عودة السياب إلى الماضي من حالات الحلم) التي لجأ إليها شعراء الحداثة عامة والمعذبون منهم خاصة، فالشاعر المعذّب يميل إلى الحلم بدرجة كبيرة لأن الهوة بينه وبين الواقع عميقة وكبيرة، حيث اقتربت لغة الشاعر الحديث من اللغة السوريالية التي تمجّد عمل الحلم، والتي تعتمد على إخراج مكنونات اللاشعور في حالة من التداعي الحر.‏

وتجدر الإشارة إلى أن اللغة السوريالية تقترب من اللغة الصوفية، لأن المنهج /المعرفي لكليهما واحد، ولعل السوريالية تقول في مسألة اللاشعور وعلاقته بالشاعر "إن روح الشاعر في ماهيتها اختلاطً دون ترتيب، تعصف فيه المشاعر والعواصف والأشواق، والرغبات التي تتجلى في الضوضاء والتشويش والمجانية، ترجمانها الكلام أو الكتابة بقالب منطقي عريق في القدم يجب أن يُحطّم ويعاد إلى عناصره البسيطة المكوّنة من الألفاظ التي تستطيع وحدها، أن تعبّر بأمانة، عن الرعشة الشعرية في كمالها"(7) .‏

إن المدرسة السوريالية في نشأتها تقترن بالعذاب والمعذبين، لأن معتنقيها قد شعروا في فترة ما بين الحربين أن الإنسان فاقدٌ لقيمته، لهذا فقد جاء الحلم العالم المثالي) من أبرز معطيات السوريالية باعتمادها على اللاشعور، وبالتالي اعتمادها على نظريات فرويد) في هذا الخصوص، ومن هنا يلعب الحلم وظيفة نفسية هامة فهو "كما تفحّصه العلماء باختبارات متعددة، قد وجد ليكون ضرورة كاملة للإنسان، إنه يحافظ على حياتنا النفسية حية في جو مميز، ولا يؤدي بالحياة إلى الانحراف ولا يتعرّضُ لضغوط المجتمع"(8) .‏

وهذا لا يعني مطلقاً أن السوريالية- حينما تطرح أشخاصاً على درجة كبيرة من العذاب ذات منحى مغرق في الذاتية بارتكازها على اللاشعور الفردي، بل إنها ترفض "رفضاً مطلقاً أن تسجن نفسها داخل حدود الذاتية، ذلك أن مبدأها ذاته يفرض عليها أن تبحث عن التأليف الفاعل بين الذاتي والموضوعي، فليست مثالية ولا فكرية، وإن ارتبطت بالإخفائية فلا يمكنها في الوقت نفسه أن تتجاهل وزن المادة والحياة الاجتماعية ويقوم دورها الأساسي على العكس، على مقابلتها فعلياً والبحث عن السبل التي تتواصل بها الذاتية المفرطة بالموضوعية الأكثر إغراقاً في المحسوس"(9) .‏

مما سبق سوف نعتمد في دراستنا للشعر الحديث في سوريا ولبنان انطلاقاً من الظاهرة المدروسة)- على الحالة النفسية أيضاً للشاعر عبر تجلّيها في لغة النص، وفي السياق الاجتماعي للشاعر.‏

لقد تجاوزت دراسات علم النفس النظرة التي تقول: إن الفنان شخص عصابي، وأصبحت تلك النظرة حالةً سابقة لأخرى لاحقة تقوم بدراسة العمل الفني من جوانب أخرى، ففيما مضى/ صرّح غوته أن الفن ينبع من المرض، وأنه نوع من الاحتجام، وحوّل شوبنهاور) هذا الرأي إلى النص على آلام الفنان، وأضاف إليه نيتشه تعديلاً يقول إن الفن ليس /فحسب نتاج المرض، ولكنه تسجيل له، وإن كلّ فلسفة اعتراف أو "نوع لا إرادي لا واع من الترجمة الذاتية". أما ماكس نورداو) فقد أشاع المبدأ القائل بأن العبقرية نوع من المرض العصبي في كتابه الانحطاط) degenration وحديثاً أكثر توماس مان) من القول بأن الفن ينتج من المرض والاضطراب العصبي، مثلما تنتج اللؤلؤة من الصدفة"(10) .‏

1-النموذج المغترب:‏

"الاغتراب أشد العواطف عمقاً في الشعر، وما زال الإحساس الأولي بالاغتراب مبثوثاً، بهذا الشكل أو ذاك، في شعرنا الحديث والمعاصر، وبالتالي فإن الثنائية الضدية: الاغتراب- الألفة، خلقت وتراً شعرياً عميق النبرة والنغم"(11) ، وقد أشرنا فيما سبق إلى أن الاغتراب يُبرز الجانب القيمي على اختلاف أنواعه الاغتراب الاجتماعي، والاغتراب الروحي، والاغتراب المكاني الخ..) ويمكن لنا أن نقف عند سمات المغترب المعذب) وأشكال اغترابه في قصيدة الحداثة وفق ما يلي:‏

أ-الاغتراب عن المدينة:‏

إن "من أولى السمات التي أكّدها الشعراء بالنسبة إلى المدينة، ولعلها الأهم سمة التدمير التي تمارسها على قاطنيها وعلى الوافدين إليها"(12) ، ذلك أن نظرتهم إلى المدينة تأخذ طابعاً سلبياً في كثير من الأوقات، إذ تذوب إنسانية المرء وتتلاشى في خضم العلاقات الاجتماعية السلبية.‏

لقد ارتبطت غربة محمد الماغوط) عن المدينة بالحزن، بل إن الحزن سمة رئيسة في قصائد الشاعر، حيث راح الماغوط) يبحث عن عالم أكثر اطمئناناً واستقراراً من جواء المدينة، يقول في قصيدة رسالة إلى القرية)(13) :‏

في المساء يا أبي‏

مساءِ دمشق البارد والموحش كأعماق المحيطات‏

حيث هذا يبحث عن حانة‏

وذاك عن مأوى‏

أبحث أنا عن كلمة)‏

عن حرف أضعُهُ إزاء حرف‏

مثل قط عجوز‏

يثب من جدار إلى جدار في قرية مهدّمة‏

ويموء بحثاً عن قطّته‏

ولكنْ.. أوتظنني سعيداً يا أبي؟‏

أبداً‏

لقد حاولتُ مراراً وتكراراً‏

أن أنفض هذا القلم من الحبر‏

كما يُنفَض الخنجر من الدم‏

وأرحل عن هذه المدينة‏

ولو على صهوة جدار‏

ولكنني فشلت‏

إن المكان المتمثّل بالمدينة مصدر للوحشة وللبرودة، حيث الوحشة والبرودة عنصران سلبيان اقترنا بذلك المكان، بل هما عنصران نفسيان معنويان أكثر منهما عنصرين ملموسين يمكن إدراكهما بالحواس) وهما ناتجان عن بناء غير متوازن في المحيط، لذا فإن الاغتراب هو النتيجة التي آل إليها الماغوط) بعد أن فقد ثقته بإعادة تكوين ما تهدّم في الواقع المدينة)، ومن ثم راح الشاعر يعرض في النص لأفعال تنم على أنه يفتقد عالماً آخر غير عالمه الحالي أبحث أنا عن كلمة، عن حرف أضعه إزاء حرف)، غير أن هذا البحث في ذاته مشوّه، ويوطّد العزلة داخل المدينة وعن المدينة، فهو يبحث عن مراده مثل قط عجوز، يثب من جدار إلى جدار في قرية مهدمة).‏

ولعل المرء يدرك مقدار الصعوبة في عملية البحث، لأن الماغوط قد وضع أمامه حواجز مريرة وصعبة في تحرّكه عبر تشبيهه لذاته بـ قط عجوز) وعبر تهديم القرية)، مما يُضعف الأمل بالوصول إلى حالة مشرقة ومنفتحة على الواقع أيضاً.‏

ارتبطت عزلة الماغوط واغترابه في النص بالحزن، من خلال حواره مع شخصية أخرى، أرادها هنا أن تكون والده، الذي يشكل متكأً تتواصل عبره معطيات الحالة ومفتاحاً للنص، فتساءل الشاعر أوتظنني سعيداً يا أبي؟) ويأتي الجواب بالنفي القاطع أبداً).‏

ويعاود الشاعر الحديث عن محاولاته المتكررة للخروج من ضيق المدينة وسطوتها عليه، والتحرر من العوائق الكثيرة المضنية، لقد حاولتُ مراراً وتكراراً، أن أنفضَ هذا القلم من الحبر، كما يْنفض الخنجر من الدم، وأرحل عن هذه المدينة)، بيد أن العجز تجذّر مع تراكم الزمن وتراكم الإحباطات، وامتزج شعوره بالعجز وبالسخرية المُرة.‏

لقد أراد الماغوط) أن يرحل ولو على صهوة الجدار)، إلا أن المدينة مكان مهدّم ومدمر، استسلم الشاعر لمعطياته ولتكوينه، فأعلن انسحاقه في نهاية المطاف ولكنني فشلت)، ويبدو أن هناك أيضاً موانع متأصلة في ذاته جعلته عاجزاً عن الرحيل أو حتى التفكير به، لأن الرحيل) عن المدينة، هو أيضاً رحيل معنوي عن العلاقات السلبية والظروف الموضوعية وليس رحيلاً جسدياً حركياً، وما الوحشة والبرودة في مطلع النص إلا شعور خفي بتعطيل الإرادة عن فكرة الرحيل، التي لم تتكلل بالنجاح في نهاية النص.‏

إن السياق العام للنص يربط بين البرودة من جهة، وبين تعطيل الحركة والصراع والخروج من دائرة المدينة المليئة بالمفاسد من جهة أخرى، وهكذا فإن اغتراب الماغوط) عن المدينة هو اغترابُ معذّب)، لاقترانه بالسكونية، فالواقع قبيح غير أن الشاعر لا يستطيع تغيير هذا القبح، بل اكتفى بتصويره، ومن ثم أعلن فشله في النهاية، وكذلك كان شأن المدينة في معظم قصائد الماغوط(14) حيث يعبّر عن استيائه من المدينة بشكل عام، الأمر الذي تسبّب له بالعزلة والاغتراب.‏

أما الشاعر علي كنعان) فإنه يصرّح بالسلبيات التي تجعله مغترباً عن المدينة، حيث يقول في قصيدة دمعة للزنابق الميتة)(15) :‏

لأنني أعيش في مجرى وحول هذه المدينة‏

لأنني أرضعُ في مستنقع السمّ‏

لدى أرخص ما فيها من البغايا‏

لأنني أنوسُ بين رغوةِ السطح‏

وأدران الحضيضْ‏

لأنني أقطع من جبيني‏

أريكة، ومن ضلوعي سُلّماً‏

ترقى عليه جوقة اللصوص والغلمان‏

والسماسره‏

لأنني سبيكةٌ معاصرهْ‏

يختلط المجرم بالشهود بالخنجر بالقضاة‏

فيها، بدم الضحية‏

لأنني دمٌ مريض وقناع مستعارْ‏

أعرف كيف يصدأ اللؤلؤ في المحارْ‏

كيف يموت الطفل في جراب أمهِ‏

مختنقاً بالحمأ الناضح من أبيه‏

وكيف يجتاح السخام‏

هذه الزنابق البيضاءَ‏

في قلوبنا البيضاء‏

يتكلم الشاعر بلسان حال الزنبق أحد رموز الجمال والعطاء والنقاء، لأن هذا الرمز يواجه آفات المدينة بجميع معطياتها السلبية، إنه الخير في مواجهة الشرور والمفاسد، ولذا فإن رؤية الشاعر عبر هذا الرمز الذي تدنّسه المدينة مفعمة بالاغتراب عن سلبيات مجتمع المدينة، إذ لا مكان للنقاء في مستنقع السم) وعند البغايا) وعند جوقة اللصوص).‏

ولعل مستنقع السم، والبغايا، وجوقة اللصوص، والمجرمين، والقضاة، والقناع المستعار) هي العناصر التي تسم الواقع بالقبح، لأنها عناصر ذات أفعال سلبية، لهذا فإنّه من الضروري أن يغترب الشاعر عن ذلك القبح.‏

يبدأ النص بوحول المدينة) وينتهي بصوت الزنابق البيضاء)، والبدايةُ والنهاية تشكّلان عامل اغتراب قسري على حد سواء، فليستْ وحول المدينة -في الحقيقة- سوى العناصر التي وقفنا عندها سابقاً مستنقع السم، البغايا، الخ..)، وليس موت الزنابق إلا نتيجة لتحرّك العناصر السابقة على أرض الواقع وقيامها بأفعال قبيحة، فاعترافُ علي كنعان) على لسانِ الزنابق بأن المدينة بقعة من الوحل وأنها عامل من عوامل موت الطهارة الزنابق) يشير بالضرورة إلى اغترابه عنها وإلى عذاباته الناتجة عن تلك الصورة التي يعيش مفرداتها في المدينة.‏

إن تراكم الأخلاق المتردّية وتعاظمها في المجتمع، جعل المدينة عامل تدمير واغتراب للذات، التي ما زالت تحتفظ بالكثير من النقاء والبراءة والفطرية، حيث تعرَّضَ النقاء -من خلال النص- لانتهاكات قاسية في مجرى العلاقات التي تقوم على الخداع والنفاق، فـ مستنقعُ السمّ، والبغايا، واللصوص، والمجرمين) عناصر تقف ضد توازن الأنا)، بل إنها عامل من عوامل الموت المؤكد، الموت الذي سيأتي نتيجة للاغتراب الحاد يموت الطفل في جراب أمه، يصدأ اللؤلؤ في المحار).‏

إن كل خيّر في مدينة علي كنعان) هذه مغترب، إلا أنه ليس معذباً بالضرورة غير أن الاغتراب في النص يحمل بين جنباته العذاب، لأن الخيّر لم يستطع أن يتفادى وطأة الصورة القاتمة في المحيط، فهو لا يقدر على فعل شيء أمام تفشّي الظواهر المريضة الكثيرة التي يراها هنا وهناك، وهكذا انتهى الأمر إلى تأزم نفسي، تفاقم حتى انتهت إثره العوالم المضيئة والبريئة في آن الطفل، الزنابق).‏

أما الشاعر أنسي الحاج) فإن دائرة الغربة عن المدينة تتسع لديه لتشمل البلاد بأسرها، عبر حوارية بينه وبين تلك البلاد. ولكن هذه الغربة عن البلاد لم تتبلور حتى تدخل حيّز /المعذب/، على الرغم من أن الأجواء العامة لقصائد أنسي الحاج)، توحي بالعذاب وتوحي بتبلور مفهوم /المعذب/ لديه، إذ إننا نرى في تلك الغربة حالةً من الثورة بعض القصائد لديه)(16) ، وخاصة في ديوان لن)، ونرى بين الفينة والأخرى بعض المقطوعات لشعراء آخرين عبّروا فيها عن غربتهم عن المدينة كعبد الكريم الناعم، وخالد محي الدين البرادعي، ومروان خاطر، الخ..‏

ب-الضياع والقلق:‏

تقترن الغربة في ظروف كثيرة بالضياع والتشتت، وهذا الضياع يكون عادةً حاملاً المفهوم، النفسي لهذه الكلمة، لأن خلل المحيط لا يدع مجالاً للاستقرار وللطمأنينة، ويعجز المرء أن يجد حلاً لما يجري، ويظهر بعد ذلك التوتر النفسي والقلق والخوف مجتمعة، إذ يشير القلق إلى حالةٍ من عدم الطمأنينة وعدم الثقة بالمستقبل والخوف من المجهول، حيث تُحرّض هذه العوامل على تعميق مسألة الضياع كظاهرة نفسية.‏

يكتظّ شعر الحداثة بهذه الظاهرة النفسية التي تفرضُ وجودها على المعذب المغترب)، ولا بد من الإشارة إلى مسألة على قدر كبير من الأهمية في دراستنا لهذه الظاهرة، وهي الشعور الذي ينتاب شاعر الحداثة، بأن قيمة الإنسان العربي في الظروف التي رافقت الحرب العالمية الثانية والانتكاسات السياسية المتكرة وتمزق الإنسان جراء هذه المعطيات- قد تضاءلت، بل شعر بعضهم أنها تلاشت، ومن ثم انعكس هذا الأمر على مفهوم المعذب) وتفاوتت درجاته من نص إلى آخر، ومن شاعر إلى آخر.‏

من أولئك الشعراء الذين عبّروا عن الضياع والقلق أدونيس) "فمنذ قصائد أولى) يضفي أدونيس قلقه الذاتي الداخلي على الأشياء القابعة هناك)، أعني في الخارج الذي لا يعبأ كثيراً بأمورنا وعوائدنا. بل وفي وسعك الذهاب إلى أنه يوحّد قلقه الخاص -وهو قلق بشري كوني بقلق الموضوعات، الذي لا يعدو كونه وهماً شعرياً، إلى حد يمكننا معه أن نعدّ أدونيس شاعر القلق بلا منازع في تلك المرحلة"(17)

يقول في قصيدة مرآة الطريق وتاريخ الغصون):(18)

-"من أين أتيت؟"‏

-من أرض الموتى، من أجران الدمع أتيتْ‏

لم أسكن بيتْ..‏

وحينما نزلتُ في مقبرهْ‏

والشمسُ تلتفُّ على كاحلي‏

كالعشبةِ المسكرهْ‏

حملتُ للجوع قرابينهُ‏

"كان دمي أضحيّةً هاجرَتْ‏

إلى غدٍ آخر‏

كانت يدي مجمرهْ"‏

لم تكن أرض الموتى) وأجران الدمع) سوى الجذور التي تأسس عليها وخرج منها القلق، ومن ثم الضياع، ذلك أن تساؤل الافتتاحية من أين أتيت؟) يوحي باحتمالات مكانية للقدوم، بيد أن هذه الاحتمالات لا تصبّ إلا في اتجاه واحد ممتلئ بمظاهر الإحباط وصور الموت، حيث تشكلتْ لدينا حين قرأنا لم أسكن بيت) صورة الضياع والتيه كبداية لعذابات أخرى شديدة.‏

إن البيت) عامل استقرار وطمأنينة ولا بد للقلق الناتج عن عدم الاستقرار من أن يجعلنا نتوقع لا شعورياً أو شعورياً أجواء أخرى مرعبة في النص، وقد تجسدتْ هذه الأجواء في وحينما نزلتُ في مقبرة)، تعميقاً للضياع وللقلق الذي يسم نموذج /المعذب/ في المقطوعة.‏

يُسقط الشاعر الأجواء الأسطورية في النص -والتي تنمّ على تهدم وانكسار- على ساحة الواقع، إذ إن هذه الأجواء في ذاتها تبرز حالة من حالات الاغتراب الحاد أمام سلطة الجوع) بالمفهوم النفسي العميق للكلمة، حيث يمهّد الشاعر لهذا الجوع) بفترة من فترات الضياع أيضاً، حين تصبح الشمس) مصدر قلق وتيه كالعشبة المسكرة).‏

إن هذا التمهيد يُعزّز الجوع في حملتُ للجوع قرابينه)، فـ الجوع) في النص يفرض احتمالات عديدة ضمن السياق الفراغ النفسي، والضياع، والقلق، والاغتراب، الخ..)، ثم يقوم تركيب كان دمي أضحية هاجرت إلى غدّ آخر) بتأكيد تلك الاحتمالات بما فيها الضياع، ومن ثم الاغتراب حتى عن الزمن، الذي يُشكّل في النص أيضاً زمناً نفسياً غدٍ آخر).‏

ولعل المرء يدرك مدى الخيبة في تحقيق التوازن وإعادة الاستقرار في نهاية المقطوعة بدءاً من حملت للجوع قرابينه)، ثم إن إطار الحدث الذي تجري فيه الأحداث والأفعال ذات الأجواء الأسطورية هو المقبرة)، لذا فإن تلك الأحداث ستكون مشوّهة قلقة إن لم تكن ميتة.‏

ولعل يوسف الخال) يعرض الضياع، والقلق بصورة أخرى مختلفة عن أدونيس وذلك في حيز المعذب المغترب)، يقول يوسف الخال في قصيدة أعمى)(19) :‏

أعمى‏

أبحث عن أحدٍ يبصرني‏

عن شيء أحسَبُهُ عندي‏

هذا العالمُ أنثى‏

لعبتْ بالغيمةِ فاضطَجَعتْ‏

فيئاً في الربع الخالي‏

إن كلمة أعمى) مفتاح النص) تجمّع لشحنات نفسية بالغة الحدة، ذلك أن الظلام الذي يخيّم على الذات، بل على الرؤيا المستقبلية بمجملها)، كان سبباً رئيساً في الضياع، فالعمى يترافق قطعاً بالتيه والتشتت النفسيين.‏

وجاء مظهر الاغتراب الأساسي في المقطوعة عن طريق البحث) عن منافذ لإعادة النور، ولإعادة المسار الصحيح بعد حالة التشتت، وتزداد التناقضات والصراعات مرارة في أبحث عن شيء أحسبه عندي)، حيث يتشكّل التخمين والقلق خلف هذا الضياع، لأن البحث من دون جدوى عملٌ عبثي مؤلم، لا سيما إذا كان ذلك البحث ذا هدف تنفيسي تفريغي)، يؤمّن الاستقرار، وينفي صور الغربة بمختلف أشكالها.‏

ويأتي المقطع الأخير مكثفاً أشكال الضياع والاغتراب، عبر سخرية مرة، إذ تبدو فيه مظاهر الاشمئزاز والشعور بالنهاية من خلال رؤيا أخرى للعالم المخيّب للآمال، والضائع حيث عمّم الشاعر ضياعه على كل الأشياء المحيطة حوله، فالأنثى أي العالم) حسب رؤيا الشاعر تائهة بين الاستقرار) المتمثل بالغيمة وبين التيه) والموت) المتمثّلين بالربع الخالي، غير أن الاستقرار في الربع الخالي) هو استقرار قهري مرعب يُعزّز فكرة الضياع والتأزم النفسي التي يعانيها نموذج /المعذب/ في النص.‏

إن يوسف الخال) عندما أراد أن يشفق على هذا العالم الضائع عبر تشبيهه بالأنثى التي سقطت سقوطاً ذريعاً في عالم الضياع الربع الخالي) بعد فترة من التيه أيضاً، فإنه أراد التركيزَ على حالته المشّتتة وتعميق حالة العمى التي تسيطر عليه في بداية المقطوعة، وعليه فإن سقوط الأنثى العالم) هو سقوطه وضياعه أيضاً، وإن إشفاقه وتأسّفه على ما يحدث للعالم الأنثى)، هو تأسّف على ذاته المعدّبة التي لا تستطيع أن تفعل شيئاً.‏

ولعل إلحاحنا على مسألة الإشفاق والتأسف) ناتجٌ عن تشبيه العالم بالأنثى التي هي مصدرُ كل عطاء وخير، لذلك فإن أسفَ الشاعرِ على هذا العالم هو أسفٌ على الخير والعطاء والاستقرار لضياعهم أجمعين.‏

أما النص الأخير الذي سنتوقف عنده فهو للشاعر شوقي بغدادي) من قصيدة /الرغبة في الرحيل/ يقول فيها(20) :‏

ليس سوى حقيبة وحيدهْ‏

وليس إلا الرغبة الأكيدهْ‏

في رحلة بعيدة بعيدهْ‏

أذوب في المحطة الكبيرهْ‏

بلا رفيقْ‏

أطوي الطريقْ‏

في عربات البضائعْ‏

فوق جسور السفنْ‏

وفي ضجيج المدنْ‏

أحسُّ أنيّ ضائع‏

نبدأ من حيث انتهى النص، حيث كان ضياع الشاعر هو الثمن الباهظ الذي دفعه للمدينة الحديثة وللحضارة المعاصرة بخصائصها وأسسها المنعكسة سلباً عليه، لما تُنْتِجُهُ من علاقات مادية صرفة على حساب إنسانية الإنسان، إضافة إلى العلاقات الاجتماعية الفاسدة.‏

إن عربات البضائع)، وجسور السفن، وضجيج المدن) هي من منتجات العصر الحديث الحضارية التي وجدت بفضل التطورات العلمية الهائلة، وكانت سبباً رئيساً من أسباب ضياع الشاعر وقلقه، لأنها تقف حاجزاً منيعاً دون العلاقات الاجتماعية الحميمية، بيد أنها تُفسح المجال لعلاقات تفتقد المودة بين الناس على الرغم من أنها مفيدة على صعيد إنجاز الأعمال وتسهيل الحركة والإنتاج، ولكن الإنسان الذي يمتلك الكثير من الأحاسيس والمشاعر لا يملك إلا أن يرفض هذه المنتجات قهرياً، ومن ثم بدا ضياعه مقترناً بالعزلة المتسّعة شيئاً فشيئاً حتى عن الأصدقاء بلا رفيق أطوي الطريق).‏

كانت محاولة الإسراع في الرحيل ضرورةً قصوى للشاعر، غير أنه لم يصرّح بالمكان الذي يود الرحيل إليه، لأنه من البدهي مكانٌ مناقض في التكوين وفي العلاقات) للبيئة السائدة.‏

إن قول الشاعر ليس سوى حقيبة وحيدة) لم يأت عبثاً، لأنه عندما حدّد عدد الحقائب بواحدة في رحلته الطويلة قد شاء أن يسرّع في عملية الانتقال إلى عالم مثالي بأقصر فترة ممكنة، وما قوله أيضاً رحلة بعيدة بعيدة) وتأكيده على بعيدة) مرتين، سوى تعميق لحالة الاغتراب من جهة، وهربٍ حاسم، من دون عودة إلى الواقع الموضوعي، كذلك فإن الذوبان في أذوب في المحطة الكبيرة) يوطّد صورة الهرب والاختفاء عن ضجيج المدن، وعربات البضائع، وجسور السفن) لأن هذه الأشياء أضحتْ مرعبة ومقلقة.‏

وقلما نجد شاعراً في الحداثة لم يتحدث عن الضياع في قصائده، غير أن هذا الضياع شأنه شأن العذاب، يتفاوت في الوضوح والتبلور بين شاعر وآخر أيضاً، إلا أن البيئة هي العامل الرئيسي من عوامل الضياع باعتباره اغتراباً يبرز فيه الجانب القيمي.‏

ج-الأم والعودة إلى الطفولة:‏

إن عودة المغترب إلى مرابع الطفولة هو هرب من الواقع الأليم إلى واقع ماضٍ مفعم بالسعادة والبراءة، هرب إلى حضن الأم الدافئ، إلى أطفال الحي واللعب معهم، غير أن بعض من اغتربوا من الشعراء لا يعودون عودة حميدة إلى الطفولة، بل إن غربتهم نشأت معهم منذ تلك الفترة وتعمّقت مع مرور الزمن وتعاقب الأحداث.‏

تأخذ الغربة أشكالاً متعددة عند الشاعر مروان خاطر الغربة عن المدينة، والغربة الذاتية، والغربة السياسية، يقول في قصيدة أبحث عن أمي)(21)

أتعذّب يا أمي‏

أتوحّد يا أمي‏

أستحضرُ وجهك من زمن‏

تتبّدلُ فيه وجوه الأحباب الخلّصِ،‏

ترتدُّ الألوانْ‏

يتحلل أخضرّها للأصفر والأزرقْ‏

يتنامى الأحمرُ يملأ كل مكانْ‏

واللونُ الآخر يهربْ‏

مَنْ لا يهربْ قد يغرق‏

أستحضرُ وجهك يحميني‏

ويعيد إليّ براءة صوتٍ‏

جرحه الحرمان‏

إن التوحّد) في أتوحّد يا أمي) حالةٌ عكس التشتت، غير أن تلك الحالة مؤقتة، فالمسألة مجرد استحضار مؤقت للأم، التي تشكّلُ صورة من صور الاستقرار الرئيسة، والاستحضار هذا لا يتم إلا في وضع التوحّد) أي استجماع عناصر الذات الضائعة والمغتربة.‏

ولعل الاستعانة بالأم على قدر كبير من الحيوية في مواجهة الواقع الذي يعيشه الشاعر، فهي لا تقع في دائرة الألوان المتبدّلة الأصفر، الأزرق، الأحمر)، هذه الألوان التي تُمثّل حالات المخادعة والزيف وتبدّل الأقوال والأفعال بين الناس، بينما الأخضر) هو اللون الوحيد المطلق للأم، إذ يرمز لكلّ ما هو خيّر ومعطاء.‏

أما الأحمر) فهو اللون الأكثر سلطةً وقمعاً وزيفاً في المجتمع، إنه يتصاعد رويداً رويداً إلى الواجهة وكلما تصاعد خشيّ الأخضر) منه أكثر فأكثر، ومن ثم يهرب ذاك الأخضر) ويحدث الاغتراب، حيث الأخضرُ) منسحُقُ، ويبدو أن الشاعر) يطلب من ذاك الأخضر) الهربَ من وجه الأحمر) رمز الزيف والمخادعة، لأنه لن يسلم من لا يهرب قد يغرقْ)، وهو بالضرورة لم يسلمْ، بل هو مغترب لا محالة.‏

إن استحضار وجه الأم كمصدر للحماية، لا ينفي سمة العذاب والاغتراب من النص مطلقاً، أو عن الشاعر، باعتبار أن وجه الأم يشكّل فسحة أمل، ولكن ذلك الاستحضار -يوحي ضمن السياق- بأنه هربٌ مؤقتٌ كما أشرنا، لأن العلة والمخادعة والرياء أشياء وعناصر انعكست سلباً في نفسية مروان خاطر)، لهذا فإن ذلك الانعكاس لا يتيح المجال لأي فعلٍ من شأنه أن يغيّر الواقع، لذا فإن تلك الأشياء والعناصر ستبقى تنتج تأزماً نفسياً عبر زمن طويل، على الرغم من أن وجه الأم) ذو هدف تنفيسي، لكنْ لبعض الوقت.‏

أما الشاعر علي الجندي) فإنه يتعرض لمرحلة الطفولة بكثير من الأسى من خلال قصيدة قطري بن الفجاءة) المُسقطة على ساحة الواقع، إذ لا تخلو من العذابات المختلفة من قلق وضياع مستذكراً أطفال الحي وكيف كانوا يلعبون،(22) :‏

وخُيّل للحالمين الصغار بأن الزقاقَ نهايةَ دنيا‏

وأن الحجارة والعشبَ جنّةُ حبٍّ ونجوى‏

ومنْ نبع هذا السكون المزقزق ياما شربْنا،‏

وذاكَ الطريقُ المؤدي إلى الليلِ كان الصراطُ‏

وكنّا نخاف عبوره‏

وكانَتْ تراءى على جانبيه طيوفْ، وأشباحُ موتى‏

تواروا خلال الظهيرهْ‏

أليستْ طريق المقابرِ درباً مهيباً يُشَرّع للعابرين‏

قبورَهْ؟‏

وأمضي أُنَقّلُ خطوي برفق خلال المدينهْ‏

إذا لاح طفلٌ يحدّق فيّ، يخيّل لي أنّ‏

أمسي يلوح بعينيه، أحزنُ، يوقظُ‏

آلامَ عمري الدفينهْ‏

ينقسم النص إلى مستويين أساسيين، مستوى الحلم، ومستوى الحقيقة الارتباط بالواقع مباشرة).‏

أما مستوى الحلم فيبدأ مع بداية النص وحتى تركيب أليست طريق المقابر درباً مهيباً)، حيث يُشبع هذا الحلم بمظاهر الحميمية في مرحلة سابقة، هي مرحلة الطفولة، وبالأفعال القائمة على الفطرية، وعلى عدم الاكتراث بما يجري من أحداث على أرض الواقع، ومن ثم فإنّ تفكير الشاعر بتلك المرحلة، ولا سيما الأفعال والأحداث التي جرت فيها، والحنين إليها، إنما يقترب من حالة نفسية أشْبَهِ ما تكون بـ النكوص) الذي يدل في التحليل النفسي "على عدد من الظواهر النفسية تتميز جميعها بتقهقر النشاط النفسي إلى مرحلة سابقة، من مراحل تطور اللبيدو، وهذا الرجوع إلى الوراء) قد ينحصر في العودة إلى موضوع الإشباع الذي تتميز به مرحلة سابقة أو الرجوع إلى حال مبكر من أحوال الأنا"(23) .‏

ولعل تركيز الشاعر على مفردات موجودة في الماضي ومقارنتها بالحاضر الواقع) الحجارة، العشب، النبع، الزقاق)، يُبرز حالة الاغتراب لديه بشكل كبير، فهو في معرض حلمه لا يلبث أن يصحو على الحقيقة المرة عبر تساؤل أليست طريق المقابر درباً مهيباً يشرّع للعابرين قبوره)، حيث لا يمكن طرح تساؤل كهذا إلا إذا كانت الذات على شفا حفرة من الموت ومن النهاية أمام وطأة التشتت والغربة.‏

أما المستوى الثاني فهو مستوى الحقيقة، أي مرحلة الصحو المرير من الحلم والتخبط بمعطيات الواقع، ويبدأ هذا المستوى من وأمضي أنقّل خطوي برفق خلال المدينة) إلى آخر النص، ولكن الشاعر خلال تنقله في المدينة ومشاهدته لما يجري من تقلبات وأحداث، عاد بفكرة الطفولة) إلى الواجهة، وألح عليها، فهو حينما يرى طفلاً يحدق فيه يتذكر الماضي، فتثور آلامه المكتسبة من الواقع إذا لاح طفل يحدّق فيّ، يخيّل لي أن أمْسي يلوح بعينيه)، وعليه فإن علي الجندي) ما دام يحنّ إلى عالم ماض أو عالم آخر، فإنه لا شك غريب عن عالمه الحالي.‏

ومن الشعراء الذين تحدثوا عن الطفولة كوسيلة لصد الاغتراب عبد الكريم الناعم) وعلي كنعان) وفايز خضور) الذي نلمح لديه مقطوعات صغيرة تبرز فيها الطفولة على أنها أساسُ الاغتراب، ومنطلقُه العميق عنده، حيث تبدو علاقة الشاعر حتى مع والدته غير سوية منذ سن مبكرة.(24)

د-الاغتراب الروحي:‏

يبدو أن الشاعر فايز خضور "تنتابه رؤى عابسة، تنخره، تذيقه عذابات نفسه فتصله بمشاهد ممّنْ حوله، ويبدو موقفه المعّقد حالةَ تعبٍ تصطبغ اصطباغاً عنيفاً بالقسوة والانسحاق، إنها حالة نفسية تتأتّى تلقائياً من التفكير من داخل، تجاه الأشياء والذات معاً، تكتنفها المرارة، ويعبق فيها صدى، ونار، وأحياناً تذرف دموع المطر"(25)

في قصيدة آداد) المطولة يعرض الشاعر لمجموعة من الاغترابات -السياسية، والاجتماعية، تُتوّج بالاغتراب الروحي العميق، ذلك أن تصاعُدَ الاغتراب وتفاقمه على الصعيدين الاجتماعي والسياسي يؤدي إلى الاغتراب الروحي، إذ نرى فيآداد) حلم الانبعاث من خلال استخدام هذه الشخصية الأسطورية، إلا أن هذا الحلم يتعرض لضغوطات وانتكاسات كثيرة.‏

إن أكثر المقاطع تعبيراً عن الاغتراب الروحي) المقطع الحادي عشر من القصيدة الذي يقول فيه(26)

آداد‏

قَدَرُ النوارس أن تبيض فراخها بين السفائنْ‏

لا البحرُ يعرفها، ولا خَشَبُ الصواري‏

هي غربةٌ جعلتْكَ توغِلُ في غيابات المدائنْ:‏

كفّاكَ ترتجفان، من خوفٍ على الواحاتِ‏

يخطفها اليباسُ،‏

وتستبيح خراف ساكِنها المجاعةُ‏

واجتراءاتِ الضواري‏

آدادُ. لا تكثرْ من التحديقِ،‏

في السّحن الكئيبةِ‏

إنه زمن الرهائن‏

والجاهلون تشدقوا -بطراً-‏

بأنّ "العصر!"‏

جاوز منطقَ الأقنان والأسيادِ‏

يا تعبَ الجواري‏

لا البحرُ يدرك ما تعانيه النوارسُ‏

من عذابِ فراقِ أفراخٍ لها،‏

رحلتْ..........‏

ولا الجزُرُ القصيةُ نغّصَتْ خلجانَها،‏

صِبِغُ المرارةِ في البراري‏

تبرز في النص حالة الانفصام الكلي بين معطيات الحياة النوارس) وبين مظاهر الواقع وعناصره البحر، خشب الصواري، السفائن)، وتقوم رؤيا هذا الانفصام بشكلها الأوسع، على الاغتراب بين الشاعر وبين المجريات السلبية، حيث تفاقم هذا الاغتراب ليصبحَ حالة تسليم قهري لمشيئة أعلى سلطوية).‏

فالنص يُخفي أو يتجاوز الحديث عن الاغتراب الاجتماعي، لينتقل بالحديث إلى اغتراب تسليمي يقترب من حافة النهاية، وهذا ما تبدى في النص من خلال قدرُ النوارس أن تبيض فراخها بين السفائن)، فالقدر حالة قهرية، والقدر) هنا أيضاً تتويج للاغترابات ولمسيرة مخاضٍ عنيفة من العراك مع الحياة، وهكذا ينشأ الاغتراب بشكله الروحي من انعدام العلاقة والتواصل بين النوارس) والبحر) وخشب الصواري).‏

إن ذكر النوارس، والبحر، والسفائن، وخشب الصواري) وإسقاطها على حالة الاغتراب المعاصرة للشاعر، تتماشى -كعناصر في الواقع- مع ذكر آداد) إله الريح والحرب، لتصبحَ الجواءُ العامة واحدةً، لأن آداد) في النص محاولة للتقريب بين معطيات الحياة المغتربة، وبين مسببات الاغتراب، بيد أن آداد) مندهش من صور المعاصرة القائمة، لهذا فهو عاجز عن التحرّك، بل دخل حيز الاغتراب هي غربة جعلتك توغل في غيابات المدائن) وغربته جعلته بالضرورة يهرب، إلا أن هَرَبه ليس بذي فائدة، لأن الاغتراب أصبح يغطي جميع الأشياء المعطاءة كفّاك ترتجفان، من خوف على الواحات، يخطفها اليباس) وتستبيح خراف ساكنها المجاعةُ، واجتراءات الضواري) فليست المجاعة والضواري وفتكّها بالأشياء، إلا صورة لاغتراب النوارس) عن البحر، السفن، خشب الصواري).‏

ولعل طلَبَ الشاعر من آداد) إله الريح أن يتوّقف عن التحديق في السّحن الكئيبة) هو طلبُ اليائس من الخلاص، لأن الزمن مقّيدٌ، فاقد لخواص الحياة والطمأنينة، ولا شك أن فعل التحديق) الذي يقوم به الإله آداد) ينبئ بـ المباغتة والمفاجأة التي وقع ذاك الإله وهو ينظر إلى الصورة القاتمة للإنسان المرهون الذي يحتاج فعلاً انبعاثياً هائلاً، كي يستعيد نضارة وجهه وولادته من جديد.‏

إن هذا الإنسان المرهون يتوهّمُ كل يوم بأنه معافى عبر محركات ومحرضات تريد استلابه، وتجعله نائماً والجاهلون تشّدقوا- بطراً- بأن العصر جاوز منطق الأقنان والأسياد).‏

تتوضّحُ في نهاية النص قضيةُ المعاناة) سببُ الغربة، بل إن الشاعر يصرّح بها لا البحر يدرك ما تعانيه النوارس)، إذ تبدو النوارس مرهونة حتماً بمستقبل مرعب ممتلئ بالعذابات، عذابات فراق أفراخ لها)، غير أنها لا تستطيع رد هذا المستقبل فاستسلمت وانسحقت أمامه.‏

وهكذا كانت صورة الإنسان المعاصر في مجتمع فايز خضور)، إنه معزول مُجبَرٌ على أن يتعاطى سموم الواقع ومفاسده، فاغترب روحياً، حيث يختلف الاغتراب الروحي) في هذا النص عن الاغتراب الوجودي) فالأول يحافظ على معنى الأشياء والعناصر الخارجية في ذات المعذب ولكنه -أي المعذب- يغترب عنها قسرياً، فالحياة ذات معنى رائع عند هذا المغترب، وكذلك الطبيعة، والناس، والأشجار، والبحر الخ..) غير أن المغترب الوجودي) يفقد معنى تلك الأشياء، ويتساءل في نفسه ما معنى كل هذا؟ وتبدو صورة المغترب وجودياً) أكثر تطرفاً. إن صح التعبير- من صورة المغترب روحياً).‏

إن آداد) كإله أسطوري للريح، قد استخدم في النص، لأن الريح تقوم بفعل محرّك، وبمعنى آخر، إن الريح صورة نفسية من صور الاستقرار، عبر الفعل الثوري الذي تقوم به من خلال إله الريح)، هذا الفعل الذي سيعيد المعنى إلى الحياة، ولكن الفعل) في الحقيقة لم يتعدّ إطار الحلم حتى نهاية قصيدة آداد)، حيث يقول الشاعر في نهاية القصيدة:(27)

آداد‏

موتي وبعثك،‏

وانبعاث الآخرين،‏

حصانةُ الوطن الوحيدة.!!‏

إن الحاجة إلى فعل إلهي جبار في عملية الانبعاث، يعكس بالضرورة صورة العقم والاغتراب الروحي) الذي رأيناه في المقطوعة الحادية عشرة من هذه القصيدة، حيث بقي للأشياء معنى وحضور في ذات الشاعر، غير أنّ هناك إحساساً عميقاً بالغربة عنها، لذلك تراجع الحديث في المقطوعة التي وقفنا عندها عن المجتمع، بينما ظهر الإساس العميق بغربة روحية تجذّرت من خلال الاغترابات الأخرى.‏

ومن الشعراء الذين ظهرتْ لديهم تلك الغربة بشكل حاد أيضاً الشاعر رياض صالح الحسين) الذي يقول في قصيدة انفجارات)(28) :‏

ذهبتُ إلى الأشجار وما وجدتُ أحداً،‏

إلى الينابيع وما وجدت أحداً،‏

إلى الحيوانات وما وجدت أحداً،‏

ذهبتُ إلى المطاراتِ‏

والشوارع‏

ومؤسسات الأيتام‏

فحسبوني شحاذاً ووضعوا في كفي النقود..‏

اليوم مساءً وكحصان مقطوع الرأس‏

عدتُ إلى الغرفةِ‏

الغرفة الصغيرة الضيقة‏

وبلطةٌ ضخمةٌ من الصراخ تنمو تحت أظافري‏

ينشأ الاغتراب الروحي) في النص من أنّ الذهاب) في ذاته إلى الينابيع، والأشجار، والحيوانات، والشوارع، والمطارات) هو إصرار على المعنى الرائع للأشياء حول الشاعر، إصراراً يتخذ الصبغة الحميمية، غير أن تلك الحميمية لم تُنجز إطلاقاً، ذلك أنّ لم أجد أحداً) المكررة مراراً هي جوهر تلك الغربة، كأساس للانفصال والفراغ، لأن كلمة أحداً) الاحتمالية الإيحاء، تصبّ في معطيات جميلة ومشرقة، يوحي بها هذا الأحد)، والبحث عنه هو بحثٌ عن صورة الإنسان ببراءتها، بل عن صورة الكائن الحي ذي المشاعر والأحاسيس والحركة وبحث عن الحياة بمعناها العميق، حيث المغترب الوجودي) لا يجد معنى لتلك الحياة بمعناها العميق، ولا يجد معنى في الذهاب إلى الأشجار وإلى الينابيع، ولذا فهو اغتراب يختلف عن الاغتراب الموجود في النص.‏

تترافق الغربةُ الروحية في المقطع السابق بشعور حاد بالخيبة، فهنالك فرقٌ شاسع بين رؤيا الشاعر وبين ما حدث ويحدثُ على أرض الواقع فحسبوني شحاذاً ووضعوا في كفي النقود).‏

إن الفهم الخاطئ لهدف الشاعر ورؤياه وتطلعاته يعمّق هذه الغربة، لهذا من البدهي أن يعود إلى غرفته كالحصان المقطوع الرأس) دليلاً على التشتت والعذاب، وبعد كل هذا العذاب لا بد أن تكون هناك رؤيا خاصة لغرفة الشاعر، حيث وصفها بأنها غرفة صغيرة ضيقة) فضيقها جاء نتيجة للأشياء المرعبة التي حملها الشاعر من الخارج معه، وكذلك كان صغرها، فالضيق والصغر حالتان نفسيتان في النص ولا شك بذلك أبداً، فالتوازن مع الخارج لا يجعل من هذه الغرفة ضيقة، بل واسعة وواسعة جداً على الرغم من أنها قد تكون ضيقة حقيقة.‏

تنتهي المقطوعة بذروة الحالة وبلطةٌ ضخمة من الصراخ تنمو تحت أظافري)، فلا شك أيضاً أن هذه الحالة المؤلمة هي تصاعد لحالة الضيق المعنوي للغرفة، ولحالة الإحباط التي أتى بها من الخارج، فكم هو مؤلم أن يقرن الصراخ بالبلطة علامة الموت)، وأن يقرن كل ذلك بالأظافر، ومن ثم يأتي الألم الأكبر، وهو أن بلطة الصراخ) آخذة بالنمو، أي أنّ الحالة النفسية تسير إلى أسوأ.‏

ولعل العودة إلى الغرفة، ونمو الصراخ، في جو كئيب صامت، حالةٌ من حالات العزلة المريرة بعد تعب مضن في البحث عن نقيض لهذه الحياة، وعن ولادة جديدة.‏

نكتفي هنا بالحديث عن نموذجين من نماذج الاغتراب الروحي)، فهناك شعراء آخرون وقفوا عند هذا الجانب من الاغتراب، ولعل محمد الماغوط) أحدهم، فهو يتمنى دائماً أن يتواصل مع الأشياء والعناصر حوله.‏

إن هناك حنيناً من هذا الشاعر إلى أن يصبح شيئاً من الأشياء في المحيط، في علاقة أشبْهِ ما تكون بعلاقة الاتحاد) الموجودة عند المتصوفة، وذلك يعكس الهوة التي تفصله عن معنى تلك الأشياء والعناصر(29) لن نتحدث في هذه الآونة عن الاغتراب الوجودي)، لأن هذا الاغتراب هو من مفردات السوداوي العدمي) وينطوي تحت هذا التجلّي وهذه الصورة من صور العذاب في شعر الحداثة، بل إنه ملازم للعدمي، وهذا عائد لطبيعة المغترب الوجودي)، الذي لا يرى معنى للأشياء وللعناصر وللوجود بشكل عام.‏

2-النموذج السوداوي العدمي:‏

لا نملك في مصطلح السوداوي العدمي) في شعر الحداثة إلا أن نُقدّم السوداوية) على العدمية) لتشكيل هذا المصطلح، ذلك أنه لو قلنا العدمي السوداوي)، لوقعْنا في لحن كبير، لأن العدمي) هو سوداوي) بالضرورة، فلا داعي لذكْرِ هذا المصطلح الأخير كاملاً، بل يكفي ذكْرُ العدمي)، حتى ندرك السوداوية التي تنطوي تحته، وآثرْنا مفهوم السوداوي العدمي)، لأن السوداوي) ليس عدمياً) بالضرورة، وكان اختيارُنا لهذا المفهوم منطلقاً من تلازم السوداوية والعدمية في شعر الحداثة في كثير من النصوص.‏

"يشكل الموت هاجساً أساسياً في ميدان الشعر، ومنذ أقدم العصور حتى اليوم ما يزال حاثة من أهم الحاثات الدافعة إلى الإبداع الفني، سواء ألفَ الإنسان الموت أو استوحشه، لقد حاول الإنسان استئناس الموت وتدجينه، وهو يشعر دائماً أنه جزء منه ينغل في كيانه، فهل هناك إحساس جسدي بالموت، كالإحساس الجنسي مثلاً؟ وما دورُه في عملية الإبداع الشعري؟‏

إن التمويه الذي قام به الإنسان تجاه نفسه لم يُبْعِدْ عنه شبح الموت ولا الخوف منه. ويمكن أن نجد بعض المتحمسين المتفانين يبذلون أنفسهم رخيصة في سبيل أمر نذروا له حياتهم. إلا أنهم ليسوا القاعدة العامة، إن الخوف من الموت داخلٌ في كيان الجسد البشري، وكيان كل الأحياء، باستثناء الكائنات الوحيدة الخلية(30) .‏

ولا شك أن هذا التفكير بالموت يرتبط بكثير من السوداوية والقلق، ثم إن البيئة والعصر من العوامل الهامة في تفاوت الشعور بالموت بين ارتفاع وانخفاض، فلكل عصر فلسفته حول القضايا والأحداث بما فيها القضايا الحضارية والكونية" والفلسفة المعاصرة، ككلّ فلسفة، عكستْ طبيعة العصر الذي وجدت فيه، وما دام العصرُ الراهن، هو عصرُ السيطرة المذهلة، فإن فلسفته هي تعبير عن أقصى حالة قلق، بلغها العقل البشري. وهي بحق، نتاج متميز في تاريخ الفكر. فالثورة العلمية الصناعية التكنولوجية، قد حطّمتْ طبيعة المجتمع القديم، وأحدثت انقلابا في معايير الحياة والفكر. وانتهت إلى نزاعات كونية كبرى، أحدثت ارتجاجاً عظيماً في العقل البشري، وولّدتْ داخل النفس دوياً، لا زال صداه يئن في الصدور(31) .‏

لقد أشرنا في حديثنا عن تجليات المعذب في المدرسة الرومانتيكية إلى أن السوداوية حالة متطورة عن التشاؤمية، حيث تتعمم لتشمل كلّ مناحي الحياة وجوانبها، وهي على صلة وثيقة بالعدمية، ذلك أن "القرف من الحياة أولى استجابات السوداوي. فهو لا يبالي بأي شيء، حتى ولا بألمه، كلّ صباح هو عذابٌ يتجدّد: فالفناء رغبته الكبرى. ومن البدهي أن يكون فقدانُ الإرادة كلياً، ومثله العجز، ولا شيء يبقى له غير لا مبالاة تفوق كل حد"(32) .‏

وتتسع دائرة السوداوية العدمية) في شعر الحداثة لتصبح صراعاً مع الوجود بأسره، ففي النهاية لا يصبح للوجود معنى، بل إن هناك طلباً ملّحاً للفناء، فـ "الموقف الأقرب إلى النموذج الوجودي هو ذلك الذي يرى في الموت حداً نهائياً"(33) ، وعلينا أن لا نفهم أن الوجودية ذاتُ منحى تشاؤمي في طبيعتها الكلية، فقد تكون الوجودية حالة تأقلم للفيلسوف أو الشاعر أو الفنان الخ..، ويختلف ذلك المنحى بين الوجوديين المؤمنين وغير المؤمنين، ولا بد لنا من القول قبل أن نتحدث عن أشكال السوداوي العدمي) في شعر الحداثة وسماته: أنه على ما يبدو، و"بالنسبة إلى شخصيات الرؤيا التشاؤمية كلها، فإن وهمَها هو ضعْفُها وهو أيضاً خطيئتها المأساوية المفترضة"(34) .‏

أما أشكال السوداوي العدمي) وسماته في شعر الحداثة فإنها على الشكل التالي:‏

أ-الموت الحضاري:‏

إن الموت الحضاري) هو أحدُ أشكال الموت الرئيسة في شعر الحداثة، حيث تشير النصوص الشعرية التي تحدّثت في هذا المجال عن موت واقع بأكمله موت أمة) تحتاج انبعاثاً جديداً، غير أن اليأس الذي أصاب بعض الشعراء لا سيما الانبعاثيين منهم، بأن هذا الواقع لن يكتب له الانبعاث، أوقعهم في حقيقة الموت الحضاري)، بل إن الانبعاث) كما تجلّى في قصائدهم، جاء مشوّهاً مؤلماً، كقصيدة العازر لخليل حاوي)، وتداخلَ ذلك الشعور بالموت وبسوداوية المستقبل بصراعٍ وجودي حاد، انطلاقاً من أنّ مظاهر العذاب تتعمّمُ وتتسّعُ لتأخذ حيزاً مكانياً كبيراً، إضافة إلى حيزها الزمني الطويل.‏

إن تلك الصفات التي أشرنا إليها سابقاً متوافرة جميعها عند الشاعر خليل حاوي) ففي "دواوينه الثلاثة، من "نهر الرماد" إلى "بيادر الجوع" نجده خائضاً غمرة هذا الصراع الوجودي بين مختلف الحتميات الكونية والحضارية وبين رغبة التحرر والخلاص من سيطرة هذه الحتميات على الإنسان، ونراه في غمرة هذا الصراع يُنشئ في ذاته، بوصفها جزءاً من الذات الكلية، أي الذات النوعية للإنسان، عالماً تعصف فيه ريح الرعب، وتُحْفَرُ في جوانبه الكهوف المعتمة، وتترّمدُ في صحاريه شعلُ الحياة وخصوبتها، فإذا الحياة كلها نهر من رماد الموت والعقم، أو ركام من عفن الجثث، جثث الأفكار والتقاليد والحضارات والآدميين"(35) .‏

من القصائد التي تُصور الانبعاث المشوه الذي يؤدي إلى الموت والمنطوي على كثير من السوداوية والرؤيا القاتمة للمستقبل، قصيدة بعد الجليد) للشاعر خليل حاوي) يقول فيها(36) :‏

وارتمينا جثثاً، لحماً حزيناً‏

ضمّ في حسرته لحماً قديدْ،‏

عبثاً نغتصب الشهوة حرّى‏

عبثاً نسكّبها خمراً وجمراً‏

من بقايا في الوريد‏

علّه يفرَخ من أنقاضنا نسل جديد‏

ينفضُ الموتَ، يغلّ الريح‏

يدوي نبضةْ حرّى‏

بصحراء الجليدْ:‏

"حبّنا أقوى من الموت العنيد"‏

غير أن الحب لم يُنبِتْ‏

من اللحم القديدْ‏

غير أجيالٍ من الموتى الحزانى‏

تتمطّى في فم الموت البليدْ‏

إن الموت هو الحالة النهائية والمنجزة على أرض الواقع في النص السابق، فالنص بدأ برؤية سوداوية وقاتمة للمحيط الممتلئ بالانتكاسات، ذلك أن النص يعرض لجيلين متعاقبين بينهما فترة حلم:‏

1-الجيل الأول، الذي ينبئ بحضارة وواقع ميتين، بل عن أمة ميتة، وارتمينا جثثاً، لحماً حزيناً)، وهذا الجيل لا يستطيع أن يحرّك ساكناً، ثم إن كلّ أفعاله لا جدوى ولا طائل منها، لأنها ليست بذات قيمة تذكر، وينقصها عملٌ ثوري جوهري وجذري لإحياء مامات، عبثاً نغتصب الشهوة حرّى، عبثاً نسكبها خمراً وجمراً في بقايا الوريد)، حيث يشير التركيبان السابقان إلى رؤية سوداوية للعمل المنجز، ويعكس الصورة النفسية عند خليل حاوي) التي تقوم على تعطيل الإرادة عن الحركة وعن الفعل الثوري، فالشهوة) منطلق للقيام بفعل جبّار حيوي، غير أن اقترانها بالعبثية يقتلها ويميتها.‏

إن تعطيل الإرادة تلك أدّى فيما بعد إلى إفناء الذات وذلك بانتحار خليل حاوي)، إذ تلازم هذا التعطيل بصورة وثيقة مع اللاجدوى ومع الشعور بأن الأشياء والعناصر والحياة أمور ليس لها معنى، فجاء الانتحار، لأن فقدان الإنسان لمعنى وجوده هو أحد أسباب الانتحار الرئيسة في علم النفس، ووجود الشاعر كائن من وجود الأمة بكل معطياتها الحضارية، أما موتها فموته، موت للإنسان بكرامته، وبمعطياته الحضارية، وبتفكيره).‏

2-فترة الحلم المخاض) وتبدأ في النص من علّة يفرخ من أنقاضنا نسل جديد)، فنسْلُ الحلم من المفروض أن يمتلك -في مخيلة الشاعر- مقومات إنقاذ الأمة يدوّي نبضة حرّى) وذلك في وجه الجليد) الذي يجسّد الموت والسكون بأبعاده المرعبة.‏

3-الجيل الثاني، وجاء التعبير عنه في نهاية المقطوعة، وهو جيل الانبعاث المشوّه، ومن ثمّ الميت غير أجيال من الموتى الحزانى)، فهناك شعور عميق بأن الانبعاث لن يتمّ نتيجة لتعدّد أشكال الموت وتراكمها في المحيط.‏

النصّ صورة مصغرة لحياة خليل حاوي) التي تشير إلى أن الأجواء العامة لشخصيته تُفضي إلى العذاب على الرغم من وجود مسألة الانبعاث) التي تعطي أملاً بالخلاص فانتحارُ حاوي عام 1982 عَكَسَ صورة الانبعاث) الحقيقية التي جاءت بالفعل في نهاية المقطوعة السابقة، إنها تلازم الانبعاث مع رفض الواقع ليس إلا، والنظر إلى هذا الواقع على أنه قبيح.‏

وهكذا صار مفهوم الانبعاث) ذا معنى معاكس لمفهوم القْبح)، إنه الجمال المنتظر، غير أن سياق حياة الشاعر يدل على فقدان الجمال)، ومن ثم لم يعد هناك فائدة من الانتظار مع بروز صور أكثر سوداوية في الواقع ولا سيما الإحباطات السياسية والاجتماعية التي عاناها خليل حاوي حتى لحظة انتحاره المرعبة، وهكذا كان الانبعاث تمرّداً مؤقتاً ليس إلاً.‏

إن الأجواء الأسطورية للنص تنبئ بمحاولة رجوع حميمية إلى قوى أكثر انسجاماً وحيوية داخل الأحداث الأسطورية، تلك القوى التي تتمّثل عادة بآلهة الانبعاث التي تقف ضد السكونية والتحجر، وما دامت تلك القوى الجبارة منسجمة وتقوم بفعل ثوري، فهي الوحيدة القادرة على قلب الواقع وانبعاثه عبر إسقاط تلك الأجواء على البنية الاجتماعية السياسية المعاصرة، لهذا فإن حاجة الشاعر إلى فعل جبار في هذه المرحلة الزمنية لإنجاز عملية التغيير أدى به إلى الرجوع إلى الماضي، لأن الواقع ليس بإمكانه أن يُنتج ذلك الفعل، ومن هنا جاء العذاب والموت وجاء الشعور القاتم بأن المستقبل سيأتي مشوّهاً، وسيقوم ذلك المستقبل بإنجاب أجيال معطيات) تتمطى) في فم الموت البليد.‏

ولعل "مغامرة الحاوي هذه التي جعلت التاريخ والمستقبل حضوراً مباشراً أمام الذات العارية، وكشفْت خلال التفجير الحيوي الرمزي للميثولوجيا مسافة القلق والشوق والضياع وسوداوية اليأس والضجر والمعاناة في أجواء التجربة الانبعاثية العربية، ثم غنتْ إيقاع الحنين والحلم لمعانقة القمر ولقاء شمس المستقبل السعيدة، إن هذه المغامرة بحد ذاتها رؤيا واستغراق حقيقي وصميمي وأصيل بالواقع الذي ينوس بين التحجر والحركة والانبثاق والتجسّد والتلاشي والنمو(37) .‏

فإذا ما استخدم خليل حاوي) الأسطورة في تجسيد انبعاثه الذي آل في نهاية المطاف إلى الموت والعدمية، فإن الشاعر ممدوح عدوان) استخدم شخصيات بطولية من التاريخ العربي، كذلك استخدم صورة السيد المسيح)، ولكن ليس بشكلها الانبعاثي الذي ينمّ على فعل جبّار يقوم على التحويل الجذري لقلب الواقع، يقول في قصيدة وتمرّ المدينة برقاً) من ديوان أقبل الزمن المستحيل):(38)

لا ماء في البحارْ‏

والنار في السفنْ‏

تمتد للمدنْ‏

وطارقٌ كالحلم طارْ‏

ولم تجئنا في غيابه المزُنْ‏

قلت: أمضي، وأترك خلفي الركام‏

قلتُ: أمضي، كفاني عناداً فلستُ المسيحْ‏

الدروبُ استفاقت سيوفاً تفضّ الزحام‏

قلت أمضي بعيداً، فلا أحدٌ يسمع الصوت حولي‏

ووحدي أصيحْ‏

ليس هذا زماني.. من الغيظ للغيظ وحدي أطوفْ‏

قلتُ: أمضي فلا أبتغي من حياتي بطوله‏

منذ مطلع النص تتلازم السوداوية والعدمية، فالشعور بأنّه لا ماء في البحار) شعورٌ سوداوي من جهة، وشعور عدمي يوحي بالنهاية من جهة ثانية، وكذلك الأمر في والنار في السفن تمتد للمدن)، حيث الصورة الكبرى وراء كل هذا هي صورة الانهدام الحضاري لأمة بأكملها، لذلك فمن الضروري أن تكون تلك الصورة حالة منصهرة مع المعذب) كنموذج يطرحه النص.‏

تطرح المقطوعّة شخصيّة بطولية من شخصيات التاريخ العربي تتمثّل بطارق بن زياد)، الذي يجسّد حالة انبعاثية لم تتكلل بالنجاح، لأن المجتمع الراهن لم يفرض ولم يطرح حالة تغيير جذري، حالةً مشابهة لصورة الأفعال التي قام بها ذلك الشخص، لهذا فمن البدهيّ غياب طارق الفعل الثوري) مع الشعور بتفاقم الأزمة في المحيط والنار تمتد للسفائن)، ومن ثم فإن طارق كالحلم طار) تركيبٌ يمهّد لرؤيا سوداوية أيضاً، بل دخلتْ تلك الرؤيا حيز العدمية، لأن الحلم) في ذاته لم يعد له وجود.‏

وعليه فإن الشاعر يلحّ ويطالب بتكرار نموذج طارق)، غير أن ذلك الإلحاح خَبَا فطَرح بعد ذلك ممدوح عدوان) نظرة لا تقلّ عدمية أو سوداوية عن الصور السابقة، وذلك عبر تركيب ولم تجئنا في غيابه المزن)، ذلك أن المزن) هي صور مشرقة وصورة لمعطيات حضارية، إنها إعادة لتكوين ما تهدّم وما جفّ في الأمة من أفكار، وهي بعد ذلك تبعث على الأمل بولادة وضع جديد، غير أنّ كل هذا لن يتشكل ولن يحدث، ولن ينبعث بعد كل الذي تهدَّم- مستقبل عربي.‏

بناءً على كل المعطيات التي رآها الشاعر، لا بد له أن ينسحق، وتتعطل إرادتهُ، وينسحب من الواقع قلتُ: أمضي، وأترك خلفي الركام)، حيث الركام) ليس إلا الجمود والموت الأكيد، أما الشخصية الثانية التي يطرحها النص فهي شخصية /السيد المسيح/، الذي يرمز إلى العذاب وإلى الألم في سبيل إنقاذ مجتمع تسوده الأفكار والقيم الفاسدة، فالشاعر يعقد مقارنة بين حالته وحالة السيد المسيح بوصفه مخلّصاً، ثم يستنتج بعد ذلك أنه معطّل الإرادة والحركة بخلاف المسيح)، كفاني عناداً فلست المسيح)، لهذا فإن المسيح) في النص لم يُسقط كرمز على أرض الواقع كشكلٍ من أشكال الانبعاث، بل ما زال متوضّعاً في التاريخ وفي زمن معين، ومن هنا جاء التسليم المرُّ الذي قام به عدوان)، التسليم الذي يقترن بـ الهرب، الموت، التمرد)، بيد أن التمرد هنا لم يأت في صورته الإيجابية، بل في صورته السلبية التي يتصف بها /المعذب/ عادة.‏

يقوم الشاعر بتكرار الفعل أمضي) ثلاث مرات، حيث يوحي هذا الفعل باليأس وخيبة الأمل من الواقع على مختلف الصعد الاجتماعية، والسياسية، الخ..)، وينبئ بمسير باتجاه العزلة، لأن المسير الحالي يبدأ من الغيظ) وينتهي بالغيظ)، من الغيظ للغيظ وحدي أطوف)، حيث المشاهد لا تُرضي ولا تسر، كذلك فإن هذا المسير والمُضي حسب سياق النص- ليس إلى عالم مثالي زهي كما يفعل الرومانتيكي بل خوفاً من المشاهد السابقة صور المجتمع).‏

لقد حجب الشاعر عن ذاته التفكير بفعل بطولي في مسيرة حياته، لأن حلم البطولة منذ رحيل طارق) تلاشى، أمضي فلا أبتغي من حياتي بطولة)، لا شك أن الأجواء العامة لنص ممدوح عدوان) تختلف عن الأجواء التي طرحها خليل حاوي) في النص الذي توقفنا عنده سابقاً على الرغم من عالم العذاب الواحد في النصين، فالأجواء التي طرحها حاوي أقرب إلى البناء الأسطوري، ولعل عذاب حاوي أكثر إيغالاً في السوداوية والشعور بالعدمية من ممدوح عدوان) حيث يترافق عذاب حاوي بصراع وجودي مرعب، قلما نجده عند عدوان) الذي يكتفي بحزنه الشديد على تراجع الحضارة للأمة العربية وانهدام ذاتها، كذلك فإن خليل حاوي يعرض للموت بأشكال متنوعة لا نجدها عند عدوان)، وسنعرض لهذه الأشكال لاحقاً، وإن شعور حاوي بموت الأمة هو شعور بموت وجوده، بل بموت الوجود الإنساني كله في الحضارة، غير أن نص ممدوح عدوان)، لا يطرح هذه المشكلة المرعبة.‏

وأما الشاعر علي الجندي فـ "يشتهي الموت كخلاص من الواقع الهامد الخانق القفر، ولكنه يخشاه، لأنه نهاية لا بداية بعدها، تماماً نفس الموقف العدمي الذي يتبناه طرفة، كلاهما ينغمس في الخمرة والجنس، وكلاهما لا يثق بالخلود- إن الحياة سجن بالنسبة لعلي الجندي- وعليه أن يتحرر ولا سبيل للنصر على أمراض الواقع عن طريق الجماعة، ولذلك يلجأ إلى الموت، وهذا أقصى وأقسى أنواع الاحتجاج على الواقع، ورفض هذا الواقع، طلباً لحياة أخرى أجمل وأنظف وأمتع. رغم قناعة الشاعر بعدم وجودها(39) ، إذ تعرّض الجندي) أيضاً لانتكاسات وخيبات أمل من الوضع السياسي الاجتماعي، كما تعرض لذلك من قبل خليل حاوي) وممدوح عدوان) وأدونيس) فقد "صحا علي فجأة على السقطة المروعة التي تلّقاها جيله في حرب حزيران 1967، وانهارت أحلامه السياسية، وأحسّ بالخراب، والتداعي يحاصرانه من الجهات كلها، وشعرَ بالوحدة القاتلة المدمرة، تجاه ذلك كله حاول أن يجعل من الشعر عالماً موازياً للواقع. ومعوّضاً وبديلاً عن العالم المعطى ولكنّ شبح الموت انتشر في القصيدة، وصبغها باللهجة الحزينة التي تقطر فجيعة وذعراً"(40) وتتحوّل قصائده في معظمها إلى صور للموت(41) والشعور بالعدمية والسوداوية في آن.‏

ويختلف أدونيس عن الشعراء السابقين في معالجة قضية الموت عامة، حيث يتشكّل لديه الموت الفلسفي الذي سنقف عنده في حديثنا عن البناء الفلسفي، فأدونيس يشكو من "أن الموت ينقصه ليضيف إلى لغته كلمات جديدة، بيد أن الموت يتمدد مع إخطبوط الجنس في لحظة قاتلة، ربما ليزحزح جدار الوهم الجنسي ويحطم خرافته الجمالية، وتتعانق فلسفة الاتحاد اللحمي مع فلسفة الموت ليذرف الشاعر الإنسان من خلالها عبراته وينشر يأسه وحزنه العميق(42) ، وهكذا فإن مفهوم العذاب، عبر قضية الموت، يختلف من ظرف إلى آخر، ويتفاوت من شاعر إلى آخر، بحسب الظروف النفسية والبيئية للشاعر.‏

ب-الموت والعلاقة مع الأشياء والأماكن:‏

لقد أشرنا فيما مضى إلى أنّ السوداوية) تتسع عند الشاعر مكانياً لتصيب كلّ نواحي الحياة وعناصرها، فإذا ما ترافقت تلك السوداوية بشعور بالعدمية فإن هذا يعني بالضرورة أن مظاهر الموت تتسع أيضاً، وتكبر دائرتها، حتى تصيب مساحات كبرى من الخارج انطلاقاً من الذات التي تحسّ بوطأة الموت أيضاً.‏

لقد عاش محمد عمران) صراعاً حاداً بين الحياة والموت يمتد على مجمل دواوينه الشعرية، ونراه في هذا الصراع يميل إلى استخدام عناصر الطبيعة عبر اتحاد صوفي، وكثيراً ما تجتاح عمران) رؤى سوداوية تنذر بتهدم الإنسان وموته، وذلك أمام ما يجري من أحداث مرعبة في المنظومة الاجتماعية.‏

إن قصيدة الطين) المطوّلة تطرح الكثير من المشاكل المعاصرة التي تضرب عمق الإنسان من الداخل، بحيث يقف هذا الإنسان حائراً وعاجزاً أمام النظام الذي تسير وفقه الحياة الراهنة بانجازاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وكلّ ذلك معروض بلغة رمزية وعبر قصيدة النثر) التي تحاول إثبات وجودها،‏

لقد شعر محمد عمران) خلال قصيدة الطين) أن ثقة الإنسان بعصره، هذه الثقة المتزعزعة رويداً رويداً، أحالته على التفكير بنهاية مخيفة تنطوي على إحساس مؤلم بالعدمية وبالموت، بل إن الموت صورة حقيقية ومتوافرة بكثرة في هذا القرن، بدءاً من تهدم الإنسانية وموتها بصورته القصوى عبر الحربين العالميتين الأولى والثانية، أضف إلى ذلك تعثر الفرد العربي مراراً وتكراراً.‏

لقد ظهر الموت في قصيدة الطين) ليس في الفرد فقط بل وصل أيضاً إلى جزئيات وعناصر كثيرة في المحيط الخارجي، عناصر تشكل بالنسبة إلى محمد عمران الملجأ الأخير للفطرية وللبراءة المفقودتين عناصر الطبيعة)، ولعلها - أي تلك العناصر- الملجأ الوحيد للإنسان الهارب من العصر، فإذا ما أصابها الموت أيضاً، فإن الخلاص سيصبح معضلة وينشأ العذاب، يقول محمد عمران في الطين):‏

دمٌ على الأشجار‏

أين تهدل الحمائم..؟‏

دم على الزهر‏

أين يجني عسله النحلُ؟‏

دم على الأعشاب‏

أين ترعى الماشية؟‏

دم في الحدائق‏

أين يلعب الأطفال؟‏

دم على أعتاب الجسد ونوافذه‏

على سريره ومائدته‏

أين يأوي الحب الراجع من الحقول؟‏

أين تتناول خبزّها القصائدُ‏

لعلّ كلمة الدم) في النص أتت مطابقة في المعنى لكلمة الموت) وهذا يشير حتماً إلى أن الدم في النص صورة مطابقة للموت، ولا ريب في أن هذه الصورة تمتد على أرجاء المقطوعة متسعة لتشمل كل الأماكن المحيطة بذات الشاعر، فالمكانُ الذي لا يستطيع أن يهدل فيه الحمام، والمكانُ الذي لا يستطيع أن يقربه النحل، والمرتعُ الذي لا تستطيع الماشية أن ترعى منه، والحديقة التي ليس بوسع الأطفال أن يلعبوا فيها الخ.. إنما هو مكان لا جدوى ولا فائدة منه، ذلك أن الموت سيطر عليه ليقصيه عن عمله.‏

وما دام هناك شعورٌ بأن الموت ينبسط على كل شيء، فهذا شعورٌ لا يمكن إلا أن يكون سوداوياً، لأن ما جرى في الواقع قد انفجر بسلبياته، وهو قابل للانفجار أكثر فأكثر، وقد أصابت شظايا الانفجار حيزاً مكانياً واسعاً، وصار الموت حالة معمّمة.‏

إن الحمائم، والزهر، والعشب، والماشية، والأطفال، ونوافذ الجسد الخ، هي أشياء وعناصر لها دورها الفعال في تكوين الحياة، وهي نماذج حيوية على ساحة الواقع تخدم مسيرة الحياة والإنسان والكائنات الحية، غير أن هذه العناصر بفطريتها اصطبغت قهرياً بالدم الموت) الناتج عن صراع سلبي.‏

وكان انتشار الدم) في النص وسيطرته على تلك العناصر الحيوية، قد أشار إلى مدى الحصار الذي فرضه الموت الذي انتقل واتسع مداه إلى أجزاء أخرى من العالم المحيط حتى أصاب ذات الشاعر، حيث هذه الأجزاء مهدّدة في أمنها واستقرارها، وانطلق ذلك الشعور بالموت من الذات بالتأكيد، لأن الذات الشاعرة على وشك الانهيار، فإحساسها هذا يُكسب المحيط الصورة ذاتها للذات.‏

من جهة ثانية يشهد النص -عبر نظرة عميقة إلى السياق- صراعاً بين الحياة) العناصر والأشياء المذكورة سابقاً) وبين الموت) الذي يمثله الدم، ولا يلبث هذا الصراع أن يميل لصالح الموت، حيث يشير اسم الاستفهام أين) دائماً في النص إلى نقطة الانعطاف في هذا الصراع لصالح الموت، وهذه العناصرُ التي أصابها الموت تنطوي في مخيّلة الشاعر على اغتراب شديد -فـ أين) التي تفيد الاستفسار عن المكان)، تطرح عالماً مثالياً مكاناً مثالياً) يمكن أن تلجأ إليه العناصر والأشياء بعد أن داهمها الموت، والجوابُ على هذه الاستفسارات يدركه الشاعر جيداً، وهو معروف من سياق النص، إذ لا مجال للبحث عن مكان آمن مادامت الأماكن جميعها ملطخة بالدم الذي يوحي بأشكال متعددة للموت وبسوداوية عالية، وهكذا فالتساؤل هذا في بحثه عن عالم مثالي يرمي إلى عملية التوازن النفسي عند الشاعر.‏

يكمن العذاب في النص في أن تلك العناصر مجتمعة ذات معنى عميق جداً، ومن ثم جاء الاغتراب عنها، وهي في ذاكرتنا ذاتُ معنى عميق أيضاً، إلا أنها تكتسب خاصية مميّزة عند الشاعر لأنه يتحدث عنها مراراً وتكراراً ليس فقط في هذا النص بل في نصوص كثيرة، وفي مجموعاته بشكل عام، حيث نشهد اتحاداً صوفياً بينه وبينها، لأنها على درجة عالية من البراءة، فالقبحُ ليس كامناً في هذه الأشياء، بل في الواقع السياسي الاجتماعي، الذي يحاول أن يجعل من تلك العناصر المحبّبة إلى نفس الشاعر قبيحة، فليس الدم الذي أوجد على الأشجار وعلى الزهر إلا بناء قبيحاً أدخل قسراً عليها.‏

إن العذاب في نصوص محمد عمران) الشعرية لم يرتق إلى عذابات خليل حاوي) وعلي الجندي)، فنحن نرى في نصوصه بين الفينة والأخرى حالات كثيرة من الولادة التي تجسّد انبعاث الجميل، وحالات من التحدي، كما في اسم الماء والهواء) وهي إحدى مجموعاته الشعرية، ويقابل تلك الحالات الكثيرة ما يشابهها من رؤى سوداء قاتمة السواد، تُشعر المرء بأن عمران) يمتلك من العذاب ما لا يمتلكه أي شاعر آخر كما في قصائد مجموعته الأزرق والأحمر) (43) على سبيل المثال لا الحصر، وهذا عائد لا شك إلى تغيّر الموقف الفكري.‏

تبدو صورة الموت في الأزرق والأحمر) مرعبةً، إنه يمتد في الزمان والمكان، يمتد في الإنسان، من أي كائن حي، ويصيب الأشياء كلها، بدءاً من الأشياء الصغيرة، وانتهاء بعناصر المحيط كله(44) .‏

فإذا ما اقترن الموت) عند عمران) بالدم) فإنه يقترن بالرماد) عند مصطفى الخضر)، الرماد الذي يسيطر على الأشياء حوله، يقول في قصيدة ذاكرة الرماد)(45) :‏

بين الإشاعةِ والنبوءة كان ينتشر الرمادُ‏

وكنت حين أراهُ يسعى في أراجيح الطفولة،‏

في صباح العشب والأوراق والأمواهِ،‏

كنتُ حين أراه أسقط أو أكاد‏

والشعرُ يسقط والعواصم والعباد‏

ماذا أرى؟ هيهات يبتدئ الحريقُ،‏

ولا طريق سوى الرماد‏

إنها صورة سوداوية أخرى للمستقبل، فالإيمان بأن يتلاشى الموت عن الأشياء صار مزعزعاً.‏

إن الرمادَ الموت) ظاهرةٌ ضد الحريق) الذي يحمل في جنباته التغيير والانعطاف من حال إلى آخر، وقد وَرَدَ الحريق) في النص بصورته الإيجابية في هيهات يبتدئ الحريق)،كبناء معاكس للرماد للموت الذي يسيطر على كل الأشياء)، إلا أن هذا الحريق) لن يُكتَب له الاشتعال، فالموت أصاب أراجيح الطفولة، والعشب، والأوراق،والصباحات).‏

وقد يكون الرماد) في النص آت بمعنى السكون) الذي يلفُّ الأشياء، ولكنَّ السكون) أيضاً حالةُ من حالات الموت، لا ريب في هذا.‏

وفي كلا الاحتمالين هنالك شعور بالموت يلفّ أجزاء المحيط، وتتكثّفُ السوداوية المنطوية على الموت في هيهات يبتدئ الحريق) التي وقفناعندها سابقاً، فهيهات) بمعنى بَعُدّ) وهو شعار سوداوي بخلاص الأشياء من السكونية ومن الموت، لهذا فإن هذا التركيب هو محورُ العذاب في النص، ونقطة تحوُّلٍ لصالح الرماد)، لأن الحريق) بوضعه الإيجابي لم يعدْ في قاموس الشاعر.‏

إن الأشياء عند المعذب) في شعر الحداثة، عبر قضية الموت)، ترمز إلى قضايا متعددة، فالكهف) عند حاوي) رمزٌ للذات المظلمة المعتمة الميتة، والأشياءُ والعناصرُ عند رياض صالح الحسين) هي دائماً في حالة صراع مع الشاعر، وتفاجئه بصورة وحشية، وهو دائماً يتحدث عن الغرقة) التي ترمز إلى العزلة والانطواء، والابتعاد عن ساحة الحياة، والشتاءُ) عند الماغوط يرمز إلى الموت والكآبة في أحايين كثيرة(46) .‏

-ج- ترهُّل الزمن‏

لابد وأن توقُّفَ الزمن سيرافقه توقفٌ في مسيرة الحياة، ومن ثم تظهرُ معالم الموت على تلك الحياة.‏

لقد كان توقُّف الزمن في شعر الحداثة إحساساً نفسياً ينبئ بوطأة ذلك الزمن، فعندما يدرك الشاعرأنْ لا جدوى من الاستمرار في منظومة الحياة، فهذا يعني أن مرورَ الزمن على ذلك الإدراك سيكون طويلاً وممَّلاً،وينبع الإحساس باللاجدوى من ظروف اجتماعية سياسيةقاهرة، ليس تغييرها بذلك الأمر السهل.‏

النص الأول في حديثنا عن الترهُّل الزمني) كأحد أشكال الموت في شعر الحداثة، سيكون للشاعر خليل حاوي)، حيث توقَّفْنا، عند السمات العامة لهذا الشاعر، وتعرّفْنا على أحد أشكال الموت عنده وهو الموت الحضاري)، يقول الشاعر في قصيدة الكهف) من ديوان بيادر الجوع)(47) :‏

وعرفتُ كيف تمطّ أرجلّها الدقائقُ‏

كيف تجمد، تستحيل إلىعصورُ‏

وغدوتُ كهفاً في كهوف الشطِّ‏

يدفع جبهتي‏

ليلٌ تحجَرَ في الصخور‏

وتركتُ خيلَ البحر تعلكُ‏

لحم احشائي‏

تُغيِّبُه بصحراء المدى‏

- إن الصورتين الساطعتين لوطأة الزمن في النص هما:‏

1- الصورة الأولى وعرفتُ كيف تمط أرجلها الدقائق، كيف تجمد تستحيل إلىعصور). فترهُّل الزمن يودي إلى الموت لا محالة، ولعل تجسيد الزمن أرجلها الدقائق) يقرِّب إلى المتلقي صورة الزمن الممتدة والطويلة جداً عبر الفعل تمطّ)، وتُوحي من زاوية أخرى بحجم العذاب عند خليل حاوي).‏

كما أن ترُّهل الزمن، واللاجدوى الذي يرافق هذا الترهل، هو مستوى آخر من مستويات تعطيل الإرادة والشعور بقبح المحيط، فليس هنالك دافع نفسي إيجابي حيوي في ذات الحاوي) ليجعل الزمن متحرِّكاً ومواكباً للحياة، ولعل الحياة متوقِّفة، بالنتيجة لتوقُّفِ الزمن النفسي، وعليه فإن تعطيل الإرادة هذا يوضِّحُ صورةَ الموت.‏

ولقد ترافَقَ الإحساسُ بوطأة الزمن الموت) بصورةِ الذاتِ المعْتِمة الكهف) في تركيب وغدوتُ كهفاً في كهوف الشط)، وهذا ما يوطِّدُ عمْقَ العذاب،وعمْقَ الإحساس بالفناء القادم خلف وقوف الزمن.‏

ح- الصورة الثانية: ليلٌ تحجر في الصخور)، فهي إضافة إلى أنّها توحي بالظلام النفسي الدائم تشير إلى زمن نفسي لليل، زمنٍ مقيَّد لا يتزحزح كما الصخور التي على شاطئ البحر، ويترافق هذا التحجُّر للزمن بصورة مرعبة لتهديم الذات خيْلُ البحر تعلك لحم أحشائي)، مما يوضح أيضاً ملامح الفناء والعدمية في النص، ويُكسِبُ الزمنَ رعباً أكثر.‏

لقد رأينا صورتين من صور الزمن، الزمنِ الذي تلاشى وطال في آن فليس ثمة تناقض في هذا الكلام، فالدقائق التي تستحيل إلى عصور لا تستحقُّ أن تُعاش ولا قيمة لها على الصعيد الحياتي، لأنها ممتلئة بالفراغ والموت، ومن هنا ينبع تلاشي الوقت وطوله.‏

أما المقطوعة الثانية التي سنتوقف عندها فهي للشاعر فايز خضور)، فيمكننا أن ندرك من خلال هذه المقطوعة أن وطأة الزمن عند خليل حاوي) ذات أبعاد مرعبة أكثر من تلك الموجودة عند خضور)، ذلك أن الواقع انعكس علىنفسية حاوي) بصورة أشدّ سلبية من الصورة التي انعكس فيها على نفسية خضور)، ويمكن لنا أيضاً أن ندرك أيضاً أن /معذَّبَ/ حاوي) شمولي، إذ تظهر لدى هذا الشاعرتجليات المعذب مكتملة.‏

يقول فايز خضور) في المقطوعة السابعة من آداد): (48)

آداد‏

زمنٌ تحجّر في المكانْ‏

لا راهبٌ يعطيك مغفرة، ولا شيخٌ يطارحك الأمانْ‏

أُتُرّاك تحلم بالمسرهْ؟‏

إن وطأة الزمن في المقطوعة، تمر بصورة عابرة كجزء من المشاكل الكثيرة التي يواجهها الشاعر،وهذا الزمن نفسي بالتأكيد وينبئ بالموت، وبالشعور برؤية قاتمة للمستقبل، وأما المشاكل التي أشرنا إليها فهي تلك الاغترابات والإحباطات في القصيدة المطولة آداد) المؤلفة من ثلاثين مقطوعة.‏

نشهد في المقطوعة انتقالاً سريعاً من الحديث عن الزمن إلى الحديث عن قضايا ومصاعب أخرى لا راهبٌ يعطيك مغفرة، ولا شيخٌ يطارحك الأمان).‏

ولعل وطأةَ الزمن الموت) عند خضور) لم تترافق بفتك وانهيار لأجزاء وعناصر من جسد الشاعر كما رأينا عند خليل حاوي)، خيلُ البحر تعلك لحم أحشائي)، وهذا يُبرز كما أشرنا سابقاً- صورةَ الواقع المريرة جداً والمنعكِسة على ذاته، وهي تختلف عن صورة ذلك الواقع عند خضور)، ثم إنَّ وطأة الزمن عند حاوي) تنمُّ على صراع وجودي حاد، لأنها تترافق بمعطيات مخيفة، بينما يجئ ترهل الزمن في مقطوعة خضور) عائقاً في طريق ولادة حضارة مهلهلة وانبعاثها، والعائقُ هذا أيضاً موجود عند حاوي) إلا أنّه عائق قد تفاقَمَ،حتى لم يعد المتلقي يشعر بغير الموت معتلياً كلَّ شيء الأماكن، والكون، والأرض،والوجود بأكمله).‏

والأمر الجوهري في عذابات حاوي، أنَّ كل شيء يخالف رؤياه وتطُّلعاته يشكل لديه رعباً، لأن تفكيره يتأتّى من أن هذا الذي يخالف رؤياه هو مصدر من مصادر الموت الزمن، والمجتمع، والظروف السياسية، الخ....).‏

د- صورة اليأس:‏

ينمُّ اليأس علىوضع نفسي يشير إلى الإحباط والانكسار، فلا أمل يُرتجى في الخلاص من إنجازات الواقع السلبية التي تتشعَّبُ إلى أكثر من مستوى، ومن ثم فإنّ صورة اليأس) لابد لها من أن تحمل بين طيَّاتها الكثير من السوداوية.‏

يظهر اليأس في قصائد عديدة للشاعر نزيه أبو عفش)، إذ طالما يذكر هذا الشاعر الموت ومفرداته، وتتوقف لديه كلُّ العوالم المشرقة، وينطوي على ذاته المتألِّمة من كل مظاهر الحياة، يقول في قصيدة أحزان ليلة الميلاد) مخاطباً فيها ليلة عيد الميلاد(49) :‏

ويمطر في جبيني الموتُ‏

يغزو ليل أعيادي‏

ولا جدوى‏

بلا عينينِ أرصدُ بابكِ الموصدْ‏

أواكبُ خاطري المجهدْ‏

كأني لم أطفْ يوماً بخاطر هذه الدنيا‏

ولا طفْتِ‏

وها أنا خلفَ مدِّ اليأسِ في دوَّامةِ الموتِ‏

أعاينُ بابك الموصدْ‏

وخلفي ألفُ نافذةٍ تلحُّ، تثير أحقادي‏

ولا أهتمُّ‏

حسبي ليلةَ الميلاد أني دون ميلاد‏

إنَّ المكوِّنات الأساسية لحالة اليأس في النص آتية من تَعَدُّدِ اتجاهات الموت وشدَّتهِ ويمطرُ في جبيني الموت)، ويبدو أن تلك الوطأة للموت جَعَلَتْ من صورة العيد قاتمةً، فلم يعدْ هنالك جدوى من الحديث عن أيام سعيدة، بل إن الأيام كلها سواء، وكلها عبارة عن زمن فارغ من حيويةِ الحياة ونشاطها.‏

ولعل الجوهر الذي قامت عليه المقطوعة هو المقارنة بين الولادة بالمفهوم العام، أي دوافع العيش على أرض الواقع بكل أشكالها، وبين مقومات الموت المحيطة، وذلك عبر الصراع القائم والمتواصل بين هذين النقيضين الولادة، الموت)، بيد أن دوافع العيش عبْر سياق النص تتراجع بشكل كبير، لِتَدْخُل حيِّز العدمية، نتيجةً صدمات متكررة شهدِتْها ذات الشاعر مدة زمنية طويلة، لهذا فمن البدهي أن تأتي ليلة عيد الميلاد ميتة، ولا جدوى) بعد ذلك من الإيمان بأي شكل من أشكال الخلاص والأمل والتفاؤل، كأني لم أطفْ يوماً بخاطر هذه الدنيا ولا طفْتِ).‏

وعليه فإن الشاعر يربط بين اليأس) والموت)، لأنّ اليأس) هو حافة من الحواف المشرفة مباشرة على العدمية وها أنا خلف مدِّ اليأس في دوامة الموت)، تلك الدوامة) التي تنبئُ بخلل وصراع نفسيين وتُظهر غياب الشاعر الفعلي عن دائرة الحياة)، لأن تلك الحياة) لم يعد لها جدوى، بل ليس هنالك في الواقع من محرِّضات إيجابية تجعل الشاعر يقوم بأيِّ حركةٍ وتواصلٍ مع مستويات الحياة وأشكالها، وخلفي ألفُ نافذةٍ، تلحُّ، تثير أحقادي).‏

يضمحلُّ الحديث في قصائد نزيه أبو عفش) التي تتناول صورة اليأس) عن جزئيات البيئة والظروف، التي جعلتْ منه يائساً، بينما يُبرز الأثر النفسي لتلك الجزئيات بشكل كبير(50) .‏

المقطوعة الثانية في حديثنا عن اليأس للشاعر عبدالكريم الناعم) بعنوان تحية الظلام) يقول فيها(51) :‏

دُفِنَتُ، ومتُّ من زمنٍ بعيدٍ لستُ أدركُهُ‏

أعيشُ بظلمةِ الأوثانِ مدفوناً بأحشائي‏

ومصلوباً بكفِّ الغيبِ مشدوداً لأشيائي‏

وتعْوي الريح في صدرٍ من الفخَّارِ،‏

واديه‏

فسيحٌ كاتساعِ الأفقُ في أحلامِ بحَّارِ‏

إن تغييبِ الذات عن ساحة العمليات الحياتية) تغييباً لا عودة بعده هو اليأس) من مجمل تلك العمليات دُفنتُ، ومتُّ من زمنٍ بعيدٍ لستُ أدركه)، والمقطوعة تُظهِرُ هرباً حاداً نحو أعماق النفس، ولم يكن هذا الهرب بحميد، لأن الظلام والموت موجودان أيضاً في تلك الأعماق، بل إن أعماق الذات هي أحد الأماكن الكثيرة التي مات فيها الشاعر مدفوناً بأحشائي)، ويبدوأن الأوثان) في النص على صلة وثيقة بعملية التغييب والدفن لماتحمله من إيحاءات، لاسيما تلك الإيحاءات الدينية التي تصوِّر الأوثان على أنها مصدر للتيه والضلال.‏

لقد اتسعت دائرة اليأس في المقطوعة اتساعاً أخذ أبعاداً ميتافيزيقية مصلوباً بكفّ الغيب)، حيث ندرك أن هناك قوة خفية تتحكم بالشاعر، وهذا التحكُّم ضمن سياق المقطوعة يفضي إلى الموت، فحالةُ الصلْب) حالة موتٍ لا محالة،لما تنطوي عليه من وضعٍ سكوني يسم الكائن المصلوب)، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الصلب) حالة قهريةغير إرادية تُضاف إلى حالة اليأس والعدمية في النص.‏

تترسخ العدمية، ومظاهر اليأس في نهاية المقطوعة عبر التصوُّر المرعِب الناتج عن عواء الريح) الذي يثير في المتلقي شعوراً بالخواء وبالقلق، فـ عواء الريح) كامن في صدرٍ من الفخار) ووواديه فسيح كاتساع الأفق في أحلام بحّار)، والوادي الفسيحُ) لا يعطي شعوراً بالراحة -ضمن سياق النص- لاقترانه بالخواء وبعواء الريح،وكلما اتسع هذا الوادي اتسعت العدمية،وكلما اتسعت أحلام البحّار،كبرتْ مشاكل الشاعر وكبرَ إحساسه باليأس، فَخَرَجْت كلمةفسيح) عن معناها الجميل في ذاكرتنا، وانطوت على معنى قبيح)، وكذلك أحلام البحار) التي توحي أصلاً بالأمل والإشراق.‏

هنالك قصائد أخرى لشعراء آخرين تحدّثوا فيها عن اليأس انطلاقاً من عدمية التواصل مع هذه الحياة، شعوراً منهم بخواء التحرّك وممارسة الحياة في ظلِّ واقع مرير ومن هؤلاء الشعراء أدونيس(52) الذي يعبّر بلغة أقرب إلى الومضة وإلى التداعي عن حالة الفراغ اليأس الذي يختلط بالسواد القائم في كلِّ شيءٍ.‏

كما أن أورخان ميسر في اثّنان في واحد)) وفي سريال)) يعرض العدمية بصورة مرعبة، العدميةِ التي أصابت الذات من الداخل، وجعلتْ منها كهفاً مهجوراً، ويحلم أورخان ميسر بعالم مثالي(53) ، فهو ما زال متأثراً بالرومانتيكيين في أحلامهم، على الرغم من أن ديوانه سريال) اخترق الأبنية الفنية للرومانتيكيين، وحتى بعض الأبنية الفنية في شعر الحداثة، وذلك بالميل إلى النثر "فكان -سريال- دعوة لقلب نظام القيم الشعرية الثابتة، والبحث عن قيم بديلة، متحوِّلة. بهذا المعنى -سريال- كتابٌ هدمي، ذو أفق نظري - السوريالية، وذو أفق إبداعي -قصيدة النثر- وبالتأكيد إن هذين الأفقين كانا مترابطين عضوياً. إذ إن التحرر من الشكل الخارجي -لابد أن يرافقه تحرر آخر من -الشكل الداخلي.))(54) .‏

فاليأس والشعور الحاد بالسوداوية وبالعدمية أمورٌ تترافق -على الصعيد النفسي- وحالة من حالات الحصر القلق المتطور)، فـ "ثمَّةَ الحصر الرهن أمام شيء واقعي) والحصر العصابي حصر لا موضوع، ولكنه حصر بهيئة قلق أساسي) إنهما حصرا الأنا على وجه الضبط، وينشأ أولهما عن الأوضاع، والثاني عن الصعوبات الحالية، بوصفها صعوبات نصف شعورية وتحجبها الأنا"(55) .‏

والذي يهمنا هو حالة الحصر الأولىأمام شيء واقعي)، أي أن ما يحدث في الواقع عبر نظرة سلبية للحدث)،وتكرار المظاهرالسلبية في المحيط، يؤدي بالمرء إلى عدم الاستقرار وإلى عدم الطمأنينة وإلى الإحساس بالقلق الذي يتطور إلى مرحلة الحصر)، ومع تفاقم هذا الحصر) يولد اليأس.‏

- هـ - صورة المرأة:‏

إن المرأةَ في الشعر العربي المعاصر "قد أصبحتْ بؤرةَ ترابطاتٍ تتراكبُ في صورتها صورُ الذات والأعماق والوجود والتاريخ والقهر والاستبداد، وكلُّ مافي الكون من جمال وقبح"(56) ، وانطلاقاً من هذا فإن صورتها أيضاً تتعدَّدُ في القصيدة بين عدة مستويات من خلال ارتباطها بالسوداوي العدمي) على الشكل التالي:‏

(1) جابر، يوسف حامد، قضايا الإبداع في قصيدة النثر ص71-72‏

(2) شكري، غالي 1978- شعرنا الحديث إلى أين؟ دار الآفاق الجديدة، بيروت ص174-175‏

(3) بنيس، محمد 1985- ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب ط2 دار التنوير للطباعة والنشر -الدار البيضاء ص353‏

إن الانتقائية عند البرجوازية الصغيرة تعني أن هذه الطبقة لا يمكن لها أن تمتلك طرقاً متنوعة في اختياراتها الأيديولوجية لأنها لا تستطيع أن تفعل أكثر من الجمع بين المتناقضات لتؤلف بينها وحدة وهمية، أما احتقارها للنظرية فيشير إلى أن موقف هذه الطبقة تجاه الفكر النظري يختلف عن باقي الفئات حسب الظروف، وبصفة عامة فإن الحركات البرجوازية ترفض وتحتقر النظرية في بداية نشاطاتها السياسية، وهي متذبذبة لأنها تفتقر للاستمرار والصلابة سواء في الفكر أو الممارسة فهي تعدل مواقفها الإيديولوجية وخاصة زمن الأزمات، وأما الدعوة إلى التقنية: فهي الوجه الآخر لتمجيد كل المظاهر العصرية لأوربا التعليم، العلم، الصناعة، الخ..)‏

(4) اليوسف، يوسف سامي 1980 الشعر العربي المعاصر، مطبعة الكاتب العربي، دمشق ص26‏

(5) المرجع السابق ص26-27‏

(6) السياب، بدر شاكر، 1971، الديوان، دار العودة، بيروت، ص 186-187.‏

(7) نادو، موريس، 1992 تاريخ السوريالية تر: نتيجة حلاق وزارة الثقافة، دمشق، ص19‏

(8) نن، أناييس 1983- رواية المستقبل تر: محمود منقذ الهاشمي وزارة الثقافة، دمشق ص10-11‏

(9) كاروج، ميشيل، 1973- أندريه بروتون والمعطيات الأساسية للحركة السوريالية، تر: اليأس بديوي وزارة الثقافة، دمشق، ص229-230‏

(10) هايمن، ستانلي، 1958- النقد الأدبي ومدارسه الحديثة ج 1- تر: د. إحسان عياش، محمد يوسف نجم، دار الثقافة بيروت، ص207‏

(11) عبود، حنا، القصيدة والجسد ص70‏

(12) عساف، عبد الله، الصورة الفنية في قصيدة الرؤيا، ص103‏

(13) الماغوط، محمد، 1973- /الأعمال الكاملة/ دار العودة- بيروت ص305-306‏

(14) من هذه القصائد قصيدة /سماء الحبر الجرداء/ يقول فيها:‏

لقد سئمتك يا بيروت‏

ياسرطاناً من الحرير‏

لا المرأة ولا الحرية‏

لا الشرف ولا المال‏

يزيل هذا اليأس من قلبي‏

دعيني أحتضر فوق الجبال‏

دعيني أرفرف كالنسر بين الأقدام‏

المجموعة الكاملة، ديوان /غرفة بملايين الجدران/ ص214-215‏

(15) كنعان، علي 1979- /ديوان أعراس للهنود الحمر/ ط1- دار المسيرة، بيروت ص54-55‏

(16) يقول أنسي الحاج في قصيدة نشيد البلاد:‏

يا بلادي من الأعماق لا أناديك‏

لم أقرأ قصتك، وأتمناك رحماً‏

أفزّره‏

خائن!‏

يا بلادي، أتزوجك لأتقذّر‏

حظي معك منك، تجنين كيف لا أبالي بكِ،‏

تجنين حقيقة؟ رحنا إلى المحلات‏

فتنتكِ رصاصة‏

هيجتُكِ ولم تطلقي‏

ديوان، لن) 1982- ط2 المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت ص81‏

(17) اليوسف، يوسف سامي، الشعر العربي المعاصر، ص128‏

(18) أدونيس، 1968- المسرح والمرايا ط1- منشورات، دار الآداب، لبنان، بيروت ص261-262‏

(19) الخال، يوسف 1979- الأعمال الكامنة/ قصائد في الأربعين/ ط2- دار العودة -بيروت ص243‏

(20) بغدادي، شوقي 1969- أشعار لا تُحَب، مطبعة الجمهورية، دمشق ص79‏

(21) خاطر، مروان، 1994- الأعمال الشعرية ط1- المطبعة العلمية، ص193‏

(22) الجندي، علي، 1969- الحمّى الترابية المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت ص16-15‏

(23) فرويد، سيجموند، 1970- الموجز في التحليل النفسي تر: سامي محمود علي، عبد السلام القفاش، راجعه مصطفى زيور -دار المعارف في مصر ص114‏

(24) يقول فايز خضور:‏

لَعَنَتْني أمي من صِغَري‏

مَنْ غيري يهفو للعنهْ.؟!‏

ألأنّي كنتُ ألصّ البيضْ،‏

والقمحَ لأبتاع الحلوى؟!‏

أم أني من أعصاب البلوى‏

كُوّنْتْ لأرْفَضَ حتى الرفضْ!!‏

درتا) /الديوان/ فايز خضور ط1-دار الأدهم، للطباعة والنشر ص5‏

(25) الخواجة، دريد يحيى 1981- ،الصفة والمسافة/ اتحاد الكتاب العرب، ص95‏

(26) خضور، فايز، الديوان، ص453‏

(27) خضور، فايز، الديوان ص453‏

(28) الحسين، رياض صالح، 1982- بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس/ ط1- دار الجرمق للطباعة والنشر، دمشق ص67‏

(29) يقول محمد الماغوط في قصيدة أغنية لباب توما)‏

أشتهي أن أكون صفصافة خضراء‏

قربَ الكنيسة‏

أو صليباً من الذهبِ على صدر عذراء‏

تقلي السمك لحبيبها العائد من المقهى‏

وفي عينيها الجميلتين‏

ترفرف حمامتان من بنفسج‏

أشتهي أن أقبل طفلاً صغيراً في باب توما‏

ومن شفتيه الورديتين‏

تنبعث رائحة الثدي الذي أرضعه‏

فأنا ما زلت وحيداً وقاسياً‏

أنا غريب يا أمي‏

-/الأعمال الكاملة/ ديوان /حزن في ضوء القمر/ ص25-26‏

(30) عبود، حنا، القصيدة والجسد، ص183‏

(31) منصور، محمد منير، الموت والمغامرة الروحية ص93.‏

(32) داكو، بيير، الانتصارات المذهلة لعلم النفس ج1- ص37‏

(33) ماكوري، جون، عالم المعرفة/ الوجودية/ عـ 58- ص363‏

(34) زيلسكي: جون فون 1982 المأساة والخوف تر: عارف حذيفة- وزارة الثقافة دمشق ص67‏

(35) مروة، حسين، 1986- دراسات في ضوء المنهج الواقعي، ط3- مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت ص118‏

(36) حاوي، خليل 1972 /الديوان /نهر الرماد/ دار العودة، بيروت لبنان ص92-93‏

(37) ميخائيل، امطانيوس، دراسات في الشعر العربي الحديث ص39‏

(38) عدوان، ممدوح 1985 الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة -بيروت ص58‏

(39) خنسة، وفيق، دراسات في الشعر السوري الحديث ص90-91‏

(40) المرجع السابق ص87‏

(41) يقول علي الجندي في قصيدة /الكوابيس/:‏

هذي نوارس أيامنا الزائلة‏

تراوح فوق الصخور العتيقة‏

تنعق، تنقضّ‏

تهجر أوكارها الزبدية‏

ترحل صوب المحيطات تاركة خلفها وحشة آهلة‏

1978- ديوان /النزف تحت الجلد/ اتحاد الكتاب العرب/ دمشق ص66‏

(42) ميخائيل، امطانيوس، دراسات في الشعر العربي الحديث ص231‏

(43) عمران، محمد 1982، قصيدة الطين، وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق - ص 31-32.‏

(44) يقول محمد عمران في قصيدة /عاش القرنفل مات القرنفل/ 1984 الأزرق والأحمر، اتحاد الكتاب العرب دمشق ص39‏

القمحُ، صوتك، لم يعد أخضر‏

فلِمَ البطاقات التي تدعو العصافيرا؟‏

ولِمَ السفارات التي أنشأت عبر‏

عواصم الأعناب والسُكّرْ؟‏

ولِمَ القناديل التي أشعلت‏

تجتذب المزاميرا؟‏

القمحُ صوتك، لم يعد أخضر‏

فاجلسْ إلى شفتيك يابستين‏

وانتظر المساميرا‏

(45) خضر، مصطفى، 1984- المرثية الدائمة، مطبعة وزارة الثقافة- دمشق ص18‏

(46) يقول محمد الماغوط):‏

غداً يتساقط الشتاء في قلبي‏

وتقفر المنتزهات من الأسماك والضفائر الذهبية‏

وأُجهشُ ببكاء حزين، على وسادتي‏

وأنا أرقبُ البهجة الحبيبة‏

تغادر أشعاري إلى الأبد‏

والضبابُ المتعفن على شاطئ البحر‏

يتمدَّدُ في عينيّ كسيل من الأظافر الرمادية.‏

/المجموعة الكاملة/ ديوان/ حزن في ضوء القمر ص 35-36.‏

(47) حاوي، خليل، /الديوان/، ص 279.‏

(48) خضور، فايز، الديوان، ص 428.‏

(49) أبو عفش، نزيه 1968، الوجه الذي لا يغيب ط1، ص 110-111.‏

(50) يقول نزيه أبو عفش في قصيدته /بطاقة قديمة/‏

جفّ عمري، أوراق السلّ بأعماقي‏

شراييني استحالت عُمْدا‏

جسدي؟‏

يضحكني لونُ الخريفِ الميْتِ في جبهتي الصفراء‏

في قلبي المريضِ‏

وأنا... ماذا أنا؟‏

ترهبني العتْمةُ في عمقِ الحضيضِ‏

ديوان /الوجه الذي لا يغيب/ ص 127.‏

(51) الناعم، عبد الكريم، 1965، زهرة النار، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دمشق ص 49.‏

(52) يقول أدونيس / المقطع 7/ من أوراق في الريح.‏

لا أنام:‏

أضلعي شوكٌ، حناياي حطامٌ‏

ليس في عيني ضوءٌ ليس في وجهي كلامَ‏

غمر النور الظلامُ‏

1971 المجلد الأول وراق في الريح) ط1 دار العودة - بيروت ص 199.‏

(53) يقول أورخان ميسر في قصيدة /قصائد غير منشورة/‏

ليس ما أملؤه الآن‏

هو جوفي الفاغرَ فاهٌ للعدم‏

إنما هي رئات كهفي العطشى لذوب الغاب‏

هذا الذوب الذي تاه في سكره ليسكرنا معاً‏

شوكٌ يستيقظُ من رقاد طويل‏

ويكبو منهمكاً من بعض قطرات دم‏

فيضٌ من زهور، وفراش وألوان‏

يضع ساعات،‏

قبور‏

جمجمة في قعر وادٍ سحيق، الخ....‏

1979* مجموعة /-سريال-/ اتحاد الكتاب العرب - دمشق- ص 78-79.‏

(54) باروت، محمد جمال، الشعر يكتب اسمه، ص 11.‏

(55) لوغال، أندريه، 1988، القلق والحصر، تر: وجيه أسعد، وزارة الثقافة، دمشق ص 129.‏

(56) اليوسف، يوسف سامي، الشعر العربي المعاصر، ص 25.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244