" المعذب " في الشعر العربي الحديث فـي سوريا ولبنان من عام 1945 إلى عام 1985 - ماجد قاروط

دراسات جمالية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

1- صورة الأنثى المنقذة:

إن المرأة بالنسبة لـ محمد عمران) مازالت حلماً، حلماً جميلاً يسعى إلى تحقيقه، فهي تدخُلُ كعنصرِ فعَّال في قصائده عبر الحالة الصوفية القائمة بينه وبين عناصر الخارج فـ "المرأةُ دائماً طَرَفٌ في حوار، يبادلها الشاعر همَّه، وأحزانَهُ ويأسه، وفي ذلك تطوُّرٌ إيجابي لصالح الشاعر، أقصدُ معاملة المرأة كندٍّ يحاوره ويحترمه، وعلى الرغم من أن الحب هو كل شيء بالنسبة للشاعر وأن الحب هو الباب الباقي للشعر بالنسبة للشاعر أيضاً، على الرغم من ذلك كله، فالشاعر وحيدٌ وحْدَتُه هنا تعني أنّ علاقته مع المرأة غير صحيَّة، فلو كانت صحيِّةً، لأشبَعَتْ رغباته من جهة، ولملأ الحبُّ فراغه الداخلي من جهة ثانية، وليس من المعقول أن الشاعر لم يلتقِ بواحدة جديرة بحبه -"(1) ولهذا فهو في حاجة ماسة إلى الحنان الأنثوي كعاملٍ من عوامل الخلاص من الفراغ والعدمية.‏

يقول محمد عمران في قصيدة مزمور)(2)

مهجورةٌ شوارع قلبي‏

امنحيها تنفُّسَ قدميكِ‏

كانت لي أرصفُةُ وأشجار‏

هاجرتُ مع الدم الذي هاجر‏

كانت لي أغانٍ، ضحكاتٌ، ورنينُ قُبّل‏

اختنقتُ في مِلْجأ انهار‏

كانت لي غابةُ أقدام‏

اقتَلَعَتْها القنابلُ‏

امنحيني تنفُّسَ قدميكِ‏

قلبي كالشواطئ آخر الليل‏

في البدءِ ينطوي العذاب على الشعور بالفراغ وبالعدمية مهجورة شوارع قلبي)، وهذا الشعور يضع الأنثى كمعادلٍ فعّال في مواجهة عملية انهدام الذات وتراجعها عن فعل الحركة والنشاط امنحيها تنفُّسَ قدميك).‏

بعد ذلك يعرض الشاعر حالةَ الاستقرار الماضية، الحالَةَ التي سَبَقَتْ نقطةَ الانعطاف باتجاه العدمية فقد كانت له أرصفة وأشجار)، إيحاءً بأن هنالك صورةَ أمان واطمئنان وتوازنٍ مع المحيط، إلا أنّ وجود الفعل الماضي كانت) يوحي بأن الحالة تغيَّرَتْ وتبدَّلتْ من الوضع الآمن إلى الوضع غير الصحي هاجرتَ مع الدم الذي هاجر)، ويتوالى الحديث عن الماضي الغابر بصوره البهية والجميلة كانت لي أغانٍ، ضحكات، رنين قُبُلَ) وما لبثت أن تغيَّرَت تلك الصور أيضاً، بل ماتت، اختنقتْ في ملجأ أنهار)، حيث الأنهار) بصيغة الجمع تشير ضمن سياق النص -الذي بنئ بالفراغ- إلى تعاظم وتَشَعُّبِ مصادر اليأس والإحباط، وكذلك كان الأمر في كانت لي غابة أقدام)، اقَتَلَعَتْها القنابل)، فكثرةُ الأقدام التي كان يملكها الشاعر سابقاً تُبرِزُ مقدار التفاؤل والحيوية في معتَرَكِ الحياة، لأن الأقدام هي تَعَدُّدُ لمستويات ذلك التفاؤل، وأما القنابل) فإنّها مجموعة الصور القاتمة ذاتُ الفعل التخريبي التي تعمل في ساحة الواقع مؤديةً إلى ذلك الموت الذي رأيناه في مطلع المقطوعة مهجورة شوارع قلبي).‏

إن تلك الصور القاتمة بحاجة إلىفعلٍ جبار يعيد الإشراق إلى سابق عهده، لهذا أصرَّ الشاعر على وجود الأنثى تجسيداً لذلك الفعل امنحيني تنفُّس قدميكِ)، وذلك كحالة مضادة للقنابل ولللاختناق وللهجران، حيث الهجران في هاجرتُ مع الدم الذي هاجر) هو انزياح وخلل في عمل الأنا) وانتقالٌ للذات من التوازن إلى الهوة التي تفصلها عن معطيات الحياة بمظاهرها الجميلة.‏

2- صورة الحب:‏

نعني هنا الحب) بشكله العام تجاه الأنثى)، حيث يشكل هذا الحب) حالة ولادة وانبعاث عند رياض صالح الحسين)، الذي يقول في قصيدة له بعنوان الحب):(3)

الحُبُّ ليس حَبَّةَ أسبرين‏

نتناولَها عندما نشعرُ بالصداع‏

وليسَ نكتةً خفيفةً‏

نتداولها في أوقات الضجر‏

الحبُّ ليسَ وردةً للزينةِ‏

ولاكأساً مكسورةً لسلة المهملاتِ‏

الحبُّ...‏

شهادةُ ولادةٍ دائمة‏

نحملها برأس مرفوع.‏

لِنخترقَ شارعَ المذبحة‏

فالحبُّ في نص رياض صالح الحسين) ولادةٌ وانبعاث في زمن الموت المرير، إن حبَّة الأسبرين، النكتة الخفيفة، وردة الزينة) صورٌ للرفاهية التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية، غير أن شخصاً يعيش الموت كـ رياض صالح الحسين) لايمكن له أن يقبل من الحبِّ إلاّ أن يكون عملاً إلهياً جبّاراً ويستغرق زمناً طويلاً لا وسيلة مؤقتةً من وسائل الرفاهية، فاختراقُ شارع المذبحة) ليس بالأمر السهل، والحبُّ) بما يملكه من سمات وصفات سامية قادر على أن يخترق أشدَّ الصعوبات وأمرَّها.‏

ليس شارع المذبحة) في النص سوى مسرح الواقع الذي يشكِّلُ بؤرةً من بؤر العدمية والفراغ؛ إنّ المذبحة) تعبير قاس وحاد عن حالة عميقة عند الشاعر في طريق الموت.‏

إن ذاكرتنا تحتفظ بالكثير من الألم والحزن حول طبيعةالمذبحة) وجوهرها، فالشاعر لايصرح بمكانٍ أو بزمانٍ أو بتسميةٍ للمذبحة) بيد أنّه من الضروري أن ندرك أن تلك المذبحة) توحي بشكلٍ أو بآخر بحالة لا شعورية) بأن رياض صالح الحسين) يعيش عذابات مضنية ومرعبة.‏

3- صورة الخلل في العلاقة مع الأنثى:‏

في هذا الجانب سنقف عند الشاعر أنسي الحاج)، لندرك أن هنالك شيئاً غير متوازن في العلاقة بين الشاعر والأنثى، أدَّى إلى حالة القطيعة يقول في قصيدة حوار):(4)

قولي: بماذا تفكِّرين؟‏

أفكُرُ في شمسِكَ التي لاتنيرني يا عاشقي‏

قولي: بماذا تفكِّرين؟‏

أفكِّرُ فيكَ، كيف تستطيع أن تصبرَ على برودةَ قلبي‏

قولي: بماذا تفكِّرين؟‏

أفكِّرُ يا عاشقي في جبروتِكَ، كيف‏

إنك تحبني ولا أحبُّكَ.‏

يعرض النص صورةً من صور الانكسار المريرة الناتجة عن القطيعة بين الشاعر والأنثى التي يحبها، فالتساؤلات المتكررة بماذا تفكرين) تفرض إيقاعاً من الإحباط المتولِّد عن الإجابات القاتمة للأنثى والتي لا تعطي مجالاً للأمل.‏

إن الأنثى عامل من عوامل الطمأنينة للشاعر، بيد أن تلك الطمأنينة لم تتكَلّلْ بالنجاح، ذلك أن المقطوعة تحمل في طياتها معالم القطيعة والانفصال بين الشاعر ومحبوبته التي يحبُّها ولا تحبه، ولهذا تتجلَّى في المقطوعة مسألة الحرمان العاطفي.‏

تتصاعد الحالة في النص من خلال الإجابات التي تُدْلي بها الأنثى، فالإجابة الأولى أُفكِّرُ في شمسك التي لا تنيرني) تشير إلى ملمحِ من ملامح القطيعة، فهنالك توصيف للعلاقة غير المتوازنة بين الطرفين الشاعر، الأنثى).‏

أما الإجابة الثانية كيف تستطيع أن تصبرَ على برودة قلبي) فتُبرز ملامح الفتور في تلك العلاقة من جهة، ومحاولة الشاعر التغلب على هذا الفتور من جهة ثانية، فهذا الفتور آتٍ من جانب واحد الأنثى).‏

أما الإجابة الثالثة التي تشكِّلُ حالةَ الصدمة بالنسبة للشاعر كيف أنك تحبني ولا أحبكَ) فهي تعكس صورة القطيعة بشكل كلي، وهي ذروة العلاقة ونتيجتها المؤلمة على ذات أنسي الحاج)، ولا مجال هنا للحديث عن الفنِّيات في حديثنا عن تصاعد الحالة، فربما يكونُ تصاعد الحالة مترافقاً بفنيات عالية وربما يكون غير مترافق، وهذا ما سندركه في حديثنا عن السمات الفنية لصورة المعذب في شعر الحداثة).‏

وهنالك بعض القصائد الأخرى التي تتحدث عن حالة الخلل في العلاقة بين الشاعر والأنثى، التي تتشابه وعلاقة أنسي الحاج) بالأنثى، في أنها حالة خلاصٍ غير أن تلك الحالة لا يُكتب لها الظهور والنجاح.(5)

3- النموذج المقموع:‏

المقموع) أحد تجليات المعذب التي تُبْرِزُ خضوعَ الشاعر لظاهرة سلطوية في الواقع، تحدُّ من حريته، وتقيِّد تفكيرَه، فجاءت القصيدة منقِذاً لشخصية المعذبِ من ذلك القيد من جهة، وتنفيساً عن همومها من جهة أخرى.‏

إن السلطةَ لا تمثل الأنا الأعلى) بالنسبة إلى الشاعر، وهي مُخالفة لهذا المصطلح النفسي الذي يشير إلى الضمير الجمعي إن صحَّ التعبير،وإلى هذا الأمر يشير سيجموند فرويد) في كتابه عسرْ الحضارة) في حديثه عن القلق فيقول: "إن للشعور بالذنب أصلين:أحدُهما هو القلقُ حيال السلطة، والآخر، وهومتأخر، القلق حيال الأنا العليا)، الأول يرغم المرء على الإقلاع عن إرضاء اندفاعاته. والآخر يدفع المرء فوق ذلك إلى معاقبة نفسه بنفسه، إذ من المحال إخفاء استمرار الرغبات الممنوعة عن الأنا العليا)، وقد رأينا أيضاً كيف يمكننا فهمٌ قسوة الأنا العليا)، أي أوامر الضمير. إنها مجرد استطالة لقسوة السلطة الخارجية التي حرمتها من ممارسة وظائفها وحلّت محلها جزئياً"(6) .‏

وهكذا فإن سلطة الأنا الأعلى) تختلف عن السلطة) التي سوف نتحدث عنها وهي فئة معينة من الأفراد تحدّ من حرية الآخرين وتتحكم بمصائرهم).‏

ولابد لنا من الإشارة إلى أمرٍ على قدرٍ كبير من الأهمية وهو أن كلمة الذنبْ) التي وَرَدَتْ في بداية المقبوس لـ سيجموند فرويد) توازي إلى حدٍ كبير معنى كلمة الإحباط)، وليست تعني الذنب) الذي نعرفه أي ارتكاب الخطيئة)، فلو أنها جاءت بمعناها الحقيقي لأصبحت السلطةُ) بمفهومها القمعي) حالةٌ إيجابية، وهذا لم يُرْدْه فرويد) من خلال حديثه.‏

من القصائد التي تتحدث عن /المقموع/ قصيدة للشاعر /محمد الماغوط/ بعنوان/ القتل/ يقول فيها: (7)

أنام وعلى وسادتي وردتان من الحبرِ‏

الخريفُ يتدحرجُ كالقارب الذهبي‏

والساعاتُ المرعبةُ تلتهبُ بين العظام‏

يدي مُغْلَقُةُ على الدم‏

وطبْقَةٌ كثيفة من النواح الكئيب‏

تهدرُ بين الأجساد المتلاحقةِ كالرمل‏

مستاءةً من النداء المتعفِّن في شفاه غليظةٍ‏

تثيرُ الغثيان‏

حيث تصطكُّ العيونُ والأرجل‏

وأنينٌ متواصلٌ في مجاري المياه‏

شفاهٌ غليظةٌ ورجالٌ قساةٌ‏

انحدروا من أكَمَات العْنف والحرمانِ‏

ليلعقوا ماءَ الحياةِ عن وجوهنا‏

تتصاعد حالة القمع في النص عن طريق سرد الاضطرابات النفسية المرافقة قبل الوصول إلى ذروة الحالةالقتلْ، الموت) في نهاية النص، لأن هناك انتظاراً -مفعماً بالقلق- للمصير النهائي المرَوِّع للنموذج المعذب المطروح في النص، بل إن هناك نماذج معذبة ومتعدِّدة هي التي تجتمع حول مِحْوَرَي القمع) والعذاب): فالخريف الذي يتدحرج والساعات المرعبة واليد المغلقة على الدم وطبقة النواح الكئيب، صورٌ نفسية تشير إلى القلق الذي ينتاب الذات وهي تستعدُّ لوضعها النهائي، الذي ينطوي على الموت)، وتَتَوضَّحُ في النص من خلال تصاعد الحالة صورةُ السلطة رويداً رويداً شفاهٌ غليظة ورجال قساة).‏

تتنهي الحالة في النص بشكل مرعب من خلال الفعل السلطوي ليلعقوا ماء الحياة عن وجوهنا)، هذا الفعل النهائي الذي يقوم على أقسى درجات التسلُّطِ التي تصل إلى الموت، وإلىتقييد الحرية بصورة مطلقة.‏

إن ملامح الشعور بالموت المترافقة بالقمع تبدأ من مطلع النص، فليس الخريف الموجود في بدايات المقطوعة سوى شكل من أشكال الموت، كذلك الساعات المرعبة واليد المغلقة على الدم، توحي هذه الأشياء بأن الأحداث القادمة أحداثٌ مميتة، ثم يتحقَّقُ الموت فعلاً كنهاية لأفعال السلطة.‏

وإذا كان الماغوط قد عَرَضَ قَمْعَ) السلطة بهذه الصورة الواضحة، فإن محمد عمران) قد عرض قضية قمْعِ الحلم)، وهي من القضايا التي توحي بمدى اتساع الحالة السلطوية، التي وصلت إلى عناصرعلى صلة وثيقة بنفسية الإنسان ألا وهي الحلم).‏

إنَّ بَحْثَ محمد عمران) عن العالم المثالي عن طريق الحلم قد اصطدم بعائق السلطة، التي فَرَضَتْ سطوتها على كل شيء في ساحة الواقع، يقول محمد عمران في قصيدة /الدخول بين الوردة والدم/(8)

أُسائِلُ: أين طريقي إلى وطن الحلْمِ؟‏

يُمْسِكُ بي الحرس الملكي على كل منعطفٍ‏

وأساقُ إلى السجن‏

- أنت تهرِّب حزناً غريباً-‏

- أهرِّبُ حزن التحول. حزناً‏

يصادره باعةُ الموت في وطني‏

المخبرون، وكلُّ الذين يخافون أن تخلع‏

الأرض سادتَها وتنامُ‏

على سرر الفقراءْ).‏

- خذوه إلى المقصلهْ‏

عندما يصبح تغيير الواقع معضلةً، فلابد من البحث عن مقوِّمات لواقع آخر، وقد تجسَّدَ هذا البحث عند عمران) عبْرَ وطن الحلم)، الذي يمتلك مقوِّمات الاستقرار والسعادة، ولكن هذا البحث عبر الحلم) يتعرَّض للقمع أيضاً، الأمر الذي يوحي بأن الخوف قد امتدَّ واتسع ليمتد على عناصر ذات طابع نفسي عميق الحلم)، ثم إن التساؤل أين طريقي إلى وطن الحلم؟)، ينم على العوائق المفروضة على تلك الحالة النفسية الحلم)، ولعل تركيب يمسك بي الحرس الملكي على كل منعطف) تعزيزٌ لتلك العوائق وترسيخ لها.‏

إن نقطة التحوُّل الجوهرية في النص باتجاه الخروج من دائرة القمع تكمن في الحوارية بين الشاعر ورجال السلطةأنت تهرِّب حزناً غريباً)، ويأتي ردُّ الشاعر أهرِّ ب حزن التحول)، ذلك أن حزن التحول هو الثمن الباهظ الذي سيدفعه الشاعر كي يحقِّق نقطة الانعطاف نحو عالم أكثر أماناً واستقراراً، ولكنه حزنٌ ينطوي على كثير من السعادة، حزنٌ مشرقٌ -إن صح التعبير- غير أن هذا الحزن أيضاً- بما أنه ينطوي على السعادة ويُحقِّقُ جسر العبور إلى النور- مُصَادَرٌ مقموع، حيث يعرض الشاعر صور القمع في المقطوعة باعةُ الموت في وطني، والمخبرون، وكلُّ الذين يخافون أن تخلع الأرضُ سادتَها)، فـ باعة الموت، والمخبرون، الخ).. مظاهر سلبية تقوم بالحدِّ من صور الحرية عند الأشخاص.‏

كان اعتراض الشاعر على هذه المظاهر السلبية، مظهراً للحرية، إلا أن التفكير بالحرية ليس له مكان في تلك الظروف القاسية، مما أودى بنموذج العذاب في النص إلى الموت المروِّع خذوه إلى المقصلة).‏

أما الشاعر حسين حموي) فيعرض للقمع بصورة أخرى؛ إنهُ بانتمائه القومي العربي، لا يرى أن هناك ملامح داخل الأمة العربية تدل على التكاثف والوحدة وتجسيد صورة القومية العربية) لاختلاف آراء الحكام واختلاف الأنظمة وتعدُّدِ جوازات السفر، فهو لا يستطيع التنقل بحرية في أرجاء الوطن كفرد من الأفراد(9) ، فهناك الكثير من العوائق حرس الحدود، الصراعات بين الدول، التمزقات الكثيرة، الخ.......).‏

وأما رياض صالح الحسين)، فإنه يعرض صوراً متعدِّدة من خلال تَعَدُّدِ شخصيات القمع الموظفون لزرق الكآبة في الشرايين، ملائكةٌ بقوانين حمورابية لاغتيال الموتى والأحياء، محاسبون لإحصاء الأظافر والأيدي، ثيران بقوائم لطيفة لشرب البيرة. وإصدار المراسيم)(10) .‏

وكذلك تَتَبَدَّى صورةُ القمع في قصائد الشاعر كمال خير بك)، حيث يصرِّح بالحرية) بديلاً لكلِّ العلاقات السلطوية التي وصلت إلى مفرداتٍ وجزئياتٍ خاصةٍ جداً من حياته فنراه يقول في قصيدة أمنية)(11)

ياليت لي حريتي الصَّغيرهْ‏

حريةَ البحث عن السلامْ‏

حرية النهوض والسقوط والكلام‏

في مخدع الأميرهْ.‏

حرية الراغب أن ينامَ‏

حين تهبُّ اليقظة المريرهْ‏

فالحرية مطلب كبير وشاق أمام الأزمات المفروضة على الشاعر من خلال حالات القمع، فليس هناك حرية في البحث عن السلام، وليس هناك حرية في النهوض وفي السقوط وفي الكلام ولا حتى في النوم)، إنه شعور بالضيق في كل شيء، ذلك الضيق الذي عرضهنزيه أبوعفش)، في قصائد عديدة أيضاً، إذ امتد هذا الضيق والاختناق إلىالندى، والبكاء،وعشب الحديقة، وفسحة، والعاشقين)(12)

ويبدو أن تجليات المعذب) وصوره في الشعر العربي عامة لاتختلف كثيراً عن صور المعذب) في سورية ولبنان، لاسيما في شعر الحداثة، فالشاعر المصري صلاح عبد الصبور) يعرض في قصيدةمذكرات الصوفي بشر الحافي) تجليات متعددة للعذاب، تُبرز الظروف الموضوعيةوالاجتماعية التي تقف أمام الفرد، وتَحُول دون إشباع ذاته المقهورة، وتُبرز من زاوية أخرى وعي الفرد المتعاظم لمجمل تلك الظروف.‏

إذ يُظهِر مطلع النص صورة سلطوية من خلال لغة صوفية، عملت هذه الصورة على حجب رضاها عن منظومة اجتماعية معينة، ومن ثم فإن مطلع النص يتصاعد ويتشعب ليُظهر غربة الفرد بشكل مرعب(13) :‏

حين فقدْنا الرضا‏

بما يريدُ القضا‏

لم تنزلِ الأمطارْ‏

لم تورقِ الأشجارْ‏

لم تلمع الأثمارْ‏

حين فَقَدْنا الرضا‏

حين فَقَدْنا الضحكا‏

انفجرتْ عيوننا... بكا‏

حين فقدنا هدأةَ الجنبِ‏

على فراش الرضا الرحْبِ‏

نام على الوسائد‏

شيطان بغضٍ فاسدٍ‏

معاً نقي، شريكُ مضجعي، كأنما‏

قرونُه على يديْ‏

حين فَقَدْنا جوهر اليقينْ‏

تشوَّهَتْ أجِنَّةُ الحبالى في البطون‏

إن افتقاد الرضا تمهيدٌ لافتقاد عناصر حيوية هامة في الحياة الضحك، وهدأة الجنب)، وفراش الرضا الرحب، الخ....)، حيث هذا الافتقاد هو بالضرورة تمهيدٌ لزوال حرية الفرد في ساحة الواقع الذي أنتج أشكالاً متنوعة للعذاب وما ينطوي تحتها، حيث الأشجار، والأمطار، والأثمار)، شكْلُ العالم المثالي المنشود بما تحمله من رمز للخير والعطاء، بيد أن فقدان الرضا قد حَجَبَ ذلك الرمز، وأجبَرَهُ على التراجع لما يحمله من سمات قمعية، ثم إن الوصول إلى جوهر اليقين) يعني الوصول إلى توازن للأنا ويفتح للفرد عوالم جديدة تقضي إلى السعادة والخير.‏

فالمريد عند المتصوفة في الأصل عندما يصل إلى ذلك الجوهر) يقترب من الذات الإلهية) ويحقِّقُ مراده بعد مجاهدات طويلة،أما الإخفاق في الوصول فهو العجز عن التواصل مع الذات الإلهية)، وبالنتيجة يبقى الحجابُ) قائماً بين الصوفي) وتلك الذات) ولا تحصل المَشاهَدَةُ) وتظهرالعذابات من جديد، وتظهر معالم الضياع أيضاً، لهذا فإن تشوُهَ أجنَّةِ الحبالى في البطون)، بعد فقدانِ جوهر اليقين)، هو شكلٌ من أشكال التأزَّم الذي ينطوي على الضياع، ويعكس تشوُّه القيم التي يحملها المجتمع، والتي أثَّرَتْ قهرياً في الفردِ فحالت دون طمأنينته واستقراره ودون تحقيق ذاته بالشكل الأمثل.‏

إن الشيطان) بالمفهوم الصوفي هو عاملَ قمعِ) أيضاً يقف أمام الصوفي) حجاباً، فالشيطان هو النفس) بما تحملها من شهوات وأدران، وهكذا فإن الشيطان تمثيلٌ للقبح بل هو سبب القبح.‏

في المقطعين الثاني والثالث من القصيدة يعرض صلاح عبد الصبور) بشكل واضح لصورة الإنسان المقموع الذي أُلْغِيَ دورهُ من ساحة الحياة،وعُطِلَتْ إرادته عن السمع وعن النظر وعن اللمس وعن الكلام(14) :‏

احرصْ ألا تسمعْ‏

احرصْ ألا تنظُرْ‏

احرصْ ألا تلمسْ‏

احرصْ ألا تتكلمْ‏

حيثُ يشكِّلُ الحرص علىعدم القيام بهذه الأفعال الإراديةتسمع، تنظر، تلمس، تتكلم)، صورةً من صور إرضاء منظومةٍ سلطوية، بيد أن هذا الحرص) هو كبت) بالضرورة، كبتٌ لتلك الأفعال، وكبتٌ لرغبات الفرد وحريته، ذلك الفرد الذي بدأ يشعر أنه بحاجة الموت للخلاص مما هو فيه(15) :‏

تعالى الله، هذا الكونُ موبوءٌ، ولا بُرْءُ‏

ولوينصفنا الرحمن عجّل نحوَنَا بالموتِ‏

تعالى اللهُ، هذا الكونُ لا يصلحه شيء‏

فأينَ الموتُ، أينَ الموتُ، أين الموتْ‏

- يقترب مفهوم المعذب في المقطع السابق من /المنسحق/ حيث اتسعت دائرة الإحساس بالموت هذا الكون موبوء)، ومن ثم تعاظمت حالة الصراع الداخلي العميق لإنجاز عالم مثالي، ولإنجاز ذات متوازنةٍ مع المحيط.‏

إن السؤال المتكرر عن الموت هو هربٌ حادٌ من الواقع، إشارة إلى أن هذا الواقع قد تراكم، فيه الكثير من السلبيات وتفاقم القبح إلىدرجة لا برء منها.‏

ويبدو أن تعميم الفساد ليشمل الكوني إنما هو تعميم للسوداوية) كحالة نفسية انطوت تحت الشعور بـ العدمية)، إذ إن فقدان الطمأنينة من الواقع المحيط قد تعمم، فأصبح الكون كله عامل ضياع للفرد، وبؤرة كبرى للفساد.‏

أما المقطع الخامس، والأخير في النص فإنه يقدِّم صورتان رئيستان من صور العذاب وهما الاستلاب والغربة وما ينطوي تحتهما.‏

إذ يجسِّد تراجع العلاقات الإنسانية الجميلةوصعود العلاقات الفاسدة القائمة على الغش والخداع، حيث يشكل /السوق/ في هذا المقطع ساحة لتلك العلاقات ونموذجاً لها(16) :‏

ونزلنا نحو السوق أنا والشيخ‏

كان الإنسان الأفعى يجهد أن‏

يلتف على الإنسان الكركي‏

فمشى من بينهما الإنسان الثعلبْ‏

عجباً،...‏

زوْرُ الإنسان الكركي في فكِّ الإنسان الثعلب‏

نزل السوقَ الإنسانُ الكلب‏

كي يفقأ عين الإنسان الثعلب‏

حيث يعرض المقطع السابق مسألة القوة والضعف التي تحدث في مجتمع مُصَغَّر السوق)، حيث تصعد هنالك حرية الفرد علىحساب حرية آخر، وهذا ينمُّ على مجتمعٍ موبوءٍ بالمفاسد والشرور، يؤثر في الفرد، ويستلب منه ذاته،ويجعل منه غريباً عمَّا يحدثُ، فبعضُ الأفراد يقعون فريسةً لهذه العلاقات، مما يجعلهم مُسْتَلبين في مختلف المستويات، ومن ثم يظهر الاغترابُ، الاغترابُ الذي يأخذ أبعاداً وجودية مؤلمة.‏

يا شيخي الطيب!‏

هل تدري في أي الأيام نعيش؟‏

هذا اليومُ الموبوءُ هو اليوم الثامِن‏

من أيام الأسبوع الخامس‏

في الشهر الثالث عشرْ‏

هي حالةٌ الإنسان الضائع المغترب عن الوجود الذي يعيش على هامش زمنٍ، ليس لهذا الزمن وجود أيضاً، فاليوم الثامن والأسبوع الخامس والشهر الثالث عشر، أزمنة لا وجود لها عملياً، لأن الواقع المفروض قد فرَّغَ الزمان من محتواه الجميل) وجعله هامشياً، ولا معنى له، بل إنّه وقتٌ غريب من رؤيا الشاعر الحقيقية.‏

إن بشر الحافي) وبسام الدين) يمثِّلان الصورة النقية الجميلة التي وَعَتْ القبحَ في الواقع عبر معطيات كثيرة تُعَبِّر عن ذلك القبح شيطان بغضٍ فاسد، الكركي، الثعلب، الكلب، الأفعى، الخ....).‏

نبقى في مصر، لنرى أن الشاعر أمل دنقل)، يميل إلى استخدام الأشياء والعناصر التي نتعامل معها يومياً، ولكنه يستخدمها بصورة قبيحة، فهي تدخل في معطيات العذاب طاحونة، نوافذ، قطار، مقعد، القاطرة، الحائط،...الخ.....) وهو يميل أيضاً إلى الشخصيات الأسطورية والتاريخية في شعره ويسقطها على الواقع بصورة معذبة. أبو موسى الأشعري، زرقاء اليمامة، إيزيس، المتنبي....)، وتظهر في أشعاره صورة السوداوي العدمي) كأحد تجليات المعذب الرئيسة، وقد نَتَجَتْ هذه الصورة عن عدة عوامل يأتي على رأسها الشعورُ بالرعب الحضاري وبمخلْفات الحضارة المخيفة، والشعور بالغربة وبالقمع أيضاً:(17)

تأكلنيْ دوائرُ الغبارْ‏

أدورُ في طاحونةِ الصمتِ، أذوبُ في مكانِيَ المختارْ‏

شيئاً فشيئاً... يختفي وجهي وراء الأقنعهْ‏

أعمدةُ البرقِ التي تطلُّ من نوافذِ القطار‏

كأنها سرْب إوز أسود الأعناقِ‏

يطلقُ في سكينتي صرخته المروِّعة‏

ويختفي... متابعاً رحلته مع التيار.‏

لعل ظاهرة تعطيل الإرادة) هي الحالة الواضحة في النص تأكلني دوائر الغبار، أدور في طاحونة الصمت)، وتنطوي حالة تعطيل الإرادة)، على ظواهر أخرى كالخوف والسوداوية، فالإحساس بأن أعمدة البرق) هي مصدر للصراخ وللخوف يفضي إلى الشعور بعدم الطمأنينة والقلق، ويستند هذا الشعور بالضرورة إلى مرحلة خوف سابقة ذات منشأ حضاري، ذلك أن الشاعر يتعامل مع القطار) الآلة المادية، أحد منجزات الحضارة، من خلال شعور خفي بالخوف من هذه الآلة. ويستخدمها منطلقاً للخوف من أشياء كثيرة وظواهر مختلفة أنجزها العصر.‏

هذا ما يفرضه سياق النص من خوف وقلق وتعطيل إرادة، فالشعور بالسكونية هو حالة ذهول مما يجري في العصر، فالبرق حالة عامة تجري في أي مكان وأي زمان، بيد أن اقترانها بمنجزات العصر المذهلة والضخمة قد أنتج ذاتاً غير متوازنة على الصعيد النفسي.‏

أما محمد الفيتوري) الشاعر السوداني، فقد عاش الغربة والهجرة منذ طفولته، متجولاً من بلد إلى آخر، تستقبله عاصمة، وتطرده أخرى، وعاش أيضاً أحداث الحرب العالمية الثانية، ولاسيما الغارات الألمانية على الاسكندرية التي كان موجوداً فيها آنذاك، وقد خلَّفَتْ هذه الحرب في ذاته مشاعر القلق والحزن والتوتر، ومشاعر الموت والغربة.‏

أضفْ إلى ذلك فقد عانى الفيتوري) من مشكلة اللون التي تبعْتْهُ طوال أيام حياته، فقد تطورت الغربة لديه أيضاً حتى انطوت تحت الشعور بالعدمية وبالموت(18) :‏

يومَها كانتِ الشمسُ‏

مذبوحةُ في دمي‏

وأنا أتقاطرُ نشوانَ بالحزنِ‏

فوقَ الطريق‏

انظريني‏

أنا ملك الغربةِ المتقاطرِ بالحزنِ‏

فوق تراب الطريق‏

تنطوي الغربة) في النص تحت الإحساس بعدمية الحياة الشمس مذبوحة في دمي)، ذلك أن الإحساس بموت الشمس، هو شعور بافتقاد كل مظاهر الحياة والخير والعطاء والجمال، وشعور بتصاعد القبح وافتقاد الطمأنينة والقلق والسوداوية، ثم إن ارتباط الشمس المذبوحة) بـ دم الشاعر)، يفضي إلى الحدّة في التحول من حالة مستقرة إلى أخرى مرعبة.‏

ويمكن أن توحي الشمس) بالمستقبل المشرق الذي انعدم نتيجة لوصول الشاعر إلى اليقين بأنه لم يعد قادراً على مجاراة الحياة التي ستمنحه مستقبلاً مشرقاً.‏

(1) خنسة: وفيق: دراسات في الشعر العربي السوري الحديث، ص 128.‏

(2) عمران، محمد 1980، الملاجة ط1، دار المسيرة، بيروت، ص 55-56.‏

(3) الحسين، رياض صالح، 1983، وعل في الغابة، وزارة الثقافة، دمشق، ص 110.‏

(4) الحاج، أنسي، لن) ص 38.‏

(5) يقول عبد الكريم الناعم:‏

جاءَ الصباحُ وأنتِ في زمن الرؤى:‏

غبش ضريرُ‏

وطغى المساء وأنت في زمن الردى:‏

ألم عسيرْ‏

فإلى متى سُكْري الجريحْ؟!‏

وإلى متى جسدي الضريِّح؟!‏

1979 /تنويعات علىوتر الجرح/ منشورات اتحاد الكتاب العرب- دمشق، ص 39.‏

(6) فرويد، سيجموند، 1975، عسر الحضارة، تر:عادل العوا، وزارة الثقافة، دمشق، ص 117.‏

(7) الماغوط، محمد، الأعمال الكاملة/ حزن في ضوء القمر/ ص 84.‏

(8) عمران ، محمد 1978، أنا الذي رأيت، وزارة الثقافة، دمشق، ص 37.‏

(9) يقول حسين حموي في قصيدة المزمور الخامس).‏

وأنا لا أكتمكم:‏

لم أحصلُ بعد، على نصفِ جواز مرورٍ عادي‏

يسمحُ لي أن أتجوَّلَ في قلبِ الوطن العربيِّ‏

بلا مهْرٍ ملكيِّ‏

من حامي الحرمينْ‏

أو توقيعٍ رسميٍّ من قائد مفرزة متقدمةٍ‏

أو تأشيرة سفر من حراس حدود البيت الواحد‏

1981، ديوان قابيل،وسِفر البحر، اتحاد الكتاب العرب، دمشق ص 79.‏

(10) راجع، صالح الحسين رياض 1979، خراب الدورة الدموية، منشورات وزارة الثقافة، دمشق ص 29-30.‏

(11) خير بك، كمال 1982، ديوان أيها الشعر، ط1، باريس، ص 27، والشاعر كمال خير بك عاش في لبنان ويحمل الجنسية اللبنانية غيرأنّه من مواليد سورية).‏

(12) يقول نزيه أبو عفش:‏

ضيِّقٌ في البلاد الهواءْ‏

ضيقٌ في البلاد الندى والبكاءْ‏

المساءُ الرؤوم وعشب الحديقة‏

ضيقةٌ فسحة العاشقين‏

1982 ديوان /بين هلاكين/ ط1 العربية للدراسات والنشر)- دمشق ص 35.‏

(13) عبد الصبور، صلاح، 1972، ط2، المجموعة الكاملة، دار العودة، بيروت، ص 263-264.‏

(14) المصدر السابق، ص 264-265.‏

(15) المصدر السابق، ص 267.‏

(16) المصدر السابق ص 267-268.‏

(17) دنقل، أمل 1973، البكاء بين يدي زرقاء اليمامة، دار العودة، بيروت، ص 89.‏

(18) الفيتوري، محمد، 1979، المجلد الثاني، دار العودة، بيروت، ص 137.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244