|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:57 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الثاني السمات الفنية لصورة المعذب في شعر الحداثة 1- البناء الفلسفي: ترتكز نصوص المعذب الفلسفي الشعرية على المقدِّمات والنتائج وعلى المبالغة في تجريد الأشياء عادةً، بيد أن سمة الانفعالية) لا تختفي من هذه النصوص، لأن تلك المقدِّمات والنتائج والمبالغة هي نتاجُ تجربة إنسانية انفعالية في آن، ولكنَّ نصوصَ العذاب الحياتية التي وقفْنا عندها سابقاً تُظهر السمةالانفعالية) بصورة أوضح، لأن لحظةَ انبثاقِ النص هي لحظة انفعاليةٌ تتناسب طرداً والحالة الموجودة في تلك اللحظة. إن نصوص العذاب الحياتي عادة ما تكون قهريةً، بمعنى أن الحالة هي النص، والنص هو الحالة، ولا انفصام بينهما، ولا يستطيع الشاعر الفكاكَ من اللحظة الشعرية حينئذٍ، وأما نصوص العذاب الفلسفي فليست بقهرية بل هي كما أشرْنا نتاجُ تجربة وتفكيرٍ سابقين. ويمكن /للمعذب فلسفياً/ أن يُنتِجَ صورةً ذهنية، وربَّما تصل تلك الصورة إلى حالةٍ من حالاتِ التوهُّمِ، وفي هذا يقول الدكتور خليل موسى: "أما التوهمُ فمادي آلي سلبي لا يعتمد على حالة الفنان العاطفية، وإنما يحاول العقلُ فيه مجرَّداً من العاطفة أن يربط ربطاً منطقياً تجميعياً بين الأفكار والموضوعات الجزئية، فينتج مجموعة من الصور الجامدة منفصلة الواحدة منها عن الأخرى، مكدَّسة بعضها فوق بعض. والشعر الذي يصدرعن التوهم صورٌ وأفكار مفككة، قد يتحقق فيما بينها تناسق فكري أو منطقي آلي، وقد ينشأ بينها علاقات مصدَرها العقل الصرف، ولكنهاتبقى جزئيات باردة لا عاطفة فيها تنفصل كل صورة فيها عن الأخرى"(1) . أما الصورة الحسية فإنها تبرز في نصوص /المعذب حياتياً/، "فإذا كانت الصورة الذهنية تقوم على ترجيح المعطيات الخيالية التي تفرزها العلاقة بين عناصر الصورة، والتي تجهد أن تجرِّدها من الحدود المؤطرة للمكان والزمان، فأطلقتْ دلالاتها التي امتدت مع الخيال إلى حدوده القصوى، فإن الصورة الحسية تقوم، في الأساس، على إمكانيّة تحقُّقِها في العالم المادي المعروف"(2) . إن تجليات /المعذب الفلسفي/ في شعر الحداثة تقترب من تجلياته عند المعذب حياتياً)، فالشاعر الذي يعرض لنماذج معذبة حياتياً) في نصوصه، يمكن له أن يعرض في بعض النصوص لنماذج معذبة فلسفياً)، ويتفاوت هذا العرض من شاعر إلى آخر، غير أن معظم الشعراء قد تحدَّثوا عن فكرة الموت واليأس في هذا العذاب. إن الشاعر أدونيس) من أكثر شعراء الحداثة عرضاً لذلك المعذب، وتتعدد لديه طرق بناء النص الشعري فلسفياً وأساليبه، ومن هذه الطرق المحاولات الحثيثة لاستدراج المجرد الذهني إلى حيِّزِ التجسيد والتشخيص، كذلك فإن "هناك عدداً من القصائد في شعر أدونيس تتميز ببنية خاصة تتمثل في التمركز حول نقطة معينة. ثم تمتد القصيدة أو تتسع دائرتها بتتبُّع المنظورات المحتملة لهذه النقطة. هذه الظاهرة البنيوية لها جذورٌ ولكنها بسيطة في شعر أدونيس المبكِّر، إلا أنها بدت أكثر تطوراً في مراحل شعرية مختلفة.فهذه الظاهرة في مراحل متأخرة من شعر أدونيس: تكشف عن مهارة شعرية كبيرة، وعن قدرة كبيرة في التحليل، كما أنها هذه الظاهرة) تتواجد حيث يغيب الحس الحكائي أو القصُّ في شعره، حيثما يبتعد أدونيس عن الأطر اللغوية والشكلية والتراثية. باختصار إن هذا النمط من القصائد القصيرة يعكس جهداً عقلياً مركّزاً، وربما تكشف عن تخطيط فكري واعٍ للعمل الشعري أو عن حدْس فني مصقول"(3) ، كذلك فإننا نرى في قصائده استخدام المقدّمات والنتائج كظواهر فلسفية تعتمد على التركيبات المنطقية. من صور اليأس عند أدونيس نختار قصيدة /حدود اليأس/ يقول فيها(4) : ماشٍ على أجفانه سادراً يجرُّه مديدُ آهاتِهِ تلطمه الحيرةُ أنّى مشى كأنها سكنى لخطواته علَّق بالغيبِ، فأجفانُه رمليةُ الأفق كأنما، من يأسهِ، شمسُهُ تغيبُ في الشرق يكابد في مثقل أنّاتهِ تعثُّرُ بالموت شرايينهِ ويولد اللاشيءُ في ذاتهِ تنطوي الشخصية المعذبة في النص على حالة من اليأس كأنما من يأسه، شمسُه تغيب في الشرق)، الذي وصل إلى حافة الموت تعثُّر بالموت شرايينه) غير أن تلك الحالة معروضة بصورة فلسفية، بل بصور فلسفية متعدّدة الوجوه تتركز في الملامح التالية: 1 - استخدام الأضداد والربط بينها بصورة تدل على استخدام مباشر لمعطيات العقل، التي تقوم على الربط وعلى المقدمات والنتائج كما في كأنما من يأسه/شمسُه تغيب في الشرق)، وفي يولد اللاشيء في ذاته) فالمرء يظن للوهلة الأولى أن هناك صورة في شمسُه تغيب في الشرق)، غير أن الأمر يشير إلى أن المؤثرات العقلية المحض التي تدخلت في هذا التركيب قد أبعَدْتْهُ عن حيز الصورة الشعرية الأصيلة، وأحالته على بناء يشير إلى فعل عكسي للشمس ليس إلا، وهو غروبها في الشرق). إن التركيب السابق يقدّم إيحاء ضيقاً جدّاً، بل احتمالاً وحيداً، ويقترب هذا التركيب من المفاهيم والمعادلات العلمية، فهو ليس سوى معادلة مقلوبة لعمل الشمس. أما تركيب يولد اللاشيء في ذاته) فيمثلُ بناءً متناقضاً جداً، ونقول: إن التناقض من سمات الفن، غير أن التناقض هذا قام على النظير المطلق للولادة) وهو اللاشيء) الذي ينبئ بالموت، ثم إنّ اللاشيء) حالة ضد الشيء)، فالكلمة في ذاتها اللاشيء) تُبرز -ضمن السياق- إعمالاً كبيراً لمنتجات الفلسفة المحض، لإنتاج ذلك البناء يولد اللاشيء في ذاته) -2- المبالغة في التخييل إلى حد التجريد، ماشٍ على أجفانه سادراً، أجفانه رملية الأفق، تعثُّرُ بالموت شرايينَه)، فهذه الصورة من الصعب إسقاطها على أرض الواقع، لتشكل بناء حسياً مجسَّداً، فهناك اعتماد كبير على التذهن) في تكوين هذه الصور بشكل يتناسب والحالة التي تنبئ بتأزم نفسي قائم على اليأس، وهذا يؤثر في الكتابة الميكانيكية حالة التداعي) للنص من جهة ثانية. أما النص الثاني فهو للشاعر يوسف الخال) يقول فيه(5) : والآن أحضنُ الهمومَ والجنونَ في موانئ الزحام أحتمي أحملُ من قرارة البقاء أيّةً أخيرةً: وجودُنا انتظارُ ما يجيءُ حين لا نكونُ في انتظارهِ نهايةُ المسيرِ قمةٌ ونحن لا نسيرْ نَظلُّ في السفوح كومةً تزحف أو تموت: ينسج ثوبَها الأخيرَ عنكبوتْ ولا يُقال للجبال انتقلي إلى البحار أو فأقْبلي وابتدئي الحياةْ: يشكل النص حالة من حالات الضياع والقلق من الآتي ومن المجهول، وينطوي على رؤيا للوجود، رؤيا خاصة بالشاعر. إن تلك الرؤيا للوجود الإنساني وجودُنا انتظار مايجيء/ حين لا تكون في انتظاره) هي نتاج تجربة إنسانية فردية عاشها الشاعر، وكأننا أمام حكمة) جاءت نتيجة لتأملات طويلة ولمعاناة طويلة،وهنا مكمنُ الظاهرةِ الانفعالية التي اعتمَدَتْ على المعاناة، بيد أن هذه الانفعالية تختلفُ عن تلك الموجودة في نصوص المعذب حياتياً) لأسباب ذكرناها سابقاً. لقد اعتمدت الحكمة) السابقة على المقدمة وعلى النتيجة كسائر الحِكَم الأخرى، فوجودُنا انتظار ما لا يجيء)، هي النتيجة، ومن ثم كانت المقدمة حين لا نكون في انتظاره)، بيد أن النتيجة قد سبقت المقدمة، ولا ضير في هذا. ويبرز في النص أيضاً استخدام العلاقات المتضادة لبناء الحدث نهاية المسير قمة/ ونحن لا نسير)، ويتوضح هذا التضاد في المنحى الإيجابي للمسير وفي نقيضه، أي المنحى السلبي ونحن لا نسير)، وعليه فإن تجليات المعذب عند المعذب حياتياً والمعذب فلسفياً) هي ظواهر أصيلة قائمة على حامل اجتماعي أصيل، غير أن هذه الأصالة تتفاوت بين طرفي العذاب /المعذب حياتياً، المعذب فلسفياً/، وذلك لصالح المعذب حياتياً)، لأن البناء الانفعالي يُظهر بجلاء العمقَ النفسي الموجود عند ذلك المعذب). إن التخييل المبالَغ فيه إلى حد التجريد)، يُذهِب الكثير من الأصالة) عند المعذب فلسفياً). ومن ذلك نرى الشاعر عبد القادر الحصني)، الذي يعرض للموت بأسلوب فلسفي لا يخلومن المقدمات والنتائج والنسيج الصوري المبالغ فيه، فيقول في قصيدة تشكيلات للزمن)(6) : بين ارتعاش البدء، وانكسار اللحظة -الطريقْ- يدبُّ في الأعصاب فصلُ الموت، والحريقْ يمدُ خيطاً واهن الخطا، مقوَّس الظهر إلى الشعورْ والنبضُ في الفراغ سلْك ليّنٌ يميلُ ينحني يدورْ إن الملمح الأساسي للعذاب في النص ينطوي على صورة الموت وهي تدب في الأعصاب، عبر الإرهاصات الأولى له، والتي ستكبر لاحقاً، يدب في الأعصاب فصل الموت، يمد خيطاً واهن الخطا). أما ظاهرةُ العذاب الفلسفي فإنها تَتَوضَّحُ في المقطوعة بدءاً من خيط الموت المقوّس الظهر)، ذلك أن هذه الصورةَ بعيدةُ المنال عن الإسقاط الحسي على الواقع لما تحمله من تخييل بعيد قرَّبَها من التذهن. كذلك فإن صورة النبضُ في الفراغ سلكٌ ليِّن)، تنبئ بحالة مماثلة لسابقتها، فالعلاقة بين النبض والسلْك اللين تحتاج تفكيراً عميقاً كي تسهم في تكوين الصورة من هذين الحقلين الدلاليين البعيدين النبض، السلك). إن الموت) عبر هذا السياق التخييلي، أكَّدَ حضوره على الصعيد الفلسفي فمنذ أن افتتحَ الشاعرالقصيدة بـ انكسار اللحظة) وفصل الموت)، يدخلُ المرءُ حالةَ فلسفية الموت، ذلك أن المرء عندما يتلقَّى تركيب فصل الموت) فإنّه ينتقل بمخيلته إلى جواء مؤطَّرة لها بداية ولها نهاية كجزء من أجزاء الكتاب). وكذلك فإننا نلمح صورة المعذب الفلسفي) في قصائد لشعراء آخرين كميشال سليمان ومصطفى خضر، وحسين حموي، وعلي الجندي، إذ تتبلور لدى هؤلاء الشعراء بعض المعطيات الفلسفية التي تبرز في قصائد المعذب فلسفياً، إذ نرى استخدامات على مستوى عال من الذهنية، إضافة إلى استخدام النظائر والأضداد، التي توحي في بعض الأحايين بأننا أمام مسألة علمية، فنرى حسين حموي يقول(7) : أقتطع خلايا من جسدي وأُسارِرها تحت المجهر، ماعادت أنسجة الجلد العليا تُغْنْي عن كشف الأنسجة السفلى)، وهذا علي الجندي يقول أيضاً(8) أزيل خيالكِ الممهور بالنار الرمادية، أحاول أن أهدِّ جدارِكَ ا لمبنيَّ من لبنات آثامي على صدري) وهذا مصطفى خضر أيضاً يقول(9) طرّزتُ أمعاء ضميرِ الكلمة، أطنبْتُ في وصفِ سراويل الأميرة)، وكذلك نرى ميشال سليمان يقول(10) : مجاذيفُ الموج الشقي المزمعاتُ هوّى، يسلُّ المرْوَ من شط الهجوع، تهدهدها نهود الريح)الخ... -2- الرمز والأسطورة: لقد استعمل شعر الحداثة الأساطير، لاسيما أساطير الانبعاث لما تحمله من قدرات تنفيسية، فهذه الأساطير تمنح الشاعر قدراً من الأمل بالخلاص من مشكلة ما، بيد أنها تبقى ظاهرة فنية أو حلماً لم يتبلور على أرض الواقع، وهذا ما حدث فعلاً عند الشاعر خليل حاوي) على سبيل المثال، حيث "تمتلك الأسطورة -كما في الحلم- بنية خيالية عميقة تكوّن فكرَ الأسطورة، وعملُ الأسطورة مثل عمل الحلم وهو أن يحوِّل هذه الخيالات إلى شكل مقبول للأنا أو للذات، يُصنع المحتوى الظاهر للأسطورة -مثل الحلم- من عناصر مأخوذة من الحياة اليومية وخبرات الشعوب، وكذلك من المادة التي تُنْظَر عموماً باعتبارها ملائمة لخلق الأسطورة، وتختلف الأسطورة عن الحلم فيما يختص بالجماعة الاجتماعية، في أنها تمتلك شكلاً خارجياً ممتداً قابلاً للتعديل مع مرور الزمن، ويخضع بالتالي لتنوعات مختلفة"(11) قبل أن نصل إلى تعريف الرمز الأسطوري) نودُّ أن نربط بين الرمز) والأسطورة)، على الصعيدين النفسي والاجتماعي، إذ يبدو أن "وظيفة تكوين الرمز هي ربط وإفراغ الطاقة النفسية، ففي التجارب التي مُنِعَ فيها الشخص من الحلم، بإيقاظه لحظة بداية الحلم، كانت النتيجة إصابته بقلق وعدم ارتياح، ويبدو أن إحدى وظائف الأسطورة والشعائر والطقوس، هي ربْط الطاقة التي سوف تنفث القلق غير المحتمل للوصول إلى عواقب اجتماعية مرغوبة"(12) وعليه فإن للرمز وللأسطورة وظائفُ نفسية ذات أهمية بالغة، وخاصة في العملية الفنية الإبداعية. أما الرمز الأسطوري) فيمكن تعريفه في مجاله الفني "بأنه تجسيد شعوري حيوي، لكلية الشاعر، في تجربة ما، أُريدَ منه تكثيف التجربة الإنسانية وتعميمها، والإيحاء بظلالها، في الوقت الذي يعجز فيه أي أسلوب آخر، عن أداء ذلك"(13) ، لهذا فإن شعراء الحداثة لاسيما المعذبين منهم، عندما اتجهوا إلى الرمز الأسطوري) أرادوا إظهار تجربةٍ إنسانية قديمة وإسقاطها بصورة معاصرة على واقع آخذ بالانهيار والتداعي، ومن ثم تحقيق حالةالحلم التي ترتكز على معطيات مشرقة في الماضي تتمثل بأساطير الانبعاث ذلك أن "عالم الرمز الأسطوري في القصيدة المعاصرة يقوم أساساً على التذكر والتداعيات المبنية على الأحلام والتخيلات، فإذا كان الحلم عند الإنسان العادي في نَظَرَ التحليل النفسي هو تحقيقٌ لرغبةمكبوتة في منطقة اللاشعور، فإن حلم الشاعر، والفنان على وجه العموم يتحقق فيما يبدعه من نتاج فني يجده سبيلاً ليفرغ فيه شحنته النفسية والفكرية على حد سواء، وهذا يعني أن الشاعر يعتمد على مخيلته في استقراء ما ابتدعته الثقافة الأسطورية والتجربة الوجدانية، التي تستثير في الشاعر خياله المبدع الناتج من الحدس التصوري، فتعطيه قوة انفعالية تستقر في تجربته لتمنح حياته أهمية خاصة"(14) . إن الآمال المقموعة لشاعر الحداثة في هذا القرن الممتلئ بصور الخوف والموت والتناقضات، لابد لها من مواز يدعو إلى التفاؤل، مواز على قدر كبير من القوة والحيوية متمثلاً بآلهة الانبعاث في الفكر الأسطوري القديم فقد، "اتخذ الشاعر المعاصر الرمز الأسطوري أداة تعبيرية لمعاناته الفكرية والنفسية، وبقدر ما أُعيقت رغبات الشاعر، ولُجمت آراؤه بقدر ما وجد في ذلك متنفَّساً لآلامه وآماله الحبيسة التي جسدها في الأحداث التاريخية، إذ توغل في شعره الرمز الأسطوري، وذلك بعد أن أدرك الشاعر مافي هذا التوظيف الدلالي من قيمة فنية يتقمصها، حتى يستطيع التوفيق بين توظيف الرمز الأسطوري والمحتوى الدلالي الذي يحمله هذا الرمز(15) . إن كلمة انبعاث) التي سترافقنا مطولاً في حديثنا عن الرمز الأسطوري في نصوص /المعذب/ في شعر الحداثة، توحي بالأمل، وهذا يتنافى مع مفهوم /المعذب/. المرادف لمعنى /افتقاد الأمل/، غير أن سياق الحياة الاجتماعية لشعراء العذاب في شعر الحداثة من جهة، وسياق النصوص الشعرية من جهة أخرى، يوحي بأن كلمة الانبعاث) لم تتعدّ إطار الحلم بالخلاص، فمن يقرأ -على سبيل المثال- نصوص حاوي) وبعض النصوص عند الخال) يدرك صحة ما أشرنا إليه، ثم إن النهاية المرعبة لحاوي) تفضي إلى أن الانبعاث لديه هو نوع من السخرية المرة من الخلاص، فظهر الموت الحضاري لديه، الذي وقفنا عنده سابقاً في حديثنا عن تجليات المعذب في شعر الحداثة. وجاءت أسطورة البعث رمزاً حضارياً موازياً ومعادلاً للموت الحضاري، "إننا نفهم من تحويل الأسطورة إلى رمز حضاري أن تخرج الأسطورة عن دلالتها الأسطورية التاريخية البدائية إلى دلالة جديدة يتفتح في قلبها مضمون وجداني فكري أو فلسفي، أو اجتماعي يستمد عناصره من مكتسبات الحضارة بوجهها الإيجابي"(16) ، غير أننا من المفترض أن نضع في حسباننا أمراً ذا أهمية بالغة، وهو أن شعراء العذاب في شعر الحداثة لم يكتفوا بأساطير الانبعاث، بل أتوا بالأساطير التي تحمل في طياتها شخصيات معذبة، كشخصية سيزيف- على سبيل المثال-. إن ظاهرة الانبعاث الأسطورية التي اتسم بها المعذب خاصة، تعكس حالة الموت التي يعانيها على الصعيد النفسي والتي ستتطوّر لتصبح حالة موت حقيقية على الصعيدين المعنوي والجسدي، فالموتُ -لا شك- مرتبط بالأسطورة، "بل هو من أكبر المفجرّين للأسطورة. وهذا يعني أن الاعتماد الفني على الموت يهبه قيمة جمالية فائقة، باعتباره بالقصيدة ينأى عن الواقع المعاش، ويُدخل القارئ في عالم آخر، مهما قيل إنه معادل للواقع، فإنه يبقى عالماً آخر ومن هذا العالم الأسطوري يستطيع الشاعر أن يضمن لقصيدته وشعره مخملية خاصة، قد يعجز عن توفيرها في تعامله مع الواقع"(17) . أضف إلى ذلك أن شعراء العذاب قد مالوا إلى استخدام بعض الشخصيات المعروفة من تاريخنا العربي وجعلوها رموزاً، وذلك من خلال إسقاطها بصورة معاصرة على الواقع عبر ما تحمله من ملامح تعزّز ظاهرة العذاب لديهم، كالحطيئة، وأسماء، وخولة، وأبي ذر الغفاري، إلخ.. حيث تبدو هذه الشخصيات في مسيرة حياتها التاريخية غير معذّبة، غير أنّ إسقاطها على واقعنا المعاش يحمّلها الكثير من العذابات، كما أنها في بعض الأحايين تُعمّق الإحساس بالعذاب من خلال الرؤيا المستخدمة في النصوص الشعرية. نستهل حديثنا عن الأسطورة والرمز) في تصوير المعذب) في شعر الحداثة بالوقوف عند الشاعر خليل حاوي) في ديوانه /نهر الرماد/، حيث الشعر في هذا الديوان "قد تخلّص من آلية الصور القديمة المجرّدة وجمودها، واعتمد في غوصه الوجودي، على تجسيد التمزقات البشرية الهاربة المتطورة، كما أنه اعتمد الرموز الكثيرة لخلق هذه العوالم الغامضة، وكان في كل ما تقدم من تجديدات مستحدثة رائد الثورة في الأدب عندنا"(18) . أما النص الذي سنقف عنده لهذا الشاعر فهو بعنوان /بعد الجليد/ إذ، يستخدم فيه أسطورة تموز، إله الخصب، في الفكر الأسطوري الشرقي بإسقاط معاصر على أرض الواقع فيقول(19) يا إله الخصب، يا بعلاً يفضُ التربة العاقر يا شمس الحصيدْ يا إلها ينفضُ القبرَ ويا فصحاً مجيد، أنت يا تموز، يا شمس الحصيدْ نجّنا، نجّ عروق الأرض من عقمٍ دهاها ودهانا، أدْفئ الموتى الحزانى والجلاميد العبيدْ عبر صحراء الجليدْ ينطوي العذاب في النص على الشعور بالموت الشامل الذي أصاب كل شيء، انطلاقاً من ذات الشاعر حتى وصل إلى أماكن بعيدة، ودخل عوالم من الصعب أن نتكهن بها عالم الموتى). إن تموز) الممثّل لحالة الانبعاث في وجه ذلك الموت الشامل، يشعّ على أرجاء النص التي تحمل جزئيات الموت عروق الأرض، عقم، الموتى، الحزانى، الجلاميد العبيد)، على أمل أن تعود الحياة إلى تلك الجزئيات والعناصر. لقد وضع الشاعر في النص بعض الحالات التي تبرز أقصى سمات الموت، التربة العاقر، عقم الأرض)، فمن المستحيل على الكائن البشري إعادة الحياة والانبعاث إلى تلك الحالات، وهنا مكمن العذاب، لذلك فقد أتى الشاعر بالإله تموز). إن إعادة الحياة والانبعاث إلى التربة العاقر) وإلى الأرض العقيمة) أمرٌ كامن في يد قوى جبارة خفية، قوى إلهية تمثّلت هنا بإله الخصب تموز)، فالفعل يفض) المقترن بإله الخصب هذا جاء موازياً لمعنى إعادة الحياة)، أي ولادة جديدة في كل شيء، وتحمل ظروف الحضارة والمدنية كلها. لقد ترافق أيضاً ظهور تموز إله الخصب) بظواهر إيجابية كمنطلق لإعادة بناء ما هُدّم الشمس، والفصح المجيد، والدفء، والخصب)، غير أن تلك الظواهر إذا ما قورنت بالسياق العام لحياة خليل حاوي) فإنها لم تفعل أي شيء يوحي بالسعادة وبالطمأنينة، بل إن الإحباطات التي تعرّض لها حاوي) مراراً، جعلت من تموز) وهْماً في نهاية المطاف. ولعل تركيب النص بشكل عام على صعيد الحالة، ينبئ بصورة مرعبة، لا يمكن لأي صورة مشرقة أن تحلّ مكانها، حيث توضّح هذا الأمر في قصيدة /العازر/ التي تشير إلى انبعاث مشوّه، حيث سنقف عند هذه القصيدة مطولاً في حديثنا عن النموذج الفني). كما أن تكرار حرف النداء يا) كثيراً في النص وارتباطه بإله الخصب تموز) يدلّ على تمنّ منْ ذلك الإله أن يقوم بفعل انبعاثي بصورة ملحّة، فالتكرار -بالنتيجة- هو إلحاح، هذا من جهة، أما من جهة ثانية فإن ذلك الإلحاح يحمل في داخله حسرة الشاعر على الواقع المتردي والميت حسب رؤياه). أما أدونيس فإن نصوص الانبعاث لديه أكثر إشراقاً من نصوص خليل حاوي) الانبعاثية، بيد أننا نرى أن أدونيس) يميل إلى استخدام شخصيات أسطورية، ويُسقطها على الواقع فيجعل منها شخصيات معذبة على الرغم من أنها في أحداث الأسطورة ليست معذبة كأوديس) الشخصية الرئيسة في ملحمة الأوديسا)، كما أنه يستخدم شخصيات أسطورية هي في الأصل معذبة كسيزيف) البطل العبثي، لهذا فإننا لن نقف عند نصوصه الانبعاثية التي يستخدم فيها عادة آلهة الخصب) وسنقف عند نص لشخصية أسطورية عبر إسقاط ملامحها على البيئة المعاصرة بصورة معذبة. يقول أدونيس من قصيدة /ساحر الغبار/ مقطع /أرض بلا معاد/(20) : حتى لو رجعت يا أوديس حتى ولو ضاقتْ بكَ الأبعادْ واحترق الدليلْ في وجهك الفاجع أو في رعْبِكَ الأنيسْ، تظلّ تاريخاً من الرحيلْ تظل في أرض بلا ميعادْ تظل في أرض بلا معادْ حتى لو رجعتَ يا أوديس إن أوديس شخصية أسطورية بطولية) تنطوي في ظروف متفرقة من الأحداث الأسطورية على شخصية معذبة)، بيد أن الشاعر عبر رؤياه لهذه الشخصية، جعل منها معذبة بصورة مطلقة، وتجلّى هذا العذاب في المقطوعة السابقة على شكل ضياع مستمر، فأوديس رمز الضياع والترحال، فجاءت رؤيا الشاعر المعاصرة معمّقة لحالة الرمز، ذلك أن هذه الحالة هي صورة الفرد المعاصر في القرن العشرين الذي يعيش الضياع والتشتت بأقصى أشكاله. ينقسم النص إلى مستويين من الحالة تجْمُعُهُما بؤرة واحدة وهي الحديث عن أوديس) رمز الضياع والرحيل. أما المستوى الأول فيبدأ مع مطلع النص، حيث نجد تسهيلات أو محاولات إيجابية مفترضة لعودة أوديس إلى ساحة الاستقرار والطمأنينة، فالرجوع نوع من الاستقرار والأمان، وضيْق الأبعاد أمرٌ يوحي بالاستقرار وبمعرفة أبعاد المكان وينفي الضياع، غير أن هذا كله لا فائدة منه، لأن المستوى الثاني للحالة يبدأ من تظلّ تاريخاً من الرحيل) فيُبرز أن الضياع والتنقل والتيه حالات متجذّرة عند أوديس)، حيث لا فائدة من الرجوع ولا فائدة من ضيق الأبعاد، لأنه سيظل في أرض بلا ميعاد) أي أرض ضائعة في طريقها إلى الزوال إشارة إلى الواقع الحالي)، وكذلك الحال في أرض بلا معاد) إشارة أيضاً إلى حالة التشتت على أكثر من صعيد. يبرز المعذب) في النص السابق من خلال الحالات المتأصلة للضياع والرحيل، فالرحيل والضياع عبر سياق المقطوعة صورتان ممتدتان مدى الزمن، ومستقرتان، ولا أمل بالخلاص منهما، وعليه فإن صورة الإسقاط) التي قام بها أدونيس) لتلك الشخصية الأسطورية أوديس) على ساحة الواقع قد عزّزت وكرست فكرة الرحيل التي تعكس حالة الفرد المعاصر، حيث جاء الرحيل) ذا خلفية معنوية، إنه رحيل إلى المجهول، إلى مستقبل تظهر ملامح الرعب فيه، لأن معطيات الواقع المخيفة، تقضي بالضرورة أيضاً إلى ملامح المستقبل. أما الشاعر علي الجندي) فيبتعد عن رمز الشخصيات الأسطورية، ليتناول رمز المكان من جهة ورمز المسيح) من جهة ثانية وذلك في نص واحد، حيث يزاوج الشاعر في النص الذي سنتناوله بعد قليل بين رمز المكان غار حراء) ورمز السيد المسيح) في علاقة غير مترابطة. إنه يستخدم الرموز بشكل متوالِ مما يُفقد النص الكثير من طاقاته الفنية، ويُفقد الرمز أيضاً خاصيته المشبعّة على النص. يقول علي الجندي) في قصيدة /النشيد الثاني عشر/ من /مطوّلته/ قطري ابن الفجاءة(21) : تهلّ الغيوم على أرض صمتي دماء حزينهْ، وينبت عشبٌ على قبر أحباب قلبي ويرسل طيرُ البحار عبر الرياح شجونهْ كأن المسيح انتهى ها هنا دون ذنب وغارُ حراء يوزع حلوى العشاء الأخير لأهل المدينهْ! وتنبت أزهار شوكٍ على كل مخدع عرس، وفي كل مهد، وكل حديقةِ شوقٍ.. فتجتثُّ منها جذورَ السكينهْ.. وتفرخ بالمطر الموسميّ.. ضروع العقاربْ كأن وراء الفم العندمي.. رؤى ومخالبْ إن المسيح) رمز من رموز العذاب والخلاص في آن، كما لاحظنا سابقاً في حديثنا عن المعذب تاريخياً في المدخل النظري، فجاء في النص مخلّصاً، ولكن ذلك الخلاص لم يتم ولم يتكلل بالنجاح، فالصورة السوداوية للحالة النفسية عند الشاعر والمستمدّة من الواقع المرير أخذتْ في طريقها المسيح) رمز الخلاص، فالغيوم التي تنجب دماء حزينة، والطير الذي يرسل آهاته، وأزهار الشوك التي تغطي كل مكان، الخ..، وقفتْ عائقاً كبيراً، ولم تفتح أية نافذة أمل للفعل الجبار الذي يقوم به المسيح). إن القبح الذي يلون الواقع أخذ أبعاداً كبيرة ومتفاقمة، وصلتْ إلى الشعور بالموت في نهاية النص وتفرخ بالمطر الموسمي.. ضروع العقارب، كأن وراء الفم العندمي رؤى ومخالب)، فليست ضروع العقارب والمخالب إلا منطلقاً للموت وأساساً له، وذلك عبر الإيحاءات التي تصب في إطار العدمية والتي انطوى عليها التركيبان السابقان. لقد مرّ المسيح) في النص بصورة عابرة، فلم يشكّل محوراً في النص كما شكّل تموز) إله الخصب في نصوص خليل حاوي)، فقد جاء عمله محدوداً واقتصر على التركيب الذي هو فيه كأن المسيح انتهى ها هنا دون ذنب)، والذي عزّز محدودية هذا العمل مجيء غار حراء) كرمز آخر خلفه مباشرة، بحيث لم يفسح هذا الرمز المكاني المجال للمسيح كي يقوم بدور فعال في عملية الخلاص، لأن توارد الرموز بصورة مكثّفة بعضها خلف بعضها يُذهب من عملها، ويقلل من شأنها على الصعيد الفني. إن ذاكرتنا تعي جيداً الأحداث التي رافقت غار حراء) وتعي أيضاً القدسية التي انطوى عليها هذا المكان، غير أن رمز المكان هذا لم تتوضح دلالته في المقطوعة، أضف إلى ذلك أن هذا الرمز غار حراء) لم يقم بفعل حيوي خصب، يُبرز الفعل الرمزي الأصيل في النص، والقائم على المحورية التي تنطلق منها المكونات النفسية واللغوية. ومن البدهي ظهور السوداوية المنطوية على العدمية مع تراجع فعل الرمز في النص بصورة جلية، حيث انطوى الرمز تحت هذه السوداوية، بدلاً من أن تنطوي السوداوية تحت الرمز وما يحمله من طاقات هائلة، وخاصة إذا كان رمزاً للانبعاث وللخلاص، وقد وجد في الأصل ليقف مناقضاً ومضاداً لتجليات العذاب التي توحي بالموت وبمستقبل قاتم. أما ممدوح عدوان) فقد اعتمد في رموزه على الأحداث والشخصيات التي وردت في القرآن الكريم، كشكل آخر من أشكال الرمز في صورة المعذب) في شعر الحداثة، ومن ثم قام بإسقاط هذه الرموز والأحداث على واقعه المرير، يقول ممدوح عدوان) في قصيدة أستميحك ذاكرتي)(22) . واستمحتك يا وطني ورجوتُ دموعكَ مغفرةً أصبحتْ بئري الآن مقفرةً إن إخوة يوسف صاروا سماسرة لدموع أبيهم وصاروا أباطرةً بقميص أخيهم وإنّ العزيز يقايض بالشهداء ويطلب في الحلم سبعاً عجافاً لنحني أسعارنا وأنا شاهدٌ مفعمٌ ببلادي وذاكرتي آه يا تربة الجوع إنْ لم تواري حياتي اشفعي لي فإني تبرّأتُ من أول الكلمات إن افتتاحية النص تُمهّد لصورة الرمز الأول أخوة يوسف صاروا سماسرة) فالدموع والبئر المقفرة تضعاننا في جواء القص لسيرة يوسف). ولعل تركيب أخوة يوسف) في هذه المقطوعة يوحي عبر سياقه بمجمل العلاقات السلبية في الواقع الحالي صاروا سماسرة لدموع أبيهم)، وقد انعكس هذا الواقع سلباً- أيضاً- على ذات الشاعر، فبدت عليه ملامح السوداوية والشعور بالإحباط أصبحتْ بئري الآن مقفرة). تتوضح في النص رويداً رويداً قيم الزيف والخداع التي انطلقت من مركز الرمز أخوة يوسف)، أي مركز الخداع والزيف، حيث صار أخوة يوسف أباطرة بقميص أخيهم)، إشارة إلى انهدام وتراجع الفرد في هذا القرن على عدة مستويات، فكرية وقيمية وحضارية). إن أخوة يوسف) في الأصل -وكما ورد في أحداث قصة يوسف- مصدر للشرور والمفاسد، بينما يمثّل يوسف) رمزاً للجمال وللخير، رمزاً تعرّض للكثير من الصعوبات، وهكذا فإن يوسف) في النص تمثيل واضح للإنسان المُحبط والمهدّم على الصعيد النفسي، لأن الواقع بقيمه لا يرحم أحداً، إنه واقع قبيحٌ بكل ما يعنيه القبح) من معنى. أما العزيز) فقد جاء أيضاً مرمزاً لشكل من أشكال السلطة ذات المنحى السلبي، فهو مصدر للجوع وللحرمان، لذلك فإنه يُضاف إلى مجموعة القيم الفاسدة في المجتمع، حيث خرج العزيز) عن المعنى الأصلي الذي يلفّه ويحيط به في أحداث قصة يوسف)، وصار حالة مرضية داخل المجتمع. ولعل صورة العزيز) هي الصورة المكمّلةُ لـ أخوة يوسف)، بل إن العزيز) كشكل للسلطة حالةً متعاظمة ومتطورة عن حالةِ أخوة يوسف)، لأنّ أثرها النفسي والاجتماعي ذو وطأة عظيمة، وطأة قائمة على القمع وعلى سلْبِ الآخرين حريتهم وحقوقهم في العيش الآمن. تلك هي أهم الظواهر الرمزية في الشعر الذي صوّر العذاب، وقد تنوعت وتوزعت على أشكال متعددة. لقد رأينا في دراستنا هذه تفاوت فعالية الرمز من نص إلى آخر ومن شاعر إلى آخر، إذ تُظهر بعض النصوص أن الرمز معادلٌ قوي للعذاب، وفي نصوص أخرى ينطوي الرمز تحت تجليات العذاب المتبدّية في النص. إن الشعراء الذين وقفنا عندهم سابقاً ليسوا إلا نموذجاً، إذ يظهر الرمز بأشكاله عند شعراء الحداثة كافة، لأن الرمز من أساسيات هذا الشعر، وهو قائم على جذور نفسية عميقة، وعلى فعل التورية)، الذي يقوم به الرمز، التورية الناتجة عن رغبة الشاعر في إخفاء ذاته عن الواقع. 3-النموذج الفني: يقوم النموذج الفني للمعذب) على تكثيف صورة العذاب الموجودة عند عدة شخصيات في صورة شخصية واحدة، فـ العازر) هو نموذج التشويه الذي يكثف الشخصيات المسحوقة أمام شعورها القاتم بانبعاث الأمة، وسيزيف البطل المعذب) لم يظهر في شعر الحداثة إلا لأنه نموذج لكثير من المعذبين المعاصرين، غير أن إسقاطه الفني على الواقع المعاش لا بدّ وأن يترافق بتعميق العذاب عند الشاعر وتراجع حالة البطولة المقترنة بسيزيف، فربما يقوم الشاعر المعاصر بتجريد سيزيف من بطولته) ويكتفي بالحديث عنه كمعذب فقط، ولعل النموذج الفني للعذاب غير النموذج الحقيقي، فدراسةُ أبي العلاء المعري في العصر العباسي على أنه معذب)، تختلف عن دراسته حين نقوم بإسقاطها على وضع معين، لأن إسقاطها يجعل من أبي العلاء نموذجاً فنياً، وقد تكون هناك شخصيات بطولية) في التاريخ والأسطورة يمكن إسقاطها بصورة معذبة على واقعنا الحالي. هنالك علاقة وطيدة بين النموذج الفني) للمعذب والرمز المستخدم في نص يصوّر المعذب)، فكلاهما يقوم بعملية الإيحاء الفني، غير أنّ النموذج الفني) للمعذب- كما أشرنا سابقاً- يرمز إلى الكثير من المعذبين على ساحة الواقع، فهو يشكّل حالة شمولية أكثر من الرموز التي وقفنا عندها سابقاً في حديثنا عن الرمز الأسطوري، والرمز الذي تناول الشخصيات التاريخية) حيث تُشكّل هذه الرموز مساعداً لتعميق حالة العذاب في النص، لهذا فإن النموذج الفني للعذاب ليس محوراً للنص أو بؤرة له فقط، بل إن وجود النص كامنّ في وجود نموذج العذاب. منْ أكثر النماذج الفنية التي توضّح صورة العذاب قصيدة العازر) 1962، للشاعر خليل حاوي)، حيث تمّت معالجة انبعاث العازر) برؤيا جديدة، رؤيا تقوم على العذاب، فـ العازر) انبعث في التاريخ بصورة مشرقة، غير أنه عند خليل حاوي) انبعث مشوهاً، تعميقاً لصورة الموت عند الشاعر). يبدأ النص بعودة العازر) من الموت، أملاً بحياة جديدة تحمل الخير والتفاؤل بين طياتها حيث تقوم زوجته في بداية النص بسرد جميل ينطوي على السعادة والإشراق بعودة زوجها، غير أن العازر) في ذاته عاد بصورة مشوّهة لأن ما يجري من تهديم ورعب ومظاهر مخيفة على أرض الواقع بحسب رؤيا الشاعر المعاصر)، جعلتْ العازر) يُفضل العودة إلى الموت والفناء والابتعاد بأقصى سرعة عن أرض الواقع، يقول حاوي) على لسان العازر):(23) : عمّق الحفرةَ يا حفّارُ، عمّقْها لقاعٍ لا قرار يرتمي خلف مدار الشمس ليلاً من رمادٍ وبقايا نجمةٍ مدفونةٍ خلفَ المدارْ لا صدّى يرشح من دوّامة الحمّى ومن دولاب نار ينطوي المقطع السابق على أشد حالات الموت رعباً، إضافة إلى ذلك فإن الشعور القاتم بانبعاث معافى هو الحالة السائدة في ذلك المقطع. يوحي أسلوب العودة بـ الموت، القبر) عبر تركيب عمّق الحفرة يا حفّار) وتركيب عمّقْها لقاعٍ لا قرار) باستحالة الانبعاث، انبعاث العازر)، ومنْ ثم استحالة ولادة أمةٍ جديدة بعد هذا الموت، ذلك أنّ طلب الشاعر أن تُعمّق حفرة الموت إلى هذه الدرجة يقضي على كل أمل بإنتاج نظام حياتي مستقر، من جهة، ويشير من جهة ثانية إلى مقدار عملية الهرب) من الواقع فكلما اتسعتْ حفرة الموت نحو الأسفل، اتسعتْ صورة الهرب إلى أحضان الموت. إن صورة الهرب) من الواقع تتجلّى في أبرز مظاهرها في المقطوعة عندما تصبح حفرة الموت كياناً منفصلاً تماماً عن كيان الوجود الإنساني، وذلك حينما ترتمي خلف مدار الشمس ليلاً من رماد)، وليس الرماد إلا شعوراً عميقاً برماد المحيط، الرماد الذي يحمل كل سمات الموت، ويشير إلى حالةٍ حضاريةٍ قد خبت ولا سبيل إلى عودتها، بيد أن الرجوع إلى الموت ليس رجوعاً، هدفُه توازن الأنا)، بل إنه رجوع قهري. ويبدو أن دّوامة الحمىّ) ودولاب النار) هي الصور المثْلى لصدى الواقع المرير، حيث دوّامة الحمى) عبر احتمالاتها خرجتَ وتجاوزت القيم الاجتماعية الفاسدة، وراحت تأخذ منحى الصراع الوجودي العميق، الصراع الذي ينطوي على اغتراب على كافة المستويات، إلى حدّ العدمية(24) : آه لا تلْقِ على جسمي تراباً أحمراً حيّاً طري رحِماً يمخره الشرش ويلتفّ على الميت بعنفِ بربري ما ترى لو مدّ صوبي رأسَه المحمومَ لو غرّق في لحمي نيوبَهْ من وريدي راح يمتصُّ حليبهْ لُفّ جسمي، لفّه، حنطْهُ، واطمرْهُ يكلسٍ مالحٍ، صخرٍ من الكبريتِ، فحم حجري حيث يتابع العازر) في المقطع السابق رفضه لكل مظاهر الحياة آه لا تلق على جسمي تراباً أحمراً حيّاً طري)، ذلك أن الحقيقة تُفضي إلى أنه لم يعد هناك أي مظهر من مظاهر الحياة، ثم إنّ التراب) في المقطوعة لم يقدّم ولن يقدّم ولادةً سليمة أبداً، بل إن هذا التراب) سيصبح لعنةً من اللعنات وممهّداً للآلام أخرى، فهو رِحمٌ) أو مشروع) لمخاضات من الآلام سوف تصيب الشاعر حتى في حفرة القبر، لهذا فهو يرفض هذا التراب) لأنه سينغّصْ عليه ميتتهُ بعد أن تكتمل مظاهر العودة إلى الموت. يضع الشاعر بديلاً للتراب الذي جاء بالمظهر السلبي، حيث نجد صورة أخرى موازية لحالة العدمية، وهي أن يُلفّ جسده الميت بمظاهر تفضي إلى إفناء الجسد بقسوة كلْس مالح، صخر من الكبريت، فحم حجري) وبعد ذلك يتساءل العازر) هل صلوات الحب في دموع الناصري) ستعيد ميتاً عريقاً في الموت؟(25) : صلوات الحبّ والفصْحِ المغنّي في دموع الناصري أترى تبعثُ ميتاً حجّرتْهُ شهوةُ الموت، ترى هل تستطيع؟ أن تزيح الصخر عنّي والظلام اليابس المركوم في القبر المنيع رحمةٌ ملعونة أوجَعُ من حمّى الربيعْ صلوات الحب يتلوها صديقي الناصري فليست صلوات الناصري) ودموعه إلا هباءً منثوراً، إن تلك الصلوات في دموع الناصري) لا يمكن لها أن تنقذ امرءاً حجّرتْهُ شهوة الموت)، إذ يحمل هذا المقطع سخرية مرّة من أحد مظاهر الخلاص عبر الحالة القدسية التي تنم عليها صلاة الناصري)، لأنّ الحالة المتردية أو الصور الثابتة المستقرة للموت تمنع أي فعل انبعاثي الصلوات) فالصخرُ، والظلام اليابس المركوم، والقبر المنيع، أمور تجذّرتْ مع مر الزمن كغريزة ودمٍ يمشيان في عروق العازر). إنّ الصورة السوداوية في المقطوعة السابقة جعلت من أهم مظاهر الحياة بعطائها وبحيويتها شكلاً من أشكال الرعب والدمار ألا وهو الربيع) في رحمة ملعونة أوجع من حمّى الربيع)، وكأن الربيع -خلال سياق التركيب- أحد إنجازات الموت، أو هو سمة من سمات الموت، وليس سمة للتفاؤل وللإشراق، وكان التفاؤل الحقيقي لـ العازر) هو عودته إلى الموت، إنه التفاؤل الذي يعني الهرب إلى صورة مريرة حفرة القبر)، ولكنها صورة أجمل من الواقع القبيح بكل معطياته، فـ "العازر إنسان يموت وهو يعلم أنه يموت وسيغتبط لذلك ولكنه لا يريد أن يرى وجه الحياة الذي يطلّ عليه باستمرار، إنه يودّ أن يهرب إلى قاع بلا قرار، ربما لينسى نفسه وبقاياه وليقتلع من رأسه جذور رغبته المحمومة في العودة إلى أيامه ولياليه المكهربة"(26) . وبعد مضيّ أسابيع من عودة /العازر/ وبعثه المشوّه تطلّ زوجته علينا مستعرضة صور التشوه البادية على زوجها(27) : كان ظلاً أسوداً يغفو على مرآة صدري زورقاً ميتاً على زوبعةٍ مِنْ وهْجِ نهديّ وشعري كان في عينيه ليلُ الحفرةِ الطينيّ يُدوّي ويموج المقطوعة السابقة تعرض حالة الموت المتمثلة بـ العازر) أمام شكلٍ من أشكال الحياة متمثل بالمرأة الأنثى، الجنس) فالظلّ الأسود وليلُ الحفرة الطيني، هي مفردات التشويه التي لحقتْ بـ العازر جسدياً ومعنوياً، أما مرآة صدرْ الأنثى، زوبعة من وهج نهديها وشعرها) فهي مفردات العطاء ونبضُ الحياة الملازمة للأنثى زوجة العازر). فالتصوّرات التي وضعتها زوجة العازر) عن عودة زوجها كانت ممتلئة بالبهجة وبالغبطة، بيد أن تلك العودة كانت مخّيبة لآمالها، فقد عاد بصورة وحشية خالية من الملامح الإنسانية الحضارية، عاد ميتاً إلى الواقع، وهذا يعبّر تماماً عن انسحاق الشاعر خليل حاوي)، وإخفاقه في أنْ يقدّم صورة مشرقة للمستقبل العربي القادم، وما عودةُ العازر) المشوّهة إلا عودة المستقبل العربي: مشوّهاً بحسب رؤيا الشاعر أيضاً، وعندما رأت زوجة العازر) زوجها على هذه الحالة من الانهدام ومن الوحشية في آن، ذهبت الصورة المسبقة التي زرعت في مخيلتها ذهاباً يُفضي بالضرورة إلى عدمية المستقبل، وتمنّت لو أنه لم يعدْ، لأنه شخصٌ آخر وغريبٌ ومعطلُ الإرادة لا يستطيع الانبعاث الحضاري(28) : كنتُ أسترحمُ عينيهِ وفي عينيّ عارُ امرأة أنّتْ، تعرّتْ لغريبْ ولماذا عاد من حفرته ميتاً كئيب حيث الموت والكآبة في المقطوعة يكمّل بعضهما بعضاً، وهما من سمات المعذب الأساسية. وعليه فإن قصيدة العازر) تسير على هذه الخطوات من العذاب والإخفاق في ولادة أمة جديدة وانبعاثها. ونكتفي بالإشارة إلى نموذج آخر من نماذج المعذب عند حاوي)، نموذج قصيدة البحار والدرويش(29) ، "فالبحار يرمز إلى الذات الغربية التي انطلقت تنزع ستائر المجهول وتكشف القارات البكر وتستعين بالعلم على تطويع المادة وتحطيم الذرة، واستغلال مرافق الطبيعة وتسخير قواها لخدمة الإنسان وأغراض البشرية، إنه الإنسان الغربي والحضارة الغربية بعد أن بلغا قمة المعرفة وقدّما كل تضحيةٍ في سبيلها ثم انتهيا إلى اليأس من العلم والتنكر له، وبدأا ينحدران إلى هوّة الخيبة والقنوط(30) وأما الدرويش فإنه "يمثل الشرق المغرق في الروحانية والتصوّف والقدم إنه الذات الشرقية الزاهدة في المغامرة واكتشاف المجاهيل واكتناه أسرار الطبيعة، القابعة في عريها المنتشية في حلقات ذكرها، هذه الذات التي تجتاز الحياة في غيبوبة وفناء وترى أن كل طرقات الأرض، قاصيها ودانيها، تؤدي إلى روماها) وكوخها، حيث يتعانق الدهر والله والزمان والروح(31) ، لهذا فإن كلاً من البحار والدرويش يعانيان من مصاعب شتى، بيد أنّ هذه المصاعب في الحقيقة يعانيها الشاعر خليل حاوي). فـ "اللقاء الذي يتم بين البحار اليائس والدرويش الزاهد القابع، ليس سوى مظهر من مظاهر الفراغ الداخلي الذي يدور ضمن جدران ذاتية الشاعر. إنه تجسيد حي وحضاري للمشكلة التي يعانيها وتبحث ذاته عن مخرج من مأزقها وحلّ لها، إنّ الذات تكاد تتمزق بين قطبي المنطق والتصوف، العلم والإيمان، المادية والروحانية"(32) . إن خلف قصيدة البحار والدرويش) قضية الإحساس بالعجز عن مواصلة مسيرة الحياة والتلاؤم مع جزئياتها، والعجز عن تفسير بعض المعضلات الوجودية على الصعيد العلمي، ذلك أن البحار) هو ردة فعل سلبية عكسية على مقتنيات الحضارة، ونكوص لذات الشاعر نحو الخلف، ونحو الداخل العميق للنفس، فالشاعر "يسقط ذاته على هذا البحار بعد أنْ وجد فيه المعادل الموضوعي لتجربته الذاتية. لقد رأى أن الشرق والغرب بوضعهما الحالي عاجزان عن إعطاء المعرفة الإنسانية الحقيقية. وهذه هي الرؤية العامة للقصيدة(33) فهذا العجز هو رؤيا الشاعر الخاصة به، التي تشفّ عن عجزه عن مقاومة ذلك النكوص إلى الخلف، الذي يلف الواقع بشكل عام.. فإذا كان خليل حاوي) قد استحضر شخصية تاريخية ونمذجها فنياً بحيث تصبحُ معذبة مستسلمة للواقع، معطلة الإرادة عن فعل حضاري، فإن نزيه أبو عفش) قد جاء بشخصية من واقعنا المعاصر على قدر كبير من العذاب، ولم يُسمّها، لأنها نموذج لمعذبين كثيرين في هذا الواقع الاستلابي والممتلئ بالقيم السلبية اجتماعياً. يقول أبو عفش) في قصيدة أشياء عن الحزن والرجل الذي مات حياً)(34) : نعم، ولم يعدْه في مساء حزنه أحَدْ ولم تُوَشىّ وجهه ابتسامةٌ.. ولم.. وماتَ ولم يبكِ على غيابه أحدْ كانت عيناه مفتّحتين كجرحِ لم يتقطّر منه الدمْ ويداه معلقتين على واجهة الباب متشنجتين.. مرحبتين! هلا بالضيف.. هلا بالضيفْ ويُقال تقيأ قبل الموت دماً وقصائد ثم انهارْ وتفوّه قبل غياب الموت بشيء ما حدّقنا في شفتيه: لرُبّ سؤال لم يحضرهُ. توقّفَ بين الحنجرةِ المذبوحة والأسنانْ خوّضْنا في طوفان الدمع وقلّبنا حتى الأجفانْ كانت رائحة القيء تلحّ: تفوّه قبل الموت بشيءٍ ما لا شكّ تفوّه قبل الموت بشيء ما يا قلبي.. لكنْ أينْ؟ أينْ؟.. يطرح النص شخصية على قدر كبير من الإنسانية والخير، بيد أنها تحمل من الحزن القدر الكبير أيضاً، حيث يعرض الشاعر في النص عدة حالات انطلق منها عذاب تلك الشخصية، وفق ما يلي: 1-الانطوائية والعزلة كأولى الحالات التي أفضتْ إلى الحزن العميق ولم تُوَشّ وجهه ابتسامة)، ذلك أن هذه العزلة حالة قهرية لا ريب. 2-الموت المعنوي وماتَ ولم يبك عليه أحد)، حيث ينطوي هذا الموت على صورة اليأس التي أنتجتها الظروف الموضوعية والبيئة المحيطة. 3-الاغتراب القيمي الاجتماعي)، الذي يشكّل المحور الأساسي في الشق الأول من النص، والذي كان سبباً في ظهور الانطوائية والعزلة، ومعمّقاً الإحساس بالموت لم يعده في مساء حزنه أحد، ولم توشّ وجهه ابتسامة)، وعلى الرغم من الدوافع الإنسانية الجميلة لتلك الشخصية عبر إلحاحها على اللقاء مع الآخر على ساحة الواقع، فإن ذلك الواقع كان مخيّباً للآمال ويداه معلقتين على واجهة الباب/ متشنجتين.. مرّحبتين/ هلا بالضيف.. هلا بالضيف) ولم يكن الضيف الذي استقبلته تلك الشخصية سوى الموت الذي راح الشاعر يعرض جزئياته ويعرض حالة الشخصية) وهي في طريقها إلى الموت المعنوي، فبدا العرْض وكأنه لموتِ حقيقي مادي ويقال تقيأ قبل الموت دماً وقصائد ثم انهار وتفوّه قبل غياب الموت بشيء ما/ كانت رائحة القيء تلحّ/). إن الموت) المطروح في المقطوعة بصورته المعنوية ليس إلا موت الفرد الإنساني ذي القيم والمبادئ أمام مجمل العلاقات المعاصرة التي طالعتْنا بها المدنية القائمة، التي تقوم مرتكزاتها على التعامل المادي على حساب التعامل الحميمي والمودة بين الأفراد، فالشاعر لم يصرّح بتلك العلاقات المتردية، بيد أن الشق الأول من النص تعبير عن علاقة المجتمع بـ الشخصية المعذبة) في الواقع أيضاً، إذ هي نموذج للإنسانية بكل مظاهرها الإيجابية، لهذا فإن الشاعر -عبْر هذا النص- يلّح بصورة غير مباشرة على انبعاث جديد للقيم السائدة، انبعاث ممتلئ بصورة الحياة والسعادة. يجعل الشاعر من نهاية النص نهاية مفتوحة احتمالية لا شك تفّوه قبل الموت بشيء ما)، فليست هناك إجابة على السؤال الذي يغص في حلق تلك الشخصية المعذبة، بل إن السؤال في ذاته غير متوافر وليس له وجود، يا قلبي... لكن أين/ أين؟). يمكن أن نشير أيضاً إلى نموذج آخر من العذاب للشاعر علي الجندي) الذي استقطب شخصية موسى بن نصير) البطل العربي المعروف ليجعل منها شخصية معذبة، عبر الرؤية التي تقوم بها هذه الشخصية لصورة المدينة دمشق)، المدينة المتعثِّرة بالوحشة وبأسباب الغربة، حيث يشكِّل موسى) نموذجاً للشخصية المغتربة المعذبة، يقول علي الجندي) في قصيدة موسى بن نصير يتسول في شوارع دمشق)(35) : - يا موسى ماذا تفعلُ في هذا البلدِ الموحشِ، والناسُ يمرُّونَ بوجهِكَ والعينين الزائغتين فما يلتفتون؟ إنْ عرفوكَ تغاضوا، أو جهلوك امتعضوا تبدو للناس جنازةَ إنسانٍ مرميٍّ فوق رصيفِ الدنيا - فانفرْ يا موسى إن موسى) القرن العشرين معذَّبٌ على الصعيد الروحي القيمي، غير أنه ما زال محتفظاً ببطولته وفروسيته، التي تعتمد على قوته البدنية، وهذا لا ينفي سمة العذاب الأساسية لديه التي ترتكز على تأزُّمٍ نفسي عميق، إذ لا فائدة من البطولة البدنية في ظل حالة نفسية متقهقرة تنطوي على الاغتراب الكبير عن المجتمع بأفكاره وعاداته وتقاليده، لذلك كان الحل الوحيد لدى علي الجندي) أن يرحل يهرب) موسى من صور المجتمع السلبية البلد الموحش، إنْ عرفوك تغاضوا، أو جهلوك امتعضوا، الخ) ولعل موسى) في الحقيقة هو انعكاس لشخصية الشاعر التي تشعر بكل الصور السلبية في الواقع والتي ذُكرتْ في النص. إننا أمام شخصية مغتربة عن المدينة الممتلئة بعوامل الإحباط والعزلة، لهذا فإن الهرب هو الوسيلة الوحيدة للخلاص، الهرب الذي أتى موافقاً لمعنى الرفض والتمرد على القيم السائدة. وكما عرض شْعرُ الحداثة نماذج للعذاب فقد عرض نماذج معاكسة للعذاب، فعلى الرغم من أن /مهيار الدمشقي/ لأدونيس نموذج للامنتمي)، فإن هذا اللامنتمي) ليس معذباً، بل هو بطولي، فالأجواء العامة لمهيار الدمشقي تحيل على مفهوم اللامنتمي البطولي) الذي ينطوي في بعض مراحل النص على المعذب وذلك انطلاقاً من تداخُلِ القيم الجمالية بعضها مع بعض. إن اللامنتمي في الأصل هو "الإنسان الذي يدرك ما تنهض عليه الحياة الإنسانية من أساسٍ واهٍ ، والذي يشعر بأن الاضطراب والفوضوية هما أعمق تجذُّراً من النظام الذي يؤمْن به قومه"(36) ومن ثم فإن مصطلح اللامنتمي) يقترب كثيراً من مفهوم العبثي)، ويختلف اللامنتمي) عن المغترب)، فـ اللامنتمي) يَبْرز لديه الجانب الفكري، أما المغترب) فيبرز لديه الجانب القيمي، فليس هناك فكر ولا قومية ولاعقيدة لذلك اللامنتمي، من هنا تنطلق العبثية في الأمر، "ففي عالم محروم فجأة من الأوهام والأنوار، يشعر الإنسان أنه غريب، وهذا المنفى لا رجعه منه، لأنه محروم من الذكريات عن وطنٍ مفقود، أو من الأمل في أرض ميعاد. إن هذا الطلاق بين الرجل وحياته، بين الممثل وزينته هو في الحقيقة الشعور بالعبثية(37) . لقد كان مهيار الدمشقي) تمثيلاً واضحاً لحالة اللاانتماء البطولية)، ولا يعبر مطلقاً عن حالة العذاب، إن مهيار "ثورة على الواقع المتعفن الذليل، ورمز لقوة النقض الكامنة في الأشياء، والمحوِّلة للواقع، والحاملة للوجود على جناحيها، ومن خلال مهيار نذوق نكهة المجد البشري، ونعانق العظمة المنداحة في كل شيء، ومردُّ ذلك كله إلى هيمنة مفهوم العبور النقض، التحول، الصيرورة) الذي يتسم بقدرته على نقل حالة الصراع، هذه الحالة التي تفجر الخيال وتبعث فيه الحركة"(38) . لقد قام أدونيس بالاعتماد على التاريخ العربي في استحضار شخصية الشاعر مهيار الديلمي) الشاعر العباسي، وإسقاطها على الواقع بصورة مهيار الدمشقي). فهناك نقاط مشتركة بين مهيار الدمشقي ومهيار الدليمي تتركز في الشعر، والنزوح، ورفض العصر، وبعض هذه النقاط تتناسب وظروف اللامنتمي وحالاته رفض العصر، النزوح). إن أدونيس من خلال مهيار الدمشقي) يضع المرء في أجواء أسطورية، بدءاً من أجواء الأفعال الجبارة التي تقوم بها تلك الشخصية، وتحولها بين حالة وأخرى، إنه يجسدُ الخلق والانبعاث كفينيق والصقر، ومن ثم التجدد،(39) : هو ذا يأتي كرمحٍ وثني غازياً أرض الحروف نازفاً- يرفع للشمس نزيفه، هو ذا يلبس عري الحرْ ويصلي للكهوف حيث يضعنا المقطع السابق في أجواء أسطورية تنم على الحركة والحيوية والصراع، وفي ذلك تقول خالدة سعيد في حركية الإبداع) رابطةً هذه الأجواء بمعطيات القرن العشرين، "أما شخصية مهيار فهي أسطورية تنطلق بدءاً من أزمة الشاعر كفرد يعيش في القرن العشرين، ويعاني على مستوى ثانٍ تجربة التحول والتحرك التي يعيشها العربي، كما يُعاني على مستوى ثالث، أزمة الإنسان إذ يواجه المعضلات الكونية كالموت والحياة والحب. وهذا ينقل أدونيس التجربة الشخصية والقومية إلى المسرح الكوني"(40) . (1) موسى، خليل، 1994، وحدة القصيدة في النقد العربي الحديث، اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ص 31. (2) جابر، يوسف حامد، قضايا الإبداع في قصيدة النثر، ص 149. (3) الشرع، علي 1978، بنية القصيدة القصيرة في شعر أدونيس ، اتحاد الكتاب العرب، دمشق ص 97-98. (4) أدونيس، المجلد الأول، قصائد أولى، ص 12. (5) الخال، يوسف، الأعمال الكاملة، ص 326-327. (6) الحصني، عبد القادر، 1976، بالنار على جسد غيمة- مطبعة ابن الوليد- دمشق ص 25. (7) انظر، حموي، حسين ديوان قابيل وسِفَرْ البحر ص 22. (8) انظر، الجندي، علي، ديوان الحمى الترابية ص 100.. (9) انظر خضر، مصطفى 1985 ديوان رماد الكامن البشري، اتحاد الكتاب العرب، دمشق ص 142. (10) انظر، سليمان ميشال 1970، ديوان النار والأقدام الجائعة دار لسان العرب- بيروت- لبنان ص 27-28-29. (11) عدد من الباحثين، 1994، سحر الرمز، ط1، مقاربة وترجمة: د. عبد الهادي عبد الرحمن، دار الحوار، اللاذقية، ص 185. (12) المرجع السابق، ص 189. (13) كليب، سعد الدين، الرمز والأسطورة، ص 61. (14) فيدوح، عبد القادر، الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، ص 400. (15) المرجع السابق، ص 407-408. (16) مروة، حسين، دراسات نقدية في ضوء المنهج الواقعي، ص129 (17) الموقف الأدبي، حنا عبود، ع 175- ص46 (18) حاوي، خليل/ الأعمال الكاملة/ عفاف بيضون/ مقالة التطور في شعر خليل حاوي) ص377 (19) حاوي، خليل، الأعمال الكاملة، ص89-90 (20) أدونيس، المجلد الأول /أغاني مهيار/، ص396 (21) الجندي، علي الحمى الترابية ص35 (22) عدوان، ممدوح، /الأعمال الكاملة/ مج 2-ص42-43 (23) حاوي، خليل، /المجموعة الكاملة/ بيادر الجوع/ ص313 (24) المصدر السابق ص314-315 (25) المصدر السابق /قصيدة العازر/ ص315-316 (26) ميخائيل، امطانيوس، دراسات في الشعر العربي الحديث ص58-59 (27) حاوي، خليل، الأعمال الكاملة /بيادر الجوع/ ص320-321 (28) المصدر السابق ص323 (29) راجع، حاوي خليل، الأعمال الكاملة ديوان /نهر الرماد/ قصيدة البحار والدرويش بدءاً من ص11 (30) رزوق، أسعد، 1959- الأسطورة في الشعر المعاصر، منشورات مجلة آفاق- بيروت- لبنان ص28 (31) المرجع السابق ص29 (32) المصدر السابق ص31-32 (33) نشاوي، نسيب، مدخل إلى المدارس الأدبية ص490 (34) أبو عفش، نزيه، حوارية الموت والنخيل، ص83-84 (35) الجندي، علي ديوان /النزف تحت الجلد/ ص101. (36) ولسون، كولن 1982 اللامنتمي ط3 تر: أنيس زكي حسن، دار الآداب بيروت ص5 (37) كامو، البير د/ تا) العبث تر: سالم نصار- دار الاتحاد لبنان ص19 (38) اليوسف، يوسف سامي الشعر العربي المعاصر ص153 (39) أدونيس المجلد الأول/أغاني مهيار/ فارس الكلمات الغربية ص331 (40) سعيد، خالدة 1979، حركية الإبداع، ط1 دار العودة- بيروت ص121-122. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |