" المعذب " في الشعر العربي الحديث فـي سوريا ولبنان من عام 1945 إلى عام 1985 - ماجد قاروط

دراسات جمالية - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:57 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

التشكيل اللغوي

نتابع الحديث عن السمات الفنية للمعذب في شعر الحداثة، ونتوقف عند التشكيل اللغوي) للنص الشعري، إذ لابد لنا كالعادة أن نتناول هذا الجانب من خلال وظيفته النفسية، فليست هذه الدراسة آتية لتناول البنية اللغوية) عبر منظورها المحض، بحيث نتناول العلاقات والأنظمة اللغوية في النص بمعزلٍ عن خلفيتها النفسية والاجتماعية).‏

إن"الإنسان قبل كل شيءٍ، آلة تحوّل الطاقة. وتتلقى الجملة العصبية الطاقة بصورة شتى، نور، وروائح، وأصوات، وحركات آلية، وحرارة، الخ، فتختزنها وتُحولها. ثم تبثها إلى الخارج بصورة حركة، وفكرة، ولغة"(1) ، ولا شك بأن تلك اللغة تحمل شحنات نفسية مختلفة من تركيب إلى آخر ومن لفظة إلى أخرى، ومن ثم فإن هذه الشحنات تنعكس على القدرة الإيحائية الدلالية للتركيب اللغوي أو للمفردة شحنة إيحائية دلالية)، "ولكن هناك كلمات مشحونة أكثر من غيرها، وهذا ناتج عن أحد أمرين أو كليهما. فإما أن تكون هذه الكلمات ذات طبيعة تهيئها لذلك كالرموز مثلاً، وإما أن تدخل هذه الكلمات في علاقات غنية مع الكلمات الأخرى، فالأمر الأول داخلي وأما الثاني فهو خارجي"(2) .‏

من البدهي أن تختلف الدراسات اللغوية للنص باختلاف المدارس اللغوية، ذلك أن "الشكليين الروس يلتقون مع البنيويين في طبيعة النظرة إلى النص الأدبي، تلك النظرة التي تعزل النص عن المؤثرات الخارجية ولا تتفحصه إلا من حيث هو بنية لغوية مستقلة، ذلك لأن كل المعالجات الخارجية -حسب الشكليين- لا تمتلك المؤهلات الكافية لدراسة الأدب واستنباط قوانينه، إن كلاً من الشكلية والبنيوية لم تسأل عما يُعبِّر عنه النص الأدبي، وإنما اقتصر سؤالها عن كيفية التعبير، ذلك أن هذه الكيفية التي يكون عليها النص هي المسألة المركزية التي تقود إلى الكشف عن قوانينه"(3) .‏

ومن ثم فإن تلك البنيوية في مجال الشعر خاصة- تنظر إلى أن "الطريقة الأساسية التي تُظهر فيها الوظيفة الشعرية نفسها في الشعر، تكون بإسقاط البعد الصرفي والاستعاري للغة على البعد النحوي، إن الشعر بتأكيد تماثلات الصوت والإيقاع والصورة يزيد من كثافة اللغة، جاذباً الانتباه إلى خصائصها الشكلية بعيداً عن أهميتها الإسنادية"(4) ، وبالطبع فإن الإسناد يعني المرجعية الواقعية أي العلاقة بين الصورة والواقع، تلك العلاقة التي تفتقدها البنيوية.‏

ومن الدراسات اللغوية أيضاً السيميولوجية والتفكيكية، فالسيمياء هو "علم تفسير معاني الدلالات والرموز والإشارات وغيرها، ويعدُّ من أحدث العلوم في ميادين اللغة والأدب والنقد، وهو امتداد للألسنية"(5) ، ويرتكز هذا العلم من علوم اللغة على الحياة الاجتماعية والوظيفة الاجتماعية التي تؤديها العلامة)، لأن السيميائية في الواقع تقوم بدراسة أنظمة العلاقات، واللغات، إلخ .....؛ وأما مناهج الدراسة السيميولوجية فترتكز على منهج التحليل التوزيعي، ومنهج التحليل المفهومي أو التوليدي) ومنهج التحليل الإحصائي، أما مستويات الدراسة السيميولوجية فهي الصوتي، والتركيبي، والمعجمي، والمعنوي).‏

إن لعلم اللغة- إضافة إلى طرق الدراسات اللغوية- تياراتٍ متعددة، يستطيع المرء من خلالها أن يحدِّد الطريقة التي ارتآها أنصار التيارات هذه في دراسة الظواهر اللغوية وعلاقتها بالمحيط الاجتماعي، ولعل التيارين الرئيسين في علم اللغة هما التيار المثالي والتيار الوضعي، فالتيار المثالي" يعتدُّ بالتمييز الذي أقامه همبولت) بين العمل والطاقة، ويعدُّ اللغة أداة للجماعة، وفعلاً خلاَّقاً للفرد، يخضع للقوانين النفسية والاجتماعية التي تؤثر على الأفراد المبدعين للغة والمتقبِّلين لها"(6) ، ذلك أن هذه اللغة تحت سيطرة أولئك الأفراد ومستويات حياتهم الثقافية والمزاجية والعمرية)، وأما التيار الوضعي في علم اللغة "فيؤسس للعلوم الإنسانية على قواعد تجريبية وعقلية، وينتقد مبادئ علم اللغة التاريخي. ويمثل العالم السويسري سوسير) هذا الاتجاه الذي ضمَّ -أيضاً- عدداً من اللغويين الفرنسيين، وقد رفض اعتبار اللغة جوهراً مادياً خاضعاً لقوانين العالم الطبيعي الثابتة، واعتبر اللغة خلقاً إنسانياً، ونتاجاً للروح البشري، تتميز بدورها كأداة للتواصل، ونظام للرموز المخصصة لنقل الفكْر، فهي مادة صوتية، ولكنها ذات أصل اجتماعي ونفسي"(7) .‏

وعليه فإنه يمكن الاستفادة من المعطيات السابقة في دراسة النص لغوياً، وارتباط هذه اللغة بالمفهوم الجمالي المدروس المعذب)، وبشكل عام فإن ثورة اللغة في شعر الحداثة قائمة على "تهديم وظيفة اللغة القديمة، أي في إفراغها من القصد العام الموروث، وهكذا تصبح الكلمة فعلاً لا ماضي)) له، تصبح كتلة تشع بعلاقات غير مألوفة"(8) .‏

فمن الخطأ الشائع أن نضع قبالة أعيننا المنهج الذي ستتم من خلاله دراسة القصيدة قبل الاطلاع على معطياتها وتركيبتها اللغوية والنفسية، ثم نقوم بتطبيق هذا المنهج على النص، ذلك أن هذا التطبيق سيشوه النص الشعري، ويغفل الكثير من جمالياته، فالقصيدة هي التي تفرض منهج دراستها على عدة مستويات.‏

ما دمنا إزاء قصائد من شعر المعذب)، فإن هذا يضعنا -كما أشرنا سابقاً- أمام حالة من التأزم النفسي المسيطر على الشاعر، لهذا لابد لنا من أن نقوم بدراسة التوتر الشعري) الذي تأتي به اللغة بإنجازاته النفسية والاجتماعية، حيث التوتر الشعري) "هو البؤرة الانفعالية التي لا يخضع لها الشاعر أو المتلقي بطريقة عادية. والمقصود بكلمة عادية) كل ما يتفرع عنها من تداع وحلم وانسيابية، وإنما توقظه، تثيره، تهز كيانه، بمعنى آخر، تصدمه، بما تحمله من شحنة توترية يقوم أساسها على محورين: محور الذات الشاعرة، المتأثرة، ومحور الموضوع، والعلاقة القائمة بينهما، إما أن تتكون علاقة توافق وانسجام وإما أن تكون علاقة تنافر وخصام، وعلى محور هذه العلاقة وما يتفرع منها، والتي تخضع للشد والجذب، تكمن مسافة التوتر النابعة من بنية النص الشعري، ومن مختلف الرؤى والمواقف المتمثلة بعلاقة الشاعر بالعالم"(9) .‏

وعليه فإن المعذب) في علاقة تنافر وخصام مع محور الموضوع، ثم علينا أن ندرك الشحنات النفسية التي تحملها طبيعة المفردة التي يستخدمها المعذب ضمن سياق النص وضمن السياق الاجتماعي لحياة الشاعر، ومن ثم نتطرق إلى التركيب تركيب الجملة) الذي يشير في الحقيقة إلى أنه قاسم مشترك بين الدراسات اللغوية لنظام الجملة في الأجناس الأدبية عامة والشعر خاصة.‏

النص الأول للشاعر /محمد عمران/ من ديوانه /الأزرق والأحمر/ ومن قصيدة /الأزرق والأحمر/ أيضاً يقول فيه (10) :‏

نبَّهتُ، من إغفائه، الأزرقْ:‏

يا لون صوت حبيبتي‏

كبرَ النهار، وأنتَ في حلمٍ من الفستقْ‏

كبُرَ انتظارُ قصيدتي‏

عَّتقتُ في شفتيَّ، خابية، فقمْ نسكَرْ‏

طفلي يفيقُ على منابتهِ‏

فقمْ نسكَرْ"‏

الأزرقُ المخذولُ قام،‏

مَشَى على ثِقلٍ‏

وارتمى في حضرة الأحمرْ‏

والأزرقُ المقتولُ أرخى حلمَهُ‏

وتوسَّد الأحمر‏

أمسكتُ خابيتي على شفتي‏

وهتفت بالألوان:‏

يا سيدي الأخضرْ))‏

يا سيدي الأصفرْ))‏

يا سيدي الـ ))‏

يا ...‏

ماتتِ الألوانْ‏

وعلى المنابت حيث طفلي،‏

عرَّشَ الأحمرْ‏

إن سيطرة اللون الأحمر) على الأشياء بشكل نهائي هي صورة العذاب ومكمنه، ذلك أن الأحمر) رمزٌ لكل ما هو سلبي، حتى كأن الأحمر) صار رمزاً مطلقاً للحالات المضادة للحياة والتفاؤل والأمل، وبالتالي صار رمزاً مطلقاً للقبح في الواقع، وينشأ الصراع بين هذا الرمز وبين رموز الخير والإشراق وفي طليعتها اللون /الأزرق/، ومن هنا انبثقت قضية التوتر الشعري) التي أنتجتها اللغة عبر إيحاءاتها النفسية، فالنص بمجمله بؤرة انفعالية قائمة على الصراع بين الإيجابي والسلبي في الحياة، وأخيراً ينتصر السلبي لتجسيد صورة الانسحاق الشامل صورة العذاب).‏

أما الحالات الإيجابية في النص، والتي تشكِّل عناصر الحياة الجميلة الأزرق/ صوت حبيبتي/ كبر النهار/ حلم من الفستق/ خابية/ الأخضر/ الأصفر/ طفلي)، وأما الحالات السلبية الكثيرة والمضادة للحالات السابقة فهي الأحمر/ المخذول، مشى على ثقل/ ارتمى/ المقتول/ ماتت الألوان/ عرش الأحمر) ومن ثم فإن صورة اللقاء وحالة التداخل غير المتوازنة بين معطيات الأحمر) السلبية ومعطيات الأزرق) الإيجابية هي التي تخلق مسافة التوتر النابعة من بنية النص الشعري السابق.‏

إن حالة التضاد الرئيسية التي خلقت مسافة التوتر الشعري في بنية اللغة بإيحاءاتها النفسية كامنة بين الأحمر) والأزرق) وبعد ذلك عناصر التضاد الثانوية المرافقة لكل من الأحمر) و الأزرق)، ويمكن توضيح ذلك عبر الجدول التالي:‏

حالات سلبية - حالات إيجابية‏

تضاد رئيسي) الأحمر الأزرق تضاد رئيسي)‏

المخذول صوت حبيـبتي‏

مشى على ثِقَلٍ تضاد ثانوي كبرَ النهار‏

ارتمى حلمٌ من الفستق‏

علاقة تضاد‏

المقتول خابية‏

ماتت تضاد ثانوي الأخضر‏

عرَّشَ الأصفر‏

أرْخى طفلي‏

إن مسافة التوتر في بنية النص السابق لا تفضي بالتأكيد إلى حالة من الصراع القائم بين الأحمر)، ومنجزاته من جهة، وبين الأزرق ومنجزاته من جهة، وبين الأزرق ومنجزاته من جهة أخرى.‏

لقد كان الأزرق) سكونياً ميتاً أمام الأحمر وذلك كما في الأزرق المخذول قام/ مشى على ثقلٍ/ ارتمى في حضرة الأحمر)، إذ لو تبلورت صورة الصراع إلى فعلٍ بطولي يقوم به الأزرق) في وجه الأحمر) لكان سقوطه تراجيدياً، بيد أن السكونية والموت أحالاه على /المعذب/، واقتصر الصراع على صراعٍ نفسي عميق ينعكس تلقائياً على ذات الشاعر التي أحسَّتْ بالموت وبالتهدم يصيبان كلّ شيء، غير أننا نعود ونؤكد أن مسافة التوتر الشعرية تظهر بنيةً لغوية، تحمل هذه البنية في طياتها إيحاءين نفسيين، وتظهر العلاقة السلبية بين الذات الشاعرة لمحمد عمران وبين الموضوع، فليس الأزرق) سوى صور التفاؤل التي كان يحملها الشاعر في أعماق نفسه، ولم تلبث هذه الصورة أن سقطتْ تحت وطأة الأحمر).‏

من خلال حديثنا عن الصورة السلبية الصدامية بين الذات والموضوع في النص السابق، تحدثنا عن الإيحاءات النفسية لبعض المفردات في النص، كالإيحاء النفسي للأزرق والإيحاء النفسي للأحمر، ويبدو لنا أن الشاعر قد عرض ألواناً أخرى في المقطوعة فألوان. الأخضر والأصفر) تشير أيضاً، إلى أشكال متعددة من المرتكزات الإيجابية في الحياة، ولكنها تتراجع أمام الشكل الأساسي للحياة، وهو اللون الأزرق) بيد أنها تظل محتفظة بصورتها الإيجابية.‏

قد يظن المرء للوهلة الأولى أن بداية النص هي صورة من صور الحيوية والاستقرار، ولكن الأمر على غير ذلك، فالإغفاء) كلفظة -داخل السياق- تشير إلى أن الأزرق) بعيدٌ عن ساحة الواقع، فهو يُفسح المجال للأحمر ليحل مكانه، ثم إن الإغفاء) يبرز مسألة الحالة اللا واعية والموت المؤقت، ومن ثم فإن ذلك الموت المؤقت للأزرق انتهى إلى موت مستمرٍ ونهائي في نهاية المقطوعة، حيث عرَّشَ الأحمر على كل شيء، لهذا فإن لفظة إغفاء) تحمل شحنة نفسية عالية المستوى، عبر الاحتمالات المتعددة التي انطوت عليها.‏

كما أنّ لفظة طفلي) الواردة مرتين في النص، يمكن أن تكون حسب السياق تمثيلاً لكل ما هو بريء فطري في مواجهة قيم الأحمر) المشبعة بالموت والسلطوية، ولعل مفردة حضرة) المقترنة بـ الأحمر) في المقطوعة في تركيب حضرة الأحمر) من الدلائل الساطعة على السلطوية التي يمارسها الأحمر) على ذات الأنا) لدى الشاعر وعلى توازنها.‏

أما على صعيد التركيب في النص، فأول ما يطالعنا هو تقديم الجار والمجرور على المفعول به نبَّهتُ/ من إغفائه/ الأزرق) وذلك لضرورات نفسية، فنوم الحالات المولدة للعطاء والمتمثلة بنوم الأزرق)، أمرٌ على غاية من الخطورة النفسية، لهذا لابد من الصحو الحيوية، النشاط، الصراع) إذ لا فائدة من الأزرق) وهو غافٍ، ولذلك فإن ذكرَ الإغفاء جاء مهماً على الصعيدين النفسي والفني.‏

وأما التحول النفسي اللافت للانتباه في تركيبات النص، فيظهر عندما ينادي الشاعر الألوان الإيجابية كي تقوم بأفعال الإنقاذ:‏

وهتفت بالألوان:‏

" يا سيدي الأخضر"‏

" يا سيدي الأصفر"‏

" يا سيدي الـ"‏

" يا ....."‏

ماتت الألوان‏

ففي خضم نداء الشاعر للألوان يخفت صوت الشاعر، حيث تظهر صفة اللون في البدء الأخضر، الأصفر) ثم لا تظهر تلك الصفة بعد أن خَفَتَ الصوت يا سيدي الـ)، ولهذا أيضاً ضرورته النفسية الكبيرة، فقد يئس الشاعر من تحقيق رغبته في أن يُسيطر الأزرق) الجميل الأشياء والعناصر الإيجابية) على الواقع، بل يئس من كل شيء جميل الأصفر، الأخضر)، لهذا لم يعد هناك فائدة من متابعة النداء، فاختنقت تلك الإيجابيات والرغبات في اللاشعور)، ولم يعد هناك سبيل إلى خروجها إلى دائرة الضوء وإلى مسرح الحياة.‏

أما على صعيد المعجم اللغوي فإن الشاعر في حديثه يستخدم مفردات لها صلة وثيقة بالحياة اليومية التي يعيشها، وهي أقرب ما تكون إلى اللغة المتداولة بين الأفراد، ومن خلال هذه المفردات تظهر قضايا العذاب، لأن الحميمية تصبح مفتقدةً بينه وبين العناصر المحيطة عالم الأشياء الخارجي)، فيأتي بالمفردات اليومية كي يردم الثغرة بينه وبين الواقع ومن تلك المفردات خابية، عرّش، الفستق، عتَّق، الخ...) حيث نرى أن هذه المفردات نموذج للمفردات الأخرى التي تمتزج بألفاظ مستمدة من الطبيعة، حيث نرى دائماً وأبداً عند عمران) أن هناك اتحاداً صوفياً بينه وبين عناصر الطبيعة، ومن هذه المفردات المستمّدة من عناصر الطبيعة البرتقال، غار، قبرة، سنبلتين، حجر، القمح، التراب، الينابيع، الوديان، الحصى، الشجر، الحطب، البحر، الريح، الخ......)(11) .‏

قبل أن ننتهي من الحديث عن نص محمد عمران)، نودُّ القول: إنالتوتر الشعري) الناتج عن البنية اللغوية ومنجزاتها النفسية، يضمحل أو لا يكاد يظهر عند الشعراء الذين يجسدون مفهوم الجميل) الذي يتوضح في أشعارهم، ذلك أنّ همهم الوحيد هو إبراز تجليات هذا المفهوم، بحيث تتراجع صور الصراع والتوترات النفسية في النص، ويظهر التوتر الشعري) عند البطل التراجيدي) لأنه يقترب في أجوائه من المعذب)، غير أن التوتر النفسي الناتج عن التوتر الشعري ذي الجذور اللغوية، يظهر بجلاء عند المعذب)، لأن صورة التأزم النفسي الكبير لابدّ لها أن تظهر في البنية اللغوية، التي ستُنجز بالضرورة توتراً شعرياً عميقاً وهوةً في انعطاف التشكيل اللغوي)، بحيث يظن المرء أنه أمام حالتين مختلفتين حالة الذات + حالة الموضوع)، بيد أن الصورة النهائية للحالة واحدة وهي التمزق، ومن ثم فإن القطيعة عند / المعذب/ كلية مع الواقع، وتُعبّر هذه القطيعة، لا شك، عن عمق الهوة بينه وبين المحيط الاجتماعي، وربما عن عمق الهوة بينه وبين المحيط الكوني.‏

وعليه فمن البدهي أن يظهر التوتر الشعري) واضحاً عن المعذب، بيد أنه لا يظهر بهذه الصورة العميقة عند التراجيدي) الذي يقوم بأفعال وتحركات إيجابية على ساحة الواقع لتغييره، ذلك لأن التراجيدي) يرى القبح في المحيط ويحاول تغييره، وينعكس هذا بالضرورة على النموذج التراجيدي) في النصوص الشعرية، وفي مسافة التوتر الشعري في البنية اللغوية أيضاً.‏

إن الذات التراجيدية تظلُ تحتفظ بالجميل في أعماقها حتى لو فقده الواقع، وعليه فإن التوتر الشعري يظهر عند تلك الذات، وإن ظهوره يبدو أقوى عند المعذب، لأن ذات المعذب تحتفظ بالقبح في أعماقها وفي نظراتها إلى المحيط، ولا تحاول تغييره فتشعر بالعذاب، وتظهر الفجوة العميقة تخرج إلى البنية اللغوية وإنجازاتها النفسية عبر مظهر التوتر الشعري) الذي تتداخل فيه البنيتان اللغوية والنفسية.‏

النص الثاني للشاعر كمال خير بك بعنوان /اتحاد/ يقول فيه(12) :‏

تنبض في عينيَّ‏

تنبض في يديَّ‏

تنبض في سريري‏

جنازةُ النهار،‏

لا، ليس لي اختيار‏

السفر المدمّى‏

السفر المليء بالدمار‏

السفر المليء بالحمى‏

في سفن الدماء‏

حيث اتحاد الاسم بالمُسمَّى‏

والأرض بالسما‏

يبرز في النص السوداوي العدمي) كأحد تجليات المعذب، حيث تظهر معالم الموت في كل الأماكن عينيّ، سريري، يديَّ، النهار، السفر، سفن الدماء، الخ.....)‏

في المقطوعة عناصر إيجابية على صلة حميمية بالشاعر، وهي مصدر حياته وطمأنينته وهي تساعده على التواصل مع المحيط الخارجي، وتتمثل هذه العناصر بصورة رئيسية في عينيّ، يديّ، سريري) أما العناصر المضادة والمسيطرة على تلك الأشياء الحميمية فهي كثيرة في المقطوعة، وقد عملت على إظهار صوت الموت، ومن ثم خلقت التوتر الشعري) في النص، وهذه العناصر هي جنازة النهار، السفر المدمّى، السفر المليء بالدمار، السفر المليء بالحمى، سفن الماء).‏

إن المظاهر الحميمية التي وقفنا عندها سابقاً تمثّل الذات) بمكوّناتها وخصائصها وعناصرها، بينما تمثل العناصر السلبية والمضادة لتلك المظاهر الحميمية مكونات الموضوع)، المحيط الخارجي بكل صوره المرعبة.‏

لعل ذروة الالتقاء المرعب بين مكونات الذات) وعناصر الموضوع) في المقطوعة يتجسد في التقاء الفعل تنبض) بـ التركيب جنازة النهار) فهما يلتقيان في مكونات الذات عينيَّ، ويديّ، وسريري)، وعندما يلتقيان لابد وأن تنشأ حالة من الخلل النفسي، ومن هنا ينشأ التوتر الشعري في أقصى ذروة له، حيث جنازة النهار) استوعبت كل الأشياء الجميلة.‏

تنبض في عينيَّ السفر المدمى‏

تنبض في يديَّ جنازة النهار السفر المليء بالدماء‏

تنبض في سريري السفر المليء بالحمى‏

إن جنازة النهار) هي البؤرة والمحور في النص، وهي نقطة الانعطاف من العناصر الجميلة إلى العناصر القبيحة كما هو ملاحظ من المخطط السابق)، وعلينا أن نذكر أمراً على قدر كبير من الأهمية، أسهم بفعالية في إنجاز التوتر الشعري في النص، وهو أن الفعل تنبض) يحتفظ في ذاكرتنا بصورةٍ مفعمة بالحياة والنشاط، ولكنه عندما اقترن بـ جنازة النهار) وأصبح متداخلاً مع هذه العبارة في تركيب واحد تنبض جنازة النهار) فقد كل صلة له بالحياة، بل عمّق صورة الموت عبر التقاء الحقلين الدلاليين تنبض) وجنازة) لتكوين صورة شعرية، وإن لحظة الاقتران تلك هي لحظة التوتر الشعري الدقيقة والمركزية في النص، التي توالدت بعدها الصور السوداوية في الواقع السفر المدَمّى، السفر المليء بالدمار، السفر المليء بالحمى).‏

أما على صعيد المفردة، فيشهد النص تكراراً لافتاً للانتباه للفعل تنبض) وللمفردة السفر)، إذ يشير الإلحاح على مفردة تنبض) إلى واقع حياتي يأسف عليه الشاعر، لأن هذا التكرار يوحي بالحسرة التي آل إليها كمال خير بك)، حيث بات الفعل تنبض) مقروناً بالموت المتمثل بـجنازة النهار).‏

وتشير كلمة سفر) بوضوح إلى اسشراف المجهول والمستقبل، هذا المستقبل الذي عرف الشاعر ملامحه جيداً، إنه السفر الممتلئ بالانتكاسات والإحباطات، وبالتالي هو المستقبل الميت لاشك السفر المليء بالدمار)، حيث هناك شعور بالقلق من الإقدام على المجهول، أي التوغل في الحياة أكثر فأكثر.‏

وأما على صعيد التركيب، فيبرز النص اختراقاً على صعيد نظام الجملة نحوياً، حيث يتقدم الجار والمجرور ثلاث مرات على الفاعل في مطلع النص، تنبض في عينيَّ جنازة النهار، تنبض في يديَّ جنازة النهار، تنبض في سريري جنازة النهار)، ذلك أن المجرور في المرات الثلاثة عينيَّ، يديَّ، سرير) ذو أهمية كبرى للشاعر، فهو يشكل العناصر والأشياء الذاتية والإيجابية المرتبطة بشكل لا انفصام له بكينونة الشاعر التي تعرضت للموت لاحقاً عبر جنازة النهار)، لهذا فمن المفروض أن يكون لها شأن خاص في بنية النص، فتقدّمت على الأمر الكريه السلبي جنازة النهار) الذي أخفى الشاعر ذكره حتى مرحلة متأخرة من النص، فلم يذكر سوى مرة واحدة، لأنه صورة قهرية من صور الموت.‏

في تركيب لا، ليس لي اختيار) تعميق لصورة القهر والإجبار على الفعل من خلال وجود أداتي النفي لا، ليس)، فـ لا) تنفي قطعاً مسألةً ما وتختلف عن لم)، و ليس) تنفي أيضاً نفياً قطعياً قضيةً ما، وعندما التقيتا في صورة وطيدة في التركيب السابق أسّستا لشكلٍ ما قمعي سلطوي تعدَّى حدود السلطة المتعارف عليها إلى سلطةٍ ذاتية ونفسية عميقة تتحكم بالشاعر، وتجبره على اختيار مسار معين، وتعطل إرادته في الخلاص، ويبدو أنّ هذا الاختيار المفروض ينصبُّ كله في الموت، الدمار، السفر المدمّى، السفر المليء بالحمى).‏

نكتفي بدراسة النموذجين السابقين لغوياً، لنقول: إن بعض الشعراء في تيار الحداثة قد اخترقوا نظام الجملة بشكل كبير، ومنهم أدونيس) وأنسي الحاج) الذي يقوم بانتقالات مفاجئة من حالة إلى أخرى وهذا الانتقال يفرض لغةً موازيةً لمفاجآت الحالة الجديدة، وكأننا في صورة أو لوحة سوريالية)، وهو يعتمد في هذا على الأفعال المتلاحقة، والتقطيع في الجمل وهذا ما تجسده على سبيل المثال قصيدة مجيء النقاب)(13)

وأما على صعيد المعجم اللغوي، فيبدو أن خليل حاوي) من أكثر الشعراء في تيار الحداثة استخداماً للمفردات ذات الإيحاء المرضي من جهة والإيحاء الذي يوحي بالفراغ وبالسقم من جهة ثانية، إنه الفراغ الذي يعني الموت بأعتى صوره. الحمى، الكهف، الضغط، أعصاب، لفْح، وجعي، صخر، الجلاميد، شبحاً)(14) .‏

ولعل نزيه أبو عفش) يميل إلى ذكر المفردات التي تُبرز أعضاء الجسد بعد حالة الموت، تعميقاً لصورة العدمية، ومن ثم المفردات التي تشكل عناصر الموت وأدواته يخنقني، الجمر، النزيف، الجمجمة، الدمامة، يزوغ، يذوي، الخنجر، يرتجف، الزلازل، نعوش، تقيأ، صقيع)(15) .‏

أما الشاعر رياض صالح الحسين) فإنه يميل إلى استخدام المفردات ذات العلاقة الوطيدة بحياة الشاعر اليومية في الحي وفي المنزل وفي الشوارع ويكسبها صفات مؤلمة، تعتمد هذه الصفات على الموت والفناء أيضاً القهوة، الرف، قطار، صبايا، الأزقة، الأقفال البلاستيكية، شاشة، صحن، منتجات، السكان، الكتاب، الغرفة، المعتقل، الصورة الشخصية)(16) .‏

ونلمح الأمر ذاته عند الشاعر محمد الماغوط) فإنه يعمِّق الموت عبر العناصر والمكونات والأشياء المحيطة به في حياته اليومية الجسور، الوحول الصافية، المدينة، الحقول، البواخر، أجراس، مزارع، مجارير، الرابية، العجلات، القطيع، الضفة.. الخ..)(17) .‏

إن المعجم اللغوي للمعذب يخدم بشكل عام بؤرة العذاب التي تنطوي في النص على تجليات هذه القيمة الجمالية، فليست المفردات التي توحي بعناصر الحياة اليومية إلا أشياء ذات معنى عميق، غير أن افتقاد الشاعر المعذب لهذا المعنى العميق يسمه بصفة العذاب، وينجز هذا الافتقاد المفردات القاتمة والمرعبة، التي تشكّل طرفاً آخر في العذاب لأنها مستمدة من قبح الواقع ومن موت الرغبات داخل الذات الشاعرة.‏

5- الصورة الشعرية:‏

أ- السمات العامة‏

تختلف الصورة عن التشبيه في أن "التشبيه يجمع بين طرفين محسوسين، إنه يُبقي على الجسر الممدود فيما بين الأشياء. فهو لذلك، ابتعاد عن العالم أما الصورة فتهدم هذا الجسر، لأنها توحِّد فيما بين الأشياء، وهي إذ تتيح الوحدة مع العالم، تتيح امتلاكه"(18) .‏

حيث جاء شعر الحداثة بشكل عام ليخترق بنية التشبيه متجاوزاً إياها إلى بنية الصورة ذات المنحى النفسي العميق، فـ"الصورة الشعرية باعتمادها على العلاقات الداخلية التي تثير في الشاعر استجابة لمقتضيات التجربة إنما تنفلت من حالات الحضور إلى حالات الغياب، ومن هنا يقترب مدلول الصورة الشعرية في القصيدة المعاصرة من مدلول الحلم، من حيث كونهما يستجيبان لرؤى الذات الشاعرة وذلك من خلال ما تصبر عنه تحت حفظ الحدث الخارجي الذي تنفصل له أعماق هذه الذات.، فتفرز عملاً فنياً، يكون نابعاً من التجربة الجمالية، التي تشكل وعي الشاعر في تجسيد الرؤية المرتبطة بالوجود منذ لحظة إدراكه"(19) ، لهذا فإن للصورة الشعرية عبر مدلول القريب من مدلولها الحلم- وظيفة نفسية من جهة، ووظيفة تكثيف من جهة أخرى، أي اختزال التجربة الحياتية بصورة دقيقة ومركزة بعيدة عن الترهل والاستطالة، ومن ثم فإن الحلم "الومضة":‏

حالةٌ من حالات التكثيف أيضاً، وتجربة حيوية لاستقرار الإنسان وتوازنه).‏

يقول رولان بارت) في كتابه لذة النص) حول أهمية الحلم: "إن الحلم ليضع تحت الضوء مشاعر أخلاقية رهيفة رهافةً قصوى، بل وميتافيزيقية. وإنه ليدعم المعنى الأكثر دقة للمعاني الإنسانية. وهو يسمح بالاختلاف الراقي. ويمتلك معرفة من أعلى المعارف الحضارية. وباختصار، إن له منطقاً واعياً، مترابطاً ترابطاً رهيفاً لا مثيل له، لا يستطيع امتلاكه سوى عملٍ يقظ مكثَّف. وبإيجاز، إن الحلم يجعل كل ما ليس فيَّ، وما ليس أجنبياً عني يتكلم: إن هذه نادرة غير متحضرة صُنعت بمشاعر جدُّ متحضرة"(20) .‏

أما من علاقة الصورة الشعرية بالواقع فإن "الصورة الفنية تركيبة وجدانية تنتمي في جوهرها إلى عالم الوجدان أكثر من انتمائها إلى عالم الواقع، ومن ثم يبدو لنا في كثير من الأحيان أن الشاعر أو الفنان يعبث في صوره بالطبيعة وبالأشياء الواقعة، وقد نطلق على هذا العبث لفظة التشويه))، فإذا الحقيقة الواقعة تبدو ناقصة أمامنا وقد تبدو، مزيفة غير أن الحقيقة أنه لا تشويه هناك ولا تزييف، لأنه ليس من الضروري أن يكون عالم الوجدان مطابقاً لعالم الواقع، أو أن يكون الذاتي تكراراً للموضوعي، بل الغالب أن يكون للذاتي واقعيته الخاصة"(21) وهذا لا يعني أنه لا يوجد مصطلح الصورة الواقعية)، أو لا توجد تلك الصورة حقيقةً، ذلك أن الصورة الواقعية تبدأ من الواقع إلى الذات، ومن الذات إلى الواقع، وتغلب الواقع على الذات من وجهة النظر التي تقول: إن الذات -في أساسها- انعكاسٌ للعلاقات الاجتماعية ويأخذ الخيال دوره في النفاذ إلى جوهر الواقع واكتشاف الإيجابي الأصيل والسلبي الزائف، وتكوين النموذج الفني وصياغته على مستوى العمل"(22) .‏

تنقسم الصورة في شعر الحداثة إلى شقين، الصورة المفردة، والصورة المركبة، حيث الصورة المركبة هي "الصورة الفنية التي تمتد، فيما تحمله، إلى أكثر من اتجاه. وتقوم خصوبتها، ليس على احتمالاتها المطروحة، وإنما على تعدد الصور التي ينهض بها سياق النص، الجسد العام للصورة، وعلى كثافة هذه الصور أيضاً، وتمثل التجربة الشعرية، بمستوياتها كافة، أبرز محمولات الصور المتكاملة المتضمنة، والهادفة إلى خلق جو غني ومثير، غايته كشف عالم التجربة وتوضيح المكونات التي يتأسس عليها بمقصياتها النامية"(23) ، والصورة المفردة تدخل في إطار الصورة المركبة الشاملة، إنها ومضة من ومضات الحلم الشامل.‏

إن أكثر ما يعترض الصورة الشعرية في تيار الحداثة مسألة الغموض) التي لها علاقة بالمتلقي، فالغموض "وصف يطلقه القارئ على نص لم يقدر أن يستوعبه، أن يسيطر عليه، ويجعله جزءاً من معلوماته. الحداثة، هنا، هي مكان الغموض. الحداثة انقطاع في سلسلة معطيات يصرّ وارثوها على أن تتطاول وتستمر، بهيئتها وعناصرها. ومثل هذا الانقطاع يقود إلى ضياع القارئ الذي لا ذخيرة له غير الذاكرة الحافظة، وغير التقليد والعادة، فالغموض إسقاط: إنه وليد هذا الضياع. إنه ناتج عن عدم إدراك الفرق بين طريقة التعبير القديمة، والطريقة الحديثة، وعن عدم إدراك معنى زمنية الشعر، وعن الحكم على اللحظة الحاضرة بلحظة تعود إلى حوالي عشرين قرناً، والعجز عن الحياة في حركية التحول"(24) .‏

إن الغموض يقدّم لنا مالا نتوقعه، والذي لا نتوقعه في الحقيقة هو صورة إحساسنا الداخلية العميقة، وليست صورة الإحساس الظاهرية، وعليه فإن الغموض صفة إيجابية في الفن وليست سلبية، ولا تكون سلبية إلا إذا وصلت مرحلة التهويم والغوغائية، والتهويم في الشعر ظاهرة نحوية لغوية بعيدة عن الظاهرة الفنية الأصيلة.‏

وقد أشار الدكتور عبد اللطيف عبد المجيد) في كتابه في الشعر العربي المعاصر وتحليله) إلى أهمية الصورة في شعر الحداثة، واعتبرها تعويضاً عن سحر الموسيقى الموجود في القصيدة فقال: "لقد أصبحت الصورة الجديدة بما تمتلكه من شحنات ذهنية والمعتمدة على الحركة والصوت واللون) تعويضاً عن السحر الموسيقي في الشعر التقليدي والذي كان يخلق مجرد عملية تلاحم صوفي بين المتلقي والشعر، واستطاع الشاعر الجديد، بما مُنح من حرية، أن يشكل صورته الخاصة به، يتحكم هو دون غيره بإطارها ومحتوياتها، فتعبر حينذاك عن وعيه الحقيقي للعالم"(25) .‏

وأخيراً لابد من أن نشير إلى علاقة الصورة الشعرية بالمستوى الرمزي الأسطوري، حيث "بنيت الصورة الشعرية في إطارها الرمزي الأسطوري على مجموعة من المكونات من شأنها أن تستقطب الأبعاد النفسية لرؤية الشاعر، نحاول أن ندرجها تباعاً على النحو التالي:‏

أ- المكوّن النفسي‏

ب- المكون الاجتماعي‏

ج- المكون الحضاري..)"(26)

وكما يقوم الرمز الأسطوري والرمز التاريخي الحياتي بعملية الدلالة والإيحاء، فإن الصورة تفعل هذا أيضاً، تقوم بعملية الترميز، فهناك علاقة وثيقة بين الرمز والصورة" علاقة تفاعل ضمن جدلية التأثر والتأثير فالصورة هي الرحم الدافئ الذي ينمو فيه الرمز، تزداد خصوصيته. فهي من خلال عناصرها المتمثلة بالواقع والفكر والعاطفة واللاشعور والخيال- تضيف إلى الرمز أشياء جديدة، وتضعه ضمن مناخ خاص يكفل وصوله إلى المتلقي، وتأثيره فيه، كما أنها -من خلال طبيعتها الحسية- تساعد على تجسيد الرمز، وعلى وضعه ضمن مساحة الحواس"(27) .‏

ب- الخلــــق:‏

لقد أشرنا في حديثنا عن الخلق) في المدرسة الرومانتيكية إلى أهم إنجازات الصورة على صعيد التوليد والابتكار، ولعل مدرسة الحداثة في الشعر في سورية ولبنان قد تجاوزت المرحلة الرومانتيكية في استخدام الصورة الشعرية ومرتكزاتها، فوصلَ التوليد إلى مستوى عالٍ من الطاقة الاحتمالية، وإلى قدرٍ كبير الإدهاش، إضافة إلى هذا فإن الصورة شهدت انزياحاً كبيراً أيضاً من خلال عمليات التكثيف الهائلة فيها، وحالة مثلى في خلخلة الصورة التقليدية، إن هذا يفضي بالضرورة إلى انزياح على صعيد اللغة وعلى صعيد المعجم اللغوي، ومن ثم دلالة المفردة.‏

النص الأول في دراستنا للشاعر خليل حاوي بعنوان /الجروح السود/ يقول فيه(28) :‏

خلَّيْتُها تروحُ‏

وانهار قلبي رمَّةً‏

جنازةً خرساءَ لا تنوحْ‏

تطلُّ من رسمٍ على الجدارْ‏

ضحكةُ عينيها... وعبرَ الدربِ والغبارْ‏

امرأةً تخفي بكفٍ عينَها‏

المزرقَّةَ الرهيبهْ‏

تعيا بثقْلِ الشمس والحقيبهْ‏

تمضي إلى محطة القطارْ‏

مرارةً وعارْ،..‏

تفْلٌ بلا طعمٍ‏

بقايا الحب، تفْلُ الحقد في القرار‏

يسير النص بأسلوب القص الشعري) حيث تتصاعد حالة العذاب من لحظة غروب الأنثى خَلْيتها تروح/ وانهار قلبي رمَّةً) حتى المرارة الرهيبة في نهاية النص/ بقايا الحب تفْلُ الحقد في القرارْ/.‏

يطالعنا النص بالصورة المركبة/ وانهار قلبي رمة، جنازةً خرساء لا تنوح/ التي تتوزع على صورٍ جزئيةٍ تشع وتنطلق من تركيب /وانهار قلبي/ أساس الصورة المركبة، ومن ثم تتوالد الصورة الشاملة من الصورة الجزئية:‏

وانهار قلبي رمَّة جنازة خرساء جنازة لاتنوح‏

إن الصورة المركبة السابقة مبينة بناء درامياً، ذلك أن هذا البناء أصبح من سمات نص الحداثة ككل، حيث شهدت الصورة نقطة انعطاف هائلة على صعيد الحالة النفسية، وهذه النقطةُ هي أحد ملامح الخلق في الصورة، فـ القلب) هو المحرك الأساسي للجسم البشري، وهو مصدر العواطف والأحاسيس الخ...، غير أنه سقط فجأة، وبصورة حادة، وانهار قلبي رمة/ جنازةً خرساء)، انهار نتيجة لظرفٍ واقعي خلل واقعي) كامن في غياب الأنثى).‏

لقد انعكس هذا الخلل بشكل سلبي وقوي في آن، فكان أنْ سقط القلب جنازة خرساء لا تنوح، فالانتقال من أعلى حالات الحياة والحيوية إلى أعلى حالات تعطيل الإرادة ومن ثم الموت، يخلقُ صراعاً نفسياً داخلياً عميقاً، كما أن انعكاس الحالة الحادة على البنية الفنية لابد له أن يولد شكلاً فنياً جديداً ونظاماً آخر في الخيال -إن صح التعبير- إذ لابد أن نشير إلى مسألة على جانب كبير من الدقة، وهي أن الأجواء العامة لحياة خليل حاوي) الممتلئة بالسوداوية وبالموت الحضاري، قد انعكست نفسياً على بناء الصورة السابقة بحالة لا شعورية، فجاءت الصورة ناضجة تحمل في طياتها عوامل الإدهاش والتكثيف، حيث أدركنا سابقاً أن السوداوية) أو العدمية) عند شاعر ما تتعمَّم على مختلف جوانب الحياة، وهنا، في الصورة السابقة، تعممت حالة العدمية على حادثة اجتماعية من مفردات الحياة اليومية التي يعيشها حاوي).‏

من جهة المتلقى، أشرنا إلى أن الصورة على قدرٍ كبير من الإدهاش، والإدهاشُ حالة جديدة مباغتةً حالة خلق)، إذ حين يسقط القلب جنازةً خرساء، فإن ذلك ينطوي على انزياح كبير في العلاقات الدلالية، وينطوي -من خلال الصورة- على الغريب، فالشعورُ أن الصورة غريبة ليس أمراً سلبياً، إنها غريبةٌ على ما هو سائد أو ما هو سابق في عملية التقاء الحقول الدلالية، وغريبة أيضاً، لأن المتلقي لا يتوقعها، ولكنه يدهش لها لأنه يقوم بإسقاطها إما على الواقع، وإما على حالته النفسية فتحرّك في داخله عناصر خفية، وهذا هو الأهم، وإنّ الذي لا نتوقعه ويدهشنا في آن، يخلخل في داخلنا كموناً مختزناً من العلاقات، ويعيد تركيب علاقاتٍ جديدة.‏

إضافة إلى ما تحمله الصورة السابقة من عوامل الخلق، فإنها تحمل الطرافة، التي لا يفترض أن نفهم منها الميل إلى الفرح، بل إنها إحدى جزئيات الدهشة، وبمعنى آخر، نشعر بألم لذيذ ألم أقرب ما يكون إلى المازوخية)، لأن المازوخية بالضرورة حالة من حالات الصراع، وهي أحد الأشكال المختلفة للبناء الدرامي الذي يحس به المتلقي الجانب الآخر من العملية الإبداعية).‏

وتتواصل الصور في القصيدة، ويحط بنا الركب عند نموذج آخر للخلق في الصورة، حيث نتوقف في نهايات المقطوعة عند مرارةً عار/ تفلٌ بلا طعم بقايا الحب، ، تفْلُ الحقد في القرار)، فاللافت للانتباه في الصور السابقة كلمة تفْل) إحدى مكونات الصورة، وأساس الخلق فيها، ذلك أنها تشكل حقلاً دلالياً جديداً نجح ضمن السياق العام في إخراج صورة ناضجة، حيث المرء -عبر النظرة الأولى للصورة- /تفلٌ بلا طعم بقايا الحب/ -يدرك أن هناك حالة فلسفية في بناء الصورة، وبالتأكيد فإن تلك الحالة متوفرة، غير أن البناء الفلسفي للصورة هنا ناتج عن حالة انفعالية، وهذا من ضرورات الفن والنظرة الجمالية.‏

إن جوهر الخلق في الصورة بشكلٍ عام وفي الصورة السابقة بشكل خاص ينطلق من الانفعالية كأساسٍ له، والذي عزَّز هذه الانفعالية في الصورة السابقة التركيب الذي يليها/ تفْلُ الحقد في القرار/ وهو تركيب أيضاً ينطوي على صورة ذات مرجعية نفسية عميقة تتعلق بالأجواء العامة لحياة حاوي). حيث السياق التصاعدي لحالة القص الشعري ينبئ بهوة عميقة بين الشاعر والواقع.‏

النص الثاني في دراستنا للشاعر رياض صالح الحسين) من قصيدة بعنوان أقمطة ونياشين وولاعات للرجال السعداء) يقول فيها:(29)

فمكَ مغلقٌ، ولسانكَ مصفّد‏

ترى، هل تخبِّئ في فمكَ أغنيةً أم نقالةَ موتى؟‏

حديثاً عن عطلة نهاية الأسبوع؟‏

أم طفلةً بعينين مفقوءتين؟‏

هل نسفوا لسانكَ أيضاً؟‏

أم ثبتوه بسقف حلقكَ بالدبابيس الفضية؟‏

يتجلى /المقموع/ كشكل من أشكال المعذب في النص السابق، حيث تظهر ملامح التسلط في النص في أكثر من مكان فمك مغلق/ ولسانك مصفّد/ نسفوا لسانك أيضاً/ أم ثبَتوه بسقف حلقك/).‏

أما الصور في النص فتنطلق من تركيب تخبئ في فمك) لتشكِّل في النهاية صورة مركبة متكاملة، وتبدأ هذه الصورة من التساؤل هل تخبئ في فمك؟)، ومن ثم تستند الصورة على تعداد أشكال التساؤلات وفق ما يلي:‏

أغنية‏

نقَّالة موتى‏

هل تخبئ في فمك حديثاً عن عطلة نهاية الأسبوع‏

طفلة بعينين مفقوءتين‏

إن الحالة المثلى للخلق ليست كامنة في التساؤل الأول هل تخبئ في فمك أغنية؟)، بل هي كامنة في التساؤل هل تخبئ في فمك نقالة موتى)، ذلك أن إخفاء نقالة الموتى في الفم صورةً لم يعتدْها المتلقي، لأنه محتفظٌ بكمون لا بأس به من الصور التي ترتكز: إما على الموروث الماضي وإما على الصورة في المرحلة الرومانتيكية، ومن ثم فإنه يمكن للصورة داخل تيار الحداثة أن تكون مألوفة مع كثرة استخدامها أو استخدام مشابهات لها بناء وتركيباً.‏

ولعل إخفاء نقالة الموتى في الفم) يشير إلى خلخلة في الموقف الجمالي الذي وقفه الشاعر العربي طويلاً في السابق من المحيط، ويؤسس لموقف متطور عن سابقه، لذا فإن ذلك الإخفاء) يعكس بشدة شكل القمع المفروض على نموذج المعذب) في النص، ويعكس بالضرورة صورة العذاب عند رياض صاع الحسين) ولقد نتج الخلق) في الصورة عن الحالة النفسية البالغة التأزُّم أمام قمع سلطة معينة، ولابد لهذا القمع أن ينتج تفجيراً) أو انزياحاً) كبيراً يتبدى في اللغة بشكل عام، وفي الصورة بشكل خاص، فالهوة السحيقة بين الشاعر والواقع المحيط- عبر قضية القمع والغربة- تحتاج ردماً وأساساً كبيراً لبناء ما تهدّم.‏

إن هذا الأساس الكبير تجلّى بالنتيجة في هذه الصورة، وفي الصور اللاحقة لها، ويبدو أن إخفاء نقالة الموتى جاء نتيجةً لتراكمات متعددة لظواهر الإحباط، لهذا فإن نقالة الموتى) تكثيف لحالات الإحباط ونتيجة لها في آن.‏

أضف إلى ذلك أن الصورة الجزئية هل تخبئ في فمك طفلة بعينين مفقوءتين؟) توحي كسابقتها بمقدار الانزياح في دلالة المفردة، فالفم لم يعد يمتلك وظيفة حياتية، وليس هو ذاته ذلك الحيز المكاني في الكائن الحي، لقد صار في النص يطابق تماماً اللاشعور) بكل مكوناته.‏

إن الفم الذي يحمل الإحساس بأن فيه نقالة موتى) وبأنّ فيه عينين مفقوءتين) ليس إلا وعاء اللاشعور)، ذلك أن نقالة الموتى) والعينين المفقوءتين) هما إحْساس نفسي عميق تجسّد حسياً عن طريق الفم)، أي أن اللاشعور) تجسد واقعياً عن طريق الفم)، وهذا التجسيد أتى مدهشاً غريباً على الوعي الذي يمتلكه المتلقي، ثم إن نقالة الموتى) والعينين المفقوءتين) هما من إنجازات القمع السلطوي، لهذا فإن إخفاءهما عبر الصورة السابقة ينطوي على الكثير من السخرية المرة والطرافة كما انطوت الصورتان الأخيرتان في المقطوعة: هل نسفوا لسانك أيضاً/ أم ثبتوهُ بسقف حلقك بالدبابيس الفضية).‏

إن كلا الصورتين تشيران إلى فعل قسري لتعطيل الإرادة والصراع، لأن الجوهر الحقيقي للصورتين راجع إلى جذور نفسية عميقة أيضاً، فالتثبيت شكل أساسي من أشكال الكبت) في الصورة الثانية، لأن الفعل ثبتوه) -ضمن سياق النص- يشير إلى منع رغبةٍ أو رغبات عن التحقق على أرض الواقع لوجود فعل سلطوي، فجاءت الحالة قاسية ومتجسدة من خلال المفردتين نسفو، ثبتوه) اللتين تمثلان حقولاً دلالية جديدة في طريقة الطرح، حيث أسهمت هاتان المفردتان في توليد صورة غير مألوفة للمتلقي.‏

ج- الرمزية:‏

وكما تحمل القصيدة الحديثة بين طياتها الصورة الجديدة التي تنم على وعي مالي متطور، فإنها تحمل مستوى رمزياً على درجة عالية من الإيحاء النفسي، فالصورة المركبة تحمل شحنة نفسية، هي مجموع الشحنات الناتجة عن الصور الجزئية، وهذا ينعكس -لا شك- على مسألة الرمز الشامل للنص، المأخوذ من الرموز الجزئية للصور المتفرقة، حيث يمكننا من خلال الصورة الشاملة الكلية معرفةَ رمز الكلمة ضمن السياق، وليس بمعزل عنه، والمقصود بالكلمات المرموزة "تلك التي تكون مشحونة بالإيحاءات وليس بالإمكان تقييد)، معناها بألفاظ قليلة، بل إنها تتخطى تأويلات شعرية شتى بحيث تكتسب وجوداً مطلقا دائم الحيوية، كما أنها -وهذا مهم- تتردد في أكثر من مكان في أكثر من قصيدة واحدة بإشارات متنوعة"(30) .‏

إننا لن نتناول الكلمات التي توحي بالعودة وبالانبعاث لأنها كلمات في الأصل لا تدخل في حيز دراستنا عن المعذب).‏

النص الأول في حديثنا عن الرمزية في الصورة) للشاعر علي الجندي) من النشيد الخامس والعشرين) من قصيدة قطري بن الفجاءة) يقول فيها(31) :‏

علامَ تُحدِّقُ فيَّ وتحمرُّ عيناك يا سيدي العلقما؟‏

كأنكَ جئتَ إلينا‏

من الوهم أو ربَّما‏

وصدرُكَ هذا المدمّى، ووجهُكَ هذا العجيبُ‏

الذي طالما...‏

حلمنا به... مقبرهْ‏

لكل الخطوب الحزانى‏

لكل الرؤى المقمرهْ‏

لماذا تحدِّقُ فينا‏

وتبدو لنا مقلتاك نذيراً ورعبا‏

إن السوداوية) هي أحد تجليات المعذب الأساسية في النص حيث تشكِّل كلمة علقما) البؤرة المركزية في المقطوعة، ومنها خرج الكثير من الصور الجزئية، وتشكلت لدينا في النهاية لوحة كاملة لصورة العلقم)، فكلمة علقما) التي ترمز إلى المرارة العميقة ترمز أيضاً من خلال النص إلى أشكال وسمات تلك السوداوية في الواقع المحيط، ويبدو أن تلك الأشكال على قدر كبير من الحدة والقمعية، فوجد كلمة سيدي) قبل العلقم) في تركيب يا سيدي العلقما) ينبئ بظهور مرتكزات سلطوية تحيط بالعلقم، أما الصور المنبعثة من مفردة العلقم فهي صور تقوم بتجسيد هذه المفردة وفق ما يلي:‏

تحدّقُ فيَّ‏

تحمرُّ عيناك‏

صدُركَ هذا المدمى‏

العلقم ووجهك هذا العجيب‏

المقبرة‏

مقلتاك نذيراً ورعباً‏

فالصور الجزئية التي أشرنا إليها سابقاً، تقوم بعملية الرمز في اتجاهات ومستويات متعددة، وكل هذه المستويات تصبُّ في حيز وصفِ العلقم بأشكاله وسماته.‏

فالصورة علام تحدق فيّ) بناء تجسيدي للعلقم، يرمز إلى تكثيف صورة المرارة القادمة من المحيط، وكذلك صورة تحمر عيناك)، فاحمرار العين أمر مختزن في ذاكرتنا يرمز إلى شدة الغضب من شخص ما أو من ظاهرة ما، ومن ثم فإن احمرار العين في الصورة السابقة، يُبرز تعاظم المرارة وتجذُّرها، ويعكس الانسحاق أمام هذا التعاظم مع غياب فعل تحويلي ثوري.‏

وأما الصورتان صدرك هذا المدمى/ وجهكَ هذا العجيب) فهما مواصلة لتجسيد صورة العلقم من جهة، ورمز لوطأته على ذات الشاعر من جهة أخرى، فالشعور بأن صدر العلقم مدمى) وأن وجهه) عجيب يوحي بالدهشة القائمة على الخوف من العناصر المصاحبة للمرارة، ذلك أن جميع العناصر المصاحبة سلبية بالضرورة، ومن هذه العناصر السلبية المقبرة)، فاقتران العلقم بالمقبرة، يرمز إلى أحد إنجازات العلقم وهو الموت بالمفهوم النفسي.‏

إن العلقم مقبرة للرؤى المقمرة، الرؤى التي ترمز إلى الإشراق الذي يعكس نفسياً شكل الاستقرار المفقود عملياً من ذات علي الجندي).‏

وتأتي صورة لماذا تحدّق فيَّنا) محددة ، إلا أن هذه الصورة تختلف عن الصورة السابقة لماذا تحدق فيَّ)، فالصورة الجديدة جاءت بصيغة الجمع فينا) أما السابقة فجاءت بصيغة المفرد فيَّ)، وهذا يرمز بالضرورة إلى شيء وقفنا عنده مراراً، وهو أن السوداوية من المسائل التي تتعمم على العناصر المحيطة كاملة، لهذا فإن الصورة الجديدة تشرِّع نفسياً هذا التعميم.‏

أما الصورة الأخيرة في المقطوعة تبدو لنا مقلتاك نذيراً ورعباً)، فإنها ترمز إلى بناء المستقبل المرير الذي ارتآه الشاعر، واستخلصه من الواقع القبيح، فكلمة النذير) لم تأت بمعناها الإيجابي، بل أتت مكمِّلة ومعمِّقة للعذاب المستقبلي، لأن النذير)- في الأصل، وعبر ذاكرتنا- يحذِّر من العواقب المستقبلية لارتكاب فعل غير سوي في الواقع المعاش، ويقوم بفعل النصح والإرشاد، هذا لأن النذير أيضاً يرتبط في مجتمعنا الشرقي بالنبوة والرسالة، بيد أن العلقم جاء نذيراً لكل ما هو سوداوي وسلبي وقمعي، وأخيراً جاء ذلك العلقم رمزاً للخوف في الصورة الأخيرة.‏

النص الثاني للشاعر نزيه أبو عفش) من قصيدة مفكرة النخيل والزعتر)(32) :‏

وأنا المارقُ من قافلةِ الأهلِ‏

وزلاَّتِ العيونِ المستجيرهْ‏

أتوارى بين جلدِ الليل والشمسِ‏

وأعرْى في فظاظات الظهيرهْ‏

لابساً وجهي على علاَّتِهِ...‏

جِلْدي.. وأوراقي.. وأشعاري الأليفهْ‏

إن قافلة الأهل) هي منطلق النص وأساسه، وهي الخطوة الأولى في عملية التمرُّد على الواقع في عاداته وتقاليده، وعلى هذا التمرد ينطوي العذاب.‏

- في النص ثلاثة مستويات للرمز وهي على الشكل التالي:‏

أ- الرمز الكلي للصورة اللوحة، المقطوعة)، حيث أشرنا إليه سابقاً وهو عملية التمرد على الواقع، لأن الصورة في مجملها رمزٌ للهرب والغربة عن العلاقات الاجتماعية السائدة.‏

ب- الرمز الناتج عن الصور الجزئية، والصور الجزئية هي:‏

1- أنا المارق من زلات العيون المستجيرة‏

2- أعرْى في فظاظات الظهيرهْ‏

3- لابساً وجهي على علاّته‏

4- لابساً جلْدي وأوراقي وأشعاري الأليفة.‏

فالصورة الأولى أنا المارق من زلاّت العيون المستجيرة)، ترمز إلى حالة الاغتراب والسعي إلى الخلاص عند فئة معينة في الواقع، متمثلة بـالعيون المستجيرة) التي تقع تحت وطأة القمع وأشكال العلاقات السلبية.‏

وأما الصورة الثانية أتوارى بين جلد الليلْ والشمس)، ترمز إلى شدة الهرب والعزلة عن الواقع، فالتواري أحد أشكال الاختفاء وأحد مظاهر العزلة والهرب.‏

والصورة الثالثة أعْرى في فظاظات الظهيرةْ) ترمز إلى حالة غير سوية في ذات الشاعر تفضي إلى الشعور بالألم والانكسار، وتمثلَ هذا في فظاظات الظهيرهْ)، فالتعري الذي في الصورة جاء بمعنى الانفلات التمرد القهري)، وجاء بمعنى النفي أيضاً.‏

وأما الصورتان الرابعة لابساً وجهي على علاته) والخامسة لابساً جلْدي وأوراقي وأشعاري الأليفة) فهما تعميق للصورة الثالثة، وترمزان إلى حالة الهرب وشكْله.‏

إن صورة لابساً وجهي على علاَّته) تجعلنا نقف عند مفردة علاَّته) اللافتة للانتباه، فاقترانُ الوجه) بـعلاته)، جاء لأن الوجه) يحمل الملامح الأساسية لنفسية الإنسان الكآبة، والحزن، والفرح، الخ...) وأما العلات) التي يحملها الشاعر في وجهه فترمز إلى صور العذاب المأخوذة من الواقع في رحلة التمرد والهرب.‏

3- أما المستوى الثالث للرمز في المقطوعة فهو رمزُ الكلمة حيث أشرنا إلى بعض رموز الكلمات في النص، غير أن المفردتين الأساسيتين وهما الأهل، وجهي)، يمكن دراستهما من خلال رمزهما على النحو التالي:‏

هنالك في البداية تناقض كبير بين الأهل) ووجه) الشاعر، أما الأهل فرمز للواقع وللحياة الاجتماعية وللعادات وللفئات المتسلطة القمعية، حيث الأهل) -في سياق النص- رمزاً أيضاً للسقوط الحضاري وللقبح.‏

وأما الوجه) فهو الذات الشاعرة، التي تقف ضد السقوط الحضاري والقبح، ولكنَّ وقوفها لا ينطوي على صراع وحركة، بل على تعطيل الإرادة والهرب والعزلة.‏

وهنالك مفردات كثيرة في شعر الحداثة تحمل طاقة نفسية كبيرة عبر الرمز، فكل شاعر من شعراء الحداثة يميل إلى استخدام مفردات لها رمزها المختلف، وقد يكون للكلمة الواحدة أكثر من رمز أو يكون لها رموز عديدة، فالريح) على سبيل المثال مفردة أخذت أبعاداً رمزية مختلفة بين شاعر وآخر في تيار الحداثة، وذلك فيما يخص مفهوم المعذب).‏

إن رمز الريح عند السياب تختلف عن رمز الريح عند حاوي)، فالريح عند السياب ترمز إلى التدمير والخراب الناتجين عن التسلط القمعي السياسي أما خليل حاوي) "فإن للريح عنده محمولاً مختلفاً، وهو التشيؤ والاغتراب. ولهذا فإن الصقيع والجليد والعراء من مصاحبات الريح عنده، وإذا كان السياب يرى في الريح سلاحاً بيد الديكتاتور، فإن حاوي) يراها سلاحاً بيد الواقع المادي المبتذل"(33) .‏

ولقد وقفنا في معرض حديثنا عن التشكيل اللغوي) عند رمز بعض المفردات والألوان في قصائد الشاعر محمد عمران)، فاللون الأحمر رمز لكل ما هو سلبي، بيد أن الأزرق رمز لكل ما هو إيجابي وخيِّر، فالأحمر رمز للقبح، بينما الأزرق رمز للجمال المفقود في الواقع.‏

إن وجود هذه الألوان في القصيدة، أي قصيدة الأزرق والأحمر) قام أيضاً بتكثيف السلبيات والإيجابيات في المحيط عبر ذلك الرمز المنطوي على ذكرْ الألوان، "فالذات الشعرية الحديثة، وجدت في إيقاع اللون، كواحد من مظاهر المجال التخييلي، تعبيراً أكثر خفاءً وأشد رمزية من إيقاع الصوت يناسب حركتها الداخلية السرية وإيقاعها التعبيري الصامت، خاصة أن إيقاع اللون قادر على تعويض إيقاع الصوت نظراً لارتباطهما الحميم، الذي تؤكده بعض النظريات الموسيقية والرياضية الحديثة"(34) .‏

د- التناقض في الصورة:‏

إن الحداثة الشعرية قائمة على التناقض، الذي يحدث عبر صور المفارقة في النص، ذلك أن صور المفارقة تعني "تلك التركيبات الفنية التي تُعبّر عن الشيء ونقيضه في آن، وتصدر عن طبيعة الرؤية الكونية الحدْسية للإنسان، بوصفها رؤية تهتك الحجاب المضروب بين الأنا والعالم، الداخل والخارج من جانب، وتقدِّم جدلية التضاد في الوجود من جانب آخر وسواء لجأ الشعراء في هذه الصور إلى المفارقة الساخرة التي تُبين الاختلاف بين هذا الواقع والإحساس به أو مفارقة الازدواج أو التناقض الخ... فإنها جميعاً صور احتفلت بها صور القصيدة العربية المعاصرة أيما احتفال"(35) ، فجدلية التضاد في التناقض ليست جدلية فلسفية محض، بل إنها جدلية ذات مرجعية انفعالية تحيل الصورة على بنية فنية أصيلة، يقول /عبد الكريم الناعم/ في قصيدة /عبور/ المقطع /4/: (36)

حين عبرتُ السوقَ رأيتُ الأفراح الريفية تبكي،‏

تبكي في دور البحار.‏

كردانُ)) العرس المشنوق بباب الصاغة‏

لم يعرفني،‏

لم يذكر أيام الفرح الطارئ‏

نَفَضُوا عنه غبارَ الحِنَّة،‏

ليلَ الدبكة، الدبكةُ،..‏

وجْهُ عتابانا)) الشرقية نائحةً‏

في ليل الفرحه‏

هذا زمنٌ ينسى فيه الباكي جُرْحهْ‏

تنسى الدمعةُ مسقَطَها لا تمسحها كفْ‏

يُحبَس في كل صناديق الأموالْ‏

زمنٌ يملكُ فيه الدورةَ بضعُ) رجالْ‏

هذا زمنٌ يسوقُ؛‏

فيه يُباع الناس‏

وأنتِ‏

تنبع الغربة في النص من عدة عوامل أسهمت في تكوين شخصية معذبة، وأهم هذه العوامل عدم الشعور بالحميمية والألفة مع الواقع المحيط، وانتهاء حالة الفرح من هذا الواقع لظروف قمعية زمن يملك فيه الدورةَ بضعُ)) رجال)، وموت بعض العادات الجميلة في البيئة الاجتماعية الأفراح الريفية، الدبكة،).‏

أما مظاهر التناقض في النص فتكمن في الصور التالية:‏

1- رأيت الأفراح الريفية تبكي‏

2- كردان العرس المشنوق بباب الصاغة لم يعرفني‏

3- الدبكةُ نائحة في ليلِ الفرحة‏

إن الصور السابقة تشكل إسقاط الذات المغتربة المتألمة على الواقع، ذلك أن الصورة الأولى رأيت الأفراح الريفية تبكي) تشير بالفعل إلى رؤية الذات الشاعرة للعلاقات الحميمية والسعادة والاستقرار وهي تتهَّدمُ، فالأفراح الباكية تنجز حالة التوتر النفسي القائمة بين الشاعر والمحيط، حيثُ الفرحُ هو السمةُ الماضية في الواقع الريف)، غير أن البكاء هو السمة الحاضرة والمستقبلية في ذلك الواقع، وعليه فإن الفرح -لا شك- سابق على الحزن والألم، وهذا يشير إلى نقطة التحول والانعطاف بين الماضي والحاضر، بين وجود الجمال بأشكاله المتعددة في الماضي، وبين وجود القبح بأشكاله المتعددة أيضاً في الحاضر.‏

أما الصورة الثانية كردانُ العرس المشنوق بباب الصاغة لم يعرفني) فهي صورة مركَّبة تنطوي على صورتين جزئيتين هما:‏

1- كردان العرس المشنوق الصورة الأولى)‏

2- كردان العرس لم يعرفني الصورة الثانية)‏

إن كردان العرس) هو تعبير عن أحد مظاهر الفرح، وحين يكون هذا المظهر مشنوقاً، فإنه يفضي بالضرورة إلى صورة متناقضة، إلا أن هذا التناقض له مشروعيته التي تتشابه مع مشروعية الصورة الأولى الأفراح الريفية تبكي)، فالأفراح التي تبكي) هي بالضرورة كردانُ العرس المشنوق) عبر منطق الحزن والفرح، حيث الأفراح، الكردان) على نقيض من البكاء، الشنق)، وعندما يظهر البكاء والشنق في الواقع فإنهما يرجِّحان القبح ويعمِّقان صورة العذاب، بينما تتراجع الأفراح) الحالة الجميلة المقهورة في البيئة الاجتماعية.‏

أما الصورة الثالثة والأخيرة في النص وهي الدبكة نائحة في ليل الفرحة) فتنطوي على تناقضين أيضاً، أما التناقض الأول فهو أن الدبكةَ) أحد مظاهر البهجة نائحةٌ، وأما التناقض الثاني في الصورة يكمن في أن الدبكةَ نائحةٌ) في ليلِ الفرحةِ)، حيث نجد في الصورة بمجملها تحولاً من فرح إلى حزن إلى فرح وفق ما يلي:‏

الدبكة مسافة التناقض في ليل الفرحة‏

تناقض أول تناقض ثاني‏

مظهر السعادة) مظهر السعادة)‏

نائحة‏

مظهر حزن)‏

ولكن الدبكة، ليل الفرحة) كمظهرين من مظاهر البهجة سقطاً في دوامةِ نائحة) كمظهر من مظاهر الحزن والألم، ومن ثم فإن التناقضات السابقة تشير إلى عدم توازن الأنا)، على الرغم من أن تلك الأنا) منفتحة على الواقع، لقد قضت على الحجاب بينها وبين الواقع، غير أن انفتاحها لم يكن إيجابياً، بل كان سلبياً وبصورة قهرية أيضاً، فإذا كان التناقض السابق في الصورة قائماً على فلسفة انفعالية تحيل /المعذب/ عند الناعم على /المعذب حياتياً/، فإن التناقض عند أدونيس ويوسف الخال قائم على الفلسفة المحض في معظم القصائد حيث نرى المقدمات والنتائج عندهما، ويحيل التناقض لديهما على /المعذب فلسفياً/(37) ، الذي وقفنا عنده سابقاً، فعادة ما نرى في شعرهما مقدمة تبدأ بالمفردة وتنتهي بنقيضها، وكأننا في حالة تضاد، أو حيال طباق) طالما شاهدناه في البلاغة العربية القديمة.‏

(1) داكو بيير، الانتصارات المذهلة لعلم النفس ج2، ص22‏

(2) الحسن، عبد الكريم، 1983، الموضوعية البنيوية، المؤسسة الجامعية للدراسات، بيروت ص37‏

(3) ناظم، حسن، 1994، مفاهيم الشعرية/ ط1 المركر الثقافي العربي- بيروت، الدار البيضاء- المغرب ص40‏

(4) شولز، روبرت، 1984، البنيوية في الأدب تر: حنا عبود، اتحاد الكتاب العرب دمشق، ص38‏

(5) عزام، محمد، 1996، النقد والدلالة /نحو تحليل سيميائي للغة/ وزارة الثقافة، دمشق، ص8‏

(6) عزام، محمد، 1994، التحليل الألسني للأدب، مطابع وزارة الثقافة، دمشق، ص93‏

(7) المرجع السابق ص94‏

(8) أدونيس، 1983/زمن الشعر/ دار العودة- بيروت، ص131‏

(9) جابر، يوسف حامد، قضايا الإبداع في قصيدة النثر، ص96‏

(10) عمران، محمد، ديوان الأزرق والأحمر ص29-30.‏

(11) راجع، عمران، محمد، ديوان الأزرق والأحمر، ص18-39-45-114/ 1980 ديوان الملاجة، ط1 دار المسيرة، بيروت، ص44-75-76 قصيدة الطين ص152.‏

(12) خير بك، كمال وداعاً أيها الشعر ص 25.‏

(13) يقول أنسي الحاج:‏

جاءت الصورة، لماذا تتأخر؟! كلا لم تجىء. لم تجىء؟‏

وغد. الشتم مقفلٌ وعليَّ اليباب.‏

الضباب. الذباب. العذاب! أين؟‏

وراء. في الوراء. في وراء. وراء‏

الصوت. الليفة، اللب، الصلب‏

هل أتخلى؟ متأخرٌ، أرفعُ الجلسة،‏

أؤجل. لم أكلَّف. لم أنا؟‏

فليدفعوا، فلأطمح للصورة!‏

ديوان /لن/ ص 53‏

(14) حاوي، خليل المجموعة الكاملة ص32-51-102-285-286-287‏

(15) أبو عفش، نزيه، ديوان حوارية الموت والنخيل، ص10-71-83‏

ديوان بين هلاكين) ص39- 79‏

(16) الحسين، رياض صالح، ديوان بسيط كالماء واضح كطلقة مسدس، ص62- 78، ديوان خراب الدورة الدموية، ص14-35-45-46.‏

(17) الماغوط، محمد، الأعمال الكاملة، ص50-51-58-59.‏

(18) أدونيس، زمن الشعر، ص154‏

(19) فيدوح، عبد القادر، الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي، ص388‏

(20) بارت، رولان، لذة النص، ص103.‏

(21) إسماعيل، عز الدين، الشعر العربي المعاصر، ص127‏

(22) عساف، عبد الله، الصورة الفنية في قصيدة الرؤيا، ص88‏

(23) جابر، يوسف حامد، قضايا الإبداع في قصيدة النثر، ص164‏

(24) أدونيس، زمن الشعر، ص280‏

(25) عبد المجيد، عبد اللطيف، 1990 في الشعر العربي المعاصر وتحليله، منشورات جامعة البعث سورية. ص166.‏

(26) فيدوح، عبد القادر، الاتجاه النفسي في نقد الشعر العربي المعاصر، ص414.‏

(27) عساف، عبد الله، الصورة الفنية في قصيدة الرؤيا، ص267‏

(28) حاوي خليل الديوان ص57- 58.‏

(29) صالح الحسين، رياض، خراب الدورة الدموية، ص35- 36‏

(30) الخواجة، دريد يحيى، الصفة والمسافة، ص105‏

(31) الجندي، علي، ديوان الحمى الترابية، ص62.‏

(32) أبو عفش، نزيه، حوارية الموت والنخيل، ص13‏

(33) كليب، سعد الدين، وعي الحداثة، ص87‏

(34) خصباك، عائد، 1989، الشعر حتى نهايات القرن العشرين، المحور للدكتور علوي هاشمي، بعنوان /إيقاع اللون في القصيدة العربية الحديثة/ دار الحرية بغداد. ص270.‏

(35) اليافي، نعيم، أوهاج الحداثة، ص208- 209‏

(36) الناعم، عبد الكريم، /الكتابة على جذوع الشجر القاسي/ ص82- 83‏

(37) يقول أدونيس:‏

نموت إنْ لم نخلق الآلههْ‏

نموت إن لم نقتل الآلهة‏

يا ملكوت الصخرة التائههْ‏

المجلد الأول /أغاني مهيار الدمشقي/ ص470‏

ويقول أيضاً:‏

يا شمسُ، من أين لي خطاكِ‏

مسافرٌ دونما حراك‏

المصدر السابق ص487.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244