|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:58 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
السقوط، الموت، المكان الآخر يترجم هذا التعاقب الشعوري - للقلق والنشوة - الشعور بالسقوط، ففردوس الطفولة عالم دائم لا يتغير، تجري الحياة فيه في حاضر مطلق. كان يونسكو يشعر أنه المركز الثابت للأشياء، وذات يوم شعر أن قوة هائلة قذفته إلى المحيط، لقد فرّ العالم منه: "أركض وراء الأشياء، أركض مع الأشياء، أسيل"(3) . الزمن يمضي ومرور الزمن نوع من التقهقر: إنه السقوط، الأعياد تصبح كئيبة، والأفراح تتلاشى عندما يستمتع بها المرء، وكل شيء موسوم بالإثم الخفي الذي لا سبب له. لم يعد العالم الكوكب الذي يتمتع بحضور شامل لا نهائي - بل أصبح متاهة. كل شيء فيها محدود قليل الاتساع: جدار يكشف عن جدار آخر ننطح برؤوسنا وندق عليه بقبضاتنا: "عالم جديد، عالم جديد دوماً، عالم دائم، عالم دائم الجدّة، والشباب، هذا هو الفردوس. فالسرعة ليست جهنمية فحسب بل هي الجحيم ذاته، إنها التسارع في السقوط. كان الحاضر موجوداً، وكان هناك الزمن ولم يعد هناك لا حاضر ولا زمن، إنها متوالية هندسية في السقوط تقذفنا إلى العدم"(1) . هروب الزمن، التقهقر، السقوط: تلك هي علامات الموت، موت العالم، موت الإنسان الذي ينقش على صفحة الوجود التساؤل العظيم: "ما جدوى ذلك؟ ما جدوى إذن أن نتألم، ما جدوى الكتابة؟ سيكون باستطاعتنا أن نحتمل أي شيء لو كنا خالدين" كما يقول بيرانجيه في مسرحية الماشي في الهواء. لكن الموت في كل مكان: الأمس يموت في اليوم، والذكريات تموت في النيسان، والإنسان يموت مع ذكرياته، يموت من ذكرياته، لا ينتهي المرء من الموت أبداً، إنه مرض لا شفاء منه. لكن هل وسواس الموت دفعٌ له أم رغبة فيه؟ الخوف من الموت عند يونسكو يخفي رغبة غامضة. الموت قفزة في المجهول؛ ربما هدمت تلك الجدران التي ترتد عنها الصورة الملحاحة التي يذكرها في حكايات الأحلام في يومياته: الجدار الذي يفصله عن ذاته، الجدار الذي يقطع الإدراك الضيّق للأفكار الشاملة، الجدار الذي يمثّل حداً بين هنا وهناك(2) . يتساءل يونسكو:ماذا يوجد خلف هذه الجدران؟ الفوضى، العدم، أم "نسغ القوة، الطاقة الكونية التي نشارك بها ونشترك فيها"(3) . هل الفردوس الذي وجدناه من جديد، واخترناه، دفعة واحدة؟ يمكن للغواية أن تكون قوية. أين نجد الجواب؟ هل الدين رمز لشيء آخر؟ هل يخفي الدين أشياء أخرى؟ ليس هذا ما أريد قوله، لا أجرؤ على ذلك، لا أملك من الجرأة والإقدام ما يكفي لكي أؤمن"(4) . كان يونسكو يفكّر كثيراً بشكوكه وتردده: "حاولت دائماً أن أؤمن بالله، لكنني لست ساذجاً بما يكفي، ولا ذكياً بما يكفي أيضاً، هناك بعض التصور الميتافيزيائي؛ لكنني لم أهدم الجسور تماماً بيني وبين الله"(5) . لكن الحقيقة لم توهب أبداً، والأرض الموعودة يجب أن تُغزى.. لقد استلهم يوميات كافكا فوصف مسيرته الروحية في أمثال: "في اللحظة التي لم يكن عليّ فيها سوى القيام بخطوة واحدة لأعبر تلك النقطة التي لا عودة بعدها، كنت أتردد، ثم أصاب بدوار، ثم أشعر بحسرة ممزقة عظيمة، إنها نداء العالم أجمع الذي يمتصني: أصوات، أذرعة طرية، الكون كله يغدو طرياً، ألوان لطيفة، ثم موسيقى، ثم هناء فرخاوة، فبوادر غبطة، وقوة طاغية لا توصف تشدني إلى الأسفل [..] واليوم يُخيّل لي أن المسيرة الضرورية هبوط وليست صعوداً كما من قبل. في هذه اللحظة كان يتراءى لي أن علي أن أتخلص من ثياب رصاص لأستطيع الصعود، يُخيّل لي اليوم أن عليّ أن أغوص في أعماق خانقة، وأن اجتازها"(1) . الزمن "في فتات" اجتياز الأعماق للرد على نداءات القمم، ورفض الطريق المباشر الذي يقضي بالتمسك بالحياة في لحظتها الراهنة. إرادة الحياة الفورية واقتناص الملذات بلهفة، وامتلاك الخيرات، هذه كلها دروب مسدودة، لا يستطيع المرء أن يشفي غليله من خلالها. "الحياة الحقيقية في مكان آخر". الحياة الحقيقية تكمن في إدراك شامل للديمومة. "هناك في الأعماق، ينبوع بارد، هو نور الطفولة"(2) . هناك النشوة والألم متلازمان تلازم السمت والنظير، هناك الذكريات كلها: "بلدان، قارات، عوالم غرقت بصمت في الهاويات اللانهائية"(3) . يجب النزول إلى الهاوية، والبحث في العتمة، يجب "أن يكون المرء مثل إنسان يدور في الظلام ومعه مصباح لا ينير سوى مساحة صغيرة حوله تسمح له بالتقدم. تنتقل تلك الدائرة الصغيرة ويرجع كل ما عداها إلى أحلك العتمات من جديد. إدراك الحاضر وحده، إدراح لحظة الاستيقاظ هو وحده الذي يضيء"(4) . الغوص في أعماق الذاكرة ممكن إذا اعتبرنا الماضي هو الحاضر، ويكتسب هذا الغوص في أعماق الذاكرة خاصيّة الكشف إذا ما تجاوز البحث عن الذكريات النوادر والحكايات الصغيرة وتوقّف عند المغزى، عند علامات الوعي واللاوعي، وإذا ما اكتشف المنطق السرّي للحياة. آنذاك يعطي الماضي معناه للحاضر. لتوضيح معنى الحياة، يُعتبر الحلم أحد المفاتيح التي يملكها يونسكو. يبعث الحلم الماضي ويكشف دروب المستقبل. إنه عنصر كشف مزدوج: "إنني أعطي للحلم أهمية عظيمة لأنه يعطيني رؤية أكثر دقة وأكثر نفاذاً لنفسي. أن أحلم، يعني أن أفكر، وأن أفكر بطريقة أعمق وأصدق وأصحّ لأنني أكون كما لو انطويت على نفسي. الحلم نوع من التأمل والخشوع والاعتزال.. إنه فكرة في صورة.. أحياناً يمتاز الحلم بطاقة قصوى على الكشف؛ يكون قاسياً عنيفاً؛ يمتاز بوضوح ساطع مُبهر"(1) هنالك التفكير الواضح، المرتبط بالكائن الشامل، التفكير الصافي، الأكثر صفاء من حالة اليقظة، غير أن الحلم هو "الطريق الملكي" لمعرفة الإنسان. إنه يحسب حساب اللاوعي، أو بالأصحّ، يمثّل ما يعتبره يونسكو الصورة الخفية للأشياء. "ليس هناك وعي ولا وعي بالمعنى الدقيق للكلمة. في الحلم، أكون واعياً، لكن المقصود نوع آخر من الوعي. في الحلم، إمّا أن أعرف أنني أحلم، وإمّا لا أعرف ذلك، فإذا كنت لا أعرف فهذا يعني على كل حال أن ما يبدو لي هو ما وراء الأشياء؛ أو غورها - أي أنني أرى الأشياء من الداخل فيكون مجال الرؤية مختلفاً(2) . رغم ذلك، تهرب الحقيقة منا، ويبدو أنها تنتقل من الصحو إلى الحلم، ومن الحلم إلى "حلم الحلم": "أحلم أنه قيل لي: لن تستطيع الحصول على مفتاح الألغاز، ولن تستطيع إيجاد الجواب على تساؤلاتك كلها إلا بالحلم. يجب عليك إذن أن تحلم هذا الحلم. أنام إذن في الحلم وأحلم، في الحلم، أنني أحلم هذا الحلم الخالص الكاشف للأسرار، استيقظ في الحلم، أذكر، في الحلم، حلم الحلم؛ فأنا أعرف الآن، ويتملكني فرح صافٍ عظيم. عند الاستيقاظ، الاستيقاظ الحقيقي، أتذكر جيداً أنني حلمت الحلم الكاشف للأسرار لكنني لا أذكر شيئاً عن مضمونه؛ وهكذا يهرب مني، من جديد، الحلم الذي يفسر كل شيء، حلم الحقيقة المطلقة"(1) . يُقال هناك مستويان من الرقابة: رقابة في حياة اليقظة ترفض الرموز ورقابة في داخل الأحلام لا تسمح لها إلا بكشف جزء مما يمكنها كشفه: مما تريد كشفه، رقابة على الأحلام، هناك لا وعي في اللاوعي"(2) . ترتكز الأهمية العظمى المعطاة للحلم على تصور أن الزمن لم يعد موجوداً. بالنسبة ليونسكو ليس هناك ماض أو حاضر أو مستقبل، تنفصل وتتحد في آن واحد: لكن هناك ديمومة تجري فيها كل الأزمنة معاً. الحاضر يحتويه الماضي، والماضي حاضر، والمستقبل مرسوم من قبل، إنها بنية مكانية للواقع تعيد التتابع الزمني المشتت: "لقد عرف علماء النفس منذ القدم الأحلام التي تنبىء بالمستقبل وتعرض الملامح بوضوح، أما في الغرب فلا أحد يؤمن بها لأن الأحداث، بالنسبة لنا، تجري في الزمن؛ أي أننا نتمتع بتفكير سببي. هناك قبلُ، وبعدُ، والثاني ناتج عن الأول. قبلُ، بعدُ، سببية، زمن. الغربيون لا يفهمون الشرقيين لأن الشرقيين يرون الأشياء في مجموعة من العلاقات المتبادلة، والمعاني! هذه طريقة أخرى في فهم العالم، وكل حقيقة ما هي سوى التفسير الذي يمكن أن نعطيه عن شيء ما، أو عن الأشياء. ولكي نقبل هذه الظواهر التي تبدو لنا شاذة، لا معقولة، يجب علينا إذن وبكل بساطة، أن نستبدل بالتفكير التاريخي، السببي تفكيراً مكانياً إنه تشكل مكاني، وليس زمنياً".(3) منذ ذلك الحين، وعلى هامش السيرة الذاتية، ظهرت أحداث مُعاشّة يوماً بيوم. إن عالماً بإيقاع فكر مكاني تشكل في أعماق نفسه الحياة الحقة. من هنا، لم تعد التعاقبات متعارضة، والتعارضات أخذت تتكامل وتنسجم في حاضر مطلق. الذكريات ترتبط بالمستقبل، وأصبحت الأحلام ورموزها الجزء الواقعي الذي له معنى ومغزى، وتوهّج الليل بالوضوح. الوصول إلى حلم الأحلام، اكتشاف المعنى الأساسي، اجتياز الظلمات، الوصول إلى الكشف، لكن أين الطريق؟ وكيف نفهم؟ ظن يونسكو أن ذلك كله يتم عن طريق رفض المنهج المنطقي، فالمنطق آلية عقلية لا علاقة لها بالحياة. إنها تفتقد الواقع الذي لا تستطيع أن تحسب حسابه، ويمكن أن تصبح تلك الآلية، حسب الظروف، جنوناً وتتصرّف ضد الحياة. الحياة المفككة، الفوضوية ظاهرياً، يسيرها نظام آخر يجب معرفته؛ لذا يجب التخلي عن التفاسير، والتمسك بعلاقات تعتمد على الأحلام باستخدام منهج وصفي غني بالتوريات: "معظم الناس، عندما يحاولون التحدث عن أحلامهم فإنهم يترجمونها، يفسرونها، يقولونها، يتدخلون فيها. الحلم حكاية أو موقف يجب أن تعرض بأكثر الأشكال وضوحاً أو أن توصف. على العموم، يجب أن لا نروي الأحلام، يجب أن نحاول وصفها. الحلم ليس كلاماً، إنه صور" (1) إنه أسلوب قصصي، إنه طريق التحليل النفسي الذي "يطهّر، وينقّي، ويطرد الأرواح الشريرة"(2) كما أنه طريق المسرح أيضاً حيث تصبح التجرية المعاشة خلقاً وإبداعاً. "شيطان الأدب" الكتابة بالتحديد، هي وصف الأشياء وذكر طموحات العالم الداخلي. إنها الابتعاد عن التفكير المنطقي واماطة اللئام عن نظام جديد للفوضى. "هناك لحظات يفكر المرء فيها بطريقة منسجمة، منفتحة، لحظات أمتلك فيها مجموعات من الصور الحرّة الطليقة، لحظات أشعر فيها بمحرضّات متنوعة للكتابة قد تنسجم وقد تتعارض. عندما أمرّ في مثل هذه الحالة القريبة من الفوضى، غالباً ما تكون هي تحرير اللحظة التي يجب أن أكتب فيها مسرحية: يجب أن تأخذ الفوضى شكلاً، وأن يخرج منها عالم واضح منسجم متماسك. على عكس ذلك، عندما أكتب دراسات، وأبحاثاً، ومقالات يسيطر عليّ انطباع أنني سيّد نفسي أكثر، وأكثر يقيناً مما أعتقد معرفته. أعرف، ولا حاجة للبحث عن مزيد من المعرفة. آنذاك أعجزُ عن كتابة مسرحية"(1) . الكتابة هي "تحرير للمكبوت في النفس"(2) و "الأدب ظاهرة عُصاب"(3) ، لكن يونسكو يقصد، باستخدام هذه الصيغة، التعبير عن الوساوس والقلق الوجودي، والضيق الميتافيزيقي. العمل الأدبي يمثل ذلك كله، بحث عن المغزى؛ إنه يُعطي معنى للوجود"(3) . الكتابة أخيراً، هي محبة الكلمات. "يجب أن تحب كيفية رواية الحكاية أكثر من محبتك لما ترويه"(4) وهي إعطاء الفوضى الداخلية نظام علم النحو؛ هي نقل التحليلات من خلال مدلول الكلمات والتغلب على مقاومة اللغة من أجل صياغة ما لا يقال "إنها معركة مع الملاك" الذي ندعوه الدعوة إلى الكتابة موهبة). يحب يونسكو أن يصوّر نفسه موزّعاً بين إغراءات الكسل ونداءات الخيال. "من الواضح حقاً صعوبة كتابة مسرحية. ذلك يتطلب جهداً عقلياً هائلاً: يجب على الكاتب أن يقف، وهذا عمل مرهق.. يجب أن يجلس في اللحظة التي اعتاد فيها تماماً على البقاء واقفاً، يجب أن يتناول قلمه الثقيل جداً، ويجب أن يفتش أخيراً عن أوراق غير موجودة. ويجب أن يجلس أمام طاولة غالباً ما تتداعى تحت وطأة المرفقين... من السهل، نسبياً، أن تؤلف مسرحية دون أن تكتبها، من السهل تخيلها، أن تحلم بها، وأنت ممدد على ديوان بين النوم والصحو.."(5) . النداء الباطني عند يونسكو، هو في الحقيقة، نداء قاهر ملحاح. "ها أنذا أبدأ الكتابة، الكتابة، الكتابة. طوال حياتي وأنا أكتب. لم أعرف أبداً شيئاً آخر"(1) . الحاجة إلى الكتابة "مثل التنفس" تلبّي أكثر الطموحات تعقيداً. "الدوافع المتناقضة تماماً، أو التي تكمل بعضها تدفعني للكتابة: كل شيء يحملني على الكتابة: الكبرياء، إرادة القوة، الكره، الرغبة في خلاص نفسي، الحب، القلق، الحنين، الفوضى، الثقة، فقدان الثقة، اليقين فيما أؤمن به، عدم اليقين، الرغبة العنيفة في أن أكون مثقفاً، والرغبة في التثقيف، في التسلية، الخشوع".(2) لكن الكتابة تعني أن يسأل الكاتب الناس وأن يسأل نفسه، إنها صياغة هذه الأسئلة. رغم ذلك فإن مسرحية "العطش والجوع" هي مسرحية الأجوبة؛ ففي خاتمة البحث والتفتيش بقي هناك شعور كئيب حاد لا طائل تحته وحنين أشد إيلاماً "لماذا ارهقت نفسي إذن إذا كان أدبي الشخصي [..] لم يساعدني على التقدم خطوة واحدة على دروب المعرفة والإشراق والصفاء؟"(3) . من هنا يولد رعب الكاتب: "سابقاً، سابقاً، حدث شيء ما من هذا القبيل كنت أجلس بفرح أمام طاولتي لأكتب [..] أما اليوم فإن فكرة الكتاب تملؤني رعباً. اليوم، عندما أبدأ الكتابة، يستيقظ في داخلي ذلك الشعور الذي صار أكثر حدة، شعور لا يطاق، شعور بالمأساة، والخطر، والقلق الشامل، فأحاول الهرب والتسلية والنسيان"(4) كيف الانقطاع عن الكتابة؟ كيف الاستمرار؟ في قلق هذه "المهنة النارية" انطلق من يونسكو هذا النداء: "إنه الموت الذي أريده؟ لماذا؟ لأنه وحده يستطيع أن يغلق، وهو وحده من سيغلق فمي"(5) . مغامرة مسرحية 1- دراسة تحليلية للمسرح إذا ما صدقنا يونسكو، فإنه كتب مسرحية "المغنية الصلعاء" بطريق المصادفة: لقد بدأ في المسرح "بطريقة متخلفة جاهلة"(1) . تعتبر هذه المسرحية نقداً لاذعاً للمسرح الرائج في أيامه، كما أنها كشفت الرغبة لديه في أن يهب الحياة لبعض الأشخاص وأن يجسّد بعض تصوراته. بدأ "يحب المسرح، ويكتشفه في داخله، ويفهمه ويشغف به".(2) خلال خمسة عشر عاماً، كتب أكثر من خمس وعشرين مسرحية،وصار مسرحه أربع مجلدات، وأكثر من ألف صفحة من مطبوعات دارغاليمار. مثلت مسرحياته، وترجمت في العالم أجمع، كما أن إنتاجه النقدي، الموازي لانتاجه الأدبي، يكشف عن مجادل لاذع ومنّظر واضح دقيق. تحوّلت اللعبة إلى جدّ. ذات يوم بينما كان يغادر السفينة ليطأ القارة الأمريكية، اعترضه صحفي وسأله عن تصوّره للحياة وللموت. وضع حقيبته أرضاً، جفّف عرق جبهته ورجاه أن يمهله عشرين عاماً ليفكر في السؤال، قال: "هذا ما أسأله لنفسي بالعقل، وأنا أكتب لأسأل نفسي عن ذلك"(3) . هذه الصورة الساخرة التي يقدّمها لنا يونسكو عن نفسه، يجب، مع ذلك، أن ندقق في تفاصيلها. كان كل شيء يدفع يونسكو نحو مستقبله ككاتب مسرحي: ثقافته، حساسيته، رغبته في المطالعة التي اكتشفها منذ الطفولة وهو يقرأ روايات فلوبير، رغبته في الكتابة التي ظهرت في فترة مراهقته من خلال قصائد ورواية وحواريات وبدايات مسرحية، وآراء نقدية حول الأدب، ويوماً بعد يوم، راح يكتب صفحات وصفحات من "يومياته" الخاصة التي كانت تدل على موهبة لا يمكن قهرها. هكذا إذن، فإذا كانت كتابة مسرحية "المغنية" قد حدثت مصادفة تقريباً فإن يونسكو كان يشعر في أعماقه أنه كاتب منذ زمن بعيد، كاتب مسرحي بالتحديد. فالمسرح يوافق خياله المتميز بالصور البصرية المرتبطة بالأحلام، فالحلم صورة قبل أن يكون كلاماً حكاية الحلم الني تعتمد على ترابط النحو ومنطقه هي نوع من التغيير في الحلم). إضافة إلى ذلك فإن تتابع الصور أو تبدّلها هو نوع من الحركة. الحلم إذن تمثيل ودراما، ولهذا السبب لم تكن المغنية الصلعاء لقاءً عرضياً مع المسرح، إنها اللقاء. خلال أربع سنوات كتب يونسكو حوالي عشر مسرحيات، وقد حدث أحياناً أن باشر كتابه مسرحيتين في وقت واحد، انتقل يونسكو، في المسارح الصغيرة التي قدّمت مسرحياته، من فشل إلى كارثة، دون أن تضعف عزيمته.. ومن مسرحية إلى أخرى، كانت خطته تتغيّر، وتقنيته تتطور، وكان يربك المعجبين به على قلة عددهم. اندفع يونسكو، عام 1949، في هجاء عنيف ضد المسرح، وفي عام 1964، في مسرحية "العطش والجوع" يتساءل يونسكو عن مصير الإنسانية، واليوم، ومع عملية تقهقر استمرت عشرين عاماً، فإن تبدلاته تكتسب شيئاً من التماسك والانسجام، كما أصبح في الإمكان تحديد الخط البياني لفكره. السخرية من المسرح: لقد دمّرت المسرحيات الأولى، عن طريق تحريف أشكال التعبير التي يمكن أن تبدو غير ملائمة للنص المسرحي، العقدة، والشخصيات، وأسلوب الحوار: وفي الوقت ذاته اكتشف يونسكو منابع المسرح، ففي اسكتشات: صبية للزواج، المعلّم، معرض السيارات، المستأجر الجديد، بُني كُل منها على عنصر من عناصر التقنية المسرحية: الحركة، الإيقاع، المفاجأة، الأخطاء اللغوية، التسارع الحركي أو الكلامي؛ تراكم الأشياء وتكاثرها. لقد لجأ يونسكو إلى أساليب تقليدية في المسرح، كما استخدم طرائق توحي بها موسيقى القاعات الكبرى، والسيرك، ومسرح العرائس، والكابريه. أعماق الوعي: لكن سرعان ما غدا المسرح بالنسبة ليونسكو طريقة لاكتشاف أعماق الوعي. لقد كشفت كتابة الأحلام، على المسرح، أفضل مما فعلت في "اليوميات" أو القصص القصيرة، الغرائز العميقة، والوساوس، والقلق. ففي مسرحيات: الدرس، جاك، الكراسي، ضحايا الواجب، اميديه، يتخذ البحث شكل التحليل النفسي، ويستند على نظرية فرويد - أو يونغ - في علم النفس، وبهذا الاعتبار يكتسب تحليل الذات قيمة دائمة. بيرانجيه والناس شعر يونسكو شعوراً متزايد الحدّة، عاماً بعد عام، أنه يستطيع، من خلال المسرح، أن يسأل نفسه، يستطيع أن يتحدث عن نفسه وعن العالم. لقد اتسع مجال تفكيره: المسرحيات الثلاث الأولى من "مرحلة بيرانجيه" - قاتل بلا أجر، الكركدن، السائر في الهواء - تعرض بحثاً أكثر منهجية، كما أن يونسكو يعالج مواضيع جديدة ويواجه مشاكل الجماعات، ويتصدّى لصراع الأيديولوجيات ويقدّم الأحداث الراهنة الأكثر وضوحاً في عرضه للواقع من خلال الحلم. أمّا وقد تحاشى "فخ الرصانة الجدّية" فقد عاد في أعوام 1959 - 1962 إلى المسرحيات القصيرة المبنية على حيلة لغوية أو على خبطة مسرحية. ففي مسرحيات: مشهد رباعي، تعلّم المشي، الغضب، هذيان ثنائي الثغرة، البيضة المسلوقة، عرض يونسكو "التصورات المسرحية" في حالته الصافية دون أن يعبّر عن أي تساؤل حول العالم. عند أسفل "السلم الفضي" مع ذلك، فالرصانة، والوضوح ليسا مصيدة، إنهما نوع من التعميق والإغناء. تابع يونسكو بحثه عن معنى الوجود، تنتهي "مرحلة بيرانجيه" بمسرحية "الملك يموت" حيث يتعرض يونسكو للمسألة الانطولوجية، وبعد ذلك بعامين صور في مسرحية "العطش والجوع" الترحال والشعور بالمطلق الذي يقود الإنسان، في لحظات الشفق، إلى أسفل "السلم الفضي" الذي يشعّ في حديقة الفردوس. *** "المغنية الصلعاء" شراء كتاب لتعلم اللغة الانكليزية، والحقائق التي اكتشفتها يونسكوفيه، والإشراق الذي انبثق منه، واتخاذ القرار في نقل تلك الاكتشافات، ثم تقطيع أواصر الكلام الذي صار ضرباً من الجنون.. هذه الحيثيات كلها ارتبطت - منذ أمد قريب - بأسطورة المسرح الجديد. عندما ارتفعت الستارة في 11 أيار 1950، في مسرح نوكتامبول، رأى المشاهدون القلائل بعض قطع الأثاث على المسرح الخالي تقريباً، مما يوحي بوجود صالة بورجوازية، وشاهدوا شخصين يرتديان بدلتين من طراز "اهتمّ أنت باميلي". لوحة تفتقد الهوية، لكن صوتاً نادى "ابدأ" أكد أن كل ماعلى المسرح إنكليزي أصيل: المقعد المريح، الأخفاف، الغليون، الجريدة، شوارب السيد سميث، النار وساعة الحائط، السيدة سميث التي تطرز.. كلها انكليزية.. هذه الأمسية الانكليزية تبدأ "بلحظة صمت انكليزية طويلة". دقت الساعة سبع عشرة دقة - "انكليزية" - فعرفت السيدة سميث أن الساعة هي التاسعة، وبينما كانت تغرز إبرتها راحت تذكر برضى أصناف وجبة العشاء، وتشرح الطريقة المثلى لتحضير البطاطا مع شحم الخنزير، وتقارن بين زيت بقال الناصية وزيت البقال المقابل مع زيت البقال عند الشارع الجانبي؛ وتؤكد ضرورة إضافة كمية مناسبة من الملح مع الحساء، كمية لا كبيرة ولا قليلة، وتوضّح طريقة إعداد كعكة السفرجل، وتعدّد بالتفصيل منافع السمك، واللبن البلغاري، كما أن هناك لبن ولبن.. راح طوفان ثرثرتها التافهة يلطم أسوار الجريدة المفتوحة إلى أقصاها التي يحتمي خلفها، فلا يُرى، السيد سميث برباطة جأش تذكرنا بفلياس فوغ(1) . وفي شلال الكلمات يسيل هنا وهناك تعابير مبتذلة مقلقة: "لاشك أن ولدنا الصغير كان يريد أن يشرب بيرة، ويود لو يملأ معدته، إنه يشبهك". "اللبن الرائب نافع جداً للمعدة والكليتين والتهاب الزائدة، ولتألق العظماء". أخيراً، مدّ السيد سميث رأسه ليؤكد أن الطبيب الجيد يجب أن يموت مع مريضه مثلما يغرق قبطان السفينة مع سفينته؛ كما أنه أصيب بالذهول، من ناحية أخرى، لأنه قرأ في الجريدة أن دائرة السجل المدني تذكر دائماً عمر المتوفين بينما لا تذكر إطلاقاً أعمار حديثي الولادة. خيم صمت طويل دقت الساعة أثناءه سبع دقات، ثم خيّم صمت آخر دقت خلاله ثلاث دقات، وفي فترة الصمت الثالثة لم تدق الساعة أبداً. راح السيد والسيدة سميث يتناقشان بتأثر وانفعال عن بوبي واطسن المسكين، لقد توفي منذ سنتين أو ثلاث، وقد تم دفنه منذ ثمانية عشر شهراً. "إنها أجمل جثة في بريطانيا العظمى! لم تكن تكشف عن عمر صاحبها الحقيقي، مسكين بوبي، لقد توفي منذ أربع سنوات، وكان لايزال دافئاً عند دفنه، إنها جثة حقيقية حية، كم كان ظريفاً!". كانت زوجة بوبي واطسن تسمي بوبي واطسن مثله، ولذا كان الأمر يلتبس على من يراهما معاً. كان لهما ولد اسمه بوبي، وبنت اسمها بوبي بالطبع. في عائلتهم إذن كان الجميع يدعون بوبي واطسن: العم، العمة العجوز، ابن العم، والجدة، والعم الثاني، وابن العم الثاني، حتى الكلب كان اسمه بوبي واطسن. كانوا جميعاً وكلاء جوالين، عدا ثلاثة أيام في الأسبوع: "الثلاثاء، الخميس، الثلاثاء". رغم حماس السيدة سميث فإن آل بوبي واطسن لم يكونوا موضوعاً لحوار لا ينتهي وسوف ينتهي هذا الحوار الانكليزي عندما تظهر ماري - امرأة ذات إغراء لا يقاوم لكنها فتاة حمقاء. أعلنت ماري عن وصول السيد والسيدة مارتان: كانا ينتظران عند الباب ولم يدخلا عند اختفائها داخل البيت. أدخلتهما ماري بينما راح السيد والسيدة سميث يرتديان ثيابهما. جلس السيد والسيدة مارتان بخجل، كل منهما قبالة الآخر وراحا ينظران لبعضهما خلسة، ويحاولان الابتسام دون كلام؛ ثم يتبادلان النظرات من جديد. أخيراً قرر السيد مارتان أن يبدأ الكلام: - أرجو قبول اعتذاراتي يا سيدتي، لكن يخيّل لي، إن لم أكن مخطئاً، أنني قابلتك من قبل في مكان ما. - وأنا كذلك يا سيدي؛ يخيل لي أنني قابلتك من قبل في مكان ما. لقد اكتشفا باندهاش أنهما من مانشستر، وأنهما غادرا المدينة قبل خمسة أسابيع في قطار "الثامنة والنصف صباحاً" وقد وصل القطار إلى لندن "الخامسة إلا ربعاً" وأنهما سافرا في الدرجة الثانية في المقصورة السادسة من العربة الثامنة. "ما أغرب ذلك، وكم هو مثير للفضول، يا للمصادفة!" ومنذ أن وصلا إلى لندن سكنا في الشارع نفسه، والبناية نفسها، والطابق نفسه، "ما أغرب ذلك!" لقد ناما في الغرفة ذاتها، عند نهاية الممر، بين الحمام والمكتبة، "ما أعجب ذلك!" لقد ناما في السرير عينه. "يا للمصادفة العجيبة!" وبعد صمت طويل من التفكير العميق دقت الساعة خلاله تسعاً وعشرين دقة، نهض السيد والسيدة مارتان بطريقة احتفالية: - إذن، يا سيدتي العزيزة، أعتقد أن لا مجال للشك بأننا تقابلنا من قبل وأنك زوجتي.. لقد وجدتك من جديد يا إليزابيت! - دونالد، هذا.. أنت يا حبيبي! ماري - وهي في الحقيقة شرلوك هولمز - تعلّق على المشهد: ثم عاد آل سميث. لقد تعثر الحوار قليلاً في البداية: تفاهات، سعال مصطنع، فترات طويلة من الصمت، ابتسامات عريضة، كلام عن الطقس.. ثم رنّ جرس الباب. قامت السيدة سميث لتفتح الباب. لا أحد هناك.. ولمّا حدث ذلك ثلاث مرات سمح لها المنطق التجريبي أن تستنتج ما يلي: "علمتنا التجربة أنه عندما نسمع جرس الباب فذلك يعني أن لا أحد هناك"، وفي المرة الرابعة، قام السيد سميث ليفتح الباب.. وعاد ومعه رئيس فرقة للإطفاء. روى الرجل بعض النكات السخيفة، و"حكاية تجريبية" ليس لها أساس من راس.. كان يضحك ملء شدقيه، وحده، ثم انتهى بحكاية عن الزكام، وختم حكايته بجملة طويلة، مؤلفة من عدة جُمل وصلية، ومعترضة، تتسلل وتنزلق بين ردود وشروحات الشخصيات الأخرى: - "كان لأخ زوجتي، من ناحية الأب، ابن عم ألماني، أحد أعمامه، من ناحية الأم، كان له أخ زوجة كان جدّه لأبيه قد تزوج مرة ثانية صبيّة من المنطقة كان أخوها قد التقى، أثناء إحدى أسفاره فتاة، فشغف بها، ومعها..". راح رئيس فرقة الإطفاء يتكلم ويتكلم ويتكلم ثم توقّف فجأة عند أربع فواصل، أربع انقطاعات في موجة تبخرت فجأة: - .. وكان والده قد عاش في كندا عند سيدة عجوز، كانت ابنة أخ الخوري الذي كانت جدته تُصاب، غالباً، في فصل الشتاء، مثلها مثل جميع الناس، بالزكام. راحت ماري تنشد بدورها قصيدة حماسية على شرف رئيس فرقة الإطفاء، لكن هذا الأخير ترك السهرة لأن حريقاً شبّ في طرف المدينة كان موعد الحريق مسجلاً في مفكرته منذ عدة أيام) حريق لا قيمة له: "نار في كومة قش وحرق بسيط في المعدة". عاد الحوار من جديد بين آل مارتان وآل سميث والأصح أن يُقال أن كل واحد منهم كان يتحدث لنفسه ويعلن حقائق أساسية: - يمكنني أن أشتري سكين جيب لأخي بينما لا يمكنك أن تشتري ايرلندا لجدك. - يسير المرء على رجليه لكنه يستمد الدفء من الكهرباء أو من الفحم[...] - عندما أكون في الريف أحب العزلة والهدوء. هذه الحقائق تتشوه والكليشهات تختلط، والردود لم تعد أكثر من مقاطع صوتية رنانة، والعلاقات المنطقية اختفت وحل محلها ترديد سخيف لما يقوله الآخرون: - إنني أحب عصفوراً في حقل أكثر من جورب في نقّالة. - شبكة في شاليه خير من حليب في قصر. ثم يتسارع الإيقاع وتغدو اللهجة عنيفة، ويبدو الأشخاص كأنهم يختصمون: - لا تلمس بابوجي. - لا تحركْ البابوج. - المسْ الذبابة، الذبابة لا تلمس. - الذبابة تتحرك. - امسحْ فمك. - امسحْ مضرب الذباب، امسح مكشّة الذباب. - مناوش مناوش. - سكاراموش المناوشة) - سانت نيتوش البراءة المزيفة) - لديك سرير! - أنت تلجمني - سانت نيتوش تلمس خرطوشتي. - لا تلمسوها، إنها محطمة(1) تنتهي الجُمل بالتفتت، والكلمات تتفجر صراخاً وضجيجاً، تتحول إلى مقاطع، إلى حروف رنانة وحروف صوتية يتقاذفها الأبطال في سورة من الغضب وهم يركضون على المسرح. ليل، نور، السيد والسيدة مارتان يجلس كل منهما على مقعد مريح. السيد مارثان يقرأ جريدته والسيدة مارتان تطرز. تدق الساعة سبع عشرة دقة فتعلن السيدة مارتان أن الوقت هو الساعة التاسعة، ثم وهي تغرز أبرتها.. الكلمات والأشياء لا يمكننا أن نحلل مسرحية المغنية الصلعاء كما نحلل مسرحية "حلاق اشبيلية" أو "روي بلاس".. لا وجود للعقدة، ولا يمكن رواية المسرحية، وكل مايمكن فعله هو وصف المشاهد المتتابعة لقد التزم يونسكو بالتقسيم التقليدي) التي يشكل كل مشهد منها لوحة حيّة. يسمح تحليل الحوار بإيجاد جُمل كتاب تعلّم اللغة الانكليزية. دروس المفردات مترابطة، يمكن أن نستخرج منها العناوين التالية: الطعام، البيت، أواصر القرابة، الحوار حول بوبي واطسن والحديث عن الزكام - الوقت، الرحلات، كما يمكن ملاحظة تمارين القواعد حول حالتي النفي والإثبات وحول درجات المقارنة والتفضيل. -.... البطاطا جيدة جداً مع شحم الخنزير، وزيت السلطة لم يكن حاداً؛ زيت بقال الحي أجود من.. هكذا أعاد يونسكو نسخ جُمل الكتاب، لكن وهنا يكمن جوهر المسرحية) بدلاً من أن تكون وسيلة لتقوية الذاكرة من أجل حفظ المفردات والقواعد فإنها تقابل مواقف حية، إنها تحلل الواقع، تعبّر عن حقائق. تأكيدات الشخصيات بديهية، واستنتاجاتها منطقية تماماً، في البداية على أقلّ تقدير. هذا المنظور جعل الحوار جهنمياً، وقد كشف نسيج التفاهات ابتذال الواقع. فالحقائق الأساسية، التي لا نفع فيها تحرف بشكل ساخر نظاماً كاملاً من القيم. في النصف الثاني من المسرحية تختلط الفصول، وتمتزج السجلات، وتتداعى البديهيات ويصبح العنصر الكوميدي المقيم عند حدود اللامعقول تراجيدياً، والواقع، الذي كان كلامه ضمانة له، يتهدّم. كوميدي؟ تراجيدي؟ لقد دُهش يونسكو عند سماعة ضحكات الجمهور: أثناء كتابة المسرحية، اضطر للتوقف، إذ أصابه دوار وغثيان. كانت المسرحية بالنسبة له "تراجيديا اللغة". في الحقيقة، إن انهيار الواقع مأساوي، كما أن المسرحية تسبب بعض القلق والانزعاج، أما الضحك فإنه يتفجر في اللحظة التي تتعطل فيها آليات اللغة وتقدم صوراً مشوهة: مازال في الإمكان تحديد الواقع لكنه تعرّض من قبل لعملية تزوير وتشويه. وهكذا فإن الصيغة البديهية للجملة مازالت باقية أما محتواها فقد أصبح فظاً مبتذلاً. - زوجتي هي الذكاء بعينه، بل إنها أذكى مني، وعلى كل حال فهي أكثر أنوثة بكثير، كما يقولون [..]. - ساعة الحائط تعمل بشكل رديء، لديها روح المشاكسة، إنها تشير دائماً عكس التوقيت الصحيح. - يمكن البرهان على أن التطور الاجتماعي يكون أفضل بكثير إذا أضيف السكر إليه[..]. - لا يلمع المرء نظارته أبداً بشمع الأحذية [..]. ينكمش الواقع أكثر عندما يعيد يونسكو للصور المستهلكة قيمتها أو عندما يعيد للكلمات معانيها الأولى، معانيها الواضحة، كما حدث في التعليقات التي رافقت قصيدة ماري أو أفكار السيدة سميث حول السأم من أحاديث الصالونات. تصبح الورطة في النهاية بلا حدود، والسخرية تصبّ في البلاهة، وما عادت الكلمات تعبر عن شيء. إنها تتكاثر وتبدو كما لو أنها تغزو الفضاء المسرحي. قوالب الحوار، وتمزّق التراكيب اللغوية يعيدان من جديد طرح مسألة الواقع أو بعض مظاهر هذا الواقع: الحركات تصبح إيماءات، والأشخاص يتحولون إلى دُمى، وباختصار يتحول الواقع إلى عالم "بورجوازي صغير". يجب أن نفهم من ذلك أن ليس المقصود هذا المجتمع أو ذاك النظام الاقتصادي لم يقصد يونسكو ذلك أبداً) بل المقصود عقلية موجودة في جميع الأنظمة، عقلية امتثالية تتغذى على أفكار مسبقة جاهزة، المقصود ببغائية تكوّنت من قوالب لغوية، وترديد آلي للغة، وللأشخاص الذين "يتحدثون ولا يقولون شيئاً" لأن ليس لديهم ما يقولونه، وليس لديهم ما يتبادلونه مع الآخرين ولأنهم محرومون من الحياة الداخلية فاكتفوا بآلية الكلام اليومي: "لم يعد آل سميث وآل مارتان يعرفون الكلام، وما عادوا يعرفون كيف يفكرون لأنهم لا يعرفون كيف ينفعلون، وليس لديهم مشاعر، ولا يعرفون كيف يكونون، ويمكن أن يصبحوا أي شخص أو أي شيء لأنهم، وقد فقدوا وجودهم الخاص، ما عادوا سوى الآخرين، عالم اللاشخصي، وأنهم قابلون للمبادلة: يمكن أن يحلّ مارتان محل سميث، والعكس بالعكس، وما عاد المرء يتوقف عند ذلك"(1) . أصداف فارغة، رنانة، جوفاء، تتهادى شخصيات "المغنية الصلعاء" مع تهاوي اللغة التي أوجدتهم، إنهم كوميديون لكن رخاوتهم تكشف عن حقيقة تراجيدية. لقد تحقق التباس النغم والمعنى من خلال أداء الممثلين. يمكن أن نتخيل أداءً مجنوناً على طريقة" ماركس براذر أو هيلزا بوبان". تقترح الإرشادات المسرحية إلقاءً رتيباً وتلاوة خالية من أي تعبير. اختار نيكولا باتاي تمثيلاً "جاداً" جعل عنصر الاضحاك في النص، من خلال التضاد والمفارقة، أكثر وضوحاً. هناك إيقاع يفرض نفسه على كل حال: التسارع الذي يؤدي إلى الانفعال، والعنف، يؤدي إلى الانفجار. ذكر يونسكو إلى الكاتبة سيمون بن موسى أن "الحالة النموذجية هي أن نرى رؤوس وأقدام الأشخاص مثل نتوءات تبرز من أرض المسرح وهذا مستحيل للأسف. ربما كان من الأفضل ألا يكون هناك سوى دُمى مقطعة الأوصال لأن تلك الشخصيات ليس لها أي وجود حقيقي"(2) ، وبالتأكيد فإن لعبة كهذه اللعبة المسرحية تؤكد واحداً من معاني المسرحية. تحريف المسرح: إضافة إلى إثارة قضية العالم "البورجوازي الصغير" فإن مسرحية "المغنية الصلعاء" تعتبر نقداً لاذعاً للمسرح واعتداء سافراً على الجمهور. مسرحية تحريفية ساخرة، لكنها أيضاً سخرية لاذعة من المسرح، وضع لها يونسكو عنوان "مسرحية مضادة". ليس فيها عقدة، شخصياتها مترددة حائرة، وما تقوله تلك الشخصيات لا فائدة منه، وفي النهاية يجب على المتفرج أن لا يحاول الفهم أو الاستماع، وهذه علامات مسرحية رديئة. العنوان يصدم. إنه لا يوضح أي شيء، إنه نقيض العنوان. لقد فكر يونسكو أن يسميها على التوالي: "الساعة الانكليزية" "تعلم الانكليزية دون تعب" "جنون بيغ بن" "السماء تمطر كلاباً وهررة" لكن هذه العناوين كلها تحدد المسرحية ضمن حدود هجاء الحياة الانكليزية؛ وخلال إحدى التدريبات تحدث الممثل الذي كان يؤدي دور رئيس المطافيء، خلال حكايته عن الزكام، عن "مغنية صلعاء" بدلاً من أن يتحدث عن "معلمة شقراء". تم العثور على العنوان النهائي ولم يبق سوى إضافة جملتين في اللحظة التي يغادر فيها رئيس المطافيء منصة المسرح: "والمغنية الصلعاء؟ - إنها تسرّح شعرها دائماً بنفس الطريقة". لاشك أن المصادفة هي التي سمحت بإيجاد العنوان وقد أدّت إرادة التحدي إلى الاحتفاظ به. أراد يونسكو أن يصدم الجمهور الذي اعتاد على مسرح البوليفار(1) . كانت هذه العدوانية أكثر وضوحاً في الخاتمة التي تخيلها بونسكو أول الأمر: كان المطلوب قتل المشاهدين بكل بساطة. خلال الشجار بين آل سميث وآل مارثان، تدخلت الخادمة لتعلن عن وقت العشاء فيترك الأزواج الأربعة منصة المسرح. يبدأ بعض المتواطئين بالصفير والصياح في الصالة آنذاك يصعد إلى المنصة مدير المسرح وقائد الشرطة ومعهما شرطيان ويبدأون إطلاق النار على الجمهور المتمرد ويصدرون الأوامر لإخلاء الصالة تحت تهديد المسدسات. اقترح يونسكو خاتمة أخرى: يتقدم المؤلف على المنصة ويمد قبضته باتجاه الجمهور ثم يصرخ: يا عصابة الأنذال، سأسلخ جلودكم" تتطلب النهاية الأولى أدوات كثيرة، وعدداً إضافياً من الممثلين، من أجل عدة دقائق، أما الاقتراح الثاني فلا ينسجم مع طابع المسرحية، لكن كلا النهايتين تبينان إلى حد ما الاغتيال الرمزي لجمهور المسرحية الهزلية(1) . موضوعات وتقنية إن رفض نوع محدّد من المسرح والاعتداء على جمهور معيّن هما الوجهان المدمران في المسرحية؛ لكن "المغنية الصلعاء" تقدم في الوقت ذاته موضوعات وأساليب تقنية طوّرها يونسكو في مسرحياته التالية. آل سميث وآل مارتان أسرتان استهلكتا الحب كله. نلمح علامات الفشل الخفي عندما يتبادل آل سميث التّهم حول أخطاء الأولاد، أمّا آل مارتان، وهما أكثر شباباً بالتأكيد، فلا يزالان يغدقان العواطف على "صغيرتهما أليس" لكنهما يعيشان الواحد قرب الآخر دون أن يعرفا بعضهما. لم يتوقّف يونسكو عن تعميق وتنويع هذا التصوير للحياة الزوجية. من ناحية أخرى، فإن التضخيم، والكاريكاتور هما شكلان من أشكال الإضحاك التي يلجأ إليها المهرَّج، وقد أدخلهما يونسكو إلى المسرح. كما أن البناء الدائري للمسرحية الجملة الأخيرة تعيد الجملة الأولى) يبين لامعقولية الحياة التي كُتب عليها التكرار: في مسرحية المغنية الصلعاء، هناك، فوق ذلك كله، تطوّر للحدث دون وجود عقدة:آلية المسرح تعمل في فراغ. كان من الممكن الكلام عن "مسرح غير تمثيلي" "مسرح تجريدي" لكن إيقاع التسارع والإنفجار لم يُحمّل بأي عنصر يخفي دلالته. التوتر موجود بلا هدف، وهذه هي ملامح ومحركات المسرح الأصيل. "الدرس" بينما كانت عروض "المغنية الصلعاء" تغرق في اللامبالاة كان يونسكو يكتب مسرحية "الدرس" التي عُرضت للمرة الأولى على مسرح الجيب في 20 شباط 1951. لم تلاقِ أي نجاح، لكن عند إعادة عرضها عام 1956 مع المغنية الصلعاء، التصقت بلوحة الإعلانات ولم تفارقها. إذا لم يكن في المغنية الصلعاء موضوع ولا مغنية فإن "الدرس" يبرر العنوان: هناك مدرّس وطالبة ودرس خصوصي، لكنه ليس درساً خصوصياً تماماً - رغم ما يقول جاك لومارشان - إنه "إعادة أمينة لدرس يعطيه الماريشال فوش في الكلية الحربية"(1) إذ أن هناك درس ودرس. تمثّل منصة المسرح غرفة عمل المدرّس. أدخلت الخادمةُ طالبة جديدة: مراهقة، أو مكتملة الأنوثة ربما كانت في الرابعة عشرة أو الثامنة عشرة) محتشمة، مهذبة، لكننا نشعر أنها تضجّ بالحيوية ظريفة، واثقة من نفسها، غبيّة قليلاً. جاء المدرّس، في العقد الخامس من عمره، ظهره محنيّ قليلاً، خجول، ذو حركات بليدة، ثيابه رثّة، يتحدث بصوت خافت، إنه مرتبك أمام التلميذة، يعتذر، يتلعثم، يفتش عن موضوع للحديث، يخوض في توافه الكلام، يتورّط، يتشبثّ بالجُمل الجاهزة. تؤدي ردود الأفعال المهنية دورها وتيسّر له إمكانية التصرّف: - أنت تعرف باريس إذن؟ - كلا يا آنسة، لكن لو سمحت، هل يمكنك أن تقولي لي، باريس، هي عاصمة.. يا آنسة؟ - باريس.. إنها عاصمة فرنسا؟ - طبعاً يا آنسة، أحسنت، جيد جداً، عظيم، تهانيّ، أنتِ تعرفين جغرافية وطنك حق المعرفة. في مثل هذا الموقف يكون الطقس الملاذ الأمثل: - ... الطقس جميل هذا اليوم.. أو ليس جميلاً تماماً.. أوه، إنه جميل على كل حال، في النهاية، ليس الطقس رديئاً، هذا هو المهم.. إيه، إيه.. المطر لا يهطل ولا يسقط الثلج. - لو حدث ذلك لكان أمراً مدهشاً لأننا في فصل الصيف. - أعتذر يا آنسة، كنت سأخبرك بذلك.. لكنك ستتعلمين كيف تتوقعين كل شيء. "يمكن أن نتوقع كل شيء": تفاهة عبثية فيما يتعلّق بالمطر والطقس الجميل، لكن إذا طُبّقت هذه القاعدة على الحياة فإنها تمتليء بالتهديدات والأخطار. أثناء الحركة الدرامية تصبح التفاهات نوعاً من النبوءات. قالت التلميذة إنها تريد متابعة دراساتها العليا "لأن ثقافة بسيطة عامة لا تكفي في عصرنا هذا". إنها تعرف من قبل أسماء الفصول - أو جلّها - وقد حصلت على الثانوية الفرع العلمي وعلى الثانوية الفرع الأدبي وتريد أن تتقدم، بعد ثلاثة أسابيع - إلى مسابقة "الدكتوراه العامة". يجب إذن الانصراف إلى العمل دون إبطاء. في اللحظة التي يجلس فيها الأستاذ والتلميذة لبدء الدرس، تدخل الخادمة، تفتح أحد الأدراج، تتباطأ، ثم توجّه إلى المدرّس تحذيراً غامضاً. يبدأ الدرس بمادة الحساب. كان المدرّس في غاية الراحة وهو يؤدي دور المعلّم: تلاشى خجله، لم يعد يتلعثم، صار يستخدم مفردات ذكية، لكن التلميذة ردّت الكرّة إلى مرماه فراحت تمزح وتجيب على الأسئلة بطريقة أخاذّة، دون تردد: "اثنان وواحد؟ - ثلاثة. ثلاثة وواحد؟ - أربعة ..[..] سبعة وواحد؟ - ثمانية". لقد ذُهل المدرس لكنه أثناء حماسه واندفاعه ارتكب أخطاء لغوية تدعو للدهشة. "رائع، أنت رائعة، أنت لذيذة ساحرة، أهنئك بحرارة يا آنسة". بدأت المتاعب مع عملية الطرح: فلم تتمكن التلميذة من طرح ثلاثة من سبعة. بدّل المدرس الأرقام، وفتّش عن أمثلة، تناول قضباناً، وأعواد ثقاب، كتب على السبورة، عدّ على أصابعه، وراح ينظُّر فتحولت شروحاته لعملية الطرح إلى فلسفة عملية. - ليس الأمر كذلك، ليس الأمر كذلك أبداً. لديك ميل دائم للجمع، لكن يجب أن تتعلمي الطرح أيضاً. يجب أن لا نقتصر على الدمج فقط، يجب أن نفتت أيضاً، هذه هي الحياة، هذه هي الفلسفة، هذا هو العلم، هذا هو التطور، هذه هي الحضارة. توترت أعصابه وراح يصرخ، وهذه العدوانية الكلامية مرتبطة برغبة أكثر سريّة فضحتها الأمثلة الجديدة: "لو كان لك أنفان، وجدعت لك واحداً.. كم أنف يبقى لك؟ [..] لك أذنان فإن صرمت واحدة، لو أكلت واحدة، كم أذناً يبقى لك؟" لم تعد التلميذة تعرف ما تفعل أو ما تقول، صارت تخطيء في كل شيء فأصابها الرعب والذهول. ارتبكت وراحت تتخبط كأنها وقعت في مصيدة. فقدت ظرفها وثقتها. بدأ الحزن يسيطر عليها من وطأة التوبيخ. صارت تتحدث بكلمات من مقطع واحد: "نعم، يا أستاذ.. لا، يا أستاذ" وبدأ الإرهاق يظهر عليها أكثر فأكثر. يجب أن تتخلّى عن مشروع الدكتوراه العامة وتكتفي بالدكتوراه الجزئية. ترك الأستاذ الحساب وانتقل إلى معالجة العناصر الأساسية في اللسانيات وفقه اللغة المقارن للغات الإسبانية الجديدة، عندها ظهرت الخادمة من جديد وسحبته من طرف كمّه: "يا سيدي، أعط أي علم تريد إلا فقه اللغة، ففقه اللغة يؤدي دائماً إلى الأسوأ". "لقد بلغتُ سن الرشد يا ماري" أجاب الأستاذ إنه منتصب الآن، يتكلم وهو يقطع الغرفة، يدور حول التلميذة المتهالكة على كرسيها، في منتهى السلبية، كأنها منوّمة مغناطيسياً، ومشلولة، إنها تبذل، عبثاً، جهوداً لتسمع وتفهم، إنها تتألم. استرجع المدرّس الأصول التاريخية للغات الإسبانية الحديثة وأوضح أنها تتميز: "بأوجه التشابه المذهلة التي تجعل من الصعوبة بمكان التمييز بين لغة وأخرى". كانت الحصّة عبارة عن سلسلة من المقاطع تزداد طولاً وسرعة، وهذياناً. صار صوت المدرّس قاسياً عنيفاً. لم يعد يسمع التلميذة التي تتأوه: "أسناني تؤلمني" وها هو يزجرها بفظاظة. "لا أهمية لذلك؛ ولن نتوقف من أجل هذه التوافه، لنتابع..". كانت تلك الفترات الطويلة من محاضرة "المعلّم" تتقطّع بكلام مختلف تماماً: تهكمات، وقاحات، مخاطبة سوقية بصيغة المفرد، وسواها مما يقطع طوفان ذلك الحديث: - اسكتي وإلا حطمت جمجمتك! [..] - .. بلا وقاحة؛ أيتها الصغيرة؛ أو انتبهي لنفسك. تابع المدرس شروحاته بلهجة غاضبة. انتقل إلى مسألة الترجمة العسيرة، ولكي يعطي مثالاً، تناول سكيناً ضخمة راح يلوّحها أمام عيني التلميذة. طلب منها أن تردد كلمة سكين في مختلف اللغات وهي تحدّق بتلك الأداة عن قرب شديد. ارتجفت التلميذة آخر ارتجافة تمرّد ثم استسلمت، على إيقاع متقطع، لاهث، رتيب، راحت تردد مع المدرس: "سك..كين.. سك.. كين.. سك.. كين" وأخيراً قالت وقد اعتصرها الألم والذهول: "نعم، نعم.. السكين تقتل" ثم عرضت صدرها لطعنة السكين. رجعت الخادمة وراحت توبّخ الأستاذ بلهجة أمٍ قاسية وتنتقد سلوكه وقد غدا من جديد خجولاً متلعثماً. صفعته بعنف عندما حاول أن يطعنها خلسة، ثم حصلت منه على وعد بأن لا يعود إلى ذلك أبداً وساعدته في نقل الجثة لوضعها في تابوت.. مع تسع وثلاثين تلميذة كان قد قتلهن من قبل. دقّ جرس الباب، ذهبت الخادمة لتفتح، إنها تلميذة جديدة جاءت لتأخذ درسها.. إيقاع الكلام: يمكن أن نقول إن عنوان المسرحية يحدد "موضوعها"، كما يمكن أيضاً الحديث عن عقدة لأن شخصاً يقتل شخصاً آخر، وهناك جريمة سادية، لكن المسرحية ليست هناك. مسرحية "الدرس" حركة درامية دون هدف، إيقاع محض مبنيّ على ميكانيكية الكلام، تصعيد يُخرج من الظلمة حقائق مخيفة. التوتر المتزايد ملموس أكثر من مواجهة البطلين على مدى المسرحية، وهما وحيدان ظهور الخادمة يشير إلى مراحل التطوّر، كما أن غياب الفصول والمشاهد يؤكّد الاستمرارية. ليست ميكانيكية الكلام في مسرحية "الدرس" هي ذاتها في "المغنية الصلعاء"، فبدلاً من الجُمل والقوالب التي تتخلع وتتفجر وتتناثر شظايا - أصواتاً، مقاطع، حروفاً، فإن اللغة هنا، تتبلور ثم تضيع من الشخص الذي يستخدمها. في بداية المسرحية، كانت أجوبة التلميذة كلاماً موزوناً، فما كانت تقوله ينطبق تماماً مع ما تريد التعبير عنه، ويعكس بدقة شخصيتها الواعية، على عكس المدرس العاجز عن تشكيل أفكاره، الذي يتحدث بنتف من جُمل فارغة. لكن تبدّل كل شيء خلال درس الحساب: الكلام ينتظم، يتماسك بدقة بواسطة الجمع: الكلمات، والجُمل تلتحم وتتراصّ لأنها وجدت في عالم اللاوعي مبدأ توحّدها. أصبح الحديث مستقلاً؛ وتضاعف نتيجة حيويته الذاتية. لم يعد المدرس يوجه أقواله "والدرس يسير في مجراه الذي تمّ تحضيره"، أو على الأصح أنه موجود ليكشف أسراراً جهنمية، علاقات عدائية مخفية تنشأ بين المدرس والتلميذة، ونتف ذلك "النقاش القصير" تندمج مع الحوار. بعض الأحاديث تكشف عن صراع مبهم تخوضه النزوات والغرائز. "أنت شهية" "لو جدعت أنفك" "ولو أكلت إحدى أذنيك". لم يعد للحوار من مهمة سوى توضيح عدوانية المدرّس وخضوع التلميذة. الكلمات تجسّد السكين. في مسرحية المغنية الصلعاء اغتيلت اللغة أما في مسرحية "الدرس" فإن اللغة هي التي تغتال. يفسر هذا التطور مناخ المسرحية. البداية هزلية لكن الجو العام يدعو للقلق لما كشفته الكلمات وأفصحت عنه. "دراما كوميديه" كما يشير العنوان الفرعي للمسرحية؛ لكن يتعذر تبرير ذلك العنصر الكوميدي: تتجمّد الضحكة على القلق والانزعاج، وهذا أمر مقصود لكي يصدم الجمهور ويضطره لرؤية ما يتظاهر أنه جاهل له، وإذا كانت المسرحية قد قوبلت في بارس عام 1951 بطريقة سيئة فإنها أثارت فضيحة في بروكسيل: لقد طالب المتفرجون باستعادة نقودهم، كما أن مارسيل كوفلييه، الذي لعب دور المدرّس، اضطر للهرب من باب خلفي. اعتداء اللغة تبيّن مسرحية "الدرس" بكل وضوح إغراء الفكر وسلطانه. كل انتقال للمعرفة يستوجب علاقة سيطرة وخضوع، وقوة طاغية ينتج عنها إذعان واعٍ.. إن تفوّق منْ يُعلّم يترافق مع لذة ترقى بلا شك ببعض أشكال السادية، وبغموض شديد، ينشأ بين المدرس والطالب، بين المعلّم والتلميذ حالة من الحب: الحديث التربوي غواية واعتداء جنسي. إن المطلق في المعرفة يقتضي التأمل في الحب: أليس هذا ما طلب أفلاطون من سقراط إعلانه في كتابه الوليمة"؟ لكن الحب في مسرحية "الدرس" فسد وتشوّه. إنه اغتصاب. بل إن يونسكو يتحدث، في إحدى مقابلاته، عن ذلك الانجذاب المرضي نحو الجثث: "إنه رجل صغير، مصاب بالروماتيزم، مقوّس الظهر قليلاً، يؤدي دور المدرّس، أما شريكته، التلميذة، فإنها في صحة جيدة، وعافية. كان الإخراج رائعاً. كانت الأنوار الكاشفة تقطع على الجدار ظلال البطلين ممّا أعطى انطباعاً قوياً، خصوصاً عند مشهد تبدّل الموقفين. تلك الصبية التي تفيض صحة وقد امتصها عنكبوت ضخم هو المدرّس"(1) . هذا التقهقر، هذا الاعتداء السادي الذي لم يحفظ شيئاً من الحب، يأتي، في رأي يونيسكو من أن المفردات والكلام ليسا صيغة المعرفة، بل وسيلة لنقل الايديولوجيات، وأداة للتسلط، والقيد الذي تلجأ إليه كل أنواع العبوديات. هذا المعنى لمسرحية "الدرس" واضح - بل في غاية الوضوح، ومنذ ذلك الحين يصبح مختزلاً - فعند نهاية المسرحية تُخرج الخادمة من جيبها سلسلة عليها صليب معقوف وتقول للمدرّس: "خذْ إذا كانت خائفاً ضعْ هذه السلسلة، فلا يبقى شيء تخافه". لقد حُذف هذا المشهد من المسرحية، بقي إذن أن الكلام يستر - ويفضح في الوقت ذاته - الغرائز الكامنة. وجوه ملحّة: تشير شخصيات "الدرس" إلى موضوعات تناغمت وتكررت في المسرحيات التالية، ويؤكد تحوّل الأبطال الدور الذي تلعبه الوظيفة الاجتماعية في سلوك الفرد: أعني إن موقف المدرّس أو التلميذة يغيّر في صفات الشخصية. نجد، من ناحية أخرى، أن دور الخادمة غامض، فهي الضمير الأخلاقي لدى المدرس، إنها "الأنا العليا" بشكل ما؛ لكنها أيضاً الأم المتسامحة التي تؤنب ولدها على أفعاله السيئة، وتخضع لنزواته.. أما التلميذة فهي الحبيبة إلى حدّ ما. هاتان الصورتان تنتقلان من مسرحية إلى أخرى، تمتزجان حيناً ضحايا الواجب) وتنفصلان حيناً آخر الملك يموت) ويشكّل ظهورهما أحد خيوط الاستمرارية السريّة في مسرح يونسكو. أخيراً، فيما يتعلّق بالأساليب التي استخدمها يونسكو، يجب أن نشير إلى البناء الدائري للمسرحية، والتضخيم المضحك. لم يكن هذا التضخيم، في فترة تقديم المسرحية، أسلوباً مسرحياً مقبولاً من الجمهور، أو من المخرجين. يروي يونسكو، في هذا المجال، الحادثة التالية: "عندما قدّم بيترهال المسرحية في لندن رفض رفضاً قاطعاً أن يقتل المدرّس كل يوم هذا العدد الهائل من التلميذات. تلميذة واحدة أو اثنتان أمر لا يدهش أحداً، أمّا أن يقتل إحدى وأربعين تلميذة.. "بعد مساومات كثيرة توصّلنا إلى اتفاق يقضي أن يقتل المدرّس أربع تلميذات يومياً، أربع تلميذات هذا ممكن أما إحدى وأربعين فذلك مستحيل"(1) . تبين هذه الطرفة الصعوبات التي كان يواجهها الكاتب ليفرض شكلاً أو أسلوباً أدبياً جديداً - وفي هذه الحالة، باعتبار المبالغة مصدراً للضحك والقلق - وهكذا نرى كم كان "المسرح الجديد" يصدم، في بداياته، حتى أكثر الناس جرأة. "جاك أو الامتثال" في الفترة التي كتب فيها يونسكو مسرحية "الدرس" كان يكتب أيضاً مسرحية "جاك أو الامتثال". كان ينتقل من مسرحية إلى أخرى في اليوم الواحد تدفعه الرغبة في اكتشاف المسرح مستخدماً أساليب تتصف بالجرأة والعفوية. يمثّل الديكور غرفة رديئة الأثاث: مقعد مائل كرسي عتيق، أريكة مهترئة، حذاء قديم على الأرض، أغراض لا اسم لها، جاك متهالك على المقعد، قبعته على رأسه، صامت، منزعج. حوله شخصيات حزينة ذابلة - والد جاك، والدة جاك، جدّ جاك، جدّة جاك.. أخته جاكلين - يرددون لحن السخط على ذلك المتمرد، العاق، الذي تناسى كل التضحيات وخيّب كل الآمال. - والدة جاك: [..] أنا، يا ولدي، أول من ضربك على قفاك، وليس والدك الموجود هنا مع أنه كان قادراً على ذلك أفضل مني فهو الأقوى، لا، كنتُ أنا من فعل ذلك لأنني أحببتك كثيراً. أنا أيضاً من كان يحرمك من الحلوى، وكنت أضمك إلى صدري وأعتني بك، وأروِّضك، وأدرّبك على التطوّر، وأعلّمك الرفض، ولثغ الراء. أنا من كان يجلب لك أشياء لذيذة. درّبتك على ارتقاء الأدراج عندما توجد الأدراج، وكيف تفرك ركبتك بالقرّاص عندما تستدعي الحالة وخزك بالأبرة. كنت لك أكثر من أم، وصديقة حقيقية، وزوج، وبحّار، وكاتمة أسرار، وأوزة. لم أتراجع أمام أية عقبة أو أي متراس، لألبّي رغباتك الطفولية كلها. آه، أيها الابن العاق ما عدت تذكر عندما كنت أضعك على ركبتيّ لأنزع لك أسنانك الصغيرة اللطيفة؛ وأقصّ لك ظفر إبهام قدمك وأجعلك تخور مثل عجل صغير محبوب. رفض جاك الامتثال لأن هذا التأنيب لم يؤثر فيه. سيطر الرعب على العائلة من جرّاء هذا العناد فانسلّ أفرادها على رؤوس أصابعهم. بذلت جاكلين محاولة أخيرة، بعيداً عن الآذان المنصتة، والنظرات الفضولية - لكن كان أمام نظرات التاريخ، هذا صحيح - وأخبرت أخاها أنه "دقيق التوقيت". سيطر الخوف على جاك من هذا الاكتشاف فراح يتجوّل في الغرفة، ثم تداعى على المقعد، وغرق في تأملات عميقة، وبعد صراع عنيف قرر الامتثال وأعلن استسلامه: "حسناً، حسناً، نعم، أنا أشتهي البطاطا مع شحم الخنزير!". تعود العائلة، جميع أفرادها مبتهجون، يحتفلون بالابن التائب. تبالغ الأم في ملاطفته، ويقبل الأب أن يسامحه، ويدندن الجدّ بأغنية اعتاد تردادها السكارى، وراحت جاكلين، مثل رئيس الجوقة في المسرح اليوناني القديم، تشرح مزايا الاتفاق، بينما كان جاك يتعرّض للاهانات، ويترنم على جميع الأنغام: "اشتهي البطاطا مع شحم الخنزير.. أحبها.. أشتهيها..". لم يعد هناك وقت يضيّعونه، جاك جاهز، مستعدّ؛ ويجب تزويجه، يصفّق الأب بيديه: "لتدخلْ الخطيبة". تدخل عائلة روبير: الأم روبير، والأب روبير، سعيدان راضيان، ثم تدخل روبرتا في ثياب الزفاف، تغطي الطرحة وجهها، خجولة. يتفحص والدا جاك الخطيبة، يلمسانها، يجسّانها، يشتمانها، وتعلن جاكلين: "المستقبل لنا"، ثم يتمّ تعداد مزايا روبرتا بالتفصيل لكن جاك يقاطعهم، وعندما رُفعت الطرحة التي كانت تخفي وجه روبرتا ذا الأنفين، يعترض جاك ويطالب بخطيبة لها ثلاث أنوف: "لا أرضى بأقل من ثلاثة أنوف". يأخذ الأب روبير الخطيبة" ذات الأنفين" ثم يعود ومعه روبرتا بثلاثة أنوف، رغم ذلك استمر جاك في خلق الصعوبات وراح يناقش ويؤكد أن الخطيبة ليست بشعة بما يكفي، ثم تراجع عن خضوعه وامتثاله. ذهول وذعر، راح كل منهم يبتعد عن المرتدّ وهو يتمتم تعابير الاحتقار، أو بكاء الألم. روبرتا أيضاً تحاول الهرب لكن إشارة من والدها جمّدتها. إنها منذ الآن "الزوجة المفترضة" وحُكم عليها بالبقاء. جلست روبرتا أمام جاك، متواضعة، صامتة؛ ثم حاولت شيئاً فشيئاً أن تثير اهتمامه، وتغويه. راحت تصف نفسها وتروي قصتها: إنها الفرح والحزن، السلام والحداد، الحياة والموت، راحت تعدد مزاياها المتناقضة: ليس هناك امرأتان مثلي في هذا العالم أنا طائشة، تافهة، أنا عميقة لست جادة ولا هازلة أعرف نفسي في أعمال الحقول كما أعرف أيضاً أعمالاً أخرى.. راحت تروي أيضاً أحلامها: خنزير الهند في مياه البانيو. على جسده تنمو زوائد كالفطر تتحوّل بدورها إلى خنازير هندية صغيرة، غباء الطحّان الذي كان يظن أنه أغرق القطط الصغيرة، وأحضر بدلاً منها مهاراً صغيرة، وألقى في المستنقع طفله الغالي: "جن الطحان، قتل زوجته، حطّم كل شيء، أشعل النار، ثم شنق نفسه". لقد روى جاك قصته الشخصية بعد أن شعر بالأمان، أما روبرتا فقد ذكرت المتناقضات: الخيول التي غرقت في المستنقعات؟ حصان مدينة الرمال، بينما كانت تروي حكايتها أصبح جاك فحل الصحراء، وإمام الشهوة: ينطلق مسرعاً على الأراضي المحرقة، في هواء جاف، وغبار أحمر، يدور حول المدينة التي تلتهمها النيران، يدور حول روبرتا، يصهل، يرتجف، يشبّ، لقد أصبح مشعلاً يفيض بالحياة، إنه يستنفذ قواه، ثم راح صهيله يضعف في الصحراء. آنذاك صارت روبرتا ماء، ماء من نبع أو من بركة راكدة، ثم أحاطت جاك بذراعيها: - تعال.. لا تخشَ شيئاً، .. أنا رطبة.. لديّ عقد من طين، ونهداي يذوبان، وحوضي غضّ، وفي ثغري نبع ماء إنني أغوص وأغرق. اسمي الحقيقي أليزا، في أحشائي مستنقعات وبُرك راكدة.. عندي بيت من فخّار.. ينتهي هذا المشهد من الغواية بلعبة تعتمد على حزّورة المقطع الصوتي: شا: - روبرتا: ماذا يوجد على رأسك؟ - جاك: احزري! إنه نوع من القطط، أضعه على رأسي منذ الفجر - روبرتا: هل هو قصر؟ - جاك: إنني أبقيه طوال النهار على رأسي، أثناء الطعام، وفي الصالونات، لا أرفعه أبداً، إنه لا يفيدني في إلقاء التحية. - روبرتا: هل هو جمل؟ - جاك: إنه يضرب بقوائمه لكنه يعرف كيف يشتغل في الأرض - روبرتا: إنه المحراث. - جاك: إنه يبكي أحياناً. - روبرتا: هل هو الحزن؟.. ثم تستمر اللعبة: "سمك الأنهار، الضجيج، الزبون الدائم، الشاليه، زورق الإنقاذ، المداعبة.."(1) روبرتا! أمه، يا قطيّ! - جاك: يا قطتي، يا سيدة قصري.. يحضن جاك روبرتا ويقبّلها على أنوفها الثلاثة بينما تحيط العائلتان الزوجين بدائرة تفتقد التهذيب والاحتشام. يشتد الظلام، ثم يُسمع مواء، وأنين، ونحيب، ثم تختفي الأشباح. يسود الليل، ثم يليه نور خفيف من جديد. نرى روبرتا جالسة القرفصاء، يكسوها ثوبها، تحرّك رأسها برفق، وتجمع الأصابع التسعة في كفّها كما لو أنها من الزواحف. 3 يوميات مفتتة، ص34. 1 يوميات في فتات ص34. 2 راجع مثلاً يوميات في فتات ص110-1127-197-212-240... 3 حاضر ماض ماض حاضر، ص79. 4 يوميات في فتات ص99. 5 حاضر ماض ماض حاضر، ص59. 1 حاضر ماض ماض حاضر ص228. 2 ربيع 1939 ص236. 3 المصدر السابق ص228. 4 حاضر ماض ماض حاضر، ص40. 1 محاورات مع كلود بونفوا ص10. 2 يوميات في فتات، ص54. 1 يوميات في فتات، ص239. 2 المصدر السابق ص211. 3 المصدر السابق ص188. 1 يوميات في فتات، ص227. 2 المصدر السابق ص95. 1 محاورات مع كلود بونفوا ص77. 2 تصريف الطاقة: ظاهرة مؤداها انطلاق الطاقة الانفعالية المكبوتة. 3 محاورات مع كلود بونفوا ص42، 80. 3 محاورات مع كلود بونفوا ص42، 80. 4 المصدر السابق ص29. 5 من مقدمة "الممسوسون" ص28. 1 ربيع 1939، ص181. 2 المؤلف ومشاكله. 3 يوميات في فتات، ص30. 4 المصدر السابق ص43. 5 المصدر السابق ص43. 1 ملاحظات وملاحظات مضادة. 2 تجربة المسرح. 3 المؤلف ومشاكله. 1 فيلياس فوغ، بطل رواية حول العالم في ثمانين عاماً. 1 هذا المقطع لا قيمة له من حيث المعنى، لكن كلماته كلها تحوي المقطع الصوتي Ouche): couche, Nitouche,mouche,babouche,touche... وهذا برهان على ما ورد سابقاً. 1 تراجيديا اللغة. 2 سيمون بن موسى، يونسكو، ص87. 1 مسرح البولغار: المسرح الذي يقدم الأعمال الهزلية التي تتحلق عامة الشعب. 1 الغودفيل: مسرحية هزلية خفيفة. 1 من مقدمة كتاب "المسرح" دار نشر غاليمار). 1 محاورات مع كلود بونفوا. ص120. 1 محاورات مع كلود بونفوا. ص111. 1 تعتمد هذه الحزورة على المقطع الصوتي "شا cha" في كلمات: chat - chateau- chameau- charrue- chagrin- chabot الخ. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |