يوجـين يونسكو - تأليف : كلود ابسـتادو - ترجمـة: قيس خضّور

مراجعة: حسيب كاسوحه - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

مسرح الحلم

يستكشف يونسكو في هذه المسرحية عالم الأحلام، إنه يستخدم جميع أشكال الأحلام والعلاقات التي يمكن أن تربط الحلم بالمسرح.‏

روبرتا هي قطب الحلم في المسرحية إذ أنها بأنوفها الثلاثة، وكفّيها ذات الأصابع التسعة تكتسب غرابة صورة ليلية، كما أن كل ما ترويه خلال مشهد الإغراء، وكل ما يقوله جاك لها، ينبثق ذلك كله من رؤى النوم. خنازير الهند، الطفل الغريق، العصافير الميتة، حصان الصحراء، المرأة - المنظر: هذه الصور، وحكايات الأحلام نقلها يونسكو مباشرة. بعضها قديم: صورة الحصان وردت أيضاً على صفحات "مذكرات 1938". إنها سلسلة من الأحلام تشدّها إلى بعضها صبغة واحدة: الغبار، الجفاف، النار، الأشعة الحمراء، المشعل.. ليس هناك أي بناء روائي أو أي ترتيب وصفي. بما أنه يتبع بدقة سير الحلم فإن يونسكو يرصف الصور البدائية، ولكي يجعلها مناسبة للمسرح اكتفى بأن، جعل جاك يرافقها بحركات إيمائية. هناك أحلام أخرى نالت عناية أكبر فأخذت شكل الحكاية؛ تشكّل عناصرها سلسلة زمنية، لكن في مختلف أنواع الأحلام خضع الترتيب لمنطق الحس.‏

لم يحمل أي من الأحلام المذكورة بُعداً رمزياً واضحاً، ولم يكتسب أي منها مغزى خاصاً، إذا كان جاك قد شرح، بلا تردد، حلم خنزير الهند - "لكن هذا هو السرطان، إن السرطان حقاً هو ما رأيته في حلمك! إنه ذلك حتماً!" - فإن هذا النوع من الشروحات الجاهزة، وهذه اللهجة الحاسمة تقلّدان موقف المحلل النفساني. الصور المعروضة صور نموذجية: النار، الماء، لا يظهر مغزاهما الجنسي إلاّ إذا وضعتا في موقف محدّد: مشهد الإغراء، والرجل والمرأة، والإيماء الذي يرافق الحوار. بذلك تتجه الصور نحو معنى واحد يربطها إلى بعضها البعض، فمن ناحية هناك اللهب والحديد المحميّ، والنار عبر جلد شفاف، وصراخ الرعب والألم.. ومن ناحية أخرى رطوبة الماء، ونعومة الزبد، والظلال، والطين، والمستنقعات: وهنالك الصنم والغوص في العمق.‏

أساليب السيرك‏

مقابل الحلم، نجد القطب الآخر للمسرحية، ألا وهو الهزل الذي يقدّمه مسرح العرائس والسيرك.‏

لا يتطابق التمثيل في مسرحية "جاك" مع النص، فحركات الممثلين في البداية، وطريقتهم في تقدير مفاتن روبرتا، وخصوصاً الرقص الفاحش حول العريسين المتعانقين ما هي إلا مشاهد إيمائية حيث يصبح الحوار، إذا ما وُجد، تافهاً، لا قيمة له، عندها يحمل الإيماء مغزى المسرحية.‏

في مشهد الغواية يصبح الإيماء نوعاً من المسخ، يتحّول جاك إلى فحل، عندما أدّى جان -لوي ترئتينيان الدور على مسرح لاهوشيت كان يعدو ويصهل قبل أن يرتمي على قدمي روبرتا، منهكاً، وقد دفن رأسه في طيات ثوب الزفاف، كان الوهم مزعجاً حتى الدوار.‏

من ناحية أخرى، اقترح يونسكو في إرشاداته المسرحية أن تضع كل الشخصيات أقنعة، عدا جاك. عند تقديم المسرحية اكتفى الممثلون بتبديل سحنتهم وكان ذلك كافياً لسلبهم إنسانيتهم. إنهم شخصيات كاريكاتورية، يؤكد تمثيلهم لا واقعيتهم ويجعل الجمهور يفكر بالمهرجين أمّا قناع روبرتا فكان ساحراً تشير رمزيته إلى آلهة الخصب والجنس في بلاد الشرق).‏

مسخ اللغة‏

تابع يونسكو في هذه المسرحية ما يمكن أن ندعوه: "تمارين في الأسلوب" إنها دراسة في تشوهات الكلام، مسرحية "جاك" مسرحية "مكتوبة" بإتقان.‏

في المغنية الصلعاء تفجّرت المفردات، أما هنا فإنها تكشّر، والحوار بدّل سحنته، مثل الوجوه، ومن هذا التشويه المزدوج يولد الضحك: "أنا أم تعيسة، لقد وضعت في هذا العالم مسخخاً مسخاً) un mononstre "يا أخي العزيز أنت كررّيه vilenain" "باختصار لست هنا لأنشد له المددائح المدائح) égloge" "لقد نشأ نشأة لا غبار عليها مثل أرسنقراطي، arishograve"..‏

من التشويهات الأكثر براعة استخدام كلمة بدلاً من أخرى، وينشأ الضحك آنذاك من الالتباس في الدلالات: "لقد نشأ.. في أسرة من علقات حقيقية" "كم أنت كريم.. أوه، أيها الأب الفقير". "أطلبُ إصلاحات، واعتذارات، وإيضاحات، وغسيل شامل لشرفنا" "لا تربت على دماغك، فذلك لا يساوي مجرفة" "هذا الابن، هذا العار، قصة أخرى من قصص النساء".‏

كما أن تماثل صوت الكلمات يشكل وسيلة للإضحاك: "تقول إن ذلك كله ما هو إلاّ لامتاع جوبتير"(1) . "على كل حال ليس هناك ما تخشاه إنها جمجمة من الكريما"(2) "إنه أجنبي عنيد"(3) . رغم ذلك، فإن التلاعب بالجرْس والرنين غالباً ما يكون نوعاً من السحر أو صيغة لتعويذة شعرية. يخلق السجع مجموعات من صور غير متوقّعة، وهذا شكل من أشكال الإغراء عند روبرتا: "إنك تغوص وتذوب في شعري الذي ينسدل كالمطر، كالمطر. ثغري يقطر، ساقاي تقطران، كتفاي العاريان يقطران، شعري يقطر، كل شيء يقطر، يسيل، كل شيء يقطر، السماء تقطر، النجوم تسيل، تقطر، تتجمد.." نجد أيضاً تلاعباً بالألفاظ والأصوات في نهاية الحوار بين جاك وروبرتا.‏

أخيراً، فإن يونسكو يُدخل في الحوار بعض اللصاقات collages. إنه يورد في أشدّ اللحظات ابتذالاً استشهادات تاريخية أو أدبية. إنه يستعيد تفاهات "حكمة الشعوب" فيُعيد عنصرُ الإضحاك الناتج عن ذلك طرحَ مسألة الأحكام الجمالية أو الأخلاقية التي لا خلاف حولها: "برهني أنك أخت جديرة بأخ مثلي.." "أيتها الكلمات، كم من جرائم تقترف باسمك!" "ليس للحقيقة سوى وجهين، لكن وجهها الثالث هو الأفضل".‏

تمرّد مزدوج‏

مسرحية "جاك" صورة ساخرة للمسرحية المسلية وموضوعاتها المفضّلة: عودة الابن الضال، العائلات المشغولة بتزويج أبنائها، عقدة تنتهي بزواج يرضي الجميع.. لكن هذه السخرية تعكس تمرداً مزدوجاً.‏

جاك متمرد على أسرته، أي أنه متمرد على الكذب، والتفاهة، والخسّة، والخيانة - "الطيبة" كلمة على كل لسان، السكين الدامية بين الأسنان" - لقد صرّح لروبرتا أنه حين ولادته لم يكن "قد تجاوز الرابعة عشرة بكثير". سن الرابعة عشرة، إنها السن التي يبدأ فيها المرء اكتشاف العالم إذا كان العمل الأدبي ينقل تجربة حياتية)، وإنها سن يونسكو عندما سافر إلى رومانيا. رفض جاك الخضوع والامتثال وقد عبّر عن ذلك: "لقد أكدوا لي أن في الزواج علاجاً؛ وعدوني بالأوسمة، وإمكانية نقض الاتفاق، وعدوني بالزينات، بأزهار جديدة، بسجاجيد أخرى". ثم جاءت الاغراءات والدعوة إلى التعقل، واستخدام العواطف، الشفقة والحب، ثم جاءت المصيدة. استسلم جاك وأعلن عن قبوله لعالم الكبار: يشكل اعترافه لروبرتا الارتعاشة الأخيرة لتمرده ونقائه: "لقد سدّوا الأبواب والنوافذ، لقد أخذوا السلالم.. ما عاد أحد يهرب عن طريق العنبر. لم تعد ثمة وسيلة للهرب من الأعلى.. قالوا لي، رغم ذلك، أنهم تركوا فتحات في كل مكان تقريباً.. ليتني أكتشفها.. إنني أتحرّق للهرب..". وعدت روبرتا أن تساعده، فهي تعرف تلك الفتحات، وقد نالت ثقة جاك، لكن هي الأخرى ما هي إلا مصيدة.‏

أما المغزى الثاني للمسرحية فهو التمرد على الملذات الجسدية الساحرة الكريهة في آن معاً. المتعة الجنسية مصيدة للزوجين وقد عُرضت هنا بصورتها البيولوجية، يشير العنوان الثانوي للمسرحية إلى ذلك "كوميديا طبيعية". لقد أيقظت روبرتا جاك على الملذات الحسية عن طريق الإيحاء أو باللجوء إلى الصور التي تعبّر عن ماديّة الرغبات الجسدية: حلم الحمّى، حلم العطش والانجراف، في بيت الفخار، هناك ذبابات ضخمة، وصراصير، وبقّ، وضفادع، كما أن ذراعي روبرتا حيّتان.. يستبعد هذا الحلم كل الصور التي تترجم روحانية العلاقات العاطفية.‏

انجذاب ونفور: يعبّر عن هذا التناقض أغنية روبرتا التي تذكر المزايا كلها وما يناقضها أيضاً. إنها "لبهجة الموت في الحياة.. فرح الحياة والموت". إنها كل ما تقدّمه الحياة وما تحرم منه، امرأة ذات وجوه متعددة. آلهة ذات صفات لا تنتهي.‏

تصبح المتعة الجنسية كريهة عندما تسخّر لخدمة مخططات العائلة. الزواج هو الخطوة الثانية إلى "امتثال" الفرد لقوانين الجماعة الاجتماعية. العائلتان، المتآمرتان، تلجآن إلى شتى أصناف الحيل للوصول إلى غايتهما، وروبرتا ليست سوى الأداة. هذه الفكرة المعروضة هنا، تناولها يونسكو مرة أخرى في تتمة مسرحية "جاك".‏

بالاعتماد على الأساليب التي استخدمها، وعن طريق استكشافه للغرائز، ومن خلال مغزى المسرحية، فإن "الامتثال" مسرحية جريئة، عنيفة، بلا جدال.. كان لابد من الانتظار حتى عام 1955 حتى تجرّأ روبير بوستيك وقدّمها على مسرح لاهوشيت، وقد قوبلت بأشكال مختلفة: صفّر لها جمهور لندن، واستهجنها جمهور نيويورك، ومُنعت في مدريد(1) .‏

"المستقبل في البيض"‏

كانت جاكلين تنادي "المستقبل لنا!" وفي عام 1951 أتبع يونسكو مسرحية "جاك" بمسرحية أخرى تحت عنوان "المستقبل في البيض" أو "يلزم كل شيء لصنع العالم".‏

نجد في هذه المسرحية الأشخاص أنفسهم مع تبديل بسيط: بعد أن توفي الجدّ استقرت صورته في إطار مذهّب. جاك وروبرتا متعانقان جالسان على الأرض وسط الغرفة يموءان: "مياو.. مياااا و.. رون.. رررون.. رووون.." الوالدان يهزان رأسيهما، يرفعان كتفيهما، ينتظران بنفاذ صبر. مرّة أخرى تتدخل جاكلين: إنها هنا لتدفع الحدث إلى الأمام ولتصحح المواقف) "يكفي، أقول هذا يكفي!".‏

تهزّ الزوجين اللذين يتوقّفان عن المواء، ويستيقظان بصعوبة، ينهضان ويطلبان الطعام. يحضر الأهل طنجرة من الفخّار.. ملأى بالبطاطا مع شحم الخنزير. يهجم عليها جاك وروبرتا ويأكلان باليدين. يطلبان المزيد من شحم الخنزير.. المزيد من البطاطا.. "قدّموا لهما ما يطلبان، يقول والد جاك إلى جدّة جاك، شحم الخنزير يساعد على تحسين النوع".‏

يُنقل إلى جاك نبأ وفاة جدّه، وبما أنه لم يصدر عنه أي ردّ فعل، ولم يظهر الحزن عليه، تحاول العائلة "العزف على الوتر الحساس" من خلال مشهد طويل لتبادل التعزية.‏

الأمور الهامة تنتظر، والزمن يضغط. تُوقف الأسرة مشهد التعزية، والجدّ الذي كان قد شارك في التعازي يعود إلى إطاره المذهّب. يشرح والد جاك لولده أنه، بعد هذه الوفاة، يتحتم عليه أن يحقق استمرارية العرق الأبيض من خلال "إنتاج منتوجات جديدة بديلة"، وبينما تتعالى هتافات "يعيش العرق الأبيض" يتم إحضار روبرتا. يسمع الحاضرون قرق الدجاجة في الغرفة المجاورة: "بق، بق، بقيق.." بينما يتهالك جاك على مقعد ويشدّ على نفسه كأنه "يعاني آلام المخاض".‏

يُنقل جاك إلى ماكينة التفقيس. تحضر سلال ملأى بالبيض ويُنثر البيض تحته وفوقه ويتعالى صراخ: "إنتاج.. إنتاج.. يعيش العرق الأبيض" ثم يتمدد جاك بصعوبة وهو يردد: "توف، توف، توف.." ويدور الحديث عن المستقبل:‏

- أفكرُ بمستقبل هؤلاء الأطفال جميعاً.‏

- ماذا سنفعل بهذه السلالة؟‏

- لحم يوزّع بالشاحنات.‏

- وسنحتاجه لصنع العجّة.‏

- وربما خلقنا منه رياضيين؟‏

- وسنحتفظ بقسم منه لإعادة الإنتاج.‏

- وقسم لصنع المعجنات.‏

- وقسم للفطائر المحشوّة.‏

- وسنصنع من قسم منه ضباطاً، ومسؤولين، وشبه مسؤولين، سوف يخلقون من ذلك الإنتاج مختلف الأشخاص والأشياء: خدم ومدراء عمل، صوف للحياكة، باباوات، ملوك، أباطرة، رجال شرطة أصحاب نزعة إنسانية، انتهازيين، ثوار.. يلزم كل شيء لخلق العالم.‏

تطول هذه القائمة وسط الحماس العام، على إيقاع متسارع لعملية إحضار السلال الملأى بالبيض، واللهاث: "توف، توف" والقرق: "بق، بق، بقيق..".‏

هجاء معنوي:‏

التشابه واضح جداً بين مسرحية "جاك" ومسرحية "المستقبل في البيض": الأشخاص أنفسهم، الوقت ذاته، كما نجد أيضاً الفظاظة نفسها، وبذاءة الكلام، وفحش المواقف، وتشوّه اللغة، واستخدام الأقنعة، والماكياج.‏

الإيقاع متصاعد باستمرار. المشاهد المتتابعة - استيقاظ الزوجين، الوجبة، التعزية، الولادة، حضن البيض - تترابط وتتسارع حتى تفقد كل عنصر إنساني وتجعلنا نحلم بالحركات الميكانيكية في الإنتاج حسب مذهب تيلور(1) .‏

تعتمد المسرحية على شعارات تحديد النسل والخصوبة، إنها هجاء مسلٍ، ناجح، لكنها ليست أكثر من هجاء. نقطة انطلاقها تعتمد على فكرة وليس على تجربة حياتية صادقة. تمثّل الصور المسرحية مواقف كاريكاتورية ولا تجسّد أحلاماً: ولا تمدّ المسرحية جذورها إلى ظلمات الرغبة والغريزة، كما أنها لا تعبّر عن تمرّد أو ثورة. إنها تمرين ناجح، وطريقة تجعل من صاحبها سيّد الأساليب المسرحية.‏

مسرحيات قصيرة:‏

إلى هذه الفترة من الاكتشافات المسرحية - عامي 1950 - 1951- تنتمي مشاهد منعزلة، اسكتشات مبنية على التلاعب باللغة، وأخرى تقوم على استخدام أساليب مسرحية جديدة.‏

قدّم جاك بولييري سبعاً من هذه المسرحيات القصيرة على مسرح لاهوشيت، في أيلول 1953 وهي: صبية للزواج، معرض السيارات، هل تعرفونه؟ المعلم، ابنة الأخ تتزوج، الزكام في الحلم، الحرارة المرتفعة(1) ، إضافة إلى اسكتش "التحية" الذي لم يقدم على المسرح مع مسرحيات أخرى جديدة. حتى عام 1969.‏

نرى في اسكتش "التحية" وهو بداية مسرحية لم تكتمل، ثلاثة أشخاص وهم ينوعون في التعبير المألوف "كيف حالك"؟ وفي الصالة أربعة مشاهدين يعلّقون على ظروف الحال، المأخوذة من المعجم، أو التي اخترعها يونسكو.. ترد هذه الظروف حسب ترتيب أحرف الهجاء: بخير، بتضخّم، مقطوع الرأس، بطريقة برمائية.." وينتهي المشهد على النحو التالي:‏

- السيد الأول: أنا في حالة رائعة، أنا في صحة يونسكية!‏

- السيد الرابع: كنت على يقين من ذلك، الكلمة الأخيرة متوقعة تماماً.‏

نجد الأسلوب نفسه في اسكتش "الزكام في الحلم" حيث يقترح صيدلي على زبون مصاب بالزكام قائمة من الأدوية ذات أسماء غريبة.‏

أما اسكتش "معرض السيارات"، وهو في الأصل اسكتش إذاعي، فهو لعبة أخرى من ألعاب اللغة: يبقى بناء الجملة صحيحاً، دقيقاً، أمّا الحوار فيصوّر حديثاً في معرض السيارات،ـ لكنّ كلمات ضائعة تحلّ محلّ الكلمات التي يتوقّعها السامع، والضوضاء الخلفية التي نسمعها تمثّل أصوات خمّ الدجاج.‏

- البائع: هذا هو نموذجنا الأول، إنه جان راسين بأرع عجلات .‏

- السيد: خمس عشرة؟‏

- البائع: نعم خمس عشرة، لكنك تستطيع إضافة عجلة رابعة بكل سهولة.‏

- السيد: لا تكرر ذلك، خمس عشرة عجلة ما هي أبداً سوى اثنتا عشرة، هذا معروف، يمكن إنقاذك من الخطر ولو كنت على بُعد إصبعين فقط، إعجاباً بمهارتك كسمكري..‏

وفي المسرحيات الأخرى، يعتمد العمل على الرؤية بشكل خاص. ففي مسرحية "ابنة الأخ تتزوج" ترى مشاهد تهريجية حول موقف طلب الزواج. أما مسرحية "هل تعرفونه؟ فهي مشهد من الستربتيز "التعرّي" الأخلاقي والجسدي.. أما مسرحيات "صبية للزواج" و "السيد" فإنهما تعتمدان على لعبة مسرحية ختامية: الصبية الخجولة التي يتحدث عنها سيد وسيدة في حوار يكدس كل توافه الحديث المطر والطقس الجميل، غلاء الحياة، الصحون الطائرة، الخ..) ما هي إلا رجل عريض المنكبين، كثيف الشاربين، ذي صوت جهير. أما المعلم الذي ينتظره المعجبون بشوق، ويتم الإعلان عن قدومه على طريقة الحزورة العدّية: "إنه يستعد.. يأكل حساءه.. مرّ من هنا.. سيمر من هناك.. ها هو يصل..". هذا المعلم رجل بلا رأس.‏

هذه المسرحيات القصيرة، الملأى بالحيوية والحماس، المكتوبة ببراعة، يسّرت ليونسكو اكتشاف الأساليب والحيل المسرحية. إنها فترة "الاكتشافات" لقد جرّب مختلف الإيقاعات المسرحية.‏

وفي الوقت نفسه كتب مسرحية "الكراسي".‏

"الكراسي"‏

يعود تاريخ كتابة الكراسي إلى نيسان - حزيران 1951. قدّم سيلفان دوم المسرحية على مسرح نوفو لانكري في 22 نيسان 1952. لقد كانت كارثة رغم التصفيق الحار الذي قابلها به أداموف واوديبرتي ليلة بعد أخرى ورغم مقال "دفاع عن الكراسي" الذي ظهر في مجلة "فنون" ويحمل تواقيع كونو، سوبرفيل، أداموف، وبيكيت. "هذا التهريج المأساوي" الذي يراوح على حدود الضحك والرعب، صدم الجمهور بتقنيته وأسلوبه. لكي تعرف المسرحية النجاح، كان لابد من إعادة تقديمها عام 1957 من إخراج جاك موكلير الذي كان أقل تجريداً من سيلفان دوم، كما أن التمثيل كان أقل تهريجاً، والشخصيات أكثر "إنسانية" وباختصار، كان الإخراج مطمئناً أكثر والجمهور أكثر انفتاحاً.‏

يعرض الديكور غرفة عارية تقريباً، ذات جدران دائرية.. إنها برج وسط جزيرة، يحرسه عجوزان: الرجل في الخامسة والتسعين من عمره... قرون عديدة؛ أما المرأة، سميراميس، ففي الرابعة والتسعين من عمرها... الرجل جاثم على كرسي، يراقب عبر كوة صغيرة، تأتي المرأة وتشده من كمّه، تسحبه، تجلسه على ركبتيها: كلاهما يستعيد الماضي، يجتر حكايات قديمة، يتسلى بالأحداث اليومية المتكررة، يلوك الطموحات المجهضة:‏

-[..] آه، صحيح، أنت بالتأكيد عالم عظيم، أنت موهوب يا حبيبي، كان باستطاعتك أن تصبح رئيساً أو ملكاً أو دكتوراً أو ماريشالاً، فقط لو كان لديك قليل من الطموح..‏

لم يعرفا في الحقيقة سوى الرغبات والحسرات، لقد انقطعا عن العالم، ومنذ خمسة وسبعين عاماً وهما يلعبان، لوحدهما، يومياً، لعبة كأس الشاي، ويستعيدان حكاية "لقد ضحكنا إذن..". ويكرران وصف باريس "مدينة النور التي انطفأت منذ أربعمائة ألف سنة". يتعب العجوز في النهاية ثم يبدأ في البكاء طالباً أمه. تواسيه العجوز وتهدهده، ثم تحدثه عن "رسالته في الحياة". يهدأ فجأة، يغادر ركبتي المرأة ويصبح على التوالي: "رجلاً، جندياً، رقيباً في المدفعية.‏

- أنا صاحب رسالة، لقد قلت حقاً، أنا أناضل، مُكلّف بمهمة، عندي شيء في بطني، عندي رسالة أوصلها إلى الإنسانية جمعاء..‏

دعا "أصحاب الأملاك والعلماء" للاستماع إليه: حرّاس، أساقفة، أصحاب فنادق وبنوك، بروليتاريون وموظفون، أطباء نفسانيون ومعهم مرضاهم، "كلهم، كلهم، كلهم، إنهم، في المحصلة علماء وأصحاب أملاك" وبما أنه يفتقد طلاقة الحديث فقد استأجر خطيباً.‏

وصل المدعوون فسمع صوت انزلاق قارب على الماء، ورنين جرس الباب. يستقبل العجوز سيدة غير مرئية، يرحبان بها، يجلسانها، ويبدآن الحديث.. فسمع رنين الجرس من جديد. يدخل، دون أن نرى أحداً، كولونيل مزين بالأوسمة، ثم سيدة كان العجوز يحبها في الزمن الغابر، ثم حفّار كليشهات، وآخرون، وآخرون أيضاً. يؤدي العجوزان مراسم الاستقبال ويعرفان المدعوين على بعضهم البعض، ويفتحان باباً ويحضران كراسي ويبدآن أحاديث مع المدعوين. يذكّر الرجل العجوز "الحسناء" بحبهما القديم لكنها تغازل حفّار الكليشهات وتتظارف بقبح وبذاءة. يزداد رنين الجرس، يزداد عدد المدعوين اللامرئيين، ويتم ترتيب الكراسي المرئية على منصة المسرح، الكراسي التي يحضرها العجوزان بتسارع متزايد، وفي النهاية صارت الكراسي تأتي من تلقاء نفسها.‏

لم يعد العجوزان قادرين على الحركة والانتقال: المدعوون كثر، والكراسي تزحم المكان.. ينحران بكوعيهما، ويطلبان من المدعوين الجلوس. لقد جمدا، كل واحد في طرف بعيد من المسرح.‏

يتعالى صوت للأبواق: نور مبهر يعلن عن وصول للإمبراطور. يعبّر العجوز، وقد أربكه النبأ، عن فرحه وفخره، ويعلن، ما بين النحيب والاستغراب، إخلاصه، وذله، وفشله. يطلب العدل، وتردد العجوز نهاية كلماته كأنها صدى ساخر.‏

بينما كان الخطيب يدخل بصمت، ويصعد إلى المنصة، ويوزع الصور، راح العجوز يشكر الإمبراطور والجمهور:‏

- يا صاحب الجلالة؛ لم نطلب، أنا وزوجتي، شيئاً من الحياة. يمكن لحياتنا أن تنتهي في هذه الخاتمة المجيدة.. شكراً للسماء التي وهبتنا هذه السنوات الطويلة الهادئة. لقد كانت حياتي ملأى تماما. أديت رسالتي. لن تكون حياتي بلا جدوى، إذ أن العالم كله سيعرف رسالتي [..].‏

- نعم، نعم، لنمتْ ونحن في أوج مجدنا.. لنمتْ كي نصبح أسطورة.. سيستمر شارع باسمنا على أقل تقدير..‏

يرمي كل من العجوزين نفسه من النافذة وهو يصرخ: "عاش الإمبراطور" يأخذ الخطيب مكانه، يفتح فمه، لكن لا يخرج منه سوى التأوهات، وأصوات حلقية، إنه أطرش، أخرس.‏

كوكبة موضوعات‏

تقدم مسرحية "الكراسي"، بالمقارنة مع المسرحيات السابقة، موضوعات أغنى، وبناء درامياً أكثر تجريداً، ورمزية أكثر تطوراً.‏

مرة أخرى، يقدم يونسكو الزوجين على المسرح لكنه يقدمهما هذه المرة تحت نور جديد.. ترك العجوزان خلفهما ماضياً؛ تاريخاً حقيقياً أو وهمياً، ذكريات، وحسرات، وأحلاماً. يمثل الزوجان هنا حقيقة أخلاقية لا بيولوجية، وهذا المنظر يفسر شبكة الموضوعات في المسرحية.‏

يذكر عمر العجوزين بموضوعة الزمن الذي يستهلك ويتلف. العجوزان لا يتمتعان بـ "حكمة الشيوخ" حديثهما هذيان، نسيج من غباوة يلف مواضيع تافهة. الزمن يستهلك الذكاء، ويتلف العواطف أيضاً. سأم دبق ثقيل مثل الماء الآسن في بركة راكدة يغلّف كلّ القسم الأول من المسرحية، كما أن الملهاة التي يتسليان بها لم تخدعهما إلا منذ اللحظة التي تحوّل فيها الحلم إلى هذيان، اللحظة التي ملآ فيها وحدتهما بأشخاص وهميين.‏

الزمن هو الموت أيضاً، موت عبثي كريه، انتحار الزوجين غرور وتفاهة: لن ينقل أحد رسالتهما، ولن يدخلا عالم الأسطورة، ولن يُكتب اسماهما على لوحة معدنية في شارع. ليس هناك، في رأي يونسكو، موت مشرق لذيذ، ونهاية المسرحية استهزاء قاس من أسطورة فيليمون وبوسيس(1) .‏

لقد ارتدى الخوف من الموت قناع الحنين إلى الطفولة. عندما انتحب العجوز بين ذراعي المرأة، وراح يشكو يتمه، ظنّ أنه يخدع الزمن. لقد واسته، وقامت بدور الأم، وشاركته لعبته وجنونه.‏

لكن موضوع الطفولة يأخذ بُعداً آخر عندما يتحدث العجوزان عن ولدهما؛ الولد الذي رغم توسلاتهما تركهما بلا عودة "عندما بلغ السابعة، وهي سن الرشد" كما قالت العجوز. ذكرى أم حسرة، فإن هذه الصورة تسيطر عليهما، هل الطفولة فردوس حقاً؟ لقد روت العجوز كيف أدرك طفلها فكرة الشر.‏

تتحدث العجوز، من ناحية أخرى، عن حنان زوجها تجاه ولده، أما الرجل العجوز فقد روى كيف تخلى عن أمه وتركها تموت وحيدة في حفرة. يوضح كلامه المتناقض حقيقة مبهمة دائماً: سن البراءة هو أيضاً سن القسوة: "يتخلى الأبناء عن أمهاتهم دائماً، ويقتلون آباءهم تقريباً، هكذا هي الحياة..".‏

أخيراً، هناك في حديث العجوزين كلّ الأحلام الضائعة. تتحدث المرأة عن عبقرية زوجها: "لو كنتَ أردت.." تحدثت في كل ما كان بإمكانه أن يكونه أو أن يفعله. لقد أعطت نفسها أهمية لأنها وجدت العنب الحامض: "ماذا كان ذلك سيقدم لنا؟ ما كانت حياتنا تغدو أفضل" تبادلت مع حفّار الكليشهات أحاديث جنسية، كما أن تصرفاتها الداعرة تكشف عن شخصية مكبوتة. أما الرجل العجوز فقد حدّث "حسناءه" عن حب لم يجرؤ على إعلانه وبقي مثل شوكة في حلق الذكريات.‏

هكذا نرى أن صورة الزوجين استُخدمت مثل قطب تتمحور حوله جميع الأفكار في حياة لم تعرف سوى الفشل، موضوعات المسرحية تشكّل كوكبة لحياة ضائعة.‏

"الكلامــــــية"‏

الحركة الدرامية التي تنظّم الموضوعات هي أولاً سيل الكلام. الذكريات والأحلام، الشخصيات اللامرئية لا وجود لها إلاّ من خلال الكلمات التي توحي بها. يتحدث العجوزان، يكرران، يجتران، فتتبلور حقيقة ما. لكن إذا بدا أن العجوزين يفكران بما يقولانه، في البداية، فإننا نشعر بسرعة كبيرة، وبوضوح يزداد تدريجياً، أنهما لا يفعلان سوى نقل كلام ينتظم من تلقاء نفسه، وحسب آلية واضحة. إن شيئاً ما يتحدث عبر الشخصيتين.‏

تتراصف الكلمات، في حالتها الأولية، كما في المعجم، أما في ثرثرة العجوزين فيتحول السرد إلى إحصاء، إلى ترابط تلميحي للصور: كما في تقسيمات الزمن وأجزاء الجسم، أو أسماء المهن أو الأمراض التي تسببها الفيروسات.‏

- لقد كنا مبللين تماماً، متجمدين حتى العظم، منذ ساعات وأيام وليالي وأسابيع..‏

- منذ أشهر..‏

- تحت المطر.. كنا نفرك الأذنين والركبتين والأنف والأسنان.. تتقطع السلسلة وتسحب معها مفردات من سجل آخر:‏

- الحرّاس؟ الأساقفة؟ الكيميائيون؟ تجّار النحاس؟ عازفو الكمان؟ المندوبون؟ الرؤساء؟ رجال الشرطة؟ التجّار؟ البنايات؟ حاملات الأقلام؟ الكروموسومات؟ الصبغيات). في مكان آخر، لم يعد الرابط الجامع هو التلميح بل التشابه في اللفظ: "البابا، والفراشات، والأوراق؟" ولا يبقى من الجملة إلا لعبة صوتية:‏

- لقد ضحكنا من ذلك الغبي، إذ وصل عارٍ تماماً ضحكنا، الكيس، كيس الرز، الرز في البطن، وعلى الأرض..‏

- لصنع فطيرة العين؟ عين العجل، وساعة من الزبدة، وسكّر لعصارة المعدة.. لك أصابع ماهرة..‏

هذا السرد مضحك ومسلٍّ، لكن اللعبة ليست مجانية دائماً، فمن هذه التجميعات تولد صور غير مألوفة تكشف، مثل زلّة اللسان، عن أفكار نرفض البوح بها.‏

وفي أحيان أخرى أيضاً، يجرف سيل الكلمات أمثالاً أخلاقية واستشهادات أدبية تسفر عن وجهها وهي على السطح قبل أن تختفي في ذلك السيل.‏

- أنا لست نفسي، أنا كائن آخر، أنا الواحد في الآخر.‏

- يا أبنائي، شكوّا بعضكم ببعض.‏

الحركة في هذا الكلام الآلي، في هذا الهذيان، حركة متصاعدة تنقطع فجأة. الحوار الصميمي يصبح ثرثرة غثّة؛ ويتضخم سيل الكلمات، العجوز يخطب، واقفاً على كرسي، والمرأة' تردد كلماته مثل الصدى، وأخيراً هتافات: "عاش الإمبراطور" ثم يصمت كل شيء، ولم نعد نسمع سوى نخير الأطرش - الأخرس.‏

الزوبعــــــــــة‏

تضاعفت حيوية الحوار من خلال التمثيل، حملت حركات العجوزين، في البداية، علامات التقدم في السن.. الإيقاع بطيء حتى يرن الجرس أول مرة. آنذاك تحضر العجوز كرسياً ثم آخر ثم تنطلق الحركات الآلية شيئاً فشيئاً: تنفتح الأبواب وتنغلق، تنزلق الكراسي وتصطف، يذهب البطلان ويعودان بسرعة متزايدة، تلتهم الحركات الآلية اللاإرادية الحياة وأصبح كل شيء آلياً.‏

هذه الحركة السريعة التي تشبه حركة الزوبعة هي صورة الفراغ. إنها تخلق عالماً وهمياً يتلاشى في النهاية مثلما يتوهج حلم ذهبي في العدم. إنها تعطي المسرحية معناها ومغزاها. وهكذا فإن التمثيل الواقعي يكشف عن نوايا المؤلف. فإذا ما بقيت العجوز عجوزاً، بطيئة الحركات خلال حفلة الاستقبال، وإذا ظنّ المخرج أن الحوار يشير إلى اثني عشر شخصاً لا مرئياً واكتفى بعدد مماثل من الكراسي، وإذا ما حذفنا الرقصة، وغاب الانطباع بوجود جمهور غفير فلن يبقى سوى عجوزين خرفين يتبادلان هذه المهزلة.‏

العدم والوحدة:‏

تنزع الحركة السريعة عن الواقع كثافته وحقيقته. يغدو الأشخاص دُمى، والأفعال ترتد إلى مجرد حركات، والمدعوون هم شكل من أشكال الغياب، والكلام لا يوصل أية رسالة؛ والعالم، ساخر أم وهمي، يفقد كلّ جوهر وكل قيمة. العالم لم يعد موجوداً حقاً. تخلق الزوبعة دواراً ميتافيزيقياً: "تهريج مـأساوي" كما كتب يونسكو كعنوان ثانوي للمسرحية. كائنات هزيلة، وإيماء ساخر تحاول ملء الفراغ وكشف العدم(1) .‏

لكن المسرحية تعني أيضاً العزلة الإنسانية وهي شكل آخر من أشكال الفراغ، في برجهما، وفي جزيرتهما المحاطة بالمياه على مدى النظر، يعيش العجوزان وحيدين. لقد انقطعا عن العالم كله ولم ينجحا أبداً في أي شيء. ليست وحدتهما اللقاء المستحيل بين وعيين منفصلين: إنها موقف حي نموذجي، إنها شكل من أشكال الشرط البشري وحدة التفاهة والفشل.‏

لقد اكتسب مسرح يونسكو، مع مسرحية الكراسي، بُعداً ميتافيزيكياً.‏

"ضحايا الواجب"‏

بينما كانت تسيلا شيلتون - "بهلوان المنصة" كما قال عنها يونسكو - وبول شوفالييه يرتبان كراسي لا يجلس عليها أحد، أمام صالة خالية من المشاهدين، كان يونسكو يكتب مسرحية "ضحايا الواجب". عُرضت المسرحية في شباط 1953 على مسرح الحي اللاتيني من إخراج جاك موكلير.‏

"شبه دراما" كما يقول العنوان الثانوي، لكن المسرحية تتضمن عقدة، بل عقدة بوليسية، إضافة إلى العقدة البوليسية، يشرح شوبير لمادلين أن المسرح كله، منذ الإغريق حتى أيامنا، لم يكن إلا مسرحاً بوليسياً. هناك دائماً عقدة تُحلّ، والمسرح كله عبارة عن دراما أو شبه دراما.‏

تبدأ "ضحايا الواجب" كما بدأت المغنية الصلعاء: مادلين ترتق جوارب عتيقة وشوبير يقرأ جريدة ويعلّق على احتياطات "نظام التقشف" التي اتخذتها إدارة المدن الكبرى لعلاج "الأزمة الاقتصادية، والخلل النفسي، ومضايقات الحياة".‏

الباب يُقرع، يظهر في إطار الباب شاب خجول يتأبط حقيبة، اعتذر وقد ظهر عليه الارتباك لأنه سبب بعض الإزعاج. لقد بحث عن حارسة البناية من أجل معلومة بسيطة لكنه لم يجدها في غرفتها.. وجدته مادلين لطيفاً مؤدباً فأدخلته وعرضت عليه خدماتها، سأل الشاب - وهو مفتش بوليس - بخجل:‏

- الشرطي إلى شوبير: [..] أنا آسف لأنني أضعتُ وقتك، أريد فقط أن أعرف إن كان المستأجرون الذين كانوا قبلكم هنا، هم آل مالوت، بحرف التاء، أما مالود، بحرف الدال، هذا كل ما أريد معرفته.‏

- شوبير بلا تردد): مالوت، بحرف التاء.‏

- الشرطي أكثر بروداً): هذا حقاً ما كنت أعتقده.‏

آنذاك يتقدم الشرطي في الغرفة دون كلام، يرمي حقيبته على الطاولة، يجلس على كرسي، يشعل سيجارة، ثم ينظر إلى مادلين وشوبير مباشرة:‏

- الشرطي: [..] لقد عرفت إذن آل مالوت؟‏

- شوبير: مرتبكاً قليلاً): كلا، لم أعرفهم‏

- الشرطي: كيف عرفت إذن أن اسمهم ينتهي بحرف التاء؟‏

- شوبير مندهشاً جداً): آه، فعلاً، هذا صحيح.. كيف عرفت؟ كيف عرفت؟.. لا أعرف كيف عرفت!‏

يبدأ الاستجواب حسب الأصول: "انزعي ربطة عنقه يا سيدتي، ربما نزعجه، ستتحسن الحال بعد ذلك [..] الحزام أيضاً، ورباط الحذاء!" يتحدث الشرطي - وقد صار سيادة المفتش العام - بصوت عنيف، حاسم، ويطلب فنجاناً من القهوة مع "اثنتي عشرة قطعة من السكر، وقدحاً كبيراً من عصير التفاح". يخاطب مادلين بصيغة المفرد ويصبح فظاً، سوقياً مع "زبونته. غيّر مكان كرسيه، وراح يدور حول شوبير، ثم أخرج صورة من جيبه: "حاول أن تنشط ذاكرتك، انظر إلى الصورة، أهذا هو مالوت حقاً؟" بذل شوبير جهوداً كبيرة واسترجع ذكريات: زواجه، القطعة العسكرية، المدرسة، بيت طفولته، صور أخرى.. لكنه لم يتذكر مالوت. لقد غاص، مغمض العينين، في الماضي. انزعج الشرطي، وساعدت مادلين في استمرار التحقيق.‏

بدّلت فستانها القاتم، ولم يعد صوتها جافاً. إنها شابة، تضمّ شوبير بفتور، وتهمس له أوامر الشرطي، وقد أيقظت نداء الرغبة، "لا تصلب ساقيك! انتبه، لاتنزلق! الدرجات مبللة.. امسكْ الدرابزين جيداً.. انزل.. انزل.. إذا كنت تريدني!..".‏

يمدّ لها شوبير ذراعه ويغوص في ظلمة تزداد كثافة، والوحل يعلق بحذائه، قدماه ثقيلتان.‏

يغوص شوبير في المستنقع. يبلغ الوحل الركبتين، الذقن، الفم، ما عدنا نسمعه: "لقد تجاوز جدار الصوت". تابع الغوص، ما عدنا نرى سوى الأنف، وأذناً واحدة. مادلين تقوده: "لا يزال شعرك ظاهراً.. انزلْ، ابسطْ ذراعيك في الوحل، افرشْ أصابعك، اسبحْ إلى الأعماق، يجب أن تصل إلى مالوت بأي ثمن.. انزلْ.. انزلْ.."، اختفى عن الأنظار، "لقد تجاوز جدار الرؤية".‏

الشرطي أيضاً يتحوّل. لقد صار عشيق مادلين، يتشاجران، تحاول الانتحار بالسم، يمسك ذراعها ليمنعها، وفجأة يجبرها على تناول السم، شوبير يتمتم: "..أبي، أمي، أبي، أمي".‏

شوبير عاد طفلاً، ومادلين صارت أمه. شوبير مراهق، الشرطي والده. يحاول الاثنان أن يجدا، خارج نطاق الخصام، كلمات الحب المتبادل. يطلب الولد الصفح من والده، يروي الأب قصة حب غبي لكنه أكثر اتساعاً من الكون.‏

ينقطع هذا المشهد المؤثر فجأة. يعود الشرطي إلى سوقيته وسخريته. يبدأ الاستجواب من جديد.. يجلس كل من مادلين والشرطي في مقعد، إنهما الآن في المسرح. شوبير يتابع طريقه عبر الزمن الذي صار فضاء ويصف كل ما يراه: صور تزداد رخاوة، يتكشف منظر ما، وبدايات كون، فوضى، وفوهة فاغرة. يسيطر عليه حنين مجهول، ومشاعر نقية، متعارضة: "..فرح.. ألم.. تمزّق.. اطمئنان.. غبطة.. فراغ.. ألم عظيم.. أشعر أنني قوي، أشعر أنني ضعيف، أشعر أنني مريض، أشعر أنني بخير، لكنني أشعر خاصة بنفسي، مازلت أشعر بنفسي.." ثم تلفه الظلمة، لقد نزل بعيداً جداً. أعاده الشرطي، وقد سيطر عليه القلق، إلى الطريق: يجب عليه أن يجد مالوت، مهما كلف الأمر.‏

يصعد شوبير من الأعماق، يرى مدناً: هونفلور، دييب، بيزا، برلين، نيويورك، يرى أنهاراً ووهاداً وغابات وجبالاً، ويبدأ يتسلق الجبل ببطء: يصعد على الكرسي، يصعد على الطاولة، ثم يضع الكرسي فوق الطاولة.. يرشده ضياء الشمس فيسير على درب وعر، يتشبث بالجذوع، والحصى، يتسلق حبواً على ركبتيه رغم العطش والحرارة. ثم يصبح الصعود سهلاً، وها هو شوبير يستنشق هواء خفيفاً، ويتحلل في النور، ويستمر في الصعود، سوف يفرّ، يطير عما قريب.. تخاف مادلين، إنها تخاف الوحدة، تبكي، تتوسل، تتحول إلى شحاذة، إلى امرأة هجرها زوجها مع أطفالها. الشرطي قلق أيضاً، يلجأ الاثنان إلى إثارة عواطف شوبير فيمتدحان مزاياه، ويتحدثان عن امتيازات وضع اجتماعي متميز:‏

- الشرطي: الوطن الذي شهد ولادتك بحاجة إليك.‏

- مادلين لشوبير): أنالا أناضل إلا من أجلك.‏

- الشرطي: الحياة أمامك، المستقبل لك! ستكون غنياً، سعيداً، وغبياً، ستكون ذا رتبة عالية في بلاد الدانوب! ها هو قرار تعيينك! إلى مادلين) طالما أنه لم يطر، لم نخسر شيئاً..‏

- مادلين: إليك الذهب، إليك الفواكه..‏

- الشرطي: سنقدم لك رؤوس أعدائك على طبق.‏

- مادلين: ستنتقم بطريقة سادية!‏

- الشرطي: سأجعل منك أسقفاً!‏

- مادلين: بل بابا!‏

بدلاً من أن يطير شوبير، يتهاوى في سلة كبيرة للأوراق. إنه ولدٌ صغير يُرفع منها بسحبه من أذنه؛ إنه طفل ماكر ينتهي به الحال إلى الاعتراف بأنه يعرف ألقاب مالوت كلها؛ إنه طفل هزيل يحتاج إلى ثقل إضافي "ليلتصق بالواقع"، كما بيّن الشرطي - الدكتور. من أجل تدعيمه وتقويته، من أجل سدّ فراغات ذاكرته، يخرج الشرطي من حقيبته قطعة خبز ضخمة: "كُلْ!". يعترض شوبير، ثم ينفَّذ الأوامر وهو ينتحب؟ أمّا الشرطي فكان يردد! "امضغْ.. ابلعْ.. ابلع بسرعة.. امضغْ.. بسرعة أكبر..".‏

أثناء هذا المشهد تدخل سيدة، بصمت وعناد تجلس في مقعد وتبدأ في أكل الفستق) ومعها نيكولادو، شاعر من أصدقاء شوبير، يعرض تصوّره عن المسرح الثوري. يظهر الاهتمام على الشرطي لكنه يعلن أنه "منطقي بطريقة أرسطية، صادق مع نفسه، مخلص لواجبه، محترم لرؤسائه".. مادلين تأتي وتروح حاملة فناجين ترتبها على البوفيه بسرعة متزايدة. يقترب نيكولا من الشرطي، يهز سكيناً ضخمة، ويطعنه. يموت الشرطي وهو يهتف: "عاش العرق الأبيض".. أريد وساماً بعد وفاتي.. إنني أموت ضحية الواجب.."‏

يجب أن لا تذهب تضحية الشرطي هدراً. يأخذ مكانه مادلين ونيكولا، ويحاولان العثور على مالوت، ويقدمان لشوبير قطعاً من الخبز: "هيا، كُلْ، لكي تسدّ فراغات ذاكرتك!". آنذاك يبدأ الجميع، وهم ضحايا الواجب، في مضغ الخبز أو الفستق وكل واحد يشجّع الآخر: "امضغا، ابلعا، امضغا، ابلعا..".‏

كاليدوسكوب المشكال):‏

انطلق يونسكو في كتابة "ضحايا الواجب" من أقصوصة من حوالي عشر صفحات عنوانها "ضحية الواجب". استُخدمت أرضية للمسرحية، وتنتهي بموت الشرطي - وهذا ما يفسر اختلاف العنوان -. الأقصوصة نقل لحلم، أما المسرحية فإنها تستخدم صور الأحلام، لكنها تعبّر أيضاً عن فكرة نهارية يؤمن بها الكاتب، تم تطويرها وتوسيعها.‏

تحتل صور الذكريات مكاناً هاماً في المسرحية: الفكرة الأساسية هي الغوص في الماضي، البحث عن حقيقة نفسية غير مُدركة. العقدة البوليسية ليست إذن ذريعة، أو موقفاً كوميدياً، إنها ترمز إلى التقصّي السيكولوجي. هناك لغز حقاً: مالوت و "الحكايات الشخصية" عند شوبير إنها كلٌ واحد.. العودة إلى الماضي تشكل بحثاً، ولكي يبين صعوبة تحليل الفكر اللاواعي يتحول الاستجواب إلى تحقيق؛ لأن اللغز الحقيقي هو الإنسان.‏

لا يعتمد ترتيب الذكريات على تسلسل زمني بل يخضع لمنطق الأحاسيس.. يجمع شوبير صوراً متباعدة في الزمن لكن مناخاً حسياً يوحد بينها، القلق أو الغبطة، الخوف أو فيض السعادة.. إنه يرى حياته كلها من جديد، أحلامه الممزوجة بالذكريات، رغباته التي لم ترتو؛ لكنه يستعيد طفولته بشكل خاص، طفولته الأولى، السن الذي تتشكل فيه، حسب النظريات الفرويدية، شخصيته، وعُقده، العمر الذي تحدد فيه الصدمات النفسية صفاته الثابتة.. لقد عرف أيضاً أحاسيس هاربة تسبق يقظة الوعي، وهذه حالة نباتية صرفة، إنها حساسية تعود إلى ما قبل الولادة(1) .‏

إذا ما قارنا هذه المسرحية مع اعترافات "اليوميات" نلاحظ أن يونسكو تناول هنا ذكرياته الخاصة بعد أن غير قليلاً في أماكنها: شارع بلوميه الذي عاش فيه خلال الحرب، النزهات الليلية في الشوارع المعتمة، محاولة انتحار أمه، هذا الحدث الذي رسّخ لديه اليقين في الشفاء، نزاعاته مع والده، محاولاته العقيمة في الصلح، حسراته "كان بإمكاننا أن نكون صديقين حميمين"؛ الحالات الشعورية المتناقضة ذات عبء ثقيل وخفيف "حدث ذلك ذات صباح من حزيران. استنشق هواء أخف من الهواء، أنا أخفّ من الهواء، الشمس تنحلّ في ضياء أكبر من الشمس، أنا أفرّ من خلال كل شيء، الأشكال اختفت. إنني أصعد.. أصعد.. ضياء يسيل.. إنني أصعد..". أبداً لم يعبّر يونسكو، في مسرحه كله، عن نفسه بمثل هذه الطريقة الشاملة المباشرة.‏

دفاع عن مسرح متأثر بالسريالية‏

الموضوع الأساسي في المسرحية - بالإضافة إلى البحث عن الذات - هو النظرة إلى المسرح. يحلم شوبير، في البداية، بمسرح ثوري منفصل عن تقاليد تعود إلى "واقعية بوليسية" لأن الدراما الدينية في القرون الوسطى تقتصر على رواية أحداث متنوعة - وهذه واقعية - كما أن الكلاسيكية ما هي إلاّ "مسرح بوليسي متميز".‏

يشرح نيكولا دو للشرطي آفاق التجديد، فالمسرح "غير العقلاني" غير الأرسطي" الذي يتخيله يرفض مبادىء المطابقة والسببية في تطور ورسم الشخصيات؛ إنه يستوحي منطقاً مبنياً على التناقض، وسوف يكون "سريالياً باعتبار أن السريالية تعتمد على الحلم". سوف يتخلى عن فكرة ثبات ووحدة الشخصية لصالح سيكولوجية ديناميكية، لأن الشخصية هي ملتقى التضادات، وسيجعل من الحلم وسيلة لمعرفة الواقع. سيرفض هذا المسرح الحدث الدرامي "على الأقل في شكله القديم المبتذل". يقول نيكولا دو، في النهاية، "لن يبقى هناك لا دراماً ولا تراجيدياً؛ فالمأساوي يتحول إلى هزلي، والهزلي يتحوّل إلى مأساوي، وتغدو الحياة بهيجة.."‏

هذه الأفكار - "المبتكرة" كما يراها الشرطي - هي نفس الأفكار المطبّقة في المسرحية، فالحركة الدرامية لا تعتمد على العقدة البوليسية، وتتابع المشاهد لا يخضع لتسلسل زمني ولا لسببية منطقية، مادلين، الشرطي، شوبير لهم شخصيات متعددة ولهجتهم ضاحكة باكية في آن معاً.. لعبة مرايا عجيبة: يصدر الممثلون أحكاماً على الشخصيات التي يقدمونها، ويحددون الأشكال المسرحية التي شاركوا فيها.‏

السخرية في هذا التأليف تثير الاتهامات أيضاً. نرى ذلك في المشهد الذي يشرح فيه الشرطي ومادلين - وقد أصبحا مشاهدين يجلسان على مقاعد الجمهور، - وينتقدان هذا المسرح السريالي: "هل نحن نافعان فقط لندفع ولنصفّق؟ [..] لو راح كل واحد يذكر ماضيه، فأين نصير؟.. لدينا جميعاً أشياء نقولها، لكننا نمتنع عن ذلك تواضعاً وحياءً [..] من الأفضل، يا صديقي العزيز، أن نمضي بقية سهرتنا في الكاباريه [..] يا صديقي العزيز، هذا التهريج [..] غاية في الابتذال، كان يمكن أن يكون أكثر إثارة.. أو على الأقل أن يكون تثقيفياً، أليس كذلك، لكن هل ترى..". وفي النهاية يدخل يونسكو مباشرة في الدعوى:‏

- نيكولا: الحقيقة أنني لا أكتب، وأنا فخور بذلك.‏

- الشرطي مذهولاً): أوه، بلى يا سيدي، بلى أنت تكتب.. يجب أن تكتب!‏

- نيكولا: لا فائدة، لدينا يونسكو، ويونسكو يكفي!‏

منهج التحليل النفسي:‏

يجب أن يعتمد رسم الشخصيات، كما يعلن نيكولا دو على الاكتشافات التي يحققها علم النفس الحديث" أي على نظرية التحليل النفسي. في بداية المسرحية نجد الشخصيات "مسطحة، ليس لها أي عمق" إنها شخصيات واقعية ذات بعدين، ثم تكتسب العمق المطلوب.‏

استجواب شوبير ما هو إلا تقنية الحلم التي يمارسها التحليل النفسي. يتحدث المريض وليس لأسئلة الطبيب من هدف سوى دفعه لمتابعة حلمه. التردد، الكتمان، العقبات تعترض الحكاية، كما أن عنف الشرطي يوحي بالضغط الذي يفرضه الطبيب النفساني على المريض أحياناً.‏

لا تمتلك الشخصيات تماسك الطبع بل لديها رغبات وميول تتصارع وتتحد في أعمق أعماق النفس الوساوس، الحب، الخوف، إدراك الذات، غريزة الحياة والموت، إيروس وتانا توس(1) . إن تحولات الشخصيات تبرز تفجر تلك الشخصيات والحالات التي تسيطر عليها تباعاً.‏

طبقات الحوار‏

تحوّلات الشخصيات جرأة مسرحية يجعلها غنى الحوار وتنوّعه ممكنة التحقيق. اللغة في "ضحايا الواجب" ليست ثرثرة آلية لأنها تترجم حياة وفكراً حقيقيين.‏

لاشك أن بعض التلاعب بالكلام يثير الضحك: اختيار الأسماء - شوبير، نيكولادو - وبعض الردود الساخرة: "لقد اخترق جدار الصوت.. جدار النظر.. لن يخترق جدار الاندهاش.." بعض التوريات والجناس: "لقد بنى المهندسون المعماريون معبداً فوق الأمواج - إنه يخرّف"(2) ، لكن هذا التلاعب بالألفاظ ليس أساسياً.‏

إن ما يصدم حقاً هو تغير هذه الطبقات، تترافق التحولات بتغيرات في اللهجة، والصوت، والمفردات، وفي الصياغة أيضاً. يستخدم المفتش الشاب الخجول جُملاً طويلة مركّبة، وسلسلة من القوالب المهذبة، أمّا الشرطي فيتحدث بصيغة التعجب، يلجأ إلى الشباب والفظاظة ويستخدم أحياناً تعابير نابية. يترجم الأب مشاعره بجمل ذات إيقاع موسيقى، جمل غنية بالاستعارات الجديدة، أما مادلين، الزوجة والعاشقة فليس لها اللهجة ذاتها ولا تتطرق إلى نفس الموضوعات. يتحدث شوبير مثل رجل ناضج حيناً، وطفل حيناً آخر، ومراهق حيناً ثالثاً.‏

يريد يونسكو أن يعبّر أيضاً عن ما لا يقال. تصبح اللغة شعراً لتعبر عن حقيقة عميقة لا تخضع لمنطق علم النحو. تتشبع المفردات بالمدلولات وتتحول طاقتها إلى سحر. تلاقي الكلمات غير المنتظر ينير الواقع والصور المستخدمة كمخدر، حسب صيغة سريالية(1) تفتح أبواب الليل.‏

"..تلوح في البعيد، برّاقة وسط الظلمات، في هدوء يشبه هدوء الحلم، محاطة بالعاصفة، مدينة رائعة.. أو حديقة عجيبة، نافورة متدفقة، ألعاب مائية، أزهار من نار في الليل.. قصر من السنة اللهب المتجمدة، تماثيل براقة، بحار هائجة، قارات مشتعلة في العتمة، في محيطات من الثلج!".‏

التمثيل تصوير المجرّد‏

يبين أداء الممثلين الجهد الذي يبذله الفكر الواعي للكشف عن أغوار النفس اللاواعية، إنهم يجسدون خطوات التحليل النفسي، توضح حركات شوبير الإيمائية الغوص إلى الأعماق المظلمة ثم الصعود والطيران المدهش باستخدامه الكرسي والطاولة والمنصة، المترافق مع تبدلات الإضاءة، أما مادلين والشرطي فيعرضان من خلال حركاتهما الإيمائية التحولات التي يتعرضان لها والمواقف والأشخاص الذين يقابلهم شوبير عند كل منعطف من متاهته الداخلية. النسيان يغدو ثقوباً في الذاكرة يجب سدّها، تكدّس مادلين الفناجين على نفس الإيقاع الذي يأكل عليه شوبير خبزه، رمزية الإيماء واضحة جداً، وهكذا يحوّل التمثيل التحليل النفسي إلى تمثيل نفساني(2) .‏

الفرد والزوجان:‏

هذه المسرحية التي تشكل نظرة إلى الفرد، هي أولاً تعبير عن نظرة في النفس. وفي رأي يونسكو، لا يوجد هناك تسلسل زمني ولا تحديد سببي، فالفرد، بماضيه كله وبإمكانات مستقبله، مكشوف بتمامه أمام ذاته، والشخصية تنتظم وفق بنية مكانية، على غرار مشهد طبيعي يتنزه المرء فيه، بكل ما يضم من وهاد وقمم، من أنوار وظلال، وإذا لم يستطع الشرطي أن يجد مالوت - اللغز - فهل ذلك لأنه يفتش في زمن "منطقي موغل في الأرسطية"؟.‏

من ناحية أخرى، يقدم يونسكو في هذه المسرحية صورة جديدة للزوجين. العجوزان في "الكراسي" بلغا نهاية العمر. إن مادلين وشوبير في خريف الحياة، في السن الذي تحفر فيه التجاعيد على وجهيهما عدداً من حالات الانفصال. ترسم العلاقات بين الزوجين صورة غامضة للمرأة، إنها - مثل سميراميس - الزوجة والأم معاً، وفيها استمرار العشيقة والخطيبة القديمتين. إنها استبدادية، وهي أيضاً ضعيفة بشكل عجيب، تخشى أن يهجرها شوبير وتستخدم جميع أساليب الإغراء للاحتفاظ به. تود لو تبقى الأشياء في مكانها، والمسافة قصيرة بين النظام والقانون: "ماذا تريد يا صديقي المسكين، القانون ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه فهو جيد وكل ما هو جيد فهو جميل. جميل جداً أن تطيع القوانين، أن تكون مواطناً صالحاً، تؤدي واجبك، وتمتلك ضميراً صافياً نقياً!" إنها هي التي أدخلت الشرطي، وهي التي ساعدت على سير الاستجواب، وعندما اختفى شوبير "وغاص في الأعماق" عبَّرت عن قلقها إذ تحدّثت عن الشرعية: "ماذا فعلنا؟ لكن كان لابد من ذلك، أليس كذلك؟ كان ذلك شرعياً؟" كما أنها هي التي حلت محل الشرطي في نهاية المسرحية..‏

"اميديه أو كيف نتخلص منها".‏

تابع يونسكو استكشاف عالم اللاوعي حسب طرائق قريبة من التحليل النفسي، فكتب مسرحية "اميديه أو كيف نتخلص منها" وقد أتمها في آب 1953 في سيريزي لاسال، وهي عبارة عن كوميديا من ثلاثة فصول قدمها جان - ماري سيرو على مسرح بابيلون في 14 نيسان 1954.‏

شرح يونسكو ببراءة خادعة هي كل دعابته، لجمهور المعهد الفرنسي في لندن ما يلي: "في هذه المسرحية سرد لحادث يمكن أن نجده في أية جريدة. يروي الحادث قصة عادية يمكن أن تحدث لكل فرد منا، وربما حصلت للكثيرين، إنها شريحة من الحياة، إنها مسرحية واقعية"(1) .‏

ما هذا الحادث العادي المبتذل؟ زوجان يحتفظان بجثة في بيتهما ويتساءلان: "كيف نتخلص منها؟".‏

يمثل ديكور الفصل الأول بيتاً بورجوازياً من الداخل: "غرفة متواضعة هي غرفة طعام وصالون ومكتب في آن واحد" الرجل، اميديه بشكنيوني، في العقد الرابع، أصلع، أكرش، كاتب فاشل، يمشي بعصبية بحثاً عن الإلهام، يجلس إلى طاولة عمله، يكتب كلمة، يشطبها، ينهض من جديد. أثناء سيره يقطف من إحدى الزوايا فطراً "ساماً.. بالطبع". في تلك الأثناء تتعالى على الدرج ثرثرة حمقاء، إنها حارسة البناية والجيران.‏

تظهر مادلين، زوجة اميديه، نحيلة، شرسة، في جلباب الحمام، تلف رأسها بمنشفة، تحمل مكنسة. راحت تشتم اميديه وتزجره واصفة إياه بالتنبل السكير، إنها تشتكي من أن كل شيء يقع على عاتقها: ترتيب البيت، أعمال المطبخ، كسب المال الذي يؤمن لهما الحياة. يحاول اميديه، المسالم، تهدئتها، لكن مادلين نبع لا ينضب من التظلم والشكوى.‏

أثناء هذا الشجار - الخبز اليومي في حياة الأسرة - نعلم أنه منذ حوالي خمس عشرة سنة، تتضخم شيئاً فشيئاً، وتشيخ جثة في الغرفة المجاورة، وأن الفطور تظهر في جميع الزوايا. منذ خمس عشرة سنة يعيش اميديه ومادلين وحيدين في بيتهما، ليس لهما أصدقاء، ولا يخرجان، لا يستقبلان أحداً، لا يفتحان بابهما أبداً..‏

تشير ساعة الحائط إلى الساعة التاسعة، ترتدي مادلين ثيابها لتذهب إلى عملها، أي إلى الطرف الآخر من غرفة الطعام حيث يوجد جهاز هاتف. بينما ترد على المكالمات الهاتفية تتابع توبيخ اميديه، ثم ترسله إلى السوق: من النافذة يدلي سلة مربوطة بحبل، ثم يرفعها وفيها كيلو دراق، وجبن طازج، ولبن، وعلبتها بسكويت، وخمسين غراماً من الملح الناعم.‏

الوقت ظهراً، أثناء الغداء يُسمع طرق على الباب. فتحا وهما مرعوبان. إنه ساعي البريد يحمل رسالة، لكن اميديه يؤكد للساعي أن هناك ثمة خطأ: إنهما لا ينتظران أية رسائل، كما أنه ليس الرجل الوحيد الذي اسمه اميديه بكشينوني فنصف سكان باريس يحملون هذا الاسم.‏

- هناك خطأ حتماً يا سيدي، فأنا لست اميديه بكشنيوني بل آ - مي - دي - ه بكشينوني ولا أسكن المنزل رقم 29 شارع جنيروبل في المنزل رقم 29 شارع جينيرو.. ألا ترى أن حرف الألف في كلمة أميديه على الغلاف مكتوب بحرف كبير متصل، أما اسمي فيُكتب بحرف كبير روماني.‏

ينصرف الساعي في اللحظة التي يتداعى فيها باب الغرفة تحت وطأة دفع الجثة.‏

في الفصل الثاني تزدحم المنصة بركام أثاث الغرفة، والفطور صارت الآن ضخمة، وعلى طاولات دائرية صغيرة مصفوفة، تتضخم ساقا الجثة وقد خرجتا من الغرفة. تسلّح اميديه بمتر قماشي وقطعة طباشير وراح يقيس، كل ربع ساعة، تضخم الكارثة، ولاحظ أن الجثة تكبر بنسبة سلسلة هندسية. آنذاك أعلنت مادلين ما لديها من شكاوى.‏

تساءل أميديه عن هوية الميت. تعتقد مادلين أن الجثة جثة رجل شاب قتله أميديه بسبب الغيرة: "كنت تدّعي أنه عشيقي... وأنا لم أنكر ذلك" لكن اميديه لا يتذكر هذه الجريمة ويخيل إليه أن "العاشق انصرف قبل لحظة الجريمة".. أليس من المحتمل أن يكون رضيعاً رمته إحدى الجارات ذات يوم ولم تعد أبداً لتأخذه؟ اغتيال؟ وأد؟ الجريمة خطيرة إلا إذا..‏

- هل تعرفين.. كنت أصطاد السمك في الريف.. سقطت امرأة في الماء وراحت تطلب النجدة، وبما أنني لا أجيد السباحة، والصنارة كانت تشدّ، لم أزعج نفسي وتركتها تغرق..‏

عدم نجدة المرء عند الخطر، هل هي أقل خطورة من القتل؟ يستمر النقاش. أخيراً خضع اميديه لرغبة مادلين ووعدها بالتخلص من الجثة برميها في نهر السين في الليلة القادمة.‏

يبدأ الانتظار، لكي يخدعا الجيران، تنهمك مادلين في شغل الصوف، ويتمدد اميديه على مقعد مريح، يغلق عينيه قليلاً، ويحلم. خلال ضباب الحلم، يظهر شخصان: اميديه، شاب ممشوق القدّ، ومادلين في ثياب العروس. يغني اميديه الثاني قدوم الربيع، والشمس، والسعادة والحب المجنون، ويحاول أن يحمل معه زوجته الشابة إلى عالمه الباهر. لكن مادلين الثانية ترى، في كابوس مرعب، ضفادع وأفاعي وأطفالاً موتى، تغوص في المستنقع وتشعر بإبر من نار تنغرز في جسدها، تجرحها الأشواك. تصفعها النباتات المتسلقة، فتدفع اميديه عنها: "لا تقترب، لا تلمسني، أنت تخزني، تجرحني، أنت تؤؤُوْلمني! ماذا تري ي ي دُ؟ أين تذهب؟ أين تذهب؟.." خوف مادلين أقوى من فرح اميديه.‏

وفي نهاية المشهد يتلاشى عالم اميديه في ذلك الكابوس. كلاهما، دون أن يسمع أحدهما الآخر، يصرخ بكلمات فقدت كل مدلول، إنهما ما وراء حدود اللغة يغرقان في يأس لا يمكن التعبير عنه بدقة.‏

ينتهي الحلم والكابوس. الوقت منتصف الليل. تضع مادلين شُغل الصوف ويبدأ اميديه، رغم تردد ممزوج بالحسرة، بانزال الجثة من النافذة.‏

في الفصل الثالث، نرى اميديه على إحدى الساحات، يجر الجثة باتجاه نهر السين. يلتقي مع جندي سكران، وعاشقين، وصاحب بار في ساحة توركو. شعر بالقلق لكن لم يندهش أحد، بل أن الجندي قدم له "يد العون" إذ لف الجثة حول اميديه ليسهل حملها. يصل شرطيان، يهرب اميديه، يلحقان به على المنصة وإلى الكواليس. يقف سكان الساحة على نوافذ بيوتهم. فجأة تنبسط الجثة مثل شراع السفينة ويتوارى اميديه من أمام الشرطيين المنذهلين وسط تصفيق المتسكعين، ويعتذر وهو في غاية الارتباك. تهرع مادلين إليه وتعلن سخطها مرة أخرى.‏

- اميديه: أنا مرتبك، اعذروني.. سيداتي، سادتي، أنا أعتذر.. لا تصدقوا.. حقاً أريد أن أعيش.. أريد أن أبقى وقدماي ثابتتان على الأرض.. إنها ضد إرادتي.. لا أريد أن يأخذوني.. أنا مع التطور، وأتمنى أن أكون نافعاً للآخرين.. أنا مع الواقعية الاجتماعية [..].‏

- مادلين: دعك من ذلك يا اميديه، دعك من ذلك، لن تكون جاداً أبداً! أنت ترفع نفسك لكن منزلتك لا تسمو في اعتباري.‏

1 يعتمد المؤلف على نوع من الجناس.‏

2 Le crane de la creme.‏

3 Jubiler jupiter, etranger intransigeant.‏

1 استخلص يونسكو من هذه المسرحية باليه للتلفزيون الدانمركي عام 1965 تحت عنوان "شاب للزواج".‏

1 منهج تيلور: منهج وضعه المهندس تيلور 1856-1915) لتنظيم العمل الصناعي تنظيماً علمياً باستعمال الحد الأقصى من الأجهزة والتخصص الدقيق، وإلغاء الحركات النافلة المنهل).‏

1 المسرحية الأخيرة مقتبسة عن كارجيالي، وهو مؤلف روماني من بداية هذا القرن، فعثر على وصف له في كتاب "ملاحظات وملاحظات مضادة" لقد فُقدت مخطوطات ثلاث من هذه المسرحيات وهي: هل تعرفونه؟ الزكام في الحلم، الحرارة المرتفعة.‏

1 فيليمون وبوسيس Philemon et Baucis: زوجان أسطوريان من الميثولوجيا القديمة، كانا يسكنان في فرجيا، ويستقبلان بحفاوة بالغة زيوس وهرميس اللذين تنكّرا في زي مسافرين، بينما رفض سكان البلدة الآخرين استقبالهما، نجا فيليمون وبوسيس من الطوفان الذي أرسله الإلهان عقاباً لسكان فرجيا، ثم تحوّل كوخ فيليمون وبوسيس إلى معبد فطلبا أن يصبحا خادمين له، وأن لا يموت أحدهما قبل الآخر، وبعد عمر طويل تحوّلا إلى شجرتين، لقد صار اسمهما رمزاً للحب الزوجي لاروس).‏

1 أثناء إخراج جاك موكلير للمسرحية، حقق لا واقعية هذا العالم بوساطة الإضاءة، وتبديل الديكور، كان الديكور يمثل غرفة البواب ثم تصبح الجدران شفافة، ثم تتحول الغرفة الصغيرة إلى رواق رحب يشع بالأنوار، بعد انتحار العجوزين تضعف الأنوار وتتلاشى ولا يبقى سوى الغرفة المعتمة.‏

1 تتناول الحالة النباتية: الفعاليات الفيزيولوجية غير الإرادية.‏

1 جناس في اللغة الفرنسية بين كلمة أمواج des vagues وفعل يخرّف dévague.‏

2 ايروس كلمة يوانانية تعني الحب وتاتانوس: كلمة يونانية تعني الموت حسيب).‏

1 أراغون، فلاح باريس.‏

2 دراما نفسية Psychodrame: ارتجال موجّه للمشاهد غايته حمل المريض على تمثيل تصرفاته في الحياة اليومية وتخليصه من عقده المنهل).‏

1 هذا الخطاب موجود في كتاب ملاحظات وملاحظات مضادة.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244