|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:58 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
تطور وإيقاع الكابوس: مثلها مثل مسرحية "ضحايا الواجب" استخدمت أقصوصة "الراية" أرضية لمسرحية اميديه. تروي الأقصوصة، وهي في حوالي خمس عشرة صفحة، حلماً مسرحياً، لأنه يعرض مجموعة من الصور المتتابعة، ويرسم مواقف، ويعرض شخصيات ويتطور من خلال التحولات. تحويل القصة إلى مسرحية أمر طبيعي، لكن إذا كانت الأقصوصة تتبع الحلم عن قرب فإن المسرحية، وقد اغتنت بالصور الرمزية، والمقاصد الداعية، تصبح متعددة المعاني. تشرح نقطة انطلاق المسرحية تطورها وإيقاعها. تمثل صورة الجثة التي تتضخم حالة كابوسية. تزداد وطأة هذه الحالة شيئاً فشيئاً، يكبر الضيق حتى يغدو لا يحتمل، إذ لا مخرج في الأحلام، وهذا ما أكده يونسكو إلى سيمون بن موسى: "في منطق وواقع الشخصيات يجب أن يستمر كل شيء حتى الاختناق الكامل. كان من الواجب أن تستمر الجثة في التضخم وإن أعوزها ضيق المكان، وكان على الشخصيات أن تبقى هناك، مع أنها ليست قادرة على البقاء. يجب أن نتحاشى، بأي ثمن، إيجاد الحل، رغم أنه من المحتم تماماً أن نجد حلاً ما. في إطار هذا التناقض كان على المسرحية أن تستمر، خانقة أكثر فأكثر". هذا لا يعني أن تواري اميديه كان نوعاً من الحل المفتعل. كابوس الجثة في المسرحية له مغزى إذ أن يونسكو أضاف إليه فكرة من اليقظة :"كيف التخلص منها؟" للإجابة على هذا السؤال، تخيل، بعد ذلك الضيق المتنامي خلال الفصلين الأولين، أن الشد يتراخى، وهذه هي الحركة في الفصل الثالث.. اميديه الذي وقع في شرك القلق، الثقيل، الدائم، يتلاشى، يختفي، يظهر من جديد، يبدل هيئته، يتوارى، يتحرر من الثقالة، وبذلك يجد خلاصه. يمر شوبير في "ضحايا الواجب" في حالات من "الثقالة والخفّة" بالتناوب. هذه اللعبة، الأكثر دقة والأغنى بالمعاني، تغدو المنعطف الديناميكي لمسرحية اميديه؛ وتعبّر، في حركتها العكسية، عن التجربة المزدوجة لصعوبة الكينونة وصعوبة النعمة. أساليب "واقعية" وتقنية تعتمد على التحليل النفسي مادلين واميديه زوجان شبيهان بالزوجين في "ضحايا الواجب" لكن التحليل أكثر دقة وتصميم يونسكو أكثر وعياً. الزوجان في المسرحيتين في عمر متقارب، وفي حالة واحدة، لكننا نعرف هموم اميديه ومادلين: نراهما يعيشان، يشتغلان، يأكلان. كان شوبير قاذفاً بالأفكار التي كوّنها عن المسرح، أما اميديه فيكتب، أو على الأقل يحاول الكتابة. يتمّ تقديم الشخصيات في بداية المسرحية حسب صيغ وأساليب "المسرح الطبيعي": حركات تتكرر يومياً، عادات مضحكة، أحاديث في قوالب جامدة، خصام الزوجين. يخلق ذلك كله جواً هزلياً سهلاً ويحدّد كائنات بسيطة للغاية، مسطّحة، سرعان ما تكتسب سمتها الخاصة. لكن الشخصيات تصبح أكثر تعقيداً، أكثر "عمقاً" عندما يستبدل يونسكو الأساليب الواقعية أو الطبيعية بتقنيات قريبة من التحليل النفسي. يكتشف آنذاك مستويات متعددة من الوعي، ومشاعر حقيقية أكثر: الحب، الموت، الاندهاش، الألم، الصور المستقاة من الحلم أو الصور الشعرية تنير أغوار الرغبة والحلم، تنير الوساوس والهلوسات؟ وهكذا تتشكل صورة الإنسان ذي "الأبعاد الثلاثة أو الأربعة أو العدد اللامحدود من الأبعاد". صورة لم تعد واقعية بل صورة "سريالية". تظهر تقنية يونسكو المعتمدة على التحليل النفسي في المشهد الذي يلتقي فيه اميديه الثاني مع مادلين الثانية. يتخذ الغوص إلى أعماق النفس شكل الحلم. الصور - الذكريات تكثف مراحل الديمومة كلها في حاضر "مطلق". وتعيد بناء الزمان في المكان. تبين هذه الصور عالمين متناقضين يظهران بالتناوب أثناء الحوار. العالم الأول عالم نور ودفء وحرية وخفة والعالم الآخر عالم ظلمة وجليد ووحل ومصائب. يعبر هذا التناقض عن تجربتين انفعاليتين قامت عليهما حركة المسرحية. يحدد المشهد، عندما يصل الاختناق إلى ذروته، الانقلاب المأساوي، وهكذا يجد اميديه في صور انعدام الجاذبية القوة التي تجعله يحطّم قيوده ويتجاوز العقبات كلها. اميديه الثاني ومادلين الثانية ليسا أشباحاً لكنهما هلوسات والصدام بينهما شكل من أ أشكال الدراما النفسية. الحوار "ثرثرة" وشعر يختلف الكلام باختلاف مستوى الواقع الإنساني تُعرض سطحية الحياة اليومية من خلال منازعات اميديه ومادلين: موجة من الأفكار الجاهزة، والشتائم التي لا طعم لها، والنصائح البالية، والاحتجاجات: "ليس لدينا خادمة.. لا أحد يساعدني [..] ليس من الضروري أن تسكر حتى تصبح مدمناًّ!.. المشروبات التي تفتح الشهية.. إن ذلك يسبب الألم.". تبلغ هذه السطحية حد الفظاظة عندما تستخدم للتعبير عن "الثرثرة" الاجتماعية، عندما تعبر عن حاجة للكلام، حاجة "للحوار دون أن تهتم بأية علاقة اتصالية، مثل الحوار الذي نسمعه عبر الباب بين حارسة البناية وأحد الجيران. على عكس ذلك، يصل الكلام، في الحوار بين اميديه الثاني ومادلين الثانية، إلى واقعية أكثر تعقيداً، وتغتني بالصور والاستعارات، كما يجب أيضاً أن نميز بين كلام اميديه الثاني وكلام مادلين الثانية، ذلك الكلام الذي يبرز تضاد الصور، ويعتمد على طريقين مختلفين في تركيب الجملة: فالجمل المبنية على الإثبات والتعجب تترجم اليقين عند اميديه الثاني، أما شكوك مادلين فقد تم التعبير عنها بجمل النفي والاستفهام؛ وعندما تبدأ الكفة تميل لصالح مادلين الثانية تلجأ إلى التعابير المبتذلة التي استخدمتها مادلين: "لن تكون سعيداً أبداً، افهمْ ذلك [..] خيالك.. خيالك [..] أنت تثيرني! أنت تثيرني!". أما وقد رفض يونسكو فكرة وحدة الطباع فإنه يرفض أيضاً الاستمرارية في لغة الشخصيات إنه لا يربط الأسلوب بالشخصية بل بمستوى الوعي الذي وصل إليه تحليلها. الديكور والاكسسوار: تتألف المسرحية من ثلاثة فصول وهذا في رأي يونسكو تقنية جديدة ممكنة: استخدم تغيرات الديكور ليدعم الحركة الدرامية وليصور الاختناق المتزايد ثم الإحساس بالحرية. في الحقيقة، هناك ديكور متبدل إضافة إلى الديكورات الثلاثة. عند رفع الستارة لا يشدّ الديكور الانتباه: بيت من الداخل دون تحديد، بابان، نافذة، بعض قطع الأثاث: ديكور لا طابع له، ديكور يناسب مختلف الأعمال، لكن هناك عناصر ثلاثة تثير المخاوف سريعاً: ساعة الحائط، مصراع النافذة، جهاز الهاتف. الساعة التي يدور عقرباها، وينظر إليها اميديه ومادلين باستمرار، تصبح وسواساً. إنها تحدد تكاثر الفطور وتضخم الجثة، إنها تبين تغيرات العواطف: الحب وفشله، تجذر الكراهية، إنها رمز للزمن وللموت. المصراع المغلق بإصرار يمنع النور ونظرات الجيران. يفتحه اميديه قليلاً. إنه يشير إلى حبس الزوجين، هذا الحبس يصبح ملموساً لوجود جهاز الهاتف في غرفة الطعام. من بيتها إلى عملها، تبقى مادلين منقطعة عن العالم، وحيدة، سجينة. المكان في الفصل الثاني هو نفس المكان، لكن الأثاث يحتل قسماً كبيراً من غرفة الطعام. الفطور تتكاثر وتزداد. ساقا الجثة تتمددان على الطاولات الدائرية الصغيرة. هذا هو عالم الأشياء، الأشياء الثقيلة، المربكة، التي لا فائدة منها - الأغراض المؤذية، أشياء تتزايد دون نظام، إنها مرض لا يمكن السيطرة عليه، لقد أصيب العالم بالسرطان. يختفي اميديه ومادلين وسط ركام الأثاث، يغوصان فيه، مشلولين، مختنقين. يبرز ديكور الفصل الثالث التناقض في المسرحية. ساحة صغيرة، منفتحة على الحياة: بار، بيوت ذات نوافذ مضاءة، مارّة، ضوضاء القطارات.. المدينة كلها اجتمعت في هذا المدى المسرحي بمشاهده غير المألوفة وقدرته على التحرير. تخيّل يونسكو خاتمة أخرى؛ عند نهاية الفصل الثاني يختفي الجدار الداخلي فتصبح منصة المسرح فضاء لا يُحدّ، غارقاً في النور، تسير فيه الشخصيات كلها: الجندي، السكران، العاشقان، الباعة، حرّاس المدينة، ويصبح الجو غير حقيقي ويحقق الفرح العظيم. الاكسسوارات أيضاً تجسّم عواطف الشخصيات: تكاثر الفطور والأثاث، وخاصة تضخم الجثة. أراد يونسكو أن تكون الجثة عملاقة وقد حمي النقاش بينه وبين المخرج: "أردتُ أن يكون طول الساقين متراً ونصف، تردّد سيرّو. أوصى على ساقين بطول خمسة وسبعين سنتيمتراً، وقد وجدهما كبيرتين جداً. تناقشنا حول المسألة وقلت لها إن ساقين بطول خمسة وسبعين سنتميتراً هما ساقان عاديتان وسيكون الحدث نوعاً من "التهريج" ولكي يكون ظهورهما خارقاً وليس تهريجياً يجب أن نتجاوز المقاييس العادية"(1) التفريق أساسي بين الخارق والتهريجي، لم يحاول يونسكو إثارة ارتعاشة الرعب لدى المشاهدين، بل أراد أن يصوّر عالماً تجاوز المعايير، عالماً من الأحلام تمثل الأشياء فيه "حضوراً داخلياً". موضوع الزوجين: تطرح مسرحية "كيف نتخلص منها" مسألة الزوجين أيضاً. تشهد بطريقة أوضح مما رأينا في ضحايا الواجب العلاقات بين الزوجين وتكرار الخيبة والفشل. ليس هناك شخصية ثالثة لتقوم بالبحث والتنقيب، الجثة هي لغز الزوجين. خلال مناقشاتهما، تساءل اميديه ومادلين عن هوية الميت؛ فالمشهد يسخر إذن من العقدة البوليسية، لكن المشهد الذي يجمع اميديه الثاني ومادلين الثانية ينقل تلك التساؤلات ويقدم إجابة أساسية: المونولوجان المتقاطعان في هذا المشهد يرسمان مواقف الزوجين، مواقف متصارعة وسلسلة من عُقد. إننا نشهد الفترة الأولى من زواجهما فهي بالنسبة لاميديه "فجر العالم"؛ فهو لا يرى ولا يسمع - أنت أعمى.. أنت أطرش!.. أما بالنسبة لمادلين فهي الفشل. "أي صوت حاد! لقد ثقبت أذني! إنك تؤؤْؤْلمني! لا تمزّق حجب ظلماتي! ساااادي! ساااا دي!". هناك لحظات أخرى تطغى عليها صورة طفل ينكره أهله أو ينتظرونه عبثاً "لا تقتلني.. الرحمة، أتوسّل إليك.. لا تقتله، لا تقتلهم.. اشفقْ على الأطفال!..". تؤكد هذه الصور أن الجثة هي ولاشك المرأة التي تركها اميديه تغرق ولم يساعدها لأنه كان منشغلاً بسعادته باكتشافه الحب والعالم. الجثة هي أيضاً الطفل الذي لم يرغب به أو لم يحافظا عليه فمات دون أن يدركا ذلك، إنها أخيراً عشيق مادلين، صورة الرجل الذي ملأ أحلامهما الماضية وقد قتله اميديه أو ربما هي التي قتلته، كيف نعرف؟ الجثة، إجمالاً، هي جميع أشكال الفشل التي عرفها الزوجان، هي الأنانية والرفض والحب المستحيل والوحدة للاثنين معاً. هذا ما أدركه اميديه بشكل غامض، أما وقد تلاشت الهلوسات سريعاً، ها هو يقف، يقترب من مادلين يقول لها إن الحب مازال قادراً على إنقاذ كل شيء. لكن مادلين ما عادت تؤمن بالعواطف لأن الهموم والمسؤوليات استهلكتها. - لا تردد هذه السخافات، ليس الحب هو الذي سيخلصنا من هذه الجثة، ولا الكره أيضاً، إنها ليست مسألة عواطف [..] سخافات! ليس الحب بقادر على تخليص الناس من هموم الحياة"(1) . التساؤل الذي يطرحه العنوان "كيف يتخلص منها؟" جوابه في حلم اميديه. المرء لا يتخلص من ماضيه، فالماضي، أكان من رصاص أو ظلمة أو وحل يربط الفرد بوجوده، الماضي يشدّ ويقيّد؛ حتى النبات المتسلق هو رباط أيضاً، ولهذا السبب نرى اميديه، في لحظة الوعي، يتردد في الانفصال عن الجثة لأنها الشاهد الأخرس على ماضيه كله. لم تفهم مادلين، فهل لهذا السبب مضى اميديه مع الجثة - بلا رجوع؟ إنها مأساة الرجل والمرأة اللذين لا يعرفان كيف يحبان بعضهما ولا يستطيعان أن يتبادلا الحب. إنها مأساة الإنسانية التي يبحث نصفاها، وقد انفصلا، كل منهما عن الآخر ليشكّلا كائناً واحداً لكن دون جدوى. اميديه ومادلين، في رأي يونسكو، هي آدم وحواء، أما الجثة فهي الخطيئة الأصلية(1) . الإلهــــــام تقدّم المسرحية فكرة أخرى. يطرح يونسكو مسألة الإبداع الأدبي.. اميديه كاتب فاشل لأنه يريد، من خلال العمل والتفكير، أن يخلق كوناً خيالياً. يسجن نفسه في بيته، يجهل العالم الذي يحيط به، يجهل الحقيقة الخارجية الغريبة ولا يكتشف إلا في النهاية "النور الفضي" للقمر، والسماء الملأى بالنجوم، والناس الذين يسيرون في المدينة. يجهل أيضاً كل شيء عن عالمه الداخلي، وعلى الرغم منه تنبثق من الهاويات أشياء لم يفهمها تماماً لكنها غيرته. الكتابة والتفكير الواعي لا يمكن إلاّ أن يخلقا معاني ودلالات، لكن يونسكو يرى في الحياة منبع الأشياء الخارقة الرائعة، إنها مصدر الإلهام حقاً. "المستأجر الجديد" حالات البوح في ضحايا الواجب واميديه واضحة جداً وتذهب بعيداً جداً أيضاً حتى أن يونسكو شعر، كما يبدو، بالحاجة إلى ترك مسافة بين كتبه وحياته وكتابة مسرح أقل صميمية. بعد شهر من كتابة اميديه، ألف، خلال ثلاثة أيام 14-16 أيلول 1953) مسرحية "المستأجر الجديد" التي استخدم فيها ظاهرة تكاثر الأشياء في حالتها الخالصة الصرفة. إلى غرفة عارية على المنصة الفارغة يصل سيد حاملاً حقيبته الصغيرة ثم يحضر حمالاً قطع الأثاث؛ يكدسان الأغراض العجيبة، يزحمان، يرصان، يكوّمان، يسدان النوافذ والأبواب. - ناقل الأثاث الأول: ليس هذا كل شيء، مازال هناك المزيد. - ناقل الأثاث الثاني: لقد امتلأ الدرج ولم يعد في الإمكان المرور. - السيد: لقد امتلأ الفناء أيضاً، والشارع كذلك. - ناقل الأثاث الأول: لم تعد السيارات تسير في المدينة، لقد امتلأت بالأثاث. - ناقل الأثاث الثاني: على الأقل، لا تشتكي أنت يا سيدي، فلديك مكان تجلس فيه. - ناقل الأثاث الأول؛ ربما كان على المترو أن يسير. - ناقل الأثاث الثاني: أوه، كلا - السيد: كلاّ، لقد سُدّت الأنفاق. - ناقل الأثاث الثاني: ما أكثر ما لديك من أثاث! إنك تربك البلد كله. - السيد: نهر السين لم يعد يجري، لقد سُدّ أيضاً وجفت فيه المياه. مازال الأثاث يدخل، من تلقاء نفسه، عبر الباب، ثم من السقف. السيد جالس على الأريكة، مطوّق، جامد، أغُلق السقف، ثم الباب وانطفأ النور. تراكمت قطع الأثاث على المسرح في الفصل الثاني من مسرحية "اميديه" لكنها لم تكن سوى اكسسوارات للديكور أما هنا فإنها تملأ الغرفة تماماً. إنها تزداد ضخامة ووصولها يتم على إيقاع معين. يحضر الحمالان مزهرية ثم كرسيين صغيرين جداً ثم مزهرية أخرى صغيرة يحملانها معاً ويبدو أن ثقلها يسحقهما. ثم يحضران طاولات وكراسي ولوحات وأكداساً من الكتب وأخيراً يحضران خزائن وصناديق وطاولات سفرة وسلّماً طويلاً.. من ناحية أخرى، تزداد سرعة ذهاب وإياب ناقلي الأثاث، ثم تصل الأغراض من تلقاء نفسها ويشكّل دخولها نوعاً من الباليه. تتوقف الحركة فجأة. يحمل أحد الناقلين باقة أزهار ويرميها من فوق الصناديق والخزائن إلى الداخل حيث يوجد المستأجر. تبرز الحركة في هذا الانتقال إلى المسكن الجديد، الواقعية في البداية الخيالية فيما بعد، الخلل في الآلية: تتم الحركة بشكل جيد، جيد بإفراط، ثم لا يبقى لها بداية ولا نهاية، وتصبح حركة مجنونة تفرض آليتها على الكائنات والعالم، وتبقى وحدها الموجودة. موضوع المسرحية صورة أخرى للغوص الذي عرضته "ضحايا الواجب": إنه الاجتياح. الأغراض تتكاثر بلا نهاية وتغمر الإنسان في نهاية المطاف. إذا ما نظرنا إلى المسرحية من هذه الزاوية فإن "المستأجر الجديد" نقد لاذع لنوع جديد من العبودية، هو النزعة الاستهلاكية. اللوحـــــــــة كتبت مسرحية اللوحة عام 1954، تعرض المسرحية رسّاماً في فقر مدقع يحاول أن يبيع إحدى لوحاته إلى هاوٍ غني، نصفه حديث نعمة، ونصفه محتال. يطلب الرسام أربعة آلاف فرنك ثمناً للوحته، لكنه، بعد المساومة، يتركها مجاناً شاكراً السيد الضخم لأنه وافق على الاحتفاظ بها معلّقة على أحد حيطان منزله؛ وموافقاً على دفع أجرة هذه الخدمة. بعد انصراف الرسام أعجب السيد بالملكة المرسومة على اللوحة وكان تعبيره عن مشاعره ذا طابع جنسي "على قدر ما تسمح به الرقابة وما يحتمله المشاهدون"(1) . أمام أخته أليس، العجوز القبيحة المقرفة، يتحول السيد إلى طفل صغير مرعوب لكنه بطلقة مسدس يحوّل الساحرة المخيفة إلى ملكة في جمال صاحبة اللوحة، وبالطريقة ذاتها يحول إحدى جارتها إلى أميرة، والرسام إلى أمير ساحر، ومكتبه المتواضع إلى قصر. هو وحده يبقى ضخماً قبيحاً. - آه! آه! آه! برافو! آه! وأنا؟ وأنا؟ أوه.. أنا لست جميلاً أبداً! يخاطب الجمهور وهو يمدّ إليه المسدس) هل تسمحون وتطلقون عليَّ النار! من يريد أن يطلق عليَّ النار؟ من يريد أن يطلق عليَّ النار؟ من التفاسير الخاطئة أن نرى في هذه المسرحية احتجاجاً اجتماعياً وأن نرى فيها العبقرية التي أوصلتها الرأسمالية إلى الجوع. يمكن للحوار في القسم الأول أن يسبب هذا الالتباس إذ يكفي أن تُعرض الشخصيات كنماذج اجتماعية ضمن إخراج واقعي ملتزم بالنص. لقد حدد يونسكو في عنوان المسرحية الثانوي مضمون المسرحية إذ دعاها "تهريج": ويمكن للمهرجين أن يقدموها على المسرح. الشخصيات غيّرت وجوهها، ويجب أن يكون التمثيل مستقلاً عن النص، ويجب المبالغة في الحركات وأن تكون عنيفة أحياناً. لا تحتوي المسرحية أي مضمون نفسي وتنطوي على أقل المقاصد الاجتماعية بكلمة واحدة أن تكون من السيرك. من هذا المنظور تتحقق وحدة المسرحية. الحركة الدرامية في تصاعد دائم.. نجد، في البداية، اللهجة مضحكة. الأداء المسرحي يثير الامتعاض واللغة أيضاً: يقول السيد الضخم: "إنني أراقبهم أثناء ساعات تأملي" "البورصة هي الحياة"، من ناحية أخرى نراه يتحدث مثل بودلير - أو مثله تقريباً: "واحسرتاه الفن طويل والحياة قصيرة"(1) وله أفكاره عن الفن التجريدي وغير التجريدي: - السيد الضخم اصبعه في أنفه): حسناً، هذه هي إذن نقطة الضعف عندك، الملاحظة الكبرى التي ألفت نظرك إليها، فنحن نحدس عندك، أحياناً، ما لا نراه، ولا نرى ما نحدسه. هناك تناقض صارخ في فنك، وبالنتيجة، غموض في الأسلوب وخلط غير صاف بين التجريد وعدم التجريد وبالنتيجة، غموض في الأسلوب وخلط غير صاف بين التجريد وعدم التجريد [..] أما بالنسبة لباقي اللوحة فالأمر سهل جداً، هذه السيدة، حقيقية كانت أم خيالية، تجريدية أم غير تجريدية، هذه السيدة التي رسمتها أنت، رُسمت جيداً.. يتسارع الإيقاع بعد ذلك حتى الألعاب النارية الختامية التي يقول عنها يونسكو: "تحريف لفكرة التحول"(2) هذه المسرحية، قبل أي شيء، لعبة للتسلية، تصوير كاريكاتوري لموقف عبثي، إنها من نوع الفارس(3) نكتشف معناها من خلال عبثيتها ذاتها. "مسرحية ألما"(3) لم يكن يونسكو قد نال الشهرة عام 1955 لكن إخفاقاته لم تتوقف عن التضخم. لم يقابله النقاد المسرحيون باللامبالاة، فغالباً ما خاصموه وهاجموه ونادراً ما أبدوا إعجابهم به. وضعوا اسمه تحت عناوين "كاتب العبث" و "مؤلف طليعي" ومن أجله هو شخصياً ومن أجل الآخرين وضّح يونسكو أساليبه وحدّد غاياته: كتب مقالات، وألّف "مرتجلة الما أو حرباء الراعي" التي قدمها مخوريس جاكومون على ستديو الشانزيليزيه في 20 شباط 1956. عند رفع الستارة، نرى يونسكو في بيته منهمكاً في عمله: بين الكتب والمخطوطات، رأسه على الطاولة، قلمه في الهواء. يشخر يصل بارتولوميوس الأول مرتدياً جبّة تشبه جبّة طبيب موليير. إنه دكتور في علوم المسرح وناقد يمثل العصر فوق العلمي وفوق الشعبي لقد جاء بحثا عن آخر مسرحيات يونسكو لتقدمها فرقة من الممثلين الشباب تعرض أعمالها في صالة صغيرة - خمسة وعشرون مشاهداً جلوساً وأربعة وقوفاً - "لجمهور شعبي من النخبة". فرح يونسكو فرحاً عظيماً لكن عندما طلب بارتولوميوس قراءة المسرحية شرح له يونسكو أنها انتهت دون أن يكتبها وأن موضوعها لا يمكن روايته، وأن الحوار، رغم أنه لم يكتب تماماً، بحاجة إلى بعض الاختصار فالقراءة سابقة لأوانها لكن إذا انتظر عدة أيام.. لم تنطلِ هذه الإيضاحات الغامضة على بارتولوميوس الأول. يصل بعد ذلك بارتولوميوس الثاني وبارتولوميوس الثالث، وهما دكتوران في علوم الديكور والملابس وسيكولوجية المناظر.. يدور الحوار حول جوهر المسرح ورسالة الكاتب المسرحي. لم يتفق المتحاورون لكن بما أن كل واحد منهم راح يتحدث دون أن يصغي للآخرين لم يبق للحوار أية قيمة: اعتبروا أن على الكاتب المسرحي أن يؤكد ابتعاده عن الدائرة الفاسدة(1) التي يحاول أن يسجن نفسه فيها لكي يحدد مكانه على أنه موجود داخل الشيء وهو خارج الشيء: "etre - dans - le - coup - hors - du - coup" والعكس بالعكس ، من الناحية العلمية والجدلية، كما نعلم. وبالنتيجة فإن سريع الزوال هو وحده الذي يستمر، ومفهوم العالمية هو نوع من الهرطقة التي ينشرها بعض المؤلفين الرديئين يجب إذن أن تخضع قراءات يونسكو للمراقبة: - يونسكو: جعلوني أقرأ مؤلفات اسخيلوس وسوفوكليس ويوروبيدس.. - بارتولوميوس الأول: أشياء بالية، بالية، لقد انتهى ذلك كله.. إنه لا يساوي شيئاً. - يونسكو: ثم.. ثم.. قرأت شكسبير! - بارتولوميوس الثالث: هذا ليس مؤلفاً فرنسياً، ربما كان الآخرون فرنسيين أما هذا فهو روسي. - بارتولوميوس الأول إلى الثاني): إننا لا نلومه لأنه أجنبي. - بارتولوميوس الثالث: أما أنا فألومه على ذلك، ويقول على انفراد: أرجح أنه بولوني(1) . غامر يونسكو إذ ذكر موليير الذي لم ينل بعد تقديس مسرح البولفار، كما أن بارتو لوميوس الثالث تذكره فجأة: "لقد استلهم مادة مسرحه من الأدباء الأجانب، من الطليان". بدأ الدكاترة الثلاثة في الحال تعليم يونسكو وتثقيفه. علّموه أن المسرح هو إظهار المسرحة وأن المسرح يملك جوهراً مسرحياً ووجودياً من خلال تقديم المسرحيات، وأن المسرحية تُكتب لتُمثّل، يمثّلها ممثلون، في صالة تمثيل، على منصة أمام جمهور.. هذه الحقائق الواضحة سمحت للدكاترة الثلاثة أن يحددوا بعدئذ دور المسرح في العصر العلمي: ستكون حصة دراسية في المساء - إجبارية - درس في الأشياء - والفتيات اللاتي يرشدن المتفرجين إلى أماكنهم سيكنّ الموجهات أو المعيدات(2) ، سوف يشرفن على إعادة البروفات سيكون المدير موجّهاً عاماً، وكل شاهد سيرى المسرحية نفسها عدة مرات - مركّزاً اهتمامه كل مرة على مشهد مختلف - من وجهة نظر مختلفة لأن العمل الأدبي "لغة جمعية"(3) تدّل على الجميع) - سوف توضح علامات للمشاهدين - سينالون مكافأة وعقوبة - وأمّا التنابلة منهم سيأخذون دروساً في الإجازات وأثناء مهرجانات الصيف. بعد النظرية يأتي التطبيق: يرجع الدكاترة الثلاثة إلى بحث البروفسور بيرتولوس ويؤرخون للأدوات المسرحية - أي غرفة يونسكو - ينزعون الصفة الحقيقية عما هو حقيقي بوضع لافتات في كل مكان تقريباً) ويوجزون في الحركة المسرحية، ويصلحون مظهر يونسكو لأن الثياب هي "تفخيم، وتقويم، وتخريم" للرجل العادي. أخيراً يبدأون عملية الخلق المسرحي بوساطة تجهيزات مناسبة: يضعون على رأس يونسكو طاقية على شكل رأس حمار ثم يبدأ الأربعة بالنهيق: "هي.. هان.. اكتبْ! هي.. هان.. اكتبْ بقوة! .. هي.. هان.. اكتب بطريقة علمية! هي.. هان..". تصل ماري، الجارة التي تهتم بغرفة يونسكو فتخلّصة من زيّه المضحك وتنزع اللافتات وتطرد الدكاترة، بضربات من مكنستها، الذين راحوا يتعاركون حول فن الملابس وعلم الملابس. لكن يونسكو وقد انتقلت إليه العدوى، يندفع في إلقاء خطاب: يعرض تصوّره للمسرح، والنقد، والإبداع، والعلاقات بين بنية النفس ونظام اللغة.. تعلو اللهجة ويصبح متحذلقاً عدوانياً. آنذاك تتناول ماري جبة أحد الدكاترة وتضعها على كتفي يونسكو: "هل بدأت تأخذ نفسك مأخذ الجد يا يونسكو؟" على طريقة.. استوحى يونسكو مسرحيته من موليير وجيرودو. يؤكد ذلك العنوان والموسيقى التي اختيرت من مقطوعات من القرن السابع عشر، وأزياء الدكاترة، وبعض المؤثرات المسرحية مثل محاكاة دون جوان والفلاحين: - بارتولوميوس الثاني مشيراً إلى اللافتة): ب.. يعني بريخت بالتأكيد. - بارتولوميوس الثالث: ... ب هذا يعني برنشتاين بالتأكيد - بارتولوميوس الأول إلى الاثنين): كلاكما على حق. - بارتولوميوس الثاني إلى بارتولوميوس الثالث): سبق أن قلت لك ذلك.. - بارتولوميوس الثالث إلى بارتولوميوس الثاني): سبق أن قلت ذلك ذلك.. - بارتولوميوس الأول إلى الثاني): فيما بيننا، هذا يعني عصر بريخت وليس برنشتاين إلى الثالث) فيما بيننا، هذا يعني عصر برنشتاين، برنشتاين بعد التحسين، بعد أن طُبع بطابع العصر، بعد تجاوز عيوبه.. - بارتولوميوس الثالث إلى الأول): ماذا تعني؟ - بارتولوميوس الأول إلى الثالث): برنشتاين على كل حال، برنشتاين على كل حال، فاهدأ.. نعثر من جديد على بناء "مسرحية فرساي" و "مسرحية باريس"؛ فمسرحية يونسكو التي تعالج قضايا المسرح، تعرض علينا يونسكو وهو يكتب مسرحية "حرباء الراعي"(1) وبطلها هو يونسكو، يكتب مسرحية عن المسرح. موضوع "مسرحية الما" - مشاكل المسرح - مجموعة من الأفكار النظرية وليس تطبيق تلك الأفكار، ولكي تصل تلك الأفكار إلى الجمهور، أي لكي تتحول إلى أفكار مسرحية، كان لابد من مواجهتها مع بعضها، فالمسرحية مبنية إذن على صراع ثلاثي الوجوه. هناك أولاً صراع المؤلف مع النقاد.. النقاد متضامنون في مواجهة فريسة تحاول الهرب، تحاول الوصول إلى الباب كل لحظة.. ها هم يمسكونها من جديد، يثبتونها، يوبخونها، يرشدونها إلى طريق الصواب، يكسونها، يستثمرونها. في مواجهة الدكاترة الثلاثة هناك ماري التي تمثل الحس الشعبي السليم، حجتها الدامغة هي المكنسة، كما أن تدخلها يحيل المسرحية إلى مسرح عرائس. لكن هناك صراع أكثر حساسية بين النقاد الثلاثة: الناقدان الأول والثاني يؤيدان النقد "العلمي" يؤيدان المسرح "الملتزم" لكن أحدهما وجودي ينتسب إلى سارتر، والآخر يقول بمذهب الماهية(2) يقدس ماركس ويعيش في عصر بريختي. أمّا الناقد الثالث فإنه يدافع عن مسرح البولفار "مسرح التسلية" وينتمي إلى بيرنشتاين، ويمتدح بلاهة الجمهور، إنه بليد، يكرر باستمرار: - أنا لا أفهم - جاهل. موليير، هل تعرفانه؟ متعصب. النقاد الثلاثة شخصيات رمزية فربما ظن البعض أنه يرى من خلال شخصيات بارتولوميوس الأول والثاني والثالث، برنادور، رولان بارت، جان - جاك غوتييه. كلام متحذلق. في خصام العقائد، تدور اللعبة في المفاهيم، لكن تفجّر العنصر الهزلي في المفردات يسمح بالسخرية من الأفكار، ومن أجل ذلك يكفي استخدام اصطلاحات ايديولوجية ما، ورصف تعابيرها التقنية حتى يتلاشى مضمونها اللغوي ولا يبقى منها سوى الجرس المتنافر للأصوات المتكدسة فوق بعضها وبعض الأسماء الضائعة بين السطور، من اسم فيلسوف إلى اسم ناقد، من سارتر إلى بارت: -.. وبطريقة جدلية، هذا يعني الوجود في داخل الشيء وخارجه في الوقت نفسه، كما أنه يعني أيضاً وجود اللاموجود، ولا موجود الوجود في وقت واحد. - للحصول على تفسير أسمى للمسرحية. - يمكن أن يكون خلاصة كل التفاسير المتعاقبة المتناقضة.. - .. للوصول إلى فهم بسيط، معقد، متعدد، وحيد. على منوال المجلات التقنية يتم خلق كلمات جديدة لها نفس الإيقاع والتركيب: "فن الملابس كوستمودية) وعلم الديكور ديكورولوجيه) وعلم نفس المشاهدين سبكتاكو سيكولوجية)، كما يتم اختراع تناقضات وتفاهات من خلال صياغة فكرة بطريقة قسرية أو من خلال تزييفها: - لأن المؤلفات في حد ذاتها.. - لا وجود لها.. - إنها تكمن في رأينا فيها.. - وما نقوله عنها.. - وفي التفسير الذي نتفضل بإعطائه لها.. - التفسير الذي نفرضه عليها.. - الذي نفرضه على الجمهور.. تنشأ القوة الهزلية في لعبة المفردات هذه - وحيلتها الجدلية - من خليط الاثباتات الواقعية والاثباتات المخترعة. لقد اقتبس يونسكو حقاً بعض أقوال الدكاترة من كتابات منتقديه وخلطها مع "حقائق مجنونه" بحيث تؤكد صحة البعض خطأ البعض الآخر، ويصبح كلام الشخصيات كله مثيراً للضحك. يمكن أن نرى أيضاً عنصر الإضحاك في اللغة من خلال الأسلوب شبه العلمي الذي يخفي بديهيات، وهكذا يعرّف الدكاترة علم الملابس كوستمولوجيه) بأنه علم الملاءمة بين جوهر الشخصية وظاهرها فتوضّح ماري ذلك: "ولذلك.. كتبت أنت مسرحية.. من بين أبطالها رجل إطفاء [..] ووضعت على رأسه خوذة رجال المطافىء انتبه لذلك، ولم تضع على رأسه طرحة عروس!". هذه الأساليب تحطّم الايديولوجية التي يدور عنها الحديث، كما يحطم جمود التصورات التفكير الحي. يتناول يونسكو بعض الأفكار، يضع منها كليشهات، ثم يجعل هذه الكليشهات تتشنج وتكشّر. تقوم اللغة الموضوع بدور الاكسسوار فتارة تدعم حركة الاضحاك المتنامية عند إحدى الشخصيات، إذ أن المفردات، بعد أن فقدت معناها، لا تترك من المقاطع الطويلة في المسرحية سوى سلسلة متتابعة من الأصوات ترافق الحركات الإيمائية، وتارة تصبح الكلمات كرات يتفاذفها الدكاترة بسرعة متزايدة. التهريـــــــج ليست اللغة الشكل الوحيد للسخرية، كما أن الإيماء ليس مجرد سند للكلام. يولد الضحك في "مسرحية الما" من تغييرات الديكور، وزي الدكاترة، وتعابير وجه يونسكو، المتبجّج تارة، المرتبك تارة، المرعوب تارة ثالثة، وهو يحاول التسلل نحو الباب، أو وهو يردد الدرس الذي تعلّمه. حركات الدكاترة يغلب عليها الطابع الكاريكاتوري: المدائح المتبادلة فيما بينهم، توزيع اللافتات، وأخيراً تبادل الصفعات واللكمات وضربات مكنسة مارين، ذلك كله يضع المسرحية ضمن إطار مسرح العرائس التقليدي. المؤلف ومشاكله: يستعيد يونسكو هنا أفكاره عن المسرح، وموقف الكاتب، والنقد ثم يوضح تلك الأفكار كلها. يحدد يونسكو الإبداع الأدبي على أنه اعتراف وليس رواية أحداث من الحياة، إنه بوح لمغامرة صحيحة، تحليل نفسي بشكل عام: "المسرح كما أراه عرض للعالم الداخلي، فمن حقي أن أجعل أحلامي ومخاوفي ورغباتي الغامضة وتناقضاتي الداخلية مادة مسرحي ومن حقي أيضاً عرضها على المسرح". يبرر هذه الرؤية عمومية اللاوعي: القلق، الأحلام، الرغبات، تشكل جزءاً من "تراث السلف، مستودعاً قديماً جداً"، إنها اللغة الإنسانية المشتركة كما أنها الأكثر شمولية للاتصال بين الناس ووحدة المشاعر فيما بينهم"(1) . من ناحية أخرى، وعلى نفس المنوال، يشرح يونسكو لبارتولوميوس الأول الآلية الدرامية في مسرح لا يعتمد على العقدة. لم "يرو" قصة "حرباء الراعي" لأنه لم يبدأ المسرحية بعد، أمّا وقد أنهاها فإن سرد الحكاية يصبح بلا فائدة. - أوه.. الموضوع؟ تسألني عن الموضوع؟.. العنوان؟.. أوه.. كما تعلم، أنا لا أعرف كيف أروي مسرحياتي.. كل شيء موجود في الحوار، والتمثيل والصور المسرحية.. صور تشدّ البصر - كما يحدث دائماً - صورة ما، أو عبارة ما تفجّر آلية الخلق عندي وبعد ذلك أسلم أمري إلى الشخصيات التي خلقتها دون أن أعرف وجهتي تماماً.. على مستوى شخصي أكثر، يحلل يونسكو ما يشعر به عندما يكتب، يلعن اكتشافه لعالم يكون هو أول المندهشين، كما يعبر عن نزوات الإلهام التي غالباً ما نستدعيها دون جدوى لكنها تهبط علينا عندما لا نكون بانتظارها. يتحدث عن خوفه من العمل الذي أنجزه، وعن الإحساس بانتهاك المقدسات، والرغبة في كتمان ما يجب الاعتراف به، والدهشة من الإحساس بأن الكتابة حدث خطير يُلزم الكائن كله، ورغم أن الفكاهة والضحك يحجبان الروح الشعرية، إلا أنها تظهر في لحظات البوح الكثيرة في "مسرحية الما". تعبر المسرحية أخيراً عن العدواوة التي يكنها يونسكو لكل أنواع النقد، حتى لو كان إيجابياً. الدكاترة يتبجحون، يسنون القوانين، يحولون الحقائق الأولية إلى أحكام مطلقة، يحكمون على الإبداع بتسلط، يحرمون ويحللون. يعتقد يونسكو أن كل فكرة تصبح خطيرة، ويجب مناقشتها عندما تسلك مسلك العقيدة. لقد رفض يونسكو النقد الذي رأى فيه مظاهر الإرهاب وطالب بالحديث عن المؤلفات حسب قواعد "وميثولوجيا" المؤلف نفسه، "يجب أن يكون النقد وصفياً لا معيارياً" الناقد يصف ولا يخطط وينصح). تسمح "مسرحية الما" بتحديد فكر يونسكو قبل خصامه مع كينث تينان(1) قبل النصوص النظرية التي كتبها أعوام 1958-1960، وخصوصاً قبل المسرحيات الناجحة التي بدأت مع "سلسلة برانجيه". "قاتل بلا أجر" سنوات أربع تفصل "قاتل بلا أجر، عن "أميديه"، ففي عام 1957، وبعد مجموعة من الاسكتشات الخفيفة، و "مسرحية قصيرة" التي تعتبر مسرحية ذات قضية، راح يونسكو يتوغل من جديد في غابة الأحلام والرغبات. "قاتل بلا أجر" مسرحية في ثلاثة فصول، يعود تاريخ كتابتها إلى شهر آب 1957، وقدّمها جوزيه كواغليو على مسرح ريكامييه في 2 آذار 1959. يرافق مهندس البلدية ضيفه برانجيه في زيارة "للمدينة المشّعة" وهي حي من أحياء المدينة، سماؤه صافية زرقاء دائماً، شوارعه مشمسه، بيوته محاطة بالخضرة والأزهار. يستعيد بيرانجيه، وهو القادم من حي قذر ضبابي بارد، لحظات النشوة القديمة، سعادة الحياة والحب، فرح اليقين، مشاعر الخفة والرغبة في الانطلاق. أعلن بيرانجيه عن رغبته في الإقامة في "المدينة المشّعة" لكنه لاحظ أشياء غريبة: حجر يسقط عند قدميه، تحطّم زجاج نافذة، الشوارع خالية، نوافذ البيوت مغلقة.. فيشعر بالقلق. يخبره المهندس المعماري أن جميع السكان يفكرون بالهروب لأن قاتلاً يصعب الإمساك به يعيث فساداً في "المدينة". في بركة الماء القريبة هناك ثلاث جثث هي آخر ضحايا القاتل. يفزع بيرانجيه ويحاول الهرب لكن المهندس المعماري، وهو في الوقت نفسه رئيس الشرطة، يرافقه خارج الحي ويجلسان على شرفة أحد المقاهي قريباً من موقف الباص. يشرح المهندس لبيرانجيه أن القاتل يرتكب جرائمه في هذا المكان: يختار ضحيته، يستثير شفقتها، يعرض عليها أغراضاً متنوعة، أزهاراً اصطناعية، بطاقات بريدية، مقصّات، صوراً خليعة. - [..] وأثناء المساومة يصل مع ضحيته قرب البركة التي تعرفها، آنذاك، وعلى حين غرّة، يستخدم حيلته العظمى فيقترح أن يعرض على الضحية صورة الكولونيل، وهذا إغراء لا يُقاوم. بما أن النور لا يكون كافياً، تنحني الضحية ذات الروح البريئة لترى جيداً، وفي تلك اللحظة تكون النهاية إذ أن القاتل ينتهز فترة انشغالها بتأمل الصورة فيدفعها في البركة وتغرق. يُسمع فجأة صراخ وصوت سقوط جسم في الماء: إنها داني، سكرتيرة المهندس، ضحية القاتل الجديدة فهي لم تعد تحت حماية المصلحة. يبين ديكور الفصل الثاني غرفة بيرانجيه، غرفة في الطابق الأرضي مظلمة قبيحة، عند طرف المدينة البعيد، في حي لا يعرف سوى فصل الخريف. في الخارج، حارسة البناية تغني وهي تدفع مكنستها، ومتشرد يردد مطلع أغنية، سائقان يتبادلان الشتائم، قائد طائرة يتحدث عن همومه: - كنا على ارتفاع سبعة آلاف متر عندما رأيت، فجأة، جناح الطائره ينفصل عنها. - صوت رقيق): وماذا بعد - قلت في نفسي، حسناً، بقي الجناح الآخر، تجمّع الركاب كلهم في جهة ليحفظوا توازن الطائرة التي كانت تطير بجناح واحد. - هل خفتم؟ - انتظر.. فجأة فقدت الطائرة جناحها الثاني، ومحركاتها.. ومراوحها.. وكنا على ارتفاع سبعة آلاف متر.. يبحث رئيس عمال عن حل لتحسين مردود مؤسسته: - يضيّع الصبيان الموزّعون عندنا وقتاً كبيراً عندما يذهبون للتبول. خمس مرات وسطياً في اليوم يعطلون عمليات التوزيع ليقضوا حاجتهم، وأجرة هذا الوقت الضائع لا تحسم من أجورهم. إنهم يستغلون هذا الوقت فلابد من تنظيمهم: ليتبوّلوا مرة واحدة في الشهر، بالتناوب، خلال أربع ساعات ونصف بلا انقطاع، وهذا سيوفّر عملية الذهاب والإياب التي تكلّفنا غالياً. الجمال أيضاً تستطيع تخزين الماء. رجلان عجوزان يتحسّران على الماضي الجميل، ومعلّم الصف يشرح درساً في التاريخ، والبقال يتجادل مع زبونه، وساعي البريد يحمل طرداً لبيرانجيه.. المدينة كلها، الحياة بما فيها. يصل بيرانجيه فيجد ادوار ينتظره في غرفته.. لقد فوجىء أن هذا الصديق يملك مفتاحاً لغرفته. يروي بيرانجيه قصة القاتل فلا تظهر علامات الدهشة على ادوار.. عند الخروج، يفتح ادوار، بحركة جائشة، الحقيبة السوداء الضخمة التي لم يتركها منذ بداية الفصل، ولم يرفع نظره عنها. وجد فيها بيرانجيه، وهو مذهول، أزهاراً اصطناعية، بطاقات بريدية، دبابيس، حاملات أقلام، وصوراً للكولونيل. لقد اكتشف فيها أيضاً اسم القاتل وعنوانه، يومياته السرية، وقائمة بجرائمه وأسماء ضحاياه. لم يستطع ادوار أن يبّرر وجود هذه الأشياء في حقيبته. قرر بيرانجيه أن يذهب برفقة ادوار يخبر الشرطة، لكن ادوار ينسى الحقيبة على كرسي في غرفة بيرانجيه. في الفصل الثالث، ترى الأم بيبا، في أحد شوارع المدينة تحت رايات خضراء عليها صورة أوزة بيضاء. تخطب في الجماهير. إنها تطالب بالسلطة وتعرض برنامجها السياسي. إنها تعد بتحرير الإنسانية بواسطة استعباد الأفراد، كما تعد بالحساء الشعبي للجميع، إنها تصف العصر شبه العلمي: - أعدكم بتغيير كل شيء، ولكي نغيّر كل شيء يجب أن لا نغيّر أي شيء، ستتغير الأسماء لكن الأشياء لن يطرأ عليها أي تغيير. الخداع القديم لم يصمد أمام التحليل النفسي ولا التحليل الاجتماعي. سيكون الخداع الجديد منيعاً. لن يكون هناك سوى أنماط من سوء التفاهم، سنجعل الكذب يبلغ درجة الكمال [..] لن نضطهد أحداً بعد الآن، لكننا سنعاقب وسنحقق العدالة. لن نستعمر الشعوب، سنحتلّها لنحررها، لن نستغل الناس لكننا سنجعلهم ينتجون. سيُسمّى العمل الإجباري عملاً طوعياً.. والحرب سلاحاً، وسوف يتغيّر كل شيء بفضلي وفضل وزّاتي [..] أمّا فيما يتعلّق بالمثقفين.. سنعيدهم إلى جادة الصواب ونجعلهم يسيرون بخطى الوزّة عاشت الوزّات! يسير بيرانجيه وادوار، الأول يجرّ الثاني، يريد بيرانجيه أن يصل إلى مديرية الأمن قبل أن تغلق أبوابها؛ أما ادوار فيريد أن يستريح قليلاً لأن السعال والبصاق أنهكاه، وعندما يلاحظ بيرانجيه أن ادوار لا يحمل حقيبة القاتل تظهر حقائب مماثلة لها من كل صوب: حقيبة تحت ذراع سكّير، وأخرى في كف رجل عجوز ذي لحية بيضاء، وثالثة بين يدي الأم بيبا لكن لم تكن أية واحدة منها حقيبة القاتل. يطلب بيرانجيه من ادوار أن يعود إلى غرفته لحيضر الحقيبة بينما يتابع هو طريقه إلى مديرية الأمن. انقضى وقت طويل وهو ضائع في زحمة الشارع لكن الزمن توقف، لحسن الحظ، مثلما توقفت حركة المرور.. أخيراً، في أصيل شاحب، في زمان ومكان جامدين وجد نفسه وحيداً على طريق لا نهاية لها. تغدو خطواته بطيئة أكثر فأكثر، قلقه وخوفه يكبران، ويردد الصدى أقواله. فجأة يظهر القاتل أمامه، هزيلاً، غير حليق، يرتدي معطفاً بالياً من الجبردين، أعور، "لكن عينه الوحيدة لها بريق الفولاذ".. يضحك بيرانجيه ضحكات عصبية: - [..] أوه، إنك نحيف هزيل، هزيل بحيث لا تكون قاتلاً، يا صديقي البائس! أنت لا تخيفني! انظرْ إليّ، انظره كم أنا أقوى منك. يهز القاتل كتفيه دون جواب، يتكلم بيرانجيه وحده، يطلب من القاتل أن يشرح موقفه، يحاول أن يتخيل، أين توقع دوافعه، يحاول أن يفهمه، أن يبرر مسلكه: "هل أنت متشائم؟.. عدمي؟.. فوضوي؟" ويتساءل هل قتل ضابطاً لأنه يكره العسكر؟ هل قتل نساء لأنه عدو المرأة ولأنه عانى من نزواتها؟ هل قتل الأطفال لأنهم يمثّلون الإنسانية في أنقى صورها؟ ربما قتل من باب الطيبة ليريح الناس من العذاب، لكي يشفيهم من تسلط فكرة الموت؟ القاتل يضحك، ويصمت.. يحاول بيرانجيه ثنيه عن طريق القتل فيحدثه عن الحب والأخوّة، يعرض عليه صداقته، يعرض عليه مركزاً اجتماعياً مرموقاً، يعرض عليه ثروات، يعده بشهداء يموتون من أجله، يتوسل، يهدد، يشتم، يخرج مسدساً من جيبه، لكن ماذا تفعل الرصاصات مع الكراهية والقسوة! يجثو بيرانجيه ويتمتم: "يا إلهي، لا يمكن أن نصنع شيئاً!.. ماذا يمكن أن نصنع.. ماذا يمكن أن نصنع.." بينما يقترب القاتل، مقهقهاً، شاهراً سكينه الضخمة. من الحلم الجميل إلى الكابوس تعتمد مسرحية "قاتل بلا أجر" على قصة قصيرة نُشرت في المجلة الفرنسية الجديدة في الأول من تشرين الثاني عام 1955 تحت عنوان "صورة الكولونيل". اقتصرت الحركة الدرامية في القصة على الإيحاء فقط، ولم يتجاوز الحوار البدايات، أما المسرحية، المبنية بشكل جيد، فإنها تكشف عن مقاصد يونسكو بشكل أفضل. تصور المشاهد المسرحية مواقف وطرقاً متنوعة لمواجهة الحياة، وتقدم سلسلة من الحالات الشعورية. تتألف المسرحية من ثلاث فصول يشكل كل منها لوحة مزدوجة لحالات شعورية متناقضة. تترجم بداية الفصل الأول الشعور بالغبطة، وعلى المسرح العاري توحي تغيرات الأضواء بعالم أجمل نتيجة الفرح في الحياة والإحساس بالخلود. لكن حضور الموت، أو على الأصح، إدراك هذا الحضور، يفسد الواقع. النور يصبح رمادياً، كما أن بيرانجيه، الممزق، المتجلد، يشعر من جديد بوطأة الوجود، يجد نفسه من جديد وسط ضوضاء متنافرة، محاطاً بالضباب والوحل، على شرفة "مطعم صغير". تزداد هذه الضآلة في الفصل الثاني الذي يمتاز جوّه بالبشاعة ثم بالاختناق. الجزء الأول منه صورة صوتية رنانه: تبقى غرفة بيرانجيه غارقة في الظلمة، بينما تتصاعد الضوضاء من المنزل والشارع، ومن خلال النافذة، والغرفة موجودة في الطابق الإرضي - نرى أطياف الشخصيات، ومكنسة حارسة البناية: يتضاعف الحدث الصوتي من خلال مسرح الظلال. تجري أحداث الجزء الثاني في الغرفة الباردة البشعة. بيرانجيه، الذي يعاني أعظم الألم لوفاة داني، يدعو للشفقة وادوار يدعو للرثاء لأنه يعاني من آخر مراحل مرض السل؛ كما أن اكتشاف حقيبة القاتل يفرض صورة الموت من جديد، ويثير الشبهة والشكوك. في الفصل الثالث، يتخبط بيرانجيه وسط محيط متلاطم من الصور الكابوسية. أضاع الحقيبة، ووجد ثلاثاً مثلها لكن لم تكن أياً منها الحقيبة التي يبحث عنها. يتعارك مع السكّير، يتعارك مع العجوز ذي اللحية، الأم بيبا والسكّير يتعاركان أيضاً. يبحث العجوز في مدينة باريس عن أرصفة الدانوب، شرطيا المرور عملاقان، كما إنهما أيضاً آلتان لقراءة الأفكار.. الساعات توقفت. المدى قابل للامتداد لقد: سار بيرانجيه طويلاً لكن مديرية الأمن مازالت بعيدة(1) . أخيراً، حديث بيرانجيه مع القاتل - وهو "فصل قصير في حد ذاته" كما يقول يونسكو - يعبّر عن موقف مأساوي. يناضل بيرانجيه ضد حقد عظيم وقسوة مطلقة، باختصار، ضد حتمية القدر، وليس بمقدوره إلا السقوط. في هذه السلسلة من اللوحات الست يظهر الواقع على التوالي: رائعاً، كريهاً، مضحكاً، مؤلماً، وهمياً، مأساوياً، ومن خلال هذه التغيرات تولد الحركة الدرامية التي يدعمها سقوط الشخصيات وتقهقر اللغة. سقوط الشخصيات الشخصيات كثيرة بشكل خاص في مسرحية "قاتل بلا أجر": خمس وثلاثون شخصية، دون أن نحسب الجمهور: شخصيات مرسومة بخطوطها العريضة تجاور بيرانجيه، موكب من الأشباح تزداد قبحاً ولا يظهر أي منها مرتين. هناك، في البداية، المهندس المعماري المسؤول عن "المدينة المشّعة" وصبيّة شقراء جميلة: العبقرية والحب. لكن نهاية الفصل الأول تعرض علينا متشرداً سكراناً و"صاحب مطعم صغير" سوقياً. الحسناء تُقتل، المخترع العبقري يغدو خادماً للنظام: يتحول المهندس إلى قائد شرطة لا تعنى له جرائم القاتل شيئاً: "آلو!.. لا يوجد أدلة؟ احفظوا القضية!.. - اشرب نخبك!". الشخصيات في الفصل الثاني دُمى متحركة، فحارسة البناية رقم 13 في الشارع رقم 12 تتأمل في الفلسفة الرواقية فترى أن الفلاسفة أصحاب ايديولوجيات وكنّاسون منهم الجار، السيد لولار والآنسة كولومبين، خليلة السيد بوليسون وسائق التاكسي الذي يشتم سائق الشاحنة قائلاً: "لماذا تخاطبني بصيغة المفرد؟ ألا تعرف استخدام صيغة الجمع؟" - ومعلّم المدرسة، والطيار ورئيس الصبيان الموزعين، وضحية الناقد، الأسقف مورفان(1) ، إلى آخر هذه الوجوه التي نراها في السيرك. تقدّم نهاية الفصل الثاني، إضافة إلى بيرانجيه الفاشل، خرقة إنسانية لا تثير الشفقة، إنه ادوار بأقواله وأفعاله التي تثير الريبة وتدعو للقلق. تصبح الشخصيات خطيرة حقاً في الفصل الثالث. الأم بيبا تشبه حارسة البناية(2) ، لكن الأم بيبا، تلميذة مارك أوريل، تصبح ردا أنثوياً على الأب أوبو: محرضة، سفيهة، مستخفة بالأخلاق والأعراف، تحثّ الجمهور على الجريمة، والإعدام دون محاكمة. الشرطيان عدوانيان، يعترضان الجندي ويشتمان العجوز - "هيا.. ابتعد.. إذا كنت أطرش، أو إذا كنت أبله.. اغرب عن وجهي!" يهددان بيرانجيه ويشكّان أنه صحفي: - الشرطي الأول للثاني): هل لديه آلة تصوير؟ - بيرانجيه: ليس لدي آلة يا سادة، فتشوني.. أنا لست مخبراً صحفياً.. - الشرطي الثاني: من حسن حظك أنك لا تحملها معك وإلا كنت حطمت وجهك! الشبح الآخير من هذه المجموعة هو القاتل. تقهقر الكلام عند بداية المسرحية يستخدم بيرانجيه لغة غنائية أقرب إلى الشعر، لغة غنية بالصور والاستعارات والإيقاع العذب والسجع الذي يترجم فرحه في الحياة واحساسه بالإمتلاء: ".. أصبح النور أكثر سطوعاً دون أن يفقد شيئاً من رقته، لقد كان كثيفاً جداً حتى صار صالحاً للتنفس، أصبح هو الهواء نفسه، بل صار النور صالحاً للشرب مثل الماء الصافي.. كيف أعبر لك عن ذلك البريق الذي لا مثيل له؟.. كأنما لو أن هناك أربع شموس في السماء". في نهاية هذا الفصل تسود اللهجة الغثة المبتذلة التي يلجأ إليها مفوَّض الشرطة و "صاحب المطعم الصغير": "من أجلك أنت يا سيدي المفوض عندي نبيذ بوجوليه حقيقي" و "فطيرة من لحم الأرنب محشوة بلحم الخنزير الطري" ومن هذه الغثاثة والابتذال يتفجر فجأة السخف واللامعقولية. لكن اللامعقولية تتزايد خاصة في الفصل الثاني، في مشهد الأصوات. يمتزج السخف مع البلاهة وتختفي كل فكرة لكن الكلمات تتابع ترابطها ولم تعد الشخصيات مسؤولة عن الحديث الذي تتبادله، فأغنية حارسة البناية هي تركيب غير محدود لمهفومي "الحر" و "البرد": عندما يكون الطقس بارداً، لا يكون حاراً عندما يكون الطقس حاراً، ذلك يعني أنه بارد! عندما يكون الطقس بارداً، هل يكون حارّاً؟ عندما يكون الطقس حارّاً هل يكون إذن بارداً؟ كيف يكون الطقس اذن عندما يكون لارداً [..] تشكّل المناقشات الدائرة بين أعضاء مجلس الإدارة سلسلة من الكنايات تتسلل إليها اشتقاقات لغوية: - هل عُرضت القضية على وفد من مندوبي الوفود؟ [..] - كلا، فقد حُلّت المسألة بواسطة نيابة وفد المندوبين [..] - وبما عندنا من معلمين رؤساء ومن معلمين مساعدين ومن نظراء المعلمين ومن حاشية المعلمين سنشكل قاعدة تنظيمية، ولجنة مشتركة. - سيؤلف المعلمون وحاشية المعلمين لجان أعمال من شركات المتعهدين وهذه بدورها ستؤلف جماعات اجتماعية.. - هناك المبدأ التنظيمي للقاعدة وهناك وجهة النظر التنظيمية للبنية الفوقية.. في الفصل الثالث يتضمن حديث الأم بيبا جميع الشعارات السياسية وجميع الصيغ التي تتبناها جميع الايديولوجيات الهابطة وجميع الدكتاتوريات. تتحدث الأم بيبا لغة القتل والجريمة، ويستخدم الشرطيان لغة العنف والقسوة: "انصرفْ من أمامي.. لحظة واحدة فأنا مشغول بهذا السيد.. لا تهتم بذلك، سنناله على كل حال في المرة القادمة.." أخيراً، نرى اللغة تتفتت في المونولوج الذي يلقيه بيرانجيه، فكلمات الحب والصداقة والكرم ما هي إلا قوالب تستر نزعة عاطفية منافقة، وتخفي حجج ومبررات الكراهية والجريمة، ثم يتلاشى اليقين، وتتساوى التأكيدات كلها في الشك الذي يعبر عنه بكلمة "ربما". - [..] لست أدري، ربما كان الذنب ذنبي، وربما كان ذنبك أنت، وربما لم يكن لا ذنبي ولا ذنبك، ربما لم يكن هناك ذنب على الإطلاق، ربما كان ما تفعله خيراً وربما كان شراً وربما لم يكن لا خيراً ولا شراً [..]. سيستخدم بيرانجيه بعد قليل كلمات على غير ما يهوى.. يفكر بالأخوّة لكنه يقيء شتائم. لقد فلّ سلاحه. عند خاتمة هذا التقهقر التدريجي تكتمل "تراجيديا اللغة". الســـــــقوط تغيرات الانطباع العام، سقوط الشخصيات، تقهقر اللغة، كلها ظواهر تشير إلى تجربة وجودية، تجربة السقوط. تحدّث بعض النقاد عن "مسألة الشر" في المسرحية، كتبت الناقدة مارسيل كابرون: "إنها "المسرحية" تعالج أكثر المواضيع اتساعاً ورحابة، الموضوع الذي يحوي المواضيع كلها: الإنسان في مواجهة الشر، الإنسان الذي يصارع الشر، الشر الذي يكتسي بمختلف الوجوه والأشكال، الشر الذي يأخذ شكل اللامبالاة، وهو الشكل الذي ربما كان أكثر الأشكال إفساداً للأخلاق"(1) . مع ذلك فالقاتل لا يمثل الشر، كما أن المشاهد المتتابعة ليست - أو ليست فقط - تجميعاً لأشكال الشر المختلفة. الحركة الدرامية هي عنصر أساسي في مغزى المسرحية، إنها تبرز الفقدان التدريجي للعفو والمغفرة، وتؤكد التورط في واقع ساقط. تصور الإنسان المطرود من الفردوس. هذا هو المضمون الانطولوجي لمسرحية "قاتل بلا أجر". "نعم، إنه السقوط، كما يقول يونسكو، إنها الخطيئة الأولى، وهذا يعني إنها شيخوخة العادة، أما الحدث اليومي المتجدد فما هو إلا غطاء رمادي نخفي تحته عذرية العالم"(1) . 1 "محاورات" مع كلود بونفوا ص107. عندما أفلس مسرح بابليون وبيعت تلك الاكسسوارات بالمزاد، لم تجد الجثة من يشتريها، سوى الساقين، قُطّعت الجثة قطعاً صغيرة لرميها في براميل الزبالة، لكن تم التخلص منها بطريقة أخرى رضوخاً لاعتراضات حارسات البنايات في الحي، تم نقل ما تبقى أثناء الليل إلى ضفة السين، وهكذا التقى الواقع والخيال. 1 لقد عرفت مادلين لحظات من الحنان، فخلال تناول الطعام تأثرت بوجه اميديه الحزين، قالت: "اسمعْ، يمكن أن نعتبر هذا اليوم استثناء، إنني أسمح لك، اشربْ كاساً من الخمر، هيا، إنك تبدو حزيناً". أثناء فترة الانتظار في الفصل الثاني تصدر عنها أيضاً حركة رقيقة حنونة ثم توقفت وراحت تلمّع حذاء الجثة. 1 محاورات مع كلود بونفوا ص96-97. 1 إرشادات حول إخراج المسرحية. 1 بودلير، أزهار الشر، قصيدة "الشؤوم". 2في مقدمة المسرحية.. 3الفارس: تمثلية مضحكة يغلب عليها التهريج والمرح. 3 leimpromptu هي مسرحية قصيرة تنطوي على الشعر والموسيقى. 1 الدائرة الفاسدة: le cercle vicieux في المنطق هي محاكمة خاطئة يُقدّم فيها كدليل الافتراض الذي ينطلق فيه المرء حسيب). 1 ربما لأن جان كوت كان قد نشر منذ فترة كتاب "شكسبير، كاتبنا المعاصر" فجان كوت كاتب بولوني. 2 المعيدات يعملن على إعادة شرح الدرس للطلاب. 3 تعبير أوجده رولان بارت يؤدي دوره في المسرحية بارتولوميوس الثاني. 1 "رأيت، ذات مرة، في مدينة ريفية كبيرة، وسط الشارع، في عز الصيف، حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر راعياً شاباً يحتضن حرباء.." أليس الراعي المذكور هو الكاتب؟ والحرباء التي أصبحت راعياً هي الناقد؟ لا توضح المسرحية ذلك، كما أن يونسكو تحاشى تفسير هذه الاستعارة. 2 مذهب الماهية: يرى أن الماهية تسبق الوجود بعكس الوجودية. 1 نرى، في الفقرة الأخيرة خصوصاً، تأثيرات نظريات يونغ على تفكير يونسكو. 1 انظر ملاحظات وملاحظات مضادة مناقشة لندنية). 1 يفكر القاري - ويونسكو أيضاً - بشخصية المساح في رواية كافكاً "القصر". 1 المقصود هو الناقد والصحفي مورفان لوبيسك. 2 أدّت ممثلة واحدة الدورين على المسرح. 1 جريدة كومبا 2 آذار 1959. 1 محاورات مع كلود بونفوا ص35. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |