يوجـين يونسكو - تأليف : كلود ابسـتادو - ترجمـة: قيس خضّور

مراجعة: حسيب كاسوحه - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:58 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

حياة: "التجوال في الغابة"

1- البحث عن الذات‏

هل الحياة شيء آخر سوى أن يشق المرء طريقه كالأعمى، بين الأغصان المتشابكة والنباتات المتسلقة؟ كتب يونسكو:"عندما أريد أن أروي حياتي فإنما أتحدث عن تجوال، أتحدث عن غابة لا محدودة، أو بالأحرى أتحدث عن تجوال في غابة لا محدودة"(1) تجوال، هذا صحيح، لكنه بحث أيضاً، بحث يحوّل المستقبل إلى مصير. فهمُ عالم لا معقول، إحاطة بمغزى الكائنات والأشياء، استكشاف الماضي والحاضر، إماطة اللئام عن اللغز، "البحث باصرار عن الجذور"، تلك هي أهداف البحث الذي قام به يونسكو.‏

البحث عن الجذور، إدراك حياة تريد أن تكون ذات مغزى، والتي يمكن) أن توجد في الإبداع الأدبي، هذا هو أيضاً معنى سيرته الذاتية.‏

"فتافيت"‏

ولد أوجين يونسكو في بلدة سلاتيما في رومانيا، في 26 تشرين الثاني عام 1912(1) . ينتمي إلى أصول فلاحية إلا أن جدّه هجر الأرض وصار والده محامياً وشغل مناصب هامة في القضاء والشرطة في فترة ما بين الحربين؛ أما والدته - تيريزا ايكار - فكانت فرنسية، وعندما أكمل عامه الأول قدم للإقامة في باريس حيث كان والده يتابع دراسة القانون.‏

ترسم الذكريات المشوشة التي حفظها من طفولته الباكرة وأوردها في "يومياته" وفي كتابه عن "المسرح" صورة والده التي طمسها النسيان، ووجه أمه وصوتها، وأخته الصبية، وأخاه الصغير ميرشا الذي مات بالتهاب السحايا وهو في شهره الثامن عشر. يذكر يونسكو الأماكن التي سكنوا فيها على التوالي: ميزون _ إلفور، ثم باريس، شارع مدام، ثم شارع بلوميه وشارع تياتر، ثم ساحة فيوجيرار.. "كنا نغيّر سكننا كثيراً‍". عام 1916 عاد والده إلى رومانيا فوجد نفسه مع أمه وأخته "كنت صغيراً جداً واضطرت والدتي للعمل في مصنع لتطعمني"(2) . إنها الحرب، المدفعية الألمانية تقصف باريس: ذكريات النزهات الليلية، الخرائب، الأشباح التي تظهر بين شقوق الجدران(3) . خالٌ،خالات، بعض أصدقاء أقاربه، بيت للأطفال قرب مودان حيث لقيت أخته العناية اللازمة؛ ثم نزلٌ في لونغ جيمو حيث أقام فترة من الزمن. ظلال منتزعة من الظلام.‏

كانت السنوات الأولى تمثّل للطفل الاكتشاف الخطير للعالم، تمثّل زمن الدهشة والألم الذي لا ينمحي. كانت والدته تأخذه كثيراً إلى مسرح العرائس في حديقة اللوكسمبورغ: العرائس المضحكة التي تتكلم، تتحرك، تتقاتل. كانت الدمى تعرض صورة كاريكاتورية لحركات البالغين. كان يونسكو يبقى هناك ساعات طويلة، رصيناً صامتاً: "كانت والدتي تقلق: هل مللت؟ - كلا‍ لقد كنت مذهولاً".(3) لقد عرف الطفل الحزن أيضاً أمام وجه أمه الباكي لقد اكتشف حالة الموت: "سألت أمي ذات يوم: هل سنموت جميعاً؟ أخبرتني الحقيقة!‍ قالت لي "نعم".كان عمري آنذاك أربع سنوات أو خمس. كنت جالساً على الأرض وكانت واقفة أمامي. إنني مازلت أراها. كانت تشبك يديها خلف ظهرها وهي مستندة على الجدار وعندما رأتني أنتحب - لأنني رحت أبكي فجأة - نظرت إليّ وهي عزلاء، عاجزة. لقد خفتُ خوفاً شديداً"(4) .‏

يبدو أن والدته كانت السبب العميق لحزنه، لقد ولّد الخوف في أحلامه الطفولية صوراً لكوابيس استولت عليه في ليالٍ طويلة حتى عندما سكنوا في لاشابيل - أنتونيز: "في أحلامي كانت الصور البشعة تشبه شخصيات بروغل أوبوش: أنوف ضخمة، أجسام مشوّهة، ابتسامات مخيفة، وأقدام متشعبة.(1) .‏

الفردوس:‏

حوالي عام 1921 أقام مع أخته في لاشابيل - انتونيز، وهي قرية صغيرة في منطقة المايين. "كنت مريضاً، مصاباً بفقر الدم، فأرسلتني والدتي لأسكن في مزرعة في الريف وأستعيد صحتي ونضارتي"(2) . أمّا وقد اعتاد الباريسي الصغير على رؤية السماء الرمادية والبيوت العالية السوداء فقد دهش عند وصوله، من صفاء الألوان، وانتشى من الأريج، وبدت له محطة السكة الحديدية والقضبان وسط الحقول ذات "جمال خيالي".(3) "نزلنا من القطار، على عكس اتجاه الطريق المألوف. انتظرنا، مع حقائبنا، أن ينطلق القطار. كانت المحطة صغيرة، وردية تحت أشعة الشمس، في قلب الريف، وسط الخضرة: أسيجة وأشجار وحقول [..] لمحتُ في البعيد جرس الكنيسة فحسبته برجاً في قصر. اعتقدت أننا سنسكن هناك، في غرف فسيحة مظلمة، خلف الأسوار، كما كانت تظهر في صور كتاب التاريخ وحكايات الجن"(4) .‏

كانت ذكريات تلك الفترة تؤلف صورة الفردوس.. كانت قرية مولان التي أقام فيها وسط وادٍ صغير، عند تقاطع ثلاث طرق، تحيطها القمم العالية المكسوّة بالأشجار والأدغالِ الخضراء: إنها عش حقيقي. في الشتاء، تصبح طريق القرية غير صالحة للاستعمال فتنطوي قرية مولان على نفسها، وفي الربيع تنفتح على منظر بديع يفيض بالأناشيد والألوان والعطور. إنه بعث لعالم حيث، عالم من طين: يتحوّل العش الصغير إلى مدى فسيح رحب.. "هناك حقاً اتحاد بين السماء والأرض"(5) .‏

لا وجود للزمن في لاشابيل - انتونيز. دورة الفصول، تسلسل الأعمال، يعيشها المرء في اللحظة الراهنة، خارج مسار الزمن: "تبتعد الأشياء، وتعود، وأنا ثابت في مكاني: يمضي الربيع، بسمائه وأزهاره، نعم، كان ينقضي، ويحلّ الصيف محلّه، أما الشتاء فيحمل معه ألواناً أخرى، أو مناظر متنوّعة، ثم يعود الربيع. إنه العالم يدورحولي، الزمن دولاب يدورحولي، وأنا أشعر أنني ثابت، خالد"(1) .‏

الريف، ومولان، وإيقاع حياة الفلاحين، "الأعمال والأيام" تلك الصور الغنية برمزية قديمة مواتية لإستلهام الشعر. إنها موجودة في المسرح وهي تعني الفرح والدهشة والجمال.‏

بينما كان يتشرد على الطرقات الوعرة، وفي الغابات الكثيفة، بينما كان يقرأ كتباً مصورة وكرّاسات تحضّ على التقى، ومطبوعات قديمة يجدها في المستودع، أو عندما يشرد ذهنه عن دروس الأب "غينيه"، كان الطفل يحلم أن يصبح قديساً أو ماريشالاً: "أريد أن أصبح قديساً، هذا هو المجد العظيم. لا أريد أن يكون قدري تافهاً. قرأت الكتب الدينية وقد سئمت منها)، يجب على المرء أن لا يبحث عن المجد، والمرء لا يأتي إلى هذا العالم ليمجّد نفسه.‏

لن أكون إذن قديساً، قرأت سيرة تورين وكونديه في كتب مكتبة المدرسة فقرّرت أن أصبح ماريشالاً" (2) .‏

لقد اهتم بالمسرح أيضاً. في الصيف، كنا نتسلّى بتمثيل المسرحيات. كانت سيمون تحمل عصا بيدها وكنا نجتمع حولها؛ قرب أكداس من القش، وسط الساحة، كانت تقرأ علينا الأشعار، وترقص، ثم علمتني كيف أقول: هناك نوعان من الحساء، الحساء الدسم والحساء قليل الدسم، وأنا أتمنى لك رغد العيش(3) .‏

المراهقة:‏

"كنت مركز العالم، واحسرتاه، قوة هائلة دفعتني إلى الزمن، إلى الحلبة"(4) . عندما بلغ يونسكو الحادية عشرة عاد إلى باريس وكتب أولى قصائده وسيناريو مسرحية كوميدية نجد بعض ملامح أسلوبها في مسرحه فيما بعد: "تنتهي المسرحية على النحو التالي: يتمّ تحطيم كل شيء في البيت. يجتمع سبعة أطفال أو ثمانية، يتناولون طعاماً خفيفاً، ثم يكسرون الفناجين والصحون، يحطّمون الأثاث، يقذفون آباءهم من النافذة."(1) كتب مسرحية وطنية أيضاً "مرحلة الشباب تغفر كل شيء"(2) "لقد علّموني أن اللغة الفرنسية أجمل لغات العالم، وأن الجنود الفرنسيين أشجع الجنود، لم ينهزموا إلاّ بسبب الخيانة وعلى مدى اثنتين وثلاثين صفحة كتبتُ مأساة جندي من ضحايا الحرب، يلقي مونولوجاً يمجّد الوطن فيه. كان عنوان المسرحية "من أجل الوطن". لم أجد ضرورة لترجمتها عندما وصلت إلى رومانيا إذ علّموني هناك أن اللغة الرومانية أجمل لغات العالم، وأن الجنود الرومانيين أشجع الجنود ولم يعرفوا الهزيمة إلا بسبب الخيانة"(3)

عام 1925، وكان في الثالثة عشرة من عمره، اضطرّ يونسكو للعودة إلى رومانيا، وتعلّم لغة يجهلها،واضطرّ أن يغيّر عالمه، وإيقاع حياته. عندما تمّ الطلاق بين والديه وجد نفسه ممزّقاً بين أم ارتبط بها خلال طفولته كلها وبين أب يكاد لا يعرفه(4) حكمت المحكمة بإلحاقه به. عن هذه الفترة تنقل لنا "يومياته" ذكرى علاقاته المرهقة القاسية مع أ بيه. "كان والدي يأتي إلى غرفتي عندما كنت في الحلقة الثانوية، ليرى إن كنت أكتب وظائفي، أو ليوبخّني عن أمر لا أدري كنهه. كنت أنهض وأراقبه وهو يعبث بكل شيء، يفتش أدراجي، وكتبي؛ يفتح دفاتري، يقرأ مذكراتي الخاصة جداً، ويردد أبياتي الشعرية بصوت عالٍ. كان يحمرّ غضباً، ثم يزداد غضبه تدريجياً فينهال عليّ بأقذع الشتائم"(5) .‏

تمرد المراهق تمرّداً تاماً. "كل ما فعلته كنت أفعله نكاية به.. نشرتُ مقالة هجائية ضد وطنه لم تكن كلمة وطنه مقبولة ولا محتملة لأنها تعني وطن للأب، أمّا وطني أنا فهو فرنسا بكل بساطة لأنني عشت فيها مع أمي."(1) لم تكن هذه العداوة بين الأب والابن قائمة على أسس عادلة، ومن غير المعقول أن لا تسبب ألماً وعذاب ضمير. لقد اعترف في مسرحية "ضحايا الواجب" خلال حوار مؤثر عن حب الأب وحب الابن "لم نتفاهم أبداً يا والدي.. أتراك قادر على فهمي؟".‏

بعد نهاية الدراسة الثانوية فكّر يونسكو أن يصبح ممثلاً، أمّا والده فكان له رأي آخر: "كان يريدني أن أصبح بورجوازياً أو قاضياً أو ضابطاً أو مهندساً كيميائياً"(2) . التحق أخيراً بقسم اللغة الفرنسية في جامعة بوخارست ليصبح مدرّساً. لم تكن حياته الجامعية سهلة أبداً: اختلف مع والده وراح يعطي دروساً ليؤمن عيشه. لم تكن الحيطة والتوفير من همومه الأساسية "أذكر أننا بذلنا جهوداً للصلح، كنت في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة، وكنت قد تركت منزل والدي لأعيش في غرفة مفروشة، ولكي أستطيع دفع الإيجار اضطررت لإعطاء دروس في اللغة الفرسية. لم يكفني هذا الدخل ولم أجد ما آكله حتى منتصف الشهر، أما خلال النصف الثاني فكنت أذهب إلى بيت طلاب في كلية الطب حيث تعرّفت على زميل يتقاضى منحة [..] كان يقدّم لي خلال خمسة عشر يوماً الخبز والشاي. رأيت والدي خلال تلك الفترة مرتين أو ثلاث، لقد كان غنياً وكنا نتصافى أحياناً فيعطيني نقوداً كنت أنفقها في الحال فأدعو رفاقي وأقيم لهم وليمةعامرة. كانت السهرة تنتهي عند الفجر فنعود إلى بيوتنا في عربة خيل بعد أن نقوم بجولة في أنحاء بوخارست لأوصل كل شخص إلى بيته. كنت أنفق آخر فلس أملكه، وفي اليوم التالي أنزوي في غرفتي ولا أردّ على نداءات صاحبة الغرفة التي تطالبني بالإيجار.."(3)

مرحلة الرشد:‏

بينما كان يونسكو يتابع دراسته، بدأ، والأصحّ أن نقول: تابع الكتابة مغيّراً في أشكال التعبير. نشر عام 1931 قصيدة "مراثي موجهة لكائنات صغيرة" استهلم فيها الشعر الرمزي، كما ألّف رواية، لكنه أدان بلا شفقة، فيما بعد، هذه المحاولات: "أشعاري رديئة تدعو للرثاء، فيها تجسيم بدائي متخلف: أزهار باكية نازفة تحلم بالبراري والربيع وبما لا أدري. كنت آنذاك في السابعة عشرة فنلت شفاعة ماترلنك وفرانيسيس جام [..] ثم حاولت كتابة رواية. حدث ذلك منذ زمن بعيد - ماذا كان موضوع روايتك؟ - أنا بالطبع" (1) . نشر مقالاته في مجلات عديدة: زودياك، أزي، فلورادي فوك، فياتا ليتيرارا، رومانيا لتيرارا، فاكلا، يونيفرسال ليتيرار.. لقد واجه الادعاء العلمي لدى مدرّسي الجامعة بالتصور النقدي عند بندتوكروتشه، إضافة إلى التأكيد على روح الأصالة وإطلاق العنان للتأمل في "الفكر الجمالي" المتميز كل التميز عن الفكر المنطقي.‏

عام 1934 أثار موجة عارمة من ردود الفعل في الأوساط الأدبية الرومانية إذ نشر مجموعة من المقالات النقدية هاجم فيها كتّاباً مشهورين - اغنيزي، باربو، بترشكو، واتهمهم بفقدان الأصالة وبالنزعة الاقليمية الضيقة، وبعد عدة أسابيع نشر مجموعة مقالات أخرى رفعهم في مديحه إلى السماء. "بعد ذلك، لم ينظر أحد إليّ على أنني ناقد جاد"..(2) لكي يبرر يونسكو مسلكه كتب دراسة بعنوان "لا" حول تطابق الأضداد وتجاوز الاختلافات ومن المفيد أن نكتشف في هذه "البواكير اليونسكية" الأفكار الأساسية للمسرح المقبل، ولكتابة "ملاحظات وملاحظات مضادة".‏

كان الوضع السياسي في رومانيا يدعو للقلق: بعد عام 1933، شجّعت ألمانيا حركة الحرس الحديدي الفاشية، وترسخت في الجامعة الايديولوجية النازية التي أغمدت العنف والعنصرية في الجامعة، متنكرة تحت شعارات مذهب نيتشه والتيارات المتفرعة عنه. رفض يونسكو ذلك الاغراء، وقاوم ذلك التيار. "قبل أن أتمكن من إيجاد الأجوبة، وقبل أن أعرف أسباب رفضي، كنت أعاند تلقائياً كل شيء، بلا برهان، ودون حجّة إلا تلك الحجّة الخرساء العميقة النابعة من القلب".(1) لكن الأساتذة والرفاق مارسوا ضغطاً معنوياً هائلاً، وكان لهم تأثير يصعب تجنبه: "كنت أشعر أكثر فأكثر أنني وحيد. كنا مجموعة من الشبان لم نقبل تلك الشعارات والايديولوجيات التي تحاصرنا. كان من الصعب جداً أن نقاوم، ليس فقط في مجال العمل السياسي، بل في أبسط مجالات المقاومة الأخلاقية أو الفكرية، حتى لو كانت تلك المقاومة صامتة، لأنه عندما تكون في سن العشرين، وهناك أساتذة يقدّمون لك نظريات ودراسات علمية أو شبه علمية، وهناك الجرائد، والجو العام، والمذاهب، أي هناك حركة كاملة ضدك، يكون من الصعب حقاً أن تقاوم،أي أن لا تميل إلى الاقتناع".(2) كان أي حوار يغدو مستحيلاً، وكل مقاومة خطيرة، فانطوى يونسكو على نفسه وكرّس وقته لـ "يومياته" يكتب، كما يقول، عشرات الصفحات بل دفاتر كاملة، يحلّل ويدرس خلافاته مع زملائه وأصدقائه القدامى الذين انتسبوا إلى منظمة الحرس الحديدي، ولكي يواجه دعاية طاغية بقناعاته الداخلية نجده يتبنى هذا الموقف في مسرحية الكركدن.‏

في هذا الليل الأوربي الدامس لمع بريق من نور. عام 1936 تزوج روديكا بورلينانو، طالبة الفلسفة. "عندما أخبرتُ والدتي أنني سأتزوج ذهبت إلى خطيبتي، وعندما فتحت لها الباب نظرت إليها والدتي برهة، رغم أنها كانت تعرفها جيداً منذ زمن طويل، كما لو أن التي أمامها امرأة أخرى: كانت تنظر إليها بعينين مختلفتين [..] إنها الأميرة التي ستكون وريثتها وستصبح عمّا قريب ملكة وتحتلّ مكانها. بما أن زوجتي المقبلة ردّت على نظرات أمي، فقد اغرورقت عيناها بالدموع لكنها سيطرت على انفعالاتها وراحت شفتاها ترتجفان وتعبّران عن شيء لا يقال. لا أدري إلى أي مدى كانتا تدركان ما تقولانه دون كلام. كان حواراً صامتاً ونوعاً من الطقوس القصيرة تعيدان اكتشافها، بصورة عفوية كما لو أنها انتقلت إليهما من قرون.. كان نوعاً من انتقال السلطة [..] لم تدم تلك الشكليات سوى لحظات، لكن كان من الضروري أن تتم حسب الأصول؛ حسب قانون قديم جداً ولأنها كانت سراً غامضاً لقد وافقت زوجتي ولعبت تلك اللعبة المقدسة وأذعنت لإرادة، لقوّة تفوّقت عليهما، وربطت بيننا إلى الأبد [..] توفيت والدتي بعد ثلاثة أشهر من زواجي، كنت أحبها حباً هائلاً"(1) .‏

اشتغل يونسكو مدرّساً للغة الفرنسية في ثانوية شعانتول سافا الوطنية في بوخارست، وفي عام 1938 حصل على منحة الحكومة الرومانية للذهاب إلى باريس وإعداد دراسة حول "فكرة الخطيئة والموت في الشعر الفرنسي منذ بودلير". بقيت الدراسة في مرحلة التخطيط لكن يونسكو أدّى التزاماته: لقد كتب مسرحاً كاملاً حول هذين الموضوعين.‏

امتزج الفرح برؤية فرنسا بعد ثلاث عشرة سنة بالقلق من "تصاعد الأخطار". أمّا وقد خرج من كابوس فقد رأى الناس حوله يناقشون الموقف برضى ويتيهون في أحاديث تافهة.‏

ربيع عام 1939 قام يونسكو بزيارة لاشابيل - أنتونيز فوجد "بقايا الذكريات" على قيد الحياة. لكن فرحه لم يكتمل إذ امتزج فيه حنين "عميق جارح" ورغبة مجهولة للأشياء التي فقدها إلى الأبد: الماضي يغرق في النسيان، وعلى الحاضر يهيمن شبح الحرب "هل هو احتضار أوربا؟ أخاف أن تكون هذه نهاية كل شيء. الموت هو النهاية، هو الحاضر المحدّد. في السفينة التي تغرق كنت أعيش وخوفي يتزايد أضعافاً مضاعفة"(2) .‏

عالم ينهار، بولونيا تُسحق "يا للحرب السخيفة" هزيمة فاستسلام. حرب خاطفة على أوربا، ليل وضباب Nachtund Nebel. سافر يونسكو وزوجته إلى رومانيا فوجدا بلداً ممزّقاً بين هنغايا وبلغاريا وروسيا، بلداً تفترسه النازية الكاسحة. ما العمل في هذه الفوضى، مع غياب العقل والقيم الحضارية، عندما يكون الوجود الشخصي مهدداً كل لحظة؟ العودة إلى فرنسة هي هدفي الوحيد، والهدف صعب المنال". لم يكن الانتقال والسفر على درجة من السهولة في أوربة التي تجتاحها الحرب، محاولة الحصول على جواز سفر، وإجازة مرور، وتأشيرة دخول، كانت تعني الدخول إلى عالم كافكا. مُنحت التأشيرات، ثم رفُضت، وأُلغيت، وتعاد المحاولة عشرين مرّة. أخيراً تمكّن يونسكو من "الهرب" لكنه ببساطة غيّر السجن لا أكثر. وفي فرنسا تحتّم عليه البقاء. "كنا نفتقد المال تماماً وبجانبي رزمة ضخمة من المغلفات كان عليّ أن أضع فيها نشرات توضيحية وعلى المغلفات أسجّل عناوين. لقد بدأت أعيش من قلمي"(1) . بعد ذلك اشتغل يونسكو مصحّحاً في دار نشر كما أن زوجته وجدت عملاً. في عام 26 آب 1944، ولدت طفلتهما ماري - فرانس.‏

2-الكاتب المسرحي‏

تجربة مسرحية مزدوجة:‏

إذا كانت علاقات يونسكو مع الأوساط الأدبية قد فترت عام 1948 فإنه لم يفقد اتصاله بالآداب والفنون، بالشعر والنقد والرسم والموسيقى والسينما. استمر في الكتابة وقد "سيطر عليه شيطان الأدب"، وهذا ما تشهد به يومياته، لكنه لا يحب المسرح.‏

لم يكن لديه أي ميل للكتابة المسرحية - كما يدّعي. - قرّر ذات يوم أن يتعلم اللغة الانكليزية ليكمل ثقافته، وكانت النتيجة غير متوقّعة: "لكي أتعلّم اللغة الانكليزية، اشتريت إذن، منذ تسع أو عشر سنوات، كتاباً يحوي حوارات في اللغتين الانكليزية والفرنسية للمبتدئين. بدأتُ الدراسة، ولكي أحفظ مجموعة جمل عن ظهر قلب رحت أنسخها بوعي عن كتابي، عندما أعدت قراءتها بانتباه، لم أتعلم اللغة الانكليزية، بل اكتشفت حقائق مدهشة: اكتشفت أن الأسبوع سبعة أيام وهذا ما كنت أعرفه من قبل: واكتشفت أن السقف في الأعلى والأرضية في الأسفل وهذا أمر كنت أعرفه أيضاً لكنني لم أفكّر فيه جديّاً من قبل، أو أنني كنت قد نسيته، لكنه بدا لي، فجأة، لا يقلّ إثارة عن أية حقيقة غير قابلة للنقاش [..] ولدهشتي الكبيرة فإن مدام سميث أعلمت زوجها: أن لهم عدّة أولاد وأنهم يسكنون في ضواحي لندن وأن اسمهم هو سميث، وأن السيد سميث كان موظفاً في مكتب، وأن لديهم خادمة اسمها ماري، وهي انكليزية أيضاً، وأن لهم أصدقاء منذ عشرين سنة هم آل مارتن، وأن بيتهم عبارة عن قصر "لأن بيت الرجل الانكليزي هو قصره الحقيقي". كنت أقول في نفسي إن السيد سميث مطلّع إلى حّد ما على ذلك كله، لكن هل ذلك مؤكد؟ هناك أناس غافلون تماماً"(1) .‏

قرر يونسكو أن ينقل إلى معاصريه تلك الحقائق الأساسية التي اكتشفها من جديد. راح يرتّب الجمل الموجودة في كتابه جملة بعد أخرى، وينقل بتواضع المعرفة التي اكتسبها: أحاديث تربوية بشكل خاص! يروي يونسكو قائلاً: "مع ذلك، حصلت ظاهرة غريبة ولا أدري كيف: كان النص يتحوّل تحت نظري، بشكل غير محسوس، ضد إرادتي، كانت الجمل البسيطة الواضحة التي نسختها على دفتري بجدّ وحماس، تتصفّى بعد مدة من الزمن، وتتحرك من تلقاء نفسها، وتتعفن، وتغيّر طبيعتها [..] واحسرتاه، فالحقائق الأولية الصحيحة التي يتبادلها الأفراد، المرتبطة بعضها ببعض، غدت جنوناً، وفقدت اللغة انسجامها، والشخصيات خسرت وحدتها.."(1) أطلق يونسكو على المسرحية التي كتبها بتلك الطريقة "المغنية الصلعاء" لأن المسرحية لا تحوي أية مغنية صلعاء أو غزيرة الشعر"(2) .‏

تلك هي الأسطورة - وهي ثمرة خيال مسرحي بحت- التي نُسجت حول بدايات يونسكو المسرحية، أسطورة يلجأ إليها هو نفسه بأسلوب فكاهي، أما الحقيقة فإن مسرحية "المغنية الصلعاء" لم تكن "حادثاً". لقد جرّب يونسكو، وهو المسرحي بالفطرة، المسرحي وهوصغير جداً. لقد وجد في الحوار الشكل التعبيري الذي يوافق صراعاته الداخلية ويسمح له بترجمة تناقضات حياته وتجاربه: المسرح موجود في داخله، في عقله، في طريقته لرؤية العالم: "إذا كنت قد كتبت للمسرح ولم أكتب رواية أو دراسة فذلك لأن الدراسة والرواية تفترضان وجود فكر منسجم متماسك، بنيما يمكن للفوضى والتناقضات أن تجد طريقاً سالكاً في المسرحية"(4) .‏

من ناحية أخرى، إذا كان كتاب لتعلّم اللغة الانكليزية قد أحدث ذلك الالهام فذلك لأن يونسكو لا يستخدم ببساطة الكلمات كأدوات، بل يحب الكلمات لذاتها، ليروّضها، ويفتتن بها بعد ذلك. إنه كاتب. ظروف حياته أيضاً، تعلمه للغة ثانية في وقت متأخر، ازدواجية اللغة المتأخرة، وتدريس اللغة الفرنسية - دفعته للتساؤل عن العلاقات الكامنة بين الكلمات والأشياء، وعن الروابط بين الفكر واللغة، ومسائل الترجمة: "وصلت إلى بوخارست وأنا في الثالثة عشرة من عمري، ولم أغادرها قبل السادسة والعشرين تعلّمت اللغة الرومانية هناك، في الرابعة عشرة والخامسة عشرة كانت علاماتي رديئة في مادة اللغة الرومانية وعندما بلغت السابعةعشرة أو الثامنة عشرة صارت علاماتي جيدة. تعلمت الكتابة، وكتبت أشعاري الأولى باللغة الرومانية، لم أكن أكتب باللغة الفرنسية بنفس الجودة، كنت أرتكب بعض الأخطاء، وعندما رجعت إلى فرنسا، كنت أعرف اللغة الفرنسية لكنني لا أستطيع الكتابة بها، أقصد الكتابة الأدبية فاضطررت للتعوّد عليها من جديد، التعلّم، نسيان التعلّم، التعلّم من جديد أعتقدأنها تمارين نافعة"(1) . التلاعب، بالألفاظ في "المغنية الصلعاء" هو إذن ثمرة تفكير لغوي خاص، إنها لعبة كان يمارسها منذ زمن بعيد، من أجل المتعة، في "يومياته".‏

قُدّمت "المغنية الصلعاء" أولاً إلى الكوميدي فرانسيز لكنها رُفضت، ثم إلى فرقة رينو - بارو فأخرجها نيكولا باتاي في أزياء وديكورات مستعارة على مسرح نوكتامبول، وقُدّمت لأول مرة في 11 آذار 1950. عُرضت المسرحية آخر النهار، حوالي الساعة السادسة، بينما كانت تُعرض مسرحية بريخت "الاستثناء والقاعدة" لأول مرة في فرنسا، وكذلك مسرحية كافكا الوحيدة "حارس المقبرة" لهذا اللقاء بعد عشرين عاماً قيمة رمزية). انتهت "المغنية الصلعاء" دون أن يلحظها أحد اللهم إلاّ بعض النقاد - جاك لومارشان، رونيه سوريل، جوستاف جولي، جان بولان رمان سالاكرو - الذين أدركوا مغزى هجوم يونسكو، ثم أُعيد عرض المسرحية على مسرح لاهوشيت أعوام 1951، 1952، 1956، ومنذ انضمت إلى ذلك التاريخ اتحدت مع مسرحية "الدرس" واحتلت لوحة الإعلانات فقُدّمت أكثر من 4500 مرة وهذا رقم قياسي لم يبلغه أحد.‏

كانت البروفات والعروض المسرحية بالنسبة ليونسكو نوعاً من الكشف والتجلي لقد بهرته رؤية تصوراته تتحقق، والشخصيات التي حلم بها تمتلئ بالحياة. لقد بدا له الأمر "شيطانياً". لقد اكتشف ما لديه مما يقال وكيف يقال.‏

في الفترة نفسها، وبمساعدة نيكولا باتاي، أغنى يونسكو خبرته المسرحية إذ جرّب التمثيل. على مسرح الاوفر، وفي مسرحية اقتبسها "كاكيا فيالا عن كتاب "الممسوسون" لدستوفسكي، قدّم يونسكو شخصية ستيبان تروفيموفتش. تجربة التمثيل هي امتلاك لشخصيته الذاتية وفقدانها أيضاً معاً بكل وضوح. كانت تأدية الدور، بالنسبة ليونسكو، إثباتاً بأنه يأخذ شخصية أخرى على عاتقه، بينما يعاني المرء كثيراً لكي يحتمل شخصيته الذاتية، وعليه أن يفهم هذه الحالة بمساعدة المخرج بينما لا يفهم المرء نفسه"(1) .‏

لكن هذا التدريب، وهذا الخلق المستمر سمحا للكاتب المسرحي أن يدرك بشكل ملموس أن المسرحية ليست النص المكتوب فقط، بل هي لعبة جماعية كاملة.‏

من مسارح الأقبية إلى الصالات الذهبية‏

والصالات الأرجوانية:‏

من الآن فصاعداً، تتحد سيرة يونسكو الذاتية - تقريباً - مع سيرة مسرحه. لقد صدمت مسرحياته الأولى عادات وذوق الجمهور. استفزاز مقصود تؤكده الملاحظات على هامش المسرحية.. هذه الفضيحة، وهذا التعدّي على رفاهية المشاهدين الفكرية تؤكدان الرغبة في تدمير "المسرح الاستهلاكي" وليس الرغبة في الإساءة لجمهوره.‏

لم يلتبس الأمر على الجمهور أبداً. هناك نقّاد أعلنوا عداءهم لذلك المسرح مثل جان غوتييه وروبير كمب، أما جاك لومارشان فإنه يروي بطريقة ساخرة العروض الأولى لمسرحية "المغنية الصلعاء": "سأذكر دائماً بمتعة، الطريقة التي قوبلت فيها "المغنية الصلعاء" عندما عُرضت في أيار 1950 على مسرح نوكتامبول. همسات الضيق، النقمة العفوية، والاستهزاء. لقد أمضيت أمسية مسليّة فريدة لم يزدها تذمّر قسم من وجهاء الحاضرين، وضحكاتهم الساخرة إلا متعة وظرافة"(1) .‏

بعد مسرحية "المغنية الصلعاء" كانت مسرحيات: الدرس، الكراسي، ضحايا الواجب، عدواناً مشابهاً على الجمهور، لم تلق من النجاح أكثر مما لقيت "المغنية الصلعاء": "هناك أناس يربكهم ذكاؤهم، يشعرون به في داخلهم مثل ثعلب صغير [..] دُعي الوجهاء لحضور مسرحية الدرس. جاؤوا حاملين ثعلباً في جيوبهم، لقد بيّن لهم ثعلبهم - لقد أدرك أخيراً - أنه منذ اللحظة التي تُسمّى فيها مسرحية لأوجين يونسكو باسم الدرس فذلك يعني أن موضوعها يمكن أن يدور عن أي شيء إلاّ التعليم [..] حول أي شيء تدور أحداث المسرحية؟ كان الثعلب يتساءل عند الخروج من المسرح - حسناً، إنها تدور حول الدرس، كما اضطر الوجهاء للاعتراف: وهذا لم يخفف شيئاً من ضيقهم [..] الكراسي، ثم ضحايا الواجب، طرحتا كل شيء للنقاش من جديد. هناك كراسي حقيقية في مسرحية الكراسي، لكن ليس هناك رجال إطفاء احترقوا أحياء في مسرحية ضحايا الواجب"(2) .‏

هذا العداء بين الكاتب والجمهور لم يكن سمة خاصة بيونسكو، ففي تلك الفترة، في مسارح الأقبية في الحي اللاتيني، وفي المسارح التجريبية في المقاطعات، كانت فرق من الشباب تقدم مسرحيات لكتّاب جدد أوغير مشهورين مثل: أوديبرتي، جينيه، أداموف، شحادة، فوتييه، بيكت، بريخت.. لقد جدّد هؤلاء الكتّاب الشباب أشكال التعبير المسرحي، وهاجموا مسارح التسلية، وخلقوا ذوقاً جديداً. لقد تعرّضوا للقطيعة والسخرية عام 1950 كما أن مسرحياتهم عُرضت تحت صيحات الاستنكار والاستهزاء، لكنهم فرضوا وجودهم في أقل من عشر سنين، وأصبحوا الآن كلاسيكيين بلا جدال، ولهم جمهورهم الوديع المسالم المحترم، المرتبك قليلاً أمام لوحات وأقوال ومشاهد تنتزعه من نفسه بواسطة الضحك والحلم.‏

هذا التطور، الذي رأيناه لدى الجمهور والنقاد، انتقل من اللامبالاة إلى العداوة ومن صغير الاستنكار إلى تضعيف الاستحسان هذا التطور، يتحدث عنه يونسكو بسخرية في إحدى رسائله عام 1957: "منذ سبع سنوات عُرضت أولى مسرحياتي في باريس، لقد كانت فشلاً بسيطاً أو فضيحة محدودة. تضاءل الفشل في مسرحيتي الثانية وخفّت الفضيحة وفي عام 1952، مع مسرحية الكراسي، بدأ النجاح يزداد. كان ثمانية أشخاص غاضبين يحضرون المسرحية كل ليلة، لكن الضجة التي أحدثتها هذه المسرحية وصلت إلى أسماع عدد كبير في باريس، وفرنسا، وعبرت الحدود الألمانية. وفي مسرحياتي الثالثة والرابعة والخامسة.. والثامنة كان الفشل يتضخم، وينتقل بخطى عملاقة فعبرت الاحتجاجات بحر المانش واجتازت جبال البرينه، وسُمعت في ألمانيا، ووصلت إلى إسبانيا وإيطاليا وركبت السفينة إلى انكلترا. هل تتحول الكمية إلى نوعية؟ أعتقد ذلك إذ أن عشر حالات من الفشل أصبحت الآن نجاحاً؛ وإذا ما استمر الفشل فذلك يعني النجاح حقاً"(1) .‏

كانت الفضيحة تكبر وتنتشر، إذ بعد الصالات الصغيرة مثل نوكتامبول، تياتر دو بوش - مونبارناس الدرس 1951) نوفولانكري الكراسي 1952) تياتر دوكارتييه لاتان ضحايا الواجب 1953) تياتر دوبابيلون اميديه 1954) لاهوشيت جاك 1955)، صارت مسرحيات يونسكو تُعرض على ستديو شانزلزيه مسرحية الما 1956) تياتر الاليانس فرانسيز المستأجر الجديد 1957 على تياتر ريكامييه قاتل بلا أجر 1959). لقد أعيد عرض هذه المسرحيات وتُرجمت، وقُدّمت في انكلترا وإيطاليا وفنلندا، وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية واسبانيا ورومانيا.. كما أن بعضها - المستأجر الجديد، مشهد رباعي، الكركدن - عُرض في الخارج قبل أن يُعرض في فرنسا. أصبح يونسكو كاتباً مسرحياً ذا شهرة عالمية.‏

مسرحيات قصيرة، اسكتشات، مسرحيات متعددة الفصول، راحت تتوالى. كان يونسكو يطرح كل مرّة مسائل مختلفة ويكتشف مواضيع جديدة، وينوّع أساليبه، وفي الوقت نفسه كان يكتب قصصاً قصيرة يستلهمها من أحلامه: ضحية الواجب 1952) الراية دون تاريخ) صورة الكولونيل 1955) الطين 1956) الكركدن 1957) الماشي في الهواء 1961)(1) .‏

لقد استخدمت تلك القصص، عدا الطين، أرضية لمسرحيات. والمقارنة بين هذه القصص القصيرة وما يقابلها على المسرح تسمح لنا بتحليل ومتابعة آلية الابداع لدى يونسكو، كما تسمح بدراسة تحولات التجربة الحياتية، ومسرحة الصور التي يراها في الحلم وتشكل النزعة الرمزية لديه.‏

المؤلف ومشاكله‏

لا يتم نجاح الكاتب سريعاً بلا مخاطر. النجاح، الدافع إلى الاطراء دائماً، يقضي على القلق، ويسمح بقهر الشكوك؛ لكن المجد يرسم الشخصية ويجمدّها. الجمهور يريد الاستجابة إلى توقعاته، بينما يفتش النقّاد عن استمرارية النجاح ودوامه. أما بالنسبة للمؤلف، فقد تكون المحاولة عظيمة لكي يتقن رسم خطوط قناعه ولا يبدّل فيها شيئاً.‏

تدور حول يونسكو حرب كلامية عنيفة فاندريه بروتون وبنجامان بيريه يكتشفان لديه المسرح السريالي الذي حلما به: "هذا ما أردنا تحقيقه منذ عشرين عاماً" أمّا جاك لومارشان فيعبر عن إعجابه: "يضم مسرح لاهوشيت بين حناياه ما يمكن أن يتجاوز مسارح باريس كلها"(1) أمّا جان - جاك غوتييه فيدينه: "لا أعتقد أن السيد يونسكو نابغة أو شاعر؟ لا أعتقد أن السيد يونسكو مؤلف ذو شأن، ولا أعتقد أن السيد يونسكو كاتب مسرحي، ولا أعتقد أنّ السيد يونسكو مفكّر أومعتوه، ولا أعتقد أن لدى السيد يونسكو ما يقوله، أعتقد أن السيد يونسكو مهرّج لا أريد أن أعتقد عكس ذلك لأن الأمر يغدو محزناً جداً) لأنه مخادع وهو بالتالي هازىء"(2) .‏

بين الحماس ليونسكو والنقمة عليه، حاول النقد الصحفي أن يحدّد أصالة يونسكو، يشرح، يبين، يحصر، يعنون بتعابير موجزة قاطعة. شعر يونسكو أنه محاصر، وأنه وقع في الفخ، فثار وتمرّد. يقول معترضاً في مقدمة كتابه ملاحظات وملاحظات مضادة: "لقد ناضلت لإنقاذ حريتي الفكرية وحريتي ككاتب". يمكن الاعتقاد أيضاً أنه شعر أحياناً بضرورة النظر إلى أعماله عن بعد، وضرورة الرؤية الواضحة في بحثه الذي لم ينل رضاه دائماً. لدى الكاتب الحقيقي يتناوب التفكير والابداع، وتتحد الرؤية النقدية الواضحة مع الحماس"(3) .‏

لقد سمحت المقالات والمحاضرات والمقابلات الحقيقية والوهمية وهذا مجال آخر من نشاط نقدي بدأه في رومانيا منذ عشرين سنة) ليونسكو أن يردّ على الهجمات وأن ينكر بعض التفسيرات وأن يطعن في إخراج بعض مسرحياته المعبرة عنه.‏

لقد ساعده ذلك على تعميق معرفته، وفهم نفسه، ورد في كتابه "تجربة المسرح": "لا تشكل الآراء التي سبق وأعلنتها نظرية في الفن المسرحي، لم تسبق تلك الأفكار تجربتي الشخصية في المسرح بل جاءت بعدها وقد ولدت تلك الأفكار من إمعان النظر في أعمالي، سواء كانت تلك الأعمال جيدة أم رديئة.. لقد ولدت تلك الأفكار بعد فوات الأوان. ليس لديّ أفكار قبل كتابة المسرحية لكنها تأتي بمجرد البدء في الكتابة أو خلال توقفي عنها".‏

هذا نقد يهاجم ويبحث. يدافع يونسكو عن نفسه فيقول: "أحياناً وفي لحظة غير متوقّعة أبداً، تبدأ إحدى الشخصيات في طرح نظرية(1) مع ذلك فإن الهجوم المعاكس كما في الحرب الحقيقية) اقتضى أن يوضع النقّاد في مواقع متقابلة، يناقض بعضهم بعضاً، أو أن يتناقض الناقد مع نفسه وذلك بتجميع الأحكام والآراء من فترات زمنية مختلفة(2) .‏

تشكّل هذه التناقضات حواراً إلى حدٍّ ما، فلم يرفض يونسكو هذا الحوار فعرض نقّاده على المسرح كما عرض نفسه معهم. بعد موليير وجيرودو، كتب يونسكو "مسرحية صغيرة"وعرض فيها حجج وآراء منتقديه، إنها "الما" عام 1955.‏

ذلك الانفعال الذي كتب به تلك المجادلات أقلق بونسكو أحياناً. هل كان يأخذ نفسه على محمل الجدّ؟ أم عليه أن يكتشف باستمرار أنه كان كذلك؟ "لقد سخرت من نفسي باستمرار فيما أكتب. يجب الاعتراف أنني تخليت عن ذلك بالتدريج وأنني بدأت أكتب بجدية أكثر فأكثر عندما أتحدث عن أفعالي.. لقد انتهى بي المطاف إلى الوقوح في نوع من المصيدة"(3) .‏

لم يكن الأمر فخاً أبداً إنه نوع من الوعي لدى يونسكو كلام يريد أن يقوله: لقد تصدّى للجمهور دون شفقة ودون تنازل؛ لكي يرسّخ أشكالاً مسرحية جديدة.. لقد حوّل مسرحه إلى عملية بحث دائم، كل قلق يُدرس يكشف قلقاً آخر، وكل شكل يطرح الأشكال الأخرى للمناقشة من جديد. من مسرحية إلى أخرى، تابع يونسكو تجواله في الغابة اللامحدودة وقد سيطرت عليه تلك الصورة الناقصة. المسافة طويلة بين الهزء بالمسرح باعتباره ألعاباً نارية في مسرحية المغنية الصلعاء، والقضايا المعقدّة التي طرحها في مسرحية ضحايا الواجب، كما أن شبكة الموضوعات التي تؤلف نسيج المسرح لم تتوقف عن الاتساع والتفرّع. مشاكل الرجل، الزوجين، الجماعة، تحدّد التساؤل الكبير حول الوضع الإنساني: اميديه، قاتل بلا أجر، الكركدن، تسلك طريق هذا البحث الدائم. الحوار مع النقاد، والتأمل الذاتي، دفعاه إلى استكشافات جديدة.‏

تكريـــــــــــس :‏

لاقى العرض الأول لمسرحية الكركدن على مسرح أوديون - تياتر بتاريخ 23 كانون الثاني من عام 1966 نجاحاً عظيماً. لقد رأى يونسكو حلماً من أحلام طفولته يتحقق: بعد عرض مسرحية البؤساء على الأوديون: "كان المشهد ينتهي بدهشة جان فالجان: أنا رجل بائس، ومنذ ذلك اليوم بدا لي الأوديون المسرح الحقيقي الوحيد، المسرح الذي أودّ أن تقدم مسرحياتي عليه"(1) .‏

خلال عشر سنوات قطع يونسكو طريق النجاح دون أن يحصر نفسه في قالب معين بحجة الوفاء للنفس أو للجمهور، ومن مسرحية إلى أخرى كان يغيّر نظرته ويعدّل طرائقه.‏

ابتهج أصدقاؤه لنجاحه لكنهم قلقوا عليه: ألم ينكر نفسه أثناء انتقاله من المسارح التجريبية إلى المسارح الرسمية؟ ألم يغرق تمرّده العنيف أخيراً في توافه نزعة "أنسية"(2) مبتذلة مهترئة؟ كان البعض يعتقد ذلك وكانت مدائحهم تأخذ طابع التعازي: "لن أستسلم أبداً، صرخ بطل مسرحية الكركدن في وجه مجادلات النزعة التوفيقية. فيما يتعلّق بالمؤلف فالاستسلام حقيقة واقعة للأسف[..] لنتفق إذن. لقد كان موقفاً صحيحاً ومطلوباً أن تكرّس باريس ومعها أوربا كلها الشاعر الحقيقي الذي كتب المغنية الصلعاء، لكن إنساناً ورعاً مندفعاً من عصر الدياميس له الحق في أن يحزن لأن يونسكو بعد أن اكتشف تفاهة الابتذال سقط وهو يتابع طريقه في ابتذال التفاهة، وفي الرمزية الوعظية التي كان يلعنها"(1) "كيف حدث أن أوائل المخلصين راحوا يتنكرون له ويتهمون الرجل العظيم بالانتهازية؟"(2) .‏

كان يونسكو يحاسب نفسه، فسيطرت على مؤلفاته أزمة عنيفة. لقد عاد إلى الاسكتشات والمسرحيات القصيرة ذات الفصل الواحد التي تعالج فكرة واحدة، وتستخدم أسلوباً واحداً وتتحاشى المسائل التي تتعلّق بالوجود: مشهد رباعي 1959) تعلّمْ المشي 1960) هذيان ثنائي 1962) الثغرة 1962)، البيضة المسلوقة، فيما بعد.‏

في الوقت نفسه كان يعمّق أفكاره النظرية، ويوضّح تصوّره لماهية المسرح، ويحدّد أسلوبه المسرحي من خلال محاضرات ومقالات شاملة متنوعة: تجربة المسرح 1958) مقال عن الطليعة 1959) المؤلف ومشاكله 1960)، جمعها مع شهادات أخرى، ومقدّمات، ورسائل، ومقابلات، في كتاب "ملاحظات وملاحظات مضادة".‏

هذه الدراسات والتحليلات قادت يونسكو إلى الاعتراف بأن "المسرح موجود في أعماقه" وبأنه يكتب "لكي يفهم الحياة والموت" وبأن سبره لحالات القلق أوصله إلى الخوف والبحث عن مكان آخر. استمر إبداعه مع مسرحيات "الماشي في الهواء" 1962)، "الملك يموت" 1962) "العطش والجوع" 1964).‏

أما وقد غدا كلاسيكياً، يصفق له الجمهور الذي أوجده بنفسه، فقد غزا الكوميدي فرانسيز بمسرحيته الأخيرة، التي توّجتها جائزة موناكو 1969)، وربما لم يعد هناك فاصل كبير بين مسرحية الكركدن المعروضة على مسرح الأوديون والأسود المعروضة على مسرح الانستيتو؟(1) .‏

في محاوراته مع كلود بونغوا 1966) يحلل يونسكو من جديد أفكار مسرحه وآفاق هذا المسرح في مواجهة الأدب. اختصر يونسكو مذكراته في مجلدين، - يوميات في فتات 1967)، حاضر ماض ماض حاضر 1969) يحددان لقرائه ملامح صورة، وذكريات هواجس وأوهام؛ أما كتابه "اكتشافات" 1969) فإنه يرسم مرة أخرى "دروب الإبداع" كما كتب جزءاً ثالثاً من يومياته.‏

أية وجهة ستتخذها كتاباته؟ تشير مسرحياته الأخيرة إلى اهتمام مُلحّ بمسائل انطولوجية، ويوحي كتابه "يوميات في فتات" بشكل لا معقول باحتمالات الانقطاع عن الكتابة: "قلت لنفسي منذ مدة ليست قصيرة إن علي أن أبدأ بكتابة كتابي الحقيقي. في الواقع، ليس المسرح مجال إبداعي الحقيقي".(2) كتب حكايات للأطفال، وفي كتابه حاضر ماض ماض حاضر" اعتراف بحزن يعود إلى أيام المراهقة كأنه نصل سكين في العنق: "لن أنسى أبداً، لا شر هناك ولا خير، لم يكونوا والده وعائلة والده) أخياراً ولا أشراراً، كانوا أغبياء. لقد أخطأوا كثيراً حتى أفسدوا حياتي كلها رغم ما يُحكى عن النجاح. لقد وصلت أنا أيضاً، إلى نهاية النجاح. على كل حال، بالنجاح أو دونه، كل أشكال الحياة فاسدة"(3) .‏

رغم ذلك، عندما سئل عن مسرحية جديدة كان ينبغي أن تحمل اسم "الطاعون" ردّ يونسكو موضحاً: "منذ زمن وأنا أكتب"الطاعون" التي لن يكون اسمها الطاعون بل "انتصار الموت". لن يكون أبطال المسرحية الأشخاص أنفسهم، وسيكون الحدث مختلفاً، ولن تجري الأحداث في الزمان والمكان إياهما، أما ما تبقى فلن يطرأ عليه أي تعديل"(1) .‏

الطبيعة هي الخطر، البراكين الثائرة‏

العواصف، الأعاصير، الهاويات،‏

الموت، إنها شرط الوجود الذي‏

لا يمكن قبوله، إنها الجحيم تقريباً.‏

يوميات في فتات)‏

3- ضمير مّمزّق‏

ثيــاب تنكّريــــــــة‏

"كنت جميلاً عندما كنت صغيراً في العاشرة أو الثانية عشرة من عمري، كنت أعرف ذلك وكان الناس يقولونه لي.. عندما كنت أرتدي ثيابي الجديدة لأذهب إلى صلاة الأحد، كنت أدرك أن الناس كلهم ينظرون إليّ وأنا أجتاز البلدة [..] في سن الثالثة عشرة بدأت أتغير فجأة. وفي الرابعة عشرة لم تعد بشرتي طرية صافية، وفقدت عيناي بريقهما؛ تضخم أنفي، وازدادت سماكة شفتي، لقد أصبحت بشعاً، كالآخرين"(2) .‏

إن ما يصدم محاوري يونسكو، هذه الأيام، هي حيوية ذلك الوجه النيّر أو المكفهر حسب المشاعر المتناقضة، وتلك الثنية الساخرة على الشفتين، والحاجبات العاليان، والنظرة الصافية المندهشة من مشهد هذا العالم التافه.‏

يتحدث نيكولا باتاي عن لقائه الأول مع يونسكو فيقول: "تقتضي الأصول أن أنقل الانطباع الذي تركه لديّ. حسناً، لكي أساير المألوف أقول إنه بدا لي مثل السيد بيكويك"(3) .‏

لقد حمل عبر حياته نوعاً من البساطة المقصودة، وقد مثل بصدق شخصية يذكرها جان كوت في مهرجان سبوليت عام 1959: "الثلاثي يونسكو": أوجين، وزوجته، وابنته ماري - فرانس التي بلغت الثامنة عشرة، هم مسرح يونسكو بشكل مطلق، رائع، عظيم. الزوجة عملية، منهمكة، مدبِّرة. ماري - فرانس مثقفة، حالمة، متافيزيكية، حساسة، وكانت تنظر إلى أبيها بإعجاب. أما أوجين فكان يسلّي الناس حوله ويسلّي نفسه من خلال التغيير الدائم لمخططاته. يريد أن يسافر غداً إلى أورفيتو وبنشيو، لكنه يريد أن يسافر إلى سويسرا وإيرلندا، يريد أن يكون خلال يومين في بولونيا والمكسيك وفلسطين. لا يريد أن يكون غداً في المكسيك، وبعد غد في أورفيتو. ما يكاد يطلب السباغيتي حتى يستدعي الخادم ليستبدلها بتورتينللي، لكن ماري - فرانس طلبت جانبون فينادي أوجين الخادم ليحضر له شريحة أيضاً. إنه غير واع، يلعب بلا وعيه بوعي تام، مكتفياً بطريقة طفولية، ومقتنعاً أن مسرح يونسكو هو المسرح الوحيد في العالم.. وربما مسرح شكسبير أيضاً - هذا من قبيل التعاطف معي - إنه أكثر من يسخر من غطرسته الطفولية: أوجين، إنه الأكثر يونسكية من بين جميع الشخصيات التي خلقها يونسكو"(1) .‏

هذه البراءة الزائفة وسيلة لحماية نفسه، وسيلة لكي لا يستهلكه دوره، تشهد على ذلك الحكاية الممتعة التي رواها رونيه دو أبالديا عن إقامة يونسكو في سريزي(2) . أراد يونسكو أن يشارك في إحدى المناقشات فأمضى ليلة بيضاء في إعداد مداخلته: "عندما وصلنا إلى المكتبة، المكان المخصص لأولئك "السادة"، وجلسنا نتلاطف بانتظار مداخلته، التي لا يمكن إلاّ أن تكون رائعة، ظهر يونسكو مثل يتيم ضخم، كبر سريعاً، يبحث عن عقل وعن أبوة مشكوك فيها. لمحتُ قطرات من العرق، متجمدة، حائرة في أي اتجاه تسيل، وقد أسرتها تجاعيد وجهه. أية حفاوة لم نحطه بها؟ لقد كنّا من كل قلوبنا مع هذا المؤلف النكرة، الذي يكدّس بعناد، كل مساء، الكراسي على مسرح لانكري، أمام مئات من المقاعد الخالية. أعطاه الرئيس الكلام في الحال فخيّم على المكان صمت ثقيل لا يتخلله سوى احتكاك صنانير مدام هورغون التي تحيّك الصوف وقد استسلمت لعادة بورغونيه قديمة.‏

"تغيّرت ملامح يونسكو شيئاً فشيئاً حتى صار من الصعب التعرّف عليه. فتّش جيوبه، أخرج محفظته، ومنديله، وربطة عنق، وقف، فحص مقعده، جلس، رفع بنطاله، ولم يجد بعد أوراقه [..].‏

"خلال حوالي عشر دقائق، تملكه وسواس الأوراق، التي وجدها أخيراً، وحاول ترتيبها. استغرق ذلك عدة قرون. توصّل أخيراً إلى نتيجة غامضة، ففتح فمه، وبصوت ضعيف لا يُسمع على بعد ثلاثة أمتار، صوت من درجة الصفر:‏

- ما أريد أن أقوله لكم هو أنه ليس لدي ما أقوله لكم على الإطلاق..‏

"طلبنا منه أن يُعيد عدة مرات.. توقفت مدام هورغون عن حياكتها وقالت بصوت كالرعد:‏

- هذا، هذا عجيب! عادة، كل من يأتي إلى هذا المكان لديه شيء ما يقوله، أو ليس لديه شيء يقوله، فإذا لم يكن لديه شيء يقوله فهو ليس هنا. هذا، هذا عجيب؛ هذا مبتكّر!‏

"أما جاك مادول الذي لم يسمح له كرم نفسه بأن يتنازل عن أي شيء يتعلّق بالثقافة، فقد هرع لنجدة ذلك المعذّب:‏

- إن صديقنا يونسكو يطرح هنا مسألة هامة جداً، سأدعوها، لو سمحتم، مسألة ما يقال وما لا يقال [..].‏

"احتدمت المناقشات، واختلطت، وازدادت غنى[..]، وبينما كانت تزداد حرارة العقول، وتبلغ درجة السمو، كان يونسكو ينام في مقعده، وقد جمّده ملاك النوم. لم يكن البحر يبعد عن ذلك المكان أكثر من ثلاثين كيلومتراً"(1) .‏

غير أن ذلك الوجه المرهق، وذلك العرق البارد، وذلك القلق الكبير تكتسب معنى آخر عندما نقرأ تحت السطر الأخير من مسرحية "اميديه": "سريزي لاسال، 1953". هناك إذن كتب يونسكو أول مسرحية من ثلاثة فصول.‏

لعبة الأقنعة تسمح بعدم الذوبان في الدور الاجتماعي وتيسّر للمرء البقاء دائماً "غريباً" إلى حد ما: "المملّ في المجتمع هو أن الشخص يذوب في دوره، أو بشكل آخر، فإن الشخص مدعوّ للتطابق تماماً مع دوره [..] الأمر المزعج الذي يُفقد المرء إنسانيته، أن ينام مساعد في الجيش في زيه العسكري"(1) . لقد رفض يونسكو أن يرتدي زيّاً محدداً.. "كاتب طليعي"، لم يقبل أن تُلصق عليه بطاقة من هذا النوع أو ذاك؛ لكنه يمكن أن يصبح، حسب الحاجة، هذا أو ذاك "أن يكون هنا وهناك" . "لم تشغفني الكوميديا الإنسانية ما فيه الكفاية، فأنا لست بكياني كله من هذا العالم"(2) .‏

ارتداء القناع طريقة أيضاً لاستعادة الثقة بالنفس، لتهدئة المخاوف، لطرد الشياطين، لكتم بعض النداءات العنيفة النابعة من الأعماق: "أعماقي هي الجحيم، إنني أعرف الآن ما هو الجحيم"(3) .‏

تعاقـــــــب‏

لهذا السبب فإن الوجه الحقيقي ليونسكو لا يوجد في تلك الصورة الزائفة، بل في ذلك البوح المقنّع أو العنيف الذي نجده في يومياته، أو في تلك الذكريات التي نعثر عليها في مسرحياته وقصصه القصيرة. ولم أستطع قبول هذه الحياة، أو قبول نفسي"(4) . مؤلفاته كلها تعبّر عن هذا الغموض الذي يلفّ تجربته الوجودية، وتعاقب صعوبة الوجود وصعوبة الفرح.‏

مهما بعد يونسكو في العودة إلى ذكرياته، يجد الفوضى والاضطراب؛ يجد الإحساس أنه يعيش في عالم معادٍ أو لا مبالٍ، "عالم من الطيور الجارحة": "عندما كنت في الخامسة، كما أظن، كنت في دار للأطفال غير بعيدة عن باريس[..] أمضيت في هذه المؤسسة عدة أشهر، وبما أنني كنت بعيداً عن أمي، فقد كنت حزيناً جداً. لم أعتد أبداً الانفصال عن أمي ولا النوم في مهجع مشترك، ولا قاعة الطعام، ولا جود الآخرين العدواني المرفوض [..] في سن العشرين، عند تأدية الخدمة الالزامية، وجدت ذلك كله من جديد: المهاجع العارية المطروشة بالكلس، وساحة سجن فسيحة، ورائحة المطهرات المرعبة. كانت حالتي هنا أسوأ مما كانت عليه وأنا في الخامسة"(1) .‏

هذا القلق مرتبط بشعور بالخيبة: إخفاق الرغبة، خيبة الأمل والأحلام، فالنجاح، والارتياح العارض، وذيوع الصيت، لم تؤد إلا إلى نسيان سريع، دون أن تردم الهاوية الداخلية، دون أن "تحمل العزاء عن الفاجعة النابعة من إحساس بالضياع في هذا العالم المحكوم عليه بالموت"(2) .‏

"حالات الرضى التي بحثت عنها - وقد وجدتها - لملء حياة، وفراغ، وحنين، نجحت أحياناً في إخفاء ذلك القلق الوجودي. لقد سلّتني، لكنها غير قادرة على فعل ذلك مرة أخرى. لقد بدا لي دائماً أن الآلام والأحزان والفشل حقيقية أكثر من النجاحات والأفراح. حاولت دائماً أن أعيش لكنني مررت بجانب الحياة ولم ألتق بها، أعتقد أن هذا ما تشعر به غالبية الناس. لم أعرف كيف أنسى نفسي. لكي أنسى نفسي يجب أن أنسى ليس موتي فحسب، بل أن أنسى أن أحبابي يموتون وأنّ للعالم نهاية. فكرة نهاية العالم تقلقني وتغيظني. الحياة هي الشقاء"(3) .‏

في قلب هذا القلق وجد يونسكو صورة واحدة، وجد وجه أمه الحزين، ووجد وحدته التعيسة أثناء الحرب، وخاصة مضاعفات تلك الجراح التي أُصيب بها في طفولته الأولى. نراه في يومياته يتردد في الحديث عن تلك الذكريات: "لا أدري إن كان عليّ ذكر ذلك"، ورغم ذلك فإن تلك الطفولة حددت نفسيته منذ بداية تفتح الوعي لديه: "إذا كنت كما أنا ولست بشكل آخر، فهذا كله، أو جلّه، عائد إلى ذلك الحادث الأساسي. لا أدري لماذا، لكن ذلك الحادث حدّد موقفي من أهلي، كما أنه رسّخ الكراهية التي أكنّها للمجتمع". إنها ذكرى خلاف نشب بين والديه: "من الصعب أن نعرف من هو الألعوبة في يد الآخر، الرجل أم المرأة، غالباً ما تكون الضحية الظاهرية أقوى من الجلاّد الظاهري؛ لكن الصعب أن يخلّص المرء نفسه في مثل تلك المواقف الحسّاسة. لقد ضعت فيها". كان عمره آنذاك أربعة أعوام. لقد شهد شجاراً بين والديه حاولت والدته الانتحار بعده إذ شربت قارورة صغيرة من صبغة اليود. "اليوم، وبعد سنين، يبدو لي ذلك المشهد مضحكاً. من المحتمل أن والدتي لم تنو الانتحار حقاً. كانت تعرف أن والدي سيمنعها من تحقيق ذلك. انحفر المشهد في ذاكرتي ولم يستطع الوعي أن ينسيني الرعب الذي سبّبه لي آنذاك. لقد رسّخ هذا الخلاف العائلي إحساسي بالشقاء، وأكّد لي أننا لا نستطيع أن نكون سعداء".‏

هناك أيضاً السعادة التي عرفها في لاشابيل أنتونيز، لكن هذا الفردوس ضاع إلى الأبد "كم مرة، كم مرّة مُتُّ منذ ذلك الحين!"(1) . هناك أيضاً لحظات السعادة العظيمة، هناك التجربة المطلقة للفرح: "كان يحصل لي سابقاً أن أشعر أنني امتلأت غبطة وحبوراً.. كان يخيّل لي في البداية أن كل فكرة، وكل حقيقة قد فرغت من محتواها. بعد هذا الفراغ، بعد هذه الدوخة، كان يخيّل لي أنني انتقلت إلى قلب الوجود الصافي، الوجود الذي لا يمكن التعبير عنه، كما لو أن الأشياء تحررت من كل تسمية تعسفية، تحررت من إطار لا يناسبها، إطار يحدّها ويخنقها: كان يتلاشى كل قهر وتختفي كل ضرورة اجتماعية ومنطقية للتحديد والتنظيم [..] هذا كله، كيف أستطيع التعبير عنه، هذه الحالات من الوعي كانت تولد في محيط من نور [..] كان إدراك الوجود والاندهاش يتطابقان. كنت أستيقظ فجأة، ومن أي نوم! كنت أستيقظ على نور يشتت الدلالات القديمة للأشياء وللزمن الذي كان وعيي يغفو فيه. لم تكن تلك الدهشة العظيمة التي تسيطر عليّ سوى عودة الوعي الذي كان لدي [..] هكذا إذن، فإذا كانت المرحلة الأولى من هذه الحالة من الوعي تبدأ بتفريغ الأفكار من مضامينها فإن المرحلة الثانية، الأساسية كانت نوعاً من الامتلاء المتجمع فيما وراء التعاريف والتحديدات"(1) .‏

لقد كشفت نشوة السعادة لدى يونسكو شذوذ الحياة الراهنة وأيقظت الإحساس بالروعة؛ لكن هذه الحالة نادرة. باختصار: "لقد استمر ذلك زمناً طويلاً جداً، لقد استمر عدة ثوان" ثم بهتت الألوان ورجعت السماء عادية: القبح، والابتذال وسّخا الحياة اليومية من جديد.‏

أخيراً، "لا شيء فظيع، وكل شيء فظيع، لا شيء هزلي، كل شيء مأساوي. لا شيء مأساوي، كل شيء هزلي. كل شيء حقيقي، غير حقيقي، مستحيل، معقول. لا معقول، كل شيء ثقيل، كل شيء خفيف"(2) .‏

1 حاضر ماض ماض حاضر ص: 245 2-13 تشرين الثاني حسب التقويم الشرقي.‏

1 حاضر ماض ماض حاضر ص: 140.‏

2 راجع ضحايا الواجب.‏

3 راجع ضحايا الواجب..‏

3 محاورات مع بول- لوي مينيون، صدر المسرح، العدد 373.‏

4 محاورات مع كلود بونغوا ص12.‏

1 ربيع 1939 ص: 217-172-204.‏

2 ربيع 1939 ص: 217-172-204.‏

3 ربيع 1939 ص: 217-172-204.‏

4 ربيع 1939 ص: 217-172-204.‏

5 محاورات مع كلود بونفوا ص14.‏

1 محاورات مع كلود بونفوا ص14.‏

2 ربيع 1939 ص218، 214.‏

3 ربيع 1939 ص218،214.‏

4 محاورات مع كلود بونفوا ص14.‏

1 محاورات مع كلود بونفوا ص 65.‏

2 تجربة المسرح.‏

3 محاورات مع بول - لوي مينيون، صدر المسرح، العدد 373.‏

4 كان أوجين يونسكو في الرابعة من عمره عندما عاد والده إلى رومانيا.‏

5 يوميات في فتات ص 46.‏

1 حاضر ماض ماض حاضر ص24، 25‏

2 حاضر ماض ماض حاضر ص24. 25.‏

1،2،3 حاضر ماض ماض حاضر ص24، 25.‏

1 محاولات مع كلود بونفوا ص63.‏

2 أجوبة على أسئلة طرحها عليه مندوب مجلة بريف في 15 شباط 1956.‏

1 يوميات في فتات ص179.‏

2 محاورات مع كلود بونغوا ص25.‏

1 يوميات في فتات ص180.‏

2 حاضر ماض ماض حاضر ص164.‏

1 يوميات في فتات ص63.‏

1 تراجيديا اللغة.‏

1 تراجيديا اللغة.‏

2 تراجيديا اللغة.‏

4 محاورات مع كلود بونغوا ص71، لنذكر هذا التصريح الآخر الوارد في نفس الكتاب ص 68: "كيف جئتُ إلى المسرح؟ حسناً، أنا نفسي لا أعرف - ألم تكتب في "ملاحظات وملاحظات مضادة" أنك جئت إلى المسرح لأنك لم تكن تحبه؟ - بلى، لكن هذا الجواب كان طريقة للتبسيط".‏

1 محاورات مع كلود بونغوا ص 23.‏

1 مقدمة الممسوسون) لدستوفسكي، اقتباس أكاكيا فيالا، ونيكولاباتاي، منشورات أميل - بول 1959.‏

1 مسرح، جزء 1، المقدمة.‏

2 جاك لومارشان، مقدمة لمسرح يونسكو، الجزء الأول، ص10.‏

1 ملاحظات وملاحظات مضاءة "فقرة من رسالة".‏

1 جُمعت هذه القصص القصيرة مع فقرات من يومياته ربيع 1939) في مجلد واحد تحت عنوان "صورة الكولونيل" 1962).‏

1 الفيجارو الأدبي تشرين الأول 1952.‏

2 الفيجارو 16 تشرين الأول 1955.‏

3 يقول بودلير في دراسة عن ريتشار واغنر في كتابه عن الفن الرومانسي: "كل الشعراء العظماء يصبحون بشكل طبيعي وحاسم نقاداً، إنني أرثي للشعراء الذين تسيّرهم السليقة وحدها، أعتقد أنهم غير مكتملين، ينقصهم شيء ما، ففي الحياة الفكرية لدى النوع الأول تحدث أزمة حتمية عندما يحاولون تقييم فنهم، واكتشاف القوانين الغامضة التي أبدعوا بمقتضاها" ولقد قال الرأي نفسه جميع العظماء من كتّاب وشعراء وروائيين ومسرحيين.‏

1 كما في مسرحية ضحايا الواجب، هي مسرحية صغير من الشعر.‏

2 نقادي وأنا مجلة آر، 22 شباط 1956,‏

3 ملاحظات وملاحظات مضادة.‏

1 حوار مع بول - لوي مينيون، صدر المسرح عدد 373.‏

2 أنسية: humanisme: مذهب يتخذ من الإنسان في حياته الواقعية موضوعاً له.‏

1 برتران بوراو - ولبش. لوموند. كانون الثاني 1960.‏

2 أندريه سيمون، اسبري، نيسان 1960.‏

1 فعلاً، ففي 22 كانون الثاني 1970، وبعد عشر سنوات، يوماً بعد يوم من العرض الأول لمسرحية الكركدن، انتخب يونسكو عضواً في الأكاديمية الفرنسية ليشغل مقعد جان بولان.. "هذا يساعد، إنه مهدىء خفيف وليس له مضاعفات" كما صرح لكلود سارون.‏

2 ص37.‏

3 الحكاية رقم (1) للأطفال الذين لم يبلغوا الثالثة.‏

1 فقرة من رسالة بتاريخ 1 نيسان 1969، في الحقيقة كان العنوان النهائي "لعبة القتل".‏

2 ربيع 1939، ص172.‏

3 دفاتر الفصول عدد 15 تاريخ شباط 1959.‏

1 براهين 1959، عَرضت مسرحية "مشهد رباعي" في مهرجان سبوليتا. كتب جان كوت دراسة ملأى بالايحاءات "شكسبير، كاتبنا المعصار" لمجموعة مارابو أوينفرسيتيه").‏

2 سيريزي لاسال، مركز ثقافي في قرب سان لو في منطقة المانش، نظمت فيه "عشرة أيام" حول موضوعات متنوعة، أقيمت الأيام المخصصة للمسرح عام 1953.‏

1 دفاتر الفصول: 1959، لكن النص المتعلّق بمشاركة يونسكو الفعّالة في ملتقى سيريزي موجود في كتاب "ملاحظات وملاحظات مضادة"‏

1 محاورات مع كلود بونفوا ص17.‏

2 يوميات في فتات ص44، 212.‏

3 يوميات في فتات ص44، 212.‏

4 المصدر السابق ص28.‏

1 المصدر السابق ص28، 172.‏

2 المصدر السابق ص28، 172.‏

3 حاضر ماض ماض حاضر ص22 وما بعدها.‏

1 ربيع 1939 ص172.‏

1 حاضر ماض ماض حاضر، ص218.‏

2 من محاضرة ألقاها في سريزي، آب 1953.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244