|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 12:59 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
البحث عن المطلق. مغزى مسرحية "العطش والجوع" واضح من العنوان. تصّور مشاهد المسرحية المتنوّعة، أو ترمز، إلى شتى أشكال العطش والجوع. شهيّة الحارسين هي التي تشمّ رائحة الحساء وفي فمهما طعم الخمر؛ أمّا الجوع الذي يعاني منه تريب وبريختول فهو العذاب الذي يذلّ، إنه جوع جان عندما يصل إلى النزل؛ إنه الجوع الناتج عن مجموعة من الرغبات؛ إنه الحب المجنون؛ إنه الأمل الذي يفوق العالم اتساعاً ورحابة؛ إنه البحث الذي لا يرتوي عن المطلق. انطلق يونسكو في هذه المسرحية من تجربة وجودية، تجربة الغيبوبة العابرة؛ لكن ليس الهدف منها العثور على الدوافع البدائية كما رأينا في مسرحيات "جاك" "ضحايا الواجب" "اميديه". من خلال المعاناة الدائمة للعطش والجوع يشعر جان بغياب من نوع آخر. يذكرّنا بحثه بالتدريبات التي كان يمارسها الصوفيون. إنه يرفض كلّ أسباب الذلّ والإنحطاط: يرفض التشفّي، يرفض الإمتلاك الذي يذل. إنه يبحث عن موضوع رغباته خارج حدود الزمن والموت. المرأة التي يحلم بها جميلة كالأرض الموعودة. ماري- مادلين، التي استعادت شبابها، نجت من السقوط والموت، وفي النهاية يقوده بحثه إلى أسفل السلّم الفضي. تحاول المسرحية إذن أن تكشف معنى وهدف الحياة. من مسرحية "الإمتثال" إلى مسرحية "العطش والجوع" اقتفى يونسكو خطّ السير الذي كان قد حدّده في كتاب "يوميات في فتات": "يمثّل الاستكشاف الحاسم للقلب الإنساني بداية الطريق في حياة الإنسان، لكنّ هذا الاستكشاف لا يكون حاسماً إلاّ إذا أدّى حقاً إلى بداية الطريق، إذ أن هناك استكشاف عقيم لا يؤدي إلاّ إلى تعذيب الذات، إلى اليأس، إلى إرباك وتشويش أكثر تعقيداً [...] يجب على كل امرئ أن يجد طريقه بنفسه" ص95). تتحدث مسرحية "العطش والجوع" عن تجربة عدم الرضى دون أن تشير إلى "الطريق" لكنها تشير، مع ذلك، إلى تأملات من مستوى الوجد. "الحقيقة والكمال لا تتحققان إلا من خلال زواج السماء والأرض [...] يجب أن تصعد الأرض إلى السماء، كما كتب يونسكو، فهل يمثّل السلّم الفضي طريق هذا الارتقاء؟. "لعبة القتل" انقضت خمس سنوات بعد مسرحية "العطش والجوع" طبع خلالها يونسكو جزأين من مذكراته، غنيين بالإعترافات، كما تميّزت تلك السنوات بأفكار وانطباعات جديدة عن الخلق والإبداع في "محاوراته مع كلود بونغوا" و "اكتشافات" وفي عام 1969 أنهى يونسكو كتابة "الوباء" أو "لعبة القتل". عُرضت المسرحية في دسلدورف في كانون الثاني 1970 ثم عُرضت في باريس في أيلول من العام نفسه(1) . تعرض اللوحات المتتالية مدينة مثل باقي المدن في زمن غير محدّد. يوم الأحد، على ساحة المدينة، عند ساعة القدّاس، تأخذ الأحاديث والثرثرات سيرتها المعتادة: تتحدث ربات البيوت عن شراء الأغراض، ويتحدث المتنزهون عن غلاء الحياة، والسياسة، وهموم الأسرة و "غزو القمر"، والأخلاق المتعالية(2) والإرتكاس "اللاشرطي".. فجأة يموت طفل رضيع في عربته: يتيبّس، يصبح لونه ضارباً للبنفسجي، وتجحظ عيناه. هلع، غضب، شجار، عنف، أطفال آخرون وبالغون وعجزة يموتون بنفس الأعراض. مرض غامض يلفّ الكرة الأرضية ويعود بشكل دوري ويضرب أكثر المدن سعادة في أسعد لحظات تاريخها. ينتشر الوباء بسرعة، ويزداد "بسلسلة هندسية". يتمّ اتخاذ الاحتياطات اللازمة مثلما فعلت المدينتان الشهيرتان في الزمن القديم: برلين وباريس. يقوم الجنود بحراسة الأبواب ولم يعد أحد قادراً على الدخول أو الخروج. يتمّ تجنيد حفّارين إضافيين ومفتشين محلفين لإستقصاء آثار العدوى، ونساء مفتشات لزيارة البيوت. يُوجّه نداء إلى المتطوعين "ابلغوا بعضكم عن بعض".. تُرسم إشارة صليب أحمر على البيوت المصابة ويُحجر على سكانها، وكل من يدخل إلى بيت مشبوه لا يعود بإمكانه الخروج منه. تُحظر التجمعات العامة والتسكّع والإحتفالات والتسوّل واجتماع أكثر من ثلاثة أشخاص. ثم يُعلن منع التجوّل. في هذه المدينة التي تعيش تحت الأحكام العرفية نرى نتائج المرض: دمار مادي وانحلال أخلاقي. ساعة الموت هي ساعة الحقيقة أيضاً. لا يستر المشاعر أي احتشام أو احتراس. يموت المرء كما هو في أعماق نفسه. في بيت لم يصله الوباء، يتمّ تكديس المواد التموينية ومضاعفة الإحتياطات: "حواجز عازلة وقلوب كتيمة". يعيش المرء كي ينجو وسط هذا الرضى الأناني يضرب الموت ضربته. في إحدى العيادات يلتقي كاتبان بعد فراق دام عشرين سنة؛ يتحدثان عن الصداقة. قال أحدهما: "الصداقة أقوى من جميع الإيديولوجيات..." يردّ الآخر: "الصديق شخص يفكر كما أفكر..." ويستمر الحديث. فجأة يموت أحدهما. يطمئن الطبيب نفسه ويرفض الإعتراف على أن المرض يمكن أن يصل إلى عيادته. في "الأحياء العالية" يطمئن الناس أيضاً. تتفق مجموعة من المدعوين على أن الوباء، وهو وليد للبؤس والرذيلة، لا يمكن أن يصيب سوى الأحياء المنخفضة... يُصعق أحد المدعوين ويموت. المرض ينتشر والمشاهد المرعبة تتكاثر ولم يعد في مقدور الحفّارين دفن جميع الأموات فالجثث تتكدس في كل مكان. في عمارة شعبية يلتقي زوجان بعد أن باعدت بينهما احتياطات الأمن. استطاع الزوج أن يجتاز حاجز الجنود ليلاً. مثل صدى قريب، هناك زوجان آخران. استطاعت المرأة أن تعود من الريف دون أن يراها أحد. ثنائيات يتحدثان، بانسجام، عن الحب وسعادة اللقاء وشموس المستقبل. لكن القلق من الحاضر يستمر وتظهر أولى علامات المرض؛ فالأول لم يستطع اجتياز حاجز الجنود إلاّ ليشهد موت زوجته، ولم ترجع الأخرى من الريف إلاّ لتفقد زوجها إلى الأبد. عندما ينتشر "الوباء" لا يكون الحب "أقوى من الموت". في مكان آخر تستعدّ امرأة وابنتها لحضور حفلة راقصة. الأم لا مبالية، تريد الحياة والتمتع بالحياة فلا تفكر إلاّ بزينتها؛ أما الصبيِّة فقلقة مضطربة، تسمع حشرجة الجيران، ثم تشعر بضيق وآلام فظيعة، ثم تموت. تصبح الأم الطائشة الأنانية أُمّاً حزينة. يضرب الموت الجيش أيضاً حيث لم تجدِ الإحتياطات نفعاً، الأهواء والغرائز تنفلت: سرقات واغتصاب وقتل. يقمع الجيش الجرائم بقوّة النار، تُضاف ضحايا هذه الأحداث العنيفة إلى ضحايا الوباء. التمرّد يعلو هديره. اجتماعات سريّة تُعقد، ويعلن خطيب شعبي "للرفاق" أن المرض أصاب ثلث السكان. مائة وتسعون ألف قتيل، مائة ألف مريض في المستشفيات أو في البيوت. يجب معرفة الأسباب وفضح المسؤولين عن الوباء. مَنْ المستفيد من الوباء؟ يعالج الخطيب الموقف بموضوعية وتاريخية، يكشف أسراره بإدخاله ضمن سياق جدلي وقد دحض برشقة من الأيمان المغلظة اعتراضات "رفيق- معارض" وقاد المتظاهرين إلى دار البلدية. لكن الجنود كانوا هناك. لعلعت البنادق للرشاشة. لقد قُتل الخطيب. اجتماع سريّ آخر: اجتماع للمتذمرين. خطيب مفوّه يعلو المنصة؛ يردد أقوال القدماء ويرسم صورة "مجتمع جديد" يعد بالثورة ضمن حدود القانون و "السعادة من خلال ازدهار مجتمع استهلاكي مُعدّل". يقترح تدابير مبتكرة وتغييرات عميقة: انفتاح اقتصادي ضمن الإستقرار النقدي، تحسين مستوى حياة العمال، حماية رجال الصناعة وتوسيع هامش منفعتهم، تطوير علاقاتها، زيادة الإعانات العائلية وإعانات التقاعد، تخفيف الأعباء الضريبية. ثمّ يوضّح الخطيب السبب في أن البلدية مسؤولة عن جميع النكبات ويدعو المستمعين لمؤازرة مشروعه والتصويت له. ينتهي الاجتماع على نشيد المارسيليز الذي عُدّل بما يناسب الموقف. سندخل إلى مقلع الحجارة عندما يغادره أصحابه الحاليون... لكن ذلك كلّه لا يحدّ من انتشار الوباء. يستعيد زوجان حياتهما، فيتذكّر القارئ مسرحية الكراسي. المرأة ترى الحياة رائعة: "كل لحظة من الحياة تسحرني... كل يوم بالنسبة لي هو يوم آخر... عند كل فجر يُولد العالم من جديد..." أمّا الرجل على العكس، يعاني من الحياة على أنها كابوس: "كل شيء مخيف. إنني أعاني من السأم والقلق..." لكن المرأة تموت. هناك أناس يستفيدون من المرض: القوّالون يجدون فيه مواضيع للهجاء، وحفّارو القبور ماعادوا يخافون من البطالة... إنها فرصة انتقام الفقراء: في مخزن كبير مات أصحابه نهبت البائعات الملابس وتعاركن مع الوريثة... هلك نصف السكان. أخيراً تلاشى الوباء وصار في الإمكان أن تُولد السعادة من جديد، لكن، يشبّ حريق هائل... تقنيــــــة متجــدّدة. عندما كتب يونسكو هذه المسرحية كان يحلم بقصة "يوميات الطاعون" لدانييل دوفو، ورواية "الطاعون" لألبير كامو إذ وجد في هاتين القصتين موضوعاً وصوراً ومواقف.... يمكن الاكتفاء بهذه الإشارة دون الحديث عن التأثر وإلاّ فإننا نواجه تأثراً سلبياً وردّ فعل رافض. تختلف تقنيات المسرح عن تقنيات القصة، ويبتعد يونسكو كثيراً عن منطلق كامو الأخلاقي عندما يفسّر الأحداث. فالمغزى في مسرحية "لعبة القتل" والمغزى في "الطاعون" متعارضان. لانجد في مسرحية "لعبة القتل" عقدة ذات تغيرات فجائية متعددة ولا نجد تطوراً يحقق حيويته من خلال موقف متغيّر. المشاهد المتتالية مشاهد مستقلة، يعرض كل مشهد موقفاً خاصاً، والرابطة الوحيدة التي تجمع بينها هي الموت. لوحات متتابعة لصورة جدارية ينقل تتابعها تجاوراً في المكان. "لعبة القتل" عرض مسرحي وليست دراما. لا تشكل الحلقات الثلاث من مسرحية "العطش والجوع" تسلسلاً زمانياً ، لكنها تصوّر ثلاث طرائق "للحياة في العالم" وهنا يذهب يونسكو إلى أبعد من ذلك. إنه يرفض "الشكل" الدرامي، يرفض التقاليد الثابتة، يرفض الحدث الذي تتشكل عقدته من أزمة ما، ويتطوّر حتى يصل الذروة، ثم تنحلّ العقدة من خلال تغيير أساسي في الموقف الأوّلي. هذا الطرح الجوهري الجديد للعمل يعدّل من دور الشخصيات التي فقدت وظيفتها الدرامية ولم تعد أكثر من موقف في مواجهة الوباء، إنها عيّنات، نماذج. منذ ذلك الحين لن نراها تنتقل من مشهد إلى آخر. بل لم يعد هناك شخصية يحدّد وجودها المستمر بوضوح وحدة المفهوم أو وحدة النظرة إلى العالم مثلما رأينا من قبل في مسرحيتي "قاتل بلا أجر" و "العطش والجوع". هذه الطريقة في معالجة الزمن والشخصيات تؤدي إلى حدوث تعديلات على أشكال الحوار. لم يعد الحوار في خدمة الحدث، ولم يعد وسيلة للاتصال، ولم يعد يوضّح أفكار المؤلف: ليس هناك تبادل حقيقي ولا اعتراف ولا فصاحة ولا غنائية. الحوار يشير إلى المواقف، إنه حوار وصفي، للكلمات فيه نفس المهمة التي تؤديها بُقع الألوان على اللوحة. ردود قصيرة، كليشهات، كلمات مبتذلة متراكمة تستخدم قوالب "اللغة" اليومية، تصف التصرّفات الممكنة أمام الحياة وأمام الموت. يتعرّف المرء على ما رآه من قبل، ويكون أحياناً على اتصال مباشر بالأحداث الراهنة: يلجأ يونسكو إلى طريقة الإلصاق كولاّج) ويستعير شعارات من خطب السياسيين وزعماء النقابات المعروفين، وعبارات من مقابلات صحفية مع "رجل الشارع"...يضرب الأمثلة ثم يجعلها تنكمش فتعطي السخريةُ آنذاك للواقع مغزاه. هذه الطريقة الساخرة تجعلنا نفكّر بالقوّالين: هنا يؤكد يونسكو أيضاً تصحيحه على أن ينقل إلى المسرح أشكال الاستعراض التي يمكن أن تبدو غريبة عنه: الميوزيك-هول، والكاباريه... تعبير عن "اللامعقول" في مسرحية "لعبة القتل" نجد من جديد جميع المسائل التي واجهها يونسكو.. يعرض كل مشهد موضوعاً أو يصف سلوكاً: إنها فرصة للتفكير والتساؤل عن الصداقة والحب، عن الاندهاش من الحياة والخوف من الوجود، عن الإبداع الأدبي، عن الإضطرابات السياسية، عن طغيان الإيديولوجيات، عن الطموح، عن العنف... الوباء، وهو القاسم المشترك بين المشاهد كلها، يحقق وحدة الأسلوب؛ ومن خلال التهديد الذي يعلنه يصبح أسلوباً للكشف عن الوجدان. لقد أبدى انتونان ارتو الملاحظة التالية عن الطاعون: "أصاب الطاعون المجوس وهم نيام فأيقظ فساداً كامناً ودفعهم فجأة إلى أكثر التصرّفات تطرّفاً..." كان ارتو يشبه المسرح بالطاعون تصوّر مسرحية "لعبة القتل" انتصار القوى السوداء: أمام الموت تسقط الأقنعة كلها: الخوف، الجشع، الأنانية، القسوة، كلها تظهر دون مواربة؛ وكذلك الكرم والحب، فأولئك الذين يحبون الحياة حقاً يعرفون كيف يموتون دون خوف، وهذا ما اعترف به بيرانجيه إلى مارتا في مسرحية "الماشي في الهواء". تقدّم كل لوحة فكرة خاصة لكن المسرحية تكتسب مغزاها من الموت. الموت ماثل أمامنا، حاضر دون تبرير أو انقطاع. إنه الطاعون أو النار، وكل قوّة من تلك القوى السوداء الكامنة في العالم أو في الإنسان تولّد الموت. يضرب الموت عشوائياً، فهو ليس عقوبة إذن كما أنه ليس وعداً: لا أحد يرى فيه معبراً إلى عالم آخر أو تسامياً إنه يحيل كل عمل إلى عبث وكل جهد إلى سخرية. إنه التساؤل الأكبر "ماالفائدة؟". ما الفائدة من الصداقة والحب والذكاء؟ ما الفائدة من الكراهية والطموح؟ ذلك كله لا فائدة منه. لكي تكتسب الحياة معنى لابدّ من الشفاء من الموت، وهذا ما قاله جان إلى ماري- مادلين في "العطش والجوع" وهذا ما شرحه بيرانجيه للصحفي في "الماشي في الهواء" : "أنا مشلول لأنني أعرف أنني سأموت قريباً". في "لعبة القتل" لا توضّح أية شخصية فكرة الكاتب لكن المسرحية تفرض هذه الفكرة بوضوح: يسلب الموت من الحياة كل قيمة، والقدر لا معنى له، والوضع الإنساني "لامعقول" يتناول يونسكو إذن في "لعبة القتل" المواضيع الكبرى التي عالجها في مسرحه مع محاولة لتجديد الأساليب والتقنيات. من خلال هذه الاستمرارية في رؤية العالم، هل يمكن اعتبار هذه المسرحية نقطة انطلاق نحو أسلوب جديد؟ 2- العروض المسرحية 1950- 11أيار، على مسرح نوكتامبول، المغنية الصلعاء، إخراج نيكولا باتاي. قام بالأدوار: نيكولا باتاي السيد مارتان) كلود مانسار السيد سميث) سيمون موزيه السيدة مارتان) بوليت فرانتز السيدة سميث) اوديت بارّوا الخادمة) هنري- جاك هوي رجل المطافئ). 1951- 20 شباط على مسرح بوش- مونبارناس. الدرس. إخراج مارسيل كوفولييه. قام بالأدوار: مارسيل كوفولييه المدرّس) روزيت زوشيلي التلميذة) كلود مانسار الخادمة). 1952- 22 نيسان على مسرح نوفو لانكري. الكراسي. إخراج سيلفان دوم ديكور جاك نويل. قام بالأدوار: تسيلا شيلتون السيدة العجوز) بول شوفالييه السيد العجوز) سيلفان دوم الخطيب). 1953 خلال شهر شباط على مسرح كارتييه-لاتان. ضحايا الواجب. إخراج جاك موكلير، ديكور رونيه آليو. قام بالأدوار: تسيلاشيلتون مادلين) ج-ر شوفّار شوبير) جاك موكلير الشرطي) ج. آلريك نيكولادو) بولين كامبيش السيدة). - في الأول من أيلول، وعلى مسرح لاهوشيت عرضت سبع مسرحيات قصيرة: صبيّة للزواج-معرض السيارات- هل تعرفونه؟ -الزكام في الحلم- ابنة الأخ المتزوجة- المعلّم- الحرارة العظمى وهي اقتباس عن كاراجيالي). إخراج جاك بولييري. ديكورات جورج آنينكوف، تمثيل ج لوفلون، كلير اوليفييه، جاك بولييري. 1954- 14 نيسان على مسرح بابليون، اميديه أو كيف نتخلّص منها؟ إخراج جان- ماري سيّرو. ديكورات جاك نويل. موسيقى بيير باريو. قام بالأدوار: لوسيان ريمبورغ اميديه) ايفون كليش مادلين ) بيير لاتور، جان مارتان، دومينيك دولان، جان لاتور، جان دافيد. 1955- تشرين الأول، على مسرح لاهوشيت، جاك أو الإمتثال، إخراج روبير بوستك. ديكورات جاك نويل. قام بالأدوار: جان- لوي ترانتينيان جاك) كلود تيبو جاكلين) ج. بوتان والد جاك) تسيلاشيلتون أم جاك) بول شوفالييه جدّ جاك) مادلين داميان جدّة جاك) رين كورتوا روبرتا) كلود مانسار الأب روبير) بوليت فرانتز الأم روبير). - 15 تشرين الأول. اللوحة. قام بالأدوار: بيير لوبرو السيد الضخم) بول شوفالييه الرسام) تسيلا شيلتون أليس) مادلين داميان الجارة). - في فنلندا عُرضت "المستأجر الجديد" باللغة السويدية من إخراج فيفيكا باندلر. 1956- 20 شباط، على ستديو الشانزيلزيه. مسرحية ألما القصيرة أو حرباء الراعي. إخراج موريس جاكومون. ديكور بول كوبيل. الموسيقى التصويرية مختارات من القرن السابع عشر، قام بالأدوار: موريس جاكومون يونسكو) كلود بييبلو بارتولوميوس الأول) آلان مونيه بارتولوميوس الثاني) بير فاسّا بارتولوميوس الثالث) تسيلا شيلتون ماري). 1957- 10 أيلول على تياتر دوجوردوي. المستأجر الجديد. إخراج روبير بوستك. ديكور سينيه. قام بالأدوار: بول شوفالييه السيد) ماريز باييه حارسة البناية) جريم اللرايت وكلود مانسار الحمالين). 1959- 2آذار، على مسرح ريكامييه. قاتل بلا أجر. إخراج جوزيه كواغليو ديكورات جاك نويل. قام بالأدوار: كلود نيكو بيرانجيه) جان -ماري سيّرو المهندس المعماري) نيكول يونسكو داني) فلورانس بلا حارسة البناية والأم بيبا) نيكولا باتاي ادوار) جاك سودري، هوبير دولاباران، جاك ديغور، جاك هيرلان، فيليب كيلرسون، جيرار داريو، ميشيل البرتون. في مهرجان سبوليت عُرضت مسرحية "مشهد رباعي" باللغة الفرنسية. 6 تشرين الثاني، على مسرح دوسلدروف عُرضت مسرحية "الكركدن" إخراج ك. هـ. ستروكس وقام بدور بيرانجيه كارل ماريا شيلي. 1960- 22 كانون الثاني على تياتر دوفرانس. الكركدن. إخراج جان- لوي بارّو. ديكورات جاك نويل. موسيقى ميشيل فيليبو. تمثيل: ج. ل. بارّو، وليم سابا تييه، ماري- هيلين داستيه، نيكول يونسكو، جين مارتل، جان مارتان، روبير لومبار، جان باريديس، ايف اركانيل، سيمون فالير، ميشيل بيرني، جابرييل قطّان، ريجيس اوتان، سيمون باري، ماريوس بالبينو، مارك هلفورد، فرانسواز دوبري. نيسان، على مسرح الأيتوال. باليه تعلّم المشي. موسيقى مالك، تقديم باليه باريس الحديثة فرانسواز ودومينيك). 28 نيسان. على مسرح رويال كورت ثياتر في لندن. الكركدن. إخراج أورسون ويلز. أدّى دور بيرانجيه لورانس أو ليفييه. 1962 نيسان. على ستديو الشانزيلزيه. تخريف ثنائي. إخراج انطوان بورسييه. ديكورات جاك نويل. قام بالأدوار: تسيلا شيلتون هي) ايف بونو هو). على مسرح المدينة الجامعية مسرحية المستقبل في البيض إخراج جان-لوك مانييرون. -15 كانون الأول. على مسرح الأليانس فرانسيز. الملك يموت. إخراج جاك موكلير. ديكورات جاك نويل. موسيقى جورج دولورو. قام بالأدوار: تسيلا شيلتون مرغريت) رين كورتوا ماري) روزيت زوشيلي جولييت) جاك موكلير بيرانجيه) مارسيل كوفولييه الطبيب) مارسيل شامبيل الحارس). 1963 - 8 شباط. على مسرح تياتر دوفرانس. الماشي في الهواء. إخراج جان-لوي بارّو. ديكورات جاك نويل. موسيقى جورج دولورو. تمثيل: ج-ل بارّو، مادلين رينو، جان باريديس، دومينيك اردن، لويس ماسون، سابين لودس، روبير لومبار، جين مارتل، دومينيك سانتارللي، اليس رايشن، ماري - هيلين داستيه، ريجيس اوتان، ميشيل بيرتي، سيرج لان، هنري جيلابير، اندريه باتيس. 1965 على مسرح المركز المسرحي في الجنوب الشرقي. الثغرة. 1966 شباط. على مسرح الكوميدي فرانسيز. العطش والجوع. إخراج جان-ماري سيّرو. ديكورات جاك نويل. توزيع الأدوار: روبير هيرش جان) جاك ايرز تريب) جان- بول روسيّون بريختول) ميشيل ايتشيغرّي الأخ تاراباس) رونيه كاموان الحارس الأول) لويس ايمون الأخ الأعظم) كلود بروسيه الحارس الثاني) سيمون إين الأخ الثالث) ميشيل بيرناردي الأخ الثاني) جاك موري الأخ المحاسب) آني ديكو اديلاييد) كلود وينتر ماري- مادلين) جيرالدين فالمون مارتا). في شهر شباط على مسرح تياتر دوفرانس إعادة لمسرحية الثغرة من إخراج جان- لوي بارّو. شهر أيار. على مسرح بوش- مونبارناس. عند أسفل الجدار، درس في اللغة الفرنسية للإمريكيين. إخراج انطوان بورسييه. ديكورات اوسكار غاستون. تمثيل مارك دوديكور، كلود جينيا، ج. ك. بويّون. ايف الونسو، كليردوهاميل، اندريه هارتمان، كانون الأول، على مسرح لابرويير. مشاجرات وصراعات زيارة المستشفى، المستقبل، وكالة السفر، البيضة المسلوقة، صدمات) إخراج جورج فيتالي. ديكورات باس. الممثلون الأساسيون ميشيل كالابرو، نيكول غيدن، كلود جينيا، ماكس فيال. 1969 تشرين الأول. على مسرح الابسيديول. اسكتشاث لم تعرض من قبل وإعادة لبعض الاسكتشات القديمة: التحيات، مشهد رباعي، البيضة المسلوقة، درس في اللغة الفرنسية للإمريكيين، عند الطبيب، شجرة جوز الهند المحترمة، قصة لصوص، الثغرة، الصبية تتزوج، حدث قبل ذلك، المعلّم. 1970 - 22 كانون الثاني. على مسرح دوسلدروف في ألمانيا. الوباء أو لعبة القتل. 11 أيلول. عُرضت في باريس على مسرح موبنارناس. مسرح العنف اللغة نظام للإتصال لكنها أيضاً طريقة للبحث ووسيلة للتعبير عن الواقع. الفلسفة والعلوم والرسم والموسيقى والأدب، هي لغات مختلفة وكل واحدة منها تكشف الواقع أو تؤسسه. ليس من مهمات الأدب إذن إبراز فكرة مجرّدة مسبقة. الكاتب لا يشرح ولا يعلّم، إنه يبحث، ومن خلال تساؤلاته تنبثق حقيقة جديدة توضّحها اللغة. لكن في الوقت نفسه، يطرح الكاتب للمناقشة النظام الذي يستخدمه. ومثلما يتأمل الفيلسوف في الفلسفة، ومثلما ينتقد العالم تصوّراته العلمية، يفكر الفنان في فنه والكاتب في كتابته. تمثّل الكتابة، في الوقت نفسه، استكشاف المحسوس والتعبير عنه، وطرح الأشكال الأدبية على بساط البحث من جديد. لكي يخلق الكاتب العالمَ المنسجم مع رؤيته فإنه يبحث عن أشكال جديدة. الخمرة الجديدة لاتوضع في دنان عتيقة، وهكذا فإن صيرورة الأدب تتميز بتدمير الأشكال الجامدة المتحجّرة المرتبطة بمناهج بالية مهجورة وهذا التدمير يقود إلى تطوير أشكال قادرة على التعبير كل مرّة عن رؤية جديدة للواقع. لاتشذّ أعمال يونسكو عن هذه القاعدة وهنا تكمن أصالته وقيمته. التحليل التطوري اللغوي للمسرح يكشف هذه الحركة المزدوجة، السلبية، والإيجابية: رفض القواعد والأشكال التقليدية، تأكيد رؤية شخصية جديدة للعالم من خلال لغة جديدة وتقنية أصيلة مبتكرة. لقد ولدتُ منذ زمن ليس بالقصير... ولم أتوصل بعد إلى فهم ما حصل لي، وقد بقي لي قليل من الوقت لأفهم مالم أفهمه حتى الآن. وأعتقد أنني لن أبلغ ذلك المسعى يوميات في فتات). 1- من التجربة الحيّة إلى دنيا الوهم. يعبّر العالم الخيالي للكاتب عن "وجوده في العالم". الصور والوجوه التي تصدر عن الأحلام تنقل حالات عاطفية. في مسرح يونسكو، تسمح الثوابت، والإعادات، والعلاقات المتبادلة بتحديد هذا العالم الوهمي. تجسّد الشخصيات، تحت مختلف الأقنعة، بعض الوجوه الأسطورية وتشكّل الصور حزمة من الخطط وتألفاً لمنظر داخلي؛ كما يكشف بينة الحوارات وثوابت النحو حيوية الفكر؛ وتعترف الديكورات والإكسسوارات بوجود تصورات خادعة من أحلام وهلوسات: العناصر الدرامية كلها تُوضع في خدمة بحث الكاتب واستكشافه لخفايا النفس البشرية كل مسرحية إذن هي "تحليل ذاتي". "حالتان أساسيتان من الوعي تشكلان أساس جميع مسرحياتي: أحياناً تتفوق حالة على الأخرى، وتارة تمتزجان. هاتان الحالتان الأصليتان من الوعي هما حالتا الخفّة والثقالة؛ الفراغ والحضور الزائد، الشفافية غير الواقعية للعالم وقتامته، النور والظلمات الكثيفة"(3) . عالم يونسكو الخيالي يعبر إذن عن مسلّمة وجودية مزدوجة: الألم من الوجود والدهشة من الوجود. إنه عالم مرعب ورائع في آن معاً. عالــــم مخيـــــف. "إننا نعيش كابوساً مخيفاً" كما قال بيرانجيه للصحفي في مسرحية "الماشي في الهواء" ولكي يكون الأدب على مستوى الحياة يجب أن يكون ألف مرّة أشد هولاً وأكثر شراسة". إدراك مرور الزمن وتسلّط فكرة الموت وحدس السقوط والخطأ تجعل من "الحياة في العالم" جحيماً. "في داخلي يوجد الجحيم". يضفي هذا الإنطباع ملامح الكابوس على مسرح يونسكو. مشاهد من الجحيم. غالباً ما يكون الجو المسرحي "الديكور" مكاناً مغلقاً: فخّاً أو سجناً، الشخصيات محاصرة فيه. العجوزان في مسرحية الكراسي في برجهما على الجزيرة، اميديه في شقته الموصدة الأبواب دوماً، المستأجر الجديد وسط أثاثه، جان في البيت الذي يغوص أو في النزل المريح. مكان مغلق، قبر. الخوف يطفو ويبرز. قالت ماري-مادلين:"يظن أن هذا البيت قبر، لماذا يضع نفسه في مثل هذه الحالة؟ كل البيوت قبور". من ديكور إلى آخر نجد الجدران التي تعشعش في أحلام يونسكو والتي تحدّث عنها في "اليوميات"(4) : جدار من الوحدة، جدار من الكآبة، جدار من البكاء، جدار يمنع معرفة المكان، معرفة الآخرين، معرفة الإنسان لنفسه، جدار يثور المرء عليه، يضربه بقبضته، ينطحه برأسه، لكن دون جدوى". "كلما ابتعد المرء كلما غاص أكثر" كما كانت تقول ماري، صاحبة المزرعة في لاشابيل انتونيز(5) . عالم يونسكو هوعالم التقهقر والانزلاق إلى الأعماق: في غرفة جاك كما في قصر بيرانجيه يتداعى كل شيء: الأثاث الأعرج، السلالم المتخلخلة، الجدران المتداعية. كل شيء ينهار. الشقوق والصدوع تنتشر في كل مكان، فراغات في الذاكرة، هاويات في الزمن، حُفر هائلة تبتلع مملكة الملك العجوز. "شوارع كاملة، مدن كاملة، حضارات كاملة تمّ ابتلاعها"(6) . هذا الغوص إلى الأعماق يمثّل بالنسبة للشخصيات "نزولاً إلى الجحيم". لقد استحال جاك بعد امتثاله لرغباته إلى معيار ونموذج. شوبير يغوص، ينزل درجة درجة عائداً إلى ماضيه، بيرانجيه يركع تحت سكين القاتل، جان يتوارى خلف الزهد وإنكار الذات. لقد وجد المنهج الأخلاقي أو النفسي تجسيداً له في اللعبة المسرحية: صور حركية، قليلة حقاً، لكنها معبّرة، تترجم الخطأ والذنب، والسقوط والندم. وراء المكان المسرحي، وراء بوابة السجن والنوافذ الدائرية الصغيرة في البرج، أو الشقوق في القصر، ماهي أشكال وألوان العالم؟ في ذكريات شوبير أو جاك، في أحلام اميديه ومادلين وجوزفين، في وصف ماوراء العالم، تسيطر صور الغروب، صور الليل الذي تملؤه البروق والحرائق، خليط من جليد ونار: "أشواك من نار! نيران مدببة، نيران من جليد.... إنهم يغرزون دبابيس من نار في لحمي"(7) . في مسرحية "الملك يموت" "الأحواض تتوهج" وفي قاتل بلا أجر هناك" أزهار من نار، أشجار مشتعلة"؛ "رأيت قارات كاملة، جنات من نار" كما قال الماشي في الهواء. منذ مسرحية المغنية الصلعاء يظهر رجل الإطفاء، وتعلن مدام سميث "رجل الإطفاء هو كاهن يستمع إلى الاعتراف أيضاً". في نور شمس سوداء ينبثق منظر جامد: هضبة جرداء تحيطها الجبال العارية مثل الأسوار؛ دروب وعرة ملأى بالحجارة السير فيها عذاب أليم: "أتشبّث بالصخور، أنزلق، أتعلّق بالأشواك، أزحف على أربع... آه! لا أحتمل المرتفعات... لماذا يتحتم عليّ أن أتسلّق الجبال باستمرار؟"(8) . في مكان آخر هناك بحيرة شاطئية أسنت مياهها وامتلأت بوحل المستنقعات العفن. وفي مكان آخر أيضاً "الأرض تنشقّ... الجبال تميد، محيطات من الدم... من الطين. من الدم. من الطين..."(9) . في كل مكان نجد الأشواك والنباتات الملتفّة والأغصان التي تجرح الوجه. ذئاب، ضفادع، أفاعي، بنادق، رشاشات، حراب وسكاكين، عصافير ميتة، أطفال موتى، أرتال من المعذبين والشهداء، رجال ذوو وجوه مرعبة ورؤوس أوزّ وكركدن. من مسرحية إلى أخرى، تجد هذه المواضيع الملّحة، وهي السند الخيالي لذلك الطابع "المخيف" للعالم. وجوه أسطورية تسيطر على هذا الكابوس صورتان. تتخذ الصورة الأولى أسماء: مدام سميث، جاكلين، روبرتا، مادلين، جوزفين، مرغريت، ماري-مادلين، أو بكل بساطة "هي" الأم، الزوجة ، الأخت، الحبيبة، الخادمة، الملكة، "التي تفعل كل شيء". إنها المرأة، الغواية، مصيدة الجحيم. أمّا وقد التفتت نحو الظلام وشدّها الليل فإنها ترشد شوبير: "إلى الأسفل، إلى أسفل. إلى أسفل[...] لاتنهض ياحبيبي[...] انزلْ، انزلق ياحبيبي [...] توغّلْ في الظلمات أكثر ياحبيبي [...] هيّا، انزلْ... إلى أسفل، إلى أسفل دائماً...". يصبح صوتها شجيّاً ونداؤها نداء الرغبة، فالغوص غواية وإغراء: "انزلْ... انزل... إذا كنت تريدني!" وعلى ترنيمة روبرتا يهيمن نداء الجنس "لدي ماء في ثغري. إنني أغوص[...] عندي بيت من فخّار وطراوة دائمة... هناك زبد وذبابات ضخمة وصراصير وبقّ وضفادع. تحت أغطية ندية نمارس الحب... نمتلئ بالسعادة! ألفّك بذراعيّ مثل أفعى، بساقيّ اللدنتين. تتوغل وتذوب" صور ساحرة كريهة لملذات جسدية هي المسكن وهي القبر. تمثّل المرأة أيضاً الوفاء للماضي. جوزفين وماري- مادلين تلغيان الحاضر، توقفان الزمن. جان مدفوع رغماً عنه: "أنت تأخذينني بيدي بينما أحلم بما لا أدري، تسألينني أن أحضر فأجيب نعم، وفكري شارد في مكان آخر. تحضرينني إلى هذا المكان وتجعلينني أستقرّ في هذا البيت، تجعليننا نستقرّ بينما خيالي شارد. فجأة، عندما أثوب إلى رشدي أدرك أنني هنا حيث قررّتِ أن تأتي بي، إلى نفس المكان الذي كانت كوابيسي قد حذّرتني من العودة إليه". المشاعر الفاترة، العادات، اللياقات، "ما يحدث وما لايحدث" ، الحب المُحاصر، تؤلف عالم المرأة الساكن. سلام وحلاوة. استسلام، قبول بجميع الحدود وخاصة الموت: "لا تحاول أن تطير عالياً جداً" كما قالت جوزفين. لقد سلبت مرغريت الأمل من الملك: "الحالم ينسحب من حلمه" وماري- مادلين تتحدث عن الخضوع "سريعاً أو بطيئاً، ما أهمية ذلك؟ ساعة أو عشر دقائق، عام أو أسبوعان، ماذا يهمّ؟ سنصل إلى النهاية على كل حال" المرأة ربّة منزل لا تكلّ. تكنس، تمسح الغبار وبيوت العنكبوب، ترتّب، تصفّ فناجين القهوة، تحب النظام. "النظام: إنه مرتبط بلوائح القانون الذي لا غنى عنه، القانون المفيد". وقد بيّنت مادلين لشوبير أن القانون يخلق المواطنين الصالحين والضمائر الصافية، على هذه الأسس يخدم القانون مخططات الأسرة روبرتا) والموت مرغريت) والشرطة: تساعد مادلين المفتش وعندما يضع الإستجواب شوبير في مواجهة الخطر تطمئن إلى أن ما تفعله قانوني، بل إنها تحلّ محلّ الشرطي. إلى جوار "الأم- الزوجة" الوجه الأسطوري الآخر في هذا العالم المخيف هو وجه "الأب". في الحقيقة لا يظهر الأب سوى مرة واحدة كشخص محدّد: ذلك في مسرحية الامتثال حيث يلعب دوراً ثانوياً جداً. لكنه يلوح تحت قناع الشرطي، الراهب- الجلاّد، الطبيب- عالم الفلك، المهندس، قائد الشرطة، المحلل النفساني، المدرّس، الحارس، المحقّق، وهذه كلها وجوه للسلطة الظالمة القمعية. التطابق بين هذه الشخصيات على المستوى النموذجي ملموس في مسرحيتي "الملك يموت" و "العطش والجوع" كما أن هذا التطابق واضح جليّ في تحوّلات "ضحايا الواجب". "الأب" حب كبير ممزَّق: "لقد جعلتني أتصالح مع الإنسانية، لقد ربطتني مع التاريخ برباط لا فكاك منه [...] لقد أحسنت صنعاً بإنكاري، من حقّك أن تحمرّ خجلاً مني، اشتمْ ذاكرتي، أنا لا أحقد عليك، ما عدتُ قادراً على الكراهية..." لكن الأب يمثّل قوة قمعية في أغلب الأحيان. الإستجواب قاسٍ في ضحايا الواجب ويصبح "قضية" مسرحية العطش والجوع. لقد نال الأخ تاراباس الإرتداد عن المبدأ ولم يكتف بمجرّد الاعتراف. المرأة تطالب بالاستسلام والمحقق يجبر الفرد على الإنكار والجحود. مع ذلك فإن هذا الأب - الشرطي القمعي ما هو سوى مؤتمن على سلطة تتجاوزه. يمكن أن يكون هو نفسه متقلّباً، متلعثماً المدّرس، الشرطي) تنبع ثقته من السلطة التي يتمتع بها. المدرّس يحتفل: إنه ينصرف إلى طقوس الدكتوراه العامة" ويشعر الشرطي أنه "جندي ملتزم بالطاعة" ويقرأ الأخ تاراباس عذاب المهرّجين ومصير جان على وجه الأخ الأكبر. للسلطة مقامها في "مديرية الأمن" المكان الحصين. السلطة كيان مستقلّ إنها تُسمّى: القانون، الواجب، الاجتماعي، المعرفة، الأخلاق، الإيديولوجيات... لابد من طرح السؤال حول طبيعة هذه القوة المطلقة التي يخضع لها الجميع ضحايا وجلاّدون. الدكتوراه العامة، الإمبراطور، قائد الشرطة، الأخ الرئيس... مَنْ هو "السيد" ؟ في المسرحية التي تحمل هذا العنوان السيد هو "الرجل دون رأس". هل ستكون السلطة النتنة السامّة هي الفراغ؟ وهل سيكون الوعد الأوحد هو العدم؟ وهل الغياب هو الرسالة التي ينقلها المطلق؟ إن ما يطلبه الحارس في "الملك يموت" هو العدم الكبير. عالم رائع. ليست الوحشية الانطباع الوحيد عن الحياة. العالم رائع أيضاً. يقول الماشي في الهواء: "لايستطيع الأدب أن يعرض سوى صورة باهتة جداً، مُصغّرة جداً للوحشية الحقيقية وللواقع الرائع أيضاً". الحياة المشرقة، الغرابة التي تنبثق تحت خطواتنا، الدهشة من الوجود تظهر بجلاء في العالم الخيالي ليونسكو. صور خرافية. مقابل صعوبة الحياة المتمثّلة في الثقالة والسقوط ينتصب فرح الحياة الذي تترجمه الخفّة والطيران. يتمّ التعبير عن غبطة الشخصيات بحركة ارتقاء، وبحلم ايكار المتجدّد. بعد هبوط شوبير إلى المتاهة يصعد من جديد في نور أبهى من الشمس، يتسلّق الجبل، يغدو خفيفاً، ويشعر بالقدرة على الطيران؛ وإذا ما سقط وارتمى أخيراً في سلّة الأوراق فإن اميديه يطير على جناح حلمه: "في أقدامنا أجنحة.. أرجلنا أجنحة... أكتافنا أجنحة... لقد تمّ التخلّص من الثقل.." الماشي في الهواء يفسّر الأمر: "الطيران جاجة لايمكن للإنسان الإستغناء عنها" وهي عمل من أعمال الإيمان، والارتقاء الذاتي هو(10) تعبير عن الفرح. على شرفة معلّقة بين السماء والأرض كان جان على موعد مع السعادة. عالم النعمة هو مجال أتيري ، إنّه شرفات معلّقة، معابر، جسر فضي، إنه السماء على رحابتها. النور يغمر حدائق المدينة المشعّة، سُلّم جنات عدن، إنه ينير وقد تضاعف مرات كثيرة: هناك شمسان، ثلاث سماوات في مسرحية الملك يموت، أربع شموس في العطش والجوع. السماء زرقاء زرقة غير حقيقية، الهواء أكثر خفّة، أكثر نقاوة، يمكن شربه مثل مياه شفّافة: في الليل، يبدّل ضوء القمر شكل الحدائق. قال اميديه: "انظريْ يامادلين جميع أشجار الأكاسيا تلمع. أزهارها تتفجّر، إنها ترتفع نحو الأعلى. لقد تفتّح القمر وسط السماء وأصبح كوكباً حيّاً. طريق المجرّة من حليب فوّار. عسل، نجوم كثيرة، شعور طويلة، طرقات في السماء، سواقي من الفضة السائلة، أنهار، مستنقعات، بحيرات، محيطات وكلّها من النور الملموس..." في هذا العالم من الشفافية والنور لم تعد البيوت المصنوعة من زجاج سجوناً، الجدران لا مرئية، الطبيعة تزهر في ربيع دائم: هناك وديان، حدائق مسحورة، نوافير، شلالات مياه، مهاد من ورود وزنابق. هناك "كنائس هي حمائم"، وهناك أجراس، رقرقة ينابيع، أناشيد، حلقات رقص... تؤلف هذه الصور عالم اميديه أو بيرانجيه. إنها سراب ولا شك لكن المشاهد اليومية هي أيضاً مشاهد "مذهلة خلاّبة" لمن يعرف النظر، يكتشف اميديه، وقد اعتزل خمسة عشر عاماً، الساحة الصغيرة، ويسأل الملك جولييت: "هل لاحظتِ أنكِ كنت تستيقظين كل صباح؟ الاستيقاظ كل صباح... يولد المرء في العالم كل صباح". صورة حلم في هذا العالم من الاندهاش يشرق وجه الحبيبة: داني، ديزي، ماري. الأمل في الحب يحرّر من الخوف والألم، بل يشفي من الموت. يقول اميديه: "الحب ينظّم كل شيء، إنه يغيّر الحياة". لو عرف اميديه ومادلين كيف يتبادلان الحب لما بقي للجثة أية قيمة. لقد استعاد بيرانجيه الرغبة في الحياة" بفضل ديزي: "إنكِ تخلّصينني من عُقدي [...] معكِ لن يبقى لدي أية مخاوف" لو عرف الإنسان الحب لا ستطاع أن يموت دون أسى، أن يموت بسلام" كما يقول الماشي في الهواء. لقد شرحت ماري للملك: "الحب مجنون. إذا عرفت الحب المجنون، إذا أحببت باندفاع، إذا أحببت حباً مطلقاً فإن الموت يهرب. إذا أحببتني، إذا أحببت كل شيء فإن الخوف يتلاشى. الحب يحملك، وأنت تترك نفسك فيتركك الخوف. العالم وحدة تامة، وكل شيء يُبعث من جديد والفراغ يصبح امتلاء". لكن أمل ماري لاجدوى منه إذ أن الحب يسقط أمام صعوبات وقسوة الحياة. داني ضحية القاتل، ومادلين الثانية لم تعرف السعادة وديزي تتخلّى عن بيرانجيه لتلحق بالخراتيت. ماري تعاني من قهر مرغريت. لقد تساءل يونسكو عن أسباب هذا الفشل. إنه يتساءل في "مذكرات في فتات" إن لم يكن ما ندعوه حباً هو في أغلب الأحيان غيرة أو مجرّد ورغبة في امتلاك الآخر. كما لو كان شيئاً. الحب الحقيقي عطاء: "الحب. هذا يعني أن تترك نفسك تحب. هوالموافقة على أن تكون مُلكاً للآخر، هو إنكار الذات، هوقبول أن يتصرّف بك الآخر قليلاً أم كثيراً". يظن يونسكو، ربما لأن الغرب يجهل هذا التنازل، أن الحب المطلق، "الحب المجنون" لا وجود له. في النهاية، هل الحبيبة شيء آخر سوى الإنتظار والحلم؟ في العطش والجوع لم تأتِ إلى الموعد. وجودها الوحيد كان فقط استدعاء وتساؤلات جان: "هل تصعد الدرجات؟ هل أسمع وقع خطواتنا؟ أم أن ذلك ليس سوى خيال الخيال؟ أم أنه سوى ورقة؟ أم هي الريح؟ أم ارتعاشة الرغبة؟ أم أنه ليس سوى لهاث ألمي؟". وجـــــدان ممـــــزّق. بين هاتين التجربتين تنقسم الشخصية الأساسية وتنوس: جاك، شوبير، اميديه، بيرانجيه، جان... إنها تشعر أن الحياة رهيبة ورائعة في آن واحد. هذه الشخصية، وقد توزّعت بين الرغبات والآمال، تتمرّد على الرتابة والعار والخوف.. يجسّد جاك تمرّد المراهقة: "عندما ولدت، لم أكن بعيداً عن الرابعة عشرة من عمري..." والطفل الذي تحدثت عنه سمير اميس ثار في وجه الشرّ: "أنتم تقتلون العصافير! لماذا تقتلون العصافير...". لقد تذوّق شوبير لحظات من الغبطة أمّا اميديه وبيرانجيه فقد عرفا الحب المجنون، ومضى جان بحثاً عن المطلق، وانطلق الطفل "صافقاً خلفه الباب". طار اميديه وبيرانجيه وفرّ جان، على أطراف أصابعه" كما يحدث في لعبة الإستخفاء. لكن التمرّد الفردي لا ثمرة له. جان يعترف بخضوعه، وشوبير يسقط في السلّة، والماشي في الهواء ينزل مرعوباً، وبيرانجيه يستسلم للقاتل، ويستسلم الملك لمرغريت، وجان يخضع لسلطة الأخ تاراباس ولم يعدْ يفكر إلاّ بماري- مادلين ومارتا. اميديه هو الوحيد الذي مضى بسرعة ولم يرجع، لكنه لم يفعل ذلك قصداً: "ماكنت أريد أن أهرب من واجباتي... إنها الريح؛ أمّا أنا من أردت ذلك! لم يحدث ذلك قصداً!... لم أقبل ذلك بإرادة حرّة...". من هذا المنظور، يظهر أن الأمكنة والمناظر التي يُوحي بها، حتى الأشخاص أنفسهم على الأقلّ أولئك الذين يجسّدون التصورات الخادعة الملحاحة)، ليس لها وجود خاص بها. إنها تعكس أفكار وغرائز ووساوس الشخصية الرئيسية. هذه العلاقة مع العالم واضحة بشكل خاص في مسرحية "الملك يموت". ظهور الأشياء والأشخاص على المسرح ماهو سوى إدراك بيرانجيه لها، وتختفي الأشياء والكائنات حالما لا يعود الملك يراها أو يفكر بها، فهي ليست سوى انعكاس لعالم داخلي. الشخصية الرئيسية هي إذن المحرق الذي تلتقي فيه جميع الأشعة. تمرّدها، سعادتها، فشلها، إحساسها، تتوضّح في عالم الخيال الذي يحيط بها. العرض الذي تقدّمه كل مسرحية هو إذن تساؤل الكاتب عن نفسه، هو استكشاف لأغوار النفس. إنه تساؤل أيضاً عن الآخرين إذ أن يونسكو الممزّق بين ذكرى فردوس مفقود إلى الأبد وبين الأمل في أرض موعودة لم تطأها قدم قط، يدرك أنه يجد من جديد إحساساً عالمياً: "عندما أعبّر عن وساوسي الكبرى فإنّما أعبّر عن أعماق إنسانيتي، إنني ألتقي عفوياً بكل الناس فيما وراء جميع حواجز الطبقات الشعبية والنفسيات المختلفة.إنني أعبّر عن وحدتي وألتقي بجميع المتوحدين، فرحي في الحياة ودهشتي من الوجود مشتركان بين جميع الناس"(11) . الأسئلة التي طرحها الكاتب على نفسه، والأجوبة التي أعطاها لم تأخذ أبدا مشكل المفاهيم:"هذه الأسئلة وتلك الأجوبة هي أشخاص مسرحية"(12) . ليس المسرح برهنة وإثباتاً لكنه مسرحية، فما العمل كي تصبح البيّنات ذات مغزى؟.. يتساءل الكاتب عن الأشكال ويحدّد فنه المسرحي. 2 - مسرح ضد المسرح: مجادلات: لكي يستكشف الواقع ويعبّر عن العالم الذي يعيش فيه، لم يجد يونسكو في مسرح مابعد الحرب أشكالاً ملائمة تفي بالمرام. لم يشعر بميل إلى المسرح: "كنتُ أقرأُ مؤلفات أدبية ودراسات. كنت أذهب إلى السينما برغبة وكنت أستمع من وقت لآخر للموسيقى. كنت أتردد على المعارض الفنية، لكنني لم أذهب إلى المسرح أبداً [....] لم أكن أشعر فيه بأية متعة، ولم أشارك فيه"(13) . تُعتبر مسرحية: "المغنية الصلعاء"، بطابعها الساخر إعلان حرب على مسرح الأربعينات. لقد ذهب يونسكو أبعد من ذلك: بدا له أن الكلاسيكيين ضعفاء سقماء: موليير لا يعنيه"، بحكاياته عن البخلاء والمنافقين والمخدوعين"، كورناي، بكل صراحة، يسئمني، ربما لا نحبه دون أن نؤمن به)، إلاّ من قبيل العادة [....] شيللر لا يطاق. مسرحيات ماريفو تافهة، كوميديات موسيه هزيلة، مسرحيات فيني غير صالحة للتمثيل. المآسي الدامية التي كتبها فيكتور هيجو تضحكنا حتى القهقهات. مهما قيل عن لابيش، هناك صعوبة في أن يضحك المرء من مسرحياته الكوميدية. دوماس الابن ذو نزعة عاطفية مضحكة في "غادة الكاميليا". والآخرون! أوسكار وايلد؟ سهل. ابسن؟ ثقيل الظل. سترندبرغ؟ أخرق[....] جيرودو ولا يصل إلى الجمهور وكذلك مسرح كوكتو يبدو لنا سطحياً مزيفاً [....] بيراندللو تمّ تجاوزه...."(14) يبقى إذن اسخيلوس وسوفوكليس وشكسبير وبعض المسرحيين الآخرين أصحاب التأثير على الجمهور. "عبر القرون هناك عشرون كاتباً مسرحياً... ثلاثون في أحسن تقدير". هذا يدعو للاطمئنان!. لم يتوقف يونسكو عند حدود هذا التجريح. إنه يبدي اعتراضاته ويبرر لعناته. يأخذ أولاً على المسرحيين نزوعهم البالي لتغليب وجهة النظر النفسية على ماعداها. لقد بُنيتْ الشخصيات الكلاسيكية على أسس ليس لها أية قيمة علمية: نظرية الأهواء، تضيف الرذائل والفضائل كما فعل موليير أو راسين تمَّ على أساس تبسيطي من وجهة التحليل النفسي. بيراندللو. الذي اعتمد على مفهوم الشخصية المفتتة، عبّر بطريقة غامضة ورديئة عمّا أوضحه العلم بشكل أفضل. لم يكن خطأ المسرح في محاولته الشرح والتوضيح، فليس في الإمكان إلاّ أن يكون مقتضباً في شروحاته إذ سرعان ما تسبقه تطوّرات علم النفس. يدين يونسكو من ناحية أخرى فكرة العقدة لأنّها ستخضع حتماً إلى قوالب جامدة، كما أن قصص الحب التي تحتوي معاكسة أو خيانة، والتي تنطوي على تعقيدات، وإشكالات، وعلى تبادل في المواقف والأدوار، وعلى مفاجآت مسرحية، إنما تؤلف على الدوام، المخطط ذاته، ولا يمكن لها أن تأخذ منحى آخر، ذلك أن جميع العناصر في إطار الحب، من أجل أن تبدو مقبولة يجب أن تخضع إلى نهج موصوف بالمعقولية والمنطق مطابقة للواقع. وعلى العموم فإن العقدة تعبّر دائماً عن حلّ اللغز ولذلك استنتج شوبير أن المسرح كان دائماً وأبداً مسرحاً بوليسياً منذ سوفوكليس حتى مسرح البولفار مروراً بأعاجيب القرون الوسطى وتراجيديات القرن السابع عشر، "وهي مسرح بوليسي راقٍ". لكن في هذا العام الذي تسيطر عليه قوى غير منطقية، تبدو العقدة مزّيفة وتفقد مغزاها كلّه. يهاجم يونسكو "الواقعية" بشكل عام لأنّها تفضي في تحليلها للشخصيات إلى دراسة نفسية سطحية وتحرم الإنسان من بعده الأساسي وهو العمق. العقدة الواقعية تبقى على سطح الأشياء ولا تصل أبداً إلى ديناميكية الواقع الحقيقية. إن التمثيل "الطبيعي" لدى الممثلين "غش فاضح"، إنّه يدمّر الوهم ويعيق الحلم الذي يمدّ الواقع إلى مافوق الواقع. الديكور الواقعي ليس، في أفضل الحالات، سوى رسم خدّاع يعطي وهم الحقيقة. ثم يضيف يونسكو أنّه إذا ما نظرّنا إلى الواقعية بهذا الشكل ستكون واقعية متخلّفة، تخنق الخيال وهو وحده القادر على سبر المجهول. إنها لا تكتشف شيئاً وتخسر الواقع في نهاية المطاف. الأشكال المستخدمة ماهي إلاّ اتفاق مع تقليد وتقيّد بأعراف لا يؤمن بها أحد. إنّها تنهض على قواعد وعلى نظام من القيم، وعلى رؤية عن العالم صارت قديمة بالية،...، يفقد بها المسرح كل أهميته وكل معناه. هذه الواقعية التحتية تدفع الأدب ليغدو مجرّد توضيح للفكر العلمي أو الفلسفي أو السياسي. ينطلق الكاتب من مذهب، والعمل الأدبي يؤكّد، يوضّح، ليشرح. إنه يستخدم الدراسات النظرية استخداماً مزدوجاً، وفي ذلك خرابه، "بدلاً من الذهاب لمشاهدة التجسيد المسرحي لهذه السياسة أو تلك أفضّلُ قراءة جريدتي اليومية أو الاستماع لأحاديث مرشحي الحزب الذي أنتمي إليه"(15) . "ليس المسرح لغة الأفكار، عندما يقبل أن يكون مطيّة للأيديولوجيات لابدَّ أن يبسّطها. إنه يسهّلها بشكل خطير، يجعلها أولية، يحطّ من قدرها. يصبح المسرح ساذجاً، لكن بالمعنى الرديء للسذاجة؛ وكل مسرح إيديولوجي مُعرّض لخطر التحوّل إلى مسرح للتوجيه(16) . ضمن هذه الحدود لا يكون الكاتب أكثر من مربٍّ، أو أسوأ من ذلك، يكون غوغائياً إذ يخدم الأيديولوجيات المنتصرة، وتحت شعارات الثورة، والتمرّد يخفي تبعية لا خطر منها."المسرح ذو الرسالة"، كما يخيّل ليونسكو، هو الشكل الأكثر تعبيراً عن هذا الموقف الديماغوجي. إنه يدينه في مناظراته مع كينث تينان، وفي مقالاته ضد اوزبورن وميللر وسارتر، وفي الاتهامات التي كرّرها مراراً لبريخت؛ وفي الأفكار والتهكّمات والكاريكاتور التي رأينّاها في مسرحيات: "ضحايا الواجب"، و"مسرحية الما"، "الماشي في الهواء"، "العطش والجوع". هذا الهجوم الذي شنّه يونسكو، العنيف غالباً، الظالم أحياناً، المتناقض قصداً، يوضّح مايرفضه في المسرح، ويحدد الأشكال التي يودّ تدميرها، إنه الوجه الآخر لفنّه المسرحي. فـــنّ ســــــحري: المقالات التي جُمعت في كتاب "ملاحظات وملاحظات مضادة"- وخصوصاً" "تجربة المسرح"، "مقال عن الطليعة"، "حديث عن مسرحي"، "المؤلف ومشاكله"- ومحاوراته مع كلود بونفوا، وكتاب "اكتشافات" والهجاء الذي ورد وفي مسرحية الما، والأفكار المتناثرة في مسرحياته، مثل أفكار شوبير ونيكولا دو، واميديه، وبيرانجيه؛ ذلك كلّه يوضّح تصّور يونسكو عن المسرح؛ ومن تطبيق تلك الأفكار يستمّد مبادئ "نموذجه الداخلي". إن عناوين المسرحيات هي تكثيف لها. عمل بها يونسكو لكنه أعاد تحديد مفاهيمه، "فمسرحه الطليعي" رجع إلى التراث، ,"مسرحه المضاد" أراد أن يكون كلاسيكياً، و"مسرحه في اللامعقول"، له بُعد انطولوجي. "المسرح فنّ من أقدم الفنون"(17) إنّه في الأصل مثل جميع الفنون الأخرى، احتفال ديني وممارسة للسحر والتعاويذ. تقديم الأساطير يلغي الزمن، والمشاركون في الاحتفال ينفذّون الفعل الافتتاحي لنشأة الكون والوجود، أمّا الأساطير الجديدة التي يفرزها كل عصر وكل ثقافة فإنّها تستعيد بنية النماذج الأولى الثابتة. المواقف المتعارضة التي تنشّط اللا وعي لدى الأفراد. والتحولات العميقة في النفس البشرية لا تظهر إلى النور إلاّ تحت صورة حكاية أسطورية. المسرح هو مكان "التجلّي". إنه ميتافيزيقي وانطولوجي. ليس له معنى إذا لم يؤثّر، إذا لم يُقلق. لكي يوقظ الجمهور الغارق في السلبية، يجب على المسرح المضاد أن يكون تحدّياً، وفضيحة ودماراً لمسرح التسليات؛ ومن هنا يستطيع العثور على رسالته الأوّلية. المسرح هو مجال الخيال والحلم. الذكاء أسير المفاهيم، إنه يدمج المنطق وتسلسل الأحداث. الفكر- الحلم، وحده قادر على إيجاد روابط حقيقية وديمومة حقيقية، وهو الوحيد القادر على مساءلة الواقع وكشف معانيه؛ هو وحده يستطيع أن يردّ إلى المسرح سلطاته المفقودة. يصوّر الكاتب المسرحي الوضع الإنساني في استمراريته:"كان الناس يموتون من الحب منذ مائة عام، وكانوا يموتون أيضاً خوفاً من الموت، كما يحدث اليوم"(18) . لكن كل عصر يعطي للمشاعر، للمخاوف، للهلوسات، أشكالاً نوعية محدّدة؛ والكاتب المسرحي "ملتزم" بالضرورة بعصره، وعليه أن يعبّر من خلاله عن حالة "خارجة عن الزمان" يتعذر وصفها. المسرح ليس من زمنه إلاّ بشرط أن يكون غير مرتبط بالزمن الحاضر. وإذا ما أراد بكل بساطة، "أن يكون من زمنه فمعنى ذلك أنه قد تمّ تجاوزه"(19) . ليس المسرح، لا راهناً، ولا معزولاً عن الزمان، إنما هو في التاريخ، ويتجاوز التاريخ. "في نهاية المطاف، أنا لا أخشى أبداً من التأكيد أن الفن الحقيقي الذي يسمونه فن الطليعة، أو الفن الثوري هو الفن الذي يقدّم نفسه على أنّه فن غير مرتبط بالحاضر من خلال تصديه الشجاع لعصره. أمّا وقد كشف هذا الفن عن عدم ارتباطه بالحاضر فإنّه يعود إلى ذلك الرصيد العالمي المشترك الذي تحدّثنا عنه، وباكتسابه الصبغة العالمية يمكن اعتباره كلاسيكياً، ومن المعروف أن الصفة الكلاسيكية يجب أن تكون خارج حدود الجديد، ومن خلال الجديد الذي يجب أن تكون مشبعة به"(20) . يستعير العمل الأدبي مواده من الواقع لكنه يستمّد قيمته ومغزاه من ترابطها والتحامها. "العمل الأدبي ذو تنظيم عضوي، أقصد أنه جهاز عضوي، بحسب هذه النظرية، يكون العمل حقيقياً، ويمتزج الفن بالحقيقة"، كما كتب يونسكو في مقالة "المؤلف ومشاكله". في المسرح، هذه البنية هي التتابع الديناميكي "للصور المسرحية". بنية لا تعسّف فيها لأنّها تخضع إلى قوانين الحياة نفسها. "يجد الكاتب للعمل المسرحي في ذاته نفسها الصور والرسوم الخيالية الدائمة العميقة(21) للعمل المسرحي. إن منحنى المسرحية البسيط والحاسم يتشكّل عند يونسكو من التجربة المزدوجة للغبطة ولصعوبة الوجود للارتقاء والسقوط. يتبع تسلسل الصور المسيرة المأساوية، أو يتبع الحركة المضحكة لميكانيكية غير منتظمة. إن حدّة الأفعال تعطي للتمثيلية توتراً لا يُحتمل أحياناً. وإنّ الاستخدام العلمي لهذه الوسائل يحقق للمسرح بنيته الراسخة وسحره. بما أن المسرح تعبير عن الحياة، يجب عليه، كما يرى يونسكو، أن يمزج مختلف الألوان: "لم أفهم أبداً الفرق الذي يورده الناس بين المأساوي والمضحك"(22) . لكن، رصف الألوان إلى جانب بعضها البعض، لا يكفي في نظره. لا يتمّ التعبير عن العالم، بربط العقدة المؤثرة مع المشاهد الهزلية، الأبطال النبلاء مع الأقنعة الغريبة، من دون خلطها، هذا ما فعلته الدراما الرومانتيكية، مثلاً. الواقع، هو وحدة كاملة، فمسرحية الفارسْ، إذا ماوصلتْ إلى ذروتها تكشف عن المأساة، والحدث اليومي مستهجن، أو خيالي، والطابع الغنائي مخيف. إن عالم القسوة يحتفظ ببعض الزوايا الرقيقة اللطيفة، "والهزلي، باعتباره حدس اللامعقول، يبدو لي باعثاً على اليأس أكثر من "المأساوي". المضحك لا يقدم حلاً. أقول: "مثيراً للقنوط" لكنه، في الحقيقة، أبعد أو أقرب من اليأس والأمل"(23) . 3 - نقاط التلاقي: يحمل "المسرح المضاد" لدى يونسكو بصمات التصورات السريالية ونظريات انتونان ارتو، كما يؤكد، هو نفسه، هذه الرابطة، ويبرز أهمية حركة جدّدت صورة العالم واشكال التعبير:"شهدت بداية هذا القرن، حوالي عام 1920، على وجه التحديد، وحركة طليعية عالمية عريضة في جميع مجالات الفكر والنشاط الإنساني وقد حدث انقلاب جذري في عاداتنا الفكرية"(24) . لقد كتب عن بروتون بشكل خاص، وقال: "لقد أعاد اختراع الأدب". الروّاد الثلاثة. تمّ التعبير عن الثورة الفكرية في المسرح بمحاولات أوردها يونسكو في محاولاته مع كلود بونفوا:"... فيليب سوبو، ربما دينو، أو تزارا، أو بيكاسو الرغبة الممسوكة من الذيل)، أو فيتراك.. لكن هناك جارّي بشكل خاص". لقد حطّم جارّي، عدو التقاليد، أصنام عالم في مرحلة التفسّخ، آلهة مجتمع جاهز مسرور، لقد أنكر حقيقة الإنسان عندما خلق اوبو؛ صورة ذلك المجتمع المشنّجة، تلك الشخصية الكريهة القاسية التي فقدت إنسانيتها خلال محاولاتها الشاقّة لأن تكون إنسانية، نموذج الشراهة المادية والمعنوية"، ربما تأثرّت به وأنا أجعل من أبطالي مسوخاً أو أجعل منها كركدنات"، كما يقول يونسكو(25) . طرح جارّي من جديد مسألة التقاليد المسرحية من خلال إنكاره للزمان والمكان، ومن خلال آلية سير الأحداث في مسرحية بلا عقدة، والجرأة في استخدام لغة وعرة مفككة، والحماس والعنف، الذي نعثر عليهما عند دُمى مسرح العرائس، ولا واقعية الميلودراما الشعرية والمبتذلة في آن واحد. كتب يونسكو(26) :"المقصود إخفاء بعض الأشياء البشعة علناً ولا يمكن فهمها، تلك الأشياء التي تزحم المنصة دون فائدة، وفي الدرجة الأولى الديكور والممثلين". لقد رأى بروتون في مسرحية أوبو ملك "المسرحية الكبرى في الأزمنة الحديثة فيها نبوءة ودعوة إلى الانتقام". بأسلوب مختلف تماماً تجدد "الدراما السريالية"، أثداء تريز ياس" لابوللينير. فضيحة "اوبو ملكاً" وتطرح أيضاً مسألة الأشكال الدرامية(27) .يَسود في هذه المسرحية دون تطرّف، لكن الحركة، ومعالجة اللغة، واستخدام الإيماء وأساليب السيرك(28) ترسم مسبقاً صورة المسرح المضاد في الخمسينات. تكتسب مقدمة المسرحية، مع فاصل زمني يبلغ أربعين عاماً قيمة بيان عام: "من العدل أن الكاتب المسرحي [....] [....] لن يهتمّ بعد الآن بالزمان ولا بالمكان عالمه هو مسرحيته وفي داخلها الله الخالق الذي يتصرّف على هواه الأصوات الحركات الخطوات الأجسام الألوان ليس هدفها الوحيد تصوير ماندعوه شريحة من الحياة إنما العمل على إظهار الحياة نفسها في حقيقتها الشاملة". "أخيراً فإن مؤلفات فيتراك محاولة للتجديد تثير الاهتمام. في مسرحيته "أسرار الحب"، 1927)، ينقل إلى المسرح بدعة الكتابة الآلية، وفي مسرحية "فيكتور" أو الأطفال يستلمون السلطة"، يسخر من القيم والأخلاق البرجوازية، لقد قابل الجمهور بفتور عنف هذه المسرحية الساخرة(29) . لكن نقد فتراك الساخر توقف فجأة بلا نتيجة لأنّه هاجم الأفكار ولم يهاجم طرائق التفكير، لم يطرح على بساط البحث مسألة بنية العقل ولا مسألة الأشكال الدرامية. منظّـــــــر في الحقيقة يرى يونسكو في جارّي، ابو للينير، فيتراك شخصيات يلتقي بها. نتعرّف في فنّه المسرحي على تأثير انتونات ارتو بشكل خاص. ارتو المطبوع بأفكار جارّي، المعروف بمشاركته في السريالية الأولى، بتجربته كممثل، كمخرج، كمدير مسرح، كمؤلف. ارتوهو، قبل كل شيء، منظّر جريء(30) . في عام 1931، كشفت له فرقة مسرحية من بالي باندونّسيا، قدّمت عروضها في باريس، عن جوهر المسرح ومهمته الحقيقية. تحدّد مجموعة من المقالات والمنشورات كتبت مابين 1930-1936)، وجمعت في كتاب "المسرح وبديله"(31) ، تصوّره عن "مسرح القسوة"، وكلمة القسوة مأخوذة هنا "بالمعنى الغنوصي"(32) ، لزوبعة الحياة التي تلتهم الظلمات". وجد آرتو القيمة الميتافيزيكية للمسرح في ذلك النموذج البالي نسبة إلى جزيرة بالي). التمثيلية احتفال سرّي يفرض على المشاركين فيه الاشتراك في وجود فوق إنساني أو لا إنساني: "تحدث لعبة خطيرة في كل عرض [....] إننا نمثّل حياتنا في العرض الذي تجري أحداثه على المنصّة [....] الديناميكية الداخلية تهزّ المتفرج وتبدّله؛ كما أن هذه الديناميكية ستكون على علاقة مباشرة مع مخاوف واهتمام حياته كلها". لإيجاد هذه القوة السحرية لابدّ من الابتعاد عن التقاليد الغربية لمسرح التسلية واستلهام أشكال مستمدّة من المسرح الشرقي؛ لابدّ من رفض العقدة واستبدالها بحركة يتمّ الصعود والهبوط فيها على إيقاع نبض الحياة؛ لابدّ من رفض الأفكار الواضحة التي هي "أفكار ميتة". المسرح هو مكان الأساطير. يجب أن ننتهي من علم النفس "الذي يحاول جاهداً إرجاع المعلوم إلى مجهول"، "بتعابير أخرى، يجب على المسرح أن يتابع بشتى الوسائل إعادة طرح، ليس فقط كل مظاهر العالم الموضوعي والوصفي الخارجي، بل مظاهر العالم الداخلي أيضاً، أي الإنسان من منطلق ميتافيزيكي"(33) . يجب أن لا تبقى اللغة وسيلة اتصالية بل أداة لاستكشاف مافوق الواقع. يجب على الحوار إذن أن يفسح المكان لكلام مسرحي يؤثر على المشاهدين بماديته. بتطابقه مع الأشياء، بقيمته السحرية: "إن تحقيق ميتافيزيكية اللغة الواضحة يعني تسخير اللغة للتعبير عمّا تعجز عن التعبير عنه عادة؛ هذا يعني استخدامها بطريقة جديدة استثنائية غير مألوفة؛ هذا يعني أن تُعاد لها إمكاناتها في الزلزلة المادية، ذلك يعني تقسيمها وإطلاقها بنشاط في المكان، هذا يعني أن نأخذ النبرات بطريقة واضحة مطلقة وأن تُردّ لها قدرتها السابقة على التمزيق وإظهار شيء ما بشكل حقيقي؛هذا يعني أن نواجه اللغة وينابيعها النفعية الرخيصة، الغذائية، إذا صحّ القول، أن نواجه جذورها كحيوان مُطارد، هذا يعني أخيراً أن تأخذ اللغة شكلها التعويذي السحري"(34) . لكن الكلام ليس المسرح كلّه.تنضوي المسرحية تحت عناوين الكلمات، وأداء الممثلين والديكور والإضاءة والموسيقى. هنا أيضاً يرفض آرتو التقاليد الغربية ويعتقد أن الإخراج ليس مجرّد صدى للنص؛ إنّه لغة لها شاعريتها ومغزاها الخاصان: "المنصة مكان مادي محدّد يطالب أن يُملأ وأن يتحدث لغته الواضحة"(35) . الجسد البشري والأشياء، وقد صارت دلائل وسمات أو كتابة هيروغليفية، تؤلف رموزاً يمكن قراءتها مباشرة، والتمثيلية تخاطب الحواس مثلما تخاطب العقل والخيال: "عملياً، نريد أن نبعث فكرة من المشهد الكلي حيث يعرف المسرح كيف يقتبس من السينما والميوزيك هول والسيرك ومن الحياة أيضاً.ما كان يخصّه في جميع الأزمان، فهذا الفصل بين المسرح التحليلي والعالم التشكيلي، يبدو لنا بمثابة حماقة. لا يتمّ الفصل بين الروح والجسد، ولا بين الحواس والذكاء خصوصاً في المجال الذي تحتاج فيه الأعضاء التي تتعرّض لتعب متجدد باستمرار إلى هزّات مفاجئة لإنعاش إدراكنا"(36) . يطرح أرتو أيضاً مسألة هندسة المسرح:"إننا نلغي المنصة والصالة ونضع بدلاً عنهما مكاناً وحيداً، بلا حاجز من أي نوع كان. سنحصل على مسرح الحدث؛ وستنشأ علاقة مباشرة بين المشاهد والمسرحية، بين الممثل والمشاهد، لأن المشاهد، وقد استقرّ وسط الحدث، يصبح محاطاً ومتأثراً به"(37) . هكذا يشعر المشاهد أن الأمر يخصّه "فيشارك" فيه. للعرض قيمة التعويذة. أمّا التمثيل التعبيري -"الممثل رياضي يعبّر عن المشاعر"- فإنّه يقود الانفعال إلى ذروته. لكي يؤثر المسرح يجب أن يكون عنيفاً "إذا لم يكن هناك بعض القسوة في أساس كل مسرحية لا يكون المسرح ممكناً، ففي حالة الانحطاط التي نحن فيها، يتّم إدخال الميتافيزياء إلى العقل عن طريق الجلد"(38) . لهذا السبب يقارن آرتو بين "مسرح العنف" والطاعون. المسرح مدّمر مثل الطاعون؛ ومثل الطاعون أيضاً يوقظ قوى اللاوعي: "إذا كان المسرح كالطاعون فليس ذلك فقط لأنّه يؤثر على جماعات كبيرة ويحوّلها إلى اتجاه حقيقي. هناك في المسرح، كما في الطاعون، شيء ما منتصر ومنتقم. هذا الحريق العفوي الذي يشعله الطاعون حيثما مرّ، يُشعرَ المرءَ جيداً أنّه ليس إلاّ دماراً هائلاً [....] يأخذ الطاعون الصور الغائمة والفوضى الكامنة ثم يدفعهما فجأة إلى أكثر التصرّفات تطرّفاً: المسرح أيضاً يأخذ تصرّفات ويدفعها حتى النهاية. إنه مثل الطاعون يعيد خلق الصلة بين ماهو موجود وبين مالا وجود له، بين قوة الممكن وبين ماهو كائن فعلاً في الطبيعة بشكلها المادي [....] المسرحية الحقيقية تقلق راحة الحواس، تحرر اللاوعي المكبوت، وتحرّض على ثورة افتراضية، لا يمكن أن تكتسب كامل قيمتها إلاّ ببقائها إمكاناً، وتفرض على الجماعات المحتشدة موقفاً بطولياً صعباً"(39) . يستبعد آرتو المسرح المعتدل والتفريق بين الأنواع:"يمرّ المسرح المعاصر في مرحلة تراجع لأنّه فَقَدّ الإحساس بالجديّة من ناحية والإحساس بالهزل من ناحية أخرى؛ ولأنّه قطع علاقاته مع الخطورة، مع الفاعلية المباشرة المؤذية، مع "الخطر" بشكل عام. "لأنّه أضاع حس النكتة الصحيحة والقدرة على تفكيك الضحك المادي والفوضوي. "لأنّه قطع صلاته مع روح الفوضى العميقة التي هي أساس كل شعر"(40) . قوّة المسرح وأهميته تجعلانه "تعويذة تطرد شياطيننا". يفجّر المسرح بنية الكون ويطرح مسألة الوجود من جديد:"الشعر في المسرح) فوضوي بمقدار مايطرح مسألة علاقات الأشياء مع بعضها، وعلاقات الأشكال مع مدلولاتها.. إنه فوضوي أيضاً بمقدار مايكون ظهوره نتيجة اضطراب يقرّبنا من العشوائية"(41) . "الفكاهة والشعر والخيال لا تقول شيئاً إذا كانت من خلال عملية تدمير فوضوية، منتجة لمجموعة ضخمة من الأشكال ستكون المشهد المسرحي بتمامه، لم تتوصل إلى طرح موضوع الإنسان حيث عضويته، أفكاره عن الواقع، ومكانته الشعرية في الواقع"(42) . بالنسبة لصاحب نظرية "مسرح العنف"، يتعلق الأمر، إجمالاً بتغيير الحياة". (1) أُذيعت مقاطع من "الوباء" من إذاعة فرانس كولتور في 21 شباط 1970. (2) المتعالي trsanscendantal عند كانط، صفة للمعاني أو المبادئ التي يعتبرها خاصة بالفكر وحده والتي يدعوها باطنية أو ذاتية طبقت في حدود التجربة "المنهل) (3) أنا ومسرحياتي 1954 في ملاحظات وملاحظات مضادة). (4) انظر يوميات في فتات ص110-127-196-212-240. (5) ربيع 1939ص177. (6) العطش والجوع. (7) اميديه. (8) ضحايا الواجب. (9) الماشي في الهواء. (10) levitation : رفع الجسم بقوّة الإرادة وحدها. (11) مقال عن الطليعة. (12) المؤلف ومشاكله. (13) تجربة المسرح. (14) تجربة المسرح. (15) تجربة المسرح. (16) تجربة المسرح. (17) تجربة المسرح. (18) "محاورات" في كتاب "ملاحظات وملاحظات مضادة". (19) مقال عن الطليعة. (20) مقال عن الطليعة. (21) إذا كان يونسكو يرى في بيراندللو كاتباً تمّ تجاوزه بسبب معالجته النفسية فإنّه من ناحية أخرى معجب بـ "ميكانيكيته المسرحية". الغزيرة المسرحية الصافية هي التي أبقت بيراندللو حيّاً حتى اليوم. تجربة المسرح)."بيراندللو، أستاذنا جميعاً"، كما قال. (22) تجربة المسرح. (23) تجربة المسرح. (24) مقال عن الطليعة. (25) محاورات مع كلود بونفوا، ص 190. (26) من لا جدوى المسرح إلى المسرح، ميركور دوفرانس، أيلول، 1896. عُرضت مسرحية أوبو ملكاً عام 1896. (27) عُرضت المسرحية على مسرح موبيل عام 1917، وفي عام 1918 قدّم أبو للينير مسرحية "لون الزمن". (28) إضافة إلى ذلك يبدو أن اهتمام زوج تريزياس لتجديد السكان، إذ أنجب بإرادة حرّة تماماً 49049 ولداً، يعلن عن فكرة مسرحية "المستقبل في البيض". (29) فيكتور واستير طفلان عملاقان عمرهما تسع سنوات وست سنوات، يكتشفان في محيطهما سطحية وحقارة البالغين، العالم، بخموله وغبائه، ليس مضحكاً فقط بل هو العار الذي يموت بسببه فيكتور إذ صعقته إسهالات حادة. (30) أسس ارتو، بمساعدة فيتراك، مسرح الفرد جارّي عام 1926، وحاول أن يفرض مؤلفين لم يتذوقهم الجمهور مثل كلوديل وسترندبرغ. كما كتب عام 1935، مسرحية "آل سنسي"، انطلاقاً من تراجيديا شيللي وقصص ستندال. (31) عناوين المقالات المجموعة في كتاب "المسرح وبديله"تعطي فكرة عن اهتمامات آرتو والطرقات التي شقّها أمام مسرح جديد: المسرح والثقافة- المسرح والطاعون- الإخراج والميتافيزيقيا- المسرح الكيميائي- عن مسرح بالي- مسرح شرقي ومسرح غربي- ولّى زمن الروائع- مسرح القسوة- البيان الأول لمسرح القسوة-رسائل حول القسوة- رسائل حول اللغة- البيان الثاني لمسرح القسوة- رياضة عاطفية. المسرح وبديله. الجزء الرابع من مؤلفات آرتو الكاملة، طُبع مستقلاً في سلسلة "أفكار". المجلة الفرنسية الجديدة. (32) الغنوصية: Gnosticisme:نزعة فلسفية دينية تهدف إلى إدراك كنه الأسرار الريانية المنهل). (33) مسرح القسوة. (34) الإخراج والميتافيزيكا. (35) الإخراج والميتافيزيكا. (36) مسرح القسوة. (37) مسرح القسوة. (38) مسرح القسوة. (39) المسرح والطاعون. (40) الإخراج والميتافيزيقا. (41) المصدر السابق. (42) مسرح القسوة. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |