يوجـين يونسكو - تأليف : كلود ابسـتادو - ترجمـة: قيس خضّور

مراجعة: حسيب كاسوحه - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

جمهــــــــــور:

مابين نظريات ارتو وتجربة المسرح الجديد هناك فاصل من عشرين عاماً. لاشك أن صعود الدكتاتوريات في أوروبا، ثم الحرب، قد أديّا إلى توقف بل ركود في تطوّر الأشكال الأدبية والفنية. لقد أحجم الكتّاب والفنانون عن أي استكشاف جديد وعادوا إلى القوالب القديمة لترويج الأيديولوجيات الجديدة وخدمة النشاط السياسي والمعركة العسكرية.لكن منذ العشرينات أوجد الشعر أشكالاً جديدة في التعبير نجدها عند ايلوار، اراغون، بيريه، سوبو، دينو، بروتون، تزارا.... أما بروست، جيد، مالرو، سيلين، ليريس..... فقد غيّروا في بناء القصة، وفي مجال الرسم، من براك إلى بيكاسو ومن كلي إلى موندريان، ومن التكعيبية إلى الفن التجريدي، أبدع الرسامون بجرأة وبدّلوا صورة العالم، أمّا "المسرح الجديد"، فعلى العكس؛ لم يبدأ حتى الخمسينات.‏

يرجع هذا التأخير إلى طريقة استقبال الأعمال الأدبية. الشعر يمكن تذوّقه في جو العزلة والوحدة. إنّه تجربة فردية وتكفي غرفة ضيقة لإجراء أبحاث جديدة. كما أن الروائي يتوجه بكتاباته إلى قرّاء منفردين. إضافة إلى ذلك فإن طبع ديوان شعر صغير أو رواية يتطلب نفقات محدودة. على عكس ذلك لا يعيش المسرح دون جمهور والكاتب المسرحي بحاجة للحوار مع المشاهدين. من ناحية أخرى فإن تقديم المسرحية -الصالة؛ الديكورات، الممثلين- يقتضي توظيف رأسمال يحكم على المسرحيات بالنجاح أو الفشل.‏

لهذا السبب يتطلب المسرح، في الحقيقة، تبديلاً في العقلية وثورة كاملة. الطليعة نفسها مضطرة للجوء إلى حافز يؤدي إلى انتشار وعي جماعي. يسمح بظهور تحوّلات تحتية في عز النهار.‏

التحوّلات الجذرية في أشكال التفكير وفي كيفية رؤية العالم التي حدثت في مطلع هذا القرن تمّ التعبير عنها بواسطة فكر علمي في الرياضيات والفيزياء وعلم النفس وترجمت تلك التحوّلات بدراسات جديدة في الفن والأدب. لقد تابع المسرح هذه الثورة وأكملها في العمق.‏

حوالي عام 1950، اتسعت البحوث الشكلية عن الرواية الجديدة مع صمويل بيكيت موللي 1951)، ناتالي ساروت صورة رجل مجهول 1948. مرتور و1953، القبة الفلكية الاصطناعية 1959)، آلان روب- غرييه المماحي 1953، المتلصص 1955، في المتاهة 1959)، ميشيل بوتور ممر ميلان 1954، استخدام الزمن 1956، التعديل 1957).‏

في خطّ موازٍ للروائيين حاول بعض الكتّاب المسرحيين الجدد أو الذين يجهلهم الجمهور إثبات وجودهم. جاك اوديبرتي الشرينتشر 1947)، جان جينيه الخادمات 1947. رقابة مشدّدة 1949)ارتور ادموف الحركة الكبرى والحركة الصغرى 1950)، جورج شحادة السيد بوبل 1951)، جان فوتييه الكابتن بادا 1952)، صمويل بيكيت في انتظار جودو 1953) وأخيراً عُرضت مسرحية برتولد بريخت الاستثناء والقاعدة 1950)، في فرنسا.‏

المسافة بعيدة حقاً بين الخيال الشعري عند شحاده واوديبرتي والعنف عند فوتييه، المسافة كبيرة بين المسرح الاحتفالي عند جينيه وتبنّي المواقف السياسية عند بريخت أوآداموف. رغم ذلك؛بحث هؤلاء الكتّاب كلهم عن تجديد عميق للمسرح وغيّروا العادات الفكرية عند الجمهور.‏

تنتمي محاولات يونسكو الفاشلة إلى هذه الفترة من الصراع بين كتّاب "المسرح الجديد" والجمهور؛ كما أن نجاحاته تتزامن مع تكريس الأشكال المسرحية الجديدة: عام 1957، عُرضت مسرحية ادموف باولو باولي) و"نهاية المباراة" لبيكيت، وفي عام 1959، عُرضت مسرحية جينيه الزنوج) وفي عام 1960، في الفترة التي عُرضت فيها مسرحية الكركدن كانت تُعرض‏

العصابة الأخيرة)، لبيكيت، الشرفة)، لجيتيه، ارتورو اوي) لبريخت.‏

لم يكن مسرح يونسكو منعزلاً إذن؛ إنه يشارك في ثورة الأشكال الأدبية وفي العقليات.‏

الحوار والحركة على المسرح. هما طريقته الخاصة في استكشاف الواقع، واكتشاف الذات، وفي الفهم وفهم الذات [....]، عالم كامل يُبنى، أو ينكشف بمقدار.‏

بمقدار ما يكتب عنه المؤلف ويفكر فيه. "يوميات في فتات".‏

4 - التقنية والتطبيق في المسرح:‏

أرست "الخطوط العريضة للعمل المسرحي" التي اكتشفها يونسكو الأساس لفن مسرحي يزداد وعياً ووضوحاً شيئاً فشيئاً، ولكي يحقق "مسرح العنف" ويحظى بمشاركة المشاهدين، ويعترض من جديد على سحر الفن استخدم يونسكو جميع إمكانات لغتي المسرح: النص والإخراج.‏

الحركة الدرامية:‏

الدراما حدث، لكن يونسكو أراد أن يخلق حركة دون اللجوء إلى العقدة. لقد رفض التغيرات المفاجئة المألوفة في المسرحية الهزلية الخفيفة، أو الميلودراما، كما رفض الأحداث المباغتة، العودة غير المتوقعة للزوج المخدوع، والخيانات والانفصالات والاعترافات و"صليب أمي". المسرحيات المعقدّة ماهي سوى تراكيب، لمواقف جامدة علىدرجات متفاوتة من الحذق والبراعة. إنها مسرحيات مبتذلة تتحدّث عن الجائز والممكن، لكن ليس لها أية ضرورة وجودية.‏

لكي يعبّر يونسكو عن رفضه، أحال العقدة إلى سخرية: في المغنية الصلعاء، تكلّم السيد والسيدة مارتان كبّة "عن "علامات عرفان الجميل"، وإن حكاية جاك وروبرتا هي مسرحية هزلية، أو هي الوجه الآخر لقصة "عشاق فيرونا" وغالباً ما نصادف التهكم اللاذع من العقدة البوليسية: الخادمة في مسرحية المغنية الصلعاء هي في الحقيقة شرلوك هولمز، كما أن مسرحيات ضحايا الواجب واميديه، وقاتل بلا أجر تبدأ بلغز أو تحقيق بوليسي؛ ويعتقد شوبير أن "كل المسرحيات منذ الإغريق حتى أيامنا لم تكن أبداً سوى مسرحيات بوليسية". لكي ينقذ يونسكو المتفرجَ من مصيدة العقدة فإنّه يحطّم وهم التخيّل: تقاطع جاكلين كلام والدتها المؤثر ودموعها المنسكبة:"لا تفقدي وعيك في الحال!، انتظري نهاية المشهد"، وتقول مرغريت للملك:"ستموت في نهاية المشهد"، كما أن بيرانجيه في مسرحية الماشي في الهواء يخبرنا أن المحاسبة الشاملة في تعدد مجالاتها هي مسألة تخصّ مسؤول الاكسسوار أو مدير الآلات. لكي يؤكد يونسكو هذه المسافات الفاصلة بين التمثيل والحقيقة فإنّه يطبّق مبدأ "المسرح داخل المسرح": مادلين والشرطي يجلسان في مقعدين مريحين ليراقبا شوبير؛ كما أن تريب وبريختول مهرّجان يؤديان مشهداً أمام جان وينقسم الرهبان إلى جمهورين متنافسين. تدمّر هذه الأساليب فكرة مشابهة الواقع وتفرض على المتفرجين مشاركة من نوع آخر. أهمية المسرحية ليست أبداً في رسوخ شكل الحكاية.‏

تحت ستار التطورات الساخرة الطارئة على عقدة رخوة مصطنعة تطور الحركة الدرامية صراعاً انطولوجياً حدّد يونسكو ملامحه العامة: "فكرة بسيطة وتطور بسيط أيضاً ثم السقوط"(1) . في البدء هناك "صورة" تجسّد موقفاً: كراسي تتكدّس في غرفة، جثة تكبر، قاتل مجهول، ملك يموت... هذا الموقف الذي يصعب الدفاع عنه ولا مفرّ منه مع ذلك، يترجم قلق الحياة والإنزعاج البدئي. إنه يعبّر عن مخاوف وأوهام بصرية ويعطي للمسرحية مغزاها. "فيما يخص مسرحية الكراسي. كنت أرى بكل بساطة صورة غرفة فارغة تُملأ بالكراسي التي لا يجلس عليها أحد... والغاية الوحيدة من القصة هي أن تدعم الصورة الأولية". في مسرحية اميديه، الأمر الأساسي بالنسبة لي، الأمر الذي يشرح المسرحية، هو الجثة وكل ماتبقّى حكاية تدور حولها...."(2) .‏

هذه "الصورة" المستمدة من الحلم في أغلب الأحيان تحمل في ذاتها مبدأ تطورها، والصراع الذي تنطوي عليه يخلق الدراما. الحركة هي انتشار قوى تتجابه. التطور حركة آلية حتمية تتصاعد باستمرار: تصل الكراسي إلى المنصّة بسرعة متزايدة، شوبير يغوص في ذاته، والجثة لا تتوقف عن التضخّم، بيرانجيه يرفض الاستسلام وجان يحمل الأباريق وطناجر الحساء"....‏

ليس هناك من حلّ للعقدة. الموقف لامخرج له لأنّ الصراعات الوجودية لا حلّ لها؛ والغرائز المتعارضة المتصادمة هي نسيج الحياة: الرغبة والموت، غريزة التجمّع وغريزة التوحّد، الحب والموت، البراءة والذنب... "سقوط"، الحركة الدرامية هو في الحقيقة إسقاط "خارج الزمان"، هو نقل موقف فريد إلى صورة نموذجية. الديمومة تتجمّد، والتمثيل يتحوّل إلى تكرار في ضحايا الواجب، المستقبل في البيض، الكركدن، العطش والجوع... لكي يبيّن يونسكو مدلول عودة مواقف حقيقية في عالم عبثي يتبنّى التركيب الدائري: في نهاية المغنية الصلعاء يستعيد آل مارتان دور آل سميث، وتقرع طالبة جديدة جرس باب بيت المدرّس...‏

هذه البنية الديناميكية تطرح من جديد مسألة الزمانية والسببية(3) . في المسرح الواقعي والبوليسي الذي يرجع إليه شوبير التراث كله. تنبع الحركة المسرحية من تتالي الأحداث حسب ترتيبها الزمني، وفي هذا التتالي تنصبّ التغيرات المفاجئة على العقدة وينحصر التفسير في الاستدلال الاستنتاجي. على عكس ذلك، فإن مدلول "الصورة المسرحية"، عند يونسكو يفترض تنظيماً مكانياً للواقع. لم يعد هناك من "قبل"، أو "بعد" بل حاضر يتضخّم بلا حدود. كل شيء يُعرض على أنّه واقع راهن، اميديه ومادلين هما في ذات الوقت زوجان عجوزان وزوجان شابان، شوبير طفل وبالغ... إضافة إلى ذلك فالمنطق، العقلاني أو الانفعالي، لم يعد وسيلة للتفسير: الضرورة تختلط مع عدم التحديد المطلق. وهكذا يصبح البناء الدرامي سؤالاً عن بنية الواقع.‏

الشخصيات:‏

أضاف يونسكو إلى السخرية من العقدة رفضه لسيكولوجية "الطباع" لأنّ ليس من مهمة المسرح إعداد الدراسات التصنيفية(4) ولأنّ النظريات تبسيطية أكثر مما ينبغي دائماً وسرعان ما تصبح بالية، ولأن كل إيضاح يميل إلى الاختصار.. لقد انطلق نيكولا دو لمحاربة مقولات العقل والدراسة النفسية العقلانية:"إذا ما استوحيت منطقاً آخر وعلم نفس آخر، فإنني سأستخرج التناقض من اللا تناقض، واللا تناقض مما يحكم عليه الحسّ العام أنه تناقض... سوف نتخلّى عن مبدأ الهوية ووحدة الطباع لصالح الحركة والسيكولوجية الدينامية... نحن لسنا ذواتنا .... الشخصية لا وجود لها. لا يوجد فينا، إلاّ قوى متناقضة أو غير متناقضة....(5) .‏

هكذا لم تعد الشخصية جامدة في هويتها "تفقد الطباع شكلها وتذوب في اللاشكل الذي ستصير إليه". كل شخصية هي ذاتها ونقيضها: الشاب يصبح فحلاً، والشرطي أباً، والزوجة أمّاً... بيرانجيه هو الإنسانية جمعاء إذ أن يونسكو يكتشف، فيما وراء المظاهر والأقنعة، النفس العميقة والصراعات الكامنة والغرائز الجنسية وحركات لا يمكن تحديدها والقوى الغامضة الموجهة للسلوك.‏

ضمن هذه الشروط لا يعود الترابط والمنطق مفتاحين للتفسير والتأويل. التحليل "الواقعي" للدوافع خادع، وهمي؛ وقد أشار يونسكو إليه ساخراً منه. المغنية الصلعاء، ضحايا الواجب، اميديه، الكركدن مسرحيات تبدأ مثلما تبدأ المسرحيات الواقعية. وتصوير الشخصيات لا يلتقط سوى فكرها الواضح وردود أفعالها الواعية، وحركاتها الإرادية، وهذه الطريقة تبرز سطحيتها وتفاهتها؛ ثم تسير بحوث يونسكو على طرقات أخرى: فمن خلال قصة الحلم، ومن خلال اللغة والتمثيل الحرّ، ومن خلال هذيان الصور وتقنية حلم اليقظة والتمثيل النفساني يتوصّل إلى شخصية أشد ثراءً وأكثر واقعية، وبدلاً من البحث عن الدوافع يقدّم عرضاً واضحاً جليّاً، ويكشف عن بنى نفسية لا واعية.‏

كان المسرح السيكولوجي يهتمّ بتصوير الأهواء أو الرذائل، وسير الأحداث فيه لم يكن سوى ذريعة لتقديم "أبطال" أو رجال تافهين. على عكس ذلك فشخصيات يونسكو لا وجود لها إلاّ من أجل خدمة المسرحية وليس لها أي معنى فردي. دورها مزدوج وظيفي وموضوعي، تعبيري ومعياري. وفي إطار التطور الدرامي يكون هذا الدور المزدوج محركاً للعمل، ومن ناحية أخرى" يظهر" في الشرط الإنساني ويردّدْ أوصافه.‏

الشخصيات هي القوى المتناقضة التي تؤلف "الصور المسرحية" وحضورها وتصادمها يخلقان مواقف الصراع. اميديه ومادلين، جان وبيرانجيه، دودار وبوتار، ماري ومرغريت، ماري-مادلين وجان، هذه الشخصيات كلّها، ومن خلال تعارضها تتبادل التهم وتفجّر التوتّرات الكامنة.‏

بعيداً عن الحدث المسرحي، تعبّر تلك الشخصيات عن البشري. إذا ما أُخذتْ بطريقة سطحية فهي نماذج اجتماعية: المثقفون، موظفو المكاتب، متسكعو يوم الأحد، النقاد الأدبيون، سكان الأحياء الشعبية، وكل واحد منهم يمثّل فئة معينة: بوتار، بابيون، حارسة البناية، البقال، مستأجر الطابق السادس، رئيس العمال، سائق التاكسي... وبما أنّهم متغيرون، متقلّبون.. لا يكونون غالباً سوى قناع اجتماعي: لا يشعر المدرّس بالثقة إلاّ في دوره كمعلّم، والشرطي في بداية مسرحية ضحايا الواجب خجول متواضع. إنّهم يمتلكون قليلاً من "الشخصية" بحيث يصبحون قابلين للتبادل أو أنهم نكرات: المدرس، التلميذة، الرجل العجوز، المرأة العجوز، حارسة البناية، المستأجر، هي، هو؛ أو أنّهم الاسم نفسه -بوبي واطسن، جاك، اميديه، جان- ويزداد عددهم، كل واحد طبق الأصل عن الآخر- بيض، وزّات،- كابوس متجدد "للعالم الجديد الشجاع" "Brave new world" لهكسلي.‏

مع ذلك، ففي استكشافات التحليل النفسي، اكتشف يونسكو الحقيقة الأخرى تحت القناع الاجتماعي. لم تعد الشخصيات نماذج عادية بل نماذج مثالية. الشخصيات هي تدوين لوساوس وهلوسات، رموز للاوعي؛ الصورة الموازية لما لا يقال. بعضهم؛ كما في مسرحية الملك يموت، ليسوا سوى إسقاطات لرغبات وحسرات الشخصية المركزية؛ وآخرون يرسمون صوراً أسطورية - الأم- الزوجة، الأب، الحبيبة -تترجم رغبات النفس المتنوعة وتعبّر عن الانفعال اللا واعي وعن الأنا الأعلى(6) .‏

لقد خصّص يونسكو مكاناً متميزاً للزوجين. آل سميث، وآل مارتان، جاك وروبرتا، شوبير ومادلين، العجوزان، اميديه ومادلين، بيرانجيه وداني أوديزي أو جوزفين، الملك والملكتين، جان وماري- مادلين، كلهم يطرحون بحدّة مسألة العلاقات بين إنسانين. إنّهم يعبّرون عن استنزاف المشاعر واستحالة معرفة كل طرف للطرف الآخر. إنّهم يمثلون الوحدة، وترك الملذات الحسية، وترك النظام، واحبولة الأطفال لكنهم يعبرون أيضاً عن الميول العميقة التي تشدّ الواحد إلى الآخر ممن يتناولون الحب وتحثّهم لكي يبدأوا فجر العالم من جديد.‏

اللغــــــــــة:‏

يترافق تمزّق الشخصية مع تفتت اللغة. لم يعد الكلام نظاماً للاتصال بين الناس. عندما تخضع الحياة للمادة، وعندما يفرغ الفكر من جوهره لا يبقى هناك حوار ولا تبادل بل هذيان. يتحدث المرء ولا يقول شيئاً لأنّه لم يبق شيء يقال، لأنّه لم يبق هناك فكر مبتكر أصيل ولا انفعال ولا وجود حقيقي:"إنّني أتأكد من تدمير وتشويه اللغة الإراديين وأعلن ذلك" كما كتب يونسكو في مقدمة ملاحظات وملاحظات مضادة.‏

الكتابة تعني بكل وضوح استنزاف اللغة، وكل كاتب يطرح مسألة الكلام من جديد، لكنه يعيد طرح المشكلة ليضعها في مكانها الصحيح وليعطيها قيمتها الأولى كوسيلة للسحر والتعبير وإلاّ فإنّ الكتابة لن تعني شيئاً. كان يونسكو مقتنعاً بذلك وبقي على قناعاته دائماً.‏

منذ قرن تقريباً، منذ رامبو وماراميه وفلوبير أصبح الجدال حول اللغة ساخناً بشكل خاص. وفي الحقيقة فإن الكلام اللوغوس(7) سجين داخل المنطق ولا يستطيع اكتشاف اللامعقول بطريقة صحيحة. إضافة إلى ذلك فإنه عتيق بالٍ أسقمه سوء الاستخدام الذي تقوم به الايديولوجيات: سوء الاستخدام نلمحه في خطاب الأم بيبا الذي كاد أن يكون كاريكاتورياً. تبيّن الدعايات وتقنيات الاتصال بين الجماعات كم في التعبير من اضطهاد وطغيان.‏

ينتهي الأمر بالكلام إلى أن ينفصل عن الحياة؛ وكان يونسكو قادراً أكثر من غيره، بسبب لغته المزدوجة، على الإحساس أن في التعبير عن تجربة ما خيانة دائمة لها. لقد قام مسرحه بتدمير اللغة ثم أعاد بناءها بشكل صحيح.‏

ولا تملك شخصيات يونسكو، عموماً، كلاماً خاصاً بها. إنها تستخدم مفردات كل الناس في صيغ يستخدمها كل الناس أيضاً. إنها لا تملك ناصية اللغة، التي تعمل في نهاية الأمر لوحدها، حسب ميكانيكية خاصة بها. قد تصرّ الآلة أحياناً، تتعطل، تصنع نماذج مشوهة، لكن اللغة "تتابع طريقها"، فمن خارج الشخصيات، أو بالأحرى من خلالها، "يتمّ" الكلام فيتشكل شيء ما ثم يتلاشى.‏

ينشأ الخلل في اللغة من تفتيت الدلالة اللغوية والفصل بين اللفظة ومدلولها، ففي الطريقة الطبيعية للتفاهم يحتلّ المدلول المرتبة الأولى ويفتش المستمع عن التعبير الملائم لمضمون أفكاره. قَلَبَ يونسكو هذه الطريقة إذ انطلق من الكلمة أو من التركيب التعبيري الذي يعطيه مضموناً غير ملائم أو يتركه دون أي مضمون، وهكذا يصل المرء إلى اللامعقول. تتطوّر الحركة الدرامية في "الامتثال" انطلاقاً من كلمات فارغة من المعنى: يلجأ جاك الذي تُرك "على هواه" إلى التمرّد والثورة، لكنه يستسلم عندما تعلّمه أخته، بكلمةواحدة، أو بسبع وعشرين كلمة أنّه "قابل للتوقيت Chronometrable".‏

على عكس ذلك فإن قيمة الكلمات ودلالاتها الدقيقة يمكن أن تصبح مدلولاً غير ملائم:"أنت تنام واقفاً!- أنا جالس...-جالس أم واقف فالأمر سيّان".‏

التأثير هنا مضحك، وفي مكان آخر يكون سبباً في عدم التفاهم:"أنت عنيد! - أنت تعاملينني الآن كحمار"، ولقد تأخرت من طول تأمّلك فيها- أنتِ تعدّين لي الدقائق!"، "أنا عبدة- لقد أُلغي نظام العبودية ياصغيرتي...."(8) .‏

لا ينسجم معنى الكلمات مع شكلها، فهي غير صالحة للتبادل فتحدث بعض التغيرات خاصة بواسطة التشابه في اللفظ فيستخرج يونسكو من ذلك مادة مسرحية "كنت بجانب صديقي جان وكان هناك أناس آخرون.- أقسم أنك لا تدري ماتقول".‏

هذا التنافر بين الكلمة والمدلول يسلب الكلام قوته الإعلامية، ويبقى مجرد ببغائية، ولا تعود الأجوبة والردود مرتبطة بتسلسل الأفكار، والكلمات تتوالى ومجموعات على أساس الجذور اللفظية والدلالات والتصريفات والمقاطع الصوتية، كما أن الارتبطات المجازية والكنايات تمنح الكلام ملامح الحماقة والجنون: "لقد كنّا مبللين منذ ساعات وأيام وليالي وأسابيع وشهور...."كانوا يصفقون بآذانهم وأقدامهم وركبهم وأنوفهم وأسنانهم..."(9) . بعض الأجوبة كانت إعراباً وتصاريف أفعال لكن يونسكو يتلاعب غالاباً بالجناس والأخطاء الإملائية:"ضحك الناس آنذاك من ذلك الغبي الذي وصل عارياً تماماً، ضحكوا من الكيس، كيس الرز...."(10) . بوجود ما عندنا من رؤساء عمال كونترمتر)، ونواب معلمين فيستمر) وحماة المعلمين بارامتر) وماحول المعلمين بيريمتر).....(11) ، لجأ يونسكو، وهو الحساس المرهف، لمثل هذه الألعاب من أجل المتعة فقط في "يومياته" واستخدم منها عناصر مضحكة في مسرحه لكنه يقصد من وراء ذلك إلى تدمير سلطان اللغة.‏

عندما تفقد الكلمات معناها فإن قوقعتها الفارغة تتحطّم. تنقبض الكلمات وتكشّر:"لقدوضعت في هذا العالم ممسخاً"، "أنت بشعوع"، لقد تربّى دون أية مآخذ عليه مثل ارستقرافي"(12) . تتفجر الكلمات أخيراً ولا يبقى سوى مقاطع لفظية، أحرف صوتية أو أحرف رنّانة، تتقاذفها الشخصيات عند نهاية مسرحيات: "المغنية الصلعاء، جاك، الكراسي.‏

ضوضاء، مواء، خوار هي اللغة الوحيدة. الكلمات لا تعبّر عن شيء وتعبّر عن كل شيء في الوقت ذاته. في مسرحية اميديه تعبّر كلمة "اليدوليا....". التعجبية عن كل أفكار الحوار المستحيل بين مادلين واميديه. ادوليا اميدية اسيدوليا، مادلين، الخ.... وفي مسرحية الامتثال يغدو كل شيء بالنسبة لجاك وروبرتا هرّاً:"لتمييز الأشياء هناك كلمة وحيدة: هرّ، الهررة، تسمّى هرّاً، الأطعمة تسمّى هرّاً، الحشرات تسمّى هرّاً، الكراسي تسمّى هرّاً، أنت هرّ، أنا هرّ، السطح هرّ....".‏

يصبح الكلام سهلاً أو لم يعد هناك داعٍ للكلام... التفاهم لم يعد موجوداً، والكلمة تغدو حشواً، واللغة دون هدف، تتكاثر دون رقابة. في حكاية رجل الإطفاء ودرس المدرّس، وتصريحات بيرانجيه، الكلمات تسيل، تنسكب على المسرح، في الصالة، تغزو المكان، كلام لا عضوي، مرضي. لقد أصيب الكلام بمرض السرطان.‏

شكل خاص من أشكال السرطان في العالم الحديث، هوتضخّم المصطلحات التقنية. يسخر يونسكو من هذا التشويه اللغوي. جاك،ضحايا الواجب، الكركدنمسرحيات تزدحم باصطلاحات التحليل النفسي: العقدة، النكوص، السقطة، التحويل، الإعلاء. يتحدث بيرانجيه عن مسخ السيد بابيون فيقول:"لا شك أنه حدث فاشل". وفي مسرحية ألما يستغّل يونسكو مفردات الفلاسفة الوجوديين والنقّاد البنيويين، بل إنه يخترع مفردات جديدة، موجود -داخل الشيء- وهو خارج الشيء. وجود عدم الوجود، علم الديكور ديكور ولوجي) فن الملابس كوستوموديه) التأريخانية، المشاركة الديالكتيكية، علم النفس الاجتماعي للمشاهدين سبكتا توسيكو سوسويولوجي) spectatapsychosoeiologie..... وفي مسرحية قاتل بلا أجر تزدهر مفردات التكنوقراط:"هناك المبدأ التنظيمي الأساسي ووجهة النظر التنظيمية للبنية الفوقية...".‏

أخيراً.. يحب يونسكو التلاعب بأسماء الشخصيات، في ضحايا الواجب هناك شوبير ونيكولا دو، والرجال الذين يمسخون، كركدنات يحملون أسماء بقرة، فراشة، كما نجد السيد لولار والسيد بوليسون والأسقف مورفان، وتريب وبيريختول.‏

نجد ضعف المعنى، والاستهزاء باللغة على مستوى المفردات أولاً، لكن المفردات تنضوي تحت أشكال الأقوال المأثورة، والحكم... يفرّغ يونسكو هذه الأشكال من مضامينها، وهذه وسيلة تدمير أكثر براعة...‏

يمكن أن نستخرج من مسرحيات يونسكو معجماً للأفكار المقتبسة. إنّنا نفكر بفلوبير، وقد فكّر يونسكو فيه أيضاً. الحقائق التي غدت عامّة، مبتذلة، تنبثق لدى كل كلام وبالأحرى خارج كل حديث: "آه،.. ياللتهذيب الفرنسي، وليس كما نرى عند شباب هذه الأيام"، "العنصرية من أفدح الأخطاء في هذا القرن "لابدّ أنها الصحون الطائرة"، "ليس هناك مهنة غبية". أمّا مسرحية "صبيّة للزواج" فتتألف من كليشهات متتالية.‏

طريقة أخرى مختلفة قليلاً هي:"التلصيق" الكولاج). يظهر أثناء الحوار استشهاد تاريخي أو أدبي لا تدركه الشخصيات. إنها غمزة عين يوجهها المؤلف للجمهور:"لا تلمسها، إنها محطّمة"، كما قالت السيدة سميث، أمّا جاك فيقول: كوني أختاً جديرة بأخ مثلي"، أمّا الدكاترة في مسرحية الما فإنهم يتبادلون الشتائم بسبب مفردات إحدى حكايات لافونتين:"عجل... بقرة... خنزير...."، ويذكر السيد الضخم في مسرحية اللوحة الشاعر بودلير دون أن يعرفه..‏

ليست هذه التجمعات غير المألوفة للمفردات لعبة بل هي أداة لكشف الأفكار المكبوتة. يتذكر القارئ تلك "الحوارات القصيرة"، التي استخدمتها ناتالي ساروت(13) . المدرّس يفضح رغباته اللاواعية "أنتِ شهية....".‏

"إياك والوقاحة أيتها الفتاة اللعوب، وإلا فحذار....".‏

تحتفظ الأجوبة غالباً بصيغة الكلام المألوف، لكن دارات قصيرة تُدخل إليه مضموناً غريباً شاذاً مما يؤدي إلى بديهيات كاذبة، "يجب على الطبيب المخلص أن يموت مع المريض إذا لم يكن في الإمكان أن يشفيا معاً: مثلما يهلك قبطان السفينة مع سفينته في الأمواج"، "زوجتي هي الذكاء عينه. إنها أكثر ذكاءً مني على كل حال. وتفوقني في الأنوثة إلى حد بعيد"، داعب حلقه ما، تغدو دائرة فاسدة Lecercle vicieux): الدائرة الفاسدة في علم المنطق هي الاستدلال الخاطئ"(14) .، ليس لأنني لا أبالي بالأديان، يمكن أن يقال إنني لا أحترمها"..عندي فطيرة من لحم الأرنب الغضّ، محشوّة بلحم الخنزير الصافي"(15) .‏

يكثر يونسكو من استخدام الأقوال المأثورة المشوّهة ليتّهم تردد الشخصيات وليؤكد فقر الفكر السائد. هناك مشاهد كاملة في "المغنية الصلعاء"، و"معرض السيارات" و"جاك"، و"اميديه" ومسرحية الما، وقاتل بلا أجر، مبنيّة على لغو لا معنى له، مرصوف، متلاصق الأطراف، "من يبيع اليوم عجلاً سينال بيضة غداً"(16) ، "هل أتيتم إلى معرض السيارات لتأخذوا دروساً في اللغة الفرنسية؟ هذه ستة فرنكات معدنية ونصف كيلو من الكرنب المخلل! من ناحية أخرى يمكن أن نزوّدك بمجلس إدارة مؤلف من تسع أعضاء يمكن إعادة انتخابهم، وبيضة".‏

على مستوى آخر، أكثر تطوراً ودقة يتعرض الكلام القادر على الكشف للتشويه. يتمّ الحفاظ على تراكيب الاستدلال لكنها تكون مزيّفة. تقوم السيدة سميث بعملية استقراء:"لقد علمتنا التجربة أنه عندما يُقرع الباب فمعنى ذلك أن لا أحد هناك". أمّا رجل المنطق في مسرحية "الكركدن" فيشرح عملية القياس لكنه في الحقيقة يؤدي إلى استنتاج زائف.‏

كيف تلحظ، على امتداد الحوار، إنه يعكس المقدمتين الكبرى والصغرى) أو أنّه يستبدل المسند إليه بالفاعل؟ من الآن فصاعداً، سيسمو هذا المنطق الأعوج- الذي -تمتد مظاهره المتعددة"، من الحساب الذهني إلى الأخلاق- بتبرير أي شيء: من فظاظة السيد العجوز إلى شعارات الأم بيبا. إنه يبرئ الحماقة والاستبداد. إنّه مضحك جداً، لكنه مرعب أيضاً فلا تعود اللغة مدعاة للضحك بل تصبح خطيرة. أحاديث المدرّس، والأم بيبا، وبوتار وجان والأخ تاراباس، كلها كلاّم قاتل. يكشف يونسكو في اللغة، إضافة إلى التلف؛ "منهجاً للحرب الحديثة"(17) .‏

أزمة اللغة من جانب منهاجي أزمة مصطنعة ومقصودة.. يمكن للكلام أن يكون أداة اتصال حقيقية. يونسكو، الكاتب، يعتقد ذلك. الكتابة تعني الإيمان بالقيمة الخلاّقة للغة. الكتابة؛ حسب كلمات رامبو، هي "إيجاد لغة"، تعطي شكلاً لما لا يُقال. لهذا السبب ينشأ حوار حقيقي بين بيرانجيه وديزي، بين الملك وجولييت، بين جان وماري-مادلين.كثيراً مايناجي المرء نفسه ويعبّر عن ذاته اللاواعية، جاك، شوبير، اميديه، بيرانجيه، جوزفين، جان، ماري-مادلين.... للتعبير عن الهلوسات، وللإفصاح عن الدهشة أو القلق، عن الحب المجنون أو الخوف من الموت. جميع صور العالم، جميع المشاهد اليومية، الألوان، والأناشيد، العطور تؤلف كلّها مونولوجاً غنائياً. تعبّر الاستعارات عن الشيء الذي لا يمكن التعبير عنه في حالة الاندهاش أو الرعب. آنذاك تصبح اللغة شعرية.‏

هذه اللحظات نادرة. هاهو شوبير يتحدث عن نزوله إلى المتاهة، واميديه يتحدث عن الحب المجنون، ويتحدث بيرانجيه عن المدينة المشعّة، ويتحدث الماشي في الهواء عن ماوراء العالم؛ ويتحدث الملك عن الأمور اليومية الرائعة، ويتحدث جان عن المرأة التي يحلم بها. إضافة إلى ذلك كله، هناك دائماً شخصية تحيل الموقف إلى سخرية عندما تتعاظم هذه النزعة الغنائية: مادلين تسخر من شوبير،ويسخر الإنكليز من بيرانجيه، وحارسا المتحف يسخران من جان...‏

ممارسة الكتابة عند يونسكو، إذا لم تكن يائسة، فهي متشائمة، مع ذلك فإن تدمير اللغة ثم إعادة بنائها تجعل من مسرحه عملية تأمّل وتفكير حول الكلمة باعتبارها صيغة من صيغ المعرفة والعمل.‏

التمثيل:‏

لا يعتمد مسرح يونسكو على الحوار فقط(18) . يُضاف إلى التعبير بالكلمات التعبير بالتمثيل:"أنا لا أصنع أدباً، إنني أصنع شيئاً مختلفاً تماماً. إنني أحقق مسرحاً.‏

أريد أن أقول إن النص الذي أكتبه ليس مجرّد حوار لكنّه إرشادات مسرحية أيضاً"(19) . يندمج أداء الممثلين مع الحركة الدرامية وله دلالته الخاصة به.‏

"المسرح بصري مثلما هو سمعي"(20) ، لهذا السبب يجسّد يونسكو إيحاءات الحوار بواسطة التمثيل. جاك بعد أن أصبح فحلاً يصهل حول روبرتا التي تتحدث عن الصحراء. شوبير، "يغوص في الظلمات" وهوممسك بذراع مادلين، يمرّ تحت الطاولة، ويتسلّق نحو القمم فيصعد على الكراسي والطاولة.‏

يمكن للتمثيل أن يخالف الحوار أيضاً. يقترح يونسكو على الممثلين أن "يمثّلوا عكس النص"، وبهذه الطريقة يتمّ تحاشي الحشو والإسهاب وإظهار دلالات جديدة، "على نص أخرق لا معقول هزلي يمكن أن نضيف إخراجاً وأداء رصيناً متميزاً احتفالياً وعلى نقيض ذلك، لتحاشي سخرية الدموع السهلة، والحساسية الزائفة، يمكن اللجوء إلى التمثيل البهلواني وتبيان المعنى التراجيدي للمسرحية بواسطة التهريج"(21) . هذا التناقض يجعل الكلمات تعبّر عمّا لم تعبّر عنه من قبل أبداً. في مسرحية اللوحة يمكن للحوار فقط أن يجعلنا نعتقد أن المسرحية نقد لاذع "للرأسمالية المستغلّة". رغب يونسكو أن يكون التمثيل تقليداً ساخراً"، على أقصى درجة من الغباء" مما يؤدي إلى تغيير المعنى والمدلول.‏

لكن التمثيل يكمل النص في أغلب الأحيان. عندما يتفكّك الكلام أو يفرغ من معناه، تعتمد الاستمرارية الدرامية على الإيماء، في بداية ونهاية المغنية الصلعاء، وخلال حصة فقه اللغة في "الدرس"، لا يبقى من الكلام سوى الضجيج، وسير الأحداث مستمر عبر التمثيل. كذلك لا يبقى ثمّة كلام في الرقصة الخليعة التي تختم مسرحية الامتثال، أو في زوبعة الكراسي، أو في نهاية العطش والجوع.‏

الأشكال المألوفة جداً في التلحين الإيقاعي الذي تؤديه الشخصيات ثلاث وهي: التكرار والطباق وقلب عناصر الجملة.‏

من مشهد إلى آخر، وعلى امتداد التطور الدرامي، تتكرر الحركات: آل مارتان يستعيدون دور آل سميث، وتحلّ إحدى وأربعون طالبة محلّ الطالبة السابقة، وفي الفصل الثالث من مسرحية الكركدن يقلّد بيرانجيه جان في المشهد السابق.‏

الطباق بديل عن التكرار. مجموعتان من الممثلين تؤديان المشهد نفسه على مستويات مختلفة؛ والمشهد المعبّر تماماً عن ذلك هو المشهد الرباعي في مسرحية: جان، بيرانجيه، رجل المنطق، السيد العجوز. لكننا نجد أيضاً الأسلوب نفسه في قاتل بلا أجر والماشي في الهواء.‏

في مكان آخر يتبادل ممثلان دوريهما. في مسرحية الدرس يتطوّر سلوك كلّ من المدرّس والتلميذة بشكل متناظر. وفي الكركدن وفي أثناء المشهد الذي يجمع ديزي وبيرانجيه يتبادل الاثنان دوريهما أيضاً. في هذه الحالات، التشابه يؤكد الاختلاف؛ كما أنّه يبيّن الموقف وانعكاسه.‏

يستغّل يونسكو مختلف أشكال التمثيل مما يؤدي إلى توسيع حدود المسرح. إنه يرسم لوحات حيّة: "الزيارة" في المغنية الصلعاء، "العرس الضاحك" في الامتثال، "شرفة المقهى"، و"المكتب" في الكركدن. تسمح هذه اللوحات الحية، عند بداية الفصل أو نهايته، أن تدرك في لحظة موقفاً ما، أن توضح مغزى مسرحية، مثلما يفعل الدرس الأخلاقي الذي نستخلصه من قصة ذات مغزى ألعاب خداعية(22) . تزين الحركة الدرامية بالزخارف ففي مسرحية الكركدن يُخرج جان من جيوبه ربطة عنق ومشطاً ومرآة؛ وفي ضحايا الواجب تكدّس مادلين فناجين القهوة؛ وفي الماشي في الهواء يُظهر بيرانجيه ويُخفي كثيراً من قطع الاكسسوار. تحقق هذه اللعبة، بمجانيتها، التوتر الدرامي وتعطي للحركة إيقاعاً أسرع.‏

يستخدم يونسكو أيضاً أساليب السيرك ومسرح العرائس فالشخصيات في الامتثال غيّرت وجوهها، وأحلام جوزفين ملأى بالوجوه المضحكة، كما أن مسرحية اللوحة تحمل عنواناً ثانوياً هو "تهريج".‏

تتحول الحركة أيضاً إلىمسرح ظل، في الفصل الثاني من قاتل بلا أجر نشهد مرور خيالات معبّرة خلف نافذة الغرفة: حارسة البناية مع مكنستها، ساعي البريد، مستأجرين، تجّار الحارة...‏

أخيراً، يلغي يونسكو أحياناً التمييز بين المسرح والصالة؛ ففي الروايتين الأوليتين لنهاية المغنية الصلعاء كان يخطط لوجود بعض الممثلين في الصالة لمشاركة الجمهور في المسرحية؛ وفي مسرحية "التحيات" يجلس أربع من أصل سبع ممثلين في الصالة. لم يستغلّ يونسكو أبداً هذا النهج لكنه يستعيد فكرة من أفكار ارتو وهي تطبيق جميع أشكال التمثيليات الشعبية، خصوصاً السيرك، تلك التمثيليات التي تحاول إشراك الجمهور في العرض.‏

"يمكن الإقدام على كل شيء في المسرح. إنه المكان الذي يحتاج أقل قدر من الجرأة [....] سيتّهمني الناس أنني أقدّم الميوزيك - هول والسيرك.‏

حسناً، لندمج السيرك! يمكن أن يُتهم المؤلف بالتعسف لكن الخيال لم يكن أبداً تعسفياً؛ إنه كاشف للأسرار ونبع للإيحاء"(23) ..‏

إن جرأة يونسكو في مجال التمثيل تعطي لرؤية الواقع إمكانيات جديدة. إنها تشقّ طرقاً جديدة للخيال المبدع والنتاج العجيب في الأدب والفن؛ إنها تسمح بتقديم موقف إلى الجمهور لا يمكن الدفاع عنه: العسر والعار في نهاية الامتثال أو اللوحة، القلق والخوف في مسرحية العطش والجوع، من خلال مشهد المهرجين- "أشعر أن ساقيّ قد بترتا"، وكما يقول جان، ونحن أيضاً. أخيراً فإن التمثيل هو الذي يولّد الحد الأقصى من الانفعال.‏

الإضاءة، الديكور، الاكسسوار:‏

الكاتب المسرحي ضابط الإيقاع. كما أنه رسّام ونحّات ومهندس معماري. إن رسوخ الأشياء نابع من أنها تحدد حقل الرؤية وتفرض حضورها المادي الذي لا يمكن الاعتراض عليه.‏

أمّا الإضاءة فإنها تحقق تأثيرات مادية على المشاهدين وتعطي إحساساً بالقسوة أو بالعذوبة.عن طريق سلّم الألوان والكثافة والرقّة والارتعاشات وتباين النور والمساحات الضوئية. إن الإضاءة مرتبطة مباشرة بشعور الغبطة أوالخوف. لقد استغلّ يونسكو تلك التأثيرات كلها في اميديه، الكركدن، الماشي في الهواء، العطش والجوع، الوباء. في الفصل الأول من مسرحية قاتل بلا أجر، الإضاءة هي الديكور الوحيد، وفي مسرحيتي الكراسي والملك يموت تسمح الإضاءة بتنفيذ تحوّلات الواقع.‏

استبعد يونسكو النمنمات الكلاسيكية في الديكور سواء كانت رومانتيكية تبهر النظر أو واقعية شديدة التدقيق في التفاصيل كما نجدها عند انطوان. كما رفض يونسكو المسرح الباطني راسين، كامو) الذي تتطوّر الشخصيات فيه مابين الطنافس أو على "شرفة قصر ذي أعمدة"، إذ لابُدَّ من مكان يناسب المشاهد المسرحية. كما رفض أخيراً الديكورات التي تعتمد على الخداع البصري إذ تعطي عن بعد وهم الحقيقة.‏

هذه مسألة تتعلّق باتجاه النظر وبرؤية العالم؛ فمن خلال منظور إنساني- كلاسيكي، رومانتيكي، واقعي، الخ....-الإنسان وحده هو المعنيّ في الحدث الدرامي أمّا الديكور فليس أكثر من إطار. يرى يونسكو أن الديكور عنصر من عناصر الموقف فالأشياء تندمج بالحدث مثلها مثل الشخصيات، تشكل جزءاً من العرض.‏

يصوّر البرج وسط الجزيرة عزلة العجوزين في مسرحية الكراسي، ويوحي الباب المغلق دائماً والنوافذ المفتوحة قليلاً باحتجاز اميديه ومادلين، وتعبّر غرفة جاك غير المرتبّة عن السقوط الأخلاقي؛ والباب الثقيل والحاجز المشبّك في مطعم الرهبان يمثّلان المصيدة التي تنحبس داخلها أحلام جان...‏

لكن تغيّرات الديكور لها مغزاها هي الأخرى. إنها تساهم في تطوّر الحدث الدرامي؛ التناقض بين الفصلين الأخيرين من مسرحية اميديه، واضح الدلالة إذ يتمّ الانتقال من كابوس المادة إلى رؤية مساحة صغيرة تشعّ بالأنوار وضوء القمر، وإلى أشخاصها الذين يشكلون جزءاً من الديكور. إنها مكان حرّ ويحرر المشاهد، وفي هذا التناقض يكمن الحدث الدرامي. في مسرحية قاتل بلا أجر تدعم تغيرات الديكور الانتقال من الغبطة إلى خيبة الأمل، من الهزل إلى القبح والقلق اللذين نراهما في الحلم. وفي مسرحية الكركدن، تصوّر الديكورات المتتالية الفخ الذي يضيق حول بيرانجيه. وفي مسرحية الملك يموت يعبّر تلف الديكور عن تلف الوعي والإدراك. في العطش والجوع تعبّر الديكورات الثلاث عن حالات جان العاطفية.‏

نجد في بعض المسرحيات ديكوراً أوّلياً يقلّد الواقع بطريقة ساخرة.. في المغنية الصلعاء، نرى بيتاً من الداخل انكليزياً نموذجياً)، وفي اميديه بيتاً من بيوت "صغار البرجوازيين"، وفي الكركدن يُخيّل لنا أن الساحة الصغيرة تُعلن عن مسرحية من مسرحيات "البولفار". ثم يهتز كل شيء فتصبح الواقعية هزلاً أو وهماً. تهدف هذه الطريقة الساخرة لتدمير رؤية إنسانية متخلّفة من أجل إقامة عالم لا يعود الإنسان مركزاً له، عالماً لا إنسانياً.‏

تندمج الاكسسوارات مع التمثيل والحدث مثل الديكورولها أيضاً نفس الدلالات. ساعة الحائط في المغنية الصلعاء أو اميديه تجعل جريان الزمان ينحرف عن مساره. الأقنعة، رؤوس الحيوانات، السياط، المشانق صور من الأحلام. الجسر الفضي أو سلّم النور يرمزان إلى الأمل. رصف أثاث غرفة الطعام وجهاز الهاتف في اميديه يعني عزلة الزوجين. في مسرحية الكركدن، وفي المشهد الذي يعتقد فيه بيرانجيه أنه يتعرّف على نفسه في الصور الغريبة المعلّقة على الجدار ينبثق المعنى من التناقض مابين الكلام والأشياء.‏

لكن تكديس الأشياء والأدوات هو الذي يدعو للقلق والخوف: باليه الكراسي، طناجر الحساء، الجرار أو الفناجين، تزايد عدد البيض، والفطور، والنمو المتسارع للجثة. في انفلات الحركة الآلية التي تصبح جنوناً، تنتج المادة مادة بلا نهاية. الإنسان مخنوق، غريق، جاك يختفي تحت البيض، اميديه ومادلين يعجزان عن الانتقال، المستأجر الجديد يضيع وسط الأثاث الذي يكتسح المدينة، بيرانجيه، جامد في مكانه وسط زحمة المرور.‏

تكديس الأدوات وحركتها يصبحان سريعاً من فعل الخيال(24) . يخلق يونسكو عالماً تسوده قوانين وأنظمة ليست مألوفة لنا فعالم الهلوسة الناتج عن المادّة المتكاثرة ينكر تفوّق الإنسان بل يطرد ذلك الإنسان أو يسحقه. التمثيلية التي تحمل هذه الدلالة تأخذ مكانها على مستوى البديهيات، وليس على مستوى الاستدلال والبرهان ومن هنا تكسب قوتها: إنها لا تبرهن بل تعرض.‏

المسرحية ليست هذا أو ذاك.‏

إنها أشياء كثيرة في وقت واحد،‏

إنها هذا وذاك.. "محاورات مع كلود بونفوا".‏

5 - دلالات‏

تشير دراسة التقنيات التي استخدمها يونسكو إلى قصده في تحويل الجدي إلى هزلي. السخرية من العقدة، وتفاهة الشخصيات، وتفكيك اللغة، والتمثيل الذي يخلط بين الخصوصيات، هذه كلها عناصر تحدّد "مسرحاً مضاداً".‏

لكن التطور الدرامي ينطوي على صراعات وجودية، وسيكولوجية قائمة على ديناميكية صراع الأضداد، وعلى منطق "غير أرسطي" للأحداث والأشخاص، وعلى لغة هي وسيلة لاستكشاف الواقع أكثر من كونها نظاماً للاتصال بين الناس؛ وعلى إخراج منفتح على جميع الأشكال المسرحية ممّا يسمح بالحديث عن "مسرح جديد".‏

أشكال قديمة أبعدت وأشكال جديدة تأسست، وفن مسرحي يثبّت مواقعه. يهدف هذا التجديد في التعبير إلى أن يقدّم وصفاً عن اللاتواصل أو أن يعثر على الحقائق الضائعة: الوصول إلى المجهول، طرح البديهيات من جديد؛ ولا يتمّ ذلك إلاّ "بإيجاد لغة جديدة"، كما أن مسرح يونسكو يظهر أيضاً كبحث عن اللاواقعية، كتعبير عن الشرط اللا معقول للإنسان، كتأمّل في الأشكال المسرحية.‏

بحث عن اللاواقعية:‏

مقاصد يونسكو سريالية، تاريخياً وفلسفياً. سار مسرحه على الخط الذي سارت عليه أبحاث جارّي، أبو للينير، فيتراك دينو. أما فنّه المسرحي فيعتمد على نظريات ارتو. نحن نعرف رأي بروتون في المغنية الصلعاء(25) . ومن المناسب أن نشير، من منظور عريض، إلى تأثيرات فلوبير ودستويفسكي، وكافكا على يونسكو.‏

أثناء بحثه عن "الأصالة" استهزأ يونسكو بالواقع السطحي الذي يراه، وسخر من الشخصية الاجتماعية، وهو القالب الجاهز الذي يدخل فيه كل فرد وينكمش. أدان التفكير والسلوك المقولبين اللذين يفصحان عن وجودهما من خلال الكليشهات اللغوية والتصرّفات الآلية. لقد رفض قوانين المنطق العقلي- "أكثر السجون بغضاً ومقتاً"، كما يقول بروتون(26) - المنطق الكابح والمستبد عن طريق التربية والأسرة والمهنة والعلاقات ضمن المجموعة. لقد طرح من جديد مسألة منظومة القيم الذي يقوم مجتمعنا عليها.‏

يرى يونسكو أن الشخصية "الحقيقية"، توجد في العمق. ومسرحه كله محاولة لاكتشاف اللاوعي باعتباره نبعاً للتفكير والعمل؛ وفي نفس الوقت على اعتباره الحقيقة السيكولوجية المشتركة بين جميع الأفراد. الحب"، ذلك البحث اليائس عن الوحدة الضائعة الموت، وسواس، وجاذب لا يقاوم". الاندهاش من الحياة، كلها هواجس إنسانية، أساسية. الإنسان تحرّكه الغرائز الجنسية والميول الفطرية التي تطفو على هوامش الوعي وتكشف عن نفسها من خلال حركات مرسومة أو أقوال غير منسجمة. كلّ فرد منا هو الحلبة التي يتصارع عليها الحب والموتإيروس كلمة يونانية تعني الحب، ناناتوس كلمة يونانية تعني الموت).‏

صوّر يونسكو التمزّق والتناقض من حيث الظاهر إذ أن اللاوعي له قوانينه الخاصة به. هناك منطق للتناقضات، وحلٌّ لها. من أجل "تغيير الحياة"، ومن أجل أن يصبح العالم "شاعرياً" حقاً، من الأهمية بمكان أن نبحث في ديناميكية اللاوعي عن تجديد الوجود. لم يقل بروتون شيئاً آخر في "البيانات السريالية" وقد كتب عنه يونسكو بمناسبة وفاته:"كان يعيش، ليس في التناقض بل في المفارقة. لقد كان هذا المنظّر اللاعقلاني، يوسّع العقل ويعمّقه ويزيده. وكانت اللامعقولية تظهر كأنها الوجه الخفي للعقل الذي كان باستطاعة الوعي اكتشافه والاندماج معه"(27) . هذا أيضاً مافعله يونسكو في مسرحياته.‏

اكتشاف هذه "الأعماق"، هذه المناطق المظلمة من النفس مستوحى من التحليل النفسي، من طرائق فرويد أويونغ التي طبّقتْ على الأدب: وقد التقت، في هذا المجال، مع مناهج وتقنيات السرياليين. استخدم يونسكو الهفوات وزلاّت اللسان كمصدر للجانب الهزلي لكنّه استخدمها أيضاً ككاشف عن الأفكار الكامنة المكبوتة. لجأ يونسكو إلى التناقض في الحوارات والتصرّفات. لقد مارس "الكلام الآلي" والقصة الحلمية محطّماً بذلك قوقعة النحو ليقدّم منطقاً آخر وترابطاً مختلفاً للأفكار والصور، وليقدّم بنية أخرى للزمان والمكان. لقد نقل إلى اللغة أساليب التلصيق "الكولاج" فبعض المشاهد -التي تكشف أحياناً مغزى المسرحية- تستعيد بشيء من الدقة، أسلوب التمثيل النفساني.‏

يظهر مسرح يونسكو، سواء من حيث تنفيذه أو من حيث مقاصده، كأنّه إكمال للفكر السريالي.‏

صورة عالم لا معقول:‏

مسرح يونسكو استقصاء عن الفرد كما أنه ضمير عصر أيضاً. لا نجد أبداً، حتى في مسرحية الكركدن، أية إشارة مباشرة للأحداث الراهنة، لكن مخاوف الشخصيات هي المخاوف التي يشعر بها المرء في أيامنا أمام رعب القيامة، أمام عالم ينضح وحشية ولا إنسانية. تقدذم "الصور المسرحية" مواقف خارج الزمن لكنها ذات طابع تاريخي.‏

يعبّر يونسكو في مسرحه عن ذلك الضمير الممزّق الذي نجده لدى الذين عاشوا ظلمات الديكتاتوريات. لقد رأوا القيم الإنسانية تنهار، وممارسة الحرية تختفي. يتوقعون أن يشهدوا في المستقبل تهديدات ومخاطر أكثر مما يشهدون من الآمال. إنهم يعانون بقسوة من لا معقولية عالم في منتهى الفوضى، ويتألمون من وضع إنساني ميئوس منه(28) .‏

تعبّر المواقف التي أوردها يونسكو في مسرحياته عن انسحاق الفرد. السادية والعنف هما طابع العلاقات مع الآخرين. في الدرس وضحايا الواجب. سيطرة الجماعة العائلية أو الاجتماعية واضحة. في جاك، الكركدن، العطش والجوع. طغيان الايديولوجيات موجود في كل مكان من مسرحياته. الإنسان وحيد لأنّه غير جدير بالأخوّة الكركدن)، عاجز عن تحقيق الحب الدائم. العلاقة بين الرجل والمرأة سريعةالزوال الكركدن)، أو تافهة المغنية الصلعاء)، أو أن العلاقة بين الرجل والمرأة تقتصر على الجنس جاك)، أو على ارتباط جهنمي، أو على "جلسة سرّية"، تربط بين كائنين عاجزين عن الحب ومحكوم عليهما أن يعذّب أحدهما الآخر ضحايا الواجب، اميديه، العطش والجوع).‏

الوحدة الإنسانية هي أيضاً وحدة الموت. لقد جعلت الأفكار الإنسانية من الإنسان ملكاً، لكنه ملك مخلوع، إذ إنّه يموت، وحيداً، يموت. يسلب الموت من الوجود قيمته: المدينة المشعّة لاجدوى منها فهناك القاتل يعبث فيها؛ وبيرانجيه "الماشي في الهواء" عاجز عن الكتابة إذ لا شفاء من الموت-ويحلم جان ببلاد، الموت فيها ممنوع.‏

الموت كابوس جماعي كما أنّه وسواس فردي. "الحب والكراهية، الحب والدمار، إنه تعارض، يعطي بأهميته الكبرى الانطباع باللامعقول.فكيف نشيّد منطقاً انطلاقاً من ذلك، ديالكتيكياً؟"(29) .‏

يحكي مسرح يونسكو عن موت الإنسان كما يحكي أيضاً عن موت الله. ماوراء العالم ماهو إلاّ فوضى وعماء؛ ولا يفكّر بيرانجيه الأول خلال احتضاره إلاّ بالماضي؛ والعبّارة التي يعبرها لا توصله إلاّ إلى العدم، والسلّم الفضي في مسرحية العطش والجوع هو تساؤل كبير حول معنى الحياة وليس أملاً في الآخره. المصير مسدود لا مخرج له. ومسألة المطلق هي غياب، والرجاء الوحيد هو "العدم الكبير".‏

تتضاعف المادة وتتكاثر في كل مكان من مسرح يونسكو؛ تغرق الكائنات فيها أو تختلط معها حتى تصبح هي نفسها مادة ولا يعود العالم إنسانياً.‏

إدراك هذا الوضع الماساوي، وهذه الصراعات التي تمزّق الفرد، التي تضع الفرد في مواجهة المجموع، وتضع الإنسان في مواجهة المادة التي تحيط به، ورفض الإنسان لهذا المصير، لهذا التحوّل دون هدف في عالم بلا حدود، هذان هما وجها علم الأخلاق القائم على فلسفة "اللامعقول".‏

"إن شرطنا الوجودي لا معقول، لا أحد يريد أن يأتي إلى العالم. لا أحد يريد الخروج منه"(30) .‏

تلتقي اهتمامات يونسكو ورؤيته للواقع مع كتّاب وفلاسفة قدّموا، غداة الحرب، الفرد محاصراً من جميع الجهات بالوحشية واللا إنسانية، قدّموه "غريباً" محكوماً عليه بالصحو، محكوماً عليه بـ "جلسة سرّية" حيث نظرة الإنسان الآخر تشكل جحيماً له، قدّموه مسؤولاً مسؤولية كاملة عن مصير لم يختره؛ ومعرّضاً لكل أنواع الفشل.‏

بهذا المعنى فإن أعمال يونسكو "ملتزمة" تاريخياً.لم تدعُ أبداً علناً إلى مبدأ أخلاقي أو نظام من القيم لأن يونسكو لا يقبل أن يضع ايديولوجية ما مقابل ايديولوجيات أخرى لكن رفضه وإدراكه للمسائل المطروحة يؤكدان التزامه. المسرح الملتزم لا يقتصر فقط على الأشكال التي قدّمها ابسن أو بريخت أوسارتر. هناك "التزام" وهناك "مسرح" في كل مرة تطرح مشكلة الإنسان ومصيره في تقاطعهما مع الزمان والأبدية.‏

لكن سارتر وكامو عبّرا عن اختيارهما دون أن يعدّلا في البنى الأدبية أمّا يونسكو فقد طرح من جديد مسألة الأشكال المسرحية، إن مسرحه تأمّل فني جمالي.‏

تأملات حول الأشكال المسرحية:‏

"ما العمل حتى يصبح الأدب استكشافاً مثيراً للاهتمام؟ سأل بيرانجيه في مسرحية الماشي في الهواء. كذلك كان يونسكو يسأل نفسه عندما يجعل شخصياته تتكلم: شوبير، نيكولا دو، بيرانجيه، الصحفي، وهكذا تساءل أيضاً عندما قدّم نفسه على المسرح في مسرحية الما. ولقد أجاب عن ذلك مسرحه كله عندما كان يخترع الأشكال التي عرض من خلالها بديهيات رؤيته للعالم.‏

"الكتابة هي التفكير في الكلمات"، كما قال باشولار(31) أما قضية الكتابة فيجب أن تعطي الأشياء مدلولات جديدة. لقد عالج سارتر وكامو، وهما الوفيّان لعلم الجمال التقليدي، مسألة اللامعقول في مسرحياتهما أو قصصهما بواسطة كلام عقلاني وأساطير تاريخية. هناك إذن تفاوت بين الأشكال وبين رؤية العالم، بين الكلمة والمدلول، لكنهما كانا يعرفان مسبقاً مايريدان أن يقولا.‏

أمّا عند يونسكو فعلى العكس إذ أن الأشكال الجديدة هي التي تخترع الدلالة والمغزى. اللا واقعية موجودة في قصص الأحلام والتمثيل النفساني، وتنبثق أساطير جديدة كركدنات وفطور)، من الهلوسات اللا واعية كما أن تفكك الصور المسرحية يرمز إلى تفكك العالم وكارثة الكلام تجمّد تصدع القيم في جثث من الكلمات؛ فالأم بيبا وتاراباس نبيّان كاذبان لعالم مجنون. إن لا معقولية العالم هي بداهة حيّة.‏

هذه الأشكال الجديدة مقصودة ومدبّرة. إنها ترسّخ عالماً مسرحياً ينقل الواقع ويعطيه مدلولاً، فتحوّلات الشرطي إلى أب أو طبيب، ومسخ الناس إلى كركدنات أو أوزّ، الأشخاص التافهون الكبار أكثر من الحالة الطبيعية،والمملكة التي تتضاءل حتى تصبح حفنة من رمال، والجثة التي تتضخم... هذه الصور كلها لا قيمة لها إلاّ لأنّها ذات مغزى. إنها أمور متفق عليها. بين المؤلف والجمهور. لم تأتِ هذه الاتفاقات دفعة واحدة ومن هنا نشأت المقاومة والعداوة ليونسكو واستمرتا حوالي عشر سنوات.‏

لكي تنال هذه الاتفاقات - وهي كل قوانين الفن المسرحي عند يونسكو- القبول اضطر المؤلف لإدخال بعض العلاقات الحقيقية، لكنها لاتحمل أي معنى، وهذه أيضاً اتفاقات بين المؤلف والجمهور(32) . هكذا يقدّم يونسكو عناصر تعيد الجمهور إلى الاستخدامات والعادات والتصرّفات المألوفة: قضاء سهرة عائلية، كيفية طلب الكونياك في كأس كبيرة، أحاديث المتفرجين في المسرح، وفي الوقت نفسه، يقطع القصة بتلميحات مباشرة إلى تمثيل الممثلين أو إلى زمن العرض أوإلى مسؤولي الآلات والاكسسوارات ليؤكد أن مغزى المسرحية ليس في هذه العناصر "الواقعية"، وليؤكد أنه لا يكتب مسرحيات "طبيعية".‏

تغيرات ذات مغزى وتأثيرات الواقع: هذا النظام المزدوج من الاتفاقات يحدّد تقنيّة وبنية المسرح. هذا النظام المزدوج يدعم ويكشف رؤية المؤلف للعالم، ولذا فإن الكاتب الأصيل يفكّر بالأشكال والصيغ ويطرحها من جديد على بساط البحث. لا يمكن أن يتمّ تأكيد القيم الجديدة إلاّ بواسطة فن يتمّ اختراعه من جديد، وتكمن عظمة يونسكو في إدراك ذلك وتطبيقه.‏

خاتمة:‏

من السخرية أن نكتب خاتمة عن يونسكو في اللحظة التي ظهر فيها في المكتبات كتابه الجديد "اكتشافات" وهو تأملات حول "دروب الإبداع" في اللحظة التي تعرض فيها مسرحيته "لعبة القتل" في ألمانيا، هذه المسرحية التي ترسّخ أسلوباً جديداً. على أحسن حال، يمكننا أن نلقي نظرة شاملة على الوضع في مجمله بعد عشرين سنة من الإبداع والصراعات الأدبية.‏

أهمية يونسكو ليست في سعيه للبرهنة والإثبات. نتاجه الأدبي يفرض نفسه من خلال المسرحيات، يفرض نفسه من خلال الحضور والنجاح. لقد قُرئِت أعماله ومُثّلت وتُرجمت إلى جميع اللغات؛ يفرض نفسه لأصالته بشكل خاص.‏

لقد نجح يونسكو فيما فشل فيه الفريد جارّي وانتونان ارتو. لقد سلب مسرح "البولفار" الثقة والسمعة، بل ربما دمّر ذلك المسرح الذي يمثل تجسيداً متقهقراً للمدرسة الطبيعية. لقد خلق أشكالاً مسرحية جديدة واستخدم تقنيات جديدة في التعبير؛ صوّر عبثية العالم وكشف لا معقوليته. لقد غيّر حساسية الجمهور.‏

أنكر البعض أهمية أعماله. قدر المؤلف الطليعي أن يقدّم أقنعة جديدة لايديولوجيات عتيقة. كتب بارت منذ عام 1956 في "المسرح الشعبي": "من المؤسف أن تتبع الطليعة تطوّر البرجوازية الطفيلية المالكة، يخيل لنا اليوم أننا نشهد موتها البطيء [...] سواء أكانت البرجوازية تعيد توظيف استثماراتها في تلك الطليعة، سينتهي بها الأمر إلى حضور الأمسيات الجميلة التي تعرض فيها مسرحيات بيكيت واوديبرتي وغداً ستشهد مسرحيات يونسكو الذي تأقلم مسبقاً مع النقد ذي النزعة الإنسانية"(33) . فهل كان النجاح، والتكريس، والجوائز الأدبية، والدخول إلى الأكاديمية أحداثاً تؤكد صواب رأي بارت؟‏

الحديث عن "التعويض" يعني نسيان أن كل صراع -وهذه هي حالة يونسكو مع الجمهور والنقّاد - يُحلّ ديالكتيكياً. فإذا ما أصبح مسرح يونسكو أقلّ عنفاً بعد عام 1956، وإذا ما حُكم عليه أنه أكثر "كلاسيكية" فذلك لأنه رسّخ طريقة جديدة في الرؤية والإحساس؛ فلم يعد ممكناً الآن الكتابة للمسرح دون الأخذ بعين الاعتبار كل ما أوجده يونسكو.‏

في الطريق الذي شقّه يونسكو، ستسمح أبحاث في الكتابة والإخراج بالذهاب بعيداً، ستسمح بتعميق رؤية مافوق الواقع وإعطاء التعبير مزيداً من العمق، وإدانة "القسوة" بالمعنى الذي استعمل فيه ارتو هذه الكلمة)، في مسرحه. يونسكو واحد من أولئك الذين "يؤسسون مدرسة".‏

يمكننا أن نقول مع ذلك إن بحثه عن الأصالة في "العمق" وإحساسه باللا معقول المثير للقلق، يبقيان مرتبطين بفلسفة وبجماليات تعطي الامتيازات إلى القيم التي يؤمن بها الفرد ولا تهتم بالعلاقات الجدلية التي تنشأ بين الفرد والمجتمع. ليس هناك شرط إنساني فردي، ثابت، غير قابل للعلاج.‏

الاستلاب مرتبط بحالة اجتماعية. القلق يرجع حقاً إلى أسباب انطولوجية لكنه يعبّر عن رفض تجربة تتصف بالتقهقر التدريجي للقيم الإنسانية.‏

العلاقات بين الفرد والمجتمع علاقات ديناميكية وليست تعسفية فقط. ربما كانت رسالة الفن الدرامي في بيان أن تلك العلاقات قابلة للتغيير..‏

"تأسيس مدرسة" يعني أن يكون هناك تلاميذ ومريدين، ويعني أيضاً إثارة المناقشات والخلافات. لقد صرّح يونسكو بذلك إلى كلود بونفوا:"هذه هي فائدة المدرسة: خلق أسلوب لابد من تدميره في المستقبل".‏

(1) حوار مع كلود ساروت. لوموند 19 كانون الثاني 1960.‏

(2) محاورات مع كلود بونفوا.‏

(3) غالباً ماتكون ساعات الجدار منفلتة في مسرح يونسكو.‏

(4) typologie : تصنيفية: علم دراسة الأصناف الذي يسهّل تحليل واقع معقّد ويؤدي إلى التصنيف المنهل9).‏

(5) يمكن القول مع ذلك، إن علم النفس الذي يهاجمه نيكولا دو قد مات منذ زمن بعيد. إن تحليلات كافكا وجويس وبروست لا تعتمد على نظريات تين أو بول بورجيه!.‏

(6) هل يجب أن نطرح من جديد مسألة العلاقات بين الشخصية وخالقها؟ بعد كثير من الكتّاب المسرحيين -والروائيين- أجاب يونسكو سائله أن شخصياته هي هو وليست هو وأنها تعبّر عن إمكانيات للعقل، لم تكتمل وعن رغبات واحتمالات وأحلام وفرضيات. انظر محاوراته مع كلود بونفوا ص 76- ومابعد. ص277).‏

(7) اللوغوس:Logos :عقل أول"كائن يفصل بين الخالق والكون في الأفلاطونية الحديثة المنهل)".‏

(8) الكركدن 2- الكركدن 3-اميديه.‏

- الكركدن‏

(9) الكراسي.‏

(10) الكراسي.‏

(11) قاتل بلا أجر.‏

(12) جاك.‏

(13) انظر ناتالي ساروت "عصر الشك".‏

(14) المغنية الصلعاء.‏

- الكركدن.‏

(15) قاتل بلا أجر.‏

(16) لاحظ التشابه باللفظ بين كلمة عجل Lioeuf) وكلمة بيضة البيض).‏

(17) ملاحظات، وملاحظات مضادة.. المقدمة).‏

(18) على عكس ذلك، ففي المسرح الكلاسيكي تنضوي الإرشادات المسرحية ضمن الحوار، فلنتذكّر على سبيل المثال بداية "فيدرا" أو "طرطوف"، عند موليير أو الحوار بين رودريك وشيمين عند كورناي.‏

(19) مجلة الفنون 1961.‏

(20) تجربة المسرح.‏

(21) تجربة المسرح.‏

(22) خداعية: illusionisme: توليد أحداث تبدو مناقضة للنواميس الطبيعية. المنهل).‏

(23) مقال عن الطليعة.‏

(24) يميّز يونسكو جيداً بين "التهريج" الذي يقدّم مشاعر سطحية، وبين الغرابة التي تقدّم صورة لعالم آخر. انظرْ حول هذا الموضوع خلافة مع ج-م سيّرو الذي أخرج مسرحية اميديه.راجع سوبرا ص113).‏

(25) قال بروتون: "هذا ما كنّا نريد أن نفعله قبل عشرين عاماً".‏

(26) نادجا.‏

(27) حاضر ماضٍ ماضي حاضر 30 أيلول 1966.‏

(28) كان يونسكو في الخامسة والعشرين عندما سيطرت النازية على رومانيا وكان في الثالثة والثلاثين، عندما انتهت الحرب.‏

(29) محاورات مع كلود بونفوا.‏

(30) عن كتاب "أزهار تارب" لمؤلفه جان بولان في الديوان الذي ظهر بعد وفاته "الحق في أن نحلم". المطبوعات الجامعية الفرنسية. 1970.‏

(31) عن كتاب "أزهار في تارب" لمؤلفه جان بولان في الديوان الذي ظهر بعد وفاته "الحق في أن نحلم". المطبوعات الجامعية الفرنسية 1970.‏

(32) هناك طرفة توضح هذه المسألة جيداً وقد رواها يونسكو لكلود بونفوا. في الولايات المتحدة، وافق مخرج مسرحية الكركدن على موضوع المسرحية وقبل فكرة تحوّل شعب بأكمله إلىحيوانات سميكة الجلد، لكن شيئاً ماكان يقلقه: قال لي:"اسمعني. سوف أضيف، بعد إذنك طبعاً، جملة في مسرحيتك وإليك السبب. عند بداية الفصل الثالث يذهب بيرانجيه، وهو بطل المسرحية إلى غرفة صديقه جان [....] ستسمح لي إذن أن أضيف جملة عند نهاية الفصل الثاني، إذ أن هذه البداية غير ممكنة [....] هناك جهاز الهاتف في المكتب الذي يعمل فيه بيرانجيه، فيرفع السمّاعة، يدقّ الرقم ويقول: سأطلب صديقي جان لأرى إن كان في غرفته". بالنسبة للمخرج وللجمهور الأمريكي المسخ مقبول لأنّ له دلالة، إنه رمزي أو قياسي وهذا من بين الأمور المتفق عليها في المسرح الغرائبي الخيالي، وبالمقابل، يبدو من غير المقبول أن يذهب المرء إلى عند صديقه دون أن يهتف له مسبقاً، هذا لا يجوز، وليس مألوفاً، فلا يجوز "عرضه" إذن. وهنا نرى جيداً تكاملية هذين النظامين من الاتفاقات.‏

(33) صاحب النزعة الإنسانية:humaniste: معتنق المذهب الإنساني، وهي مذهب يعتني بتنمية مناقب الإنسان وفكره بما يمثله من ثقافة أدبية أو علمية.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244