يوجـين يونسكو - تأليف : كلود ابسـتادو - ترجمـة: قيس خضّور

مراجعة: حسيب كاسوحه - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب 1999

Updated: Monday, September 22, 2003 12:59 AM
فهرس الكتاب أدب الطفل الدراسات القصة الشعر المسرح الرواية الدراسات 1997 الدراسات 1998
 

فكر نقدي وتجارب في الأسلوب

تشكل سنوات 1958-1962 في إبداع يونسكو فترة تأمّل وسنوات أزمة. أسلوب "الكركدنات" ونجاحها، والتخصيص شبه الرسمي لـ "صالة تتلقّى معونة" أدّى إلى "تبديل في التحالفات" بين النقاد. بعض الذين انتقصوا من قيمة أدب يونسكو في الماضي راحوا يهنئونه ويفرحون لنجاحاته مثلما تفرح الأسرة بعودة الابن الضال؛ وبالمقابل فالنقاد الذين ساندوه منذ الساعة الأولى أدانوا مسرحية "الكركدن" باسم "المغنية الصلعاء".‏

شهد يونسكو كثرة التفاسير والإنتقادات، وسجّل تناقضاتها، ووضع النقاد وجهاً لوجه مع بعضهم ولم يؤيد أحداً منهم. استرجع يونسكو في محاضرة ألقاها في السوربون، في شهر آذار 1960، ونشرها في كتاب "ملاحظات وملاحظات مضادة" تحت عنوان: "كلام حول كلام الآخرين"، استرجع على مدى سنوات، شروحات "أكاديمي من نزعة إنسانية وانطباعية".زمن الطبيعي أن يكون الناقد الانطباعي أقلّ انسجاماً "من غيره". "فيما يتعلّق بمسرحيتي الأولى "المغنية الصلعاء"، قال ذلك الناقد، منذ سنوات عديدة، وبمناسبة تقديمها، إنها لاتستحق أكثر من هزّ الأكتاف، وفيما بعد، وبعد أن شاهد مسرحية أخرى "الكراسي" على ستديو الشانزيلزيه، كتب أن المسرحية تذكّره بقصة لأناتول فرانس لكن دون خيال ولا إبداع ولا فكر، واختتم مقالته قائلاً إنه لايفهم كيف أن المؤلف الغني بالغرابة والظرف، الذي كتب "المغنية الصلعاء" الناجحة، يقدم على كتابة مثل هذه المسرحية الهزيلة الباهتة".تابع يونسكو محاضرته بعملية "مونتاج" للإنتقادات المتناقضة حول مسرحية الكركدن، وفي تلك المحاضرة نجد كل القريحة التي رأيناها في "مسرحية الما". حدّد يونسكو فنّه المسرحي في مجموعة مقالات: تجربة المسرح 1958) مقال عن الطليعة 1959) المؤلف ومشاكله 1958) كما أجرى مقابلات وألقى محاضرات وكتب مقدّمات... هذا جهد يهدف إلى توضيح الأمور لصاحبها أكثر من كونه طريقة يحدّد المرء فيها موقفه من الآخرين؛ وفي عام 1962 جمع يونسكو هذه المقالات النقدية في كتاب "ملاحظات وملاحظات مضادة"، كما جمع قصصه القصيرة في كتاب "صورة الكولونيل".‏

يبدو أن التأمّل دفع يونسكو للعودة إلى المسرح الخالص. كتب اسكتشات مبنيّة على بعض الأساليب أو الآليات التي كانت تخدم المغزى في المسرحيات الناجحة لكنها هنا للمتعة فقط.‏

في اسكتش "مشهد رباعي" الذي كُتب عام 1956 وقُدّم في السنة نفسها في مهرجان سبوليت، يتنافس ثلاثة رجال: ديبون، دوران، مارتان للفوز بامرأة.. يطلبون منها أن تختار وينتهي المشهد بعراك شامل تفقد السيدة خلاله قبعتها ومحفظتها وثيابها وذراعيها ونهديها وإحدى ساقيها...‏

إن اسكتش "تعلّم المشي" عام 1960 ، هو الأساس لباليه للإبهار. تحاول ممرضة أن تعلم شاباً مشلولاً المشي خطوة خطوة ثم يتحوّل البطلان إلى راقصين. أثناء الحركات الباهرة يرتفع الشاب عن الأرض ويرتقي سلماً من نور. قدّمت هذه البالية فرقة فرانسواز ودومينيك على رقصات من تصميم ديريك مندل وموسيقى ايفان ماليك.‏

*أما الغضب 1961) فهو سيناريو فيلم يعالج فكرة العنف. اللقطات الأولى -وهي سلسلة من المشاهد المؤثرة- تعرض جميع أشكال الطيبة البناءة والانسجام الكوني، لكن ذبابة تسقط في صحن حساء تسبب شجاراً عائلياً، وشجارات عائلية، وحريقاً، وعصياناً، وثورة وحروباً. آنذاك تعلن "مذيعة التلفزيون الساحرة" بابتسامة حلوة: "سيداتي، سادتي، بعد عدة لحظات ستحلّ نهاية العالم" وتكون الصورة الأخيرة صورة "فطر" ذرّي.‏

أما "تخريف ثنائي" التي نشرت في آذار 1962 وعُرضت في نيسان على مسرح ستديو الشانزيليزيه ولعب الدورين الأساسيين فيها انطوان بورمي وتسيلا شيلتون فإنها خصام عائلي حول تماثل أو عدم تماثل السلحفاة والحلزون؛ وهل من المناسب فتح النافذة أم إغلاقها، الخروج من البيت أم البقاء فيه... الخلفية الصوتية لهذا الخصام أصوات صدى مضخّمة لضوضاء تمّرد، وهدير رشاشات وانفجار قنابل، وصراخ جرحى، وحشرجة قتلى. أخيراً تنزل، من السقف الذي خرقته القنابل، وعلى أطراف حبال، أجساد بلا رؤوس ورؤوس بلا أجساد لمساجين نُفّذ فيهم حكم الإعدام.‏

"الثغرة" وهي مسرحية كتبت عام 1962 وقدّمها المركز المسرحي في الجنوب الغربي عام 1965، ثم أعيد تقديمها في السنة التالية على مسرح تياتر دوفرانس. عند رفع الستارة نرى امرأة باكية في ثياب النوم تستقبل صديقاً يرتدي ملابس سوداء:‏

- المرأة: هيّا يا صديقي العزيز، أخبرني بسرعة.‏

- الصديق: لاأدري كيف أعلن لك ذلك .‏

- المرأة : لقد فهمت.‏

- الصديق: كنت أعرف النبأ منذ مساء البارحة، لم أرغب أن أخبرك بالهاتف لكنني لم أستطع الانتظار أكثر، اعذريني لأنني جعلتك تغادرين سريرك لأخبرك مثل هذا النبأ.‏

- المرأة: لم يستطع التخلّص من ورطته! يا للمصيبة! حتى اللحظة الأخيرة كنا نتعلّق بالأمل.‏

"السيد" -وهو مدرّس في الجامعة، دكتور بمرتبة الشرف من جامعة امستردام، ومن الكليّات السريّة لدوقية اللكسمبورغ العظمى، رئيس لجنة التحكيم التي تعطي شهادة الاستاذية، حائز على جائزة نوبل ثلاث مرات، الأكاديمي... "السيد" رسب منذ فترة قصيرة في شهادة الدراسة الثانوية(1) .‏

اغتاظ "السيد" جداً وقرر أن يطلب إلغاء الإمتحان، يخابر رئيس الدولة وهو من رفاقه.‏

- الاكاديمي: [...] آلو! الرئاسة... الرئاسة... صباح الخير ياآنسة، أريد أن أتحدث مع الرئيس. معه شخصياً... معه بالذات... آلو! جول؟ هذا أنا... كيف؟...كيف؟ لكن ما هذا الكلام ياصديقي العزيز... لكن، اسمعني... آلو...‏

- الزوجة: أهذا هو؟‏

- الاكاديمي: للزوجة) اخرسي في الهاتف) أنت تمزح ياصديقي العزيز... أنت لا تمزح؟... يضع السماعة).‏

- الصديق: ماذا قال؟‏

- الاكاديمي: قال... قال.. لا أريد أن أتحدث معك بعد الآن. لقد منعتني أمي من مخالطة المتخلفين في الصف، ثم سكّر الخط؟‏

أخيراً، في هذه الفترة نشرت "البيضة المسلوقة" في آذار 1963 ضمن دفاتر -نيو- بارّو. كتب يونسكو عنها نصيّن : الأول عبارة عن سيناريو على طريقة الأفلام الدعائية والآخر مونولوج قصير هو المحصّلة‏

الساخرة لتحضير بيضة مسلوقة(2) .‏

لكن عام 1962 هو عام مسرحيتي "الماشي في الهواء" و "الملك يموت".‏

"الماشي في الهواء"‏

تعرض مسرحية "الماشي في الهواء" التي كُتبت صيف 1962، بيرانجيه على المسرح من جديد. لقد صار بيرانجيه كاتباً مسرحياً، له زوجة ، جوزفين، وابنة، مارتا، وهو ذاته اسمه هريير، أما بيرانجيه فهو لقبه، تجري الأحداث في انكلترا، انكلترا "نموذجيه" حقيقية أكثر مما هي طبيعية، في مقاطعة جلوسستر، ذات يوم أحد.‏

يصوّر الديكور بيتاً ريفياً جميلاً وسط مرج يشرف على الوادي. يتنزّه الانكليز في مجموعات عائلية. لقد هرب بيرانجيه من فرنسا وجاء ليستريح وربما ليكتب(3) . يصل صحفي فيعترف له بيرانجيه بيأسه: يشعر أنه غير قادر على الكتابة ولم يعد يعرف إلى أين ينتهي الأدب، فكل ما يمكن أن يقال قد قيل ومع ذلك في الشيء الأساسي لم يُقل بعد.‏

يلي ذلك مشهد من عالم الأحلام إذ ترى جوزفين والدها الذي قُتل في الحرب يعود إلى الحياة من جديد، وتدرك أن الموت خسارة لا تعّوض.‏

ترمي إحدى الطائرات الألمانية المتخلّفة عن الحرب الأخيرة قنابلها وتدّمر البيت الريفي الجميل. يخرج بيرانجيه سليماً من بين الأنقاض ليسمع جوزفين تؤنبه على اهماله وكسله: "كان بامكانك أن تشتري بيتاً أكثر متانة بدلاً من هذا الكوخ الكرتوني الذي انهار عند أول قذيفة [...] لم تكن تنتظر حجّة أفضل لتنقطع عن الكتابة". تتحدث جوزفين بعد ذلك عن الحلم الذي يقض مضجعها فيشرح لها بيرانجيه قيمة الأحلام والمنعطفات السريّة الحسيّة التي تتكشف فيها. "لو كنا نعيش دائماً في حالة الوعي الثاقب الذي نكون فيه في الحلم لما استطعنا الإستمرار في الحياة".‏

ثم تُبعث الحياة في المشهد والديكور فها هو بيرانجيه وجوزفين ومارتا يتنزهون ويتأملون المنظر الجميل: السماء الزرقاء، النور، النهر الفضي، الذي تمخره الزوارق الصغيرة، التلفريك الأحمر المنساب على حبله...‏

أما مجموعات الإنكليز فإنها تتحدث عن الحياة اليومية وعن بؤسها. تولّف نتف الأحاديث المتناثرة فلسفة في الحياة والموت وتمزج الحنين مع الحسرات، يهيمن على ذلك كله حكمة تدعو إلى الخضوع والإستسلام.‏

أثناء هذا المشهد يظهر مرات عديدة "القادم من ما وراء العالم Antimonde .يشرح بيرانجيه أن ذلك القادم يعيش في الناحية الأخرى من ذلك الجدار اللامرئي المعتم الذي يجتازه المرء دون أن يدرك ذلك.‏

لا تؤمن جوزفين، وهي المتشككة المرتابة، بالظواهر الخارقة: "هؤلاء القادمون ماهم سوى صور أوجدتها تخيّلات الرياح" لكن يظهر فجأة الجسر الفضي الذي يربط بين طرفي الهاوية، مكللاً بالنور وسط منظر يزهو بالبهاء.‏

في غمرة الفرح، يكتشف بيرانجيه من جديد قوى منسيّة. أمّا وقد انتشى باليقين، ها هو يتوهج ويرتفع فوق الأرض وسط دهشة المتنزهين. انبهرت مارتا ومعها الولد الإنكليزي الصغير، اغتاظت جوزفين وخافت الفضيحة، أمّا جون بول فقد رأي في الحادثة خطراً على صناعة الطائرات، بينما يؤكد بيرانجيه أن من الطبيعي أن يطير الإنسان عندما يكون سعيداً، أما شقاء الإنسان فهو في نسيان هذه القوّة:‏

- بيرانجيه: ماذا سيقول الناس إذا نسي المرء السباحة والمشي والوقوف والجلوس؟‏

- جون بول: الجلوس يكفي لتحقيق سعادتي، أحب الوقوف أيضاً، أو النوم منبطحاً لا يغطّيني سوى إليتي.‏

فجأة يدق بيرانجيه كعبه بالأرض ثم يطير ويختفي.‏

يُظلم المنظر وتخترقه بروق دامية. تشعر جوزفين، وقد بقيت وحيدة بالخوف، وتفترسها الكوابيس.‏

ثم يستعيد الديكور إضاءته المألوفة، ويعود بيرانجيه، مرهقاً، لا يسمع التصفيق الذي قوبل به، ولا يتناول الأزهار التي تقدّمها له بنت صغيرة؛ فنظراته لا زالت تعبّر عن صور الرعب التي رآها في "ماوراء العالم"؛ وعلى سؤال "ماذا رأيت ياسيدي في الناحية الأخرى؟.. ماذا شاهدت؟ "يجيب: " رأيت... رأيت أوزات... وزات الأم بيبا، دون شك). يصف أرتال المحكومين بالإعدام على المقصلة، والجنادب العملاقة، ورؤساء الملائكة المخلوعين، والمعذبين... إنه يوم القيامة، لكن المستمعين يجدونه خالياً من أية أصالة وينصرفون واحداً بعد آخر ولا يبقى سوى جوزفين ومارتا، ويتابع بيرانجيه رؤاه، يصف، يروي، بينما تهدر موسيقى جوّالة "مفرحة بشكل حزين"، وتقرقع المتفجرات "كأنه الرابع عشر من تموز في انكلترا، "هاويات لا قرار لها، إلقاء القنابل، إلقاء القنابل وهاويات بلا قرار تنفتح على سهول قاحلة، مُدَّمرة منذ زمن بعيد [...] ثم، يأتي الجليد بعد النار اللانهائية، وتأتي النار بعد الجليد، صحارى من الجليد، صحارى من النار تهجم على بعضها وتأتي نحونا... تأتي نحونا".‏

الحلــــــم محـــرّك درامـــي‏

تتألف المسرحية من فصل واحد، إذن لا انقطاع في سير الحركة، ومن ناحية أخرى تلتزم بدقّة بالقصة القصيرة التي استخدمت أساساً لها، وهي عبارة عن سلسلة متتابعة من صور الأحلام. لكي يخلق يونسكو تطوراً درامياً إنطلاقاً من فكرة غير مسرحية يجري مقابلات بين الحياة والحلم، بل بين مختلف أشكال الأحلام.‏

تنطلق مسرحية "الماشي في الهواء" من حلم فيه صمود وارتقاء وقد أشار يونسكو لكلود بونغوا(4) أنه مارس حلم الصعود والطيران كنوع من التخيّل ووسيلة للتحرر العاطفي الشعوري.‏

يعبّر هذا الحلم، في رأي يونسكو، عن الحبور المادي والتوازن بين الجسد والروح وانسجام الكائن مع العالم. إنه يتوافق مع مشاعر وأحاسيس واضحة: "تمتليء رئتاي بهواء أخفّ من الهواء العادي.‏

تتصاعد الأبخرة إلى رأسي، ياللفرح الالهي... [...] أنا ثمل من اليقين!". من الغبطة ومن تجربة الفرح.‏

حلم الصعود الطيران ثم السقوط) يرسم منحنى الحركة الدرامية لكن مجموعة من الصور النهارية والليلية تغني هذه الفكرة الأساسية، فالأحاديث بين الناس تبيّن بؤس المسرات وتؤكد الخيبة في الحياة، كذلك أن كوابيس جوزفين وبيرانجيه تميط اللثام عن عالم الجريمة والألم، وما بين هاتين النظرتين للواقع، تنشأ حالات متشابهة.‏

شــــــــعر وســـــخرية‏

يعتمد إيقاع المسرحية على تنوّع الحوارات، كما أن التبدّل في الأسلوب يؤدي إلى تبدّل في اللهجة من شخص لآخر ومن مشهد إلى مشهد. جون بول سوقي، فظ، والمتنزهون الانكليز لا يكفّون عن الثرثرة، على نقيض ذلك تكثر الصور في اللغة عندما يصف بيرانجيه صور اندهاشه أو رعبه؛ أو عندما تتحدث جوزفين عن الوحدة والموت، إنها شاعرية النور أو العشوائية التي تضاعف معاني الاستعارات.‏

غالباً ما تكون التصريحات مباشرة جداً بحيث أن يونسكو يبحث في السخرية عن قناع يستر حياءه، كأن يسخر المتنزهون الانكليز من بيرانجيه، أو أن تتوقف القصة الخيالية ويتطرّق الحوار إلى الواقع الحقيقي. وأن يشدّ الولد الغيور جدائل البنت الصغيرة التي تغني وتزغرد فتبقى باروكة بين يديه: "نعم، فابنتنا الصغيرة هي المغنية الصلعاء الصغيرة" كما تقول الأم. أمّا بخصوص الصور، يخاطب الممثل الحاضرين في الصالة: "أسود كالثلج في لندن..." وعندما يتحدث بيرانجيه عن "المحاسبة المتعددة العوالم" أو عندما يفسّر ظهور واختفاء الأشياء فإنه يقول أمام شجرة أودغل: "هيّا، أنتما الإثنان، هناك خطأ في الحساب... لقد أخطأ المحاسب... أو المسؤول عن الإكسسوار!"‏

مسرحية تحتاج إلى آلة‏

مسرحية "الماشي في الهواء"، إضافة إلى التلاعب باللغة، تحتاج إلى آلة وتكنولوجيا، فطيران بيرانجيه أكثر تعقيداً من طيران اميديه، إضافة إلى أنه يتطلّب من الممثل موهبة كبيرة في الإيماء(5) . لا يتمّ الحصول على جوّ الأحلام من خلال قماش التول الفضفاض أو عن طريق ظهور الخيالات والأشباح، بل عن طريق حضور واضح وتقديم الأحداث الخارقة بشكل واضح جلي. لقد ألحّ يونسكو على فكرة أن الأحلام غالباً ما تكون "واقعية" أما في رؤى الكوابيس فإن الشخصيات تبدّل سحنتها وتغدو غريبة بشعة.‏

أخيراً، تلعب الإضاءة دوراً هامّاً. شلال النور المتساقط على الجسر الفضي، وتدرّج اللون الرمادي، والظلمة التي تخترقها البروق، والحرائق، تترجم حالات شعورية لدى الشخصيات، إنها تعبّر عن الفرح والحزن والقلق.‏

العالم ما وراء العالم.‏

"يجب أن لا يكون لدينا سوى فكرة واحدة، وهدف واحد: تحقيق بهجة الآخر" كما كتب يونسكو في "يوميات في فتات". مشكلة العلاقات مع الآخرين هي الموضوع الأساسي في مسرحية "الماشي في الهواء". يحلم بيرانجيه بعالم من اللطف والرقة لا يكون الموت فيه شرّاً. يقول ذلك إلى مارتا التي قدّمت الأزهار إليه: "لا أقاوم الحركات الرقيقة اللطيفة.‏

آه! لو كان كل الناس مثلك! سيعيش الإنسان في عالم من النعومة، وستغدو الحياة ممكنة، وبمقدور المرء مواجهة الموت بهدوء، دون ألم..."‏

تجسّد مارتا الحب والثقة. إنها معجبة بأبيها إعجاباً لا حدود له(6) . أمّا جوزفين الغيورة نوعاً ما، فقد لفتت نظر البنت لذلك: "ليس لأنه والدك مفروض عليك أن تقبلي كل ما يقول دون تفكير!"‏

جوزفين شخصية معقّدة، يذكّرنا عنفها وحدّتها بمادلين في "ضحايا الواجب" ، أو "اميديه". توبّخ بيرانجيه في كل مناسبة، لكنها في الحقيقة تحبه، تحب لطفه وظرفه، و "حماقاته": "على كل حال، من الأفضل أن يمزح، وعندما لا يتفوّه إلاّ بالحماقات فذلك يعني أنه حزين". هذه الرقة الخرقاء تكشف ارتباط جوزفين ببيرانجيه وحاجتها الماسّة في أن تكون محبوبة، آمنة، كما أن تلك الرقة تفضح خوفها من أن تُهجر، وحبها للسيطرة الذي سرعان ما يبلغ حدّ الحيرة واليأس.‏

تعكس المشاعر المعقّدة لدى بيرانجيه وجوزفين ومارتا العلاقات العائلية فيما بينهم، أمّا الشخصيات الأخرى فإنها تطرح مسألة العلاقات الاجتماعية.. تنقلنا الحركة في المسرحية من رسم عالم نهاري إلى رسم عالم الأحلام ثم إلى صورة ما وراء العالم. العالم الأول ليس سوى الظاهر، والآخران هما الحقيقة. المتنزهون المطمئنون هم بشر برأس أوزة، وهم طوابير المحكومين بالإعدام، المشاعر الحقيقية هي المشاعر التي تعبّر عنها شخصيات الكوابيس: يعلن الصحفي أن الصداقة ما هي سوى "القناع لضعفنا، وللكراهية المكبوتة الخجولة". جون بول مسلّح بسوط أو بندقية آلية...‏

ما وراء العالم ما هو سوى العالم الذي نعيش فيه، نحن مهددّون بطغيان "الخنازير والقرود" ، بالمقصلة والسكاكين. لهذه الصور، في رأي يونسكو، دلالات واضحة جداً، إنها تبيّن "ببساطة ما يجري في نصف الكون، وأن النصف الآخر لا يريد أن يرى بسبب التعمية واللامبالاة والمواقف المسبقة: هنالك عشرات الملايين من الناس مهانون، أذلاء، والرعب يقيم في نفوسهم، وهنالك الطغيان، والسلطات التي صارت مجنونة، وباختصار، ثمة نهاية للعالم تحدث كل يوم..."(7) .‏

تفضح مسرحية "الماشي في الهواء" من جديد، وبعدما رأيناه في "قاتل بلا أجر" و "الكركدن" ايديولوجيات العنف والدكتاتوريات. لكن "نبوءة الشقاء" (8) لم تُسمع. يقول بيرانجيه: "لا يصدّقني أحد، كنت أعرف حق المعرفة أنه لن يصدقني أحد[...] حتى لو كانوا صدقوني، حتى لو كانوا صدقوني..." ويقول يونسكو(9) : "لم يفهم النقاد الباريسيون، باستثناء البعض أمثال كانتر، لومارشان، غوتييه، شيئاً من هذه القصة رغم بساطتها العظيمة".‏

يجب الاحتراس من إرجاع مغزى المسرحية إلى الرغبة في الجدل والمناظرة فالملاحظة التي أبداها يونسكو يجب أن لا تؤخذ حرفياً؛ وإن العلاقات بين العالم و "ماوراء العالم" معقّدة جداً كما قلنا من قبل.‏

أدب:‏

"الماشي في الهواء" هي أيضاً مسرحية عن الأدب. يحدّد يونسكو فيها أن للإبداع معارضة دائمة. لا يستطيع الكاتب قبول العالم كما هو، وكما يسير، لا يستطيع قبول النظام القائم ولا قبول "معنى التاريخ". انتصار أية ايديولوجية يبرز ثغراتها، والجرأة الفكرية تكمن في الجهد المبذول لإعادة طرح قضية العالم وقضية الذات: "هل سأستطيع تجديد نفسي؟ مبدئياً نعم، مبدئياً نعم، إذ أنني لا أوافق على سير الأحداث".‏

لهذا السبب ليس للكاتب رسالة واضحة محدّدة، كما يقول بيرانجيه، إذ أن إيصال الرسالة يعني تكريس الوضع الراهن وإدانة الماضي والتهليل للحاضر، وهذه امتثالية تتقيد بالأعراف المقررة "فالمقاهي وإدارات التحرير تعج بمتأدبين متنورين أوجدوا حلولاً لكل مسألة.‏

إنهم يتبعون الموضة الدارجة. لا شيء أسهل من الرسالة الاوتوماتيكية..."‏

لايعرف الكاتب مسبقاً ماذا سيكشف: "آمل أن يكون ما وراء رسالتي الظاهرة شيء آخر، شيء لا أعرفه بعد، لكن ربما سينكشف... من تلقاء نفسه... في الخيال..."‏

الأدب إذن هو عدم رضى- "الحقيقة موجودة في نوع من العصاب" واستقصاء فيما وراء الظواهر. يتساءل بيرانجيه: "ما العمل لكي يكون الأدب استقصاء نافعاً؟" تجيب المسرحية إذ تضع البحث على مستوى الحلم وفوق الواقع. مرّة أخرى أيضاً يوحّد يونسكو في فنه ما بين النظرية والتطبيق.‏

" الملك يموت "‏

يبيّن كتاب "يوميات في فتات" مدى الإغراء الذي يمارسه الموت على يونسكو. ربما لم يكن الاشمئزاز سوى الوجه الآخر للافتتان. كان يونسكو قد كتب من قبل في مقالته عريان في عام 1934 nu en1934) كان آنذاك في الثانية والعشرين "إنني أخاف الموت. أخاف أن أموت ذلك لأنني أرغب، ولا شك، في الموت دون أن أدري. أنا خائف إذن من رغبتي في الموت". هل كتب يونسكو مسرحية "الملك يموت" في شهري تشرين الأول والثاني عام 1962 ليتخلّص من هذا الخوف؟ كتبت المسرحية بسرعة: "كتبتُ مسرحية "الملك يموت" خلال عشرين يوماً. كتبت أولاً خلال عشرة أيام متواصلة.‏

مرضتُ آنذاك وأصابني رعب هائل، وبعد عشرة أيام أخرى عاودني المرض ودام خمسة عشر يوماً. عدت إلى الكتابة، وخلال الأيام العشرة التالية أنجزت المسرحية" (10) . عُرضت المسرحية على مسرح الأليانس فرانسيز في 15 كانون الأول 1962 من إخراج جاك موكلير.‏

يبيّن الديكور صالة العرش "شبه مهدّمة، شبه غوطية". يعلن حارس يرتدي درعاً ويحمل حربة دخول الشخصيات: صاحب الجلالة الملك بيرانجيه الأول، صاحبة الجلالة الملكة مرغريت زوجة الملك الأولى، صاحبة الجلالة الملكة ماري زوجة الملك الثانية "الأولى في قلبه"، جولييت مديرة القصر وممرضة أصحاب الجلالة، وأخيراً العالم الكبير طبيب الملك الجرّاح عالم البكتريا الجلاّد العالم الفلكي في البلاط الملكي.‏

كل شيء يتداعى في مملكة بيرانجيه الأول. الأراضي تبور، الجبال تميد، الشمس تشرق متأخرة، أرض الوطن تتقلّص وتخلو من السكان: لم يبق فيها سوى ألف مواطن من العجزة. في قصر الملك جهاز التدفئة معطّل، والبقرة جف ضرعها، الغبار وخيوط العنكبوت تغزو المكان، وعلى الجدار ظهر "شرخ لا يرجى ترميمه" هذه العلامات لاتخدع، بيرانجيه الأول يجب أن يموت.‏

يظهر الملك، التاج مائل على رأسه، حافي القدمين، يئن من وجع الروماتيزم لكن لا يدرك حقيقة الموقف، لكي يشغل نفسه يقرّر الاهتمام بشؤون القصر والمملكة، لكن المهندس المعماري الرسمي توارى عن الأنظار، والوزراء انطلقوا إلى الصيد ليطعموا الشعب، ومدرسة الصنائع انهارت في هاوية. لم يعد الحارس يطيع إلاّ مرغريت، ماري فقدت صوابها. لقد قدّم الملك الدليل على عجزه فالزمن لا يعود أدراجه. علامات أخرى تنذره: لقد خارت قواه، وراح يترنّح في مشيته، و تاجه يتدحرج على الأرض، وصولجانه يسقط من يده... آنذاك يتمّرد ويثور، يعلن خوفه من الموت يبحث عن حجج وأعذار.‏

- الملك: مثلي مثل طالب يتقدّم للإمتحان دون أن ينجز وظائفه، دون أن يحضّر درسه...‏

- مرغريت: لا تقلق‏

- الملك: ... مثل ممثل لم يحفظ دوره عشية العرض الأول، فينسى وينسى وينسى. مثل خطيب يُدفع إلى المنصّة دفعاً ولا يعرف الكلمة الأولى من خطابه، ولا يعرف إلى من يتوجّه بالكلام، إنني لا أعرف هذا الجمهور ولا أريد معرفته، وليس عندي ما أقوله له. ياللحالة التي أنا فيها!‏

- الحارسمعلناً): الملك يلمّح إلى حالته!...‏

- مرغريت: ياللجهل!‏

- جولييت: إنه يودّ أن يتسكّع ويتنزّه خلال عدة قرون بدلاً من أن يذهب إلى المدرسة.‏

- الملك: كم أحب الإعادة.‏

- مرغريت: ستنجح في الامتحان، ليس هناك من يعيدون السنة.‏

يرفض الملك أن يموت ميتة كريمة فيطلب العون من شعبه، يئن، يبكي، يتظاهر أنه يعاني من كوابيس لكن جبنه يسيطر عليه. استبدل عرشه بكرسي المشلولين؛ وتاجه وصولجانه بسخّاتة صغيرة وغطاء، كان بوده أن يكون رضيعاً، طفلاً لكنه ليس مخادعاً: "يا للحسرة. لايمكن للمرء أن يغش!"‏

يمر بيرانجيه في آخر لحظات التمرد ثم يستسلم.. يتحدث عن الحياة كأنها ذكرى، يستمع إلى شكاوى الخادمة التي أثارت اهتمامه للمرة الأولى لأنه لم يعد ملكاً.‏

- الملك: حدثيني عن حياتك، كيف تعيشين؟‏

- جولييت: أعيش عيشة بائسة يا صاحب الجلالة.‏

- الملك: لا يمكن للمرء أن يعيش عيشة بائسة. هذا تناقض.‏

- جولييت: ليست الحياة جميلة.‏

- الملك: إنها الحياة.‏

جولييت والحارس يرويان ماضي الملك: لقد سرق النار من الآلهة، واخترع أول طائرة، واكتشف امريكا، ووضع مخططات برج ايفل، أخمد وأشعل البراكين، أوجد المحيطات، كتب الإلياذة والأوديسّة، شكسبير كان هو، كان يتمتع بجميع المزايا، والعيوب. تاريخه هو تاريخ البشرية، هو تاريخ الأرض، إنه إنسان، إنه إله: "إنه الملك".‏

شعور أخير يسيطر على بيرانجيه هو كراهية مرغريت، ثم يتداعى كل شيء ويزول. القصر يتهدم.. بيرانجيه لم يعد يتعرّف على المحيطين به، لم يعد يرى ولا يسمع ولا يحسّ. يتلاشى القصر، وتختفي ماري والحارس وجولييت والطبيب. يبقى بيرانجيه وحيداً مع مرغريت "الملكة التي تفعل كل شيء".‏

من الآن فصاعداً ستقود مرغريت بيرانجيه عبر المكان اللامتناهي. تحلّ خيوط الحياة المتشابكة، تفكّ آخر العُقد، تكتم الضجيج، تخنق الصدى الأصمّ الصادر عن ا لأحلام، تفتح قبضته المضمومة التي ما تزال تقبض على قليل من تراب، على مملكته كلها.. تقوده إلى عرش الأبدية والعدم؛ ثم تختفي. ملاك الموت ينجز عمله: "اصعدْ، اصعد، أعلى، أعلى أيضاً، اصعد، أعلى أيضاً، أعلى، أعلى... استدرْ نحوي، انظرْ إليّ، انظر من خلالي، انظر إلى هذه المرآة الخالية من أية صورة؛ ابقَ منتصباً... اعطني ساقيك، ساقك اليمنى، ساقك اليسرى... ناولني إصبعاً؛ ناولني إصبعين... ثلاثة... أربعة... خمسة... الأصابع العشرة. دعْ لي الذراع الأيمن، الذراع الأيسر، الصدر، الكتفين، البطن... كما ترى، لم تعد قادراً على الكلام وقلبك ما عاد بحاجة إلى الخفقان ولا داعي لأن تتنفس إنها حركة لا جدوى منها أبداً، أليس كذلك؟ تستطيع أن تحتل مكاناً".‏

فكـــرة ملحاحــــة‏

فكرة الموت فكرة متكررة باستمرار في مسرح يونسكو: القتل الذي يختم مسرحية "الدرس" وأحلام شوبير، والجثة في مسرحية "إميديه" والقتل المتكرر في مسرحية "قاتل بلا أجر". الكلمة الأخيرة التي يقولها بيرانجيه للصحفي في مسرحية "الماشي في الهواء": "أريد أن أشفى من الموت" لكن في مسرحية "الملك يموت" هذه الفكرة هي المسرحية كلها، المقصود هو الموت في شموليته، يقول يونسكو: "هذه المسرحية محاولة في تعلّم الموت"(11) .‏

ملك يموت. لقد فكّر يونسكو، ولا ريب، باولئك الملوك المخلوعين الذين يعيشون في ذاكرته: الملك لير، الملك ريتشارد الثاني. إن مصيرالملك يروي تاريخ البشر: "عندما مات ريتشارد الثاني، كان ذلك يعني موت كلّ عزيز عندي، بل أنا من مات مع ريتشارد الثاني. لقد جعلني أدرك جيداً الحقيقة الأزلية التي ننساها عبر الحكايات والتواريخ، تلك الحقيقة التي لا نفكر بها، الحقيقة البسيطة، المألوفة جداً، أنا أموت، أنت تموت، هو يموت"(12) . الملك لير أو الملك ريتشارد الثاني هما كلّ واحد منا، وكذلك بيرانجيه الأول. إن كان اختيار شخصية الملك نتيجة بحث جمالي، إلاّ أن له قيمة رمزية أيضاً. الأبهة الملكية، ديكور القرون الوسطى، لهما، بالتأكيد، طابع شعري راسخ، ويتمّ التذكير بـ "الدرس الرهيب" الذي يقدّمه موت الملوك إلى جميع الناس في كلّ الأزمان. كل إنسان يمتلك، عند ولادته العالم والمكان والزمان: الإنسان هو ملك. عندما يصل إلى عتبة الموت، ويفقد كل شيء يصبح ملكاً مخلوعاً.‏

من خلال الموضوع الذي تعالجه يتّضح أن مسرحية "الملك يموت"، هي بلا ريب، المسرحية الكلاسيكية الأولى ليونسكو. كتب جان جاك غوتييه بمناسبة عرضها: "نعم، إنني أعلن وأكرر: إنها مسرحية إنسانية، غنية، جيّدة البناء، والتأليف، تمتاز بشاعرية كبيرة.. إنها مسرحية موجعة ومضحكة أيضاً، إنها مأساة ملهاة على الطريقة الشكسبيرية"(13) .‏

شـــــــعائر المـــــوت‏

تصف المسرحية فترة الإحتضار أو بالأصحّ مراحل التنازل والاستسلام إذ أن الاحتضار هو معركة ضد الموت، أما في المسرحية فليس هناك من صراع بل قبول بالقدر. يجب أن يموت بيرانجيه، وعلامات الموت لاتخدع. موته، إذن، ليس مأساوياً؛ لكنه محزن. موت الملك تمثيلية جميع مراحلها معروفة مسبقاً وتلتزم بالزمن المحدد: "هذا التراجع وهذا اللفّ والدوران... كان ذلك متوقعاً، وهو جزء من البرنامج" كما قالت مرغريت.. كانت المسرحية تحمل في الأصل عنوان "الاحتفال" أو "الشعائر".‏

لا تنقسم المسرحية إلى فصول بل هي حركة متطورة متناغمة مع المراحل المتتالية من القلق إلى التمرّد إلى الخضوع. تستغرق هذه "الشعائر" ساعتين، ولكي يؤكد هذه الاستمرارية فإن روبير بوستيك الذي قدّم المسرحية في بروكسل تخيّل استراحة غير متوقعة: تأبط الحارس حربته وأوقف الممثلين وهم يؤدون أدوارهم. اجتاز المنصّة وأعلن للجمهور: "سيداتي، سادتي، استراحة ربع ساعة" وبعد الاستراحة، ارتفعت الستارة عن الممثلين وهم جامدون في مواقفهم وحركاتهم التي كان الحارس قد أوقفهم فيها.‏

يشكّل هذا التطوّر قضية سيكولوجية دقيقة. قبل وصول الملك، كانت الشخصيات الأخرى تحدّد علامات الموت وتستعدّ لتأدية "الشعائر" .‏

كان بيرانجيه في البداية أعمى وأصمّ. إنه يتهكّم، ثم ترافقت عودة الوعي بالغضب والتمرّد، ثم صار اليأس المرحلة الأولى من الإذعان، ويشير الحنين إلى بدء مرحلة الصفاء والصحوة: آنذاك صار الحديث عن الحياة بصيغة الماضي، وأخيراً حلّ النسيان، والدخول إلى عالم الموت.‏

صوّر يونسكو الإحساس بالموت من خلال انقلاب حادّ في المنظور ولم يصوّر مشهد الموت؛ فهو لم يقدّم لنا الملك الذي ينهار بل العالم الذي يختفي. لقد تلاشى كل شيء عندما انطفأ الإحساس عند بيرانجيه: "أما زال يتنفس؟ سألت مرغريت: نعم ياصاحبة الجلالة، أجابت جولييت، إنه مازال يتنفس، بما أننا هنا". موت الإنسان، هو قبل كل شيء موت العالم بالنسبة للإنسان.‏

الشخصيات: مملكة.‏

يفسّر بناء المسرحية الشخصيات إذ أن لها قيمة مزدوجة: قيمة الفكرة وقيمة الوظيفة.‏

تمثّل الشخصيات العالم: إنهم مملكة بيرانجيه، كما أنهم حياته الصميمية أيضاً، يصوّر الحارس الحفلات الرسمية في البلاط الملكي، كما أنه المتحدث الرسمي الذي يثير الضحك، وهو أداة السلطة، يعلن الحرب عند الحاجة. جولييت هي ربّة البيت وسيدة البلاط والممرضة، وفي نهاية المسرحية تصبح جوقة الناس البسطاء، تجسّد حكمة الخضوع والاستسلام. "تنازل إذن، بما أن الواجب يحتم ذلك" والوفاء الحزين للملك العجوز، الطبيب - الجلاد- الفلكي يجسّد الغرور والخداع والوقاحة والتعطش للأمجاد. إنه أقوى من الملك لأنه يتمتع بالقوة السحرية دون أن تقع عليه أية مسؤولية.‏

تمثّل الملكتان حياة الملك الخاصة، فماري تجسّد الحب كله، وسحر الحياة، والفرح الذي لا يفكّر في البعيد، وفشل الأوهام؛ أما مرغريت فهي الحكمة والعقل والنظام: زوجة شرعية وأم قاسية، مكروهة بصمت، وصية تفرض عليه على الملك، واجبه، وعلى العموم تصّور الملكتان وجهي الحياة الإنسانية: الضرورات الاجتماعية و "الحب المجنون".‏

إضافة إلى هذه القيمة الفكرية فإن للشخصيات مهمّة تؤديها ألا وهي دورها في تنفيذ تلك "الشعائر". عليها أن تعلّم الملك، أن تقوده، أن تساعده. إنها موقف أمام الموت، أمّا بيرانجيه فيرى فيها "الآخرون"؛ أولئك الذين لا يموتون. الحارس مشاهد لا مبال. جولييت بسبب تعاطفها وصبرها، تساعد الملك على الخضوع، وتعرض له صور اندهاشه الأخيرة أمام الحياة، ماري هي العجز. أمّا الطبيب فقد اكتشف في هذا الموت أنه غير قادر على منعه أو الإسراع فيه. مرغريت تأمر بالبدء في تنفيذ الشعائر وتديرها حتى نهايتها.‏

الشخصيات كلها لا وجود لها إذن إلاّ من خلال دورها مع بيرانجيه. ليس لها مصير شخصي، تختفي عندما لا يعود الملك يراها لكنها ستظهر من جديد بعد وفاته. بيرانجيه -تارة يدعو للشفقة وتارة للسخرية، ضعيف وجبان، مضحك وكريه، أناني وظالم، لكنه قادر على استعادة الصحو والوعي- بيرانجيه هذا عقدة من الرغبات والمخاوف، من الحسرات والآمال. إنه إنسان.‏

كتابــــــة منظمّـــــة.‏

لانجد في مسرحية "الملك يموت" تدميراً للغة ولا استخداماً آلياً لها، كما لا نجد كلاماً خيالياً غير مألوف. الفكرة ليست حلماً، والكتابة ليست "آلية" أبداً. إنها كتابة دقيقة متأنّية "كلاسيكية" كما قيل.‏

في حوار مألوف بشكل عام، تحتل فيه الكلمات الواضحة حيّزاً كبيراً، يتدفّق الشعر من استحضار مشاهد يومية يعبّر عنها بمفردات شائعة: "ماأروع ذلك. تفتحين محفظتك، تدفعين الثمن، يردون لك الباقي، تجدين في السوق أغذية من مختلف الألوان، نباتات خضراء، كرزاً أحمر، عنباً ذهبيّاً، باذنجاناً بنفسجياً... كل ألوان قوس قزح!... أمر خارق لا يصدّقه العقل، إنها حكاية من حكايات الجن".‏

الشعر هنا اندهاش، وفي موضع آخر سحر. تؤلف الشخصيات جوقة وتأخذ اللغة شكل الصلاة.‏

- جولييت: أنت أيتها الذكريات...‏

- الحارس: أنت أيتها الصور القديمة...‏

- جولييت: يا من لم يعد لك وجود إلاّ في الذاكرة...‏

- الحارس: ذكريات ذكريات الذكريات [...] نحن نستدعيك.‏

- ماري: أنت أيها الضباب، ابق أيها الندى.‏

- جولييت: أنت أيها الدخان، أنت أيتها الغيوم...‏

- ماري: أيتها القدّيسات، أيتها الحكيمات، أيتها المجنونات، هيّا إلى مساعدته لأنني لا أستطيع مساعدته.‏

- جولييت: ساعدنه‏

- الملك: أنتم يامن فارقتم الحياة في سرور، يا من نظرتم إلى الموت مواجهة، يامن شهدتم نهايتكم الخاصة...‏

- جولييت: ساعدوا الملك.‏

- ماري: ساعدوه جميعاً، ساعدوه، أتوسّل إليكم...‏

على نقيض ذلك، تتفجر الشتائم بكلمات سوقية، مخالفة لتعاقب الأحداث، كلمات من بيئة القرون الوسطى. تتفجر الأيام الجميلة، انتهت الولائم العامرة، انتهت حفلات التعرّي؛ انتهى كل شيء!" لقد وجدت سطوة مرغريت تعابير مقتضبة: "لاتنوحي. أكرر لك ذلك، أنصحك به وآمرك به".‏

سخرية "الشعائر" والتهكم بالحياة والموت، ثمّ التعبير عنهما من خلال التلاعب بالألفاظ، يكرر الحارس كلمات الملك المؤثرة بصداها المضحك:‏

- أنت تموت لشأن يتعلّق بالدولة.‏

- لكن الدولة هي أنا [...]‏

- الملك: إنني أموت فليمتْ كل شيء، كلاّ، ليبقَ كل شيء، كلا، ليمت كل شيء ما دام موتي لا يستطيع أن يملأ الأكوان! ليمت كل شيء، كلا، ليبق كل شيء.‏

- الحارس: يريد صاحب الجلالة الملك أن يبقى كل الباقي.‏

- الملك: كلا، ليمت كل شيء.‏

- الحارس: يريد صاحب الجلالة الملك أن يموت كل شيء.‏

أخيراً، إن إعادة تمثيل المسرحية، تأخذ بالحسبان أحياناً، الزمن المخصص للعرض من أجل أداء إبداعي. "ستموت بعد ساعة ونصف. ستموت عند نهاية العرض". يحطّم هذا التراكب في الأزمنة وهم مشابهة الحقيقة لكنه يضفي على موت الملك طابعاً حتمياً لا مفرّ منه، لأن الحدث المعروض، وهو الاحتضار، يخضع لضغط زمن حقيقي، هو مدة المشهد.‏

بحــــث انطولوجـــي.‏

مسرحية "الملك يموت" هي تأملات حول الوضع الإنساني. سيطرة فكرة الموت على الإنسان هي نسيج المسرحية، وهذه المشاهد المتتابعة تعبّر عن جميع مراحل وداع الحياة: نسيان الذكريات، فقدان الأحاسيس، إنه للإقتلاع، إنها النهاية. لقد تساءل يونسكو عن "الانتقال" عن "الامتحان الذي لا يرسب فيه أحد".‏

لكن خوف بيرانجيه ما هو سوى الخوف من وداع العالم. لم يتساءل، ولم تتساءل الشخصيات الأخرى عمّا بعد الموت. لم تقل مرغريت لماذا يموت الإنسان بل كيف يموت. يطلب الحارس "العدم العظيم" عند انتهاء "الشعائر"، وبعد أن تمّ العبور أصبح كل شيء صمتاً، فراغاً، غسقاً.‏

ولا يتضمن هذا البحث الانطولوجي أية أفكار لا هوتية. يونسكو أكثر من فيلسوف وأكثر من مؤمن وها هو يكتب كتابة الشاعر المندهش، المدرك لألوان العالم، ولمذاق الحياة.‏

هل وجد يونسكو ما يبحث عنه عندما كتب هذه المسرحية؟ لقد اعترف لكلود بونغوا أنه كان يريد أن يتخلّص من قلق يعشعش فيه منذ الطفولة.‏

لكن تحليل الظاهرة لم يؤد دور التعويذة التي تنقذه وها هو يتساءل مرة أخرى عن جدوى الأدب(14) . لقد أعلن بيرانجيه ذلك إلى المحيطين به: كلمات الألم والموت لم تسعفه إلاّ في تركيب عدّة جمل: "إنني أموت، هل تسمعون، أريد أن أقول إنني أموت، ولا أستطيع قوله، إنني لا أفعل شيئاً آخر غير الأدب.‏

"العطش والجوع"‏

تصوير الزهد في الحياة والتعبير عن كيفية التخلّي عنها: هاتان الفكرتان الواردتان في مسرحية "الملك يموت" تطرحان جميع التساؤلات عن مغزى الحياة.‏

وعن الوضع الإنساني إجمالاً، وفي محاولة للإجابة على تلك التساؤلات كتب يونسكو مسرحية "العطش والجوع" عام 1964. عُرضت المسرحية لأول مرّة في دوسلدورف في الأول من شباط 1965 من إخراج ك. هـ. ستروكس، أمّا في فرنسا فقد عُرضت على مسرح الكوميدي فرانسيز في 28 شباط 1966 من إخراج جان ماري سيّرو، وقام بالأدوار الأساسية فيها: روبير هيرش جان) كلود وينتر ماري مادلين) ميشيل ايتستيغرّي الأخ تاراباس). قال المؤلف للناقد ف. شاتيّون: "سُئلت إن كان تقديم المسرحية على مسرح الكوميدي فرانسيز يشكل منعطفاً في مؤلفاتي ونشاطي. فيما يخصّني ليس هناك ثمّة منعطف، المسألة فقط مسألة توسيع وتكبير، فمن المعروف أن صالة التياتر فرانسيه أكبر باثنتي عشرة مرة من صالة لا هوشيت. إن كان هناك من منعطف فإنه يتعلّق بالكوميدي فرانسيز التي اختارت نصاً ومخرجين لم تطالبهم بتغيير أسلوبهم". رغم هذا التصريح فإن مسرحية "العطش والجوع" تشكل تطوراً في أسلوب يونسكو مثلما تشكّل منعطفاً بالنسبة "للدار رفيعة الشأن".‏

لاتنقسم المسرحية إلى فصول بل إلى "حلقات ثلاث" ثلاث أحلام منفصلة: "الهروب" "الموعد" "القدّاس الأسود في المنزل المريح".‏

مارتا، التي نراها في المهد عند بداية المسرحية، تظهر عند نهايتها وقد بلغت السادسة عشرة، لكن هذه الإشارة خادعة فالمسرحية تتحدد خارج حدود الزمن، وتجري أحداثها في ديمومة من عالم الأحلام.‏

عند رفع الستارة، نرى جان وماري- مادلين وقد عادا إلى شقتهما القديمة، شقة كما نرى في الكوابيس، معتمة، باردة، جدرانها مغطاة بالزواحف والعفن "غارقة حتى نصفها في الماء والوحل". يفكر جان بالهرب أمّا ماري مادلين فسعيدة لأنها تجد هنا الماضي كله: الأثاث العتيق، ورق الجدران الباهت، الجيران القدامى، الأصدقاء القدامى، العواطف الثابتة، ألبوم صور الناس "منذ ألف عام"، ذكريات من جميع الأزمنة. هذا الماضي الذي يتجذّر الحاضر فيه، السعادة في متناول اليد، المهد الذي تغفو مارتا فيه، ذلك يكفيها، ولا تحلم أحلاماً أخرى: "سنضع قفلاً جديداً للباب، قفلاً له مفتاح ضخم، يغلق جيداً، وندعمه بمرتاج، فنكون في مأمن من اللصوص والمصائب".‏

يتغذّى جان من الأمل، إنه ظمآن لما سينبجس عن قريب، جائع لما يفتقده: كل التوقعات، كل الأضرار.‏

فجأة تدخل العمة اديلاييد وتجلس على الأريكة العتيقة، سيدة ضخمة، متشرّدة، تتشح بخمار طويل، تضع قبة ريش، تتزين بمجوهرات مزيفة. راحت تتكلم، تخرّف، تهذي. إنها مجنونة أو على الأصح "كانت" مجنونة إذ أنها توفيت منذ زمن بعيد لكن ذكراها وطيفها يؤججان الندم وعذاب الضمير.‏

أشعلت ماري مادلين النار في المدفأة. تظهر في ألسنة اللهب امرأة تحترق وتستغيث وهي تمدّ ذراعيها. ذكرى أخرى وندم آخر. لم يجد جان في نفسه الشجاعة ليلقي بنفسه في النار وينقذ المرأة؛ وأمام الشعور بالذنب والذكريات المؤلمة تنصح ماري -مادلين جان بالقبول والخضوع والاستقرار في الشقة.‏

في مونولوجين متقاطعين -لأن الحوار بينهما ينقطع تدريجياً- تتحدث ماري-مادلين عن السعادة التي تعيشها في الزمن الحاضر وعن حلاوة العادات ثم تردد الحب- اليقين: "أحبك، تحبني، نحبها، نحب بعضنا حباً جماً. ستكون معنا دائماً؛ حتى لو سافرت إلى الطرف الآخر من العالم، حتى لو تصور ت أنك وحيد، فأنا معك، وسأكون معك..." يتحدث جان عن التمرد والهرب، عن الجري إلى طرف العالم، يتحدث عن تسلّق القمم وعن البلاد التي لا يموت فيها الناس: "لا أريد أن أكون مثلهم، لن أغوص مثل الآخرين، لن استسلم. مصيري ليس مصيرهم؛ ووجودي في مكان غير هذا المكان".‏

تنتهي هذه الحلقة بلعبة الاستخفاء، يختفي جان ثم يظهر من جديد وراء الأثاث وفي الكواليس. تشعر ماري- مادلين بالقلق ثم بالذعر فتترنم ببعض التعاويذ والسحر: "من قلبك، من قلبك، لن تستطيع انتزاع الحب، لن تستطيع انتزاع الحب من قلبك، الحب من قلبك لن تستطيع انتزاعه، لن تستطيع انتزاعه، لن تستطيع انتزاعه...". يعود جان على أطراف أصابعه وينتزع من قلبه وردة الحب، وردة النسرين، ويمسح قطرات الدم التي تحولت إلى لآليء، ويبتعد ويخفت صوته ويتلاشى. تركع ماري-مادلين قرب مهد طفلتها. آنذاك يتلاشى الجدار وتظهر حديقة رائعة ينتصب فيها سُلّم فضي يضيع طرفه الأعلى في عنان السماء.‏

يتمّ "الموعد" على شرفة معلّقة في الفراغ. لقد سار جان قروناً عبر بلاد رطبة، في مستنقعات، تحت المطر.. لقد جاء من قبل إلى هذه الشرفة وعرف فيها الفرح والسعادة؛ وها هو يعود من جديد محمولاً على جناح الفرح نفسه. تهجم عليه كل ذكريات السعادة فيشرح ذلك إلى حارسيّ المتحف الموجودين معه.‏

سيبدأ كل شيء عمّا قريب، سيبدأ كل شيء من جديد. إنه ينتظر المرأة التي واعدته، المرأة التي ستعود إليه بعد أن قطعت، هي الأخرى، الروابط التي تشدّها إلى الماضي. هو لا يعرف اسمها وليس واثقاً من مكان الموعد ومن زمانه؛ لكنه يعرف أن عليه أن يلتقي معها لأنها المسكن واللقاء. ستعلّمه الفرح ومتعة الحياة، ستعيد له الزمن الضائع وسوف يتابعان الطريق معاً.‏

تمرّ الساعات.. الوقت ظهراً، الساعة الواحدة، لقد انقضت فترة ما بعد الظهر وها هو الغسق يغطي صفاء السماء. يتذكر جان الألم القديم ويشعر أن جراحه تنزف من جديد: "اوه، أيها الحارسان، كنت أسكن مرتاحاً في اللامريح. اسمعا ماحدث لي. أردت الهروب من الشيخوخة، أردت الهروب من التورّط، وها أنذا أبحث عن الحياة، أبحث عن الفرح. لقد سعيت إلى تحقيق أحلامي فما وجدت سوى العذاب. كنت مخيّراً بين راحة البال وبين الهوى، فواحسرتاه، لقد اخترت الهوى. لم أكن مدركاً لما أفعل، مع ذلك كنت آمناً، متحصناً في حزني وحنيني وخوفي وندمي وقلقي ومسؤوليتي. الخوف من الموت كان درعي الأقوى. لقد كنت في أمان. كان ذلك كله بمثابة جدران تحيط بي؛ وها أنذا مُعرّض للجراح. انهارت الجدران وها أنذا في نار الحياة الحامية؛ في يأس الضيق. أردت الحياة فانقضّت عليّ الحياة بكل قوتها".‏

بعد أن عانى من "العطش والجوع" يعود إلى بحثه من جديد. ينطلق على الطرقات لغزو العالم لكنه يجد الطرقات ولا يجد العالم، يمضي إلى اللقاء باحثاً عن النهارات والأماسي والليالي، عن أنوار وأَلَقَ تاجه.‏

تجري أحداث الحلقة الثالثة "القدّاس الأسود في النزل المريح" في قاعة الطعام في نزل أو دير؛ قصر قديم هو أيضاً مدرسة أو مستشفى، لكن القضبان الكبيرة عند المدخل تذكّر بالسجن، جدرانه سميكة كجدران القبر.‏

وصل جان تعباً، قد شاخ. طلب السماح له أن يستريح، استقبله راهب يرتدي جبّة لكنه لا يحمل أية علامة دينية، إنه الأخ تارا باس "المكلّف بأمور الزوار"، يرافقه ثلاثة رهبان آخرين يثيرون الشكوك، يقرؤون سلوكهم وأجوبتهم على وجه راهب آخر، أخرس جامد، كبير بشكل غير طبيعي، إنه "الأخ الرئيس".‏

غسل الرهبان قدمي جان ووضعوا المناشف الدافئة على وجهه وقدّموا له خمراً وخبزاً ليروي ظمأه ويسكت جوعه. شكرهم جان لكنه تساءل في نفسه وهو قلق قليلاً إن كان سيستطيع تسديد الثمن. قال الأخ تارا باس: "لا تشغل فكرك في ذلك، إنه لن يكلّف كثيراً [...] ومع ذلك يسعدنا لو تخصص لنا قليلاً من وقتك الآن". لقد دفع جان ثمن ذلك حياته إلى الأبد.‏

طلب الرهبان بعد ئذ من جان أن يروي مغامراته، لم ترضِ حكايته طموحات الإخوة الذين راحوا يسجّلون بعض الملاحظات. وجد الأخ عالم النفس أجوبة جان متوسطة المستوى "بل دون المتوسط" .‏

قرأ الأخ تارا باس علامات عدم الرضى على وجه الأخ الأعظم فغيّر "اختباراته" وتحوّل المشهد إلى تحقيق "نفسي بوليسي" وراح جان الخائف المضطرب يفتش في ضباب ذاكرته عن صور منسيّة دون أن يدري أي "ثمن" يعطيها أولئك الذين يستمعون إليه ويحاكمونه.‏

انتهى الاستجواب. شكر تاراباس جان وقال له: "لقد سجّل الأخوة ملاحظات عمّا قلت وأعطوك علامة على ذلك" ثم اقترح عليه مشهداً تربوياً، إنه "تمثيلية التربية بواسطة إعادة التربية". إنه مشهد "إزالة التسمم الفكري والتخلّص من الاستلاب"."تخيّل أن بيننا رجلين قاسيا من بعض الصدمات التربوية، أو من عملية بناء تشويهية بصورة تدريجية، إذا جاز لي استخدام هذا التعبير. أمّا وقد وصلا إلى المكان الذي هما فيه، فعليهما أن يسافرا من جديد لكن في الاتجاه المعاكس. يجب على كلّ منهما أن يتعلّم المعنى المضاد، هذا، بكل وضوح، عملية "غسل دماغ".‏

يتمّ إحضار مهرجين في قفصين هما تريب المؤمن بالله وبريختول الكافر الملحد. يقوم تاراباس بدور الأخ المربّي.. ينقسم الرهبان إلى قسمين؛ رهبان في مسوح سوداء ورهبان في مسوح حمراء. إنهم جمهوران يتظاهران كلّ حسب الإيديولوجية التي يؤمن بها. يتمّ إحضار قدْر من الحساء وبعد يومين يتمّ "التخلّص من الاستلاب" ويتبادل المهرجان عقائدهما: تريب يكفر وبريختول يردد الصلاة جاثياً. مشهد لا يغتفر للارتداد عن العقيدة. الحقائق تزول، الايديولوجيات تنهزم أمام الجوع، وكل قيمة تتلاشى. يضيف الأخوة الباقون ساديتهم الشخصية إلى قسوة تاراباس: يمدّون المغارف ويعيدونها، يتظاهرون بالصمم، يلحّون على إنكار فكرة محدّدة. أمام هذه المهزلة البغيضة، ينتقل جان، وهو الشاهد المشارك فيها، من الضحك إلى الخوف. ينتهي المشهد فيقترح تاراباس على جان أن يعرض عليه البقية إذ أن ما رآه هو الحلقة الأولى من مسلسل من ثلاثين حلقة: "... في الحلقة التالية، كما أعلنتْ الشخصية التي قمتُ بتمثيل دورها، سيتمّ علاج الرجلين من التسمم بالحرية، كما يتمّ فضح، واعذرني لاستخدام هذه الكلمة المبتذلة، نعم يتم فضح فكرة إطلاق سراح المساجين، بل يتم فضح الحرية نفسها..."‏

أراد جان أن يتابع سفره. عطشه وجوعه لم يرتويا. مازال يحنّ إلى "انبهار لا يوصف"، يحلم بمتابعة بحثه لكن الأخ تاراباس يذكّره أن الناس يتبادلون الواجبات، إنهم "أخوة" يتبادلون الخدمات، يجب على جان -وقد أصبح الأخ جان- أن يفي دينه:"يجب أن تفعل شيئاً فلا أحد مُعفى من الخدمة الاجتماعية. لا تقلق، سنقرّر بدلاً عنك. مادام الجميع يأكلون ويشربون، ومادمنا لانفعل شيئاً سوى ذلك، من السهل أن نجد لك عملاً، نرجوك أن تقوم بتقديم الطعام إلى هؤلاء الأخوة الجالسين حول المائدة..."‏

كم من الوقت سيستغرق تقديم الطعام؟ سألهم جان كم ثانية، كم دقيقة، كم ساعة...؟ لمعرفة ذلك راح الأخ المحاسب يكتب أرقاماً على سبّورة سوداء. راح يرصف الأرقام التي تحدّد زمناً جهنمياً. بدأ جان بإحضار أطباق الطعام والأباريق، بإيقاع متسارع، إلى طاولة الإخوة. آنذاك، وفي الناحية الأخرى من قضبان بوابة النزل، ماري-مادلين وقد عادت شابة، ومارتا الصبيّة الحلوة، تظهران في جنات عدن، حيث يلمع السلّم الفضي وقد أنقذهما الحب.‏

نســــــيج مـركّـــــب.‏

تمزج المسرحية " العطش والجوع" طبقات الوعي: التجربة النهارية، التأملات، الهلوسات، الحلم، تتداخل فيما بينها. حلم البيت الذي يغرق، ذكريات القبو المعتم الذي ماتت فيه والدة يونسكو، صورة إحدى خالاته، منظر المرأة وسط ألسنة اللهب. بدلاً من أن يجمع هذه العناصر على مستوى واحد من الوعي، فإن يونسكو يبرز الطبقات المختلفة.‏

يعرض يونسكو العودة إلى البيت القديم وكأنها كابوس ممتدّ بفعل التجربة النهارية: "هذا هو كابوسي. كابوس منذ زمن بعيد، منذ أن كنت طفلاً صغيراً. يحدث كثيراً أن أستيقظ صباحاً فأشعر بغصّة في حلقي، بعد أن أكون حلمت بهذه المساكن المخيفة الغارقة حتى منتصفها في الماء، ونصفها الآخر يكسوه التراب، المملوءة بالوحل!"، أما المشهد الذي تظهر فيه العمة اديلاييد فهو حلم داخل الحلم، حضورها غير مادي كما أن جان يلاحظ أن الدم الذي يسيل من جراحها لا يشبه الدم العادي أبداً. في الحلقة الثانية، المرأة التي ينتظرها جان لا وجود لها إلاّ بالنسبة له، وفيه. إنها غياب حاضر. وفي الحلقة الثالثة، يمثّل تطور الحدث انتقالاً من الحلم الجميل إلى الكابوس: استقبال الأخ جان يلفّه الغموض، ويتحوّل حب الفضول عنده إلى تحقيق، كما تتحوّل ملهاة المهرجين إلى تمثيلية سادية وينتهي الحوار إلى تكرار آلي وكأنه حلم مكبوت.‏

هذا النسيج الذي يشدّ الواقعي إلى غير الواقعي يلغي فكرة الزمن: تستغرق رحلة جان ستة عشر عاماً، بل عدة قرون، كما أن خدمته في النزل المريح تستمر إلى الأبد أو عدة ثوان فقط. ليست الحلقات الثلاث فصولاً متتابعة في الزمن، كما أن المنطق الذي تتمّ على أساسه ليس تسلسل الأحداث تاريخياً. تنتظم الصور مثل مجرّة في الفضاء، كما أن الذكريات "التي حدثت منذ ألف عام" والآمال البعيدة جداً تتحد وتتجمّع في الحاضر، وهذه الصور الأكثر تطوراً، أو الأكثر ترابطاً مما رأينا في "ضحايا الواجب" و "اميديه" هي أكثر غنى أيضاً بالمعاني والدلالات.‏

الحب وصعوبات الوجود‏

في مسرحية "العطش والجوع" قطبان يتحكّمان بالحقل المغناطيسي للصور: الحب وصعوبة الحياة.‏

تطرح الحلقة الأولى قضية الحب بين الرجل والمرأة، ترى ماري- مادلين الحب على أنه ارتباط بالماضي. تقود جان إلى بيت الذكريات، تفتح ألبوم الصور ويكفي وجود جان ومارتا لتتحقق سعادتها: إنه حب مغلق، قائم على الإمتلاك. تريد أن تكون النور الأوحد والحرارة الوحيدة في بيت لا هاتف فيه، ولا يمر ساعي البريد عليه أبداً. إنه حب مصبوغ بعاطفة الأمومة بمقدار ماهو مصبوغ بالعاطفة الزوجية(15) .‏

لكن جان يرى في هذا الحب قبراً، لن يقدر أن ينسى العالم: "إنكما تحتلان مكاناً كبيراً في قلبي) لكن الكون أكبر وما ينقصني أكبر بكثير". لكن هذا الحلم في المطلق يحرمه من تذوّق السعادة الراهنة. عندما سافر جان تخلّى من أجل الأبدية عن ماري- مادلين ومارتا، والبوابة التي تفصله عنهما أُغلقت إلى الأبد.‏

تعالج المسرحية موضوعاً آخر مرتبطاً بالحب هو الإحساس بالعالم. يذكر جان جميع أشكال وأسباب صعوبة الحياة: يذكر منها الفشل، ورفض اليقين الهزيل والرضى المحدود؛ يصف القبح، ويتحدث خلال مشهدي الهلوسة في الحلقة الأولى) عن وطأة الندم، يجب أن يعوّض الهرب عن عدم رضاه، أن يخلّصه من شعوره بالذنب، وفي الحقيقة، تحت هذين الإحساسين يختبئ تسلط فكرة الموت: "يلزمني) بلاد تحرّم قوانينها الموت. عندما يدخل المرء إلى هذه البلاد يُطلب منه أن يوقّع على تعهّد بأن لا يموت".‏

مع ذلك ليس الموت المادي هو الشر الأوحد، العقل مهدّد أيضاً..في مشهد المهرجين لا يقل التنكرَّ للمبدأ ألماً عن ألم الجوع.. تولد الوحشية من إذلال الآخرين، فالعار الذي لحق بتريب وبريختول(16) يرتّد إلى جان والأخوة وسائر المشاهدين. إن تسطيح القيم شكل من أشكال السقوط.‏

لايستحضر جان الإحساس بالكمال والإفتتان والنشوة إلاّ على أنها حالة غير واقعية، ذكرى مفعمة بالحنين، أو أمل لا يُطال. الفرح والنور مثلهما مثل الحب المجنون، يصوران الفردوس المفقود.‏

تقنيــــة طيّعــــــة.‏

شخصيات مسرحية "العطش والجوع" من تلك الشخصيات التي تظهر في الأحلام: ماهي إلاّ انعكاس إحساس الحالم. سمة واحدة تحدّد كلاً منها، تصوّر تلك الشخصيات رغبة ما أو عقبة محدّدة. تخلق حول جان جوّاً من الصراع، ولا وجود لها إلاّ لتيسّر له تحقيق قدره كما يراه في الحلم.‏

ماري -مادلين هي التورّط والإنزلاق الذي ينتزع جان نفسه منه، أمّا حارسا المتحف-السجن فهما الجمود الذي يقابل التجوال. يؤدي تريب وبريختول لعبة الإنكار التي تتحوّل إلى استسلام جان. يفضح الأخ تاراباس، المحقق الجلاد والمحلل النفساني، الأفكار الدفينة التي يؤمن بها جان.‏

يمثّل الأسلوب المتطور عودة إلى التقاليد "الأدبية"، عودة إلى كتابة دقيقة ومحكمة. في الحقيقة، تخضع اللغة إلى تراكيب فكر الأحلام، لكن الصور، من حيث الشكل والمضمون، صور معقّدة غنيّة جداً بالمعاني، أكثر مما هي نقل مباشر للحلم، كما رأينا في مسرحيتي "ضحايا الواجب" و "اميديه".. المفردات والإستعارات، وبناء الجملة تضاعف المفاهيم وتخلق تعابير شعرية: "من ظلال الماضي، اصنعْ ليلاً مريحاً، الحاضر شمس إذا أردت، والمستقبل سماء لا زوردية[...] اجعلْ من الفشل استراحة واسترخاء، ومنذ الصباح، تمنّى المساء الذي ينشر السكينة: سوف يأتي.. في الليل، احلمْ بمهرجان الفجر..."؛ "عينان من ضباب... نظرة عميقة ضاحكة جاهزة غائبة، لونها بلون الأحلام، نظرة لطيفة مثل مياه نهر فاتر في عزّ الصيف...".‏

تترجم اللغة جميع أشكال الحلم عند جان. لغة شعرية عندما تعبّر عن الرعب والجمال، مفككة عندما يستعصي الحلم على اتخاذ الأشكال المتعارف عليها. نجد، آنذاك، كما وجدنا في حكاية شوبير، مختلف مظاهر العبث: التعداد الفوضوي الذي لا نهاية له، وتجميعات إيحائية مجازية أو صوتية: "رأيت أعمدة من الخشب، أعمدة ملهى ليلي، نعم، أعمدة كنيسة، أعمدة بيوت، أعمدة أعمدة...." عندما يجمد الحلم في نهاية المسرحية تتخلّع اللغة في إلقاء رتيب لأرقام يرددها الأخ المحاسب وترددها خلفه جوقة الرهبان: "... واحد، سبعة، ثلاثة، ستة، تسعة، ثمانية، واحد، سبعة، ثلاثة، ستة، تسعة، ثمانية، واحد..."‏

مع ذلك، نشعر ببعض ملامح الفكر الواعي في سخرية بعض المقاطع: يهاجم يونسكو الإيديولوجيات ويستهزيء بها من خلال الإفراط في استخدام اصطلاحاتها: الإستلاب، التقويم، الصدمة النفسية، قابلية التعب، التشكّل التدريجي المشوّه...‏

الديكور والإخراج يوحيان أيضاً بعالم الحلم: تتميّز الحلقة الأولى بالهلوسات، كظهور العمة اديلاييد، والمرأة في ألسنة اللهب.‏

أمّا ديكور الحلقة الثانية فإنه غير واقعي، وفي الحلقة الثالثة غامض وملتبس؛ فلا يدري المشاهد حقيقة النزل، هل هو دير أم سجن أم مشفى أم مدرسة... تعبّر الأنوار والظلال عن الخوف من الغوص وعن غبطة اليقين.. المشاهد التي يشارك فيها جان تبدّل شخصيته، ففي نهاية الحلقة الأولى، يذوب في الأشياء، وفي الحلقة الثالثة يكون الخبز والخمر، عندما يقول للأخ تاراباس، دون أن يتوقّف عن تناول الطعام: "إنني أعاني من فراغات في الذاكرة منذ زمن بعيد" وفي المشهد الأخير تكون الحركة الآلية كافية لفرض صورة الكابوس.‏

(1) تخيّل يونسكو هذه المسرحية انطلاقاً من حلم راوده دائماً.‏

(2) أكمل يونسكو السلسلة وكتب اسكتشات لم تنشر بعد لكنها عُرضت في أغلب الأحيان: "عند أسفل الجدار" "زيارة المستشفى" "المستقبل" "وكالة السفر" "صدمات" "درس اللغة الفرنسية للأمريكيين وهو لعب على القوالب والتشويهات اللفظية.‏

"قصة لصوص" تعالج طريقة استدلال لا جدوى منها. "ايديدوان" "فكرة تافهة" "شجرة جوز الهند المحترقة" عبارة عن صور شعرية واستشهادات أدبية . "عند الطبيب" تعدّد أنوعاً غريبة من الأمراض: المرضى الذين يرون كل شيء أحمر، المرضى الذين يتألمون من شعرهم، المرضى الذين يقسمون شعرهم أربعة أقسام، المرضى الذين تنمو سيقانهم من عند الرقبة، المرضى الذين ينمو الشعر على باطن الكفّ، الخ....‏

(3) كما حدث ليونسكو عام 1957 إذ كتب مسرحية "قاتل بلا أجر" في لندن في شهر آب.‏

(4) محاورات مع كلود بونغوا ص38‏

(5) عرض جان، لوي بارّو كل موهبته عندما أدّى هذا الدور.‏

(6) انظر ماورد سابقاً في كلام جان كوت عن "الثلاثي يونسكو".‏

(7) محاورات مع كلود يونغوا ص 74.‏

(8) محاورات مع كلود يونغوا ص 74.‏

(9) المصدر السابق.‏

(10) محاورات مع كلود بونغوا ص 90.‏

(11) محاورات مع كلود بونغوا ص 91.‏

(12) تجارب في المسرح.‏

(13) جريدة الفيجارو 7 كانون الأول 1966.‏

(14) أنا، لم تساعدني الكتابة أبداً، ربما ساعدت آخرين مثل الشاعر الروماني العظيم ايون فينيا الذي ترجم المسرحية إلى اللغة الرومانية. كان ايون شيخاً تقدّم به العمر، مصاباً بمرض خطير، عندما حاول ترجمة المسرحية. اشتغل في ترجمتها ثلاث شهور أو أربع، وخلال هذه الفترة كان في فترة الاحتضار تقريباً؛ وقد أنجز الترجمة قبل وفاته بأربع أيام أو خمس. إذ كان قد رغب في تلك الترجمة وهو يعلم أنه سيموت قريباً، وإذا كان قد استطاع إنجازها فمن المحتمل جداً أنها ساعدته في أواخر إيامه. ص92).‏

(15) من المدهش أن تقارن أقوال ماري- مادلين مع اعترافات يونسكو في "يوميات في فتات" ص105، 163، 164.‏

(16) يمكن أن نلحظ في هذا الإسم تحويراً لإسم برتولد بريخت.‏

 

 

E - mail: aru@net.sy

| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب |

سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244