|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:01 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الأول: - عوامل التأصيل: - لا نستطيع أن نفهم أية نظرية، أو عملية تنظيرية، في الفن المسرحي، أو في الفن عموماً إذا عزلناها عن الظروف السياسية والاجتماعية والفكرية التي نشأت فيها، فالفن هو انعكاس للواقع، وهو نتاج المجتمع، يعيش دائماً في علاقة ديالكتيكية معه، يتأثر به، ويؤثر فيه. - ولما كان الفن المسرحي أكثر الفنون اتصالاً بالواقع- لأنه ناتج عن علاقة حية قائمة بينه وبين المثل- فلا بد أن يؤدي دوره في مجتمعه، لأنه إذا انتفى الدور الوظيفي للمسرح، فطبيعي أن ينتفي وجوده. وانطلاقاً من هذا المبدأ، ومع التركيز على الدور التوصيلي للمسرح العربي، وللحفاظ على صيرورته، فقد التفت المسرحيون العرب إلى أهمية كون المسرح وليداً شرعياً للبيئة العربية، وكون الفن المسرحي صنيع المجتمع، بما تحمله هذه العبارة من دلالات، لذا فقد راح القائمون عليه يقيسون الأبعاد المستقبلية انطلاقاً من راهنية الواقع العربي، ومن القضايا التي لابست نشأة المسرح العربي، وتطوره، للوصول إلى نظرية تعكس في جنباتها خصائص مميزة لمسرح عربي أصيل، يحمل في داخله بذور وجوده واستمراره. لكن لابد أن نشير في البداءة-قبل البدء في الحديث عن عوامل التأصيل- إلى أن ظروف التجزئة القومية في الوطن العربي قد خلقت فروقاً اجتماعية ومعيشية وثقافية، لكن على الرغم من هذه التجزئة فإن الوطن العربي يشكل وحدة لا تتجزأ. 1- عوامل سياسية واجتماعية: يعدّ عقد الخمسينيات في سورية مرحلة صراع سياسي حاد، تطاحنت فيها الأحزاب السياسية وتتابعت الانقلابات العسكرية، وتصارعت العقائد والاتجاهات ضمن إطار الصراع الأكبر الذي كان يدور في المنطقة العربية آنذاك، إلا أنه بعد أن أطيح بالشيشكلي25/ شباط/ 1954) دخل القطر العربي السوري مرحلة متميزة عن سابقتها، ولعل أهم ما يميزها وعي الجماهير التي حققت استقلالاً عن الاستعمار الفرنسي، فقد قادت الطبقة المتوسطة الصراع، وحاولت إزاحة الأرستقراطية والإقطاع، ومن ثم تجاوبت مع رياح التطور لتثبت وجودها، ورافق ذلك يقظة شعبية، وتفتح نسبي في الوعي السياسي لدى الجماهير، وأقيمت الوحدة بين سورية ومصر1958)، وهذا ما جعل بعض الكتاب يطلقون على فترة الخمسينيات فترة الوعي القومي(1) . - ومن ثم فقد توطدت العلاقة مع المعسكر الاشتراكيسابقاً) وأصبح التفاعل بين الثقافة السورية، والثقافة العالمية أكثر تبلوراً، ومع تحطيم الإقطاع، وظهور البرجوازية الصناعية، طرأ تغير في العلاقات الاجتماعية والخلقية، ومما تجدر الإشارة إليه أن المسرح لم يكن بعيداً عن هذه القضايا الناتجة عن التحول الاقتصادي، فقد صور جوانب منها، وانتصر فيها للمفاهيم البرجوازية، ودارت المسرحيات المؤلفة في تلك الفترة حول ثلاثة محاور، محور اجتماعي ويمثله مراد السباعي، ومحور سياسي وطني يمثله مصطفى الحلاج، ومحور ذهني فكري يمثله خليل الهنداوي(2) . - أضف إلى ذلك أن هذه المرحلة لم تخل من نشاط مسرحي تبدى من خلال جهود الفرق الفنية، والمسرح الحر الذي أسس عام1956) في دمشق، وقدم بعض العروض الفنية من مسرحيات شعرية ونثرية ذات موضوعات اجتماعية انتقادية(3) . إلا أن هذه المحاولات كانت بدائية تميزت بالضعف والفتور، ولم يسمع لها صدى في النقد آنذاك. ولعل السبب في ذلك يعود إلى: 1- عدم استقرار الحياة السياسية والاجتماعية(4) . 2- ضعف النقد الأدبي عامة بسبب ركود الحياة الأدبية، وخلوها من الإنتاج الحر في جميع الأنواع الأدبية. 3- عدم وجود فئة تحترف الفن المسرحي، والنقد المسرحي(5) . 4- انشغال الكاتب المسرحي بقضايا ذهنية فكرية، وعدم وعيه لواقعه(6) . 5- عدم وجود المحرضّ الذي يجذب الكاتب إلى المسرح، فلا المسرح موجود ولا الفرق قائمة، ولا إرث مسرحي عربي يستند إليه، وينطلق منه(7) . 6- اعتماد أكثر الكتاب المسرحيين على المسرحيات المترجمة. أضف إلى ذلك أن المسرحية كتبت بهدف المتعة الأدبية، لا بهدف العرض. - وما دمنا نستعرض مرحلة تاريخية، فلا بد أن نشير إلى تلك الجهود النقدية التي أرخت لبدايات المسرح في سورية، وتمثلت فيما قدمهأدهم آل الجندي) وشاكر مصطفى) إذ قدم الأول ترجمة لأعلام الأدب والفن في بلاد الشام، وأطلق على الكتاب تسميةأعلام الأدب والفن) وكان الجندي فيما قدمه مؤرخاً مترجماً، أكثر منه باحثاً وناقداً، فقد تحدث عن النقّاش ومن تبعه، ثم عن القباني، أصله، ثقافته، رحلاته، موته، وقدم ترجمة لكل من شارك القباني في تمثيله في دمشق أو أولئك الذين رحلوا معه إلى مصر، أو الذين آثروا البقاء في دمشق بعد رحيله(8) . أما شاكر مصطفى، فقد قدّم كتابه المتميز: القصة في سورية)، وهو في الأصل مجموعة محاضرات ألقاها على طلاب معهد الدراسات العربية العالية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، وقد خصّص جزءاً من هذا الكتاب لدراسة المسرحية، وانطلق في دراسته للمسرحية من بدء تعرف سورية عليها(9) ؛ إذ أرخ لمسرح القباني نشأته وتطوره، وتابع الدراسة من خلال مدرسته، وتلامذته. ومع أنه ردد آراءمحمد يوسف نجم) في كتاب المسرحية في الأدب العربي الحديث) فقد حاول أن يؤسس لنقدٍ مسرحي متطور وذلك من خلال: 1- التعريف بالأشخاص الذين ساهموا بترسيخ فن المسرح. 2- الالتفات إلى الإنتاج المسرحي، ودراسته، وهذا ما لم نعهده من قبل. 3- التصنيف إلى اتجاهات ومدارس. 4- التأريخ للمسرح نشأته، ومتابعة اتجاهاته في المرحلة الأولى من نشأته. 5- بروز النقد الفني في المسرح، من خلال ما قدمه من دراسة لتطور المسرحية. - وهكذا فإن أفق الخمسينيات في سورية- بما حملته من أحداث سياسية صاخبة، مال إلى الهدوء النسبي في منتصفها- شهد تنوعاً مسرحياً على صعيد التأليف والتمثيل والنقد التأريخي تحديداً، إلا أنه بقي في حدود الإمكانات المتاحة، وكل ما يمكن أن نسجله أن الحركة الأدبية آنذاك أدركت أهمية بعض الفنون المستحدثة، ومنها المسرح، ولم تسجل حركة تأصيل المسرح العربي في هذه الفترة أي منحى يذكر خلال تلك المسرحيات المؤلفة التي اعتمدت بعض جوانب الواقع السياسي والاجتماعي كمضمون لها. - أمّا الخمسينيات العربية المصرية، فقد حملت معها مناخاً سياسياً واجتماعياً، كان له الدور الأكبر في تحقيق قفزة فكرية وفنية جسدتها الآداب والفنون بما فيها الفن المسرحي. - لقد كان فجر 23 تموز عام1952) من أهم الإنجازات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. ولا نبالغ إذا قلنا: إن المحاولات التأصيلية لمسرح عربي هي من منجزات هذه الثورة، فقد بدأت مصر تعيش مرحلة جديدة، تمّ فيه القضاء على الحكم الملكي، وأثبت الشعب قدرته على صنع مصيره، وقد ظهر هذا أوضح ما يكون في الطبقة البرجوازية الصغيرة. ولعل صدّ العدوان الثلاثي على مصر عام1956) يعدّ أحد منجزات الثورة التي كللت نجاحاتها بإقامة الوحدة العربية بين سورية ومصر عام1958) أمل الجماهير العربية. - وقد حدثنا الدكتور علي الراعي عن مرحلة ما بعد الثورة فقال: حين عدت إلى القاهرة في يوليو1955) وجدت نعيماً وملكاً كبيراً، كانت ثورة يوليو قد فجرّت طاقات هذه الأمة المجيدة وفتحت أمام مبدعيها أوسع الأبواب، قدمت الثورة الزاد النفسي والزاد الفكري، إلى جوار لحظة شديدة التوهج في حياة بلادنا، لحظة انهيار السدود التي كانت تحبس وراءها ماء الفكر المُخصب، خالق الحياة، تداعت صروح الظلم، وتخلخل نظام الطبقات تخلخلاً شديداً. واختفى احتكار الرأي وصنع القرار، وجهت الثورة الوليدة، دعوة صريحة وضمنية إلى كل المصريين ومن بعد إلى كل العرب، ومن بعد إلى كل شعوب العالم الثالث إلى المشاركة في صنع مصيرهم، استكشافه، ودراسته، وصنعه، والحفاظ عليه)(10) لقد عاد للمصريين حقهم في تقرير مصيرهم، بعد انهيار الحكم الملكي، وانكسار الاستعمار الإنكليزي الذي كان يوجّه مصير البلاد بما يخدم مصالحه الشخصية، إضافة إلى أن الثقافة لم تعد بعيدة عن مجالات الثورة؛ إذ تفجرت طاقة المبدعين من المثقفين إبداعاً في الأعمال الشعرية والقصصية والروائية، وتنبهوا في الوقت نفسه إلى الدور الحيوي الذي يلعبه الفن المسرحي فبرز جيل من كتاب المسرح ودارسيه، كانوا قد تلقوا ثقافتهم وخبرتهم العملية من خلال النشاط الثقافي والسياسي الذي عرفته الأربعينيات، نذكر منهم نعمان عاشور، والفريد فرج ولطفي الخولي ويوسف إدريس وعبد الرحمن الشرقاوي ومحمد مندور ولويس عوض وعلي الراعي ومحمود أمين العالم. - لكن تجدر الإشارة إلى أن فترة الخمسينيات فيما يخص المسرح في سورية تمثل الولادة الثانية، إذا اعتبرنا أن الولادة الأولى تمت على يدمارون النقاش) وأبو خليل القباني)، أما فترة الخمسينيات على صعيد المسرح العربي في مصر، فإنها تمثل المرحلة الثالثة، ذلك لأن المسرح في مصر لم يتوقف في النصف الأول من هذا القرن، بل تابع مسيرته الفنية التي بدأها مع يعقوب صنوع، وإن تميزت بالتألق حيناً وبالتعثر أحياناً، وقد كان لهذه الاستمرارية الأثر البالغ في الفن المسرحي في مصر وفي الوطن العربي، في فترة ما بعد الخمسينيات. لذا فإن المتتبع للحركة المسرحية في مرحلة الخمسينيات يلحظ نشاطاً واضحاً تبدى من خلال مجموعة من الإنجازات، إذ أسس المخرج المسرحي زكي طليمات فرقةالمسرح الحديث) عام1950) التي تألفت من خريجي معهد التمثيل الذي أعيد افتتاحه عام1944) ثم انضمت إليهاالفرقة المصرية) تحت إشراف يوسف وهبي وإدارته، وأنشئتمصلحة الفنون) عام1955) والمجلس الأعلى للآداب والفنون) عام1956) ثم وزارة للثقافة مستقلة عن الإرشاد في عام1958)، وأنشأت وزارة الثقافةالمسرح الغنائي)1957)، وفي أواخر1956) أصدر وزير الثقافةفتحي رضوان) قراراً يقضي بتسليمأحمد حمروش) مسؤولية الفرقة القومية، وأحمد حمروش ضابط وطني يساري، كان معروفاً بانتمائه لإحدى المنظمات الماركسية المصرية، ولعب دوراً في أحداث 23 يوليو، بعدها شارك في تحرير المجلات والصحف التي أصدرها النظام الجديد"التحرير" و"الجمهورية" وأصدر-عن إدارة التعبئة بالقوات المسلحة- مجلة ذات طابع ثقافي وأدبي تقدمي باسم"الهدف")(11) وقد ساهم حمروش مساهمة فعّالة في الربط بين حركة المسرح ومعركة الشعب. - أما الفرق الخاصة فكانت تنحصر فيفرقة الريحاني) التي تولاها الفنانعادل خيري) ثم فرقةإسماعيل يس) الكوميدية ثم فرقةتحية كاريوكا) التي حملت شعارمسرح مصر) وأخيراً فرقةالمسرح الحر) التي كانت وليداً ينمو في حضن الثورة. - بعد عام1956) ظهرتفرق التلفزيون المسرحية) ورفعت شعارالمسرح للشعب)(12) وقد كان لهذا التاريخ علامة فارقة في تاريخ المسرح المصري، إذ أفاد من ظروف مواتية هي تلك السماحة التي ميزت النظام الناصري في سنواته الأولى، والطابع التقدمي العام الذي طبع الثقافة المصرية حتى أوائل الستينيات، ...) فرسان البرجوازية الظافرة يتقدمون، يزيحون بقايا القديم ويقيمون على أنقاضه سلطتهم الوطنية المتجهة نحو جماهير الشعب، والبطل المنتصر من نصر إلى نصر يسير، مثل هرقل، يلبس جلد النمر، ويرفع هراوته فيقتل التنانين، ويقدم لجمهوره الأمل والحلم، وتدوي كلماته فتبلغ آذان المقهورين المصريين والعرب والأفارقة والمسلمين، ...) هي سنوات الإصلاح الزراعي والجلاء ورفض الأحلاف وباندونغ وكسر احتكار السلاح، وأحداث(58) والسد العالي والوحدة الأولى في تاريخ العرب الحديث...)(13) كل ذلك انعكس على واقع التأليف المسرحي، إذ واكب الظروف الراهنة، وعبّر عن طموح الجماهير، وآمالها. - فالمتتبع لحركة التأليف المسرحي آنذاك يلحظ أن الموضوعات كانت في أغلبها فضحاً للأوضاع القديمة، من خلال عرض مشكلات المجتمع القديم وتأثيراته في المجتمع الحديث، ولعل خير مثال على ذلك، ما قدمه نعمان عاشور في مسرحيتهالناس اللي تحت) والناس اللي فوق) وقد ركزت المسرحية الأولى على الفئة الاجتماعية المتوسطة والصغرى، وركزت الثانية على الطبقة الأرستقراطية، وإن كانت الفئة الاجتماعية الصغرى عنصراً من عناصر صراعها الداخلي، يقول عزت للطيفة فيالناس اللي تحت): عزت: احنا جيل شال على أكتافه حمل كبير.. حضرنا حرب ست سنين واحنا في عز شبابنا.. ونتيجتها إيه؟ عشنا ولسه عايشين... في غلا... وفي ضنك، وفي بدرون... لطيفة: الغرابة يا عزت لك أفكار!! عزت: مش حقيقية؟ لطيفة: حقيقية... بس بعيدة عن أفكار الناس... عزت: ازاي!! هم الناس مش عارفين أسباب المصايب اللي كانوا عايشين فيها!! أمال قاوموا الإنكليز ليه؟! وكرهوا الملك وشالوه ليه؟! وحاربوا الإقطاع ليه؟! الناس دائماً ضد اللي يظلمهم ومع اللي ينصفهم.)(14) . - لقد حوى هذا المشهد تصويراً واضحاً لحالة الواقع المعيش في تلك الآونة، وإذ توخينا الدقة التاريخية فإننا نقول إن معركة تأصيل المسرح العربي الحديث قد بدأت مع ناس نعمان عاشور اللي تحت واللي فوق، الذين كانوا صورة صادقة عن الشخصية العربية المصرية، وعن الواقع المصري في بعض حالاته، وقد سجلت هاتان المسرحيتان أول انتماء للمسرح إلى الواقع المعيش في العصر الحديث من حيث المضمون. - وتتابعت المسرحيات التي تجاوبت مع الواقع. فكانت مسرحيةجمهورية فرحات) 1956 ومسرحيةملك القطن) 1956 لمؤلفهما يوسف إدريس تعبيراً عن أحلام رجل الشارع في مجتمع قديم، وعن أخلاقيات الفلاح ومعاناته في مجتمع حُرم فيه من إنتاجه(15) . - وهناك مسرحيات أخرى عالجت الواقع، وانتصرت لبعض قضاياه، إذ لم يعد الترقيع والترميم والتوثيق في صرح المجتمع ينفع في مسرحيةالقضية) لمؤلفها لطفي الخولي بل لابد من ثورة جذرية لاستبدال الواقع بواقع أفضل، يهدم القديم، ويقيم على أنقاضه بناءً جديداً يهدف إلى العدل والحرية. - المهم أن فترة الخمسينيات العربية المصرية، على الصعيد المسرحي سجلت تصاعداً واضحاً، وحققت نجاحاً، ولعل أهم ما فيها التحام مضمون العمل المسرحي بالواقع، والالتفات إليه، ويكفينا أن نطلق على هذه المرحلة؛ مرحلة وعي الذات المحلية التي جسدها الكاتب المسرحي في أمرين؛ أولهما: فضح المجتمع القديم بأوضاعه البالية، وأفكاره المسمومة، وتركيزه على ما طرحته الثورة من أفكار وتأييده لها، ثانيهما: ترسيخ المفاهيم الجديدة التي طرحتها الثورة وتأكيد صلاحيتها لبناء المجتمع، وهذا الالتفات إلى الواقع جعلنا نسجل بادرة إيجابية في تأصيل المسرح العربي، لأن الكاتب المسرحي بات يضّمن أعماله المسرحية واقعاً محلياً ويستوحي موضوعاته مما يدور على الساحة المحلية آنذاك. - أما في مطلع الستينيات العربية السورية، فقد أخذت الحركة المسرحية منحى جديداً، إذ تأسس المسرح القومي عام1959) وأخذت التيارات الفكرية والفنية التي تخبطت في حركتها في الخمسينيات تتوضح، فهذه الفترة بما حملته من أحداث، الانفصال1961) وثورة الثامن من آثار1963) وبداية صعود البرجوازية وسيطرتها على الحياة السياسية والاقتصادية، وبروز هموم البحث عن الاشتراكية، التي فرضت جواً فكرياً وسياسياً، خصوصاً بعد التأميم1965) إضافة إلى التركيز على دور الطبقة الكادحة من العمال والفلاحين، وصغار الكسبة، أضف إلى ذلك أنه منذ نهاية الخمسينيات، ومع بداية الثورات العربية في مختلف الأقطار قد تغير الوضع، ودخلالفكر الجدلي المادي الذي ينظر إلى المجتمع في حركته لا في سكونه، والذي يربط القضايا الاجتماعية كلها بوشائج من قوانين حتمية، فلا ينفصل جزء عن جزء، ولا حدث اجتماعي عن حدث سياسي وتعتبر حركة المجتمع كلها تقوم على الصراع بين قوى اجتماعية)(16) . - وإذا كان المسرح الذي أيد المفاهيم الثورية، وحارب الاستغلال والتخلف قد ظهر في مصر في فترة الخمسينيات، فقد تمّ ظهوره في سورية في مرحلة الستينيات، إذ ظهرت المسرحية التي ترصد حركة المجتمع في مختلف جوانبه، وصار حقلاً للصراع السياسي والاجتماعي. - لقد كان لهذه المرحلة الفضل الأكبر في نشاط الحركة المسرحية في سورية بعد الخامس من حزيران عام1967)؛ إذ ساهمت عوامل متعددة في ذلك، يمكن أن نجملها في عدة نقاط: 1- تبني الدولة للمسارح؛ إذ أحدثت وزارة الثقافة والإرشاد القومي المسرح القومي عام1959) وأنشئ المسرح العسكري عام1960) وأصبح تابعاً لإدارة التوجيه المعنوي في قيادة الجيش، وأسس مسرح العرائس للأطفال في صيف1960) برعاية وزارة الثقافة، وأحدثت فرقة أمية للفنون الشعبية في العام نفسه، أما مسرح الشعب في حلب فقد أسس في 25/ 6/ 1967. 2- إصدار كتب خصصت للحديث عن المسرح، وهذا ما لم نعهده من قبل، وتجلى ذلك من خلال نشاط عدنان بن ذريل في كتابيهفن المسرحية) 1963 والأدب المسرحي في سورية) ويرجح أنه صدر في عام1965) ونشاط عادل أبو شنب في كتابيهمسرح عربي قديم) 1963 وحياة الفنان عبد الوهاب أبو السعود) 1963. 3- اهتمام الدوريات بالمسرح؛ فقد خصصت مجلة المعرفة السورية الصادرة عن وزارة الثقافة والإرشاد القومي العدد/34/ الذي صدر في كانون الأول عام1964) للحديث عن المسرح. 4- تزايد اهتمام الكتاب بالمسرح؛ إذ تحول بعض الكتاب عن كتابة القصة والشعر إلى الكتابة المسرحية، نذكر منهم علي كنعان، محمد الماغوط، وليد إخلاصي، علي الجندي، اسكندر لوقا، صدقي إسماعيل، مراد السباعي، إضافة إلى بعض الكتّاب الذين جذبتهم أضواء المسرح، فاتجهوا إليه مباشرة ومنهم سعد اللّه ونوس. - ليس هذا فحسب بل إن تشجيع الدولة للمسرح في هذه الفترة، من خلال تقديم مواسم مسرحية متنوعة، لفت نظر الأديب العربي إلى دور المسرح، وجماهيريته، وفعاليته، إضافة إلى تشجيع الدولة لحركة التأليف المسرحي، وشعور الكتاب بوجود سوق لهذا النوع من الإنتاج. - ولعل نشاط حركة التأليف المسرحي في القطر العربي المصري، قد انعكس بشكل مباشر أو غير مباشر على الكتاب المسرحيين السوريين، فنما النشاط المسرحي عموماً، وارتفعت سويته، فالدارس لهذه المرحلة يلحظ ازدياد نسبة المسرحيات المؤلفة، فمن خلال إحصاء النصوص المسرحية، الذي قدمهالدكتور أحمد زياد محبك) في مجلة الموقف الأدبي1986) نجد أن المسرحيات المؤلفة بين عامي1945-1959) قد بلغ عددها(47) مسرحية؛ بينما بلغ(59) مسرحية في الفترة الممتدة ما بين1960- 1967) وهذا يعني أن عدد المسرحيات المؤلفة قفز إلى أكثر من الضعف، ذلك أن الفترة الأولى كانت على امتداد(14) عاماً بينما انحصرت الثانية في(7) سنوات(17) . - أما على صعيد التأصيل المسرحي، فقد أدرك الناقد المسرحي حالة التخلف والضعف التي يعيشها المسرح العربي عامة والمسرح السوري خاصةً، وراح يبحث في العقبات التي تعيق حركة تقدم المسرح وتجعله بعيداً عن الكاتب والجمهور، لذا فقد حاول الباحثون أن يصوروا المعاناة ويستندوا إليها في طرح الحلول(18) . - أضف إلى ذلك أنه قد لاحت في الأفق بعض المساهمات التي نظّرت للحركة المسرحية الجديدة، وذلك عن طريق البحث في مدى معرفة العرب القدماء للمسرح، وكيفية تعامل المسرحيين العرب مع المسرح الغربي، ومن ثم البحث عن هوية لمسرح عربي، وكيفية تأصيله. وهنا بدأ الصراع يبرز بين اتجاهين متضادين؛ اتجاه تبناه بعض الدارسين المسرحيين بعد أن رحلوا إلى التراث العربي، وبحثوا عن جذور مسرحية عربية فيه، فأكدوا وجود ظواهر مسرحية عربية فيه، واتجاه آخر أثبت أن المسرح فن دخيل لا جذور له في الأرض العربية، وانطلاقاً من هذا المبدأ فقد لجؤوا إلى التقليد والنقل لمجاراة الحضارة أولاً والوصول إلى الأجمل ما داموا قد وجدوه في المسرح الغربي ثانياً، عندها تصاعدت الأصوات التي تنبهت إلى الخطر الذي يحيق بالمسرح تنادي بتنسيق عملية الاقتباس بما يتناسب مع الشعب العربي، وذوقه(19) وهذه تعدّ خطوة إيجابية في عالم التأصيل، إلا أن المسرح لم يبتعد في هذه الفترة عن روح التقليد ومجاراة المسرح العالمي، مما أوقعه في استمرار التبعية للمسرح الغربي، وابتعاده عن روح الإبداع والابتكار، علماً بأن الكاتب المسرحي قد أدرك أهمية المسرح كظاهرة اجتماعية، تعبّر عن البيئة المحلية؛ إذ بدا ذلك واضحاً من خلال ترجمته لبعض نصوص المسرح الغربي، عندما بدّل أسماء الشخصيات، وأسماء الأمكنة، وأضاف إلى المسرحيات المترجمة، فصولاً ومشاهد مقتبسة من الواقع المحلي(20) . لكن وإن كانت هذه المحاولات عفوية، لا تنمّ عن وعي لحاضر المسرح العربي، واستشراف آفاقه، يمكن أن تعدّ خطوة أولية، ساهمت في إعطاء المسرح ملامح عربية تعبّر عن بيئته وواقعه. وفي هذا المناخ من الحركة المسرحية والنشاط الإبداعي تأليفاً وترجمة وعروضاً وتأسيساً لفرق، وتجاوباً مع الواقع، ظهرت أصوات تنادي بتأصيل المسرح العربي وقد وجدت ضالتها في منحنيين: منحى خارجي: عندما دعت إلى هضم الاتجاهات، والأساليب العامة-التي عدّتها إرثاً مسرحياً عالمياً- ومجاراتها. منحى داخلي: عندما وجدت أن أصالة الشعب العربي مستمدة من آدابه، وتاريخه، وتقاليده فدعت إلى دراسة مصادر الفن الشعبي العربي المسرحي المتمثلة في الطقوس والحفلات التقليدية الشعبية والدينية، والاستعانة بالظواهر المسرحية الموجودة في التراث العربي، بما حواه من مقامات وسير وحكايات. - إلا أن هذه الأصوات بقيت في حدود التنظير في مرحلة ما قبل حزيران1967)، ولم تلقَ من يترجمها إلى واقع، لكنها كانت بمنزلة الجنين الذي نما وترعرع ولاقى الحضانة بعد الهزيمة، المهم أن حركة التأصيل قد سجلت وجوداً حقيقياً في هذه المرحلة، وذلك عن طريق بث بعض المضامين العربية في الأعمال المسرحية على الصعيد التطبيقي، وعن طريق البحث عن شكل مسرحي عربي على الصعيد التنظيري لذا يمكننا أن نطلق على هذه المرحلة؛ مرحلة بداية الوعي لواقع المسرح العربي في سورية. - أما المرحلة الثانية المصرية، والممتدة من بداية الستينيات إلى ما قبل النكسة، فقد شهدت حالة من النهوض العام خصوصاً بين عامي1959- 1964) عندما اختار النظام الجديد على الصعيد السياسي والاجتماعيرأسمالية الدولة)؛ إذ تولت الدولة القسم الأكبر من الوظائف الاقتصادية، وأممت مجموعةبنك مصر) والبنك الأهلي) ومن بعدها جاءت قرارات التأميم في عام1961) لتكون أساساً في إقامة قطاع الدولة الذي لعب دوراً استراتيجياً في اتخاذ القرارات الاقتصادية، ودفع عملية التنمية، وتعدّ هذه الفترة في تاريخ مصر من أكثر الفترات استقراراً من الناحية الاقتصادية، فقد توفرت المدخرات الضرورية وتمت السيطرة على توجيهها(21) لذا فقد أصبحت أماني الطبقات الشعبية في طريقها إلى الحل، ونمت الطبقة العمالية، وبدأ الفلاح يقطف ثمار الإصلاح الزراعي، ونمت طبقة واعية من خريجي الجامعات الذين ينتمون إلى الطبقات الكادحة(22) ، وقد حدثنا جلال العشري عن هذه الفترة فقال: ما من مصري يذكر عام"1964" إلا ولهذا العام في نفسه صدى مختلج، فهو العام الذي بلغت فيه الموجة الثورية أقصى مداها الثوري، مبلورة في نهاية المطاف أهداف النضال العربي، محرزة في الوقت نفسه أعظم الانتصارات لجميع قوى الشعب العاملة مصممة بعد هذا كله على تجميع طاقات النفس العربية للانطلاق نحو صياغة حياتنا الفكرية صياغة عصرية تحررية تنتمي إلى ذاتنا الأصلية، انتماءً حقيقياً دون أن تنعزل عن واقعنا المتطور أدنى انعزال، ففي هذا العام تمّ إعلان الدستور المؤقت، وفيه تمّ تكوين مجلس الأمة، وفيه تمّ إلغاء الأحكام العرفية، وفيه تمّ الإفراج عن المعتقلين السياسيين، وفيه أقيمت أرحب الفرص لممارسة النقد والنقد الذاتي باعتباره من أهم ضمانات الحرية؛ إنه باختصار عام النضج الديمقراطي على الصعيدين السياسي والاجتماعي)(23) . - لقد استغرقت قوى التفجير الثوري المجالات كافة بما فيها نشاطات الفكر والفن، لأنها وجدت الجو الملائم لطرح مجموعة من القضايا الحيوية الموجودة في المجتمع العربي المصري آنذاك. ولأنها لاقت التشجيع والرعاية من قبل الدولة، خصوصاً على صعيد الفن المسرحي، إلا أن صحوة المجتمع المصري لم تدم طويلاً فبعد مضيّ الثلث الأول من الستينيات بدأت الأزمة تظهر، ولاح في الأفق تردي الوضع السياسي والاقتصادي، فلجأت السلطة إلىالثورة الاشتراكية) كحلٍ جذري، محاولةً منها لتجاوز الحدود الفاصلة بين رأسمالية الدولة من جانب والاشتراكية من الجانب الآخر، إلا أن ذلك لم يتمّ تحقيقه، عندها وقف النظام في مفترق الطرق، واحتدمت داخله الصراعات وتحدث عبد الناصر-أكثر من مرة- عن الحاجة إلى ثورة جديدة، أي ضرورة إجراء تغيرات أساسية في أجهزة الدولة ومؤسساتها، وشن-أكثر من مرة- حملة ضد ما أسماه"الطبقة الجديدة" 1964 لكنها كانت أحاديث تعبر عن إحساس بالأزمة، وخطورتها، دون أن تملك السلطة القدرة على تجاوزها)(24) . وعلى الرغم من أن الدولة سعت إلى ممارسة هيمنتها على النشاط الثقافي والإعلامي، عندما حاولت إخضاع العمل الثقافي لمتطلبات الأعلام والسياسات اليومية، لإحكام السيطرة على قنوات التوصيل، لتسييد رأي واحد، إلا أن المسرح استفاد من هذه السياسة ودعّم اتجاهاته، واستفاد من الحركة التقدمية التي خلفتها ثورة تموز، خصوصاً في النصف الأول من الستينيات، وإذا ماحاولنا أن نسلط الضوء على الفن المسرحي في هذه الحقبة، فإننا نجد المسرح قد حقق جماهيرية واسعة فقد ارتبطت الكتابة للمسرح ارتباطاً حيوياً بفن المسرح في شموله، وعرف المسرح كيف يلمس العصب الحساس في كيان المجتمع المصري بما فيه من تقلبات وصراعات ومطامح، وكان الجمهور يلعب دوراً أساسياً، فانخفضت أسعار البطاقات، وعرفت المسارح جمهوراً جديداً من الطلبة، وصغار الموظفين، وقطاعات من عمال المدن، وكانت إدارته في ذلك الوقت حريصة كل الحرص على التوجه إلى هذا الجمهور، وكاد المسرح أن يكون أداة للثقافة الشعبية في المدينة...)(25) . وفي أوائل الستينيات أنشئت الإدارة الثقافية، وهدفت إلى توثيق النصوص المسرحية، وجمع بعض المعلومات عن وقائع حياة الفنانين المسرحيين، وتمّ في أوائل الستينيات أيضاً إنشاء الفرع المصري للمعهد الدولي للمسرح، وعن طريقه بدأ اتصال المؤسسة بالمعهد الدولي للمسرح، وهذا أعطى للمسرحيين فرصة الاشتراك في اللقاءات والمؤتمرات المسرحية، إضافة إلى توفير فرص التدريب المسرحي للفنانين المصريين، وفي الفترة ذاتها، تمّ دمج مؤسسة المسرح التي أنشأت عام1960) في هيئة الإذاعة والرائي، وهدفت إلى ملء ساعات إرسال الرائي، ولتحقيق الهدف أنشئت عشر فرق مسرحية قدمت موسمين متتاليين1962- 1963) وبعدها تمّ إعادة تنظيم فرق الرائي المسرحية في أربع شعب تضم عشر فرق وهي شعبالنهضة) والحرية) والسلام) والنصر) وانطلقت في أرجاء الجمهورية تحيي لياليها، بمواهب جديدة تضم جيلاً من الشباب الذين يؤلفون ويخرجون ويمثلون ويتجاوبون مع فئات الشعب كافة. - إلا أن هذا الكم الهائل من المسرحيات في هذه الفترة لسدّ متطلبات هذه الفرق، ابتعد أغلبه عن روح الإبداع والابتكار، واعتمد على الاقتباس، وعلى مسرحة الروايات والقصص، وهذا ما جعل النقاد يرفعون شعارقليل جيد خير من كثير تافه)(26) إلا أن هذا الكم الهائل، قد خرج منه كيفٌ مبدعٌ. - وفي الستينيات أيضاً وتحديداً في عام1966) قامت مؤسسة المسرح بتنظيم المهرجان الأول لفرق الأقاليم في القاهرة، وبذلك يكون قد تمّ ربط الأقاليم بالعاصمة، ولا يخفى ما لذلك من فائدة على صعيد نشر المسرح، ومحاولة استنبات مواهب جديدة، وتطعيم المسرح القاهري(27) . - أما على صعيد حركة التأليف المسرحي، فإننا لا نستطيع أن نستوعب في صفحات معدودة حالة ما توصلت إليه الحركة من نشاط وتألق، وما رافقها من حركة نقدية واكبت العروض المسرحية بقدرة وموضوعية، وحاولت طرح مجموعة من القضايا الأساسية التي شغلت الكتاب المسرحيين، ساعية إلى إيضاحها، وتعميقها من خلال ربطها بالمجتمع عن طريق التقويم الاجتماعي، وهو حكم على القيمة الجمالية والقيمة الاجتماعية، واضعة لبنة في عالم التأصيل، وبدا ذلك واضحاً من خلال طروحات مجموعة من النقاد نذكر من النقاد نذكر منهم: محمد مندور، لويس عوض، محمود أمين العالم، رجاء النقاش.. وغيرهم، لكن كل ما نستطيع قوله: إن المحاولات الجدّية التأصيلية للمسرح العربي في الوطن العربي تدين إلى هذه المرحلة بالذات، ولنطلق على هذه المرحلة: مرحلة البحث عن مسرح عربي يحمل الهوية العربية، عبر أقنية التنظير والتطبيق، ومحاولة توجيه إمكانية المسرحيين المصريين العرب إلى خلق مسرح مصري، يعبّر عن البيئة العربية، ويحمل سمات الإنسان العربي، ومع هذا الاعتراف يمكننا أن نسجل فيما يخص التأصيل بعض النقاط المضيئة التي تصب في نقطة واحدة وهي ضرورة تعميق الذات القومية في المسرح العربي: 1- تعميق الاتجاه الواقعي في المسرح: ولعل هذه القضية تعدّ من أهم القضايا التي لجأ إليها الكاتب المسرحي للوصول إلى الجمهور العريض، ومخاطبته فنياً، عن طريق عرض الواقع السياسي والاجتماعي الذي ينتمي إليه، بوضوح وعمق ومناقشته، وتحليله. ومع تعميق الاتجاه الواقعي برز دور المسرح السياسي الذي نما قبل أن يصبح شكله مألوفاً في السبعينيات، وتبلورت أكثر جوانب الواقع الاجتماعي والسياسي في المسرح في هذه الفترة؛ إذ عرض على خشبة المسرح الجدل السياسي الدائر حول السلطة، وعولجت مجموعة من القضايا نذكر منها قضية الحكم، والصراع بين السيف والقانون من خلال مسرحيةالسلطان الحائر) 1960 لمؤلفها توفيق الحكيم، وقضية انكسار قوى المقاومة، وخسارتها من خلال مسرحيةسليمان الحلبي) 1965 لمؤلفها الفريد فرج، وقضايا أخرى... - أضف إلى ذلك أن المسرح السياسي المصري في تلك الفترة خرج عن نطاق المحلية المصرية إلى القومية العربية، عندما سجل كفاح دولة عربية هي الجزائر، وتوجه نحو النضال العربي وتمثل ذلك في مسرحيةمأساة جميلة) لمؤلفهاعبد الرحمن الشرقاوي). 2- العودة إلى التراث: لقد رحل الكتاب المسرحيون إلى التراث العربي، لفحصه، ودراسته، ومن ثم راحوا يبحثون عن أسس لتطويره وإثرائه، وعن طريقه حاولوا أن يفهموا الماضي، ويستعينوا به على تشكيل الحاضر والمستقبل. كل ذلك في سبيل الوصول إلى قاعدة أكبر من الجماهير العربية، عن طريق المحادثة عبر الذاكرة التاريخية للأمة. - كان التراث، بمختلف أشكاله، من تاريخ وأسطورة وحكاية شعبية، المصدر الذي استقى منه المسرحيون موضوعاتهم، إذ لجأ بعضهم إلى التراث العربي لإسقاط قضايا الحاضر على الماضي، ولينطلق في حرية كاملة، فيعدل فيه، ويضيف إليه، ويقدم تاريخاً جديداً، وهو في ذلك يحمّل التاريخ الجديد-الذي تبناه- فكره، ويسقط عليه قضية مستمدة من الحاضر، فمن قبيل ذلك مسرحيةالسلطان الحائر) 1960 لمؤلفها توفيق الحكيم، ومسرحية سليمان الحلبي) 1965 لمؤلفها الفريد فرج، ومسرحيةمأساة الحلاج) 1966 لمؤلفها صلاح عبد الصبور. - ولم يكتفوا بما حواه التراث من أفكار ومضامين، بل لجؤوا إلى توظيف بعض الأعمال المسرحية التراثية درامياً، وخصوصاً أشكال الأدب الشعبي، وهنا بات البحث عن شكل عربي، لمسرح عربي جديد، يعتمد على مكوناتنا التراثية، يمشي جنباً إلى جنب مع البحث عن مضمون عربي، فمحاولة التوفيق بين الأسلوب الواقعي للعمل المسرحي والقيم الجمالية، تجلّت في محاولة إيجاد صلة الوصل بين الفن المسرحي والمتفرج، الذي بات يعتمد على التوظيف الفني للتراث، ويشمل عناصر بنية النص المسرحي الفنية، فمن قبيل ذلك مسرحيةالفرافير) 1964 لمؤلفها يوسف إدريس، ومسرحيات أخرى. 3- الدعوات التنظيرية التي حاولت أن تؤسس لمسرح عربي أصيل؛ فقد بات البحث عن شكل مسرحي عربي بعيد عن شكل المسرح الأرسطي والمسرح البريختي، نابع من البيئة العربية ومن تراثها، يسير جنباً إلى جنب مع البحث عن مضمون عربي على الصعيد التنظيري، وذلك عندما دعا يوسف إدريس إلى مسرح السامر في كتابه: نحو مسرح عربي) 1964 ودعوة توفيق الحكيم إلى مسرح الفرجة في كتابه: قالبنا المسرحي) 1966 والدكتور علي الراعي في دعوته إلى المسرح المرتجل) وتتابعت الدعوات بعد1967) فكانت دعوة سعد اللّه ونوس إلى المسرح التسييسي، ودعوة عبد الكريم برشيد إلى المسرح الاحتفالي، وغيرها من الدعوات. - وتكمن أهمية هذه الدعوات في أنها اعتمدت على التراث العربي بأشكاله المختلفة وامتدت لتشمل العرض المسرحي، وبناء المسرح، وأسلوب الأداء التمثيلي، والعلاقة بين العرض المسرحي والجمهور، وعالجت نماذج متعددة من التراث سعياً إلى تطويرها، في محاولة لوضع نظرية جديدة في الدراما العربية، تنبع من العقلية العربية، وتنطلق من الجذور الحضارية للأمة العربية. - إلا أن فترة الستينيات أحدثت تحولاً خطيراً في تاريخ الأمة العربية؛ فحرب حزيران عام1967) كشفت حقيقة التناقضات التي كان يعاني منها الواقع العرب، كما أكدت الحاجة إلى ثورة تحقق الرد على النكسة، فقد كانت الهزيمة العسكرية في الخامس من حزيران تعبيراً عن هزيمة العديد من الأبنية السياسية والاجتماعية والثقافية(28) إذ لم تعرف حياتنا الثقافية المعاصرة حدثاً قومياً زعزع الوجدان العربي، وغمر النتاج الفكري والأدبي والفني بحس الفجيعة، مثل الخامس من حزيران، على الرغم من أنه سواء عُدّ هزيمة أو عدواناً أو نكسة، لم يكن إلا أحد التحديات الضارية التي تجابهها الأمة العربية في نضالها الثوري، من أجل التحرر والوحدة والبناء الاشتراكي)(29) . - فبعد الخامس من حزيران في سورية نهضت طبقة العمال والفلاحين اقتصادياً واجتماعياً، وبدأت تأخذ مواضعها بعد أن برزت في منتصف الخمسينيات وقضت على الإقطاع بالتأميم والإصلاح الزراعي أيام الوحدة(30) ، ثم أخذت تدعم وحداتها النقابية للسير قدماً في مرحلة التحويل الاشتراكي، فكان أن أصدر المرسوم(84) لعام 1968 الذي أفسح المجال للعمال بالمشاركة في قضايا النضال القومي الاشتراكي، وتبعه التنظيم الفلاحي، إذ تمّ تشكيل الاتحاد العام للجمعيات الفلاحية عام1965) وعُدّل إلى الاتحاد العام للفلاحين عام1969) ثم تمّ دمج التنظيم الفلاحي والتنظيم التعاوني في تنظيم واحد1974) وبعدها تولى الاتحاد العام للفلاحين ممارسة دوره في بناء المجتمع ودفع اقتصاده من خلال الاتحادات الفرعية، والروابط الفلاحية في المناطق. - وانصب اهتمام الأدب إجمالاً بعد الخامس من حزيران، على موضوع النكسة حاول تحليلها، ومعرفة أسبابها، ونتائجها، وأثرها في المجتمع، ولما كان المسرح-أكثر من أي فن آخر- فناً اجتماعياً له حضوره البشري، فقد عاش مرحلة النكسة، وحاول التعبير عنها وأطلق صيحات الاحتجاج على الواقع المدان، وقد انقلب الإحساس بالنكسة إلى نوع من التحدي، ذلك أن المبدع العربي وجد نفسه مضطراً إلى طرح البديل، لكل ما هو سائد من أدوات فنية وتعبيرية، وكان التجريب هو الطابع الأساسي لمخططات الإبداع المسرحي العربي؛ إذ بدأت مرحلة رفض الشكل المسرحي الأرسطي، وبدأت مرحلة الوعي التاريخي النقدي للتراث، ورفع شعار إعادة النظر في رسالة الأديب العربي(31) ، وفي رسالة المسرح بكافة مجالاته: فعلى صعيد التأليف المسرحي كان الخامس من حزيران بمنزلة الشرارة التي فجّرت القدرة الكامنة عند الكاتب العربي عموماً، والكاتب المسرحي خصوصاً، فتوجه للاتصال مع الجمهور بطريقة مباشرة، والتفت إلى الواقع، وانطلق منه إلى تصوير الخلفيات التي أدت إلى النكسة لمواجهتها وتجاوزها، فكانت مسرحيةحفلة سمر من أجل 5 حزيران) 1969 لمؤلفها سعد اللّه ونوس التي حاول مؤلفها أن يغوص في الواقع ويضع يده على عوامل النكسة، فبيّن أسبابها، وربط السبب بالنتيجة واستطاع أن ينقل الوضع العربي في اللحظة التاريخية التي تلت الهزيمة جملة إلى مسرحيته التي لم تكن في نهاية الأمر إلا صورة هذا الوضع العام بمختلف جوانبه السياسية والتاريخية والاجتماعية)(32) . وارتبط وعي التراث بمرحلة النكسة، إذ أيقن الكاتب العربي أن الأمة العربية تمتلك شخصية ثقافية وحضارية متماسكة، وما هي فيه من تجزئة هو من صنع الاستعمار فالشخصية العربية للأمة العربية ذات جذور سليمة وواحدة، وساق هذه الشجرة أيضاً سليم، وعندما جزئ الوطن العربي كان الغرض-ومازال- أن يجزأ ثقافياً، وهو الأمر الصعب الذي يصمد له التراث رغم مساهمة بعض المعاصرين من العرب مع سواهم في تحطيمه)(33) لذا فقد كانت النكسة بمنزلة العودة الثقافية التي عكست قلق الإنسان العربي، وتصدعه، في الوقت الذي راح الكاتب المسرحي يبحث عن الهوية المفقودة، ويحاول تلمسها، عن طريق استلهام التراث العربي بما يحمله من حوادث وشخصيات تاريخية، ويوظفها بشكل يفسر الظاهرة، ويدعو إلى التغيير وتجاوز النكسة. وهكذا فقد حاولت بعض المسرحيات تفسير الظاهرة عن طريق الحادثة التاريخية، فجعلت الشعب هو المسؤول لأنه لا يتحمل مسؤولية الواقع فمن قبيل ذلك مسرحية رأس المملوك جابر) 1971 لمؤلفها سعد اللّه ونوس. - ووجهت مسرحيات أخرى بعض الانتقادات إلى الأنظمة الحاكمة، وحمّلتها المسؤولية، ولم تغفل مسؤولية الشعب أيضاً، وقد مثلت هذه الظاهرة مجموعة من المسرحيات نذكر منهامحاكمة الرجل الذي لم يحارب) 1972 لمؤلفها ممدوح عدوان، ومسرحيةالمهرج) 1973 لمؤلفها محمد الماغوط(34) ..... - إن موجة المسرح السياسي قد تعالت بعد نكسة حزيران، واكتسحت موجة المسرح الاجتماعي الذي كان سائداً قبل حزيران، وربما تكون نقمة الكاتب العربي إثر النكسة، على الحاكم، وعلى الشعب، هي التي صعّدت حركة المسرح السياسي؛ إذ وقف المسرح مجابهاً للسلطة وألقى اللوم عليها، وأدان عدم اكتراث الشعب، وإحجامه عن تقرير مصيره، وقيادة الحكم، ولعل مسرحيةحفلة سمر من أجل 5 حزيران) هي البداءة الواعية لمسرح اليسار السياسي(35) ؛ إذ امتزجت الممارسة المسرحية بالممارسة السياسية، وغدا المسرح عند ونوس تجمعاً سياسياً تطرح فيه القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية، لمناقشتها، وتحليلها، وبظهور المسرح السياسي في سورية تغيّر دور المسرح، فأصبح عملاً جماهيرياً واسع الانتشار، بعد أن كان يشكل متعة للبرجوازية المثقفة. - أما على صعيد العمل الفني فقد راح القائمون على الفن المسرحي يبحثون عن صيغ جديدة تبعده ولو بشكل جزئي عن التقليد، وتعيده إلى الأصول العربية، لأنّ مهمة المسرح قد اختلفت؛ وانتقل من الدور التنفيسي إلى الدور التحريضي لذا فإن خروجه عن أصول الدراما الغربية، واستلهام الصيغ المسرحية الشعبية كان ضرورة لابد منها، وقد شكل البحث عن صيغة لمسرح عربي الركيزة الأساس في البحث عن الهوية العربية. - وإذا كان الوعي بفعالية التراث، والانتباه إلى ضرورة استيحاء الموضوعات من الواقع العربي ارتبط بمرحلة النكسة في الوطن العربي عامة، وفي سورية خاصة، فإن ذلك لا ينطبق على القطر العربي المصري، فالعودة إلى التراث بعد النكسة في الفن المسرحي في مصر هي امتداد طبيعي لهذا الفن قبل النكسة، وإن المحاولات التأصيلية للمسرح العربي التي جاءت بعد(67) قد سُبقت بمحاولات تنظيرية عندما فتح يوسف إدريس باب التنظير لتأصيل المسرح العربي على مصراعيه. - والحقيقة فقد سجل الخط البياني المسرحي في مصر تراجعاً بعد النكسة، مهدت له السنوات الثلاث التي أتت قبل النكسة، وعلى الرغم من إحساس الشعب بهذه النكسة، ومطالبته بتغيير جذري على الصعيد الداخلي والخارجي، إلا أن النظام الذي كان قد فقد القدرة على المبادرة لم يستطع إجراء هذا التغيير، وجاءت إجراءاته شكلية لا تمس ما هو قائم في الصميم، بل على النقيض: وجدت تلك الفئات من الطبقة الجديدة نفسها تواجه نظاماً مهزوماً ومثخناً بالجراح فاستشرت وازدادت تكالباً)(36) . - وطبيعي في هذا الجو، أن تجتاح تلك العاصفة المناخ الثقافي، وطبيعي أيضاً أن يؤثر ذلك في الحركة المسرحية التي أخذت ملامحها تتقلص فتراجعت الكوميديا المحلية الخالصة لتحل محلها عروض ممصرة ومقتبسة عن المسرح الذي نقد هو الآخر ملامحه فلا هو مصري خالص، ولا هو مسرح عالمي يضيف لنا خبرة جديدة..)(37) . - وفي خضم هذا التغيير السياسي والاجتماعي الذي شمل القطاع المسرحي، أخذ مسرح الدولة يجاري القطاع التجاري، وهاجر فريق من المسرحيين المصريين العرب إلى بلدان عربية أخرى، وعاش المسرح جواً من مناخ المصادرة والرقابة، أو المنع مما جعلفريدة النقاش) تعبر عن حالة المسرح ومصادرة حريته، بذلك المونولوج الذي جاء على لسان فيجاور في مسرحية بومارشيهزواج فيجارو) حين بلغ التحلل في عصر لويس عشر أوجه فقال: تعلمت الكيمياء والصيدلة، وتوصلت بشق النفس إلى أن أمسك بيدي مبضع بيطار، غير أني مللت إيلام الحيوانات المريضة، فقذفت بنفسي إلى عالم المسرح، وكنت كمن علق حجراً بعنقه، وطوتني الأيام أنتقل من جهة لأخرى والفقر وسادي، والجوع طعامي، حتى غارت وجنتاي وأوشكت أن ألمس بيدي الموت الزؤام حينئذٍ رحت أتكالب على الحياة، وأبحث هنا وهناك، إلى أن وفقت إلى صحيفة أنقد فيها بصراحة تامة بعض المظالم الصارخة، فما طال بي الحال حتى فتحت أمامي أبواب السجن على مصراعيها، وجاء يوم ملّوا من إطعام سجين مغمور، فألقوا بي إلى عرض الطريق، ولمّا كان لابد لأقيم أودي من كسرة خبز فقد شحذت قلمي من جديد، وسألت كل من صادفني عن مشكلة الساعة، فأخبرني أنه بينما كنت في مأواي المجاني صدر أمر ملكي، عادل، بإطلاق حرية الفكر والكتابة، وإنني ما دمت لا أتكلم عن السلطة، ولا عن الملك، ولا عن الدين، ولا عن السياسية، ولا عن الأخلاق، ولا عن النبلاء، ولا عن الهيئات المنظمة ولا عن الأوبرا أو دور التمثيل، ولا عن أي إنسان له أي صفة من الصفات، فلي كامل الحرية في أن أصدر جريدتي تحت رقابة اثنين أو ثلاثة من الرقباء العتاة الجهلة)(38) . - ومع هذا الجو القاتم الذي عاشه المسرح العربي في مصر بعد حزيران عام1967) لمحنا بقعاً مضيئة على صعيد التأليف المسرحي، اندفعت بعد النكسة لتناقش الواقع العربي، وتتحدث عن علاقة الشعب بالسلطة، إضافة إلى أنها طرحت بعض القضايا التي فجرتها النكسة فمن قبيل ذلك مسرحيةأوديب- أنت اللي قتلت الوحش) 1970 لمؤلفها علي سالم، والذي أقرّ من خلال الرمز والإيحاء في المسرحية أن ما حدث في عام1967) هو نتيجة متوقعة بعد الانتصار الذي تمّ عام1956) لأنه كان انتصاراً موهوماً(39) ، ومسرحيةالعرضحالجي) 1968 لمؤلفها ميخائيل رومان، ومسرحيةالمسامير) 1969 لمؤلفها سعد الدين وهبة، إضافة إلى بروز محمود دياب، الذي قدم أول عرض لمسرحيةالزوبعة) في القاهرة 1967 ومن ثم مسرحيةليالي الحصاد) 1968. - وهكذا ومما تقدم نلحظ أن الدعوة إلى تأصيل المسرح العربي في سورية ارتبطت بمرحلة النكسة، بينما ارتبطت في مصر بمرحلة النضج الديمقراطي على جميع الأصعدة، وإذا أردنا أن نؤرخ لحركة تأصيل المسرح العربي المعاصر في سورية ومصر، فإننا نجدها قد مرت بمراحل ثلاث متداخلة لا منفصلة: ففي المرحلة الأولى تمّ البحث عن مضمون عربي للمسرح، وكان الاعتماد على موضوعات من الواقع المعيش. أما المرحلة الثانية: فهي مرحلة البحث عن شكل عربي للمسرح، وذلك عندما جاب المسرحيون العرب آفاق التراث، باحثين عن ظواهر مسرحية؛ وبدا واضحاً من خلال أعمال محمد مندور وسلمان قطاية، وعلي الراعي وعلي عقلة عرسان، وغيرهم؛ إذ استخرجوا مظاهر مسرحية تمثلت في المقامات والأفراح والطقوس الدينية والإسراء والمعراج وحلقات الذكر وغيرها من الظواهر المسرحية. وتجلى على صعيد التطبيق من خلال صب المضامين العربية في أشكال مسرحية جديدة، مستقاة من الفنون الشعبية المتوارثة في بلادنا. أما المرحلة الثالثة فهي مرحلة التنظير لمسرح عربي جديد، وقد تجلى ذلك من الكتابات التي حاولت رسم ملامح عربية لمسرح عربي جديد على صعيد الشكل والمضمون، ونُشرت تحت عناوين بارزة مثلنحو مسرح عربي) وبيانات لمسرح عربي جديد). ومما لا شك فيه أن العوامل السياسية والاجتماعية المؤثرة في تأصيل المسرح العربي لم تكن بمعزل عن العوامل الثقافية، ولا سيما الثقافة الأجنبية. 2- العوامل الثقافية - سنقتصر الحديث في هذه الفقرة على أهم العوامل الثقافية التي أثرت تأثيراً مباشراً في المسرح وهي: -الثقافة الأجنبية: - ولدت الظاهرة المسرحية العربية عندما قدم مارون النقاش1817- 1855) مسرحيته الأولىالبخيل) 1848 بعد إطلاعه على المسرح الغربي، واضعاً بذلك البذرة الأولى للمسرح العربي، وهذا ما صرّح به في خطبته التي قدّم بها لمسرحيته المذكورة آنفاً، والتي أظهر فيها انبهاره بالفن المسرحي الغربي، ومن ثم نقله إلى بلاده، وأهل عشيرته لما يحويه من فوائد، وبذلك يكون النقاش قد فتح عهد التبعية للمسرح الغربي(40) . - ولم يكن مسرح يعقوب صنوع1839- 1912) أوفر حظاً، فقد درس صنوع في إيطاليا، وشاهد الفرق المسرحية، وقرأ المسرحيات الأجنبية بلغاتها الأم، فأعجبَ بهذا الفن، وقرر نقلة إلى بلاده، ومن ثم أسس مسرحاً بحديقة الأزبكية عام1870) وقدّم أعمالاً مسرحية، برز فيها تأثره بالمسرح الغربي. - وبقي المسرح العربي يدور في فلك المسرح الغربي، وتحت رايته، على الرغم من محاولة بعض المسرحيين العرب في مصرتمصير) بعض الأعمال المسرحية الأوربية، وتعريبها عن طريق الترجمة، وعن طريق الاقتباس. - لقد جعل ذلك كله العروض المسرحية في حدود النخبة البرجوازية، والطبقة المنبهرة بالحضارة الغربية، وبقي الجمهور يمارس لعبته مع المسرح كنوع من أنواع الترفيه، إذ لم يهيأ هذا الجمهور قط للإقبال على مسرحيات تقدم له أنماطاً من السلوك اليومي والمشاكل الحياتية المعاصرة، بل كان الجمهور يستهجن قيام تمثيل على المسرح بالثياب المعاصرة إلا إذا كان تهريجاً ووسيلة من وسائل الإضحاك)(41) . - وفي مرحلة الوعي القومي الذي بدأ يتبلور في منتصف الخمسينيات راح الأدباء في سورية يدعون إلى التجديد في فنون الأدب التقليدية، ويركزون على التحرر من الهيمنة الأوربية، عندها بدأ المسرح يدخل في تجربة جديدة؛ إذ راح القائمون عليه يبحثون عن سبيل لنشره، وترسيخ جماهيريته، واعتبروه مؤسسة ثقافية تضاف إلى المدارس ودور المعاهد والجامعات، إضافة إلى كونه وسيلة لتهذيب الشعب، ولرفع مستواه الخلقي والاجتماعي. أما في مصر، فقد كانت الثورة أكبر تدريب للشخصية المصرية، التي تفجرت قدرتها الكامنة، وانبثقت فاعليتها في تطهير البلاد من السيطرة الأجنبية، ومن النفوذ الأجنبي، فبعد أن استحدثت الثورة الصناعية والاقتصادية، التفتت إلى الحياة الثقافية، التي تبناها مجموعة من المثقفين اليساريين الذين تنبهوا إلى ضرورة الكشف عن الشخصية العربية المصرية الممتدة بجذورها في أعماق التراث، ومن ثم محاولة الكشف عنها محاولة تؤدي إلى تحقيق الذات، وتوكيدها. - إلا أن تحقيق الذات لم يكن يتمثل بالعودة إلى التراث فحسب، بل عن طريق الدعوة إلى تمازج الثقافتين العربية والغربية، وهذا ما أكده وزير الثقافةعبد القادر حاتم) في مصر عندما قال: وثورتنا الثقافية ثورة تحررية تدعونا لأن نحطم الأغلال ونزيح كل غشاوة كانت تحجب عنا أنفسنا وقدراتنا وتراثنا، يجب أن نستفيد من كل شيء، وأن نثري ثقافتنا بكل ثمرة من ثمار التقدم الفكري، في كل مكان من العالم، بل إنني أريد أيضاً أن أقول: إن واجبنا ألا نأخذ الصالح من الثقافات الأجنبية فحسب، بل أيضاً من واجبنا أن نعمل على تصدير ثقافتنا)(42) . - لكن الاستفادة من الثقافة المسرحية الغربية لم تكن تعني التقليد والاقتباس إذ أدرك المسرحيون العرب أن عملية التواصل التي من المفترض أن يقوم بها الفن المسرحي من المتعذر أن تؤدى ضمن المسرح المستورد، لذا كان لابد من ظهور محاولات تدعو إلى الاستقلال والخروج من المسرح الغربي، خصوصاً بعد أن تنبه العرب في مرحلة الاستقلال إلى ضرورة وضع نظام حضاري خاص بهم، مستقل عن الحضارة الأوربية، بعد أن وقفوا موقف المستريب والمتشكك من الحضارة الأوروبية، التي جاءتهم عن طريق الغزوات العسكرية والاستعمار بما يحمله من معاني البطش والسيطرة العنصرية(43) ، أي عن طريق التبعية القسرية. - مصادر تأثر المسرح العربي بالمسرح الغربي: 1- لقد بدأت مصادر التأثر مع بداية عصر النهضة، وذلك عند قدوم حملة نابليون إلى مصر1798) إذ حملت معها الشكل المسرحي المعروف(44) ، إضافة إلى الأعمال المسرحية التي قدمتها البعثات التبشيرية في سورية ولبنان، ولا سيما أنها حملت معها المطابع، وراح الطلاب يقدمون في مدارسهم مسرحيات باللغة الأجنبية والعربية لأهداف دينية وأخلاقية وتربوية وثقافية. 2- البعثات العلمية إلى دول أوربا الغربية والشرقية، لتلقي علوم المسرح وفنونه، التي بدأت في مصر مع بداية عصر النهضة، سواء تلك البعثات العلمية المباشرة التي هدفت إلى دراسة أصول المسرح واتجاهاته أو غير المباشرة التي هدفت إلى تلقي العلوم العامة. ويمثل الأولى في القرن الماضي يعقوب صنوع1839- 1912) ويمثل الثانية توفيق الحكيم الذي أُرسل إلى باريس كي يتمّ دراساته العليا في القانون، إلا أنه أبحر في عالم الفن والأدب، وعاد يحمل في جعبته النية لإيجاد مسرح مصري أدبي(45) ، دون أن يحمل الدرجة العلمية التي أرسل من أجلها. - تضاف إلى ذلك البعثات العلمية المتتالية التي قامت بها الحكومة المصرية والحكومة السورية في النصف الثاني من هذا القرن، علماً بأن التأثر بالمسرح الغربي لم يقتصر على البعثات السورية إلى الدول الأجنبية فحسب، بل شمل أيضاً أولئك الذين تلقوا تعاليمهم المسرحية في مصر العربية، ذلك أن المسرح المصري قد هضم مقولات أرسطو في المسرح، وتمثلها في أكثر أعماله المسرحية إضافة إلى استيعابه المقولات البريخنتية، ولا سيما أنه لاقى الظروف المواتية لذلك، تقول فريدة النقاش: في حين فتحت هذه العروض الباب أمام مناقشة واسعة لأسس المسرح الملحمي كما طرحها بريخت، فبرز الكورس والأداء البريختي والمعلومات، وروجت لترجمات نصوص كثيرة من كتاباته، وكتابات بسكاتور، طورت بسرعة فائقة أدوات العرض المسرحي وأشكاله... وكانت أرض الواقع ممهدة لتقبل كل هذه الظواهر والاستجابة لها، بقدر ما كانت هي نفسها تعبيراً عن التغيرات المحسوسة، وأهمها على الإطلاق أنها مثلما استمعت إلى صوت القوى الاجتماعية الجديدة، فقد جاءت بممثلين لهذه القوى إلى المسرح لم يكن باستطاعتهم أبداً أن يدخلوه، وكان ذلك نتيجة مباشرة للسياسة الثقافية للدولة، التي عبأت أجهزتها الإعلامية المناخ الأيديولوجي كله بشعارات الاشتراكية)(46) . - يضاف إلى ذلك ما قدّمه المعهد العالي المسرحي في مصر من عاملين في الفن، إذ بذل أولئك جهوداً في تطوير الفرق المسرحية العاملة، وفي إنشاء فرق مسرحية، ولا سيما أولئك الذين أرسلوا في بعثات داخلية إلى أنحاء الوطن العربي، بعد أن تدربوا في أوربا الغربية، أو في البلدان الاشتراكية؛ إذ كانت القاهرة تنشئ من المتخرجين من معهدها الفرق الجديدة فنفذت المثل الفنية الرائجة في مصر إلى البلدان الأخرى، تدريجياً وترسخت من خلال زيارات الفرق المسرحية المصرية، ومن خلال الإذاعة والتلفزة وأشرطة الفيديو والسينما)(47) . - وتجدر الإشارة إلى أن جميع الكتّاب المسرحيين والنقاد الذين أصابوا نجاحاً في كتابة الفن المسرحي، ونقده، كانوا من المتصلين بالثقافة المسرحية الأجنبية، فمن هؤلاء، رشاد رشدي الذي جاء إلى المسرح من جامعة القاهرة التي كان يدّرس فيها الأدب الإنكليزي، بعد عودته من إنكلتره التي كان مبعوثاً إليها، وجاء نعمان عاشور من قسم اللغة الإنكليزية أيضاً بعد أن تعرّف على كتّاب المسرح العالمي التقليدي والحديث، أما الفريد فرج فقد درس الأدب الإنكليزي في جامعة الإسكندرية بعد أن نزحت عائلته واستقر بها المقام في الإسكندرية. 3- وفرة الترجمات المطبوعة، من كتب ومسرحيات، وقد ساهمت سلسلة المسرح العالمي المصرية، وسلسلة من المسرح العالمي الصادرة عن وزارة الأعلام في الكويت، بالقدر الأكبر منها، إضافة إلى ما قدمته الدوريات على صفحاتها من مسرحيات ومقالات نقدية مسرحية مؤلفة ومترجمة. 4- الدراسات الأدبية والنقدية: فقد شهدت البلاد-كما بينّا- بوادر تغيرات في الواقع السياسي والاجتماعي؛ فالانفتاح على العالم الخارجي، أدى إلى تفاعل بين الثقافة العربية والثقافة العالمية، وظهرت التجمعات الأدبية، فمن قبيل ذلك رابطة الكتاب السوريين1954) التي خلقت جواً من الصراع الفكري بينها وبين الاتجاهات الأخرى، وجعلت الدوريات مجالاً لها؛ إذ كان لها دور في تبلور التوجهات آنذاك، وقد ظهرت أسماء عديدة لمجلات وصحف نذكر منها، مجلة النقاددمشق) التي ساهمت في تحريك الجو النقدي والأدبي، ومجلة الثقافةبيروت) التي كانت لسان الماركسين، ومجلة الآداببيروت) وكانت منبراً للقوميين، والوجوديين، إضافة إلى بعض الدوريات الأخرى. - إن الفلسفة الوجودية التي برزت في فرنسا وبلاد أوربا، والتي جعلت الأدب القصصي والمسرحي وسيلة للتعبير عن أفكارها، كانت مصدر تأثر للثقافة العربية في الخمسينيات من هذا القرن. - كما أن احتكاك العرب بالبلدان الاشتراكيةسابقاً) في سورية ومصر في أواسط الخمسينيات بدا أكثر عمقاً، إذ دخل في نسيج المرحلة سياسياً وعسكرياً وثقافياً، وعلى الرغم من أن الصوت الماركسي بدأ يتراجع مع قدوم الستينيات، إلا أنترجمة النصوص الأدبية والسياسية والفلسفية وسواها، ذات التوجه الماركسي، أخذت منذ هذه الفترة تتواتر وتفعل مع ما سبقها فعل الخميرة، الذي سيبدأ عطاءه الثقافي في المرحلة التالية، حيث عاد الخطاب الماركسي إلى الساحة بصيغ أخرى أكثر تنوعاً وتجذراً وامتلاءً)(48) . - وما قلناه عن فترة الخمسينيات ينسحب على فترة الستينيات إلا أن ملامح التيارات الفكرية والفنية من وجودية وماركسية وفرويدية وقومية قد تبلورت ، واطلع النقاد العرب على النقد الغربي باتجاهاته كافةً، فقد كثر الحديث عنإليوت ولوكاتش وغارودي وفرويد وكامو ويونغ وسارتر) فهذه التيارات بما مثلته من انتماءات متباينة، كانت المنابع التي أغنت الحركة النقدية، ولابد من التركيز على بعض الإشاراتكانحسار المد الوجودي بعد أن بلغ ذروته أواسط الستينيات وحلول المد الماركسي محله، فضلاً عن المد البرجوازي المتمثل سواء في السلفية أم الغربوية، وخاصة في النصف الثاني من السبعينيات، ومن هذا القبيل أيضاً ما تعنيه قائمة الأعلام الأكثر توهجاً في الستينيات: سارتر- ولسن- ايليوت... فقد أضافت السبعينيات الكثير، وأخرت بعض الأسماء مما ساعدت عليه حركة الترجمة الناشطة محلياً وعربياً، وكذلك الاتصال المباشر بين الأجيال المتتالية من المبعوثين والثقافات التي تلقوها في بلدانهم... وهكذا لمعت أسماء فرويد، يونغ، شتراوس، لوكاتش...)(49) . - وهكذا فإن المتتبع لمؤثرات الفن المسرحي الأجنبي في الفن المسرحي العربي، يرى بوضوح أن التأثر كان عن طريق مدارس ثلاث لعبت دوراً بارزاً في تكوين جوهر المخيلة الدرامية للنص المسرحي. - فقد شكلت المدرسة الكلاسيكية بأصولها وفروعها وتقاليدها ونظرياتها الهاجس الأول لدى المسرحيين العرب، وهي تلك المدرسة الممتدة بجذورها إلى الشكل اليوناني مروراً بشكسبير وراسين، وانتهاء بالكتاب المحدثين أمثال تشيخوف وآرثر ميلر وغيرهما، والحقيقة فإن النظرية الأرسطية في المسرح لم تفارق المسرحيين العرب كتّاباً ونقّاداً، لا في العصر القديم، ولا في العصر الحديث؛ إذ أصرّ معظم المسرحيين على ضرورة المحافظة على أصول البناء الدرامي الأرسطي وراح النقاد المسرحيون يقيسون الأعمال المسرحية وفق مقاييسها، وجعل المنظرون المسرحيون الدراما الأرسطية هي المثل الأعلى، فانطلقوا منها، وحافظوا عليها. - أما المدرسة الثانية: فكانت في ثورة بريخت على القواعد الكلاسيكية للمسرح، ومما ساعد على تقبل أفكار بريخت هو تلك التغيرات التي حلّت بالأمة العربية، وخصوصاً في سورية ومصر، ولا سيما أنهما كانتا تسيران في مرحلة البناء الاشتراكي، لذا فقد حظيت آراء بريخت بالقسم الأوفر من الانتشار، ففي أكثر المحاولات الفنية والنقدية، التطبيقية والتنظيرية، كان بريخت ماثلاً مفكراً أو مسرحياً، وتجدر الإشارة إلى أن تعريب بريخت لم يكن مهمة فنية مسرحية فحسب، بل هو أيضاً تعبير عن طموح كبير للمجتمعات النامية لتحقيق ذاتها وتجسيد مشاكلها من خلال الفن المسرحي)(50) . - وتجدر الإشارة إلى أن المؤصلين المسرحيين لم يستطيعوا في دعواتهم التأصيلية أن يتخلصوا من سيطرة المدرسة الكلاسيكية، إضافة إلى أن أفكار بريخت، ودعواته، دخلت في نسج العملية التأصيلية في المسرح العربي؛ إذ لم تعد وظيفة المسرح هي التطهير، بل التحريض والتغيير، وهذه هي مهمة مسرح بريخت القائل: أردت أن أستعمل على المسرح الجملة القائلة بأن المهم ليس تفسير العالم بل تغييره)(51) . - والحديث عنالتغيير) يقود إلى الحديث عن قدرة المؤصلين على تحويل النص المسرحي إلى أداة تحريض، فالمسرح عند ونوس لا يستطيع أن يغيّر الأوضاع لكن المهم جداً أن يطرح المسرح المشاكل الموجودة في هذا المجتمع، بشكل صحيح، وبصورة يمكن أن تفتح إمكانية التغيير أمام المتفرج)(52) فالقدرة على التغيير يمكن أن تنتج عن طريق تحريض عقل المشاهد، ومن ثم دفعه إلى عمل ما. -فبريخت في مسرحه يريد أن يحقن المشاهد بقدرةٍ ما، ليكون بعدها قادراً على تغيير واقعه، وهذه الوظيفة للمسرح، قد نظر إليها أكثر المسرحيين على أنها المهمة الأساس، وقد عبّر عن ذلكفرحان بلبل) عندما رأى في المسرح العربي قدرة على تغيير واقع التجزئة والتخلف التي يعاني منها الشعب العربي؛ إذ يقول: وأمتنا العربية في كل قطر من أقطارها تواجه خطراً كبيراً واحداً، هو التخلف والاحتلال والتجزئة، وكل الأسلحة يجب أن تنصب لممارسة هذا الخطر الثلاثي، والجماهير هي الأداة الفعّالة لدرء الخطر، والمسرح هو السبيل الأمثل لتوعيتها وتحريضها)(53) . - ولقد شاعت في أوساط النقد المسرحي كثير من المصطلحات النقدية المستمدة من مسرح بريخت فمن قبيل ذلك مصطلح"التغريب" وإن تغريب حادثة ما أو شخصية ما يعني أولاً وببساطة نزع البدهي، والمعروف والواضح عن هذه الحادثة أو الشخصية، وبالتالي إثارة الاندهاش والفضول حولها)(54) إذ تكمن قيمة التغريب في قطع الاندماج عند المتفرج، وتحريك ذهنه بشكل دائم. - والخروج عن المسرح الأرسطي، وتحطيم الجدار الرابع، الذي عرف من مسرح بريخت قد شُغف به المؤصلون المسرحيون، فالبحث عن وسيلة للاتصال مع الجمهور، والتأثير فيه كانت الدافع الأكبر لتحطيم الجدار، ثم إن هذه باعتبارها أنها تنطلق من واقع الجمهور وتحقق أعلى درجة من الاتصال به، والتأثير فيه، فإنها مضطرة إذاً للقيام ببحث جاد ويومي عن تجربتها الخاصة في التعبير المسرحي، عن أسلوب ولغة وشكل)(55) . وهناك من يعلل إزالة الجدار الرابع بتطور عقلية الجمهور، ونضج ذوقه؛ إذ لم يعد يرى في المسرح تسلية، وتمضية أوقات فراغ، بل أصبح يريد أن يتعلم، ويفكر، ويناقش. - ولعل الانطلاق من واقع الجماهير العربية والتوجه إليها، بعد تحديد نوعيتها، من القضايا الهامة التي نادى بها بعض المؤصلين المسرحيين، أولئك الذين قصروا جمهورهم على الطبقة الكادحة من عمّال وفلاحين وبقية القوى من الفقراء والمسحوقين(56) ، وانطلاق المسرح من الطبقة العاملة والمنظمات والهيئات مثّل جزءاً كبيراً من دعوات بريخت. - وأما المدرسة الثالثة فهي مدرسة اللامعقول متمثلة بأهم روادها صموئيل بيكيت ويوجين أونيسكو ودورنمات) ولعل تأثر المسرح العربي، بأدباء مسرح الطليعة، واللامعقول بما يحمله أدبهم من ضياع وتشتت، كان بمنزلة الصدمة عند الجديين من المسرحيين العرب لأنهم أدركوا التنافر العجيب بين المسرح والواقع؛ إذ لم يكن هناك ما يسوغ تجربته في الواقع، ولم تكن ظروف البيئة العربية تشكو من التعقيد والأزمات الاجتماعية التي تتيح للتجربة أن تنمو نمواً طبيعيً، على نحو ما حدث في الغرب إن أبناء جيلنا يشكون من ضغط الآلة في مجتمع لم يكن قد توصل إلى الحد الأدنى من استخدام الآلات، ويحتجون على تحول المعامل والمصانع في مجتمع متخلف يشكو من استيراد كل مادة مصنوعة، ويصرخون ضد النظام في مجتمع أخفق حتى اليوم في تثبيت دعائم نظام عام، ومعايير موضوعية)(57) ، فتجربة المسرح الطليعي مرفوضة-على الرغم من الالتزام بها- لأنها تعبّر عن غشاوة في الرؤية وضياع للهدف، ومعاناة فردية محكوم عليها بالإحباط والفشل، وأردنا بها معالجة قضايانا والانتقال للتقدم والحرية فكانت النتيجة أن هذه التجربة لم تعالج قضية الحرية، ولم تنتصر للتقدم، بل أوقعتنا في التشاؤم واليأس، وكيف يمكن لمن ينتظرون"غودوت" الذي لن يأتي أن يبشروا بأي خير ما داموا ساكنين مهزومين)(58) . - ولم يقتصر التأثر على المسرح الكلاسيكي والمسرح البريختي ومسرح العبث فحسب، بل إن أفكار ستانيسلافسكي التطبيقية والنقدية قد لاقت صدىً في نفوس مسرحيينا، ففواز الساجر لم يكتفِ، بتطبيق أفكار ستانيسلافسكي في أعماله المسرحية، بل نادى بتمثلها، ووضح مدى أهميتها في إنشاء العمل المسرحي، ابتداءً من التركيز على أهمية النص المسرحي، وجعله الأساس لبناء العمل، والتركيز على القراءة الأولى، وأهمية الانطباع الأول، إلى أن يصبح النص عملاً مسرحياً جاهزاً للعرض(59) . وتجدر الإشارة إلى أن فوازاً قد حاول في مسرحه المزج بين اتجاهين مختلفين، هما الاتجاه النفسي الكلاسيكي لفن الممثلستانيسلافسكي) والاتجاهات التجريبية كالتغريب والمسرح المرتجلبريخت وميرهولد) وهذا أمر شائع ومشروع في مسرحنا العربي. وقد رأى بعض المسرحيين أن تعاليمستانيسلافسكي) في المسرح بما يشمل من الأخلاق، وعلم الجمال، وفن التمثيل، والإخراج وأسس تنظيم الفرق نبع لا ينضب، خصوصاً فيما يخص العاملين في ميدان التدريس في المعاهد، فقد أكد المخرج المسرحي سعد أردش عندما رأى أن الخدمة التي قدمهاستانيسلافسكي) في نظريته الشاملة في إعداد الممثل، لا تزال تشغل مكانة مرموقة في المسرح المعاصر إلى يومنا هذا(60) . - وهكذا فإن هذه المؤثرات المتعددة والمتنوعة، التي حددت مسار المسرح العربي جعلت المسرحيين العرب يدركون مدى خطورتها؛ إذ يمكن أن تسهم في القضاء على روح الإبداع المتميزة للفن العربي، ويمكن أن تسهم في الانقطاع عن الجذور العربية؛ إذ إن الانقطاع الطويل بين الظواهر الاحتفالية القديمة، والدراما العربية المعاصرة، جعلنا اليوم مقلدين بعد أن كنا مبدعين)(61) . - ليس هذا فحسب، بل إن الكم الهائل من الإرث المسرحي المستورد، جعل المسرحيين العرب، يتخبطون بين المناهج، في استخدام الأدوات المسرحية الفنية والنقدية، لذا فقد تفاوتت مصادر التيارات بين بلد وآخر، بسبب اختلاف النظم السياسية والاقتصادية بين بلد عربي وآخر، على الرغم من الانتماء القومي الواحد، مما جعل عملية الانتقاء والاختيار تتناسب مع النظم السائدة، لذا فإن التأثر بالمسرح الغربي، واختلاف النظم السياسية بين بلد وآخر، أفرز أشكالاً مسرحية عربية مختلفة ومتنوعة، وهي مسارح غير متجانسة مع بعضها كما أنها-من جهة أخرى- لا تشبه هذا الإنسان، ولا تكشف عن جمالياته ولا تسع قضاياه، ولا تترجم فكره وروحه وإرثه الحضاري...)(62) فهذا التعدد والتنوع في الاستقاء جعل مسرحنا العربي يفقد سماته المشتركة، ويكثر فيه التنافر. - لقد كانت مصادر التأثر في البلد الواحد خاضعة للنظم السياسية القائمة، ففي مرحلة ما يمكن أن يستعان ببريخت، بينما يستعان بآخر في مرحلة تالية، وهذا ما حصل في مصر العربية، عندما منع أي عرض مسرحي يتعلق بمسرح بريخت، بينما كان التأثر به واضحاً في مرحلة سابقة ولعل تعدد المصادر واختلافها جعل السمات المشتركة بين مجموعة من الكتّاب في البلد العربي الواحد نادرة أيضاً، وقد يرى دارس الفن المسرحي أن تفاوت المسرح، وتنافره، لا يستند إلى الإنتاج في بلدين عربيين مختلفين، ولا في إنتاج بلد عربي واحد فحسب، بل يلحظ التنافر على مستوى مؤلفات كاتب واحد، ذلك لأن المادة المسرحية المستوردة، وضعت تحت تصرف الكاتب بكاملها، مما حدا به أن يعتمد على مجموعة من البنى الفنية والأشكال المسرحية. - وهكذا فإن التأثر بالمسرح الأجنبي، باتجاهاته المتنوعة، خلق شرخاً بين المسرح والجمهور، مما جعل المسرحيين العرب يتنبهون إلى واقعهم المسرحي، ويدركون حقيقة القيمة الجمالية التي يقوم بها المسرح، عندها بدأت صيحات التأصيل تلوح في الأفق، داعية إلى العودة إلى الأصول العربية، والاستغراق في الواقع العربي؛ إذ أدركوا خطورة انفصال الشكل المسرحي عن مضمونه الذي نتج عن التأثر بالمسرح الغربي، ففي اعتمادهم على التقنية المسرحية المستوردة نسواأن المسرح ليس صناعة جزئية وإنما هو لغة شاملة يتواصل بها الإنسان مع الإنسان في كل زمان، وفي كل مكان، ومهما كانت الظروف، ومكونات هذا الإنسان، لهذا كانت القطيعة واضحة بين المسرح كفن مستورد، والجمهور الذي يختزن في ذاكرته مجموعة من الطقوس والفنون والأشكال الشعبية الكفيلة بخلق مسرح متميز..)(63) خصوصاً بعد أن غاص الكاتب المسرحي في الواقع، ونقله إلى خشبة المسرح، ضمن قوالب مسرحية مستوردة، فكان الانفصال بين الشكل والمضمون. وهكذا فإن فكرة التميّز قد تولدت بعد أن اكتسبت دلالات محددة تهدف إلى التحرر من الآخر، وإثبات الذات، ومحاولة تحديها لباقي الحضارات، كل ذلك بعد أن أدرك المسرحيون العرب أن المسرح هو شكل من أشكال الوعي الاجتماعي الذي يعتمد على المواجهة الحيّة بين أطراف الإبداع للفعل المسرحي وجمهوره، وهذا يقودنا إلى الحديث عن الدور التوصيلي للمسرح بفرعيه التوجيهي والترفيهي. الدور التوصيلي للمسرح: لم تعد الوظيفة الأساسية للعمل المسرحي، عند المؤصلين المسرحيين تعتمد على النظرية الأرسطية التي اعتمدت عمليةالتطهير) تلك الوظيفة التي تؤدي إلى تحرير النفس من الانفعالات أو التسامي بها عن طريق فني لاضرر فيه(64) ، إذ يخرج المشاهد وقد عاش تجربة وجدانية، امتصت انفعالاته، وخففت توتراته، وغدت الوظيفة الرئيسية للمسرح تستهدف التفجير والتثوير والتغيير. إنالإنتاج الإبداعي يجب أن يكون فعّالاً في تغيير المجتمع... وتكون العلاقة سليمة بين الفنان والمجتمع، وبين الفن والمجتمع أيضاً... أما إذا تحولت العلاقة الجدلية التي أشرت إليها إلى عملية عكسية أو إذا انتفى الوضع الجدلي الإيجابي النتائج، فإن المعاناة والتحريض ينتفيان وبالتالي تنتفي رسالة المسرح، رسالة الأدب والفن... عندما يخرج المتفَرج من عمل مسرحي كما دخل إليه دون أن يشعر حتى بأية قيمة جمالية، أو عندما يمتص المسرح نقمة المتفرج على الواقع، ويحولها إلى ضحكات تملأ فراغ الصالة، وتفرغه من شحنة الغضب، عن طريق التفريغ وامتصاص النقمة)(65) . - لقد أصبح كل ما يدور على الخشبة يهمّ المواطن، ويستهدفه، ويتوجه إليه، لذا فقد تنبه المسرحيون العرب إلى الدور المزدوج الذي لابد للمسرح أن يقوم به، فلكي يكون فعّالاً وجب عليه تحقيق التوازن في هذا الدور، إذ عليه أن يستوعب ما يدور حوله من صراعات يكشفها ويحدد طبيعتها، أي لابد أن ينطلق من واقع الجماهير العربية، يعكس أوضاعها، يحللها، ويضيء خفاياها لذا فإن مهمته تكمن فيأن يحفز الناس على العمل، أن يحثهم على أن يباشروا مهمة تغيير قدرهم الراهن، فالمسرح العربي الذي نريد هو الذي يدرك مهمته المزدوجة هذه: أن يعلم ويحفز متفرجيه، هو المسرح الذي لا يريح المتفرج أو ينفس عن كربته، بل على العكس هو المسرح الذي يقلق، يزيد المتفرج احتقاناً، وفي المدى البعيد يهيؤه لمباشرة تغيير القدر)(66) . - وعلى أساس القيمة التغييرية للمسرح، فقد أفاض المسرحيون العرب في شرح النواحي الفنية للعملية المسرحية، وربطوا بين النواحي الفنية، ورسالة المسرح الاجتماعية والخلقية بل لم يعنوا بدراسة النواحي الفنية إلا لأنها تشحذ إدراك النواحي الاجتماعية والخلقية والسياسية التي تهدف إليها، وهم في ذلك كله لم يفصلوا بين القيمة النفعية للمسرح وبين القيمة الجمالية، لهذا سنحصر حديثنا عن التوصيل التوجيهي، والتوصيل الترفيهي للمسرح، كما بيّنه المؤصلون المسرحيون. أ- التوصيل التوجيهي للمسرح: تكاد الآراءُ تجمع على أن الفنون جميعها تشتمل على مقصد، وهدف تنطلق منه لتوصيله إلى الآخرين، إذن المهم في الفن هو عمليةالتوصيل) ولعل الإفصاح والتبليغ والنقل من أهم خصائص الفن، يقول روجر بسفيلد: ولما كان الفن هو الإفصاح والتبليغ والاتصال فإن الفنان يجد نفسه في موقف غريب خاص، إنه يجب أن يبلغ أو"يوصل" في حدود القيود التي تربطه بمجالات الاتصال الحديثة، وإلا تجرد من التعبير عن ذاته، وبهذا لا يكون فناناً بعد)(67) . - لكن إذا كانت الفنون تتفق في الهدف والغاية، فهل يعني ذلك أنها متفقة في الأسلوب والتأثير؟!.. - إن الفن المسرحي يختلف عن باقي الفنون الأدبية بسمتين اثنتين: أولاهما: الفعل؛ فالفن المسرحي لا يروي قصة، بل يجسد حدثاً، والنص المسرحي هو جزء من كل، بينما يشكل العرض جوهر الظاهرة المسرحية، وهذا الإقرار يعني اعترافنا بأن النص المسرحي لا تتجلى أهميته الفنية/ الأدبية والوظيفية، إلا بتجسيده فعلاً مرئياً ومحسوساً، أن يصل إلى الآخرين عبر العين والأذن والإحساس العام الذي يرتبط بالحياة السائدة، وبالذاكرة الثقافية الاجتماعية الشاملة)(68) . إن التوصيل في المسرح يتمّ عن طريق تجسيد النص المسرحي عملاً فنياً أمام الجمهور، لذا فإن المسرحيات تؤلف لتمثل لا لتقرأولا حياة لمسرحية إلا بالتمثيل، ومهما أوتيت المسرحية من قوة الإيحاء، ومهما أوتي قارئها من قوة التخيل والتشخيص فليس له غنى عن مشاهدة تمثيلها والشعور بالانفعال المتأتي عن ذلك)(69) . وبالمقابل فإن كل دراسة أدبية، تستهدف النص المسرحي دون العرض تعدّ دراسة قاصرة، لأنها تتجاهل طبيعة المسرح كظاهرة اجتماعية، وتسهم في انحراف الفن المسرحي عن الدور التوصيلي الذي لابد أن يحققه. والسمة الثانية: تتصل بما يسمى بجماعية الدراما عرضاً وتلقياً، ولعل هذه الظاهرة الجماعية، يكاد ينفرد بها الفن المسرحي عن باقي الفنون، فهو لا يخاطب الفرد بل يخاطب الجماعة، ولا يتفاعل مع الفرد بل مع الجماعة، ولا يؤدى إلا في احتفال جماهيري، يقول الأرديس نيكول: إن تمثيلية بلا جمهور، وبلا ممثلين لإبرازها شيء لا يمكن أن يستوعبه العقل، فالأثر الكامل.. لا يمكن أن ينشأ إلا بإبرازها إبرازاً مسرحياً)(70) . لهذا لا يمكننا أن نجرد الصورة عن المضمون، فمن أجل فهم المضمون، لابد من تحويله إلى صورة توصيلية تستدعي مجموعة من العناصر؛ اللغة واللون والصوت، أو الشكل والتركيب، ولابد من تكامل هذه العناصر المجزأة لتتحقق الغاية الأساسية في العمل المسرحي وهي عملية"التوصيل". وتتمّ عملية النقل والتوصيل عن طريق الممثل الذي يقوم بتوصيل الفكرة أو الصورة الخيالية إلى الجمهور، وهذا يجعلنا نسجل مزية أخرى للفن المسرحي وهو وجود الوسيط بين المؤلف والمتفرج، ونعني بذلك الممثل، فالممثل هو الحلقة الوسطى في السلسلة التي تربط بين المؤلف والمتفرج. هذا من ناحية العرض المسرحي، أما من ناحية التلقي فإننا نستطيع أن نوضح الأمر من خلال إجراء مقارنة بسيطة بين الفن المسرحي والملحمة، فالاختلاف واضح بين العمل المسرحي والملحمة من ناحية الأثر العام ذلك أن الملحمة يحتاج سماعها إلى مجهود ذاتي فردي، ويصعب توحيد التصورات في لحظة الإصغاء، فعلى الرغم من أن الأثر العام للملحمة قد يكون واحداً، إلا أنها لا يمكن أن تحقق الاندماج الكامل من قبل المتلقي، أما الدراما فإنهاتترك للمخيلة الفردية أن تنشط لتحتفظ بذلك الوجدان الجماعي، أي أن الجماعة تعيش مع الدراما وفيها ككل موحد، وبالتالي تحقق الدراما غايتها، ويتمّ التفاعل بين مغزى الدراما ووعي الجماعية أو لا وعيها الذي يصبح كلاً تغيب فيه الأجزاء)(71) . إن المسرح أداة من أخطر الأدوات التي تؤثر في المجتمع، فهو أبلغ من أي فن آخر من فنون الكلمة المكتوبة أو المسموعة، لأنه يحتويهما معاً، وأبلغ أثراً من أجهزة الثقافة كالإذاعة والسينما، أو الكتاب والمجلة والجريدة، لأنه يعتمد المعاينة والتلقي المباشر، إن هذا اللقاء بين الممثل والمتلقي بما يتم بينهما من تفاعل وتجاوب، يكفل لكليهما بذل طاقة ما لإرسال العمل واستقباله، مما يستدعي تفتح ذهن كل منهما؛ إذ يصبح المتلقي أكثر فهماً، وإصغاءً، وانتباهاً، لأن المسرح يقدم حدثاً مجسداً، يحاول فيه أن يبرز الأفكار، ويقدّمها بصورة تستوعبها حواس الإنسان؛ إذ تُسمع المؤثرات الصوتية من حوار وموسيقى، وتُرى المناظر والألوان والضوء والحركة، وباجتماع السمع والبصر، يتمّ التكامل الحسي للأشياء. - إنّ الأفكار التي يتضمنها العمل المسرحي تؤدي إلى التكامل التعبيري بعد تجسيدها مكانياً في المنظر والضوء والحركة، وزمانياً بالصوت والكلام، وعن طريق هذه التكاملية يتمّ التأثير العام للفن المسرحي؛ إذ تـنقل المعاني والانفعالات الحيّة إلى ذهن المشاهد، بالحرارة نفسها وبالحيوية نفسها التي صعّدهما الممثل في أثناء تأدية الدور(72) . ولعل هذا التأثير هو الذي لفت انتباه المسرحيين العرب إلى أهمية الفن المسرحي، ودوره في بناء المجتمع، وفي بناء الحضارة، وفي بناء الإنسان، لذا فقد ركزوا على وظيفته الفنية، التي لابد أن تتأثر بالواقع، وتنطلق منه، فالمسرح هو شكل من أشكال التعبير عن الأحاسيس والمشاعر والأفكار، وهو في الوقت نفسه حاجة أساسية، خصوصاً بعد أن تغيرت وظيفته، ولم يعد الهدف منها مجرد التسلية والترويح عن النفس والطرب، كما كان في بداياته الأولى، وذلك عندما كان الطابع الغنائي هو السائد(73) . - والمسرح حاجة لما يحويه من أغراض تشبه الأغراضَ نفسها التي تستهدفها المدرسة والكتاب، ويعمل على تحقيقها الجامعة والمعهد، وهو حاجة لأنه يقدم عِبَرَ الحياة وعظاتها دون أن يهمس بنصح أو وعد أو وعيد، ويتمّ تأثيره بمخاطبة العقل الباطن، مكمن الغرائز، لذا فإن في المسرح نفع للناس، وفي المسرح تقويم للناس وفي المسرح العربي تتمثل ناحية من الزحف الكبير للشعوب العربية وهي تتخطى عالم الركود، والبؤر المظلمة في التقاليد، تقاليد عصور الضعف والانحلال ومركبات النقص، لتستقبل العهد الحديث في حضارته وتأخذ مقوماتها، لتشق بها الطريق إلى المكان الذي يجب أن تنزل فيه بحكم ماضيها المجيد..)(74) . - وهناك من يرى أن الوظيفة الاجتماعية للمسرح هي السبب في وجوده، والأصل في كيانه، فالمسرح بما يمتاز به من خصائص، قادر على أن يقوم بدوره في صنع الإنسان إنسان عربي جديد، إنسان له هويته الواضحة البيئة، هويته العربية التي تركز على معطيات الحضارة العربية خلال التاريخ، وترتكز في الوقت نفسه على معطيات الحضارة العصرية، التي تساعد هذا الوطن على أن يستوعب منجزات هذه الحضارة الحديثة، وأن ينهض بالتبعات الكبيرة الشاقة الملقاة على عاتقه باعتباره فرداً من أمة تواجه أخطاراً من ألوان شتى...)(75) . - إذن فالمهمة الأولى الملقاة على عاتق المسرح هي بناء الإنسان العربي بناءً حضارياً سليماً، لذا فقد أدرك المسرحيون العرب خطورة فصل المسرح عن الحياة العربية، بأصولها وفروعها، وراحوا يبحثون في القضايا المصيرية التي تمس جوهر الإنسان العربي، فاتجهوا إلىتسييس) الخطاب المسرحي، وإعطائه الدور الطليعي في ربط تأسيس الحركة المسرحية الجديدة بالدعوة القومية وبدأ المسرح مرحلة جديدة، عندما راح يشارك في حوار الأمة العربية كلها، وغدا في منظور بعض النقاد أداة ثورية بالغة الأهمية لتجاوز الهزيمة والتمزق والتخلف، وللقاء الإنسان العربي بأخيه الإنسان لقاءً واعياً، فالمسرح يستطيع عن طريق التجمعات المهرجانية، على مستوى الوطن العربي كله، وعن طريق طرح القضايا العربية، والبحث عن جوهر الإنسان العربيأن يتجاوز الحدود المصطنعة في الوطن العربي، وهذه ظاهرة جديدة مبشرة، المسرح العربي آن له أن يتحرك عبر الحدود ليلتقي بالإنسان العربي في كل مكان موحداً متفاهماً، متبادلاً الخبرات، المسرح العربي لقاء مباشر بين الإنسان العربي والإنسان العربي في كل مكان)(76) . - إلا أن هذه الوظيفة التي تعدّ أصلاً في كيانه، قد تحمل في داخلها بذور نقيضها، إذا أسيء استخدام الفن المسرحي، وسُخر كوسيلة من وسائل الإعلام، بدلاً من أن يتجه اتجاهاً ثقافياً ويكون عوناً على تكوين المواطن والإنسان الصالح، أو عندما تتحول وظيفته إلى خدمة طبقة بعينها، وهي الطبقة السائدة في المجتمع، ويتناسى دوره الأساسي في التطور الاجتماعي، وتحرير البشرية من الوهم والاستعباد. وهكذا فإن الوظيفة التوصيلية للفن المسرحي، كانت من الحوافز التي جعلت الدارسين يعيدون النظر في قضية المسرح العربي، بهدف تصحيح المسار تحقيقاً للأصالة والمعاصرة، لذا فقد توجهت الأنظار إلى مصدرين أساسيين لدعم الواقع المسرحي، وتدعيم عملية التأصيل فيه؛ أولهما التراث العربي بما يحويه من أدب السير الشعبية، ومن القصص التاريخية والدينية، وثانيهما الواقع العربي بما يحمله من قضايا وأزمات. إلا أن ذلك لا يعني التقوقع والانحسار؛ بل لابد في عملية التأصيل من الإطلاع على الحضارات المحيطة، لأن التجديد والانفتاح هما عنصران أساسيان لاستمرار الحياة والوجود. لذا فقد أدرك المؤصلون المسرحيون أن هناك نوعاً من تبادل الأدوار بينالوحدة) والتنوع) على الصعيد الإنساني بين العصور القديمة، والعصر الحديث؛ إذ كانتالوحدة) تعني قديماً وجود المسرح كوظيفة اتصالية في كل مكان في العالم، وكانالتنوع) يعني قديماً التنوع في شكل هذا المسرح، أما في العصر الحديث فإنالوحدة) تعني وجود قواعد وأصول موحدة، متفق عليها للشكل المسرحي، في حين أصبحالتنوع) مرتبطاً بالشخصية القومية وما تنتجه من آثار مطبوعة بطابعها القومي(77) . ب- التوصيل الترفيهي: إنّ لفظة ترفيه واسعة الدلالة، يدخل فيها معنى التسلية، وعادة تكون تابعة لرد الفعل والاستجابة عند المشاهد، وتفسر على أنها إشباع للحواس(78) ، إلا أن إشباع الحواس لا يكون بالانفعال وحده، بل كثيراً ما يكون على مستوى ذهني، ومن ثم يكون الإشباع هو القدرة على إدخال السرور على نفس جمهور من المتفرجين، إما عاطفياً-أعني انفعالياً- إما ذهنياً وإما هما معاً)(79) . لقد أدرك أولئك الذين حاولوا تأصيل المسرح العربي، أهمية العنصر الترفيهي في الفن المسرحي، وأيقنوا أن العمل المسرحي، يأخذ مكانته، وقيمته الفنية ممّا يقدّمه من تهذيب وتثقيف وتوجيه، وبما يحتويه من عنصري التشويق والمتعة، وربما يكون هذا العنصران قد كفلا لهالعلاقة الوثيقة بينه وبين المتلقي أو المشاهد مما أتاح له هذا البقاء، أو حرص الناس على التمسك به، والاختلاف إليه على تنوع ألوانه)(80) . لذا فإن نجاح العمل المسرحي عند المؤصلين المسرحيين يتوقف على تحقيق عناصر ثلاثة يمكننا أن نحصرها في النقاط التالية: 1- قوة الإيهام: وهي التي تؤدي بالمتفرج إلى الانفصال عن حقيقته، والحقيقة المحيطة به لكي يتصور أن ما يراه على الممثل ولو إلى حين، هي الحقيقة الواقعية فكما أن العمل الدرامي يخلع على الممثل شخصية جديدة هي شخصية الدور، فكذلك يعطي كل فرد من النظارة انفصل عن شخصيته دوراً جديداً. 2- المشاركة: وهي عنصر هام والمقصود بذلك المشاركة الشعورية والعاطفية بين الجمهور والممثلين في عملية تشبه إلى حد ما تقمص الشخصيات...) 3- التشويق والحركية: وهما من صفات المسرحية الناجحة لاستئثارها باهتمام المتفرج واهتمامه الكلي سواء بالاعتماد على عنصر الإثارة والإقلاق في المواقف المأساوية المحزنة، أو المفاجأة والمفارقة في المواقف المضحكة)(81) . نلحظ مما تقدم- وعند التدقيق في هذه العناصر- أن كل عنصر يحقق نوعاً من المتعة على صعيد التلقي: ففي العنصر الأول قوة الإيهام، يتبيّن أن نسيان المشاهد كيانه الذاتي أو وجوده المؤقت، ليدخل في مشاركة الممثلين لعبتهم على المسرح، في الحياة التي يعرضونها، وواقعهم الذي هو في الأصل واقع المشاهد، يعطيه إحساساً بالمتعة. وفي العنصر الثاني: نجد أن عنصر المشاركة، هو عنصر هام من عناصر المتعة وهو أحد العوامل المؤثرة في العمل المسرحي؛ إذ يستطيع الكاتب المسرحي أن يوصل ما يريد إلى المتفرج من خلال رسالة يؤديها دون افتعال أو خطاب مباشر، أضف إلى ذلك أهمية المشاركة في تلقي الأثر الفني، فعندما تشترك مجموعة ما في مشاهدة عمل مسرحي، فإن التأثير الجامع يكون أقوى وأبعد، وهذا ما يسمى بالتجاوب أو الاستجابة بين المسرح والجمهور، فالمشاهدة المشتركة للمسرحية فرصة لاجتماع الناس حول مشاعر موحدة، وقد تطرح هذه المشاركة نوعاً من الراحة النفسية والطمأنينة، وتشعر المتفرج بالمتعة والراحة. أما العنصر الثالث: التشويق والحركية، فإنه يعتمد على إثارة المفارقات، والمفاجآت التي تلقى قبولاً واستحساناً يسعد المتفرج، ويملؤه غبطة وحبوراً. - ولعل المؤصلين المسرحيين العرب في دعوتهم إلى الاستمداد من التراث العربي، والتركيز على الواقع المعيش في العملية المسرحية، كانوا على وعي تام للدور الترفيهي للمسرح الذي يحقق عملية التواصل، ومن ثم القدرة على توصيل الرسالة المراد قولها، ولتفسير هذه الظاهرة لابد أن نشير إلى أن مجرد مشاهدة عمل مسرحي يستمد مادته من التراث، بما يحويه من شخصيات وأفكار ومعتقدات، يُشعر المتفرج بمتعة الإطلاع على حياة الأسلاف، في مرحلة من مراحل الحياة، وهذا يُعدّ اكتشافاً، والاكتشاف بحد ذاته متعة. أما إذا تعرض العمل المسرحي إلى قضية صراع الإنسان للسيطرة على عالمه، وهو يناضل في سبيل تحقيق وجوده، فإن مجرد شعور المتفرج بقوة الإنسان وقدرته تعطي نوعاً من المتعة، ونشوة الانتصار. أما عندما يعرض العمل المسرحي الحياة الواقعية فهو يكشفها، ويكثّفها، ويحللها ويشير إلى العادات والتقاليد، ويركز على دقائق الأمور فيها، عن طريق التمحيص والتكثيف، ومحاولة تصحيح المسيرة، ومجرد شعور المتفرج بأنه جزء من هذا الواقع، وهو مسؤول عن تصحيح ما يعتريه من أخطاء وما يحكمه من فساد، يشعره بالمتعة. وهكذا فإن الفن المسرحي هو النشاط الذي يتأمل فيه الإنسان نفسه، ويعايشها، لذا فهو يحدث أثره ويحقق دوره كنشاط اجتماعي، ومن ثم فإن أثره يكون مزدوجاً، فهو من جهة يخلق الانفعال والرغبة في التغيير، ومن جهة أخرى يوفر اللذة بمجرد اكتشاف الإنسان أنه يتمرد في الاتجاه الإيجابي، حيث يعانق الحقيقة البشرية الكلية. (1) ينظر، سليمان، نبيل، النقد الأدبي الحديث في سورية، دار الفارابي، بيروت، 1980، ص114. (2) ينظر د. محبك، أحمد زياد، حركة التأليف المسرحي في سورية، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1982، حيث تمّ دراسة كل محور من تلك المحاور في فصل مستقل. (3) ينظر، ابن ذريل، عدنان، المسرح السوري، د. ن، دمشق 1971، ص75- 86. (4) ينظر، صليبا، جميل، اتجاهات النقد الحديث في سورية، مطبعة الجبلاوي، القاهرة 1969، ص20- 21. (5) ينظر، ابن ذريل، عدنان، الأدب المسرحي في سورية، دار الفن الحديث العالمي، دمشق، د. ت، ص6. (6) ينظر، محبك، أحمد زياد، حركة التأليف المسرحي في سورية 1945- 1967، ص23. (7) ينظر، عرسان، علي عقلة، الأدب المسرحي في سورية، المعرفة، وزارة الثقافة، دمشق، العدد 104- ت1، 1970، ص94. (8) ينظر، آل الجندي ، أدهم، أعلام الأدب والفن، مطبعة مجلة صوت سورية، دمشق، 1954، ص247. (9) ينظر شاكر، مصطفى، القصة في سورية، مطبعة الرسالة، القاهرة، 1958، ص188- 212. (10) الراعي، علي، هموم المسرح همومي، سلسلة دار الهلال، العدد 522، يونيو 1994، ص28. (11) عبد القادر، فاروق، ازدهار وسقوط المسرح المصري، وزارة الثقافة دمشق، 1983، ص60- 61. (12) ينظر العشري، جلال، المسرح فن وتاريخ، الهيئة المصرية العامة، 1991، ص169. (13) عبد القادر، فاروق، ازدهار وسقوط المسرح المصري، ص74. (14) عاشور، نعمان، مسرحية"الناس اللي تحت"، دار النديم، مصر، 1958، ص21. (15) إدريس، يوسف، ملك القطن وجمهورية فرحات، دار النشر القومية، القاهرة، 1956 أعيد نشرهما في نحو مسرح عربي، بيروت 1974. (16) بلبل، فرجان، المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة، ص204. (17) ينظر د. محبك، أحمد زياد،"ثبت النصوص المسرحية في سورية1945- 1985)" الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العددان 178- 179 شباط آذار 11986، ص272- 273. (18) مجموعة من الدارسين، "استفتاء عن قضايا المسرح"، المعرفة، وزارة الثقافة، دمشق، ع34، ك1، 1964، ص 89- 90، وص87- 88، وص107- 108. (19) ينظر، قطاية، سلمان"من مشكلات المسرح السوري"، ص53. (20) ينظر عرودكي، بدر الدين، "المسرح والتراث"، المعرفة، وزارة الثقافة، دمشق، العدد 124- 125، حزيران، تموز 1972، ص20. (21) ينظر، عبد القادر، فاروق، ازدهار وسقوط المسرح المصري، ص148. (22) ينظر، النقاش، فريدة"حرية التعبير في المسرح" ص109. (23) العشري، جلال، ثقافتنا بين الأصالة والمعاصرة، الهيئة المصرية العامة، 1971، ص209. (24) عبد القادر، فاروق، ازدهار وسقوط المسرح المصري، ص149. (25) النقاش، فريدة"حرية التعبير في المسرح" ص106. (26) ينظر، عوض، لويس، دراسات عربية وغربية، ص19- 20. (27) ينظر، الراعي، علي، هموم المسرح همومي، ص75- 76. (28) ينظر، عرودكي، بدر الدين، "الظاهرة المسرحية العربية بعد الخامس من حزيران" المعرفة، وزارة الثقافة، دمشق، العدد 104 تشرين أول عام 1970، ص129. (29) الموقف الأدبي، "أمام الخامس من حزيران"، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد2، 1971، ص3. (30) ينظر، بلبل، فرحان"المسرح العربي السوري بعد 1967" الحياة المسرحية، وزارة الثقافة، دمشق، العدد10، خريف 1979، ص8. (31) ينظر، رمضاني، مصطفى، قضايا المسرح الاحتفالي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 1993، ص12. (32) عرودكي، بدر الدين، الظاهرة المسرحية العربية بعد الخامس من حزيران، ص136. (33) عرسان، علي عقلة، "مقابلة الشهر، أجرى المقابلة جمعة عبد الصبور"، الثقافة العربية، ليبيا، العدد السادس، السنة الثانية، حزيران 1981، ص80- 81. (34) ينظر في دراسة المسرحيات الثلاث المذكورة آنفاً: د. محبك، أحمد زياد، المسرحية التاريخة في المسرح العربي المعاصر، دار طلاس، دمشق 1989. (35) ينظر، عصمت، رياض، بقعة ضوء، وزارة الثقافة، دمشق، 1975، ص93. (36) عبد القادر، فاروق، ازدهار وسقوط المسرح المصري، ص202. (37) النقاش، فريدة"حرية التعبير في المسرح" ص109، وينظر العشري جلال، مسرح أو لا مسرح، دار المعارف، القاهرة 1980، ص25- 26. (38) النقاش، فريدة"حرية التعبير في المسرح" ص109. (39) ينظر، العالم، محمود أمين، الوجه والقناع في مسرحنا العربي المعاصر، دار الآداب، بيروت، 1973، ص217. (40) ينظر، النقاش، مارون، أرزة لبنان، المطبعة العمومية، بيروت، 1869، ص15- 16. (41) أبو شنب عادل"بواكير التأليف المحلي للمسرح" الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 57- 58، 1976، ص 82. (42) عن عوض، لويس، دراسات عربية وغربية، ص18. (43) ينظر، الخطيب، حسام، ملامح في الأدب والثقافة واللغة، وزارة الثقافة، دمشق، 1977، ص220. (44) ينظر، زيدان، جرجي، تاريخ آداب اللغة العربية، ص502. (45) ينظر، الحكيم، توفيق، زهرة العمر، دار مصر للطباعة، 1977، ص22. (46) النقاش، فريدة"بريحت والمسرح السياسي في مصر" مجلة قضايا عربية، العدد 12، عام 1980، ص146. (47) الساجر، فواز، ستانيسلافسكي والمسرح العربي، تر: د. فؤاد مرعي، وزارة الثقافة، دمشق، 1994، ص113. (48) سليمان، نبيل، أسئلة الواقعية والالتزام، دار الحوار، سورية 1985، ص76. (49) سليمان، نبيل، مساهمة في نقد النقد، دار الحوار سورية، اللاذقية، 1986، ص6. (50) إخلاصي، وليد، "النص المسرحي بين التعريب والتجريب"، مجلة الحياة المسرحية، وزارة الثقافة، دمشق، العدد 2، خريف 1977، ص111. (51) برتولت، بريخت، عن مسرح التغيير، دار ابن رشد، بيروت، 1983، ص5. (52) ونوس، سعد اللّه "وقائع ندوة المسرح، المسرح السياسي" ص241. (53) بلبل، فرحان، المسرح العربي المعاصر في مواجهة الحياة، ص197. (54) برتولت، بريخت، مسرح التغيير، ص192. (55) ونوس، سعد الله، بيانات لمسرح عربي جديد، دار الفكر الجديد، بيروت، ط1، 1988، ص28. ونشرت هذه البيانات أول مرة في مجلة المعرفة، وزارة الثقافة، دمشق، ت1، عام 1970. (56) ينظر، ونوس، سعد الله، بيانات لمسرح عربي جديد، ص25، وينظر بلبل، فرحان، المسرح العربي في مواجهة الحياة، ص198. (57) الخطيب، حسام، ملامح في الأدب والثقافة واللغة، ص46. (58) بلبل، فرحان"شخصية المؤلف المسرحي وتأثره بالتيارات المسرحية العالية" ص123- 124. (59) ينظر، الساجر، فواز، "أبحاث الندوة الفكرية، الممثل وحركة الإبداع المسرحي العربي"، الحياة المسرحية، العدد 30- 31- 32- 33، 1988، ص138- 139. (60) ينظر، أردش، سعد، المخرج في المسرح المعاصر، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون، الكويت 1979، ص75. (61) عصمت، رياض، "مسرحنا العربي بين الإبداع والإتباع"، ص114. (62) برشيد، عبد الكريم، الاحتفالية في أفق التسعينات، الاحتفالية إلى أين، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1993، ص23. (63) رمضاني، مصطفى، قضايا المسرح الاحتفالي، ص45. (64) ينظر، هلال، محمد غنيمي، النقد الأدبي الحديث، دار العودة، بيروت، 1973، ص85. (65) عرسان ، علي عقلة . سياسة في المسرح ص21. (66) ونوس، سعد اللّه، بيانات لمسرح عربي جديد، ص40. (67) بسفيلد، روجرالابن)، فن الكاتب المسرحي، تر: دريني، خشبة، دار نهضة مصر، القاهرة، 1978، ص50. (68) إخلاصي، وليد "حركة التأليف المسرحي في سورية، واقع وتطلعات" الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، العدد 134، حزيران 1982، ص31. (69) ينظر، الكيلاني، إبراهيم، الأوراق، اتحاد الكتاب العرب، دمشق 1971، ص185. (70) نيكول، الإدريس، فن المسرحية، تر: دريني، خشبة، دار سعاد الصباح، ط2، 1992، ص89- 90. (71) صالح، أحمد عباس، "حول نظرية المسرح"، مجلة الكاتب، السنة السابعة، العدد 79، أكتوبر 1937، ص75. (72) ينظر، عيد، السيد، حسن، تطور النقد المسرحي في مصر، الدار المصرية، 1962، ص 8 (73) ينظر، مندور، محمد، المسرح النثري، دار النهضة، مصر للطبع، القاهرة، د. ت، ص67 . (74) طليمات، زكي، أضواء على تاريخ المسرح العربي، محاضرات الموسم الثقافي الرابع، مطبعة حكومة الكويت، 1958، ص225. (75) الكيالي، فوزي، وقائع ندوة المسرح حول أزمة النص المسرح، ص85. (76) العالم، محمود أمين،"افتتاح ندوة المسرح الطليعي"، المعرفة، وزارة الثقافة، دمشق، العدد 117، تشرين الثاني، 1971، ص13. (77) ينظر، د. شرف، عبد العزيز، "التفسير الإعلامي للمسرح العربي"، قضايا عربية، لبنان، السنة السابعة، العدد الثاني عشر، ك1 ديسمبر 1980، ص50. (78) ينظر، بسفيلد، روجرالابن)، فن الكاتب المسرحي، ص146. (79) بيلاسكو، ديفيد، عن فن الكاتب المسرحي، ص146. (80) د. سلام، محمد زغلول، المسرح والمجتمع في مائة عام، دار المعارف الاسكندرانية، 1988، ص6. (81) الكيلاني، إبراهيم، الأوراق، ص187- 188. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |