|
||||||||
| Updated: Monday, September 22, 2003 01:01 AM | ||||||||
| فهرس الكتاب | أدب الطفل | الدراسات | القصة | الشعر | المسرح | الرواية | الدراسات 1997 | الدراسات 1998 |
|
الفصل الثالث اتجاهات التأصيل: - لابد في دراسة الفنون التعبيرية عموماً، والفن المسرحي خصوصاً، من اعتماد التجربة العملية كأساس للدراسات النظرية؛ إذ إن التنظير وحده لا يكفي، والتجربة العملية في مجال المسرح هي الممارسة الفعلية، وتجسيد النص المسرحي فعلاً مسرحياً في حضور الجمهور، ولاسيما أن كتّاب المسرح، ودارسيه، قد انطلقوا في تنظيرهم لتأصيل المسرح العربي من الممارسة العملية؛ إذ واكب التنظير لديهم التطبيق، وإن تراوح لدى البعض بين المباعدة والمطابقة. - لقد بدأت مرحلة البحث عن صيغ مسرحية جديدة، تقرّب المسافة بين المبدع والمتلقي، عندما أدرك المؤصلون المسرحيون دور الفن المسرحي، وأهميته في بناء المجتمع، وفي بناء الحضارة، وأكدوا أن جماليات فن المسرح تقوم أساساً على علاقة بين المنصة والصالة، تلك الجماليات التي يمكن أن نستنبطها، ونقيسها بمدى التفاعل بين الفنان والجمهور، ولاسيما أن المسرح في المرحلة التأصيلية لم يعد يخاطب العواطف، إنما يحرص على مخاطبة العقل؛إذ إنه لا يستهدف التطهير، وإنما التفجير، إنّه لا يقوم على الاندماج الوجداني بين أحداثه ومشاهديه، وإنما على المباعدة الوجدانية وإعمال العقل، إنه لا يحقق تطهيراً للنفس، وإنما إقلاقاً فكرياً وتوعية عقلية، بل تحريضاً ودعوة إلى فعل إلى مشاركة إلى انخراط...)(1) ">(1) ، لقد اصبح المسرح مؤسسة تثقيفية تنويرية ترفيهية تضاف إلى باقي المؤسسات القائمة في الدولة. - وانطلاقاً من التركيز على دور المسرح التوصيلي، وتحقيق فعاليته، قد تكتلت الجهود، وتكاثفت للبحث عن شخصية مميّزة المعالم والأبعاد للمسرح العربي، وذلك عن طريق إبراز سماته وتحديد ملامح هويته، ليأخذ دوره كمسرح متميّز بين المسارح، من خلال التعبير عن واقع الإنسان العربي، مع الإيمان بأن لهذا الإنسان شخصيته وهويته وحضارته ومعتقداته، وبيئته الاقتصادية والجغرافية، وتراثه التاريخي والاجتماعي، كما أن له واقعه السياسي الخاص ومشكلاته، مما يجعله متميزاً بين الأقوام على سطح الكرة الأرضية)(2) ">(2) . - ذلك لأن الأدب والفن انعكاس للواقع، وهما انعكاس على درجة من التعقيد فالأدب والفن هما أولاً- ثمرة انعكاس الواقع الاجتماعي والطبيعي في شعور الفنان أو الأديب، وفي فكره، خلال خبرة حياته العملية، وتفاعله مع هذا الواقع، وهو ثانياً -اختيار الفنان والأديب لعناصر من هذا الواقع نفسية كانت أو اجتماعية أو طبيعية....) ويتلو هذا ثالثاً - إعادة بناء هذه العناصر جميعها وترتيبها في نسق جديد، وبلغة جديدة هي لغة التعبير)(3) ">(3) . باختصار إن الأدب والفن انعكاس للواقع المعيش، وهو انعكاس تحدده خبرة الفنان العملية، وثقافته وموقعه الاجتماعي، لذا فإن علاقة الفنان بالواقع تعدّ علاقة تحليلية - تركيبية. - لهذا ومن أجل البحث عن مسرح يعي دوره في مجتمعه، ويحقق التواصل مع المشاهد العربي في كل زمان ومكان، فقد عاش المسرحيون العرب هواجس التأصيل، تلك الهواجس التي تجلت في مناحٍ متعددة، والتي يمكن أن نجمعها في ثلاثة محاور: 1 - ضرورة الاحتكاك بهموم الإنسان العربي، وواقعه السياسي والاجتماعي والاقتصادي، والتعبير عن قضاياه، إذ لابد للكاتب المسرحي أن يكون على علاقة بالجمهور، وهذه العلاقة تحتم عليه أن يلتقط الصور من حوله، ويحس بمن يحيطون به، وعليه أن يتأثر بهم ويؤثر فيهم، باختصار لابد للكاتب المسرحي أن يعبّر عن عصره، وإلا ظل عمله شجرة بلا جذور. - لذا فقد جعل المؤصلون المسرحيون عملية الارتباط بالواقع ضرورة ملّحة في مرحلة التأصيل، فالتعبير عن الواقع، وإيصال الأفكار إلى الجماهير ومحاولة التأثير فيها، لا يمكن أن يتم إلا بالانطلاق من الواقع الفني لهذه الجماهير، ومن ذوقها، ومن ثقافتها، لا لترسيخ ما هو عليه، بل لتطويره، من خلال الإيمان بهذه الجماهير، وقدرتها على التلقي والفهم والتأثر، وقدرتها على التطور والفعل والتأثير)(4) ">(4) . 2 - ضرورة الاستعانة بالعناصر التاريخية والبنى التراثية، لتحريكها بصورة معاصرة، وإسقاط القضايا العربية والملّحة عليها. فاللجوء إلى التراث، والاستعانة ببعض مصادره، كان البنية التي وجد فيها المؤصلون المسرحيون ضالتهم للبحث عن هوية المسرح وتميّزه، ذلك لأنّ التراث يمثل مقومات الأمة، واستمرارية وجودها، ولأنّه شيء قائم فينا، وهو ذاتنا التي تنادينا من وراء العصور، وإن العودة الفعلية إليه بقصد الاكتشاف أو المعرفة والتعرف، ينبغي أن تكون طريقاً لتنميته والامتداد في المستقبل بقيم متطورة عنه، مستلهمة رؤاه، مستمدة حوافزها من كثير من حقائقه، مضافة إلى حقائق عصرنا)(5) ">(5) ، فالتعامل مع التراث لم يكن تعاملاً سكونياً ينتمي إلى الماضي، بل لابد من التعامل معه كمواقف وكحركة مستمرة، تسهم في تطوير التاريخ وتغيره. 3 - ضرورة انبثاق صيغ مسرحية عربية نابعة من واقعنا، ومن تراثنا، مع الاستعانة بالتقاليد المسرحية العالمية، فالمجتمع العربي مازال في طور بناء حضارة جديدة، ويحمل في داخله ألواناً من الطموح الواقعي الذي يسعى جاهداً إلى تحقيقه، ويحمل بضعاً من الهموم والقضايا التي تحثه على إيجاد شكل فني يلائم تلك الطبيعة والقضايا والهموم. - لذا فإننا سنحاول أن نلتقط تلك المحاور التي تلمسنا خطوطها في العملية التنظيرية، والتي سعى المؤصلون المسرحيون إلى الالتزام بها في أعمالهم التطبيقية، وذلك من خلال العودة إلى إبداعات بعض الفنون المسرحية التي أنتجت خلال المرحلة الثانية، وذلك في النصف الثاني من القرن الحالي، تلك المرحلة المتمثلة بأهم روادها في المسرح النثري والمسرح الشعري، دون العودة إلى النصوص المسرحية التي أنتجت خلال المرحلة الأولى أي النصف الثاني من القرن المنصرم، وعلتنا في ذلك أن الإبداعات المسرحية في هذه المرحلة قد أشبعت دراسة، وأن الفروق بين التنظير والتطبيق لم تكن واضحة المعالم، إلى الحد الذي يجعلنا نقوم بعملية الفصل. - وهكذا فإننا سنحاول أن نوضح عناصر التأصيل الفني من خلال نواحٍ ثلاث: 1 - المسرح والواقع: أ - الارتباط بالبيئة عن طريق الالتزام بقضايا الجماهير ب - وضوح الرؤية الفكرية والاجتماعية. د.- مواكبة العصر في تغيره المتواصل. 2 - المسرح والتراث: أ - إحياء التراث العربي المتمثل في التاريخ العربي، والسير والملاحم الشعبية). ب - إحياء التراث العربي عن طريق: 1 - إعادة خلقه وذلك بمزجه بالإبداع الفني. 2 - انتقاء الوجوه المضيئة والمتقدمة منه،وخلقها خلقاً عصرياً. 3 - وصل الماضي العربي بالحاضر العربي عن طريق: نقد التراث ورؤيته رؤية جديدة، في ضوء الظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية. 3 - التركيز على تقنيات التأصيل: وذلك من خلال الحديث عن تقنيات النص المسرحي. أ -المسرح والواقع: - لم تنفصل المحاولات الفنية المسرحية التأصيلية التي اعتمدت التراث عن الواقع، بل سُخر التراث، واستعين به لخدمة الواقع، والتعبير عنه، والالتصاق به، إذ جمع أغلب المؤصلين المسرحيين في أعمالهم المسرحية بين الأصالة والمعاصرة، إلا أننا سنحاول الفصل بين هذين الجانبين للدراسة والتوضيح،وتبيان عناصر التأصيل عند كل علم من الأعلام التي نظرّت لتأصيل المسرح العربي، علماً بأنّنا راعينا في عملية الفرز الجانب الأقوى، فكان لدينا في قضية المسرح والواقع مجموعة من الأعمال المسرحية التي جمعت بين التراث والمعاصرة، إلا أن التصاقها بالواقع، والتعبيرعنه كان أقوى، وهي على التوالي مسرحية السلطان الحائر) 1960 لمؤلفها توفيق الحكيم ومسرحية الفرافير) 1964 لمؤلفها يوسف إدريس ومسرحيةحفلة سمر من أجل 5 حزيران)، 1968 لمؤلفها سعد الله ونوس، ومسرحية العرش والعذراء) 1980، لمؤلفها خالد محيي الدين البرادعي، ومسرحية تحولات عازف الناي)1993، لمؤلفها علي عقلة عرسان. 1 - المسرح ومشكلة الحكيم: - لقد حاول توفيق الحكيم أن يؤسس مسرحاً عربياً، قائماً على التمازج بين المسرح الغربي، الذي استقى منه القالب الفني المستخدم في أعماله المسرحية، والمسرح العربي الذي تجلى من خلال بث المضمون العربي المستمد من التراث، والمرتبط بالواقع،ضمن لغة فنية، أطلق عليها اللغة الوسطى) ولعل مسرحية السلطان الحائر) 1960 هي خير نموذج. - كتب الحكيم مسرحية السلطان الحائر) في خريف 1959 عندما كان في باريس يشهد ما يجري في ذلك العالم من أحداث، وقد استوحى فكرة المسرحية -كما يقول- من سؤال وقف العالم آنذاك حائراً أمامه: هل حل مشكلات العالم هو في الاحتكام إلى السيف أو إلى القانون؟... في الالتجاء إلى القوة أو إلى المبدأ؟... إن أصحاب السلطان ممن يملكون تقرير مصير البشرية، يقفون الآن وفي يمناهم القنبلة الذرية أو الهيدروجينية وفي يسراهم القانون أو المبادئ، في جانب القواعد الصاروخية وفي الجانب الآخر هيئة الأمم المتحدة، وهم حائرون خائفون لا يدركون، أو هم لا يجرؤون على اتخاذ القرار الحاسم...).(6) ">(6) - حاول توفيق الحكيم في هذا العمل المسرحي أن ينتصر لطريق القانون، ويفضله على طريق السيف والقوة، فالاحتكام إلى القانون متعب، لكن فيه ضماناً، أما الاحتكام إلى السيف فإنّه لا يخلو من سفك الدماء، لذا فمن أجل حقن الدماء، ومن أجل الضمان، لابد من الاحتكام إلى القانون ولو كان طريقه طويلاً وصعباً، إلا أنّه أفضل وأضمن. - تتألف المسرحية من فصول ثلاثة، تدور أحداثها في ساحة عامة، في المدينة، ووحدة المكان في العمل المسرحي يدل دلالة واضحة على أن المسرحية أقيمت على ما يشبه بناء المسرحيات التقليدية الكلاسيكية القديمة، أما الزمان فإنّه لا يزيد على دورة شمس واحدة؛ إذ امتدّ من فجر يوم قُرر فيه إعدام النخاس الذي أفشى سر عبودية السلطان الحاكم إلى فجر اليوم التالي الذي وقعّت فيه الغانية) وثيقة عتقه. - وبنيت الأحداث على أساس البناء التراجعي، الذي يقوم على أساس البناء السردي، إلا أنّه يبدأ من نقطة أخرى قد تكون الوسط بالنسبة إلى الحدث الرئيسي، ثم يعود إلى البداية، بعد أن تعقدت الأمور، بهدف كشفها وجلائها، وبعدها يتابع السير سيراً سردياً. - لقد بدأت المسرحية في نقطة تطورت فيها الأمور وتعقدت، وذلك عندما قُرر تنفيذ الحكم في شخصية النخاس لجرم ارتكبه، وتبدأ الأحداث بجلاء الأمر وتوضيحه، ورصد ماطرأ عليه من تعقيد جديد، وبعدها تنكشف الأحداث عن قصة ذلك السلطان الذي تربع على عرش الحكم، فلاكته الألسن، والسبب في ذلك أنه كان عبداً، لم يتلقَ وثيقة العتق، وعندما حاول إبراز تلك الوثيقة، فلم يجدها، ذلك لأن السلطان القديم قد توفي بنوبة قلبية، ولم يتسنى له توقيع هذه الوثيقة.... واتضح ذلك من خلال احتجاج قاضي القضاة -ممثل القانون- عندما عدّ ذلك مؤامرة ضد القانون، ورفض الاشتراك بها قائلاً للسلطان: ....أنت في نظر الشرع والقانون لست سوى عبد رقيق ...والعبد الرقيق يعتبر -قانوناً وشرعاً- شيئاً من الأشياء ومتاعاً من الأمتعة... وبما أن السلطان الراحل المالك لرقبتك لم يعتقك قبل وفاته، فأنت لم تزل شيئاً من الأشياء، ومتاعاً مملوكاً لآخر؛ وعلى هذا فأنت فاقد لأهلية التعاقد في المعاملات العادية التي يزاولها بقية الناس الأحرار....)(7) ">(7) . - ويحتار السلطان في أن يحتكم إلى السيف الذي يسكت الألسن، أو إلى القانون الذي يضمن له الحق والحياة، وأي الطريقين أضمن؟ وبعد مباحثات ومشاورات، ومناظرة عقلية منطقية، بين السلطان والوزير، من جهة؛ إذ يحبذان استخدام القوة والسيف، وبين القاضي الذي يدافع عن القانون من جهة أخرى، موضحاً فكرته بقوله:....إني معترف بما للسيف من قوة أكيدة، ومن فعل سريع وأثر حاسم، ولكن السيف يعطي الحق للأقوى، ومن يدري غداً من يكون الأقوى؟...فقد يبرز من الأقوياء من ترجح كفته عليك... أما القانون فهو يحمي حقوقك من كل عدوان، لأنه لا يعترف بالأقوى... إنه يعترف بالأحق...)(8) ">(8) . وبعد تلك المحاولات والمناقشات ينتصر طريق الحق، وذلك عندما يقرر السلطان الاحتكام إلى القانون؛ إذ آمن بأن لابد من خضوعه للقانون كما يخضع له بقية الناس، فيصيح بعزم وإصرار: القانون!...اخترت القانون!...)(9) ">(9) . - إلا أن اختياره طريق القانون لا يعني الخلاص، وإنما يعني وضعه بمأزق آخر واختيار صعب، وهو إعلان بيعه بالمزاد العلني، ليشتريه من يشاء من أفراد الشعب... إلا أن الشراء هنا لا يعني الملكية المطلقة، وإنما جعلوا البيع مشروطاً بتوقيع صك العتق، لضمان حرية السلطان... لكن ما إن يرسي المزاد على "الغانية" حتى ترفض أن توقع صك العتق، متفقهة بالقانون مع القاضي قائلة له: ... إذن أيّها القاضي أنت تجعل العتق شرطاً للامتلاك... أي أنّه لكي يكون امتلاك الشيء المبيع صحيحاً يجب على المشتري أن يتخلى عن هذا الشيء... هذا هو شرطك... لكي أشتري يجب أن أعتق... لكي أملك يجب أن لا أملك!... أترى هذا معقولاً؟!)(10) ">(10) - وبعد اقتناع يُبطل السلطان شرط العتق الذي وضعه القاضي ويقف في وجه الوزير ويمنعه من استخدام السيف، لإجبار الغانية على العتق، وبعدها يصبح مملوكاً للغانية، التي قررت استضافته ليلةً واحدةً، تنتهي عند آذان الفجر موعد توقيع عقد الصك الذي يبنى على أساسه عتق السلطان. - ترى من تكون تلك الغانية، التي تملك كل ذلك النفوذ بحكم القانون لا غيره؟ هل هي رمز لسواد الشعب، أو هي رمزٌ للفن والفكر معاً؟ المهم أن فعل العتق يتم عند آذان الفجر، بعد أن حرص القاضي على التعجيل بالآذان؛ إذ أمر بأن يُؤذن للفجر قبل موعده، إنقاذاً للسلطان. - وهكذا فقد تمّ عتق السلطان، وإعادته إلى الحكم عن طريق الالتزام بالقانون ورفض فكرة القوة المسلحة. وبمجرد عودته إلى السلطنة، وامتلاكه الشرعية يعفى عن النخاس الذي أذاع في الناس حقيقة كون السلطان عبداً، وتبرأ الغانية من الصفات السيئة التي ألصقت بها، ونشهد تعلقها بالفن والتضحية في سبيله، وهي على مايبدو ليست رمزاً إلى الطبقة الدنيا من المجتمع، وليست رمزاً إلى الفن والفكر معاً، وإنما هي رمز إلى الطبقة البورجوازية في المجتمع، تلك الطبقة التي اهتمت بالفكر والفن معاً، والتي استطاعت أن تتحكم بالسلطة من خلال مادياتها، وكان لها تأثير في اختيار الحاكم إلاّ أنّه اختيار ملحوظ ومضغوط من قبل السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، التي جعلت مصلحتها فوقَ كل مصلحة أو اعتبار، وتكشف النهاية أيضاً عن تحايل القاضي وتلاعبه بالقانون عندما عجّل بموعد آذان الفجر، ويُدان تعسف الوزير الذي يمثل السلطة التنفيذية، ولجوؤه إلى القوة. - إن هذا العمل المسرحي دعوة صريحة إلى تحقيق نوع من التوازن بين القوى المختلفة في الدولة: الشعب الذي تمثله الغانية، والسلطة التي يمثلها القاضي، شريطة أن يتم هذا التوازن على أساس احترام الشعب، والاعتراف بحقوقه تماماً كما فعل السلطان مع الغانية، عندما قال لها:لن أنسى أني كنتُ عبدك.... يوماً من الأيام). إلا أن القضية الأهم التي حاولت أن تثيرها هي قضية شرعية الحاكم، وتؤكد أن الشرعية لا يمكن أن تتحقق بغير القانون، في الأمور كلها، صغيرها وكبيرها، يخضع له الجميع، كما أن الشرعية هي أساس الحق، وهي نابعة منه، وحين تغيب الشرعية تختلط الأمور، وتفسد، ويزيف الحق، ويساء إليه، بل يضيع، وحين تقام الشرعية يتضح الحق وتستقيم الأمور. - وقد استوحى الحكيم فكرة المسرحية من ما يرويه التاريخ في سيرة القاضي عبد العزيز بن عبد السلام)577-660هـ، و1181-1262م)، عندما تصدى للحكام من أمراء الدولة من المماليك الذين كانوا عبيداً، إذ عُرف بجرأته، فلم يصحح لهم بيعاً ولا شراءً، ولا نكاحاً، وتعطلت مصالحهم وكان من جملتهم نائب السلطنة، فاجتمعوا، وأرسلوا إليه، فقال: نعقد لكم مجلساً، وينادى عليكم لبيت مال المسلمين، ويحصل على عتقكم بطريق شرعي، فرفعوا الأمر إلى السلطان، فبعث إليه، فلم يرجع، فجرت من السلطان كلمة فيها غلظة، فغضب الشيخ، وحمل حوائجه، ومشى خارجاً من "القاهرة" فلم يصل إلى نحونصف بريد إلا وقد لحق به غالب المسلمين، فبلغ السلطان الخبر فركب بنفسه، ولحقه، واسترضاه، فرجع، وتمّ له ما أراد، ونادى على الأمراء واحداً واحداً، وغالى في ثمنهم، وقبضه، وصرفه في وجوه الخير)(11) ">(11) . - هكذا فإن مشهد بيع السلطان بالمزاد العلني، له أصوله التاريخية في سيرة قاضي القضاة عبد العزيز بن عبد السلام) إلاّ أن المسرحية لم تتقيد بالحادثة التاريخية، ولم تتقيد بزمان محدد أو مكان محدد، بل استعان الحكيم بالحادثة التاريخية بما يتطلبه البناء الفكري للمسرحية، ساعياً إلى التعبير بقدرة وموضوعية عن ذلك السؤال الذي يقف عالمنا اليوم أمامه حائراً، هل حلّ مشكلات العالم هو في الاحتكام إلى السيف، أو إلى القانون؟.... في الالتجاء إلى القوة أو إلى المبدأ؟....)(12) ">(12) . - لكن هل اتجه توفيق الحكيم حقاً إلى السياسة العالمية؟... ولِمَ لا؟ ألم يكن توفيق الحكيم مفكراً ويشغل مساحةً من هذا العالم، ويواكب الأحداث العالمية بخيرها وشرها؟ ثم ألا يحق له أنّ يبدي رأياً أو يقدم حلاً- كإنسان وكمفكر- تجاه القضايا التي تموج على سطح الساحة العالمية؟. - إن توفيق الحكيم هوالذي نفى فيما بعد صلة هذا العمل المسرحي بالسياسة العالمية، وأكد ارتباطه بالأوضاع الداخلية في مصر، في كتابه عودة الوعي) وذلك عندما تحدث عن عهد ثورة عبد الناصر قائلاً: ..... وعندما كان يخالجني بعض الشك أحياناً، وأخشى عليه من الشطط أو الجور كنتُ ألجأُ إلى إفهامه رأيٌّ عن بعد وبرفق، وأكتب شيئاً يفهم منه ما أرمي إليه، فقد خفت يوماً أن يجور سيف السلطان في يده على القانون والحرية فكتبت "السلطان الجائر"....)(13) ">(13) . - وقد ورد في موضع آخر تبرير من توفيق الحكيم لما قدمه -من أنّه اتجه إلى السياسة العالمية- وأكد ارتباط مسرحية السلطان الحائر)، بالأوضاع الداخلية في مصر العربية، بعد أن زالت الظروف التي حالت بينه وبين إعلان الحقيقة؛ إذ يقول:....كانت هناك ظواهر دفعتني إلى مواجهتها بالوسائل التي كانت في يدي، من ذلك ظاهرة خنق الحرية، وإعطاء القانون إجازة، وهنا رأيتُ من واجبي، أنّ أكتب "السلطان الحائر"، لأوضح وجوب احترام القانون والحرية، والابتعاد عن استعمال السيف والعنف، وجاءت هذه العبارة تحذيراً للحاكم، إن السيف يفرضك ولكنه يعرضك، أما القانون فهو يحرجك، ولكنه يحميك، إن الذي يحمي الحاكم حقاً هو القانون والحرية، وأما الخطر الذي يمكن أن يتعرض له فهو السيف الذي يظن أنه يحميه وكتبت "السلطان الحائر" عام 1960، عندما بدأت هذه الظاهرة في التكشف....)(14) ">(14) - لذا فقد أحال بعضهم تغيّر موقف قاضي القضاة في السلطان الحائر) إلى الواقع التاريخي الذي عاشته مصر في تلك الفترة...؛ إذ حرّض حماة القانون رجال الثورة من ضباط الجيش على التلاعب بالقانون، والاستخفاف به، وتسخيره لخدمة أهدافهم، فهم الذين أفتوا بعدم دعوة مجلس النواب الذي حلّه الملك السابق، وهم الذين أصدروا قوانين تنظيم الأحزاب والتطهير والعزل السياسي... وغيرها)(15) ">(15) . - وهكذا فقد حاول هذا العمل المسرحي التعبير من خلال استيحاء التاريخ، دون التقيّد به، أو الخضوع له عن قضايا ومشكلات تمس الواقع، وتنغمس فيه، ولعل أكبر دليل على ارتباط هذا العمل المسرحي بالواقع، وبالأحداث الجارية، هوالنجاح الذي لاقاه، عند عرضه في أوائل الستينيات على المسرح القومي، إذ حقق إقبالاً جماهيرياً واسعاً، بينما فشل وسقط عندما عرض في موسم 69-70)، على خشبة المسرح القومي أيضاً، ولعل نجاحه في المرحلة الأولى يعود إلى الظروف السياسية، والأحداث التي كانت تعيشها الأمة آنذاك، ولاسيما أنها كانت تعيش حالة سلم، وتطالب بسيادة القانون، والمسرحية -كما هو معلوم- دافعت عن القانون ودعت إلى التمسك به، والاقتداء بنصوصه. - أما سقوطه في المرة الثانية فإنّه يعود إلى أن الأمة العربية كانت تعيش في عام 1969) حالة حرب، وترفض السلام، بعد الهزيمة النكراء، خصوصاً أن المسرحية رأت أن القانون هو الطريق السليم والحل الصحيح، أما السيف فلا حاجة له ولا ضرورة. - وفي انغماس توفيق الحكيم في هذا العمل المسرحي، وغيره من الأعمال المسرحية في الواقع، والتعبير عنه، تأكيد لانسلاخه عن البرج العاجي الذي ظنه بعض الكتاب اعتصام الكاتب بالسحب اعتصاماً يبعده عن أحداث الواقع وحقائق الحياة، وهذا ما عبّر عنه توفيق الحكيم بقوله: فما من حدث استوجب تحرك القلم إلا حرك قلمي... وما من أمر هزّ البشرية، إلاّ هزّ نفسي، بل ما من قضية من قضايا الحياة الكبرى التي تمسّ الإنسان وتطوره وتقدمه إلا شغلتني ودفعتني إلى الجهر بالرأي حتى في النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، دون الالتفات إلى عواقب الرأي الحر والنقد المر...)(16) ">(16) . - فالبرج العاجي عند الحكيم، لا يعني الانسلاخ عن المجتمع، بل الانغماس فيه، ويعني البرج العاجي عنده الصفاء الفكري والنقاء الخلقي. والترفع عن الدنايا؛ إذ لا خير عندي للمفكر الذي لا يعطي من شخصه مثلاً لكل شيء نبيل رفيع)(17) ">(17) . - نلحظ مما تقدم أن عناصر التأصيل عند الحكيم في هذا العمل المسرحي قد تبدت من خلال اعتماد المسرح على استيحاء فكرة من التراث، والانطلاق بها في حرية كاملة، لإسقاط قضية مستمدة من الواقع، بهدف التحليل والتصحيح، وطرح الحلول المناسبة، التي تعدّ في نظر الكاتب، وربّما في نظر المتلقي هي الحل الأمثل، أي أنها تساير العصر، وتساير الرأي العام. وبهذا يكون الحكيم قد طبّق لما نظر له، بل كان وفياً لما طرحه من مبادئ تنظيرية في نظرية الاستنبات) التي طرحها، وذلك من خلال اعتماد المضمون على الاستيحاء من التراث، والاستمداد من الواقع. - أضف إلى ذلك أنّ الحكيم هنا لم يطبق من ناحية البناء الفني، القالب الفني الذي استحدثه، وإنما اعتمد على الشكل الذي عدّه الأساس في العملية المسرحية؛ إذ التزم بوحدة الزمان، ووحدة المكان، ووحدة الحدث وأقيمت المسرحية على أساس مقدمة فتأزم ثم انفراج، وإن اتبع فيها البناء التراجعي؛ إذ بدأت المسرحية من نقطة تطورت فيها الأمور وتعقدت. وتلاحقت المشاهد، وفي تلاحقها يتصاعد الحدث، فيصل إلى الذروة، ومن ثم يسلم القياد إلى ذروة أخرى، وهي قضية العتق، والصراع في المسرحية هو الصراع بين السيف والقانون، وهو الصراع الوحيد في المسرحية، لا كما جزم بعضهم من أن هناك أكثر من صراع، وأكدوا أنه لو كان الصراع بين السيف والقانون هو الصراع الوحيد لانتهت المسرحية عند الفصل الأول وذلك باختيار السلطان للقانون(18) ">(18) . 2 - المسرح والواقع السياسي والاجتماعي: لقد جاءت مسرحية الفرافير) 1964 بعد دعوة يوسف إدريس في مقالاته الثلاث إلى مسرح عربي، لذلك يمكن اتخاذها مثالاً تطبيقياً لتلك الدعوة النظرية. - تتألف المسرحية من جزأين، ويفتتح المؤلف العمل المسرحي بخطبة، يحاول أن يوضح فيها الخطة الجديدة التي ابتدعها، في إقامة علاقة جديدة بين الممثل والمتفرج، ويدعو الحضور إلى المشاركة في تأليف رواية جديدة للبحث في العلاقة القائمة بين السيد والفرفور... ومع بداية الرواية التي أخذت تتجسد شيئاً فشيئاً فوق خشبة المسرح، يبدأ السيد والفرفور في مناقشة تلك القضية الأزلية إنت سيد ليه.. وأنا فرفور ليه)، ومنذ البداية يتفق الاثنان على عدم ضرورة تحديد اسم كل منهما، إلا أنّهما يختلفان في تحديد مهنة كلٍ منهما، إذ ينبغي للسيد أن يمارس عملاً ما، وفي خضم البحث عن عمل يستعرضان كل المهن والوظائف، فلا يهتديان إلىعملٍ يرتاح له السيد إلا مهنة التُربي. - وتنسحب السيادة والفرفورية على مهنة حفار القبور) إذ أن السيد يعمل سيداً، بينما فرفور يحفر القبور، ويحتدم النزاع بينهما فيستنجدان بالمؤلف كاتب الرواية، الذي يظهر غاضباً ومحذراً من أي خروج عن النص، إلا أن البحث عن عمل، وتسخير فرفور في خدمة السيد، تثير انتباه فرفور، وتحثه على طرح السؤال التالي: فرفور: سيد إنت ياسيدي... اللا قولي ياسيدي,. السيد: عايز إيه؟ فرفور: اللا إنت سيدي ليه؟)(19) ">(19) . وعندما يعي فرفور الحقيقة، ويحاول أن يتمرد على واقعه، لأنه مؤمن بأنّهما؛ السيد والفرفور، وكل سيد وفرفور هم أبناء آدم فما الذي جعل أحدهم سيداً والآخر فرفوراً، وعندما يعجزان عن إيجاد جواب للمعضلة يستنجدان بالمؤلف ليسألاه الخلاص،فيدخل المؤلف وقد قصرت قامته إلى النصف تقريباً قائلاً: - وكما جعل القدر لكل سيد فرفوراً، ولكل فرفور سيداً، كان لابد لكل منهما من زوجة تعينه على استمرار الحياة، وإنجاب الأولاد، ومع إنجاب الأولاد تكون النواة الأولى في المجتمع، وتبدأ رحلة البحث عن عمل من أجل كسب العيش، ويعملان معاً بالمهنة التي اختاراها منذ البداية، وتبدأ رحلة البحث عن أموات، ويتّم ذلك عن طريق القتل بالأجر، ونتبين أن هذه المهنة، وهذه المهمة مهمة القتل، تستدعي أن يكون السيد سيداً، والفرفور فرفوراً. وفي الجزء الثاني ينفصل السيد عن الفرفور، ونكتشف بعد لقائهما أن الفرفور قد التحق بخدمة أسياد آخرين لا حصر لهم، ولعل الملفت للنظر أن كل سيد قام الفرفور بخدمته كان أسوأ من سابقه؛ إذ تعلم الفرفور منهم الوحشية، وآل أمره إلى احتراف شراء أدوات الدمار وراح يطوف صائحاً: فرفور:... كل حاجة قديمة للبيع، عظمة قديمة للبيع، أسياد قديمة للبيع، مدافع قديمة للبيع، قنابل ذرية قديمة للبيع... بيكيا... حدش عنده إيدروجينية، مجلات كتب، فلسفة، جرايد قديمة للبيع، روايات، مسارح، مؤلفين قدام للبيع، بيكيا.....)(21) ">(21) . - أما السيد فقد تحسنت حالته المادية بعد أن انفصل عن الفرفور باعتماده على عمل أولاده، وقد جمع من جهودهم أموالاً لا تحصى، لكنه أضاعه بسبب تبذيره، لذا فهو مضطر إلى العمل مع فرفور في حفر القبور. ونعود مرة أخرى إلى ما بدأنا به، وهوأن السيد يريد لنفسه السيادة ويثقل كاهل الفرفور بالعمل، على الرغم من اعتراض الفرفور وتمرده، لأنّ المؤلف أراد ذلك، وعندما يستنجد الفرفور بالمؤلف، لإيقاف المحتوم يتّبين أن المؤلف قد تلاشى، وترك الشخصيات تواجه قدرها بنفسها. ومع هذه المواجهة يقترح فرفور إعادة صياغة الرواية من جديد، بشكل يتساوى فيها السيد والفرفور، ومع كل المحاولات التي طُرحت للخلاص من التراكمية، لم يجد السيد والفرفور حلاً لهذه المعضلة إلا بالوصول إلى العالم الآخر، حيث المساواة والعدل، لكنهما يكتشفان بعد الانتحار أن السيادة والفرفورية قضية أزلية استمرت إلى ما لا نهاية. - لقد حاول يوسف إدريس في مسرحية الفرافير) أن يعالج على صعيد المضمون قضية التبعية والسيادة) عن طريق شخصيتين رئيسيتين هما السيد والفرفور، فالإنسان عنده إما أن يكون سيداً أو فرفوراً، وقد يكون سيداً في علاقة ما ويصبح فرفوراً في علاقة أخرى، وهذا ما عبّر عنه فرفور حين قال:سيد ليه. في حاجة اسمها ليه، أنا سيدك وخلاص، كل سيد لازم يبقى سيد وإلا الدنيا تبوظ، والكون يفسد وتحل الفوضى)(22) ">(22) ، فالبشرية عنده تعيش في إطار علاقة واحدة، قوامها التابع والمتبوع، السيد والمسود، مهما تعددت أشكال تلك العلاقة أو تنوعت، يقول بطل المسرحية: وعارفة طول عمرهم عايشنها إزاي؟ فوق بعض، بالطول كده،كل واحد شايل التاني، كل سيد فوقه سيد كل فرفور تحته فرفور.. احنا 36 مليون بني آدم عاملين بالطول كده واحد شايل واحد، وكل واحد عايز يوّقع اللي شايله ويفضل متسمر فوق اللي تحته... مفيش نظام يرصنا جنب بعض بالعرض كده؟... مافيش؟...)(23) ">(23) . - لقد حاول يوسف إدريس أن يختار بعض الجوانب من الواقع المعيش في مصر آنذاك، وأن يضفي صبغة من التحليل الموضوعي، فيقدم اكتشافاً لحقيقة الحياة التي يعيشها الإنسان العربي، ولحقيقة الواقع السياسي، لأن، المسرح -عنده- لا يهدف إلى المتعة فحسب، بل يهدف إلى الفائدة أيضاً، التي تتجلى في تعرية الواقع، ومحاولة اكتشاف الذات، وهذا ماحدا ببعض الدارسين(24) ">(24) أن يطلق على مسرح يوسف إدريس مسرح التحريض)، أو مسرح القسوة أسوة بمسرح جاري. - لقد أراد إدريس أن يصدم المتفرج بالواقع الذي يعيشه، وذلك عندما قدّم له نفسه على حقيقتها، دون زيفٍ أومواربة، على أمل أن يسعى المشاهد إلى اكتشاف تلك الحقيقة، ومن ثم يحاول أن يغيّر ذلك الواقع، ويبدله بواقع أسمى وأفضل، فمن قبيل ذلك، الحوار الذي دار بين السيد والفرفور، وهما يستعرضان بعض الوظائف والمهن من أجل تشغيل السيد في واحدة منها؛ إذ تمّ توجيه الاتهام إلى كل من يشغل هذه الوظائف أو المهن، وسلطت الأضواء من خلال اللسان اللاذع، على الرأسمالية الوطنية، والفنان، والمؤلف، والمحامي، ووكيل النيابة، والطبيب، والمحاسب، ولاعب الكرة، والمذيع، وشرطي المرور، والشحات الإفرنجي، ووجّه نقداً صريحاً إلى عملية الاستيراد والتصدير، وإلى الجمعيات التعاونية السكنية(25) ">(25) . - إن أدريس لا يريد أن يقدّم نقداً للمجتمع كأفراد، وإنّما هدفه هو تسليط الضوء، وكشف عيوب السياسة التي اتبعتها الدولة في تطبيق النظم الاشتراكية،ولاسيما أن تطبيقات النظم الاشتراكية في مصر آنذاك قد باءت بالفشل، فقد أشارت بعض الدراسات إلى أن التعاونيات الزراعية عمّها الفساد، وازداد شقاء الفلاح، وضمن العامل وظيفته وعلاوته وربحه، إلا أنّه فقد الحافز والشعور بالمسؤولية، ومع المناداة بالقضاء على البطالة ألحق بالعمل الذي يحتاج إلى عامل واحد عاملان، وبالنتيجة عمّ الفساد، وانتشرت الرشوة. - فالإشارة إلى مداخلات الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي، والتعبير عنه، بكل قوة وزخم كان واضحاً في الجزء الأول(26) ">(26) من هذا العمل المسرحي، وفي الجزء الثاني، حاول إدريس أن يحدّ من هذه المعضلة، ويطرح حلاً يناسب الإنسان في كل زمان ومكان، ذلك بأن يلتزم الناس بمبدأ المساواة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، إلاّ أن هذا الحل باء بالفشل، وبات الحلم بالمساواة، وتحقيقه عند إدريس أمراً مستحيلاً. - إن إدريس لم يكتفِ بمعالجة القضية على المستوى الاجتماعي والأخلاقي المحلي، بل تجاوز ذلك إلى العالم الأرحب، لتكتسب مسرحيته طابعاً إنسانياً عاماً، إذ تصبح المشكلة مشكلة الإنسان في كل زمان ومكان التاريخ نفسه برضه راكب فوق بعضه، حضارتنا، كل دولة عايزة تبقى الست على الدول، وكل حضارة عايزة تبقى ست الحضارات، قال إيه انهيار الحضارة اليونانية، وقيام الحضارة الرومانية، قال إيه الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وكله كله فرفور وسيد، مين، يبقى سيد ومين يبقى فرفور، وأنا فرفور ليه، وأنت سيد ليه؟...)(27) ">(27) وتلك هي المشكلة، وينهي إدريس محاكمته تلك بإدانة المفكرين والفلاسفة، الذين أخفقوا في إيجاد حل، أو لأنّهم لم يساعدونا على أن نرى الحقيقة وأصل الحق مش علينا الحق على اللي بيشوفو لنا الفلاسفة بتوعنا والمفكرين،اللي التفكير عندها لازم يكون تفكير في التفكير، والتفكير الحقيقي هي اللي يفكر في اللي، بيفكر إنه يفكر، إنما آهه آدي مشكلة حياتنا كله أهه، حدش يجدعن ويفكر لها في حل؟...)(28) ">(28) . - وقد جهد في إيجاد حل لمشكلتهما، لكن دون فائدة ترجى، فليس الحل في أن يصبح السيد فرفوراً، ولا أن يصبح الفرفور سيداً، ولا في أن يصبح الاثنان أسياداً أو أن يصبحا فرفورين، لذا فقد أقدما على الانتحار علّهما يجدان الخلاص في حياة ما بعدالحياة، ولكن صعودهما إلى السماء يخيّب أملهما؛ إذ لا يجدان حلاً لمشكلتهما لأن السيادة والفرفورية لحقتهما إلى العالم الآخر؛ ذلك أنّهما بعد أن انتحرا تحولا إلى ذرات، وتحولت الذرات إلى إلكترون وبروتون، وأخذ الإلكترون وهو الأخف ويمثل الفرفور، بالدوران حول البروتون لأنه هو السيد. - وهكذا فقد حاول يوسف إدريس في مسرحيةالفرافير) - على الرغم من تركيزه على قضية فلسفية عامة - أن يصور الواقع، ويعكس بعض جوانبه، انعكاساً ديناميكياً قائماً على الاختيار والاختزال والاختصار، معبّراً عن وجهة نظره، ومسجلاً رأيه فيما يجري على الساحة من أحداث، وقد تبيّن أنّه لم يتخذ موقفاً سلبياً من هذه الأحداث، بل كان له موقفه الذي حاول فيه أن يطرح بعض الحلول التي يعتقد بأنّها تساهم في بناء الاقتصاد وفي بناء المجتمع. - أما على صعيد الشكل المسرحي، فقد امتلكت مسرحيةالفرافير) خصائص فنية متميزة تتعلق بعناصر العمل المسرحي، فمن قبيل ذلك المكان)؛ إذ لم يعد ذلك المكان الذي تجتمع فيه مجموعة من الأفراد لمشاهدة عملٍ ما، بل أصبح المكان اجتماعاً بشرياً أو تجمعاً إنسانياً، مشروطاً بتحقيق المشاركة الوجدانية والفعلية، فالشكل المسرحي -عند إدريس- لابد أن يتوفر فيه عنصران أساسيان: أولهما وجود الجماعة والحضور الجماعي، وثانيهما قيام هذه الجماعة بأداء عملٍ ما، وهذا ما عبّر عنه إدريس في بداية المسرحية، عندما قال على لسان إحدى شخصيات المسرحية: ....إحنا في مسرح والمسرح احتفال اجتماع كبير، مهرجان، ناس كتير، ناس بني آدميين سابو المشاكل بره وجايين يعيشوا ساعتين ثلاثة مع بعض، عيلة إنسانية كبيرة اتقابلت وبتحتفل أولاً أنّها اتقابلت وثانياً إنها حاتقوم في الاحتفال ده بمسرحة وفلسفة ومسخرة نفسيها بكل صراحة ووقاحة وانطلاق)(29) ">(29) . - ومادام المسرح- عند إدريس- احتفالاً ومشاركةً، فطبيعي أن تلغى المسافة بين خشبة المسرح والصالة، أو بين الممثل والمتفرج، وقد نصّ صراحة على دمج خشبة المسرح بصالة المتفرجين عندما قال في مقدمة المسرحية:هذه الرواية مكتوبة على أساس اشتراك الجمهور مع الممثلين في تقديم العمل المسرحي باعتبارهم وحدة واحدة، ولهذا فالجمهور يعتبر جزءاً من الممثلين، والممثلون يعتبرون جزءاً من الجمهور، وإذا كان المسرح الإغريقي ومن ثم الأوروبي قد اصطلح على تسميته بالخدعة المتفق عليها، فمسرحنا في رأيي هو الخدعة التي لم يتفق عليها، الخدعة الكاملة المباشرة بلا أي محاولة لتخفيفها أو مواريتها)(30) ">(30) وبهذا يكون إدريس قد حول المسرح إلى وحدة كلية ضمت الممثلين والجمهور معاً، بعد إزالة المسافات التي تباعد بين الممثل والمتفرج، تلك المسافات المادية والمعنوية، وأصبح الممثل جزءاً من الجمهور، والجمهور جزءاً من الممثل، فالمسرح -عنده- احتفال ومشاركة، لذا فقد طالب إدريس بإزالة الجدار الرابع، واستبداله لا بالمسرح الدوار ولكن بالمسرح الدائري الذي يشبه حلقة تكونت نتيجة لتجمع جماعة من الناس، فالمسرح الأفضل -عنده- ليس هو المسرح العادي ولكنّه المسرح الدائري أو الحلقة التي تتكون نتيجة تجمع أي جماعة من الناس على شرط أن تزود بالإضاءة الكافية، ولا يحتاج الأمر إذن لأبواب دخول وخروج فباستطاعة الممثل أن يخترق الصفوف في طريقه إلى الدائرة المسرحية في الوسط وهو داخل ثم وهو خارج)(31) ">(31) هذا ماحدث فعلاً في هذا العمل المسرحي عندما قال المؤلف الذي هو أحد، شخصيات المسرحية: أنا كمان حا ألغي المسافة اللي ديماً يتبقى بين المؤلف والجمهور، وتخوفهم من بعض، اسمحوا لي أقرب منكم" يغادر المنصة مقترباً من مقدمة المسرح" أنا كل قصدي إننا نلغي المسافات اللي بينا، ونرفع الستاير اللي بين كل واحد والتاني، ونعيش ساعة يا إخوانا... ساعتين... ثلاثة للصبح إذا حبينا... نمثل على بعض ونألف مع بعض ونتفرج لبعض)(32) ">(32) إن غاية أدريس لم تكن إلغاء المسافة المعنوية بين الممثل والمتفرج فحسب، بل بين المتفرج والمتفرج، ألسنا في احتفال؟ إحنا كلنا بني آدمين زي بعض، إخوات، خايفين من بعض ليه؟ كتفك في كتف الثاني وبينك وبينه ألف كيلو ابتاع إيه؟ بص له يا أخي، قول له مساء الخير، اعزم عليه بسيجارة، ده بيتكلم عربي زيك، ومالوش ناب واللّه)(33) ">(33) . - ولم يكتفِ إدريس لتحقيق عملية التواصل الوجداني، بإقامة العلاقة بين الممثل والمتفرج؛ إذ أصبح المتفرج جزءاً عضوياً من المشهد، بل أكد ضرورة إلغاء فكرة الرواية الجاهزة، فالنص المسرحي ليس من الضروري أن يكون محضّراً قبل تجسيده على خشبة المسرح كما هي العادة، إذ لا بد أن يشارك المتفرج بتأليف الرواية، أو أن يعدّل فيها، ويغيّر من أحداثها. - وفي هذا الكيف المسرحي الجديد سقطت التفرقة بين الشكل والمضمون، فالمضمون هو الشكل والشكل هو المضمون، وبات ارتباط الشكل بالمضمون عضوياً لاستقائهما من منبع واحد، لذا فإنّ إدريس يرى أنّ الشكل المسرحي المستورد لا يصلح لصبّ المضمون العربي فيه فلا يكفي لإيجاد مسرحنا المصري أن نعثر على الموضوع المسرحي المصري، وإنما يجب أن نخلق لهذا الموضوع الشكل المسرحي النابع منه، والملائم له والذي يستطيع إبرازه وتقديمه إلى أبعد وأوسع مدى)(34) ">(34) . باختصار يرى إدريس أن المضمون الذي نريد عرضه هو الذي يفرض الشكل المسرحي الملائم، وليس الشكل المجرد قالب يصب فيه المضمون. - وبهذا يكون إدريس وفياً للأصل الذي انطلق منه وهو الذي آمن بأن هناك ظواهر بدائية للمسرح موجودة في بلادنا، تلك التي ينسى فيها كل فرد قائم بذاته ويندمج في الذات الجماعية الأكبر باعتبار أن الخاصية الأولى لأي فن هي جماعيته مثل السامر،وحفلات الذكر والاحتفالات بالموتى والأراجوز وخيال الظل وحتى الجلوس على المقاهي، إنه حالة بليدة من حالات التمسرح، وإنّه بالبدء من هنا، يأخذ هذه الظواهر وتطويرها للوصول بها إلى المستوى الفني والموضوعي الذي وصل إليه المسرح الأوروبي(35) ">(35) .... - نخلص من ذلك إلى القول: إن إدريس طرح مفهوماً جديداً للمسرح، من خلال تمرده على قالب المسرح الغربي، والتزامه بمسرح السامر الشعبي، معتمداً على تحويل خشبة المسرح إلى مكان تجمع بشري يختلط فيه الممثل بالمتفرج في وحدة عضوية، من خلال المشاركة الفعلية في التمثيل والتأليف والتصميم، لكن أين ذلك كلّه؟ - لقد حقق إدريس مادعا إليه من العودة إلى مسرح السامر والانطلاق منه نظرياً لا عملياً، ولإثبات ذلك نورد بعض الأمثلة والشواهد: - فيما يخص مكان العرض المسرحي الذي حدده إدريس بأنّه ذلك المكان الدائري الذي يتجمع فيه الناس ليحققوا نوعاً من التجانس الفني، نراه يقول: نظراً لأن توفر هذا النوع من المسارح التلقائية غير مضمون الحدوث فيمكن تمثيل الرواية علىالمسرح العادي، بحيث تتخذ إجراءات ميكانيكية لإلغاء المسافة الكائنة بين خشبة المسرح وجمهور الصالة وهي المسافة التي تخصص للأوركسترا في الغالب إذ يكفي تغطيتها ....) ومن ناحية أخرى ممكن وضع كراسي للمتفرجين العاديين فوق المسرح من الخلف بحيث لا يرى المتفرج ستائر خلف الممثلين وإنما يجد جمهوراً أيضاً يكوّن شبه الدائرة المفروضة....)(36) ">(36) . وبهذا نكون قد عدنا إلى ما بدأنا به، وهو تجسيد هذا العمل المسرحي على خشبة المسرح المستوردة. - أما فيما يخص إلغاء المسافة بين الممثل والجمهور، ومشاركة الجمهور في العمل المسرحي، فقد سقطت أيضاً لأن إدريس بث بين الجمهور بعض الممثلين الذين حاولوا أن يقدموا بعض الحلول للقضية المطروحة، ولم تكن المشاركة مشاركة عفوية تلقائية، بل كانت مشاركة مصطنعة مدبّرة، قام بها بعض الممثلين المشاركين في الجلوس مع الجمهور، أمام خشبة المسرح. - أضف إلى ذلك أن المشاهد لم يشارك في خلق النص المسرحي، ولا حتى في تعديله أو تغيره، والنص كتب قبل العرض ونُفذ كما أراده المؤلف. إلا أنّ إدريس قد حقق إلغاء الجدار الرابع في هذا العمل المسرحي، وذلك عن طريق توجيه الحديث إلى الجمهور، وبث الممثلين بين المتفرجين، وتنقلهم بينهم، يقول المؤلف في مسرحية الفرافير:أنا كمان ح ألغي المسافة اللي دايماً بتبقى بين المؤلف والجمهور، وتخوفهم من بعض، اسمحوا لي أقرب منكم، "يغادر المنصة مقترباً من مقدمة المسرح فيكتشف المتفرجون أنه رغم أناقة نصفه الأعلى يرتدي شورت) قصيراً جداً يكشف عن ساقيه الطويلتين الرفيعتين وحذائه الذي يرتديه بلا جوارب، وحين يعم الضحك في الصالة لمنظره" مع تقديري لشعوركم النبيل ده وفرحتكم بأني قريب منكم أنا مش شايف أي مناسبةللضحك...)(37) ">(37) ويتابع حديثه مع الجمهور، مما يدل على خرق الجدارالرابع، وتحقيق الحوار بين الممثل والمتفرج، وعن طريق هذا الموقف ومواقف أخرى حاول إدريس أن يربط بين الصالة والمنصة. - إن إدريس فيما يخص العرض المسرحي كمكان ومشاركة لم يستطع أن يتمثل التراث الشعبي أو حالة التمسرح عملياً، بل عاد من جديد ليقترب من طبيعة المسرح الأوربي، المتوارث سواء من الإغريق أو الأوروبيين القدماء والمحدثين،ولا غرابة في ذلك ألم يتنبأ إدريس من قبل بأنّه مهما غيّرنا وبدلنا وطورنا في المسرح الأوروبي فستبقى طبيعته أوروبية بعيدة عنّا بعد أوروبا عنا لا نندمج معها مثلنا مثل الماء والزيت)(38) ">(38) لكن إذا لم يكن إدريس قد حقق ما نظّر له على صعيد الشكل المسرحي فهل حدث الأمر ذاته على صعيد التمثيل؟! - يقول إدريس فإنّي مع إيماني الشديد بالمواهب الضخمة التي يتمتع بها ممثلونا المسرحيون بمختلف مدارسهم إلا أني شخصياً أميل إلى الطريقة التي لا تجعل الممثل يندمج اندماجاً كاملاً في الدور، بحيث ينسى جمهوره تحت شعار الانفعال الحقيقي الصادق... ولست أيضاً من أنصار أن يتحول الممثل إلى خطيب لا عمل له إلا هذا الجمهور، إني من أنصار "عين في الجنة وعين في النار". عين على الدور والموقف والانفعال وعين على الجمهور...)(39) ">(39) وهذا يدل دلالة واضحة على أن إدريس يؤمن بالاتصال والانفصال في أثناء تأدية الدور، لأنه لا يخاطب الفرد بل يخاطب الشعور الجمعي، ولتحقيق ذلك لا بد من مراقبة الصالة بطريقة تقيس مدى درجة حرارة التجاوب،ومن خلال ردات الفعل العفوية والتلقائية التي تصدر عن الجمهور، والتي قياساً عليها يمكن تغيير المواقف والأفعال لأنّي أؤمن بالدور الذي يرسم كل ليلة بمسطرة وبرجل مستمدين من جمهور الحاضرين الجدد مشاعرهم، إن لشعبنا طريقته الخاصة في النظر إلى الأشياء ومحاولة الممثل أن يرى الموقف لا بعينه وحده، ولكن بعيون الجمهور المحتشد لمشاهدته تغير تغييراً كبيراً من طريقة التمثيل نفسها....)(40) ">(40) وهذا يعني أن إدريس يعتمد على ممثلين محترفين، يراقبون الجمهور، ويلاحظون ردة فعله، ويغيّرون بقدر ردّة الفعل، وهو لايعتمد على الجمهور نفسه، ولا يلغي دور الممثل وعملية التمثيل. - والحقيقة لم يحدث شيء مما أراده إدريس، إذ لم يشارك الجمهور بالعمل المسرحي، ولم يناقش، أو يحلل بل بقي منصتاً ومتفرجاً، تتعالى أصوات المتفرجين في الصالة عندما يكون الموقف مضحكاً، وهذا ما اعترف به إدريس صراحة عندما أعلن أن المشاركة لم تتحقق على الرغم من أنّه ترك في العمل المسرحي جزءاً خاصاً للمشاهدين(41) ">(41) أما فيما يخص الأقنعة فقد رفض إدريس استخدام القناع مراعياً ذوق الجمهور، والشعب العربي إجمالاً ولكني لا أحبذ استعمال الأقنعة هنا فأنا شخصياً أكره التمثيل بالأقنعة، وشعبنا يكرهها تمثيلاً أو حقيقةً،... فلمسرحنا تقاليد عربية ربما أعرق من الكورس والقناع وقواعد أرسطو)(42) ">(42) وإذا كان إدريس لم يستخدم القناع في الفرافير مباشرة، فقد لعب المزين دوراً في تغيير ملامح وجه الممثل بما يتناسب مع الدور المطلوب، إذ أصبح شكله أقرب إلى المهرج، في تغيير ملامح وجهه وفي لباسه، وبذلك تحقق القناع وإن لم يستخدم. - أما عن شخصية فرفور فهو قادر على نقد أوضاع المجتمع والحياة، وهو أكثر الناس جرأة في صراحته ووقاحته، وعنده مقدرة فائقة على السخرية من نفسه ومن الآخرين، لذا فإنّ هذا التميّز جعله يصعد فوق خشبةالمسرح، ويقوم بهذا الدور،وهو ابن البيئة العربية المصرية، الذي يصدر في تصرفاته عن السليقة والطبع دون تكلف، أي إنه فرفور في حياته العادية... وفرفور حين يقوم بهذا الدور. - وتجذيراً لهذا البطل الشعبي يعلن إدريس أن فرفور) هو ظاهرة اجتماعية موجودة في كل زمان ومكان، فقديماً وقبل أن يعي الناس حقيقة التمثيل وُجِدَ فرفور، وانفرد في الحلبة، ليعبّر عن وجهة نظر جديدة، وأصيلة وغريبة، بث السعادة والحماس والضحك في قلوب المتفرجين، ولهذا كان لا يجرؤ على الوقوف وسط الجموع المحتشدة، إلا فرفوراً حقيقي يتحدث ويضحك ويهرج بالسليقة، ولا يفتعل، إذ هو في حياته أيضاً فرفور)(43) ">(43) إذن فهو يمثل الشخصية العربية المصرية، فالفرفور هو التمثيل الصارخ للمزاج المصري الصحيح، المزاج الساقط في مسرح وبلا تدمير، والذي يعتمد على السخرية كسلاح أساسي يواجه به نفسه، ويواجه به غيره، ويواجه به الحياة)(44) ">(44) إن الفرفورية تعدّ علامة واضحة من علامات التمسرح على هيئة السامر، وهو من الآثار الفنية التي قامت في مصر، منذ زمن قديم، وتعدّ شخصية فرفور ومؤهلاته التي أفاض في شرحها يوسف إدريس مثالاً صادقاً لروح الشعب العربي المصري، أضف إلى ذلك أنها كانت أقرب إلى شخصيات مسرح الدمى، والقراقوز، أو إلى شخصية المهرج، وبدا ذلك واضحاً من خلال تجسيدها الفني؛ إذ لبس فرفور زياً عتيقاً، براق اللون،وطربوشاً، وغطى وجهه بالدقيق، وكما يحدث في السيرك يدخل فرفور الصالة كالإعصار، بعد أن يتمّ الإعلان عن دخوله، وترتفع مع دخوله أصوات الموسيقى الشعبية الصاخبة، يصحبها ضوضاء، وهو يحمل هراوة في يده، ويُحدث هرجاً ومرجاً، وهناك مواقف أخرى تذكر بالمواقف القراقوزية، ففرفور يكلمه السيد، ومن خلال حوارهما وتعليقاتهما تأخذ المسرحية مداها. - إنّ إدريس لم يعبّر عن روح الشعب العربي المصري من خلال هذه الشخصية فحسب بل بما بثه أيضاً من روح الدعابة والفكاهة والهجاء والسخرية، وهذه صفات -كما عهدناها- تدخل في تركيب طبيعة الإنسان العربي في مصر. - وهكذا فقد حاول إدريس أن يعبّر عن الروح العربية المصرية، وينطلق من البيئة المحلية ليرسم ملامح المسرح العربي، وقد وفق في طرح الموضوع العربي الذي تلاءم مع الشكل، فـ اهتداء إدريس إلى "الفرفورية" باعتبارها سمة أصيلة من سمات الشخصية المسرحية المصرية، أو باعتبارها تمثيلاً صارخاً لروح الشعب المصري الدفين،قد ساعده على أن يتأدى منها تأدياً طبيعياً إلى المشكلة التي تعمل في ضمير هذا الشعب على مدى زمن مساحته خمسة أو ستة آلاف عام، وأعني بها مشكلة "التبعية والسيادة" التي أثرت إلى أبعد حدٍ في منطق تفكيره، وطريقة سلوكه، وأسلوبه في الحياة، والتي كانت بمنزلة أزمة تاريخ ومحنة حضارة، وإن مثلت على الوجه الآخر نضال وإرادة الأمة، وانتصار حياة)(45) ">(45) - والحقيقة إن تجربة إدريس تستحق الدراسة، فهي إعادة اكتشاف لتقاليدنا الفنية القديمة، ووسائلها في التأثير، ومحاولة الوصول إلى نوع جديد من المسرح يحل محل تلك الطقوس البدائية التي كفت حاجة الإنسان إلى التمسرح -على حد تعبير إدريس- لكن هل يعني ذلك أن إدريس قد استغنى عن قواعد المسرح الغربي وأصوله؟!. (1) ">(1) العالم، محمود أمين، "الوجه والقناع في المسرح العربي"، ص245. (2) ">(2) عرسان، علي عقلة، "قصة مهرجان دمشق للفنون المسرحية"، الموقف الأدبي، اتحاد الكتاب العرب، ع2، حزيران، 1971، ص 35-39. (3) ">(3) العالم، محمود أمين، الثقافة والثورة- مقالات في النقد- دار الآداب، بيروت، 1970، ص 42. (4) ">(4) د.محبك، أحمد زياد، "حركة التأليف المسرحي في سورية"، ص 394. (5) ">(5) السامرائي، ماجد، "التراث منطلقاً للمعاصرة"، الأقلام، بغداد، ع9، س13، 1978، ص24. (6) ">(6) الحكيم، توفيق، "السلطان الحائر"، المطبعة النموذجية، الحلمية الجديدة، د.ت.ص9. (7) ">(7) الحكيم، توفيق، السلطان الحائر، ص 58. (8) ">(8) المصدر السابق، ص 71. (9) ">(9) المصدر السابق، ص75. (10) ">(10) المصدر السابق، ص106. (11) ">(11) السبكي، عبد الوهاب، تقي الدين، "طبقات الشافعية الكبرى"، المطبعة الحسينية، القاهرة، د.ت، ج5، ص84-85. (12) ">(12) الحكيم، توفيق، مسرحية "السلطان الحائر"، ص9. (13) ">(13) الحكيم، توفيق، عودة الوعي، دار الشروق، بيروت، 1974، ص 61. (14) ">(14) الحكيم، توفيق، عودة الوعي، دار الشروق، بيروت، 1974، ص 110، عن دوارة فؤاد، مسرح توفيق الحكيم، - المسرحيات السياسية-، ص290. (15) ">(15) دوارة، فؤاد، مسرح توفيق الحكيم، - المسرحيات السياسية-ص 300. (16) ">(16) الحكيم، توفيق، أدب الحياة، دار مصر للطباعة، 1988، ص95. (17) ">(17) المصدر السابق، ص98. (18) ">(18) ينظر، دوارة، فؤاد، مسرح توفيق الحكيم- المسرحيات السياسية-، ص293. (19) ">(19) إدريس، يوسف، مسرحية الفرافير، نحو مسرح عربي، ص198. (20) ">(20) المصدر السابق، ص199. (21) ">(21) المصدر السابق، ص 219. (22) ">(22) المصدر السابق، ص 240. (23) ">(23) المصدر السابق، ص 250-251. (24) ">(24) ينظر، فرج، ناديا رؤوف، الجوانب النظرية لمسرحيات يوسف إدريس، يوسف إدريس، 1927-1991، ص 367. (25) ">(25) ينظر، إدريس، يوسف، مسرحية الفرافير، نحو مسرح عربي، ص 189-192. (26) ">(26) ينظر، إدريس، يوسف، مسرحية الفرافير، نحو مسرح عربي، ص192. (27) ">(27) المصدر السابق، ص 251. (28) ">(28) المصدر السابق، ص 251. (29) ">(29) المصدر السابق، ص181. (30) ">(30) إدريس، يوسف، مقدمة مسرحية الفرافير، نحو مسرح عربي، ص 175. (31) ">(31) المصدر السابق، ص 175. (32) ">(32) إدريس، يوسف، مسرحية الفرافير، نحو مسرح عربي، ص 181-182. (33) ">(33) المصدر السابق، ص181 (34) ">(34) إدريس، يوسف، نحو مسرح عربي، ص 493. (35) ">(35) ينظر، المصدر السابق، ص 467-468. (36) ">(36) إدريس، يوسف، مقدمة مسرحية الفرافير، نحو مسرح عربي، ص 175. (37) ">(37) إدريس، يوسف، مسرحية الفرافير، ص181-182. (38) ">(38) المصدر السابق، ص 476. (39) ">(39) إدريس، يوسف، مقدمة مسرحية الفرافير، ص 175-176. (40) ">(40) المصدر السابق، ص 176. (41) ">(41) ينظر ، إدريس، يوسف، شهادة إدريس مسرح)، ص 298. (42) ">(42) إدريس، يوسف، مقدمة مسرحية الفرافير، نحو مسرح عربي، ص 176. (43) ">(43) إدريس، يوسف، نحو مسرح عربي، ص 485. (44) ">(44) العشري، جلال، ثقافتنا بين الأصالة والمعاصرة، ص 215. (45) ">(45) العشري، جلال، ثقافتنا بين الأصالة والمعاصرة، ص 217. |
|
| الصفحة الرئيسة | | صفحة الدوريات | | جريدة الاسبوع الأدبي | | صفحة الكتب | | اصدارات جديدة | | معلومات عن الاتحاد | | دليل الكتب | |
| سورية - دمشق - أتوستراد المزة - مقابل حديقة الطلائع - هاتف: 6117240 - فاكس: 6117244 |